الأصحاح الأول – تفسير الرسالة إلى أفسس – القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدمة في رسالة أفسس

من سجن روما، في أواخر حياة الرسول بولس، قدم لنا هذه الرسالة، التي مع صغر حجمها نقلت إلينا الفكر الرسولي بل والسماوي نحو مفهوم الكنيسة. جاءت هذه الرسالة فريدة في أهميتها، من هذه الزاوية، فهي رسالة ليتورچية، تحمل إلينا تعاليم لها وزنها الخاص، وتضم تسابيح وقطع ليتورچية من العصر الرسولي، وفي نفس الوقت تُحسب أشبه بدعوة حارة لتمجيد الله.

هي رسالة كنسية لاهوتية تصبغ، على المؤمنين روح البهجة والفرح، وتدخل بهم إلي سرّ الكنيسة على صعيد لاهوتي عميق روحي وواقعي. الأمر الذي دعا بعض النقاد المحدثين إلي أن يدّعوا بأن هذه الرسالة وُضعت بعد عصر الرسول بولس، وإن كان كثير من الدارسين رفضوا هذا الفكر كما سنرى.

الرب إلهنا الصالح يهبنا بروحه القدوس أن ننعم بهذا الفكر الرسولي الحيّ لنعيشه بحق وننعم به.

القمص تادرس يعقوب ملطي.

رسالة بولس الرسول.

إلى.

أهل أفسس.

أفسس.

"أفسس" كلمة يونانية تعني "مرغوبة".

هي عاصمة المقاطعة الرومانية آسيا، على الشاطئ الأيسر من نهر الكاسيتر، في غرب آسيا الصغرى، على مسافة ثلاثة أميال من البحر، تقريبًا في المنتصف بين مدينتي سميرنا شمالاً وميليتس جنوبًا، وهي ملتقى طبيعي للطرق التجارية، خاصة الطريق الرئيسي بين روما والشرق. بُني لها مرفأ صناعي مما جعلها ميناءً بحريًا هامًا في العصور الوسطى.

اشتهرت بهيكلها العظيم أرطاميس، وهي إلهة تمثل أمًا لها في صدرها كثير من الثدي، غالبًا من أصل حثي[1]. تُعتبر إلهة القمر عند اليونان، تقابل ديانا عند الرومان، تظهر كفتاة عذراء فارعة الطول وجميلة جدًا، أخت أبللو، يعتقدون أن تمثالها نزل من السماء، كثيرًا ما ترسم أيضًا في شكل صياد.

في القرن الحادي عشر قبل الميلاد احتلها الأيونيون Ionians الذين من أصل يوناني، وصارت إحدى اثنتي عشرة مدينة خاصة بإتحاد ولاياتهم، وصارت عاصمة أيونيا.

حوالي سنة ٥٥٥ ق. م. سقطت المدينة تحت حكم كريسس Croesus ملك ليديا (عاصمتها ساردس)، وبعد قليل سقطت تحت الحكم الفارسي. وفي عهد إسكندر الأكبر خضعت للحكم المقدوني اليوناني، وفي سنة ١٣٣ ق. م. خضعت للحكم الروماني، وصارت عاصمة ولاية آسيا.

في سنة ٢٩ ق. م. دُمرت المدينة بواسطة زلزال، وقام الإمبراطور طبريوس بإعادة بنائها.

تأسيس كنيسة أفسس.

كان بأفسس كثير من اليهود لهم جنسية رومانية[2] (أع ١٨: ١٩؛ ١٩: ١٧). إذ كان الرسول بولس راجعًا إلي أورشليم نحو نهاية رحلته التبشيرية الثانية (حوالي سنة ٥٤م) قام بزيارة قصيرة لأفسس، حيث كرز في مجمعها. هناك ترك أكيلا وبريسكلا يكملان عمله (أع ١٨: ١٨–٢١)، ووعد اليهود أن يعود إليهم في أقرب فرصة.

في غيبته جاء أبلوس من الإسكندرية، وكان من تلاميذ القديس يوحنا المعمدان، جاهر بما عرفه عن شخص السيد المسيح في المجمع، وقام أكيلا وبريسكلا بتعليمه طريق الرب بأكثر تدقيق (أع ١٨: ٢٤–٢٦).

رجع الرسول بولس حسب وعده في خريف سنة ٥٤م على الأرجح، في رحلته التبشيرية الثالثة، حيث وجد هناك بعض التلاميذ لم يقبلوا سوى معمودية يوحنا، فبشرهم بالسيد المسيح وعمدهم، وإذ وضع يديه عليهم حّل الروح القدس عليهم، فطفقوا يتكلمون بلغات ويتنبأون (أع ١٩: ٣–٩).

وعظ بولس الرسول في مجمع اليهود نحو ثلاثة أشهر، ولما قاومه اليهود غير المؤمنين اعتزلهم، وأخذ يعظ في مدرسة تيرانس لمدة سنتين "حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا من يهود ويونانيين" (أع ١٩: ٨–١٢).

أما نتائج تبشير الرسول بولس في أفسس فقد أوضحها معلمنا لوقا البشير في سفر الأعمال، ألا وهي:

1. قبل كثير من اليهود والأمم الإيمان بالسيد المسيح (أع ١٩: ١٠).

2. بلغت الكرازة كل آسيا خلال عاصمتها أفسس (أع ١٩: ١٠).

3. إذ صنع الله على يديّ الرسول بولس قوات غير المعتادة (أع ١٩: ١١)، شرع بعض السحرة في صنع عجائب باسم يسوع الذي يكرز به بولس (أع ١٩: ١٣)، بينما جاء كثيرون منهم بكتب السحر يحرقونها علانية، قُدرت أثمانها بخمسين ألفًا من الفضة (أع ١٩: ١٩).

4. انهارت عبادة أرطاميس، الأمر الذي دفع صنّاع الفضة أن يقوموا بثورة، حاسبين في عمل الرسول بولس إهانة شعبية للهيكل العظيم (أع ١٩: ٢٤–٢٩).

5. يظهر تأسيس كنيسة عظيمة في أفسس لها قسوسها مما جاء في أع ٢٠، إذ استدعى الرسول بولس قسوس (الكهنة) الكنيسة التي في أفسس وهو في ميليتس (جنوب أفسس) عند رجوعه من الجولان في مكدونية وآخائية... وقد أنبأهم عن دخول معلمين كذبة بينهم، هم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية (أع ٢٠: ٢٩).

إذ ترك الرسول بولس أفسس أتى إليها تلميذه تيموثاوس وخدمها زمانًا لكي تُحفظ من التعاليم الباطلة (١ تي ١: ٣). أُرسل تيخيكس إلي أفسس مع الرسالة التي بين أيدينا (أف ٦: ٢١؛ ٢ تي ٤: ١٢)، وربما قدم نسخًا منها لبقية كنائس آسيا، كما حمل رسالة خاصة بأهل كولوسي.

كنيسة أفسس إحدى الكنائس السبع في آسيا التي وجهت إليها رسائل في سفر الرؤيا (رؤ ١: ١١؛ ٢: ١–٧). وبحسب التقليد الكنسي قضى القديس يوحنا اللاهوتي أيامه الأخيرة هناك، وتنيح في جزيرة بطمس مقابل أفسس.

في سنة ٤٣١م انعقد المجمع المسكوني الثالث بسبب نسطور بطريرك القسطنطينية، الذي جعل من يسوع المسيح شخصيتين، حاسبًا أن اللاهوت حلّ عليه عند العماد.

الآن تحقق فيها القول الإلهي بأنها تركت محبتها الأولى، وأنه مزمع أن يزحزح منارتها (رؤ ٢: ٤)، إذ تحولت إلي قرية "أفيس" التي أُقيمت في موضعها، ولا يوجد بها مسيحيون.

كاتب الرسالة.

لم يطرأ أدنى شك حول هذه الرسالة من جهة أن الرسول بولس هو كاتبها، وجهها إلى الكنيسة التي في أفسس، وذلك حتى القرن التاسع عشر. لكن جاء بعض النقاد وحاولوا التشكيك في أمر كاتبها أو في أمر الكنيسة التي أُرسلت إليها، قائلين بأن الرسالة في الغالب كتبها شخص حاول الامتثال بالرسول بولس، كتبها بعد عصر الرسول، ناقلاً الكثير من رسائل الرسول بولس، أو إن كانت من وضع الرسول فهي ليست موجهة إلي الكنيسة التي في أفسس، وقد قدموا براهين أو دلائل يمكن اختصارها في أربعة أنواع[3]، نذكرها هنا مع الرد عليها، بعد تقديم براهين إيجابية تؤكد أنها رسالة القديس بولس الرسول موجهة إلي أفسس (مع كنائس أخرى مثل كنيسة لاودكية). وهذا هو الرأي التقليدي الذي عاشت به الكنيسة في الشرق والغرب خلال التسعة عشر قرنًا.

الأدلة الإيجابية على أنها من وضع الرسول بولس.

أولاً: الشهادة الداخلية.

يرى D. Guthrie أن بصمات الرسول بولس واضحة في هذه الرسالة. فنحن نعلم أن الوحي الإلهي يعمل في الكاتب ويرشده ويحفظه من الخطأ، دون أن يفقده شخصيته في كتابته، تكريمًا للإنسانية التي يستخدمها الروح القدس، ويتفاعل معها ويكرمها. وتظهر بصمات الرسول بشكل واضح في النقاط التالية[4]:

1. تحمل الرسالة روح بث الرجاء في النفوس مع التشجيع والشكر لله من أجل أخبار من يكتب إليهم: "إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي" (١: ١٥، ١٦).

2. يدعو نفسه "أسير المسيح يسوع" (٣: ١)، "الأسير في الرب" (٤: ١)، إذ يكتب كرسولٍ سجينٍ من أجل الإيمان.

3. يكتب عن "سرّ المسيح" المعلن له شخصيًا، إذ يقول: "أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ... الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ" (٣: ٣، ٧).

4. يبرز الرسول كعادته حبه العملي لمن يكتب إليهم، فيحسب شدائده إنما لأجلهم، مطالبًا إياهم ألاَّ ينشغلوا حتى بآلامه، بل ترتفع أنظارهم إلى المجد الأبدي فوق الآلام، حاسبًا شدائده مجدًا لا لنفسه فحسب وإنما أيضًا لهم، إذ يقول: "أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ" (٣: ١٣).

5. يمارس محبته العملية نحو البشرية لا خلال الكرازة واحتمال الآلام من أجلهم فحسب، وإنما أيضًا خلال الصلاة والشفاعة عنهم بروح التواضع: "بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ... لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ..." (٣: ١٤–21).

6. ككارزٍ للأمم دائم الدعوة للحياة الجديدة والفكر الجديد مع التخلي عن الحياة الأممية وذهنها الباطل: "لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ... وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ" (٤: ١٧–٢٤).

7. بروح التواضع يطلب الصلوات عنه وعن كل الكنيسة، إذ يقول: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِه، ِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ" (٦: ١٨، ١٩).

8. كعادته يختم الرسالة بالبركة الرسولية (٦: ٢٣، ٢٤).

9. جاءت الافتتاحية مطابقة لافتتاحية الرسالة الثانية إلي أهل كورنثوس والرسالة إلي أهل كولوسي.

10. تظهر بصمات الرسول بولس في التكوين الهيكلي للرسالة، الأمر الذي انفرد به دون غيره، إذ جاءت الرسالة تضم الآتي: التحية الافتتاحية، الشكر، الحديث العقيدي، الحث السلوكي، التحية الختامية ثم البركة الختامية.

