الأَصْحَاحُ العَاشِرُ – إنجيل متى – مارمرقس مصر الجديدة

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 47- تفسير إنجيل متى – كهنة و خدام كنيسة مارمرقس مصر الجديدة.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأَصْحَاحُ العَاشِرُ

دعوة التلاميذ وكرازتهم فى اليهودية.

(1) دعوة الاثنى عشر (ع 1 - 4):

1 - ثم دعا تلاميذه الاثنى عشر، وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها، ويشفوا كل مرض وكل ضعف. 2 - وأما أسماء الاثنى عشر رسولا فهى هذه الأول سِمعان الذى يقال له بطرس وأندراوس أخوه، يعقوب بْنُ زَبَدِى ويوحنا أخوه. 3 - فِيلُبُّس وبَرْثُولْمَاوُس، توما ومتى العشار، يعقوب بْنُ حَلْفَى، ولَبَّاوُس الملقّب تَدَّاوُس. 4 - سِمعان القانوى ويهوذا الإسخريوطى الذى أسلمه.

العدد 1

ع1:

اختار المسيح اثنى عشر من تابعيه ليصيروا تلاميذَ له، وكانت هذه الدعوة على مراحل. وكان الهدف أن يتتلمذوا على يديه، فيسلمهم الحياة الروحية والتعاليم التى يوصلونها للعالم ويبشروا بها.

وفى خروجهم للتبشير بالتوبة وملكوت السموات، عضدهم بسلطان إخراج الشياطين وشفاء الأمراض، لمساعدة الناس على الإيمان بكلامهم، إذ يبعد عنهم إبليس المتسلط عليهم، ويستريحون من أتعابهم، فتكون قلوبهم مستعدة أكثر لقبول البشارة.

قدّم محبتك للناس، فتنفتح قلوبهم ويستجيبوا لكلامك.

العدد 2

ع2:

كان عدد التلاميذ اثنى عشر، أى ثلاثة فى أربعة، ويعنى عمل الثالوث القدّوس فى العالم كله بجهاته الأربعة، وليبشروا أسباط اليهود الاثنى عشر.

"سِمعان الملقب بطرس": أى صخرة أو صفا، وهو أول التلاميذ وأكبرهم سنا.

"أندراوس": أخو سِمعان بطرس، والاثنان كانا من تلاميذ يوحنا المعمدان.

"يعقوب بْنُ زَبَدِى": أول من استشهد من التلاميذ.

"يوحنا": أخو يعقوب، وكانا حَادَىِّ الطبع، فسماهما المسيح "بَُوَانَرْجِسَ"، أى ابنى الرعد. وتميز يوحنا بمحبته الشديدة للمسيح، وكان يتكئ على صدره.

العدد 3

ع3:

"فِيلُبُّس": من بيت صيدا، وهو غير فيلبس المبشر أحد الشمامسة السبعة. وقد دعا بَرْثُولْمَاوُسَ الذى يسمى أيضا نَثَنَائِيلَ، وهو من قانا الجليل.

"توما": الذى يلقب بالتوأم.

"متى": المسمى لاوى، وقـد سَـمَّى متى نفسـه بالعشـار اتضاعا منه لأن العشارين مشهورون بخطاياهم.

"يعقوب بْنُ حَلْفَى": أو يعقوب الصغير، تمييزا له عن يعقوب بن زبدى الأكبر منه سنا، وهو ابن خالة المسيح، وقد صار أسقفا لأورشليم.

"لَبَّاوُس": الذى يلقب تَدَّاوُس، ويسمى أيضا يهوذا، وهو ابن حلفى أخو يعقوب، وهو كاتب الرسالة المعروفة باسمه (يعقوب).

العدد 4

ع4:

"سِمعان القانوى": أى الغيّور، وليس معناها أنه من قانا الجليل. والغيّورون هم جماعة من اليهود، متمسكون بقوميتهم ضد السلطة الرومانية، ومستعدون لأعمال تخريبية دفاعا عن وطنهم اليهودى.

