الإستشهاد في فكر الآباء – ديمومة الاستشهاد في المسيحية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

أسباب انتصار المسيحية

سر انتصار الإيمان المسيحي | المحبة

الأساس الكنسي السرّي لديمومة الاستشهاد

القيم الروحية للاستشهاد المسيحي

أنواع شهادات كثيرة

معمودية الدم

الشهادة ذبيحة افخارستيا

قوة الاستشهاد وامتداد الكرازة

أسباب انتصار المسيحية

قدَّمت المُثُل المسيحية إجابة وشبع لأعمق أحاسيس البشرية، التي تمت بالفداء الذي أكمله المسيح، ويحكي لنا التاريخ قداسِة المسيحيين الأولين وطهارتهم وصلاحِهِم وسُمُوِهِم العجيب، تلك القِيَم الروحية المسيحية التي علَّمنا إياها السيِّد له المجد.

وإشراق الحياة المسيحية العملية التي مارسها المسيحيون وطبَّقوها بشجاعة وحُب وهدوء نادِر، وكذا المحبة التي أظهرها ومارسها المسيحيون نحو مُضطهديهم، حتى أنَّ يوسابيوس المُؤرِخ الذي عاش وسط الاضطهادات يُسجل لنا ”أنَّ النِساء لم يكُنَّ أقل من الرجال في الدفاع عن تعاليم الكلمة الإلهية ببسالة، حتى أنهنَّ نِلنَ نصيبًا مُتساويًا من الأكاليل من أجل الفضيلة“.

المُفارقة بين الديانات، لقد وجد الناس في تعليم الإنجيل والرُّسُل وآباء الكنيسة الأوائِل ما كان يُعوزهم وأشبع نِفوسِهِم، فالتعاليم السامية أسرت نفوس الناس ولكن بدون أن تُجبرهم بالقوة، وهكذا تكلمت المسيحية إلى قلوب الناس بطريقة لم ترقَ إليها أي ديانة أُخرى قط… . فالشهيدة بوتامينا اجتذبت بمحبتها ورِقتها وطهارِة جسدها الجندي باسيليدس ليصير شاهِدًا وشهيدًا، والشهيدة بربتوا التي لم تنسَ أن تُغطِّي جسدها بردائها الذي تمزَّق من تعذيب الثيران لها..

يا لها من مُفارقات عجيبة، جعلت الذين من خارِج يشهدون لإله المسيحيين..

جامعية الديانة المسيحية، كانت سبب في انتشارها، فخاطبت قلوب الناس جميعًا، وهذا يُعطينا الوجه الجديد لديانة تتميز عن الديانات التي سبقتها، هذا الوجه هو: الشخصية الجامِعة للمسيحية، فالدعوة هي للجميع، للفقير والعظيم، للمُتعلِّم والبسيط، وكل أحد يتجاوب مع الدعوة حسب قبوله واستجابته، وهكذا قدمت المسيحية لكل جنس ولون ولِسان ما يُشبِع اشتياقات روحه الأبدية.

أعطت سِجِلات قديسي الكنيسة العُظماء بُرهانًا على صِدق الإيمان وعلى القوة الإلهية التي يمنحها إله المسيحية للمؤمنين باسمه، والتي ترفعهم لأسمى درجات القداسة والطهارة والشهادة واختباراتِها.

ومن الأسباب الرئيسية أيضًا في انتصار المسيحية، أنَّ الاستشهاد لم يكن في متناول من يريده ويشتهيه، فالموت كان يُوافي المُعترِف في نهايِة الآلام، بعد جولات من الاضطهاد والتعذيب الجسدي والأدبي.. لذلك كان بعض الوُلاة والجنود والوثنيين عندما يرون صبر الشُهداء والمُعجزات التي تُصاحِب شهادتِهِم، كانوا يُؤمنون بالمسيح، كانت القيود الحديدية تنكسِر وتنفك من تِلقاء ذاتها، وكانت النيران تُطفأ سريعًا حينما يتقدمون إليها بثبات، وكان المُتفرجون ينظرون إليهم بدهشة يُوقرونهم، الأمر الذي دفع بكثيرين للإيمان بل وللشهادة حتى الدم.

