الأصحاح العاشر – سفر يهوديت – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 18- تفسير سفر يهوديت – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح العاشر

تحرك يهوديت للعمل.

يصعب أن نحدد بدء نقطة العمل في حياة يهوديت لإنقاذ شعبها، فإنه كان يحتل قلبها بكونها تشتاق إلى خلاصهم الأبدي. لا تنفصل حياتها التقوية بكل صورها عن خدمتها القلبية لشعبها، فهم موضوع صلواتها ونسكها وكل وسائل عبادتها.

تحرك قلبها عندما سمعت بما يود أن يفعله أليفانا (هولوفرنيس) بالشعب والمدينة والهيكل. وتابعت صرخات رئيس الكهنة وكل القادة، وشعرت بالمُر الذي عانى منه كل الشعب بسبب نقص الماء. تابعت ثورتهم وموقف عُزيَّا، وفي صراحة وبروح الإيمان تحدثت مع القيادة بضرورة الالتجاء إلى الله، وطلبت صلواتهم عنها. ومع الغروب قامت بالصلاة، وربما امتدت إلى نصف الليل. والآن وضعت في قلبها أن تتحرك نحو قتل أليفانا الذي يقوم بدور ضد المسيح، والذي يدفع العالم كله للعبادة لآسرحدون أو نبوخذنصر بكونه إله الأرض كلها.

وضعت في قلبها أن تلتقي به بأية وسيلة، هذا الذي أعجب بجمالها الفائق (الأصحاحان 10 و11). لقد وهبها الله نعمة أمام كل من رآها من رجال جيشه، حتى تتمم ما وضعته في قلبها من جهة خلاص شعبه.

تظاهرت أنها هربت من وسط شعبها لتخبر القائد عن أسرار العبرانيين، فلا يهلك أحد من جيشه. وأن ساعة غضب الله على شعبه قد اقتربت جدًا. طلبت منه أن يبقيها عنده ثلاثة أيام تخرج وتدخل لتصلي، حتى يخبرها الرب عن لحظات انهيار العبرانيين دون الدخول معهم في حربٍ.

1. يَهوديتُ تلَبِس ثِيابَ فَرَحِها 1 - 8.

2. يهوديت تخرج إلى طَلائعُ الأشوريين 9 - 11.

3. يهوديت أمام خيمة أليفانا 12 - 19.

4. يهوديت تسجد أمام أليفانا 20 - 23.

الأعداد 1-8

1. يَهوديتُ تلَبِس ثِيابَ فَرَحِها

وكانَ، لَمَّا كفَّت مِن صُراخِها إلى إِلهِ إِسْرائيل،.

وانتَهَت مِن هذا الكَلامِ كُلِّه [1].

التحفت يهوديت بروح القوة خلال الصلاة وتسليم الأمر بين يدي الله، والآن قد حانت الساعة لتترك بيتها وعلّيتها وتنطلق مع وصيفتها للعمل. فإن كانت قد أغلقت أبواب حجرتها لتنعم بالعشرة الحيّة مع الله، فإن أبواب قلبها مفتوحة على إله السماء وعلى شعبها.

أنَّها قامَت من انطراحها،.

ودَعَت وصيفَتَها،.

ونَزَلَت إلى البَيتِ الَّذي كانَت تقضي فيه السَبوت وأَعْيادها [2].

وقفت أمام الله بروح الانسحاق والتواضع لتتزين به، خاصة وأنها قادمة على عملٍ خطير لا يمكن تحقيقه إلا بتدخل الله.

قام جسدها من السجود حتى الأرض، وبقيت روحها ساجدة أمام الله، تصرخ بكلمات لا يستطيع أن يسمعها أحد سوى "سامع الصلوات"، الساكن في السماء، والذي يميل ليسمع تنهدات أولاده.

"دعت وصيفتها": لا نعرف عن وصيفتها شيئًا، ولا حتى اسمها، لكنها كانت تحمل روح يهوديت التقية، تشاركها مشاعرها وتجد سعادتها في العمل معها.