"يهوذا الإسخريوطى": ومعناها "رجل قريوط"، وهى إحدى بلاد اليهودية، وهو الذى باع المسيح لليهود وسلمه لهم.

يلاحظ أن المسيح قد اختار تلاميذه من الناس العاديين، وليس من المرموقين، لتُنسَب أعمالهم إلى قوة الله التى تعمل فيهم، وليس قوتهم الشخصية، فهو مستعد أن يقبل ويعمل بأى شخص مهما كان ضعفه.

وقد اختارهم بطباع مختلفة، فمنهم العميل للسلطة الرومانية مثل متى العشار، ومنهم أيضا من يتحدى هذه السلطة وهو سِمعان الغيور، ومنهم الفقير مثل بطرس وأندراوس، والغنى مثل يعقوب ويوحنا ابنى زَبَْدِى، فهو يجمع الكل فى كنيسته بمحبة واحدة.

الله مستعد أن يعمل فى أقل وأضعف الناس، فتمسك بعلاقتك الروحية مع الله، مهما كان ضعفك أمام خطاياك، أو قلة أمكانياتك، لأن الله قادر أن يعمل بك، فتخدمه، ويكون المجد لله بشكرك له كل حين.

(2) كرازة التلاميذ (ع 5 - 15):

5 - هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع، وأوصاهم قائلا: "إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا. 6 - بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. 7 - وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين إنه قد اقترب ملكوت السماوات. 8 - اشـفوا مرضى، طهـروا بُرْصًا، أقيمـوا موتى، أخرجـوا شياطين. مجانا أخذتم، مجانا أعطوا. 9 - لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا فى مناطقكم. 10 - ولا مزودا للطريق، ولا ثوبين، ولا أحذية، ولا عصا، لأن الفاعل مستحق طعامه. 11 - وأية مدينـة أو قريـة دخلتموها، فافحصـوا من فيها مستحق، وأقيموا هناك حتى تخرجوا. 12 - وحين تدخلون البيت سلِّموا عليه. 13 - فإن كان البيت مستحقا، فليأت سلامكم عليه، ولكن إن لم يكن مستحقا، فليرجع سلامكم إليكم. 14 - ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم، فاخرجوا خارجا من ذلك البيت أو من تلك المدينة، وانفضوا غبار أرجلكم. 15 - الحق أقول لكم، ستكون لأرض سدوم وعمورة يوم الدين حالة أكثر احتمالا مما لتلك المدينة.".

الأعداد 5-6

ع5 - 6:

أرسلهم المسيح إلى بلاد اليهودية ليبشروا فيها، وليس إلى السامرة، أى الجزء المنشق من اليهود المختلط بالأمم والعبادات الوثنية. وكذلك نهاهم عن الذهاب إلى الأمم، أى البلاد الوثنية، لأن المسيح هو المسيا المنتظر عند اليهود، الآتى لخلاصهم، ليؤمن به كل من انتظر الوعود الإلهية والنبوات، ثم يبشَّر باقى العالم، فهو آتٍ لخلاص الكل، ولكن يبدأ باليهود، فالمفروض أنهم أول من يتجاوب مع بشارته، ليجمع الضالين منهم عن الحق، ثم السامريّين كحلقة بين اليهود والأمم، ثم الأمم؛ أى فى النهاية يقدّم الخلاص للكل، وهذا ما حدث بعد صعوده (ص 28: 19).

العدد 7

ع7:

موضوع كرازة الرسل هو نفسه الذى كرز به يوحنا المعمدان والمسيح نفسه، أى التوبة استعدادا لملكوت السماوات، لأنه بالتوبة يرفض الإنسان خطاياه، ويبدأ الحياة الجديدة مع المسيح، فيملك على قلبه، عربونا لتمتعه معه بالملكوت الأبدى.

