مقدمة – يا رب لماذا – تأملات في المزمور الثالث – البابا شنودة الثالث

يارب لماذا كثر الذين يحزنوني؟

يا رب لماذا كثر الذين يحزنونني، كثيرون قاموا عليَّ.

كثيرون يقولون لنفسي: ليس له خلاص بإلهه (سلاه).

وأنت يا رب هو ناصرى. مجدى ورافع رأسى.

بصوتى إلى الرب صرخت، فاستجاب لى من جبل قدسه (سلاه).

أنا اضجعت ونمت ثم استيقظت، لأن الرب ناصرى لا أخاف من ربوات الجموع المحيطين بى القائمين علىَّ.

قم يا رب خلصنى يا إلهى، لأنك ضربت كل مَنْ يعاديننى باطلاً، أسنان الخطاة سحقتها.

للرب الخلاص، وعلى شعبه بركته. هللويا.

مقدمة

هذا المزمور هو مزمور عتاب مع الله، كما فى قوله: ((يا رب لماذا؟)). وهو مزمور شكوى، كما فى قوله: ((كثر الذين يحزنوننى)). كثيرون يقولون لنفسى: ليس له خلاص بإلهه)). وهو أيضاً مزمور إستغاثة كقوله: ((قم يا رب خلصنى يا إلهى)). وهو كذلك مزمور إيمان حيث يقول: ((لا أخاف من ربوات الجموع المحيطين بى)). وهو يتحدث فى صلاته عن خبراته الروحية فيقول: ((بصوتى إلى الرب صرخت، فاستجاب لى من جبل قدسه)). والمزمور أيضاً فيه ثقة وأتكال على الله، إذ يقول: ((للرب الخلاص وعلى شعبه بركته)). ويسترجع مع الرب ذكرياته فيقول: ((ضربت كل مَن يعاديننى باطلاً. أسنان الخطاة سحقتها)). ومع أنه يبدأ بالشكوى والعتاب والأستغاثة إلا انه ينتهى بالتهليل (هللويا) إذ يتذكر أعمال الله معه.

ويصلح هذا المزمور لكل مَنْ هو فى ضيقة من اعدائه ولكل مَنْ هو مضغوط من حروبه الروحية.

وهو أيضاً نبوءة عن السيد المسيح فى آلامه وموته وقيامته...

وسنتناول الآن آية آية فى تطبيقه الروحى على النفس البشرية. إنه يبدأ فيقول:

يا رب لماذا؟!

إنه عتاب مع الله... لماذا يا رب؟ لماذا يحدث لى كل هذا؟! كيف يحدث هذا، وأنت موجود؟!

كثير من الناس إن قلت لهم لماذا يحدث لى منكم هذا؟ يغضبون ويتضايقون. ولكن الله نقول له لماذا؟ فيتسع صدره لكل ما نقول...

داود النبى، كثر الذين يحزنونه، فلم يعاتبهم. وإنما عاتب الله نفسه...

لماذا يا رب أجد هذا الحزن؟ لماذا كثر الذين يحزنوننى؟ أليسوا جميعهم فى قبضة يديك؟ ألست أنت ضابط الكل؟ لماذا تسمح بكل هذا، وأنا فى رعايتك وفى حمايتك؟!

عتاب داود مع الله:

ما أكثر عتاب داود مع الله..! لعلها إحدى الميزات التى تتميز بها المزامير...

انظروا مثلاً الدالة التى يتكلم بها فى المزمور العاشر فيقول للرب معاتباً: ((يا رب لماذا تقف بعيداً؟! لماذا تختفى فى أزمنة الضيق؟!)) (مز 10: 1).

ربما لو قلنا هذه العبارة لأحد أصدقائنا من البشر، لا يحتملها..! ولكن الله يقبل هذا الكلام... وعبده داود عنده الجرأة أن يقول: ((يا رب لماذا..؟)).