لم تكن يهوديت تعيش في بيتها سوى أيام السبوت والأحاد، أما بقية أيام ترملها فكانت تعيشها في العلية تتعبد لله.

يقول الكتاب "أعيادها"، ناسبًا الأعياد إليها، فمع نسكها الشديد وحزمها في حياتها، لكنها كانت متهللة في داخلها، فتمارس الأعياد كأنها قد وُضعت خصيصًا لها، لتمارس فرحها بالرب، وتختبر عربون الفرح السماوي.

وأَلقَت عنها المسْحَ الَّذي كانَت تَرتَديه،.

وخَلَعَت ثِيابَ ترْملِها،.

واستَحَمَّت بالماء، وَدَّهَنَت نفسها بِطيبٍ ثمين،.

وسَرَّحَت شَعرَِها،.

وجَعَلَت عَليه عِصابةً،.

ولَبِسَت ثِيابَ فَرَحِها الَّتي كانَت تَتَزَيَّنُ بِها في حياة مَنَسَّى زَوجِها [3].

ألقت يهوديت عنها المسوح التي كانت ترتديها وثياب ترملها وتطيبت ولبست ثياب فرحها. وكأنها قد انطلقت في عملها لتمارس عمل المسيح خلال الرمز والظل. أو كأنها قد انطلقت لتحمل في قلبها عريسها السماوي. لقد قبلت من الروح القدس ثياب برّ المسيح، خرجت لتنعم بحفل عرسها على المستوى السماوي.

إن كانت قد غيّرت ثياب ترملها، ونزعت المسوح، لكنها احتفظت بحياتها الداخلية المقدسة المملوءة احتشامًا.

  • صممت على الصوم كل يومٍ ماعدا السبت ويوم الرب وأزمنة الأيام المقدسة (الأعياد)، ليس رغبة في الانتعاش (بالطعام)، وإنما من أجل التقوى. فقد قيل: "فإن كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا، فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31). فحتى إنعاش الجسم ليكن من أجل العبادة بتقوى مقدسة. هكذا إذن تقَّوت يهوديت بالحزن لمدة طويلة والصوم اليومي؛ إذ لا تطلب ملذات العالم لا تبالي بالخطر، كانت قوية في استخفافها بالموت.

لكي تحقق الخدعة الحربية ارتدت ثوب المرح الذي اعتادت أن ترتديه في أيام زوجها، كمن أرادت أن تُسر رجلها متى حررت مدينتها. لكنها رأت رجلاً آخر كانت تطلب أن تُسره، هذا الذي مثُل عنه: "يأتي بعدي رجل صار قدامي" (يو 1: 30). فَعلت حسنًا إذ استعادت حلي زواجها وهي تتقدم للمعركة، فإن الذي يذكرها بزفافها هو سلاح الطهارة، فإنه ليس بطريقٍ آخر يمكن لأرملة أن تبتهج وتقتني النصرة[165].

القديس أمبروسيوس.

وأَخَذَت حِذاءً لِرِجلَيها،.

ولَبِسَتِ القَلائِدَ والأساوِرَ والخَواتِمَ والحَلَقَ وكُلَّ زينَتِها،.

وتَجَمَّلَت جِدًّا لإِغْراءِ عَيونِ كل الرِّجالِ الَّذينَ يَنظرِونَ إِلَيها [4].

ما هي مشاعر أرملة ألقت كل غناها وزّينتها واهتمامها بجمال الجسدي، وانشغلت نهارًا وليلاً بالعبادة في حياة نسكية حازمة، وهي تفعل هذا كله؟

يقف القديس أمبروسيوس في دهشة وإعجاب من هذه الأرملة العجيبة. فإن ضميرها لم يتشكك من أن تترك كل مظاهر الترمل وتبدو كمن تتهيأ للعُرس، فإن عبادتها لم تقف عن المظهر الخارجي، لكن هدفها كان واضحًا وصريحًا أمام عينيها وفي قلبها.