العدد 8

ع8:

أعطى المسيح لتلاميذه إمكانيات الكرازة، وهى السلطان على شفاء الأمراض، حتى الصعب منها مثل البَرَص الذى يمثل النجاسة. بل وأعطاهم السلطان لإقامة الموتى، وإخراج الشياطين من ضعاف النفوس؛ أى أعطاهم السلطان على كل شىء، حتى ما يبدو مستحيلا، لإنقاذ أولاده من يد إبليس، وتهيئتهم لقبول البشارة به.

ويشترط عليهم أن تكون خدمتهم مجانية، كمحبة بلا مقابل، كما أعطاهم هو كل شىء مجانا، لبعطوا هم أيضا الآخرين، فتنجذب القلوب إليهم.

وهذا مبدأ ما زال ساريا فى الخدمة حتى الآن، وهو تقديم الخدام للخدمة الروحية بلا مقابل.

الأعداد 9-10

ع9 - 10:

ذهبا - فضة - نحاسا: كانت النقود فى ذلك الوقت تصنع من هذه المعادن الثلاث، فالمقصود أى نوع من النقود أو أية أجزاء من هذه المعادن التى لها قيمة مالية.

حيث أن المسيح يعضدهم بقوته، فلا يحتاجون أن يأخذوا معهم أموالا، أو طعاما فى مزاودهم، أى الأكياس التى يحملونها فى السفر، ولا يحتاجون إلى ثياب أو أحذية، ولا عصا يستندون عليها، لأن المسيح هو سندهم، وإن احتاجوا لهذه الأمور سيوفرها لهم من خلال الذين يبشرونهم، لأنه، وإن كانت الخدمة مجانية، ولكن الاحتياجات الضرورية للخادم، يمكن أن يوفرها الله له من خلال عطايا من يخدمهم.

ويقصد هنا أن يكتفى التلميذ بحاجاته الضرورية التى يستعملها، ولا يأخذ معه شيئا إضافيا للاحتياط، لأنه إن فُقِدَ أى شىء منها سيوفره الله له.

العدد 11

ع11:

أوصاهم المسيح، إذا دخلوا أى مكان ليكرزوا فيه، أن يبحثوا عن المتجاوبين مع كلمة الله أو المستعدين لسماع الكلمة، هؤلاء هم المستحقون أن ينالوا البشارة، فيتوبوا ويُصلحوا حياتهم. وقال لهم أن يظلوا مقيمين فى هذا البيت المتجاوب، لكى يكملوا إقناع المتجاوبين حتى يجذبوهم له، فلا ينتقلوا بسرعة من بيت إلى بيت، بل يكملوا إقناع ورعاية كل إنسان. ومن ناحية أخرى، لا ينشغلوا بالضيافة ويسعوا وراءها فى بيوت مختلفة، لأن غرضهم هو الكرازة، والبيت الذى يقيمون فيه هو مجرد مكان للمبيت، ينطلقوا منه لخدمة النفوس.

الأعداد 12-13

ع12 - 13:

"سلِّموا عليه": قدِّموا التحيات والمحبة والاهتمام الكافى لأهل البيت، فليست الكرازة عملا جافا، بل هى مصحوبة بمشاعر الحب؛ وتظهر هنا أهمية التعبير عن المشاعر لجذب الناس.

أمرهم المسيح أن يبشروا بسلامه لكل القلوب، ويقدموا محبتهم للكل. فإن تجاوب بعضهم سيتمتعوا بخلاص المسيح، ويستفيدوا من سلامهم المقدم لهم. وإن رفضوا، فلا يحزنوا، فسلامهم ومحبتهم تعود إليهم، أما الرافضون فيخسرون نعمة الله.

العدد 14

ع14:

"انفضوا غبار أرجلكم": كان نفض الغبار عادة معروفة، ترمز لإخلاء المسئولية – إذ عمل الرسل ما عليهم – ويحاسَب الرافضون بالتالى على رفضهم لكلمة الله. كما يرمز أيضا إلى عدم أخذ أى شىء مادى من هؤلاء الرافضين، ولا حتى الغبار الذى فى الأرجل.

العدد 15

ع15:

"يوم الدين": هو يوم الدينونة الأخير.