سر انتصار الإيمان المسيحي | المحبة

إنَّ شهادِة الكنيسة المُضطهدة تكمُن في كونِها مُضطهدة وفي كونِها ذات رجاء، رجاء وفرح واثِق فيمن تؤمن به… كنيسة غير عدائِية ولا انقيادية للباطِل، لا ميل للذوبان في العالم.

رفضوا عبادة الأوثان، وكان مطلبهم الوحيد هو التمسُك بإيمانهم وعقيدتهم، عاشوا حياة الشَرِكَة المسيحية بتلقائية حرة لا إلزام فيها، كانوا مَثَلًا للحُب والعفة والقداسة والصلاح والصبر والتعفف والرحمة واحترام المحبة الزوجية، يسعون لأن يُقابِلوا الإساءة بالإحسان، وأن يخدموا الجميع بلا تفرِقة.

لقد باركوا الحياة وعرفوا كيف يجعلوها بركة للآخرين، حتى في أوقات الاستشهاد والألم.

يشهدون بنعمة الحياة الإلهية التي يحملونها في كيانهم والتي تُختبَر وتثبُت أمام جميع العذابات والمُفزعات والاضطهاد المُهين، وكل أنواع الآلامات كما في ساحِة الاستشهاد، هادئين فَرِحين ثابتين واثقين مُتشجعين، فصاروا للعالم مصدر حماية، وكل الإهانات التي يُلاقونها جعلتهم أداة خِصب للعالم… بِذار الله، صورته، أولاده الوارثين، لهم مهمة من أجل القصد الإلهي السامي نحو العالم كزرع مُقدس حفظ كل وصية بحسب تعبير العلاَّمة أكليمنضُس السكندري.

وبالجملة نستطيع أن نقول أنَّ المحبة التي لمسها المُعانِدون في شُهداء المسيحية، جعلتهم يتساءلون من هو إله المسيحية هذا؟ إنه إله المحبة الذي أرسلنا كغنم في وسط ذِئاب، لكي تفترِسنا الذئاب الكثيرة فتتحوَّل هي إلى غنمات…

كثيرون منا يُقدمون الخد الآخر، لكنهم لم يتعلَّموا كيف يُحبون ضاربيهم، فلنُصلِّ إلى الله لكي يُعيننا على رِضاه.

ولعلنا نلمس سِر انتصار الإيمان المسيحي من قصة الأربعين شهيدًا شُهداء مدينة سبسطية… القصة الذائِعة الصيت التي تحدَّث عنها القديس باسيليوس الكبير فقال: ”كم تجتهدون لتجدوا شخصًا واحدًا قويًا في صلاته، لكي يرفع من أجلكم صلاة إلى الآب، هوذا أربعون يُصلُّون معًا بصوتٍ واحد…

أيها المُتألِم اهرب إليهم..

أيها المُبتهِج أسرِع نحوهم..

المُتألِم سيجد راحة، والمُبتهِج سيُحافِظ على أفراحه…

هيا ارفعوا تضرعاتكم مع هؤلاء الشُهداء… أيها الرجال احذوا حذوهم… أيها الآباء صلُّوا لكي يكون لكم إيمان مثلهم… . وأنتُنَّ أيتها الأُمهات، فلتأخُذنَ درسًا من هذه الأُم الرائِعة، هي أُم لواحد من هؤلاء الشُهداء… رأت الجميع وقد ماتوا فقد أخذتهم البرودة وكان ابنها لا يزال حيًا…

أتى المُعذبون لكي يحملوا الأجساد، فلم يأخذوا ابنها على أمل أن يغيَّر رأيه ويرتد، رَفَعَتُه هي بنفسها ووضعته في العربة ليُساق مع رُفقائِه إلى الحريق… بالحقيقة إنها أُم شهيد“.