لم يكن يشغلها أنها تعيش في علية بسيطة، ولا أنها ترتدي ثياب الترمل وتتخلى عن حليها وكل زينتها، إنما ما كان يشعلها نقاوة قلبها وطهارة فكرها والتصاقها بالله، تحت أي ظرف كان.

لا يشغلها أن ترتدي المسوح أو ترتدي ثياب عرسها، إنما ما يشغلها أن ترتدي البرّ وتكتسي بالتقوى.

لو أنها تمسكت بارتداء ثياب الترمل ولم تتزين لاستسلمت المدينة لأليفانا وجيشه، واغتصبها أليفانا أو أحد قواده، وبالتالي تفقد طهارتها.

  • تزينت يهوديت لكي ما تُسر زانيًا، لكنها فعلت هذا من أجل التقوى لا الحب (الشهوة)، فلم يحسبها أحد زانية. إن كانت هذه التي كرست نفسها للتقوى لحفظ طهارتها وبلدها. ليتني أنا أيضًا بحفظ تقواي أحفظ طهارتي. لكن لو أن يهوديت قد فضلت (مظهر) طهارتها عن تدينها لانهارت مدينتها وفقدت أيضًا طهارتها[166].

القديس أمبروسيوس.

وأَعطَت وَصيفَتَها زِقَّ خَمْرٍ وإِبْريق زَيت،.

ومَلأَت خُرْجًا مِن فَطائِرِ الدَقيقِ والفَواكِه الجافة والأَرغِفَةِ الطَّاهِرَة،.

وصَرَّت كُلَّ زادِها،.

وَسَلَّمَته إلى وَصيفتِها [5].

سلمت زادها لوصيفتها وهو فطائر دقيق الشعير، وهو طعام الفقراء، فهي تأكل لا لتتنعم، بل لكي تعول الجسد فتحيا لمجد الله.

والعجيب أنه مع فطائر الشعير أخذت أيضًا خمرًا، فقد كان الخمر القليل هو شراب الكثيرين دون أن يبالغوا فيسقطوا في السكر. ومن الجانب الرمزي فإنها حملت كلمة الله ووعوده الإلهية كطعامٍ للنفس، وأيضًا خمر الفرح، فإنها وإن كانت منطلقة لممارسة عملٍ خطيرٍ، فليس من يسندها سوى الله الذي يهبها الوعود الإلهية، ويقدم لها الفرح السماوي يهبها رجاءً حيًا.

وأيضًا أخذت إبريق زيت إشارة إلى عمل الروح القدس الذي يقيم منا مسحاء للرب، نُمسح بروحه القدوس لنتمتع بالشركة مع مسيحنا، ونتمتع بسماته عاملة فينا. والفواكه اليابسة تشير إلى ثمر الروح من محبة وفرح وسلام الخ (غل ٥: ٢٣).

هذا هو قوت كل نفسٍ مجاهدةٍ وعاملةٍ لحساب ملكوت الله: التمسك بالوعود الإلهية كخبزها اليومي، والتمتع بالفرح الداخلي واهب الرجاء، والتقديس بعمل الروح القدس واهب القداسة، وثمر الروح الفاكهة التي تفرح بها السماء.

وخَرَجَتا إلى بابِ مَدينةِ بَيتَ فَلْوى،.

فوجَدَتا علَيه عُزيَّا واقفًا مع شَيخَيِ المدينةِ كَرْبي وكَرْمىِ [6].

كانت أبواب كل مدن اليهودية لا تُفتح من غروب الشمس إلى شروقها، وذلك في الأيام العادية. أما أثناء حالة الحرب فلا تفتح نهارًا وليلاً إلاَّ بإذنٍ خاص من رئيس البلد أو قائد الجيش، وكان يُقام فوق الباب برج للمراقبة.

لقد وقف عزيا والشيخان عند الباب ليأمروا بفتح الباب ليهوديت ووصيفتها، وإن كانوا لم يعرفوا ما هي خطتها، إلى أين تذهب.