لكن الذين يرفضون بشارة المسيح على أيدى الرسل، سيخسرون فرصتهم فى الوصول للملكوت وفداء المسيح، فَيُلْقون فى العذاب الأبدى، ويكون عذابهم أصعب من عذاب أهل سدوم وعمورة المشهورين بشرهم قديما، لدرجة أن الله أحرق المدينتين (تك 19: 24)، لأنهم فى العهد القديم رفضوا كلام رجال الله. أما فى العهد الجديد، فرفضوا المسيح نفسه.

اهتم بأن تعبّر عن محبتك لمن حولك كل يوم، ولكل من تخدمهم وتريد جذبهم للمسيح، فالتعبير عن المحبة بالكلام والعمل هو التمهيد الضرورى لفتح القلوب حتى تطيع كلام الله، إذ يروه فيك فيخضعوا لكلامه الذى على فمك.

(3) اضطهاد العالم للتلاميذ (ع 16 - 23):

16 - "ها أنا أرسـلكم كغنم فى وسـط ذئـاب، فكونـوا حكمـاء كالحيات، وبسطاء كالحمام. 17 - ولكـن احـذروا مـن الناس، لأنهـم سيسلمونكم إلى مجالس، وفى مجامعهـم يجلدونكـم. 18 - وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم. 19 - فمتى أسلموكم، فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، لأنكم تُعْطَوْنَ فى تلك الساعة ما تتكلمون به. 20 - لأنْ لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم. 21 - وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت، والأب ولده، ويقوم الأولاد على والديهم ويقتلونهم. 22 - وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمى. ولكن الذى يصبر إلى المنتهى، فهذا يخلص. 23 - ومتى طردوكم فى هذه المدينة، فاهربوا إلى الأخرى، فإنى الحق أقول لكم، لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتى ابن الإنسان.".

العدد 16

ع16:

إن كان ذئب واحد وسط الحملان يرعبهم، مع أنه سيفترس بعضهم فقط، فكم يكون مدى الرعب لو وضعنا حملان وسط ذئاب كثيرة؟ ولكن، لكيما تتجلى قوة الله فى الحملان الضعيفة، توضع بين الذئاب فتغلبها، وتنزع عنها الطبع الوحشى. وحتى لو افترست الذئاب الحملان، ستسرى دماء الحملان فى عروق الذئاب فتحولها إلى حملان، كما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم.

وهذا ما حدث بالفعل أثناء كرازة الرسل الذين احتملوا اضطهادات عنيفة، فغيّروا كثيرا من القلوب القاسية، كما جذب الشهداء من كانوا يعذبونهم إلى الإيمان.

ويدعو المسيح تلاميذه أن يتحلّوا ببساطة الحمام وبراءته، لأنه معروف بعدم إيذائه لغيره. وفى نفس الوقت، يتصفوا بحكمة الحيات المعروفة باحتراسها الشديد من الخطر، فنبتعد عن كل شر لنحيا مع الله.

الأعداد 17-18

ع17 - 18:

"احذروا": احترسوا من الأشرار الذين تبشرونهم، فلا تلقوا بأنفسكم فى أيديهم بلا داعٍ، ولكن إن اقتضى التبشير ذلك، فلا تخافوا.

"مجالس": وهى إما المجالس الفرعية من شيوخ اليهود الموجودة فى كل قرية لإصدار الأحكام على المخطئين، أو المجلس الأعلى فى أورشليم، وهو "السنهدريم" (ص 5: 21 - 22).

"مجامعهم": كانت منتشرة فى كل بلاد اليهودية، ويتم فيها قراءة الأسفار المقدسة والوعظ، ويوجد فيها ثلاث قضاة من الشيوخ يحق لهم الحكم بجلد المذنبين.

"يجلدونكم": كانـوا يجلـدون المذنبين أربعين جـلدة، وللاحتياط، حتى لا يخطئوا، حددها اليهود بـ 39 جلدة، إذ أن الكرباج مكون من ثلاثة فروع، فيتم جلد المذنب 13 مرة، فتساوى 39 جلدة.