ثانيًا: الأدلة الخارجية.

بجانب ما حملته الرسالة من شهادة داخلية أنها من وضع الرسول بولس، فإنه توجد أدلة خارجية تؤكد ذلك، نذكر منها أنه كان لهذه الرسالة انتشار واسع المدى في منتصف القرن الثاني في الكنيسة الأرثوذكسية (المستقيمة الرأي) بل وحتى بين الهراطقة. فقد اقتبس منها الآباء إكليمنضس الروماني، وأغناطيوس أسقف أنطاكية[5]، وبوليكربس أسقف سميرنا[6]، هرماس في كتابه الراعي[7]، وأيضًا اقتبست منها الديداكية (تعليم الرب للإثني عشر رسولاً). وذكرها الهرطوقي مرقيون ضمن الأسفار القانونية (حوالي سنة ١٤٠ م) تحت اسم "الرسالة إلي اللادوكيين"، كما أدرجت في القانون الموراتاني[8] Muratorian Canon حوالي ١٨٠م ضمن رسائل بولس.

الاعتراضات على كاتب الرسالة والرد عليها.

أولاً: اعتراضات خاصة بلغة الرسالة وطابعها Linguistic & Stylistic Arguments.

يعترض بعض الدارسين والنقاد مثل[9] Goodspeed بأن الرسالة تحوي كثير من المفردات أو الكلمات اليونانية التي لم تستخدم في رسائل بولس الرسول hapax legomena (٣٦ كلمة)، بل وبعضها لم يستخدم في العهد الجديد كله (٤٢ كلمة). فمثلاً اعتاد الرسول أن يستخدم كلمة "Satanas (Satan)"، أما هنا فيستخدم كلمة "diabolos (devil)" (أف ٤: ٢٧)، كما أيضًا في الرسائل الرعوية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن طابعها ولغتها أقرب إلي الرسالة الأولى للقديس إكليمنضس الروماني (في عصر ما بعد الرسول بولس) منها إلي رسائل القديس بولس.

ويجيب الدارسون على هذه الاعتراضات، قائلين:

1. علّة اختلاف المفردات vocabulary يرجع إلي اختلاف طابعها، فهي فريدة بين رسائله، "كرسالة ليتورچية"، ضمت بعض المقتطفات من التسابيح والليتورچيات الكنسية، لأن موضوعها هو "الكنيسة"، فجاءت بعض المفردات مقتطفة من الليتورچيات الكنسية.

هذا ويرى البعض أن سرّ اختلاف المفردات يرجع إلي الناسخ الذي يمليه الرسول بولس الرسالة وهو في السجن، إذ كان يستخدم نساخًا كثيرين.

2. إن كانت قريبة إلي الرسالة الأولى لإكليمنضس الروماني، فلأن الأخيرة أخذت الكثير من هذه الرسالة.

3. مع أن طابع هذه الرسالة ليتورچي، مختلف عن بقية الرسائل، لكنها مع هذا فهي قريبة جدًا إلي الرسول بولس، وفي جوهرها تحمل طابع وبصمات شخصيته بطريقة يصعب على آخر انتحالها، فهي بولسية تمامًا في طابعها كما سبق فرأينا.

ثانيًا: الاعتراضات الخاصة بالجانب الأدبي Literary Arguments.

ركز بعض النقاد على هذه الاعتراضات بكونها أساسية، أهم هذه الاعتراضات هو التشابه القوي بينها وبين الرسالة إلي كولوسي، فإن أكثر من ربع كلمات أفسس مقتبسة من كولوسي، بينما أكثر من ثلث كلمات كولوسي مكررة في أفسس، (كما توجد ٨٣ كلمة مشتركة بين الرسالتين دون غيرهما) الأمر الذي لا نجده في الرسائل البولسية الأخرى. يقول النقاد لا يمكن لشخص كبولس الرسول صاحب الفكر المتجدد أن يكرر عبارات في رسالتين له، خاصة وأنه أحيانًا يستخدم كلمة ما بمعنى في رسالة من الرسالتين بينما ذات الكلمة تحمل معنى آخر في الرسالة الأخرى. مثال ذلك كلمة "سرّ" في كولوسي تشير إلي "المسيح"، بينما هي بعينها تشير إلي وحدة اليهود مع الأمم في أفسس.

بلغ Goodspeed إلي نتيجة خاصة وهي أن الرسالة إلي أفسس ليست من وضع الرسول بولس، إنما هي من وضع آخر بعد عهد الرسول مباشرة، أراد محاكاته مقتبسًا عبارات من كل رسائله بعد أن جُمعت هذه الرسائل، خاصة من الرسالة إلي أهل كولوسي.

ويُرد على ذلك بالآتي:

1. الرسالة إلي أفسس، كما يرى بعض الدارسين، هي رسالة دورية لكل كنائس آسيا الصغرى خاصة لاودكية، فهي الرسالة إلي اللاودوكيون التي أشير إليها في الرسالة إلي كولوسي (كو ٤: ١٦). وقد سُجلت "الرسالة إلي أفسس" بكونها عاصمة آسيا الصغرى. وكما كانت لاودكية وكولوسي مدينتين متجاورتين، لذا طالب الرسول بتبادل الرسالتين (كو ٤: ١٦)، خاصة وأنهما كُتبتا في وقت متقارب جدًا، وحملهما شخص واحد هو "تيخيكس" (أف ٦: ٢١؛ كو ٤: ٧)، وتناولا موضوعين متكاملين، فالرسالة التي بين أيدينا تتحدث عن الجسد المسيح، بينما الرسالة إلي كولوسي فموضوعها "المسيح رأس الكنيسة". لذا يجب أن يوجد تقارب شديد بينهما. هذا التقارب لا يشكك في أن الكاتب واحد بل بالعكس يؤكد ذلك. فما حسبه النقاد برهانًا معارضًا إنما هو برهان ضدهم.

2. لو أن كاتب آخر اقتبس من الرسول بولس من كل رسائله، لاقتبس عبارات كاملة لها رنينها الخاص، وليس كما حاول البعض وضع أعمدة بين الكلمات التي وردت في هذه الرسالة ورسائله الأخرى، حاسبين أن مجرد وجود كلمة واحدة أحيانًا علامة على اقتباسها من الرسائل البولسية. نقول العكس أن وجود كلمات مشتركة بين هذه الرسالة والرسائل الأخرى لهو تأكيد أنها رسالة بولسية.

3. استخدام كلمات مشتركة في الرسالتين (أف، كو) بمعنيين مختلفتين لا يمثل حجه أنها غير بولسية، بل بالعكس يحمل تأكيدًا أنها للرسول صاحب الفكر المتسع الذي يعطي للعبارة أكثر من معنى. فحينما يتحدث إلي أهل كولوسي عن "المسيح رأس الكنيسة" يحدثنا عن "السرّ" بكونه "سرّ المسيح"، وحينما يحدثنا في هذه الرسالة عن "الكنيسة جسد المسيح" يحدثنا عن "السرّ" بكونه إتحاد الكنيسة معًا في المسيح، سواء الذين من أصل أممي أو يهودي... فمع اختلاف المعنيين نجد انسجامًا وتكاملاً وليس تعارضًا.

ثالثًا: الاعتراضات الخاصة بالجانب التاريخي Historical Argument.

يرى بعض النقاد أن ثمة اختلاف بين هذه الرسائل والرسائل البولسية من الجانب التاريخي، من حيث أن هذه الرسالة تُظهر أن الصراع اليهودي الأممي قد استقر بينما في الرسائل الأخرى نجد الصراع حيًا وفعالاً، هذا ما جعل النقاد ينظرون إليها كرسالة متأخرة عن عصر الرسول بولس.

يُرد على ذلك بالآتي:

1. إذ تحدث عن المصالحة بين اليهود والأمم خلال الخلاص بالصليب في جسد واحد "قاتلاً العداوة به" (٢: ١٤–١٦)، إنما تكلم بلغة لا يمكن إلاَّ أن تكون لغة الرسول بولس خادم الأمم الذي ركز أنظاره على "نقض حاجز السياج المتوسط" (٢: 1٤) قبل أن تُنقض أسوار أورشليم لتفتح للجميع.

2. لو أن الرسالة قد كُتبت بعد رسائل بولس لما حدث صمت عن سقوط أورشليم عندما حدث نقض الحجاب بين اليهود والأمم، الأمر الذي يؤكد أنها كُتبت في عصر الرسول.

3. غياب الحديث عن اضطهاد القرّاء يشير إلي أنها كُتبت في وقتٍ مبكرٍ جدًا من تاريخ الكنيسة، أي في العصر الرسولي.

رابعًا: الاعتراضات الخاصة بالجانب التعليمي Doctrinal Arguments.

حاول بعض النقاد أن ينكروا نسبتها للرسول بولس بحجة اختلاف الأفكار التعليمية هنا عنها في الرسائل البولسية وذلك بخصوص "الكنيسة، المسيح، التعليم الاجتماعي"، ولا نريد هنا الخوض في التفاصيل إنما نريد توضيح الآتي أنه لا يوجد تناقض بين ما ورد هنا وما ورد في الرسائل الأخرى، إنما تباين وتمايز، يعطي للرسائل حيوية عوض التكرار، ويكشف أعماق الفكر اللاهوتي للرسول بولس دون جمود. خاصة وأن هذه الرسالة فريدة في موضوعها ألا وهو الكشف عن "جامعية الكنيسة"، وفريدة في اقتباسها من التسابيح والليتورچيات الكنسية.

نذكر على سبيل المثال بعض التباينات التي رآها النقاد:

1. من جهة التعليم الخاص بالكنيسة، ففي الرسائل الأخرى يركز على الكنائس المحلية ويهتم بمشاكلها العقيدية والعملية، ويقدم تحيات خاصة بخدام أحباء عاملين في الكرم، أما هنا فلا نجد شيئًا من ذلك، ذلك لأن موضوع الرسالة هو "جامعية الكنيسة" (٤: ١–١٦)، فهو إذ يتحدث في هذا الأمر يرفعنا فوق كل ظروف كنيسة أفسس وأحداثها ومشاكلها والعاملين فيها ليعلن الكنيسة الواحدة، جسد المسيح وعروسه (راجع ٢: ٨–٩؛ ٤: ١٤؛ ٥: ٦). هذا هو الخط الواضح في الرسالة كلها متناسب ومتناغم مع الفكر الرسولي.

2. عندما يتحدث عن الرسل والأنبياء، يقدمهم كقديسين (٣: ٥)، وكأساس للكنيسة حيث المسيح حجر الزاوية (٢: ٢٠)، فظن البعض أن هذا الفكر الذي فيه توقير شديد للرسل والأنبياء يمثل ما بعد عصر الرسول، حيث كان الرسل قد رقدوا فكرّمتهم الكنيسة. هذا الاعتراض غير منطقي فإننا نجد الرسول بولس أحيانًا يدعو حتى المؤمنين أيضًا قديسين أو "مدعوين قديسين" (رو ١: ٧). أما حديثه عن الرسل والأنبياء كأساس الكنيسة فهو فكر بولسي حق، سجله هنا عندما تحدث عن الكنيسة الجامعة.