تلك هي قوة انتصارات الإيمان المسيحي، في عمل الصلاة وطلب الشفاعة وانتشار الكرازة وثبات العقيدة…

الأساس الكنسي السرّي لديمومة الاستشهاد

الكنيسة هي الأساس السِّرِّي Mystical للشُهداء، ففيها يتدرب الشهيد أمينًا على رسالِة القيامة مُتمسِكًا بعهد الافخارستيا، يعيش الوصية ويتذوق حياة الكنيسة، يتحد بالمسيح كيانًا وصميميًا واتحاديًا، إلى وقت أوان الحصاد والشهادة بالدم، فهم بركة وحِصن وأعمدة الكنيسة…

إنَّ المسيحيين الأوائِل كانوا يُقتلون ولكنهم بهذا يربحون الحياة الدائِمة، يُحتقرون لكنهم في هذا الاحتقار يجدون مجدهم… يُفترى عليهم غير أنهم يتبررون، يُلعنون فيُبارِكون، والمسيحيون يحيون كمُقيدين في سجن العالم بكلمة شهادتهم.

لقد عاشوا مُتسلحين ومُستعدين للجهاد الذي يُثيره عليهم العدو، مُستعدين للشهادة كما شرح العلاَّمة ترتليان والشهيد كبريان بالأصوام والعطش والجوع دون جزع كاذب من جهة الجسد فلا يكون للتعذيب فرصة للتأثير لأنَّ المسيحي مُدرع بجسد يابِس من النُسك وله خوذة تقبل الضربات، وعُصارات جِسمه قد سبقته إلى السماء، والآن تُسرِع النَّفْس خلفها لتتمتع بالأحضان الأبوية.

لذلك حرصت الكنيسة على أن تُعِد أولادها في مدرسة الاستشهاد، حتى إذا أتى الحاصِد ومعه منجله للحصاد يجد الثمر قد نضج…

القيم الروحية للاستشهاد المسيحي

لقد كانت المطابِق والسجون في عصور الاضطهاد غاية في البشاعة، عبارة عن أماكن محرومة من الهواء والنور، تنتشِر فيها القاذورات والأمراض بشكل يفوق الوصف، حتى أنَّ كثيرين ماتوا بسبب الازدحام والتكدُّس والخنق لعدم تجدُّد الهواء.

قيود حديدية، خنق، جوع، عطش، مقطرة، الإلقاء في المحارِث الداخلية والمطابِق المُعتِمة الأكثر سوادًا من الظلمة، الضَّيِقة الجهات حيث الليل الأبدي ورُعبة الموت… وبالرغم من كل ذلك، كانت القيود للمسيحيين كالقلائِد الإيمانية ”مرحبًا بالسلاسِل التي هي أغلى من قلائِد الذهب!!!“.

حتى أنَّ البابا بطرس السابِع عشر عندما زار القديس صرابامون في سِجنه داخل زنزانته قبَّله وقبَّل جراحاته وقيوده، وهو ما حدث مع أغناطيوس الأنطاكي.

ومن بين القِيَم الروحية التي سادت في وسط الآلام نجد الأغابي `agapy والافتقاد والتشجيع والحرارة الروحية وعدم التهيُّج، ويذكُر التاريخ الكنسي أنَّ القديس يوليوس الأقفهصي كرَّس كل ثروته وخُدَّامه لافتقاد المسجونين بالإسكندرية والترفيه عنهم، وكتابِة محاكمة وقضية كل شهيد والعناية بجسده، والاحتفاظ بهذه الذخائِر المُقدسة.

هؤلاء الشُهداء أحبوا المسيح وسفكوا دماءِهِم من أجله، كانوا أقوى من مُعذبيهم وأشجع من مُضطهديهم حيث ذروة التشبُّب الروحي، وخاصة بافتقاد السماء ورؤية رب المجد يسوع وسحابِة الغالبين، مما أثار دهشة الوثنيين، وجعلهم هم يُؤمنون بالمسيح ربنا وسط التهليل والتسبيح والدماء الطاهرة.

يا لها من عصور أُشعِلت فيها النيران في المسيحيين بعد أن دهنوهم بالقار والزيت والصمغ وسمَّروهم في الأعمدة ليُضيئوا كالمشاعِل لتسلية الجماهير.