"ولاة وملوك": الذيـن حاكموا الرسـل مثـل فيلكس الوالى (أع 24)، وأغريباس الملك (أع 26) اللذان حاكما بولس الرسول.

"شهادة لهم": حتى يؤمنوا، كما حاول بولس مع الملك أغريباس (أع 26).

"للأمم": أى كل الجموع التى تستمع إلى محاكمتهم، كما آمن كثير منهم أثناء محاكمة الشهداء وتعذيبهم.

يتحدث المسيح هنا بالتفصيل عن أنواع الاضطهادات التى ستقابل الرسل، أو أولاد الله فى كل جيل، فبدلا من أن يكرموهم تقديرا لوعظهم، سيقبضون عليهم ويحاكمونهم، ويعذبونهم بالجلد، وبأنواع كثيرة من العذابات، فيكون هذا دليلا على إيمان الخدام وثباتهم فى المسيح.

الأعداد 19-20

ع19 - 20:

يطمئننا المسيح فى هذه المواجهات أن الروح القدس سيعطينا ما نرد به عليهم فنقنعهم أو نفحمهم، لأن قوة الروح القدس التى فينا أقوى من كل حكمة بشرية.

"روح أبيكم": يُظهر حنان الله ورعايته، الذى يجعل روحه القدّوس يسند الرسل والخدام فى كل جيل.

العدد 21

ع21:

ستصدر الاضطهادات، ليس فقط من البعيدين، بل من أقرب الناس مثل الأب والابن والأخ، وهـذا أمـر غريب أن التعصب الدينى يلغى المحبة الطبيعية بين أقرب المقربين، ولكن هذا ما حدث ويحدث فعلا حتى الآن.

العدد 22

ع22:

"الجميع": معظم الناس الذين لا يؤمنون بالمسيح.

"من أجل اسمى": لأجل تمسككم بالإيمان والكرازة.

"يصبر": فليس الاضطهاد معناه القتل فقط، بل غالبا الإهانة والتعذيب والحرمان من الحقوق، فتحتاج إلى صبر الخدام والمؤمنين.

"المنتهى": نهاية الاضطهاد أو نهاية العمر.

قد تصل الضيقة أن يجد الإنسان كل من حوله يبغضه ويضطهده لأجل المسيح، وسيسمح الله بهذا ليتزكى إيماننا. وبالصبر والاحتمال، ننال خلاص نفوسنا، بل مكافأة أبدية لا يُعَبَّرُ عنها، مع الاطمئنان لمساندة الروح القدس لنا حتى نحتمل هذه الاضطهادات.

العدد 23

ع23:

يوصى المسيح رسله بعدم الدخول فى مواجهات مع الأشرار، إذا كانوا رافضين للإيمان، بل يهربوا إلى بلاد أخرى، ويكملوا تبشيرهم. وليس هذا الهروب ضعفا، ولكنه انشغال باستكمال الكرازة، بدليل أنهم فى النهاية قبلوا الاستشهاد من أجل المسيح بفرح؛ فجميع التلاميذ استشهدوا فيما عدا يوحنا الذى احتمل عذابات كثيرة وَنُفِىَ ومات فى المنفَى.

ويبشرهم المسيح أنهم لن يكملوا بشارتهم حتى يأتى ويملك على قلوب الناس بإيمانهم به، أى تنتشر الكرازة فى العالم كله.

كذلك يخرب الهيكل عام 70م إعلانا لنهاية العبادة اليهودية، وانتشار المسيحية باعتبارها إسرائيل الجديد.

تمسك بمبادئك فى الحب الباذل مثل الحمل المستعد للذبح، بالبساطة وعدم الإساءة للآخرين مثل الحمام، بالإضافة للحكمة فى تقديم هذه المحبة فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، حتى تستطيع أن تُظهر المسيح لكل من تقابله، واثقا أن قوة الله التى فيك، أقوى من العالم وشره، فالمحبة تغلب الكراهية، والبساطة تغلب الخبث، لأن الله الذى فيك يحميك ويرشدك، فتتقدم نحو كل القلوب القاسية فتلينها وتعيدها لله.