فلَمَّا رَأَوها ورَأَوا وَجهَها وقد تَبَدَّلَ، وثَوبَها وقد تَغَيَّر،.

أُعجِبوا جِدًّا بِجَمالِها، وقالوا لها: [7].

إذ رأوا ملامحها أعجبوا بها جدًا، ليس من أجل جمالها الجسدي، إنما جمال أعماقها التي انعكست على ملامحها، وقد غطت نعمة الله على وجهها جمالاً مع وقارٍ وهيبةٍ وجاذبية، لأن إله السماء يعكس بهاءه عليها.

كما كان وجه موسى يلمع فلم يستطع الشعب التطلع إليه، فكانوا يلزمونه أن يضع برقعًا عليه، هكذا يعمل الله في حياة مؤمنيه الجادين فيهبهم بهاءً داخليًا، كثيرًا ما ينعكس على ملامحهم حتى أثناء الضيق والعذابات، ليشهد الله لهم كأبناءٍ له، ويحقق بهم رسالة سماوية.

"إِلهُ آبائِنا يَهَبُ لَكِ أَن تَنالي حُظوَةً،.

وأَن تُحقِّقي مَساعِيَكِ،.

لافتِخارِ بَني إِسْرائيل،.

ومجد أُورَشليم "[8].

بعد انقضاء يوم عصيب للغاية وصراع بين الشعب وقادتهم، نام الشعب بسبب الإرهاق الجسماني والتعب النفسي، بينما سهر عُزيَّا والشيخان عند باب المدينة خشية أي تحرك لجيش أليفانا للتسلل إلى المدينة أو هجومها، وسارت يهوديت ووصيفتها وسط الظلام الحالك لتنطلقا إلى خارج المدينة.

بُهر القادة لجمال يهوديت والنعمة التي سكبها الله عليها، ولشجاعتها وسهرها من أجل مجد الله.

لم يسألوها إلي أين هي ذاهبة مع وصيفتها، ولم يعرفوا ماذا يقدمون لها سوى أن يطلبوا لها بركة الرب أن ترافقها وتُنجح طريقها، وفي نفس الوقت يرفعون من معنوياتها، بأنهم يدركون أن ما تفعله ليس لمصلحة شخصية أو كرامة زمنية، إنما لعز شعبها ورفع شأن مدينة الله.

  • اتبعت يهوديت دعوة الفضيلة، وحاولت اقتناء منافع كثيرة. إنه لأمر فاضل أن تمنع شعب الرب من الاستسلام للوثنيين؛ تمنعهم عن خيانة طقوسهم الوطنية وأسرارهم، أو من تسليم العذارى اللواتي لهم وأراملهم الوقورات والعقيلات المحتشمات لبرابرة دنسين، أو أن ينتهي الحصار بالخضوع. إنه لأمر فاضل بالنسبة لها أن تتحدى الخطر من أجل الكل، لكي تخلص الكل من الخطر[167].

القديس أمبروسيوس.

الأعداد 9-11

2. يهوديت تخرج إلى طَلائعُ الأشوريين

فسَجَدَت يهوديت لله، ِ وقالَت لَهم:

"مُروا أَن يُفتَحَ لي بابُ المَدينة،.

فأَخرُجَ لِلقِيامِ بِما قُلتُموه لي ".

فأَمَروا الشُّبَّانَ أَن يَفتَحوا لَها كَما طلبت [9].

لم تدخل يهوديت مع القادة في أحاديث ومناقشات، فهي تشعر أنها تتحرك بخطة إلهية وعون إلهي، لهذا وهي أمام القادة "سجدت لله". هذا ما فعله أيضًا فيما بعد نحميا حين كانت نفسه مُرة من جهة خراب أورشليم، إذ وهو في حضرة ملك وثني يسأله: "ماذا طالب أنت؟" (نح 2: 4) وقبل أن يجيب يقول: "فصليت إلى إله السماء".