إلاَّ أنَّ الشهداء تمسَّكوا بالحياة الأبدية (2كو 4: 17 + 1كو 7: 29)، وبأنهم غُرباء (1بط 1: 17) عالمين نهايِة الضيقات التي تؤول لمجد عظيم في السماء (يو 12: 25)، فزهدوا كل شيء عالمي (1تي 6: 7)، واشتهوا الانطلاق (في 1: 21)، محبة في الملك المسيح (يع 4: 4 ؛ 1كو 7: 31 ؛ أع 20: 24).

وعندما اقتُيدَ الشهداء القديسون إلى الأسكندرية، تبعهم القديس العظيم أنطونيوس كوكب البرية تارِكًا مغارته قائِلًا: لنذهب نحن أيضًا إذا ما دُعينا لذلك، وتاق إلى الاستشهاد ولكنه إذ لم يشأ تسليم نفسه خدم المُعترفين في المناجِم والسجون، وكان يُصلي لكي يصير هو نفسه شهيدًا، لذلك كان يبدو عليه كأنه حزين لأنه لم يستشهِد ولكن الرب كان يحفظه لمنفعتنا، لكي يصير مُعلِّمًا للكثيرين عن النُسك، وعندما كف الاضطهاد أخيرًا، استُشهِد المغبوط بطرس بطريرك الأسكندرية السابِع عشر خاتِم الشُهداء، وانصرف أنطونيوس العظيم واعتزل العالم ثانيةً في مغارته، وكان هناك كل يوم يستشهِد بضميره ويُجاهِد جهاد الإيمان.

ووسط كل هذه الأحداث كانت المُعجزات تُصاحِب الاستشهاد، حتى أنَّ حُكام كثيرين آمنوا (مناس وهرموچين حاكما الأسكندرية، أركانيوس والي سمنود، وسوكيانوس والي أتريب، وأريانوس والي أنصِنا وچنيانوس والي القيروان).

بل وآمنت جموع كثيرة على اثر استشهاد مارجرجس وبفنوتيوس المُتوحِد، ومكاريوس ابن الوزير، وأباهور القِس البردنوهي الذي بسبب معجزة استشهاده أكمل 920 شخصًا شهادتهم، لقد صار الاستشهاد شهوة، حتى أنهم كانوا يُسرِعون إلى الحكام والوُلاة مُعلنين مسيحيتهم دون أن يبحث عنهم أحد، أو يستدعيهم أو يقبُض عليهم، ”عُذِّبوا ولم يقبلُوا النجاة لكي ينالُوا قيامةً أفضل“ (عب 11: 35)، حتى أنَّ القديس أبو فام الأوسيمي الجندي لَبَسَ لُبَاس عُرسه يوم استشهاده فَرِحًا مسرورًا بلقاء الملك المسيح.

إنها شجاعة الاستشهاد التي أذهلت الجموع المُشاهِدة للحرب الإلهية السمائية الروحية، فالمُعذبون أكثر شجاعة من مُعذبيهم، لقد غلبت الأعضاء المُمزقة الآلات التي مزقتها، وأضحت بعض الوحوش مُستأنسة لهؤلاء الشُهداء، بعد أن تكلم الروح القدس على أفواهِهِم، فكانوا عُظماء في بساطتِهِم وقداستِهِم وقوة إيمانهم وسط كل المخاطِر.

وإن كان الشُهداء قد قُتِلوا بالسيف وبالصلب وبالنار.. إلاَّ أنَّ الله لا يتخلى عن قديسيه ولا يتركهم في أيدي الأشرار، وإن كان الجسد قد سُلِّمَ لهم، إلاَّ أنَّ النَّفْس خرجت ظافرة مُنتصرِة، لقد رأى الشُهداء أنَّ الموت هو بِدء التلمذة الحقيقية، والذين أكملوا عمل الشهادة تمتَّعوا بالتلمذة الحقيقية للسيِّد.. . وصار إكليل الشهادة هو ذروة climax حياة الإنسان المسيحي على الأرض فهو الجعالة التي ينبغي أن يطمع فيها الجميع.

لم يكن المسيحيون يختلِفون مع السلطات بل كانت شهادتِهِم ضد العالم، من منظور أسخاتولوچي وليس سياسي، فعاشوا بروح مجيئية.. (الشيطان عدوهم، والباراقليط المُدافِع والمُحامي عنهم)..