(4) عدم الخوف (ع 24 - 33):

24 - "ليس التلميذ أفضل من المعلم، ولا العبد أفضل من سيده. 25 - يكفى التلميذ أن يكون كمعلمه، والعبد كسيده. إن كانوا قد لقبوا رب البيت بعلزبول، فكم بالحرى أهل بيته؟ 26 - فلا تخافوهم، لأنْ ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفى لن يُعرف. 27 - الذى أقوله لكم فى الظلمة، قولوه فى النور. والذى تسمعونه فى الأذن، نادوا به على السطوح. 28 - ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما فى جهنم. 29 - أليس عصفوران يباعان بِفَلْسٍ، وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم. 30 - وأما أنتم، فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. 31 - فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة. 32 - فكل من يعترف بى قدام الناس، أعترف أنا أيضا به قدام أبى الذى فى السماوات. 33 - ولكن، من ينكرنى قدام الناس، أنكره أنا أيضا قدام أبى الذى فى السماوات.".

الأعداد 24-25

ع24 - 25:

"ليس التلميذ أفضل من المعلم": تلاميذ المسيح ليسوا أفضل منه، فإن كان المسيح قد تعرض للإهانات والصلب، فطبيعى أن يشاركوه آلامه باحتمال الاضطهادات.

"ولا العبد أفضل من سيده": يبدو أن هذه العبارات كانت مشهورة فى هذا الوقت، واتخذها المسيح للدلالة على قصده، والمقصود بالعبد المؤمنين، والسيد هو المسيح.

"بعلزبول": هو إله العقرونيين (أهـل مدينة فى فلسطين)، وهى بلاد مجاورة لليهود (2مل 1: 2)، واسمه الأصلى بعل زبوب، أى إله الذباب، لاعتقادهم أنه يطرد الذباب عنهم، وقد أسماه اليهود بعلزبول احتقارا له.

"أهل بيته": أى التلاميذ والمؤمنين بالمسيح، الذين هم أولاده وأعضاء فى كنيسته التى هى بيته.

يذكّر المسيح تلاميذه بأن العالم سيضطهده، وسيقولون عنه أنه رئيس الشياطين، وبالتالى سيضطهدونهم لأنهم تلاميذه، وحملهم للصليب دليل على تبعيتهم له.

الأعداد 26-27

ع26 - 27:

"مكتوم... خفى": وهى كل تعاليم المسيح التى تعلموها فى البيت معه، أو عرفها الشعب اليهودى فقط.

"يُستعلن": يظهر ويصل إلى كل الأمم.

"الظلمة": الأماكن الهادئـة وفيها نـور خافت، أو فى جلسات المسيح مع تلاميذه فى الخفاء أثناء الليل.

"النور": معناه الإعلان الواضح والكرازة أمام الكل.

"الأذن": ما سمعه التلاميذ فى جلسات خاصة مع المسيح.

"السطوح": المقصود التعليم والوعظ على المنابر، أو الأماكن العالية، ليسمعه الجميع.

ينبههم المسيح ألا يخافـوا من اتهـام الناس لهم، لأن خدمتهم ومحبتهم للبر سـتظهر وتُعلَن مع الوقت أمـام الكل، وكرازتهم بالمسيح سـتصل إلى كل الأرض، وبهـذا يقدم السبب الأول لعدم الخوف من الأعداء. وشجعهم على التبشير فى كل مكان بجرأة وقوة، وما سمعوه منه فى جلسات هادئة، فليبشروا به الناس بصوت عالٍ من فوق الأسطح فى كل مكان، وهكذا تنتشر الكرازة ليؤمن الكل.