ويكمل داود عتابه فيقول: ((فى كبرياء الشرير، يحترق المسكين... والخاطف يجدف، يهين الرب... كل أفكاره أنه لا إله)). ويتابع داود عتابه فيقول: ((قم يا رب يا الله ارفع يدك. لا تنس المساكين...))... لماذا يا رب تختفى وقت الضيق؟ قم. اعمل خلّص رعيتك. لماذا يقولون لا إله! أو لماذا يقولون: ((ليس خلاص بإلهه))..؟! ((تأوه الودعاء. قد سمعت يا رب)) (مز 10: 17).

إنه إنسان يكلّم الله بصراحة، ويعاتبه.

لماذا نبحث عنك فى وقت الضيق، فلا نجدك؟! وكأنك تقف بعيداً، وكأننا لسنا من أولادك؟ والله يقبل كل هذا الكلام... على الرغم من أنه يعمل، ولكننا نحن الذين لا نبصر عمله...

ويعود داود ليقول: ((يا رب لماذا؟)) فى (المزمور 44)، حيث يصف متاعبه، ويعاتب الرب قائلاً: ((... قد رفضتنا وأخجلتنا...)) إلى أن يقول للرب فى نفس المزمور (مز 44: 12):

((بعت شعبك بغير مال، وما ربحت بثمنهم)).

((اليوم كله خجلى أمامى، وخزى وجهى قد غطانى، ومن صوت المعّير والشاتم، من وجه عدو ومنتقم)). ويختم داود عتابه بقوله: ((استيقظ. لماذا يا رب تتغافى؟ إنتبه... لماذا تحجب وجهك وتنسى مذلتنا وضيقتنا...)) (مز 44: 24، 23).

إن داود يفتح قلبه لله، ويشرح مشاعره كما هى. لا تصنع كلاماً...

إن شكر يشكر من عمق قلبه وهو مبتهج. أما إن كان متضايقاً، فإنه يعاتب.. وفى كل ذلك لا يغضب الله من صراحته ولا من عتابه، بل أن السيد المسيح له المجد يقول عن مزامير داود: قال داود بالروح (مت 22: 43).

عتاب داود لله يدل على أمرين: محبة الله وسعة صدره من جهة، وجرأة داود وصراحته ودالته من جهة أخرى..

ويعود داود فى (المزمور 74) فيقول للرب: ((لماذا؟)) مرة أخرى ((لماذا رفضتنا يا الله إلى الأبد؟ لماذا يدخن غضبك على غنم مرعاك؟... حتى متى يا الله يعيّر المقاوم، ويهين العدو اسمك إلى الغاية؟ لماذا ترد يدك ويمينك؟!)) (مز 74: 10، 1). ثم يقول: ((لا تسلم للوحش نفس يمامتك)) (مز 74: 19).

ثم يختم عتابه بقوله: ((قم يا الله، أقم دعواك. اذكر تعيير الجاهل إياك اليوم كله..)) إنه يعتبر تعييرات الجاهل تعييرات الله نفسه. لأنه لو كان الله قد قام وانقذ، ما كان العدو الجاهل يفعل هذا كله...

وفى (المزمور79) يقول داود للرب معاتباً: ((اللهم ان الأمم قد دخلوا ميراثك، نجسوا هيكل قدسك)) (مز 79: 1)... ((إلى متى يا رب تغضب كل الغضب، وتتقد كالنار غيرتك... لا تذكر علينا ذنوب الأولين)) (مز 79: 8، 5) إلى أن يقول للرب: ((لماذا يقول الأمم أين هو إلههم)) (مز 79: 10).

وهنا لا يعاتب الرب فقط على تعديات الأمم وتعييراتهم، إنما يعاتبه أيضاً على غضبه..

لولا أنك يا رب غضبت علينا وتركتنا، ما كان الأمم يفعلون بنا كل هذا... إذن لماذا يا رب تغضب؟ وإن غضبت، فلماذا يستمر غضبك؟ ((أعنا يا الله خلاصنا من أجل مجد أسمك... نحن شعبك وغنم رعايتك)) (مز 79: 13، 9)...