فقدَّموا الكنيسة – التي هم أعضاؤها المُخلَّصون – كأُم عذراء عفيفة تشهد للحق، وفي نفس الوقت كان الشيطان يُثير الحكام والعامة لتعذيبهم، وتلك هي أسلحته، وهذه هي غلبتهُم..

أنواع شهادات كثيرة

كنيستنا تنوعت فيها وتعددت أنواع الشهادة وفِئات الشُهداء، شهادِة حياة، شهادة من أجل الثبات في الإيمان، شهادة من أجل الحِفاظ على العفة والطهارة، شهادة من أجل التَّمسُك بالعقيدة.

فهذه بوتامينا العذراء العفيفة التي حلفت برأس الإمبراطور أن لا يجردوها من ثيابها، بل يَدَعُوها تنزِل في القار قليلًا قليلًا، حتى يروا أية قوة احتمال أعطاها المسيح الذي لم يعرفوه، وتلك هي بربتوا من قرطاچنة التي عندما أُلقِيَت للثور الهائِج الذي ضربها بقرونه وسقطت على الأرض نصف ميتة، لم تنسَ أن تُغطي جسدها بردائها المُمزق.

وهذه ثيودورا التي حفظت طهارِتها وسعت وراء إكليل شهادتها وڤيرونيا العذراء التي من دير قُرب أخميم، حفظت عِفِتها وتكريسها بحيلِة الزيت.

والقديس بولس الأسقف 351 م، الذي نُفِيَ وقُتِلَ من أجل الدفاع عن العقيدة ضد الأريوسيين.

ومما هو جدير بالذِكر أنَّ كنيستنا أُم الشهداء قدَّمت للسِفر السمائي خمسة آلاف راهب مع أسقفهم الأنبا يوليان بصحراء أنصِنا على يد الحاكم مرقيان مدة الاضطهاد الذي آثاره دقلديانوس وأعوانه.

إنَّ شهداء العصور الأولى لم يخافوا الموت بل كانوا يصيحون وهم في طريق الاستشهاد ”الشُّكر لله Deo Gratlas“ لأنَّ أمانِة شهادتِهِم تهِبهُم المُجازاة والجعالة… وعذابات الشهيد لها قيمتها، فنقرأ في التقليد المسيحي عن ”معمودية الدم“.

ذلك أنَّ دم الشهيد يُطهِّر مَنْ لم يقتبِل معمودية الماء، ويمحو خطايا مَنْ اعتمد فعلًا بالماء كمعمودية ثانية، وتُقِر الديداكيَّة ”التقليد الرسولي“ رُتبة الذين يعتمدون بالدم.

معمودية الدم

جاء في الوصايا والقوانين التي وضعها ربنا يسوع المسيح والتي وردت في التقليد الرسولي ”بالديداكيَّة“:-

”إن أُلقِيَ القبض على أحد لأجل اسمي وهو موعوظ، ويسعى في طلب قبول نعمة المعمودية فلا يرتاب الراعي، بل يُعطيه العِماد، ولا يضطرب، فإذا قُتِل وهو في القيود، ولم يقتبِل بعد نعمة العِماد الثاني الفوقاني يكون قد اعتمد بدمه“.

إنها الصبغة التي يصطبِغ بها من يشهد للمسيح المُخلِّص، الصبغة الأولى للجميع (الماء والروح)، والصبغة الثانية لمن أُعطِيَ لهم (بالدم).

الشهادة ذبيحة افخارستيا

لقد كانت الشهادة اقتداء بآثار المسيح رب المجد وشَرِكَة كأس آلامه، حتى أنَّ القديس أغناطيوس شهيد أنطاكية كان يعتبِر الاستشهاد ذبيحة افخارستيا، لذلك اشتاق أن يكون هو نفسه افخارستيا.. تلك هي ذبيحة إيماننا لأنَّ ”الذينَ يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودِعوا أنفُسهم كما لخالِقٍ أمين في عمل الخير“ (1بط 4: 19).