هكذا أناس الله لا يفارقهم الشعور بالحضرة الإلهية. إنهم في حالة صلاة دائمة أينما وجدوا، حتى وإن صمتت ألسنتهم.

  • إننا بالقلب نسأل، بالقلب نطلب، ولصوت القلب ينفتح الباب[168].
  • الصلاة هي بلوغ العقل المملوء حبًا إلى الله، إنها تشغل الذهن والقلب، الفكر والرغبة، المعرفة والحب. الحياة الكاملة للمسيحي الصالح هي رغبة مقدسة[169].
  • من يصلي برغبة يسبح في قلبه، حتى إن كان لسانه صامتًا. أما إذا صلى (الإنسان) بغير شوقٍ فهو أبكم أمام الله حتى إن بلغ صوته آذان البشر[170].

القديس أغسطينوس.

ففَعَلوا. وخَرَجَت يَهوديتُ مع وَصيفَتِها.

ونَظَرَ إِلَيها رِجالُ المَدينةِ تَنزِلُ مِنَ الجَبَل وتَجتازُ الوَادي،.

حتَّى تَوارَت عن بَصَرِهم [10].

فتح لهما الشبان وخرجتا. نزلتا وسط الظلام من الجبال بينما يحاول رجال المدينة يتطلعون إليهما في دهشةٍ لعلهم يستطيعون أن يروهما وسط الظلمة، ولكن إلى أين هما ذاهبتان. وكانت قلوب القادة الثلاثة ترتفع نحو السماء لكي تحفظهما الملائكة، وتسندهما يد الله، وينالا نعمة لدى كل من يلتقي بهما.

الله الذي قاد شعبه في البرية مظللاً إياهم كسحابة في النهار تحفظهم من حرارة الشمس، وكعمود نور يقودهم بالليل كان يحفظ يهوديت ووصيفتها طول الطريق.

وكانَتا تَسيرانِ تَوًّا في الوَادي،.

فلَقِيَتها طَلائعُ الأشوريين [11].

إذ اختفت يهوديت ووصيفتها عن أعين شعبها، ما جاء بعد ذلك هو من وصف يهوديت نفسها أو وصيفتها أو أحد الأشوريين كشاهد عيان.

يرى كوندر C. Conder أن بيت فلوى هي ميثيليا Mithilia أو ميسيليا[171] Mesilieh، وفي رأيه أنها قرية صغيرة يُلحق بها قسم نحو الشمال، قائمة على تلٍ منحدرٍ نحو الجنوب، لكن ليس على قمة التل، ومحاطة بحدائق رائعة من أشجار الزيتون، مع وادٍ مفتوح يُدعى "وادي الملك" من جهة الشمال. تعتمد هذه القرية على مياه الآبار التي لا يزال بعضها يحمل مظهر القِدّم، كما تعتمد أيضًا بصورة رئيسية على مياه الأمطار.

تقع القرية في منطقة التل، ولكن ليست بعيدًا عن السهل، وهي قريبة من دوثان Dothan (يهو 4: 6)، لذلك كان سكان القرية يرون معسكر أليفانا الأشوري.

يروي دميان ماكي أنه في زيارته قرية ميثيليا في الطريق إلى شكيم وجد آثارًا لقرية خربة على منحدر التل. تحتها توجد آبار قديمة وفوقها قمة تل يحيط بها. من هناك يمكن بسهولة رؤية الجانب الشمالي من سهل فسيح وجلبوع Gilboa وتابور Tabor ووادي بلمايم Belmaim أو Belameh، وفي أقصى الغرب يظهر الكرمل Carmel خلف الشيخ إسكندر[172] Sheikh Iskander، وجزء من سهل العربة Arrabeh الملاصق لدوثان. توجد حقول قمح متسعة في وادي الملك تمتد شمال غرب ميسيليا نحو دوثان، حيث تبلغ المسافة 3 أميال فقط، بجوارها منطقة مملوءة بحقول الزيتون ويوجد ينبوع ماء، حيث عسكر هناك جيش أشور كما تروي القصص اليهودية القديمة. خلال هذا التصور يمكن أن نتخيل يهوديت نزلت لتسير بين حقول القمح وحقول الزيتون، وقد وقف الرجال على التل يراقبونها حتى اختفت عن أعينهم في الوادي ولم يعودوا ينظرونها (يهو 10: 10) [173].