3. عندما يتحدث عن الزواج (٥: ٢١–٢٣) يعطيه قدسية خاصة بربطه بمفهوم إتحاد الكنيسة بالمسيح، الأمر الذي لا نجده عند حديثه عن الزواج في ١ كو ٧. والسبب في هذا أنه يقدم هنا عرضًا عامًا لفهم سرّ الزواج، أما في ١ كو ٧، فيقدم إجابة خاصة بسؤال معين.

لمن أُرسلت؟

في بعض المخطوطات اليونانية القديمة لا توجد كلمتا "في أفسس"، لذا يرى بعض الدارسين أنها رسالة دورية وجهت إلي كل كنائس آسيا الصغرى لاسيما لاودكية، وأنها نسبت إلي "أفسس" بكونها عاصمة آسيا الصغرى في ذلك الحين.

هذه النظرية "إنها رسالة دورية" وجدت أيضًا اعتراضًا من بعض الدارسين، ولكل فريق وجهة نظره ودلائله.

الفريق الأول يؤكد أنها رسالة دورية عامة مدللين على ذلك بعدم اهتمام الرسول بتقديم تحيات خاصة للعاملين في أفسس مع أن للرسول ذكريات كثيرة في هذه الكنيسة بكونه مؤسسها. هذا ولا نجد في الرسالة معالجة لمشاكل خاصة بكنيسة معينة كبقية الرسائل.

كما يقولون بأننا رجعنا إلي سفر الرؤيا (رؤ ٣: ١٦) نجد السيد المسيح القائم من الأموات يُعلن أنه ينزع اسم لاودكية من فمه، وبالفعل استبدلت لاودكية بأفسس.

بدأ مرقيون، في القرن الثاني، بفكرة إرسالها "إلي لاودكية"، وقد عارضه بعض آباء الكنيسة مؤكدين أنها أُرسلت إلي أفسس أصلاً. من بين الآباء المنادين بهذا الرأي: العلامة ترتليان[10]، والقديس إكليمنضس السكندري[11]، والقديس ايريناؤس[12]، والعلامة أوريجينوس، وأيضًا شهادة القانون الموراتاني.

أما الفريق الآخر المعارض لنظرية "دورية الرسالة"، فيرى أنها سُجلت في أواخر حياة الرسول، حين كان في سجن روما، موجهًا إياها لا إلي الكنيسة التي في أفسس ككل، وإنما إلي الأعضاء الذين هم من أصل أممي، إلي أشخاص لا يعرفهم، قبلوا الإيمان ونالوا العماد بعد رحيله النهائي من المدينة. فهو يعرف كنيسة أفسس التي أسسها، لكنه يتحدث هنا إلي الأمم. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه إذ يكتب عن مفهوم "الكنيسة الجامعة" أراد ألاَّ يذكر أسماء ليرتفع بهم إلي ما فوق العلاقات الشخصية، بينما في الرسائل الأخرى يكتب عن مشاكل محلية، فأراد تأكيد علاقة المحبة الشخصية. إنهما فكران متكاملان ومتلازمان واضحان في حياة الرسول بولس الذي يود كراعٍ حقيقيٍ أن يعرف الرعية، إن أمكن شخصًا شخصًا، وذلك في المسيح يسوع، وفي نفس الوقت يرتفع بنظره فوق الأحداث ويرى كنيسة المسيح الواحدة والجامعة دون التحيّز لشخص أو أشخاص.

هذا ويرى هذا الفريق إن كان بعضًا من السكندريين قدموا الرسالة دون أن تعنوّن لكنسية معينة، فذلك لأنهم استخدموها في الليتورچيات الكنسية.

تاريخ كتابتها.

لم يُظهر الرسول في هذه الرسالة متى كتبها ولا أين كتبها، لكنه أوضح أنه كان أسيرًا بدليل قوله: "أنا بولس أسير يسوع المسيح لأجلكم" (٣: ١)؛ "أطلب إليكم أن لا تكلوا في شدائدي لأجلكم" (١: ١٣)؛ "أنا الأسير في الرب" (٤: ١)؛ "أنا سفير في سلاسل" (٦: ٢٠).

الرأي الأرجح إنها كتبت حوالي سنة ٦٣م، حين أُذن له أن يستأجر بيتًا في روما لمدة سنتين، وقبل جميع الذين أتوا إليه، كارزًا بملكوت الله، بكل مجاهرة بلا مانع (أع ٢٨: ٣٠). في هاتين السنتين كتب كل رسائل الأسر: "كولوسي، أفسس، فيلبي، فليمون".

غير أن الباحثين من أمثال Reuss وMayer يعتقدون أن الرسول بولس كتب الرسائل إلي أهل أفسس وإلي أهل كولوسي وإلي فليمون أبان سجنه في قيصرية (أع ٢٣: ٣٥؛ ٢٤: ٢٧) ما بين سنة ٥٨م وسنة ٦٠م. قدم ماير أربعة براهين يمكن الرد عليها[13]:

1. أنه أكثر قبولاً أن يكون أنسيموس قد رحل إلي قيصرية عن أن يكون قد قطع رحلة طويلة ليذهب إلي روما، ويُرد على ذلك بأنه على العكس الأكثر قبولاً أن يتجه أنسيموس العبد السارق إلي روما، أولاً لبعدها عن مكان سيده (فليمون) لئلا يجده فيقتله، وثانيًا لأن روما متسعة يمكن أن يختفي فيها وليس مثل قيصرية المدينة الصغيرة حيث يمكن أن تنكشف قصته هناك.

2. لو أن هذه الرسائل كتبت من روما كان من الطبيعي أن يعبر أنسيموس وتيخيكس حاملاً الرسائل على أفسس قبل وصولهما إلي كولوسي، وكان من الطبيعي أن يشير إليهما الرسول بولس في الرسالة إلي أفسس كما فعل في الرسالة إلي كولوسي (٤: ٩)، أما كونه لم يشر إلي الاثنين في الرسالة إلي أفسس فلأنهما جاءا من قيصرية إلي كولوسي أولاً حيث استقر أنسيموس ولم يذهب مع تيخيكس إلي أفسس، لهذا لم تكن هناك حاجة إلاَّ إلى ذكر تيخيكس، ويُرد على ذلك بأن الرسالة إلي أفسس غالبًا رسالة دورية إلي كل كنائس آسيا الصغرى فلا حاجة لذكر أنسيموس.

3. في قوله: "ولكن لكي تعلموا أنتم أيضًا أحوالي..." (أف ٦: ٢١)، ما يشير إلي أن تيخيكس عبر أولاً على كولوسي وأخبرهم ثم ذهب إلي أفسس يخبرهم هم "أيضًا" بأحواله. وهذا يتحقق بمجيئه من جهة قيصرية لا روما. يُرد على ذلك بأن كلمة "أيضًا" تحمل تفاسير كثيرة، منها أنها تشير إلي أن الرسالة إلي أهل كولوسي قد كُتبت أولاً وحملت أخباره إلي المنطقة ككل، وجاءت هذه الرسالة تكمل الحديث لتعلن أن تيخيكس سيخبرهم بأمور جديدة أيضًا.

4. طلب الرسول بولس من فليمون أن يعد له منزلاً (فل ٢٢) تعني أنه بالقرب منه في قيصرية. ويُرد على ذلك بأن الرسول لم يكن يتحدث عن مجيء سريع.

هذا وقد جاء التقليد الكنسي يؤكد أن رسائل الأسر كُتبت من روما وليس من قيصرية، خاصة وأن ما ورد في أف (١٦: ١٩، ٢٠) يوضح أن الرسول بولس كان يتمتع ببعض الحرية يستغلها في الكرازة بالإنجيل، هذا يناسب حاله في روما (أع ٢٨: ١٦) لا في قيصرية (أع ٢٤: ٢٣).

موضوع الرسالة.

تُعتبر هذه الرسالة "كنسية" في جوهرها، موضوعها الرئيسي هو "الكنيسة" وعلاقة المسيح بها. الكنيسة بالنسبة للسيد المسيح هي الجسد بالنسبة للرأس (١: ٢٣)، والعروس لعريسها (٥: ٢٣–٣٢).

غاية الرسالة إعلان عن خطة الله في خلق شعب مسياني لله، جماعة مقدسة جديدة، متحدة بالرأس المسيح. هذا هو "سرّ محبة الله البشرية".

بعد أن أكدّ الرسول في الأصحاحات الثلاثة الأولى عمومية الخلاص لليهودي كما للأممي أوضح في الأصحاحات الثلاثة الأخيرة (٤–٦) أن وحدة الإيمان والقداسة والسلوكيات الشخصية والاجتماعية وأيضًا أسلحة المؤمن الروحية يلزم أن تمارس من خلال الكنيسة وداخلها[14]. وقد دعاها بعض الدارسين "إكليل البولسية Crown of Paulinism".

سماتها.

اتسمت هذه الرسالة عن بقية الرسائل البولسية بالاهتمام بالفكر الكنسي الرسولي، لذا جاءت تحمل طابعًا خاصًا بها وسمات فريدة، نذكر منها:

أولاً: تمثل هذه الرسالة أنشودة كنسية أو تسبحة يلهج بها الرسول بولس المتهلل بالروح، إذ يرى الحجاب الحاجز بين اليهود والأمم قد انشق، والعداوة قد بطلت بالصليب، فجاءت رسالة ليتورچية Liturgical تسبيحية[15] Hymnodic، إذ فيها يشجع الرسول أن يتكلم كل واحدٍ بالمزامير والتسابيح (٥: ١٩).

ثانيًا: ضمت هذه الرسالة بعض التسابيح كانت مستخدمة في عصره، أو مقتطفات منها، مثل: ١: ٣–١٤، ٢٠–٢٣؛ ٢: ٤–٧، ١٠، ١٤–١٨، ٢٠–٢٢؛ ٣: ٥، ٢٠–٢١؛ ٤: ٤–٦، ١١–١٣؛ ٥: ٢، ١٤، ٢٥–٢٧. هذه المقتطفات كان لها أثرها على لغة الرسالة كما رأينا وأسلوبها، نضيف إليها الآتي:

1. كثرة الأفعال عن الأسماء بخلاف بقية الرسائل البولسية، فهنا نجد ٢٣١ فعلاً مقابل ١٥٨ اسمًا، بينما في غلاطية ١٣٩ فعلاً مقابل ٣٠٢ اسمًا، وفي رومية ٣٦٣ فعلاً مقابل ٣٧٧ اسمًا.

2. كثرة حروف الجر مثل: "مثل، لأن، هكذا، لذلك الخ."، تُستخدم في بداية المقتطف أو نهايته.

3. تأتي العبارات المقتطفة أحيانًا في شكل عارض وسط النص.

4. كثيرًا ما لا يذكر اسم الله إنما يكتفي بالقول: "الذي" أو "فيه" أو "خلاله".

5. يتحدث عن المنتفعين بإمكانيات الله في صيغة الشخص الأول الجمع، مثل "أبينا، ربنا، اختارنا الخ".

ثالثًا: إذ يتحدث عن الكنيسة عروس المسيح المتحدة مع الآب في ابنه، أبرز الله ليس فقط كمجيدٍ (١: ١٧) وقديرٍ (١: ١٩) وإنما أيضًا كرحيمٍ (٢: ٤ الخ). تحدث عن الكنيسة بكونها "في المسيح"، إذ فيه تنال كل بركة سماوية (١: ٣)، وفيه تم اختيارها (١: ٤)، وفيه نالت الفداء (١: ٧) الخ[16]. كما أعلن قوة صليبه في المصالحة (ص ٢)، وأبرز عمل الروح القدس (٢: ١٨؛ ٣: ٥؛ ٤: ١ الخ؛ ٥: ١٨). بمعنى آخر الكنيسة هي من صنع محبة الآب محب البشر، وعمل الابن الذي ضمها إليه خلال الصليب بفعل الروح القدس واهب الشركة.