ونفس العتاب، ونفس كلمة لماذا؟ يتكرر فى (مزمور80)، وفى (مزمور88) حيث يقول داود: ((يا رب الجنود، إلى متى تدخن على صلاة شعبك؟)) إلى أن يقول معاتباً: ((قد أطعمتهم خبز الدموع، وسقيتهم الدموع بالكيل)). جعلتنا نزاعاً عند جيراننا، وأعداؤنا يستهزئون (مز 80: 4 - 6). ويختم العتاب فى هذا المزمور بقوله: ((ارجع. اطلّع من السماء... انر بوجهك علينا فنخلص)).

ويقول داود معاتباً الرب فى (المزمور88). ((لماذا يا رب ترفض نفسى؟ لماذا تحجب وجهك عنى)) (مز 88: 14).

وهذا المزمور بالذات مملوء بالعتاب، حيث يقول للرب: ((علىَّ استقر غضبك. عينى ذابت من الذل. دعوتك يا رب كل يوم. بسطت إليك يدى. أفلعلك للأموات تصنع عجائب... لماذا يا رب ترفض...)).

ما أكثر العتاب فى مزامير داود. لسنا نستطيع أن نحصيه فى هذا المجال. لكننا نود هنا أن نختم اقتباساتنا من داود بقوله فى (المزمور89).

((حتى متى يا رب تختبئ كل الإختباء؟! حتى متى يتقد كالنار غضبك؟.. أين مراحمك الأولى..؟)) (مز 89: 49، 46).

إنه يذكرنا أيضاً بما قاله فى المزمور التسعين: ((ارجع يا رب حتى متى؟... فرّحنا كالأيام التى فيها أذللتنا، كالسنين التى رأينا فيها شراً)) (مز 90: 15، 13).

هذا العتاب، وهذه الصراحة، وعبارة ((يا رب لماذا؟))... ليس هذا كله موجوداً فى مزامير داود فقط، إنما نجد هذا الأسلوب فى أسفار أخرى فى الكتاب المقدس، وعند أنبياء وقديسين كثيرين...

عتاب قديسين آخرين:

انظروا إلى إرمياء النبى يعاتب الرب، ويقول له أيضاً لماذا... وذلك فى قوله: ((أبر أنت يا رب من أن أخاصمك. ولكنى أكلمك من جهة احكامك: ((لماذا تنجح طريق الأشرار. أطمئن كل الغادرين غدراً)) (إر 12: 1).

إنى اعجب من التراب والرماد، حينما يناقش الله فى أحكامه، ويقول له لماذا؟! حقاً إن القديس بولس الرسول يقول: ((يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء. لأنه مَنْ عرف فكر الرب، أو مَنْ صار له مشيراً؟!)) (رو 11: 34، 33).

ولكن أرمياء النبى يقول هنا للرب: أكلمك من جهة أحكامك: لماذا..؟

إنه شئ يا رب لم أستطع أن أفهمه. شئ غريب أنك تترك الأشرار هكذا ينجحون ((غرستهم فأصّلوا. نموا وأثمروا ثمراً)) ((حتى متى تنوح الأرض، وييبس عشب كل الحقل من شر الساكنين فيها؟!)) (إر 12: 4، 2).

لماذا يا رب يحدث هذا؟ لماذا ينجح الأشرار؟ أين عدلك؟ أين محبتك للصلاح؟!

إعطنى حلاً. إعطنى تفسيراً. إشرح لى أحكامك. ((فهمنى حقوقك. عرفنى طرقك. إكشف عن عينىَّ فأرى...)) (مز119). أريد أن افهم، على قدر ما يستطيع عقلى أن يفهم، لماذا تنجح طريق الأشرار..؟!