الأعداد 12-19

3. يهوديت أمام خيمة أليفانا

فاَمْسَكوها قائلين: "مِن أَيَّةِ جِهَةٍ أَنتِ؟

ومِن أَينَ جِئتِ؟

وإلى أَينَ تَذهَبين "؟

قالَت: "إِنِّي بِنْتٌ لِلعِبرانِيِّينَ،.

وقَد هَرَبتُ مِن وَجهِهم،.

لأَنَّهم أَوشَكوا أَن يُسلَموا إِلَيكم غَنيمةً [12].

دعت يهوديت نفسها "بنت العبرانيين" ولم تقل "إسرائيلية"، وكأنها وهي في وسط العسكر الأشوري عادت بذاكرتها إلى آبائها العبرانيين الذين كانوا مُستعبدين بواسطة فرعون في مصر.

"بنت للعبرانيين": عُرف اليهود بالعبرانيين منذ إبراهيم، ربنا لأنه من نسل عابر، أو بسبب ارتحال اليهود كثيرًا وعبورهم من مكانٍ إلى آخر (تك١٠: ٢١ - ٢٤). عندما عثرت الجارية المصرية على السفط الذي كان فيه موسى، قالت: "هذا من أولاد العبرانيين" (خر ٢: ٦). بقي هذا الاسم هو الشائع بالنسبة لهم حتى السبي، فصار الاسم الشائع بالنسبة لهم هو بني إسرائيل، ودعوا بالأكثر يهودًا بالنسبة لمملكة الجنوب حيث احتفظت المملكة بأن يكون الملك من سبط يهوذا.

أَمَّا أَنا فإِنِّي ذاهِبةٌ إلى أَمام أليفانا رَئيسِ قُوَّادِ جَيشِكم،.

لأُخبِرَه بالتدقيق الطَّريق الَّذي يَسلُكُه لِلاستيلاءِ على النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ كُلًّها،.

فلا يَفقِدَ أَحَدًا مِن رِجالِه.

ولا نَفْسًا حَيَّة "[13].

ولَمَّا سَمِعَ الرِّجالُ كَلامَها،.

وتأَمَّلوا وَجهَها، وقد بَدا لَهم رائِعَ الجَمَال، قالوا لَها: [14].

"لقَد خلَّصتِ نَفسَكِ بالإِسْراعِ في النُّزولِ إلى سَيِّدِنا.

والآن فتَعالَي معنا إلى خَيمَتِه،.

وسيُرافِقُكِ أُناسٌ مِنَّا إلى أَن يُسَلِّموكِ بَينَ يَدَيه [15].

أعطى الله يهوديت نعمة في أعين جنود الأعداء، الذين بدلاً من الاستخفاف بها كسيدة من الأعداء المقاومين، والإساءة إليها بوسيلة أو بأخرى، فإن رجال الدورية العسكرية فرحوا بها واستمعوا إليها باهتمامٍ شديد، وأعجبوا بها جدًا، وحثوها على الإسراع باللقاء مع أليفانا القائد، وقدموا لها العون لتحقيق ذلك.

كان من العادات القديمة في الحروب أنه متى اشتدت الضيقة جدًا يتسلل البعض إلى عسكر المحاصرين، إما لتسليم أنفسهم، وغالبًا ما يُعاملون معاملة العبيد، وإما بتقديم أسرار عن المدينة المحاصرة لينجوا هم من القتل على حساب وطنهم، وإما أن يتجسسوا على الأعداء ليعودوا إلى بلدهم يقدمون تقريرًا عن معسكر الأعداء.

وإِذا وَقَفتِ بِحَضرَته، فلا يَضطَرِبْ قَلبُكِ،.