ويُشير أسقف أنطاكية الشهيد، إلى أهمية هذا التفسير الافخاريستي للشهيد، وكذلك القديس إيريناؤس أبو التقليد الكنسي..، لذلك كان كل شهيد يشهد:

”أنا إنسان حر ولكن عبد المسيح“.

مُتشبِه بصبر المسيح المُخلِّص، بينما الوثنيون يصيحون مُرددين الموت للمسيحيين.

ويُمكننا أن نقول أنَّ شهادِة الدم كما أنها معمودية ثانية، هي أيضًا ذبيحة افخارستيا.

وعندما نأتي إلى القديس كبريانوس شهيد قرطاچنة الذي اعتبر أنَّ الافخارستيا هي سلاح الشُهداء، نجده يُعلِّمنا قائِلًا ”لنُسلِّح اليد اليُمنى بسيف الروح حتى ما ترفُض بشجاعة ذبائِح الأوثان المُميتة“، وعندما حُوكِم كبريانوس قال الوالي ”قررنا أنَّ سليوس كبريانوس يُقتل بالسيف“، أجاب كبريانوس ”Deo Gratlas الشُّكر لله“.. وهذه هي الافخارستيا والذبيحة الحقيقية، وهذا هو التفسير الافخاريستي للقديس كبريانوس.

وتُعتبر صلاة بوليكاربوس أسقف سميرنا، وهو على كومة من الحطب المُهيئة لحرقه، مَثَلًا من أجمل الأمثلة على الفكر الافخاريستي الذي يُحرِّك قلبه وهو يتقدم للشهادة ”أيها الآب الذي للابن المُبارك المحبوب يسوع، أُبارِكك لأنكَ جعلتني أهلًا أن أُحسب في عِدَاد شُهدائك، وأن أُشارِك في كأس مسيحك من أجل الحياة الأبدية“.

قوة الاستشهاد وامتداد الكرازة

لقد أصبح الاستشهاد قُوة للعمل الكرازي، وسببًا في نمو الكنيسة وامتدادها، فكان الرب يضُم كل يوم للكنيسة الذين يخلُصون، وصار الاستشهاد بِذار الكنيسة وبُرهان عملي على صِدق إيماننا المسيحي والفضيلة المسيحية التي عاشها هؤلاء الشُهداء الطوباويون، والمُعترِفون المغبُوطون والبواسِل، هؤلاء الشجعان البررة، أرواح الأبرار المُكملين المُتسربلين بالبأس وقوة العزيمة والرجاء… الذين تحمَّلوا الآلام والإهانات بفرح تعجَّب له مُعذِبوهم، وملأوا الساحات بدمائِهِم فاندهش الوُلاة والحكام وآمنوا بالمسيح الذي آمن به هؤلاء المُتسابقون على الفردوس. وما أكثر إقرارات التوبة التلقائية للمُشاهدين، فنحن نعرِف ذلك عن الذي قاد يعقوب ابن زبدي للمُحاكمة، والجندي باسيليدس عند استشهاد بوتامينا وغيرِهِم.

لم يحتملوا هذه الآلام بقوَّتِهِم الخاصة ولا بقُدراتِهِم الجسدانية، بل بعمل وفِعْل روح الله القدوس الذي عمل فيهم وبهم، فصار فضل القوة من الله لا منهم، حتى أنَّ المُعجزات التي تزامنت مع شهادتِهِم صارت سببًا في امتداد الكرازة وإيمان الكثيرين بالمسيح يسوع.

كان الشهداء أقوياء فلم تُثنيهم العذابات عن إيمانهم بل أخذوا من العذابات قوَّة للثبات في المعركة الروحية والسباق نحو المسيح العريس الحقيقي السماوي، مُمتلِئون بالحيوية والشجاعة التي تفوق قُدرِة البشر، مُتوشِحون بأسلحة الإيمان، فكانوا أكثر قوَّة من مُعذبيهم، بالحقيقة عزيز هو الموت الذي يشتري الأبدية مُقابِل الموت، كم كان المسيح فَرِحًا وكم يسُرُّه أن يُحارِب ويغلِب في شخص هؤلاء الشُهداء، لقد كان حاضِرًا بنفسه في تلك الشهادة التي أُثيرت من أجل اسمه.