رابعًا: مادام الرسول يعلن عن الكنيسة الجامعة في إتحادها الخفي بعريسها السماوي، فقد أكدّ طبيعتها السماوية، ساحبًا قلوبنا إلي السماويات عينها. ففي الافتتاحية إذ يسبح الله يقول: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ" (١: ٣). نستطيع أن نقول أنه عني بقوله "في السماويات" أي "في الحياة الكنسية" بكونها تمتع بعربون السماء!

وعندما تحدث عن عمل الآب في المسيح رأس الكنيسة، قال: "أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (١: ٢٠) لكي به نقوم نحن من موت الخطية ونجلس في السماويات، أي نمارس الحياة الكنسية بكونها "حياة في المسيح السماوي".

هذا ما عاد ليؤكده بقوله: "َأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (٢: ٦).

في الأصحاح الثالث يعلن: "لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ" (٣: ١٠).

حتى جهادنا ضد الشياطين إنما يتحقق لأجل السماويات، "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ... مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (٦: ١٢).

هكذا نرى الخط السماوي واضحًا، فالكنيسة حياة سماوية، وأبونا سماوي، ومسيحنا يجلس في السماويات ليُجلسنا معه، وعدو الخير يقاتلنا ليحرمنا من السماويات.

خامسًا: أبرزت الرسالة قدسية الكنيسة كحياة مع المسيح، حياة فائقة علوية لكنها واقعية ومُعاشة. لعل القديس يوحنا الذهبي الفم في عظته عن سقوط أتروبيوس إذ تحدث عن الكنيسة بفيض استوحى مفاهيمها القدسية من هذه الرسالة، فقد جاء فيها:

[ليس شيء مستقر مثل الكنيسة، إنها خلاصكم وملجأكم!

عالية أعلى من السموات، وقريبة أقرب من الأرض.

إنها لا تشيخ، بل تبقى مزدهرة على الدوام...

آلاف الأسماء تحاول أن تعبّر عن سموها، كما يُلقب الرب بأسماء كثيرة... إنها عروس في وقتٍ ما، وابنة في وقت آخر، عذراء وأمة وأيضًا ملكة[17].].

هي عالية أعلى من السماء، لأنها ترفعنا إلي العضوية في جسد المسيح، الأمر الذي يشتاق السمائيون أن يدركوا أسراره، وهي قريبة منا جدًا أقرب من الأرض لأنها تمثل حياة نعيشها واقعيًا ونمارسها في حياتنا في الداخل كما في السلوك الظاهر.

سادسًا: لاحظ كثير من الدارسين أن هذه الرسالة، دون غيرها من رسائل معلمنا بولس الرسول، قد ركزت على السيد المسيح الممجد لا المتألم، وذلك لأنها رسالة الكنيسة الخفية التي وإن شاركت مسيحها آلامه لكنها ترجو التمتع بشركة أمجاده السماوية.

إنها رسالة إله المجد، الآب الممجد والابن الممجد. لذا في الأصحاح الأول نجده يكرر "مدح مجده" ثلاث مرات (١: ٦، ١٢، ١٤). فبممارستنا الحياة الكنسية نقدم أنشودة "مدح مجده" لا بألسنتنا فحسب، وإنما بكل حياتنا.

سابعًا: منذ سنة ١٨٣٥ حيث اعتقد F. C. Baur أن الرسالة إلي أفسس تحمل اتجاهات غنوسية ظهرت في النصف الثاني من القرن الثاني، اهتم الدارسون بمدى علاقة هذه الرسالة بالكتابات الغنوسية، خاصة بعد ظهور مخطوطات نجع حمادي الغنوسية المشهورة. وقد ظن البعض أن الرسالة حملت أفكارًا غنوسية وضد غنوسية في نفس الوقت[18]، والسبب في ذلك أنه استخدم عباراتهم لكن بمفاهيم مختلفة تمامًا عن مفاهيمهم، وقد سبق لنا الحديث في هذا الشأن[19]، نذكر على سبيل المثال أن الرسول بولس كثيرًا ما تحدث في هذه الرسالة عن "المعرفة" لكنه لا يقدم "معرفة gnosis" حسب الفكر الغنوسي التي تعني احتلال العقل والمعرفة البشرية محل الإيمان، وإنما يتحدث عنها كعطية علوية تعلن ما هو خفي، غايتها الخلاص، تربط مقتنيها بالله كطريق حياة روحي، مركزها السيد المسيح.

أقسام الرسالة.

الباب الأول: سرّ خطة الله، "شعب الله المسياني" ص ١ – ٣.

الكنيسة وسرّ المعرفة ص ١.

الكنيسة وسرّ المصالحة ص ٢.

الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح ص ٣.

الباب الثاني: الحياة الكنسية العملية ص ٤ – ٦.

الوحدة وإضرام المواهب ص ٤.

العبادة والسلوك ص ٥.

الحياة العملية والجهاد الروحي ص ٦.

الباب الأول.

سرّ خطة الله.

"شعب الله المسياني".

1. الكنيسة وسرّ المعرفة ص ١.

2. الكنيسة وسرّ المصالحة ص ٢.

3. الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح ص ٣.

الأصحاح الأول

الكنيسة وسرّ المعرفة.

هذه الرسالة في جوهرها "تسبحة حب" تشهد النفس التي تعرفت على مركزها بثبوتها في المسيح، لا كفردٍ منعزلٍ، وإنما بالحري كعضوٍ حيٍّ في الجسد المقدس خلال إتحاده بالرأس، لتكون على الدوام فيه، تنعم خلاله بمعرفة "سرّ المسيح" على مستوى الخبرة السماوية وبنظرة إنقضائية مجيدة. بمعنى آخر، حمل هذا الأصحاح خطين واضحين هما: "في المسيح"، و "معرفة سرّ الله". فنحن كنيسة الله أو شعبه المقدس، لأننا في المسيح، أما غاية إيماننا فهو المعرفة الإلهية، لا على مستوى السفسطة والجدال، وإنما على مستوى قبول إعلان الله لنا عن ذاته وأسراره.

1. البركة الرسولية ١ – ٢.

2. تسبحة الكنيسة: "في المسيح" ٢ – ١٤.

3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة ١٥ – ٢٣.

1. البركة الرسولية

"بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ،.

إلي الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أفسس،.

وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.

نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ "[١ - ٢].

تحمل هذه الافتتاحية روح الرسول وفكره، فغالبًا ما يقدم الرسول نفسه للكنيسة التي يكتب إليها بكلمات بسيطة تحمل عمقًا وتناسقًا مع موضوع الرسالة وهدفها، كما يبدأ بتقديم البركة الرسولية التي هي عطية الله نفسه للكنيسة. ويلاحظ في هذه الافتتاحية الآتي:

أولا: لما كان موضوع الرسالة هو "الكنيسة الجامعة"، فإن قيام هذه الكنيسة هو من عمل الله نفسه الذي أرسل ابنه متجسدًا ليقيمها جسدًا له، واهبًا إياها حياته المقدسة حياة لها، لذلك نجده يركز على النقاط التالية:

أ. أنه رسول "بِمَشِيئَةِ اللهِ"، ليس له فضل في ممارسة العمل الرسولي، خاصة بكونه رسول الأمم، يدعوهم للإتحاد مع اليهود في جسدٍ واحدٍ. اختاره الله بمشيئته رسولاً ليحقق غايته الإلهية فيهم. حقًا إن تعبير "بِمَشِيئَةِ اللهِ" ليس غريبًا عن الرسول في افتتاحية رسائله، لكن ما تتسم به هذه الرسالة هو تكراره التعبير ست مرات (١: ١، ٥، ٩، ١١، ٥: ١٧، ٦: ١٦)، الأمر الذي لا نجده في الرسائل الأخرى[20]، بل وفي الأسفار الأخرى سوى إنجيل يوحنا، ذلك لأن هذه الرسالة تكشف "سرّ المسيح" بكونه سرّ الكنيسة المجتمعة من اليهود والأمم، هذا السرّ يحقق مشيئة الآب الأزلية، ويتمم مسرته نحو البشرية.

يفضل بعض الدارسين ترجمة "مشيئة الله" بـ "قرار الله[21]"، إذ يرون في النص ما يعني ليس مجرد الإرادة، بل حركة عمل الله الحكيم والقدير والحيّ ككائن محب للبشر، أعلن هذه الحركة الأزلية خلال التاريخ بتدبيره الإلهي.

ب. يدعوهم "قديسين" مع أنه يكتب إلي أعضاء من أصل أممي، كان لا يزال بعض المسيحيين من أصل يهودي لا يستريحون للانضمام إليهم تمامًا، لذا أراد الرسول أن يؤكد بأن الله الذي اختار شعب اليهود قبلاً كشعب مقدس خاص به، قد فتح باب الإيمان – وهذا هو سرّ دعوتهم هنا بالمؤمنين – ليضّم الأمم دون أن يفقد الشعب قدسيته. لقد كرر هذا التعبير "قديسين" ١٤ مرة في هذه الرسالة، بطريقة لا نجدها إلاَّ في الرسالة إلي أهل رومية مع ملاحظة أن الأخيرة أطول منها. بمعنى آخر تكرار هذا التعبير هنا عني تأكيد استمرارية قدسية شعب الله القديم بعد اتساعه ليتقبل معه الأمم خلال المسيح يسوع[22].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على تعبير "القديسين" هنا، بقوله: [لاحظ أنه يدعو الرجال مع نسائهم وأطفالهم وخدمهم "قديسين". هؤلاء الذين دعاهم بهذا الاسم كما هو واضح من نهاية الرسالة، إذ يقول: "أَيُّتهَا الزوجات (النِّسَاءُ) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ" (٥: ٢) وأيضًا: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ" (٦: ١)، "أَيُّهَا الْعَبِيدُ (الخدم)، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ" (٦: ٥). تأملوا مقدار البلادة التي استحوذت علينا الآن، كيف صارت الفضيلة نادرة الآن بينما كان الفضلاء كثيرين جدًا، فقيل عن العلمانيين أنهم قديسون ومؤمنون[23].].

قرار الله أو مشيئته ليس فقط أن يختار القديس بولس رسولاً، وإنما أن يتمتع الأمم - رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخًا، سادةً وعبيدًا - بالحياة المقدسة، وذلك في "المسيح" بالإيمان به.

الرسالة إلى أهل أفسس في مجملها يمكن أن تُفهم كمقالٍ عن أساس التقديس ووسائله وامتداده وغايته[24].

هذا ويؤكد العلامة أوريجينوس أن المؤمن إذ يُدعى هنا قديسًا، فذلك لأنه قد نال إمكانيات الحياة المقدسة، خلال مياه المعمودية وعمل الروح القدس، يلتزم أن ينطلق في هذه الحياة المقدسة لينمو بلا توقف، وإلاَّ فقد قدسية الحياة.

ج. كثيرًا ما يربط الرسول النعمة بالسلام معًا في البركة الرسولية، بكونهما هبتا الله لكنيسته، غير أنه يكرر تعبير "السلام" في هذه الرسالة سبع مرات بطريقة فريدة (فيما عدا الرسالة إلي رومية) ليعلن أساس الرسالة وإمكانية الوحدة والانسجام بين كل البشر – يهودًا كانوا أم أممًا – وذلك في المسيح[25].