العدد 28

ع28:

يقدم المسيح سببا ثانيا لعدم الخوف من الناس، وهو أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه سلطان البشر هو إيذاء الجسد، أما الروح، فلا يستطيعون أن يؤذوها. ولكن من يستحق المخافة هو الله الذى له سلطان على الروح والجسد؛ فإن كنا نخاف الله، فلن نخاف من الناس.

الأعداد 29-31

ع29 - 31:

الفَلْسُ: أصغر عملة يهودية معروفة.

يقـدم هنـا السبب الثالث لعـدم الخـوف من الناس، وهو عناية الله بنا، واهتمامه بكل المخلوقات. فالعصفور، وهو من أصغر الطيور وثمنه نصف فَلْسٍ، يعتنى الله باحتياجاته، ولا يموت إلا بإذنه. فبالأحـرى يهتم الله بالإنسـان، رأس الخليقـة كلها، بل يهتم بأصغر ما فى الإنسان، وهو شـعره، الذى ليس فقـط معدودا، بل محصيا عند الله، أى أن كل شـعرة لها رقم عنـده، ولا تسقط إلا بإذنه.

اتكل على الله وانطلق فى خدمته، مطمئنا أنه يحميك ويحفظك ويدبركل حياتك، فهو مسئول عنك، والشيطان يخاف أن يقترب منك من أجل الله الذى يسندك.

الأعداد 32-33

ع32 - 33:

"يعترف بى": يُظهر اسمى فى كلامه وتصرفاته، متمسكا بالوصايا، ورافضا للخطية بالتوبة.

"أبى الذى فى السماوات": أغطيه برحمتى وأشـفع فيه بدمى وأُدخِله إلى الأمجـاد السماوية. فدخولنا إلى العدل الإلهى، الذى هو الآب، يكون من خلال الرحمة التى للابن.

السبب الرابع لعـدم الخـوف هو المكافأة السمائية، فكل من يثبت فى إيمانه ويبشـر باسمه، معترفا به أمام العالم، سيعلن رعايته له فى السماء. أما من يرفضه على الأرض ويتباعد عنه، سيرفضه الله فى السماء.

(5) حمل الصليب (ع 34 - 39):

34 - "لا تظنـوا أنى جئت لألقى سـلاما على الأرض، ما جئت لألقى سـلاما، بل سـيفا. 35 - فإنى جئت لأفـرق الإنسـان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها. 36 - وأعداء الإنسان أهل بيته. 37 - من أحب أبا أو أما أكثر منى فلا يستحقنى، ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى. 38 - ومن لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى. 39 - من وجد حياته يُضَيِّعُهَا، ومن أضاع حياته من أجلى يجدها.".

الأعداد 34-36

ع34 - 36:

"سيفا": أى الصراع بين الخير والشر، أو اضطهاد غير المؤمنين لتابعى المسيح، فلا يوجد سلام خارجى، ولكن الله يهبهم سلامه الداخلى أثناء الاضطهادات.

"الكنة": زوجة الابن.

يعلن المسيح المعاناة التى يحتملها الإنسان فى سبيل التمسك بالإيمان، أى الصليب الذى يحمله من أجل المسيح.

وأسماه أيضا سيفا، إذ بسبب الإيمان تحدث مشاكل داخل الأسرة الواحدة، فيضطهد الأب ابنه لأنه آمن بالمسيح، وكذلك الأم الوثنية ابنتها المسيحية... وهكذا يجد المسيحى العداء من أهل بيته؛ ومن أجل المسيح يحتمل كل هذه الآلام.

العدد 37

ع37:

إن كانت العواطف البشرية قوية داخل الأسرة الواحدة، فمحبتنا للمسيح أعظم من أية عاطفة. فإن تعارض إيمان المقرّبين إلينا مع إيماننا بالمسيح، ينبغى أن نطيع الله، وإلا فلا نستحق أن يكون لنا إلها، ولا مكان لنا معه فى السماء؛ فينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس.

العدد 38

ع38:

من يريد أن يكون تابعا للمسيح، ينبغى أن يحتمل الآلام لأجله، ويتنازل عن الكثير دليلا على حبه له.