والرب يقبل هذا العتاب فى هدوء. ويشرحه فى موضع آخر: الأشرار كالدخان الذى يرتفع إلى فوق، وفيما يرتفع يضمحل ويتبدد، وتنظر إليه فلا تجده: ((بعد قليل لا يكون الشرير. تتطلّع إلى مكانه فلا يكون... لأن الأشرار يهلكون... فنوا، كالدخان فنوا)) (مز 37: 20، 10).

الله غير المحدود، غير المدرك، يفتح صدره، ويتفاهم مع أولاده، حينا يقولون: لماذا؟

نفس عبارة لماذا، قالتها عذراء النشيد:

إنها تعاتب الرب الذى تحبه بقولها: ((اخبرنى يا مَنْ تحبه نفسى أين ترعى... لماذا أنا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك)) (نش 1: 7). والرب لا يتضايق عن عتابها، بل يقول لها: ((إن لم تعرفى... فأخرجى على آثار الغنم))... تتبعى خطوات القديسين...

مثال آخر، مفتوح القلب جداً فى العتاب مع الله ذلك هو أيوب الصديق...

إنه يعاتب الرب فى جرأة عجيبة، ويستخدم أيضاً عبارة ((لماذا؟)) فيقول له: ((أشكو بمرارة نفسى. أبحر أنا أم تنين، حتى جعلت علىَّ حارساً؟)) ((كفّ عنى..)) (اى 7: 16، 12، 11) أى إنسان منا، لو قال عبارة ((كفّ عنى)) لصديق له، ربما ما كان يحتملها منه. ولكن أيوب يقولها لله نفسه، ويتابع عتابه قائلاً: ((حتى متى لا تلتفت عنى ولا ترخينى، ريثما ابلع ريقى)) (أى 7: 19). ثم يقول بعدها.

((أأخطأت؟ ماذا أفعل لك يا رقيب الناس؟)).

مَنْ يستطيع أن يقول كلاماً مثل هذا لأحد من الناس؟! ولكن أيوب فى عتابه مع الله يقول له أكثر من هذا بكثير. إنه يقول له: ((لا تستذنبنى. فهمنى لماذا تخاصمنى؟)) (أى 10: 2).

((أخاف من كل أوجاعى، عالماً أنك لا تبرئنى. أنا مستذنب، فلماذا أتعب عبثاً. ولو اغتسلت بالثلج، ونظّفت يدىّ بالأشنان، فإنك فى النقع تغمسنى، حتى تكرهنى ثيابى)) (أى 9: 28 - 30).

أتظنون أن الله غضب من هذا العتاب؟ كلا.

بل أن الله فى آخر السفر، وبخ أصحاب أيوب الثلاثة الذين كانوا يثيرون نفسه المرة بالاتهامات الباطلة، قال لهم: ((... لم تقولوا فىَّ الصواب كعبدى أيوب)) (أى 42: 7).

الله يحب العتاب:

صدقونى لو لم تكن فى هذا المزمور الثالث سوى عبارة ((يا رب لماذا؟)) لكانت كافية، كعبارة معزية لنا، تعلمنا العتاب مع الله...

انظروا كيف أن أيوب الصديق يقول لله: ((أبعد يديك عنى، ولا تدع هيبتك ترعبنى... أتكلم فتجاوبنى... اعلمنى ذنبى وخطيتى لماذا تحجب وجهك، وتحسبنى عدواً لك؟ أترعب ورقة مندفعة، وتطارد قشاً يابساً؟!)) (أى 13: 21 - 25).

إلهنا الطيب لا يتضايق من عتاب أيوب.

ولا يعتبر المناقشة معه إقلالاً لكرامته. كلا، بل أن الله يحب أن نتكلم معه ونناقشه، ويفرح بهذا ويسرّ، لأن هذا العتاب دليل المحبة والدالة.

وأحياناً يفتح الله مجالاً للعتاب معه:

مثلما فعل مع أبينا إبراهيم، حينما فتح معه موضوع إهلاك سادوم، وقال له إبراهيم: ((أفتهلك البار مع الأثيم؟!... حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر... حاشا لك. أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً؟!)) (تك 18: 23 - 25).