ويلاحظ أن الرسول بولس هنا ينسب "النعمة والسلام" للآب كما للابن بكونهما عطيتهما بلا مفاضلة بين الأقنومين؛ هما عطية الآب كما عطية الابن.

وتقديم هذه البركة الرسولية لا يعني أن مؤمني أفسس كانوا فاقدين النعمة والسلام قبل الرسالة، وإنما كانوا يتوقون دائمًا لنوال المزيد. فالنعمة كما السلام هما عطيتان غير جامدتين ينالهما المؤمن ويفرح بهما، فيشتاق إلي المزيد، لعله بالنعمة يبلغ إلي التشبه الكامل بالسيد المسيح والتمتع بشركة سماته، وبالسلام تتحقق مصالحته مع الله والناس على مستوى أعمق. بهذا يتحقق فيه التطويب: "طوبى للجياع والعطاش إلي البرّ، لأنهم يشبعون" (مت ٥: ٦)، ولا يسقط تحت التوبيخ: "لأنك تقول إني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيءٍ، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير..." (رؤ ٣: ١٧).

ثانيًا: كما سبق فأكدنا[26] أن الرسول بولس حاول معالجة تسرب بعض الأفكار الغنوسية إلي المسيحيين مثل التمييز بين إله العهد القديم كإله عادل قاسي، وإله العهد الجديد كإله رحيم مخلص. لذا إذ يقدم النعمة الإلهية والسلام السماوي ينسبهما للآب ويدعوه "أبانا" معلنًا أبوته وحنانه، وللرب يسوع المسيح معلنًا أنه واحد مع الآب في الجوهر، يحمل ذات إرادته.

2. تسبحة الكنيسة: "في المسيح"

اقتطف الرسول جزءًا من تسبحة غالبًا ما كانت الكنيسة تترنم بها في العصر الرسولي، حملت هذه التسبحة جوًا سماويًا يليق بطبيعة الكنيسة كحياة سماوية "في المسيح السماوي"، إذ يقول:

"مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،.

الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ "[3].

يرى كثير من الدارسين[27] أن هذه التسبحة لها سمات خاصة بالمعمودية – ربما كانت تستخدم في ليتورچية العماد – إذ تشير إلي بركات المعمودية وفاعليتها، مثل التبني للآب بيسوع المسيح، وغفران الخطايا، والتمتع بالميراث، وختم الروح [5، 7، 14، 13].

بدأ التسبحة بالتعبير الذي كانت تستخدمه الكنيسة السامية: "مبارك"، معلنًا أن كل عطية أو بركة سماوية هي من مراحم الله وأعماله القديرة.

وقد دعا بركات العهد الجديد "بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" ليميزها عما تمتع به اليهود في العهد القديم من بركات زمنية، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هنا يلمح إلي بركات اليهود، فتلك كانت بركة أيضًا، لكنها لم تكن بركة روحية، كيف؟ "يباركك ويبارك ثمرة جسدك" (تث ٧: ١٣)، "ويبارك خروجك ويبارك دخولك" (تث ٢٨: ٦). لكن الأمر هنا مختلف، كيف؟ "بكل بركة روحية".

ماذا يعوزك بعد؟ لقد صرت خالدًا، حرًا، ابنًا، مبررًا، أخًا، شريكًا في الميراث، تملك مع المسيح وتتمجد مع المسيح. كل شيء يُوهَب مجانًا.

قال: "كيف لا يهبنا معه أيضًا كل شيء؟!" (رو ٨: ٣٢). باكوراتك تهيم بها الملائكة والشاروبيم والسيرافيم. ماذا يعوزك بعد؟ "بكل بركة روحية"! لا شيء جسدي هنا. بهذا استبعد البركات السابقة، إذ قال: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو ١٦: ٣٣)، لكي يرشدنا إلي هذه. لأنه كما أن الذين نالوا الجسديات لم يقدروا أن يسمعوا عن الروحيات، هكذا من يهدفون نحو الروحيات لا يستطيعون نوالها ما لم يتركوا الجسديات.

أيضًا، ما هي البركة الروحية في السماويات؟ يعني أنها ليست على الأرض كما كان الحال مع اليهود: "تأكلون خير الأرض" (إش ١: ١٩)، "إلي أرض تفيض لبنًا وعسلاً" (خر ٣: ٨)، "يبارك الرب أرضك" (تث ٧: ١٣).

لا نرى هنا شيئًا من هذا القبيل، فماذا نرى؟ "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي (أنا وأبي)، وعنده نصنع منزلاً" (يو ١٤: ٢٣). "فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر، فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت على هذا البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسسًا على الصخر" (مت ٧: ٢٤، ٢٥). وما هو هذا الصخر إلاَّ تلك السماويات البعيدة عن كل تغير؟ يقول المسيح. "فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات، وكل من ينكرني أنكره أنا أيضًا" (مت ٢٠: ٣٢، ٣٣). وأيضًا: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت ٥: ٨). وأيضًا: "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات" (مت ٥: ٣)، وأيضًا: "طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأن لهم ملكوت السماوات" (مت ٥: ١١). لاحظ كيف يتحدث في كل موضع عن السماء لا عن الأرض أو الأرضيات. وأيضًا: "فإن وطننا (سيرتنا) نحن، هو في السماء التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح" (في ٣: ٢٠)، وأيضًا: "اهتموا بما فوق لا بما على الأرض" (كو ٣: ٢) [28]].

دعاها أيضًا بركة "روحية" نسبة إلى الروح القدس، لأننا ننال عطايا الآب خلال إتحادنا بالابن وذلك بفعل الروح القدس. بمعنى آخر الروح القدس، هو روح الشركة التي يثبتنا في الابن، فننال بفيض ما هو للابن. لهذا إذ صعد السيد المسيح إلي السماء أرسل روحه القدوس على الكنيسة يحملها إليه لتنعم بالعطايا الإلهية.

إن كان الله الآب يهب كل بركة روحية في السماويات، إنما يهبها "في المسيح" [3]، فإنه إذ يرانا أبناء له بثبوتنا في الابن الوحيد "المحبوب" [6] يفيض ببركاته الإلهية علينا، كأعضاء جسد المحبوب. نصير "في المسيح" محبوبين لديه كما هو محبوب.

يرى الرسول بولس أن سرّ عضويتنا الكنسية وسرّ حياتنا مع الله وتمتعنا بكل بركة هو أننا "في المسيح"، الأمر الذي امتص كل تفكيره، حتى قال أحد الدارسين إن كل أفكار الرسول بولس اللاهوتية يمكن أن تتلخص في كلمتين "في المسيح". فحين يتحدث عن لاهوتيات أو كنسيات أو سلوكيات خاصة أو علاقات أسرية أو اجتماعية إنما من خلال هذه النظرة أننا "في المسيح"، نحمل فكر المسيح وحياته عاملة فينا. فلا عجب إن رأيناه في هذه الرسالة القصيرة يكرر هذه العبارة ومرادفاتها مثل "في المحبوب" أو "فيه" أكثر من ثلاثين مرة. ولعل تكرارها هنا على وجه الخصوص إنما لتأكيد أن إتحاد الجماعة المقدسة المختارة من الأمم يتحقق فيه وتحت قيادته.

"في المسيح" ليس فقط نلنا كل بركة روحية وإنما تمتعنا باختيار الآب لنا كبنين له، إذ سبق فعرفنا كأعضاء في جسد ابنه المحبوب. هذا ما يؤكده الرسول بقوله:

"كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ،.

لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ "[4].

ماذا عني الرسول بهذا الاختيار الذي شغل فكره وقلبه وكل أحاسيسه ليتكلم عنه بطرق متنوعة في مواضع كثيرة في رسائله؟

بلا شك لا يقصد تجاهل "الحرية الإنسانية" في قبول الإيمان أو رفضه، فإن الله في محبته للإنسان لا يتعامل معه كما مع آلة جامدة أو كما مع قطع من الشطرنج يحركها بإصبعه إنما يتعامل مع كائن عاقل وهبه الحرية، له أن يقبل الله ويتجاوب مع محبته ودعوته أو يرفض دون إلزام. إنما ما عناه الرسول أن الله الذي يريد أن الكل يخلصون، والذي في محبته يدعو الجميع لنوال فيض نعمته المجانية بسابق معرفته رآنا في ابنه المحبوب فعيننا بلا فضل فينا، اختارنا دون إلزام من جانبه عارفًا أننا نقبل دعوته، إذ يقول الرسول: "لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين، والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهمٍ أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا" (رو ٨: ٢٩، ٣٠). لقد أراد الرسول أن يؤكد حقيقة هامة وهي أنه وإن كنا قد تجاوبنا مع دعوة الله لكن الفضل ليس فينا، وإنما ما نناله هو هبة مجانية، أُعطيت لنا في استحقاقات الابن الباذل حياته عنا، الفضل كله يرجع إلي مقاصد الله الخلاصية ونعمته، كقول الرسول: "الذي خلصنا دعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهرت الآن بظهور مخلصنا..." (٢ تي ١: ٩، ١٠).

هذا ما أحسه القديس إكليمنضس السكندري حينما تحدث عن الإيمان والحرية الإنسانية، مؤكدًا أن الحرية الإنسانية والعقل هما هبة إلهية، لا يقدران أن يقدما للإنسان حياة الشركة دون العون الإلهي. فإن كان الإيمان من صنع الإرادة الحرة، لكنه هبة إلهية[29]. إنه يشبه لاعب الكرة الذي له الحرية أن يمسك بالكرة أو يرفض، لكنه لا يقدر أن يمسك بها ما لم تُقذف إليه[30]. هكذا يمكننا أن نمسك بالإيمان أو نرفضه، لكننا في حاجة إلي يد الله تقدمه لنا. هذا الفكر استقاه تلميذه العلامة أوريجينوس الذي تحدث بفيض عن نعمة الله المجانية مؤكدًا: [ليس شيء من عطايا الله للبشرية يُعطى كوفاء لدين، بل كلها تُعطى من قبيل نعمته[31]]. وفي نفس الوقت يؤكد: [إن نزع عنصر حرية الإرادة عن الفضيلة تدمر كيانها[32]].

يؤكد الرسول أن اختيارنا هذا قد تحقق "فيه"، وأنه لم يحدث جزافًا بل بخطة إلهية "قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" [٤]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني: "اختارنا فيه"؟ يعني أنه تم بواسطة الإيمان فيه (به) أي في المسيح. فقد دبر هذا لنا بخطة قبل أن نولد بل وأكثر من هذا "قبل تأسيس العالم". ما أجمل هذه الكلمة: "تأسيس". كأنه يشير إلي العالم على أنه ساقط من ارتفاع شاهق جدًا. نعم، إن سمو الله عالٍ جدًا بطريقة تفوق الوصف، سموه بعيد جدًا لا من جهة المكان، وإنما من جهة إمكانية الطبيعة للحديث عنه[33].].