بل أَعيدي كَلامَكِ كما قلتِ،.

فيُحسِنَ إِلَيكِ "[16].

فاختاروا مِن بَينهم مِائةَ رَجُلٍ،.

انضَمُّوا إِلَيها وإلى وَصيفَتِها،.

وذَهبوا بِهِما إلى خَيمةِ أليفانا [17].

اختاروا لها مائة جندي يذهبون بها مع وصيفتها إلى أليفانا، ولعل اختيار هذا الرقم الكبير كان ضروريًا للإسراع بهما إلى خيمة القائد. فلو أنهم اختاروا جنديًا واحدًا أو قلة قليلة من الجند، لتشكك كل من يقابلهما في الطريق إلى خيمة القائد من جند حراسة، بأنهما قد قدمتا رشوة لمن معهما. أما وجود فرقة من مئة عسكري فيكون شهادة أن السيدتين في مهمة هامة، وأن أمرهما قد فُحص تمامًا من الدورية، فلا حاجة لاستجوابهما خلال عبورهما. هكذا استخدم الله حتى الجند المقاومين لمساندتهما لتحقيق خطة يهوديت. وكما يقول المرتل: "هيأت لي مائدة تجاه مضايقي" (مز ١٢).

وحَدَثَ تَجَمهُرٌ في المُعَسكَرِ كُلِّه على أَثَرِ إِذاعةِ خَبَرِ حُضورِها في جَميعِ الخِياَم،.

وكانوا يأتونَ ويُحيطونَ بِها،.

وهي واقِفةُ خارِجَ خَيمةِ أليفانا،.

إلى أَن يُخبِروه بِأَمرِها [18].

وكانوا يُعجَبونَ بِجَمالِها،.

وُيعجَبونَ بِبَني إِسْرائيلَ مِن أَجلِها،.

فيَقولُ كُلُّ واحِدٍ لِقَريبِه:

"مَن يَحتَقِرُ هذا الشَّعبَ الَّذي فيه مِثلُ هؤلاء النِّساء؟

لا يَحسُنُ الإِبْقاءُ على أَيِّ رَجُلٍ مِنهُم،.

فبإمكانِ الباقينَ أَن يَخدَعوا الأَرض كُلَّها "[19].

نزول هاتين السيدتين العبرانيتين إلى المعسكر الأشوري بلاشك دوى بين هؤلاء الآلاف من الجند، فقد صار موضوع حديث الكل. ماذا وراء سيدتين تلقيان بنفسيهما وسط جيش عدوٍ هذا مقداره، وهذه إمكانياته.

الأعداد 20-23

4. يهوديت تسجد أمام أليفانا

وخَرَجَ النَّائمونَ عِندَ أليفانا وجَميعُ ضُبَّاطِه،.

وأَدخَلوا يَهوديتَ إلى الخَيمة [20].

إذ يعلم المحيطون بأليفانا أنه رجل شهواني، ما يشغله في المعركة أن ينتصر ليجد من بين المسبيين نساءً أو فتيات جميلات يسبيهن لإشباع شهوته، وأيضًا ينتظر التمتع بالغنائم الأخرى، لهذا حسب الكل أن مجيء يهوديت الجميلة أول إشارة للقائد أنه نجح في مهمته لتحقيق رغباته الشخصية.

وكانَ أليفانا يَستَريحُ على سَريرِه،.

تَحتَ ناموسِيَّةٍ مِن أُرجُوانٍ وذَهَبٍ وزُمُرّدٍ وحِجارَة كَريمة [21].

كانت خيمته ليس فقط مسكنًا للنوم وسط المعسكر، وإنما كانت أشبه بقاعة ضخمة تحتوي على سريرٍ فاخرٍ جدًا، ليس للنوم فحسب، وإنما للجلوس عليه لعرشٍ ليدير شئون الجيش، وقد دُعي "سرير القائد".

عندما أَخبَروه بِأَمرِها،.

خَرَجَ إلى مَدخَلِ الخَيمة تتَقَدَّمُه مَشاعِلُ فِضَّة [22].