لقد أعان وقوَّى وثبِّت وبعث الحيوية في نفوس شهدائهُ وأبطاله، حتى أنَّ قوِّة شهادتِهِم ثبِّتِت الذين في الإيمان، وجذبت الذين هم من خارِج، عندما لمسوا وعاينوا قوَّة واقتدار إله المسيحيين، والذي غلب مرة الموت لأجلِنا ما بَرِحَ ينتصِر فينا، ينتصِر في كرازتنا، ينتصِر في جهادنا اليومي وشهادتنا له، ينتصِر في امتداد الكنيسة والتعميق الحادِث في الخدمة والرعاية، فمثال موت الشُهداء يُؤثِر فينا لأنهم أعضاؤنا ولنا معهم شَرِكَة، وعزيمتهم الثابتة تصنع عزيمتنا.

فلا شيء يستطيع أن يحوِّلنا عن إيماننا، لا سيف القاتِل ولا صليب الضيق، ولا أنياب الوحوش الضارية، ولا القيود، ولا النار، ولا العذاب بأي نوع، وبقدر ما يزيدوا في آلامنا بقدر ما يزداد عدد المؤمنين والتلاميذ، هذا ما سجله لنا القديس يوستين الفيلسوف والمُدافِع المسيحي، بعد أن اعترف قائِلًا: ”وإذ رأيتهم جسورين بإزاء الموت.. . فهمت أنه ما كان ذلك ممكنًا قط لو أنهم كانوا قد عاشوا في الرذيلة“.

إنَّ الحبَّة الحقيقية ليس لها ما يسنِدها، لكنها تملُك في داخلها جنين الحياة، بحسب المنطِق البشري لها صورِة الضعف كمن لا سلطان لها، فإستفانوس أول الشهداء، حبَّة الحنطة، يكمُن فيه جنين الحياة، بعمل روح الرب الساكن فيه، فعندما رُجِمت الحبَّة ظهرت رائِحة يسوع في حلاوتها ”يارب لا تقُم لهم هذه الخطية“، فماذا حدث؟ حدث أنَّ الذين تشتتوا من جراء هذه الضيقة جالوا مُبشرين بالكلمة، فنمت الكنيسة وامتدت، ويقول هيبوليتس: ”لقد امتلأ كل العالم دهشة عندما نظر هذه الأعاجيب، وأقبل عدد كبير للإيمان بواسطة الشُهداء، بل وأصبحوا هم بدورِهِم شُهداء“.

ويذكُر التاريخ أنه بقدر ما كانت أعضاء المسيح تتألَّم وتُضطهد ويُفترى عليها، بقدر ما كانت الكنيسة نامية، لأنها تشهد بآلامها أنها كنيسة المسيح المصلوب القائِم من بين الأموات.

وبقدر ما تتحِد الأعضاء المُتألِمة برأسها المُتألِم بقدر ما تصير الكنيسة أمينة وحية وكارِزة بعريسها الذي سفك دمه ليشتريها ”هذه التي اقتنيتها لك بالدم الكريم الذي لمسيحك“.

 

وبقدر ما يشهد أعضاء الكنيسة للمسيح المصلوب والقائِم من بين الأموات، بقدر ما يقترِب فيها البعيد، ويثبُت فيها القريب، ويخدم فيها الثابِت، فيمتد ملكوت الله ويكون واضحًا في كل الأرض، فالكرَّام يقطع أغصان الكرم المُثمِرة حتى تأتي بثمر أكثر، يُنقيها ويُقلِّمها، وهذا يُصيِّرها أكثر حيوية وأكثر إثمارًا، ولمَّا كان المسيح هو الذي يغلِب وينتصِر في الشُهداء فإنَّ النُّصرة تعود دلالتها وثمارها ليس على الشهيد نفسه فقط بل على الكنيسة كلها، فتنعم بالسلام والأثمار وانحسار قوَّة الشيطان.