ما هو غاية الاختيار؟

يجيب الرسول: "لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ" [4]. يمكننا أن ندرك مقاصد الله منا في هذه العبارة الرسولية العميقة، إذ نلاحظ:

أولاً: يريد فينا أمرين، أن يرانا الآب نحمل سماته، فنكون قديسين كما هو أيضًا قدوس، إذ يوصينا: "إني أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا ١١: ٤٤)؛ ويقول القديس بطرس: "لأنه مكتوب كونوا قديسين، لأني أنا قدوس" (١بط ١: ١٦). وأيضًا أن نكون "بلا لوم"؛ هذه السمة كانت لازمة وضرورية في ذبائح العهد القديم (لا ١: ٣، ١٠). كأنه يريدنا أن نقدم أنفسنا ذبائح حية بلا عيب خلال الكاهن الأعظم والذبيح في نفس الوقت ربنا يسوع. يريدنا "َبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ"، أي ذبيحة حب دائمة تحمل رائحة المسيح الذكية. هذه هي غاية الله فينا أن يرانا نحمل سماته (القداسة) وأن نتحد بالذبيح كذبيحة حب دائمة يشتمها رائحة رضا. لذلك يقول الرسول بولس: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو ١٢: ١).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم ارتباط القداسة بالحياة التي بلا لوم تحمل إشارة إلي وحدة الإيمان مع الحياة العملية، فإن كانت القداسة هي عطية الله القدوس، خلال هذه العطية يلزمنا أن نسلك بلا لوم، بمعنى آخر نترجم عطيته في سلوكنا العملي، إذ يقول: [القديس هو ذاك الشريك في الإيمان؛ والذي بلا لوم هو ذاك الذي يسلك حياة لا غبار عليها[34].].

ثانيًا: يؤكد الرسول أن هذه القداسة والحياة بلا لوم، إنما تكون "قدامه"، بمعنى أن ما تحمله الكنيسة من قداسة وحياة بلا لوم هو موضع اعتزاز الله نفسه، كالعريس الذي يريد جمال عروسه وزينتها الداخلية لنفسه كما يقدم عذوبة حبه العميق لها. ما أصعب على نفس الرجل أن يجد زوجته تحمل صورتين: إحداهما مشرقة أمام الغير والأخرى كئيبة في لقائها معه على إنفراد. فإن ما يبهجه اللقاء الداخلي والعلاقة الزوجية على صعيد الوحدة العميقة الصادقة. فالله يريدنا نحن، لنكون له، كما هو لنا. هذا ما تؤكده هذه الرسالة، إذ جاء فيها: "لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ" (٥: ٢٧).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يتطلب مجرد القداسة والخلو من اللوم، إنما يريدنا أن نظهر هكذا "أمامه". يوجد أشخاص يبدون أمام الناس قديسين وبلا لوم مع أنهم يشبهون القبور المبيضة ولابسي ثياب الحملان. لا يكن الأمر هكذا، وإنما كما يقول النبي: "كطهارة يدي" (مز ١٨: ٢٤). أية طهارة؟ التي تكون "أمامه"، إذ يطلب القداسة التي تتطلع إليها عين الله[35]].

ثالثًا: يؤكد الرسول أن نكون قديسين بلا لوم قدامه "فِي الْمَحَبَّةِ" [٤]. لعله يقصد أن اختيار الله تم خلال محبته الإلهية الباذلة (يو ٣: ١٨)، وأيضًا تقديسنا وسلوكنا بلا عيب يتحققان خلال نعمته المجانية التي تفيض خلال محبته الدائمة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما كان يمكن للفضيلة وحدها أن تخلص أحدًا بدون المحبة. اخبرني، ماذا كان ينفع بولس لو أظهر ما أظهره لو لم يدعه الله في البداية حيث أحبه واجتذبه إلي نفسه؟! [36]].

ربما قصد بالمحبة أن ما يشتمه الله فينا، إذ نقف أمامه قديسين بلا لوم هذه هي "المحبة" بكونها علامة التصاقنا به وإتحادنا معه.، بل وعلامة تشبهنا به بكونه "الله محبة" (١ يو ٤: ٨). نقف قدامه، فيزول كل ماضينا لتبقى المحبة التي لا تسقط أبدًا (١كو ١٣: ٨).

رابعًا: تحققت محبة الآب الفائقة نحونا، كما تتحقق محبتنا لله خلال الحياة المقدسة التي بلا لوم خلال نعمة البنوة التي ننالها بالمسيح يسوع ابن الله "المحبوب"، إذ يقول:

"إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ،.

حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،.

لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ "[5 - 6].

إن كان القول "في المحبوب" هو تعبير ليتورچي خاص بالمعمودية في غاية القوة (مر ١: ١١) كما يرى كثير من الدارسين الغربيين، بهذا نرى أن الله قد عيّن كنيسته لتنال البنوة خلال المعمودية، فتتحقق مسرة مشيئة الآب بقبول أعضاء جدد كأبناء له، لا لفضل فيهم، وإنما خلال نعمة المعمودية المجانية، فيعلن بالأكثر "ِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ"، بتجلي محبة الله الفائقة والمستمرة.

في المحبوب نلنا التبني فصرنا أبناء، لنا حق شركة الميراث، لكن شتان ما بين الابن المحبوب وحيد الجنس، وبين الأبناء بالتبني، إذ يقول القديس أغسطينوس: [أقام الآب شركاء في الميراث مع ابنه الوحيد، لكنهم ليسوا مولودين مثله من جوهره، إنما تبناهم ليصيروا أهل بيته[37]]، [نحن أبناء ذاك الذي أقامنا هكذا بإرادته، لكننا لسنا مولودين من ذات طبيعته. في الحقيقة نحن ولدنا لكن كما قيل بالتبني، نحن مولودون خلال نعمة تبنيه لنا وليس بالطبيعة[38].].

خامسًا: تحققت محبة الآب بقبولنا أبناء لكن "بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" [5]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أما تلاحظ أنه لا يتحقق شيئًا خارج المسيح؟ وأيضًا خارج الآب؟ واحد سبق فعيّن، والثاني يقربنا إليه... عظيمة حقًا هي البركات الممنوحة، ومما يزيدها عظمة أنها خلال المسيح، إذ لم يرسل عبدًا مع أنه مُرسل للعبيد، وإنما أرسل الابن الوحيد نفسه[39].].

سادسًا: إن ما تحقق بالنسبة لنا خلال محبة الآب الأزلية ونعمة ابنه وحيد الجنس لننال البنوة إنما هو موضع سرور لله، إذ يقول "حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ" [5]. هنا يميز القديس يوحنا الذهبي الفم بين مشيئة الله السابقة حيث يريد بغيرة أن الكل يخلصون، وبسرور أن يهب البنوة للجميع، وبين المشيئة (السماح) الذي صار خلال إصرارنا على الشر، فنسقط تحت الهلاك. بمعنى آخر حسب مسرة الله وغيرته يود لنا البنوة والقداسة المتجلية في المحبة، لكنه لا يلزمنا قسرًا، فإن رفضنا يسقطنا تحت الهلاك بسماحٍ إلهيٍ كثمرة طبيعية لما قبلناه بإرادتنا.

سابعًا: إن كان الله في مسرة مشيئته قدم لنا هذه النعمة السماوية المجانية، فهي أيضًا: "لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ" [6]. إذ تتجلى نعمته المجانية التي تمجده أمام الكل، خاصة الخليقة السماوية التي تدهش لغنى حبه نحو الإنسانية.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً:

[الآن إن كان بيّن لنا نعمته لمدح مجد نعمته، لكي يعلن نعمته، فعلينا إذن أن نقطن فيها.

"لمدح مجده" ما هذا؟ ومن هم الذين يمدحونه؟ ومن الذين يمجدونه؟ هل نحن أم الملائكة أم رؤساء الملائكة أم كل الخليقة؟ وماذا يكون هذا؟ إنه لا شيء، إذ لا يعوز الطبيعة الإلهية شيء. إذن هل يريدنا أن نمدحه ونمجده؟ إنما لكي تشتعل محبتنا له بالأكثر في داخلنا. هو لا يطلب منا شيئًا، لا خدمتنا ولا مدحنا ولا ما هو من قبيل ذلك. لا يريد سوى خلاصنا. هذه هي غاية كل ما يعمله. فإن من يمدح النعمة التي بيّنها ويُعجب بها إنما يزداد تقوى وغيرة[40]].

الآن يحدثنا عن فاعلية نعمة الله المجانية التي ننالها في المحبوب، والتي أبرزها في النقاط التالية:

أولاً: التمتع بالفداء إذ يقول:

"الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ،.

بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا،.

حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ،.

الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ "[7 - 8].

في القديم عني بالفداء تحرير الله لشعبه من عبودية فرعون ليقتنيه لنفسه (خر ١٥: ١٣؛ تث ٧: ٨)، أما في العهد الجديد فإننا إذ نجد لنا موضعًا في المسيح الفادي أو المحرّر يعتقنا من عبودية الخطية، غافرًا خطايانا بفيض غنى نعمته الفائقة، واهبًا إيانا مع غفران الخطايا كل حكمة سماوية وتمييز أو فطنة.

بمعنى آخر لم يعٌد المحرّر خارجًا عنا، بل فينا ونحن فيه، يحررنا لا من عبودية بشرية زمنية، بل بنعمته ينزع عنا خطايانا التي سقطنا تحت أسرها بإرادتنا، بل يزيننا بكل حكمة وفطنة، إذ يسكن فينا ويعلن جماله السماوي في حياتنا الداخلية.

أما قوله "الَّتِي أَجْزَلَهَا" فتعني العطاء المجاني بفيض، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذه العطية الإلهية: [إنها غنى، وهي جزيلة، انسكبت علينا بقياس فائق الوصف، لا يمكن للكلمات أن تعبر عن البركات التي اختبرناها فعلاً، فهي حقًا غنى، وغنى جزيل.].

ثانيًا: التمتع بمعرفة الأسرار الإلهية، إذ يقول:

"إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ،.

حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ،.

لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ "[9 - 10].

إن كان الغنوسيون يعتزون بالمعرفة "gnosis" حتى احتلت في فكرهم عوض الإيمان، وحسبوا أنهم بعقولهم وحدها قادرون على التمتع بالخلاص، فإن الرسول بولس يصحح الوضع معلنًا أن المسيحي الحقيقي "صاحب معرفة"، لكن على مستوى فائق، فإن الله لا يهبه فقط غفران خطاياه، وإنما يرفعه كابن لله إلي السماويات ليعلن له سرّ معرفته. ينال المعرفة gnosis كهبة إلهية وكإعلان سماوي حسب مسرة الله الذي له مقاصده التي تتحقق في ملء الأزمنة.

لعل الرسول يقصد هنا بالسرّ الذي يعلنه للمؤمنين هو على وجه الخصوص تحقيق خطة الله في ملء الأزمنة، حيث يعمل بكمال سلطانه وملئها لخلق جماعة مسكونية من المؤمنين في المسيح، مقدسة فيه.

في دراستنا لمدرسة الإسكندرية رأينا كثير من آبائها الأولين كانوا يتطلعون إلي "المعرفة الإلهية" كأثمن ما يقدمه المسيح للنفس البشرية، فإذ تتحد به كعروس مع عريسها يقدم لها ذاته فتتعرف على أسراره في حجاله السماوي. لذا يقول القديس إكليمنضس السكندري وتلميذه العلامة أوريجينوس إن هذه المعرفة هي هبة الله للكاملين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عجبًا! أية صداقة هذه؟! إذ يخبرنا بخفاياه، إذ يقول "بسرّ مشيئته"، لأن أحدًا يقول بأنه عرّفنا بالأشياء التي في قلبه. هنا حقًا السرّ المملوء حكمة وفطنة. فأية حكمة مثل هذه؟ الذين كانوا لا يساوون شيئًا رفعهم في لحظة إلي الغنى والفيض. أي تدبير حكيم هكذا؟! الذي كان عدوًا ومُبغضًا في لحظة ارتفع إلي العلا... هذا تم في الوقت المعين؛ إنه عمل الحكمة، تحقق بواسطة الصليب.].