فلَمَّا وَصَلَت يَهوديتُ أَمامَه وأَمامَ ضُبَّاطِه،.

أُعجِبوا جَميعًا بجَمَالِ وَجهِها.

فارتَمَت أمامَه، وسَجَدَت لَه،.

فَأَنهَضَها خُدَّامُه [23].

ارتماؤها أمامه وسجودها لإبراز الوقار والتكريم والخضوع له.

من وحي يهوديت 10.

العروس الجميلة في معسكر الجبابرة!

  • عاشت الأرملة الشابة تترقب عُرسها السماوي.

سجدت في تواضعٍ أمام خالق السماء والأرض.

وبالصلاة والصراخ لبست الحلة العسكرية القديرة.

  • نزلت من العلية موضع نسكها،.

ودخلت قصرها الذي تحتفل فيه بالأعياد.

ألقت عنها مسوح الحزن والترمل،.

فقد حان وقت عرسها.

تزينت من الخارج،.

وكان روح الله يجَّملها من الداخل.

لبست ثياب فرحها،.

وقدمت لها نعمة الله لباس العرس السماوي.

أخذت حذاء لرجليها،.

واستعدت للسير في الطريق نحو الأحضان الإلهية.

تجمل جسدها جدًا،.

فانجذبت إليها عيون الرجال.

وتجَّملت نفسها جدًا،.

فانجذبت إليها عيون السمائيين.

  • أعطت وصيفتها طعامًا بسيطًا لإعالة جسدها،.

وانطلق قلبها للتمتع بالوليمة السماوية.

حملت وصيفتها الزاد الزمني،.

وتقبلت من يدّي الله زادًا سماويًا لروحها!

  • خرجت مع وصيفتها إلى باب مدينة بيت فَلْوى (بيتثليا).

وانطلقت نفسها مع جسدها إلى كنيسة الأبكار البتوليين!

التقت برئيس البلد وشيخيّ المدينة،.

وارتفع قلبها إلى ملك الملوك ورجال العهدين القديم والجديد.

  • أُعجب عظماء بلدها بجمال وجهها وثيابها،.

وطلبوا لها عونًا من السماء يحقق خلاص بلدهم ومدينتهم!

وسُرّ الله بجمالها الداخلي الذي هو من عمل يديه.

ودُهش السمائيون الذين رأوا التراب يتحرك لحساب مجد الله!

  • يا للعجب لم يجسر القائد العظيم بكل جيشه،.

أن يخترق مدينة بيت فلوى ليحطم أورشليم ويهدم الهيكل المقدس!

وهوذا شابة أرملة تخترق معسكره،.

لتبلغ إلى عرين الأسد فتقتله في عرينه!

الجبار المعتز بإمكانياته خشي الدخول من مضيق المدينة.

والشابة المقدَّسة اخترقت جيشه بجرأة وبسالة!

عبرت ومعها وصيفتها إلى ذاك العاجز عن التحرك بكل جيشه!


[165] Concerning Widows, 7: 38.

[166] Concerning Virgins, Book 2: 4: 24.

[167] Duties of the Clergy, Book 3: 13: 84.

[168] Sermon, 91: 3.

[169] Tr. on 1 John 4: 6.

[170] On Ps. 102: 8.

[171] Conder, C. , The Survey of , Vol. II (Committee Of Palestine Exploration Fund, London, 1882) , pp. 156 - 157."And when the men of the city saw them, they took up their weapons, and went out of the city to the top of the hill: and every man that used a sling kept them from coming up by casting of stones against them." Judith 6: 12.

[172] For this place name of `Hills of Sheikh Iskander' and of Zebdah and Bûrkîn see also PSBA, May, 1887, p. 163.

[173] C. R. C. Quarterly Statement, July 1881.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الحادي عشر - سفر يهوديت - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح التاسع - سفر يهوديت - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر يهوديت الأصحاح 10
تفاسير سفر يهوديت الأصحاح 10