لقد تقدَّم المسيح مَلِكنا أمامنا، وانتصر لحسابنا وجعلنا نتحارب مع عدو مهزوم وقد انتزع الغلبة لحسابنا، حتى نقتفي آثاره ونستعين بقُوته ومعونته الإلهية وقُدرته المُطلقة، ومن ثم نُتوج حسب مواعيده الصادِقة غير الكاذِبة… فالمسيح إلهنا صُلِب لكن اسمه لم يُبَد، بل زرع اسمه كالبذور لتجثو له كل ركبة ما في السموات وما على الأرض وما تحت الأرض، ويُعلِن كل لسان أنَّ يسوع المسيح رب وإله وفادي…

والشيطان رئيس هذا العالم، عدو كل خير، يُثير الاضطهادات حول الكنيسة، حتى يقضي على كنيسة المسيح أي يموت جسد المسيح (الكنيسة) – وهكذا تُسفك الدماء المُقدسة لكي تنمو الكنيسة وتزداد… وهو ما نقوله في خِتام قراءِة الإبركسيس“Pra[ic  (سِفر أعمال الروح القدس) ”لم تَزَل كلمة الرب تنمو وتزداد في هذه البيعة وكل بيعة..“.

وبالرغم من المُقاومات والاضطهادات والمتاعِب والتهديد والوعيد وكل المُضايقات، لم تتحقق مشورة عدونا إبليس، بل انتشرت المسيحية في كل بِقاع العالم، وتبددت الوثنية وتحطمت..

فآلام الكنيسة تؤول إلى الخير، والامتداد إلى ما هو قُدَّام، حتى تُصبِح كنيسة مُرهبة كجيش بألوية طالعة من البرية مُعطرة بالمُر واللُبان (بالآلام) وكل أذرَّة التاجِر.

ويُعلِّمنا القديس أوغسطينوس أسقف هيبو: ”أنَّ الضيقات مُفيدة، كمشرط الجرَّاح الذي هو أفضل من أوقات اليُسر“، وهنا فقط نُدرِك كيف أنَّ الضيق أنشأ في الكنيسة صبرًا وتذكية.

لقد كان صدى الاستشهاد قويًا، من حيث التشجيع وقوة الإيمان وانتشار الكرازة وثبات العقيدة، لأنَّ المسيح هو الذي ينتصِر في الشهيد مُجددًا، شهادة لتدبير الخلاص واستمراريته، لأنَّ شهادِة الشُهداء هي شهادة للمسيح لكونه هو المُتكلِّم والمُتألِّم فيهم، إنها النُّصرة المُحققة الأكيدة على الشيطان الذي يُحارِب كنيسة المسيح (جسده)… فشكرًا لله أبينا الذي أعطانا عزاءًا كامِلًا بالنعمة وحفظ كنيسته فلن تتزعزع إلى الأبد..

ولم يكد القرن الثالث يأتي إلى نهايته، إلاَّ وكانت المسيحية – وبالرغم من كل الاضطهادات والمُحاصرات – قد انتشرت وامتدت على كل المستويات، الأمر الذي أذهل الأباطرة أنفُسهم..

إنها بحق كنيسة مُضطهدة ولكن يغمُرها الفرح، لا عدائية فيها ولكنها لا تذوب في العالم، والمسيحيون في العالم لكنهم لا يحيون بحسب العالم، بل هم مواطنوا السماء، يحبون كل الناس، حتى الذين يضطهدونهم ويتنكرون لهم ويذمونهم.. إنهم يُقتلون، ولكنهم بهذا يربحون الحياة الأبدية، يحيون كمُقيدين في سجن العالم، بيد أنهم هم الذين يصونون العالم بصلواتهم ومحبتهم، يشهدون بنعمة الحياة الإلهية في أعماقهم وكيانهم والتي تُختبر بالآلام وتُمتحن بالضيقات…

لذلك تقول الرسالة إلى ديوجنيتس Diognetus من القرن الأول:

”ألا ترى كيف يُلقى المسيحيون للوحوش الضارية بغية حملُهم على إنكار الرب، ولكنهم بالموت ينتصِرون، ألا ترى أنهم كلما عُوقِبوا كلما ازداد عدد الذين يعتنقون إيمانهم، كل هذه ليست أعمال البشر بل هي معجزة الله وهي دليل ظهوره في الجسد“.