ثالثًا: أن يجمع الكل فيه، قائلاً:

"لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ،.

لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ،.

مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ "[10].

جاءت كلمة "أزمنة" هنا Kairos لا تحمل المعنى البسيط المزمن مثل كلمة Chronos، وإنما تشير إلي حقبة جديدة يعمل الله فيها بكل سلطانه ليجمع كل شيء في المسيح، كما تحت رأس واحد.

يُسر المؤمن ليس فقط بتحريره من خطاياه، وتمتعه بالبنوة الإلهية، وإدراكه سرّ مشيئة الله، أي نواله المعرفة، وإنما أيضًا بنظره أن الكل يجتمع معًا – على مستوى الأرضيين والسمائيين – تحت قيادة الرأس المسيح. هذا هو ما يفرح قلب المؤمنين، أن تتحقق مشيئة الله خلال إتحاد الخليقة العاقلة المؤمنة، لتعيش كلها معًا بروح الوحدة تنعم بالحضرة الإلهية. فالمؤمن بثبوته في المسيح يفقد الأنانية والفردية ليتسع قلبه بالحب للجماعة كلها دون أن يفقده علاقته الشخصية بمسيحه.

يفرح المؤمن الحقيقي إذ يرى في مسيحه أنه لا يضمه وحده إليه لكنه يجمع مختاريه الأرضيين ليقيمهم شعبًا سماويًا، يشاركون العلويين حياتهم الفائقة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عانى السمائيون من الأرضيين، ولم يعد لهم رأس واحد. إلي ذلك الوقت كان نظام الخلقة هو أن إلهًا واحدًا فوق الجميع هو للكل، لكن انتهى نظام "البيت الواحد" حيث انتشر خطأ الأمم وسقطوا في العصيان... الآن أقام رأسًا واحدًا بعينه على الكل، أي المسيح حسب الجسد، فوق الملائكة والبشر. بمعنى آخر جعل للملائكة والبشر مملكة واحدة... جمع الكل تحت رأس واحد بعينه مقيمًا رباط الوحدة من فوق[41].].

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم في نفس العظة تفسيرًا آخر لمعنى "لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ"، إذ يقول: [جمع المسيح في نفسه التدابير التي استغرقت فترة طويلة (منذ السقوط حتى مجيئه متجسدًا) قاطعًا إياها.] بمعنى أن بمجيئه تحققت الوعود والعهود والنبوات التي طال انتظار تحقيقها.

رابعًا: الآن إذ يعلن الرسول بولس عن نعمة الله التي جمعت السمائيين مع الأرضيين كما في جسد واحد للرأس الواحد السماوي، وفيه تحققت النبوات والمواعيد التي طال انتظار تحقيقها، أراد أن يثير الأمم بالغيرة ليدركوا غنى هذه النعمة متمسكين بها كعربون للميراث الأبدي أو النصيب السماوي، إذ يؤكد أنه كيهودي قد نال بالمسيح النصيب المعين الذي سبق اليهود الأولون فترجوه، هذا النصيب بعينه يناله الأمم خلال كلمة الحق إنجيل الخلاص. فما ناله اليهود بعد انتظار طويل عبر الآباء والأنبياء لم يُحرم منه الأمم خلال قبولهم الإنجيل. هذا ما عناه الرسول بقوله:

"الَّذِي فِيهِ أَيْضاً نِلْنَا (نحن اليهود) نَصِيباً،.

مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ،.

لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ،.

نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ.

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ (الذين من أصل أممي)،.

إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ،.

الَّذِي فِيهِ أَيْضاً إِذْ آمَنْتُمْ خُتِنتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ،.

الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ "[11 - 14].

يلاحظ في هذا النص الآتي:

أ. إن كان الرسول يردد – في هذا النص – كلمتي "نحن" و "أنتم"، قاصدًا بكلمة "نحن" اليهود، وكلمة "أنتم" الأمم، لكنه أكد أن اليهود وإن كانت لهم الأولوية من جهة الزمن لقبول المسيح المخلص، فإن الطرفين – اليهود والأمم – يشتركان معًا في التمتع بذات الحب الإلهي والاختيار ونعمة الله والعضوية في الجسد الواحد.

ب. كلمة "نصيب" هنا في اليونانية Kleroó تعني "يلقي قرعة[42]"، فنوالهم للعطايا الإلهية جاء ميراثًا أو نصيبًا تحقق كما بإلقاء قرعة. لعله بهذا يريد أن يسترجع اليهود إلي أيام آبائهم حين دخلوا أرض الموعد، وصار كل واحدٍ ينتصر بنواله نصيبه خلال القرعة، دون أي فضل له في الاختيار. فما حدث في القديم كان رمزًا لا قيمة له إلاَّ في الإعلان عن ميراث العهد الجديد. هنا أيضًا لا فضل للمتمتع بالنصيب في شيء بل غنى نعمة الله هي التي قدمت له هذا النصيب.

ولئلا يُظن أن ما يحدث الآن يتم اعتباطًا بكونه أشبه بإلقاء قرعة تتم دون تخطيط معين أكد الرسول أن ذلك يتحقق "حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ". فما يتم الآن، إن كان لا يدّ لنا فيه / لكنه في خطة الله السابقة ومشيئته الحكيمة نحونا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، بقوله:

[استخدم قبلاً الكلمة "اختارنا" [4]، أما هنا فيقول: "نِلْنَا نَصِيباً (ميراثًا)" [11]، ولما كانت القرعة مسألة مصادفة لا تتم عن اختيار مقترن بتدقيق، ولا مسألة فضيلة (إذ تُقترن القرعة غالبًا بجهل ما سنصل إليه بالصدفة، وكثيرًا ما تتخطى الفضلاء وتستقر على من لا قيمة لهم). لاحظ كيف صحح هذه النقطة بالذات، إذ يقول: "مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ" [11]. يمكننا أن نقول إننا لم نكن مجرد أصحاب نصيب، ولا مجرد مختارين (لأن الله هو الذي يختار)، ولا مجرد أصابتنا قرعة (لأن الله هو الذي يحدد النصيب)، وإنما تحقق الأمر "حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ". هذا ما يقوله أيضًا في الرسالة إلي أهل رومية: "الذين هم مدعوون حسب قصده، لأن الذين سبق فدعاهم فهؤلاء بررهم، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا" (رو ٨: ٢٨ – ٣٠)... كأنه يقول: لقد ألقيت القرعة والله اختارنا، فتم كل شيء باختيار دقيق. لقد سبق فعيّن أناسًا اختارهم لنفسه وأفرزهم له. رآنا – كما من خلال القرعة – قبل أن نُولد، لأن علم الله سابق عجيب، فهو عالم بكل شيء قبل أن يبدأ كيانه[43].

ج. إذ يتحدث عن الأمم الذين قبلوا الإيمان يقول: "فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ... إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ" [13]. فالأمم سمعوا فآمنوا ثم خُتموا. قبلوا الإيمان خلال السمع، لأن السيد المسيح ظهر بين اليهود خاصته، وخاصته رفضته، أما هؤلاء فلم يروه وإنما خلال السماع آمنوا، وإذ آمنوا نالوا عطية الروح القدس بختم روح الموعد القدوس.

خامسًا: التمتع بختم الروح كعربون للميراث الأبدي، إذ يقول:

"خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ،.

الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا،.

لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى،.

لِمَدْحِ مَجْدِهِ "[13 - 14].

كان الختم علامة عامة عن الملكية، فكان بعض المكرسين للآلهة الوثنية أحيانًا يسِمون أنفسهم بعلامة في جسدهم تحمل اسم الإله الذي ينتمون إليه ويحتمون فيه. العماد بالروح هو العلامة المنظورة (الختم) لعدم الفساد في المسيح[44]. وقد سبق لنا الحديث في هذا الشأن[45]، حيث قدمنا مقتطفات لبعض أقوال الآباء عن المعمودية كختم، كعلامة الدخول في ملكية الله، والدخول تحت حمايته، والدخول في الجندية الروحية، والامتثال بالسيد المسيح، وأخيرًا كختم روحي أبدي لا يمكن أن ينفك.

في العهد القديم كان الختان الجسدي هو الختم كعلامة للعضوية في شعب الله، وبالتالي الدخول في ملكية الله، كقول الكتاب: "إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب جبل نصيبه" (تث ٣٢: ٩).

أثناء العماد، عندما تأتي إلي حضرة الأساقفة أو الكهنة أو الشمامسة... اقترب إلي خادم العماد ولا تفكر في الوجه المنظور بل تذكر الروح القدس، هذا الذي نتكلم عنه الآن، لأنه حاضر ليختم نفسك. إنه سيهبك الختم الذي يرعب الأرواح الشريرة، وهو ختم سماوي مقدس، كما هو مكتوب: "الذي فيه أيضًا (إذ آمنتم) ختمتم بروح الموعد القدوس" [46].

القديس كيرلس الأورشليمي.

كما يطبع المالك على قطيعه علامة خاصة يتعرف بها عليه، خلالها تظهر أنها ملك له، هكذا يختم الروح القدس من له في المعمودية بواسطة مسحة الزيت المقدس التي يتقبلونها في العماد[47].

القديس مار افرآم السرياني.

النفس التي لم تستتر ولا تجملت بنعمة الميلاد الجديد، لا أعرف إن كانت الملائكة تتقبلها بعد تركها الجسد! حقًا إنهم لا يستطيعون أن يتقبلوها ما دامت لا تحمل الختم Asphragiston، ولا أي علامة خاصة بمالكها. حقًا إنها تصير محمولة في الهواء، وتتجول بغير راحة، دون أن يتطلع إليها أحد، إذ هي بلا مالك. إنها تطلب الراحة فلا تجدها؛ تصرخ باطلاً، وتندم بلا فائدة[48].

القديس غريغوريوس النيسي.

كما يُطبع الختم على الجند هكذا يُطبع الروح القدس على المؤمنين[49].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة

بعد أن قدم الرسول هذه التسبحة الكنسية، التي تحمل "سرّ المسيح"، فتكشف عن فيض عمل الله المجاني في جمع الكل – يهودًا كانوا أم أممًا – لتحقق فيهم مقاصد الله الآب في المسيح يسوع، ويصير الكل شعبًا واحدًا مقدسًا، وجسدًا للرأس، وأبناءً للآب في الابن المحبوب، الآن يقدم الرسول صلواته وشفاعته لدى الله عن مخدوميه ليهبهم استنارة روحية، فيفتح عيون قلوبهم ويدركوا بحق "سرّ المسيح"، فتكون لهم "المعرفة" الحقيقية.

ولئلا يظنوا أنه إذ يصلي عنهم في هذا الشأن يعني عدم إيمانهم أو عدم معرفتهم، قال:

"لِذَلِكَ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ،.

وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ،.

لاَ أَزَالُ شَاكِراً لأَجْلِكُمْ،.

ذَاكِراً إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي "[15 - 16].