العدد 39

ع39:

"وجد حياته": أى انشغل بشهوات العالم، ووجد لذته فيها.

"يُضَيِّعُهَا": أى يبعدها عن الله، فلا تجد مكانا فى السماء، بل فى الهلاك الأبدى.

"أضاع": بذل حياته فى أتعاب العبادة والخدمة.

"يجدها": ينال سلاما وتعزية وعشرة مع الله فى الأرض، ثم المكافأة الأبدية فى السماوات.

يطالبنا المسيح بالتنازل عن راحتنا ولذاتنا الجسدية لأجله، ومن يتنازل عنها، يجد الراحة الحقيقية فيه، بل ينال الراحة الكاملة فى الأبدية.

انظـر ماذا تركت من أجـل المسيح دليلا على حبك له، وتمسك بوصاياه حتى وإن خسرت بعض الماديـات التى يتلـذذ بها الآخـرون، فالوجـود مع المسيح أفضل من اللذات الشريرة أو الكسل والراحة.

(6) إكرام الآخرين (ع 40 - 42):

40 - "من يقبلكم يقبلنى، ومن يقبلنى يقبل الذى أرسلنى. 41 - من يقبل نبيا باسم نبى، فأجر نبى يأخذ. ومن يقبل بارا باسم بار، فأجر بار يأخذ. 42 - ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ، فالحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره.".

الأعداد 40-41

ع40 - 41:

"الذى أرسلنى": أى الله، فقبول تعاليم المسيح على الأرض، هو قبول الله الذى يعرفه اليهود.

"باسم نبى": أى بصفته أنه نبى، وليس بشخصه. فقد يكون الشخص عاديا، ولكن موهبة النبوة ترفع قدره، مثل كرامة الكاهن مهما كان شخصه وقدره القديم ضعيفا قبل الكهنوت.

"أجر نبى": أى بركة الله للنبى أو من يكرم النبى.

"بار": مؤمن يحيا بالتقوى والروحانية.

تشجيعا من المسيح لتلاميذه أمام الاضطهادات، يعلن كرامتهم، وأن إكرامهم هو إكرام له شخصيا، وقبول كلامهم هو قبول له، وبالتالى كل من يقبلهم يكافأ مكافأة إلهية.

العدد 42

ع42:

"الصغار": الخدام الذين يحتملون أتعابا كثيرة فى خدمته وتوصيل كلمته للناس.

"كأس ماء بارد": أى أقل شراب منعش، يساعد الخدام على مواصلة خدمتهم.

"باسم تلميذ": على أنه تلميذ، أو بصفته تابع للمسيح.

"لا يضيع أجره": أى له مكافأة سمائية.

يُظهر المسيح أهمية أصغر خدمة تُقدم لخدام الله، حتى لو كانت كأس ماء بارد، فسينال من يقدمها أجره من الله. لأنه إن كان الخدام أو الكهنة أو الأساقفة يقدمون رعاية روحية لشعوبهم، فينبغى على الرعية أن تُظهر محبتها لله فى أشخاصهم، بالعمل على راحتهم، أو تدبير احتياجاتهم، كإعلان عن محبتهم لله، الذى، باتضاعه، يقدم نفسه لهم عن طريق هؤلاء الخدام. فإن قدّم أحد كأس المـاء للخادم، باعتباره تلميـذا للمسيح، فالله حتما سـيكافئه فى السماء، بل وفى حياته على الأرض.

لا تستهن يمحبتك التى تقدمها لله فى إسعاد من حولك، مهما بدت صغيرة، ككلمات التشجيع أو مساعدات مادية ومساندات نفسية، فهى غالية الثمن فى نظر الله، وسيكافئك عليها.

إن وجـدت فرصـة للخدمة لا تهملها، وابحـث ماذا تعطـى لكل مـن تقابـله، وخاصة المقرّبين إليك.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

تفاسير إنجيل متى - الأَصْحَاحُ العَاشِرُ
تفاسير إنجيل متى - الأَصْحَاحُ العَاشِرُ