نلاحظ في هذا النص:

أولاً: يبرز الرسول كعادته الجوانب الطيبة، فلا يتجاهل إيمانهم ومحبتهم لذا بفرح يشكرهم... إنه يصلي من أجلهم لأجل الاستزادة. حقًا ما أحوج الكنيسة إلي رعاة كالقديس بولس الذي يسند ويعين ببث روح الرجاء بفرح، دون توقف عن الصلاة من أجل الرعية للنمو على الدوام في النعمة والمعرفة.

لم يكن يوجد ما يعادل حنين الرسول، ولا ما يشبه حنو وعواطف بولس الطوباوي، الذي قدم كل صلاة من أجل جميع الأمم والشعوب، حيث كتب نفس الكلمات للجميع: "لا أزال شاكرًا إلهي من أجلكم، ذاكرًا إياكم في صلواتي" (رو ١: ٩؛ ١ كو ١: ٤؛ في ١: ٣، 4؛ كو ١: ٣؛ ١ تس ١: ٢).

تأمل كيف كانوا في ذهنه، إذ لا يحتاج الأمر إلي تعب لتذكرهم. ما أكثر الذين كان يذكرهم في صلواته، مقدمًا الشكر لله من أجل جميعهم[50].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ثانيًا: يربط الرسول بولس بين الإيمان بالرب يسوع والمحبة نحو جميع القديسين، فعضويتنا في المسيح لا تنفصل عن عضويتنا في الكنيسة، إيماننا بالرأس يجب أن يُترجم عمليًا بالحب لجميع القديسين.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، إذ يربط الإيمان بالمحبة، إنما يود تأكيد الإيمان الحيّ العامل حتى لا يكون إيمانًا ميتًا خلال عقمه...

في كل المناسبات يقرن الإيمان بالمحبة كزوجين مجيدين[51].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ماذا يطلب في صلواته عنهم؟

أولاً: "كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ" [17].

يطلب لهم "روح الحكمة"، كما يطلب لهم "الإعلان في معرفته". لم يقل "في معرفة أسراره"، وإنما "في معرفته" هو، إذ يشتاق أن يدركوه هو شخصيًا ويتعرفوا عليه ككائن يتحدون معه. نحن نحتاج أن يهبنا الله روح الحكمة والمعرفة، فإن كان قد وهبنا العقل من عندياته، لكننا إن سلكنا بالعقل وحده دون الالتجاء إلي الله ننحرف عن الحكمة والمعرفة الحقة.

ثانيًا: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ" [18 - 19].

يطلب من أجل استنارة عيونهم الداخلية، أي تكون لهم البصيرة الروحية القادرة أن ترى الله بالإيمان وتتمسك بمواعيده، وتدرك غنى مجد ميراثه المُعد للقديسين فتمتلىء النفس رجاءً وتتشدد بالقوة الإلهية.

يحوي القلب العيون التي تنظر الله... إنها تستنير الآن بالإيمان، الأمر الذي يناسب ضعفها، أما فيما بعد فتستنير برؤية الله إذ تكون قوية. "فإذًا... ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" (١ كو ٥: ٦، ٧) [52].

القديس أغسطينوس.

تسمى المعمودية "سرّ الاستنارة" كقول الرسول بولس: "الذين استنيروا مرة" (عب ٦: ٤)، إذ خلالها تفتح بصيرتنا الداخلية بنور الروح القدس لندرك الأمور الثلاثة المذكورة هنا:

أ. نعلم ما هو رجاء دعوته، فإننا إذ ندخل إلي العضوية في جسد المسيح بالمعمودية نعلم – بالخبرة الحية – دعوته لنا لنكون أبناء الآب وورثة مع المسيح فيمتليء قلبنا رجاءً فيه.

ب. غنى مجد ميراثه في القديسين. بالمعمودية ننعم بعربون الميراث الأبدي المُعد لقديسين، خلاله نختبر الغنى الأبدي غير المنطوق به.

ج. عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته. إذ بالمعمودية يقيمنا كما من الموت، ويهبنا البنوة لله واهب الحياة...

الاستنارة وهي المعمودية... هي معينة الضعفاء... مساهمة النور... إنتفاض الظلمة.

الاستنارة مركب يسير تجاه الله، مسايرة المسيح، أُس الدين، تمام العقل!

الاستنارة مفتاح الملكوت واستعادة الحياة...

نحن ندعوها عطية، وموهبة، ومعمودية، واستنارة، ولباس الخلود وعدم الفساد، وحميم الميلاد الثاني، وخاتمًا، وكل ما هو كريم[53].

القديس غريغوريوس النزينزي.

إن كنا بالمعمودية نلنا الاستنارة يمتلئ قلبنا رجاءً ونتلمس غنى مجد ميراثه، وندرك عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته، فإن هذه الاستنارة لا تُعطى في المعمودية بطريقة جامدة وساكنة، إنما تُعطى لكي تتجدد أذهاننا يومًا فيومًا لندخل إلي أعماق جديدة يوميًا خلال إيماننا العامل بالمحبة، وجهادنا بنعمته المجانية الفائقة. لهذا لا يكف الرسول عن أن يصلي من أجل من يكتب إليهم – والذين بلا شك نالوا سرّ العماد – لكي لا تتوقف عطية الله هذه بل تبقى منسكبة بفيض لا ينقطع.

إذ يتأمل القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العطية الإلهية يجدها فائقة للغاية لا يمكن للغة البشرية لا أن يعبر عنها. لهذا نقول إننا نبقى نطلب من الله أن يعمل فينا على الدوام لننعم بهذه العطية لعلنا نبلغ كمالها.

ثالثًا: "الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هَذَا الدَّهْرِ فَقَطْ، بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضاً" [20 - 21].

يكشف لنا عن عمل الآب في الابن المتجسد لحسابنا، إذ أقامه وأجلسه وأخضع كل شيء تحت قدميه] ٢٢ [... وهو لا زال يعمل هذا في جسده الذي هو الكنيسة، يقيمنا ويجلسنا في السماويات ويخضع كل شيء تحت أقدامنا. هكذا يؤكد السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن" (يو ٥: ١٧).

هذا العمل مستمر ودائم، لا يقدر شيء ما أن يوقفه حتى يتحقق جسد المسيح، أي الكنيسة في ملئها، ويكمل المختارون.

يتطلع المؤمن إلي كلمة الله الذي بتجسده نزل إلينا وصار كواحدٍ منا، إذ أُقيم من الأموات (في طاعة الآب مات وقام، لكن بقوة لاهوته وليس كعطية مستمدة من الغير) وأُجلس عن يمينه في السماوات وصار فوق كل رئاسة. إنما حدث هذا كله لحسابنا، أي لحساب كل مؤمن، فينعم بهذه الإمكانيات "في المسيح"، أي خلال ثبوته فيه كعضو في جسده.

هذا وقد حمل النص: "وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ" [22] رجاءً حقيقيًا في قلب الكنيسة أن الله لابد أن يتمم مشورته، وأن عمل المسيح في الكنيسة لابد أن يتحقق ويكمل ليعلن المسيح رأسًا للمختارين. هذا الرجاء عاشته الكنيسة الأولى وسط العقبات والإضطهادات، وقد عبّر عنه كثير من الآباء من بينهم القديس إيريناؤس، حين قال: [لابد أن يجتذب كل شيء إليه في الوقت المناسب[54].].

بقوله "لِلْكَنِيسَةِ" يعني أن ما تحقق للرأس إنما هو لحساب الكنيسة، لذا يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [إنه لأمر مذهل أيضًا، إلي أين رُفعت الكنيسة؟! إنه كمن رفعها بآلة وأقامها في أقصى الأعالي، وجعلها على العرش هناك، فإنه حيث يوجد الرأس يكون الجسد أيضًا. لا انعزال بعد أو فُرقة بين الرأس والجسد... لقد هيأ كل جنس البشر عامة أن يتبعه ويلتصق به ويصحبه في ركبه. "الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ"؛ (يقول هذا) لكي إذ تسمعون عن الرأس لا تفكرون في فكرة الرئاسة فحسب، وإنما في الثبوت فيه أيضًا، فلا تتطلعون إليه فقط كقائدٍ سامٍ وإنما كرأسٍ لجسد أيضًا[55]].


[1] Dictionary of the Bible, p 271.

[2] Jos. Antiq. 14: 10, 11, 13.

[3] Donald Guthrie: The N. T. Introd. , p 479 ff.G. Cullmann: N. T. Introd. , 1968 (Ep. To Ep.).

[4] الثمان نقاط الأولى مقتبسة من دونالد جاثري في كتابه "مقدمات في العهد الجديد، بشيء من التصرف".

[5] Ep. ad Eph. 12.

[6] Ep. ad Phil 12: 1.

[7] SIm 13: 5.

[8] Line 51.

[9] Key to Ephes. 1956, VI.

[10] Adv. Marc. V: 17.

[11] Stromata 4: 6: 1.

[12] Adv. Haer. 5: 2: 36.

[13] 3 راجع مذكرة الدكتور موريس تاوضروس: "دراسات في الرسالة إلي أفسس"، ص ٩، ١٠.

[14] Oscar Cullmann: The New Testament Intr. , 1968, p 78.

[15] The Anchor Bible, Ephesians, vol 1, p 6 (N. Y. 1980).

[16] للمؤلف: القديس بولس الرسول ومنهجه الإنجيلي...، ١٩٨٥، ص ٤٠.

[17] P. G. 52: 402.

[18] The Anchor Bible, p 12 - 18.

[19] للمؤلف: القديس بولس الرسول ومنهجه الإنجيلي...، ص ٣٠، ٣١.

[20] Jerome Biblical Commentary, p 343.

[21] The Anchor Bible, p 65.

[22] Jerome Bib. 343.

[23] الرسالة إلي أفسس، عظة ١، قام قداسة القمص مرقس داود بترجمة عشر عظات من تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم لهذه الرسالة، وقد استعنت أحيانًا به مع الرجوع لنصوص أخرى..

[24] The Anchor Bible, p 67.

[25] Jerome Bib. 343.

[26] للمؤلف: القديس بولس الرسول ومنهجه الإنجيلي...، ص ٣٠، ٣١..

[27] Jerome Biblical Commentary, p 343.

[28] In Eph. hom 1.

[29] Stromata 2: 4; 3: 7.

[30] Strom. 2: 6.

[31] Comm. Rom 22 on 4: 4.

[32] Contra Celsus 4: 3.

[33] In Eph. hom 1.

[34] In Eph. hom 1.

[35] Ibid.

[36] Ibid.

[37] Ser. on N. T. 67: 9.

[38] Ibid 89: 1.

[39] In Eph. hom 1.

[40] In Eph. hom 1.

[41] Ibid.

[42] Anchor Bible, p 92.

[43] In Eph. hom 2.

[44] Jerome Bible, p 344.

[45] للمؤلف: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، طبعة ١٩٨١، ص ٦٢: ٦٨..

[46] Cat. Lect. 17: 15.

[47] Enchir. Patr. 712.

[48] P. G. 46: 424 C.

[49] P. G. 61: 418.

[50] In Eph. hom 3.

[51] Ibid.

[52] Ser. on N. T. 3: 6.

[53] للمؤلف: الحب الإلهي، الإسكندرية، 1967، ص ٨٥٥ – ٨٥٦.

[54] Adv. Hear 3: 16: 6.

[55] In Eph. hom 3.



أضف تعليق

الأصحاح الثاني - تفسير الرسالة إلى أفسس - القمص تادرس يعقوب ملطي