وفعل هذا أيضاً مع موسى النبى، حينما غضب الرب على الشعب لعبادتهم العجل الذهبى فقرر إهلاكهم. وكلّم موسى فى الأمر فعاتبه موسى بنفس العبارة: ((يا رب لماذا؟)) وقال له: ((لماذا يحمى غضبك على شعبك الذى أخرجته من مصر بقوة عظيمة؟.. لماذا يتكلم المصريون قائلين: أخرجهم بخبث ليقتلهم فى الجبال... ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك)) (خر 32: 12، 11).

القديسون يناقشون الله. ولكن هوذا أمر آخر:

الله يدعو إلى هذا النقاش ويقول: ((هلّم نتحاجج – يقول الرب – إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج..)) (إش 1: 18).

إن الذين يهربون من وجه الله خائفين، واضح أنه ليس فيهم الحب ولا الدالة. لقد هرب آدم من وجه الله واختبأ خائفاً، ولكن الله دعاه ليسأله ويكلمه. وهرب يونان من وجه الله، ولكن الله دعاه وكلمه وعاتبه، وشرح له الأمر وأقنعه (يون4).

لا مانع إذن من أن نقول لله ((يا رب لماذا؟)) مثلما قال داود فى المزمور الثالث.

مناسبة هذا المزمور:

فى الحقيقة يا إخوتى إن داود النبى، حينما قال هذا المزمور كان يجتاز مأساة نفسية وعائلية، بل أيضاً تجربة تهدد ملكه، وربما تهدد حياته أيضاً...

قاله وهو هارب من ابنه أبشالوم، الذى تمرد عليه، وأراد الإستيلاء على المملكة..

والكتاب يشرح هذه القصة فى عبارات مؤثرة قال فيها الوحى الإلهى: ((وأما داود فصعد فى مصعد جبل الزيتون. كان يصعد باكياً، ورأسه مغطى، ويمشى حافياً. وجميع الشعب الذين معه، غطوا كل واحد رأسه، وكانوا يصعدون وهم يبكون)) (2 صم 15: 30).

وأخبروا داود أن مستشاره أخيتوفل قد اشترك فى الفتنة مع أبشالوم، بكل ما له من دهاء ومن معرفة بأسلوب داود. كذلك شمعى بن جيرا لاقى داود فى الطريق، وكان يشتمه ويرشقه بالحجارة قائلاً له: ((اخرج اخرج يا رجل الدماء ورجل بليعال...)) (2 صم 16: 5 - 7).. ((وكان الشعب لا يزال يتزايد مع أبشالوم)) (2 صم 15: 12).

ودخل أبشالوم أورشليم هو وكل الشعب الذين معه. وبناء على مشورة أخيتوفل ((دخل أبشالوم إلى سرارى أبيه أمام جميع إسرائيل)) (2 صم 16: 22، 15). وهكذا كثر الذين يحزنون داود، وانقسم عليه كثيرون من شعبه وخانوه. فوقف يرتل ويقول:

يا رب لماذا كثر الذين يحزنوننى؟

((كثر الذين يحزنوننى)) ((كثيرون قاموا علىَّ)).

أو كما قال الشاعر، عند كثرة همومه فى داخله:

لو كان هماً واحداً لاحتملته لكنه همّ وثانِ وثالثُ.

فلماذا يا رب كل هذا؟ ولماذا تترك عبدك لهذا الحزن، ولكثرة المحيطين به القائمين عليه؟

بالذات، بالنسبة إلى أبشالوم، لم يخطئ إليه داود فى شئ، بل دفعته خيانته وهو ابن! فلماذا يا رب؟!

كيف أن هؤلاء الناس الذين هتفوا وقت الإنتصار على جليات، ينقلب فيهم كثيرون وينضمون إلى ابن خائن، وهم يعرفون تماماً أنه خائن لأبيه؟!

داود توجه بشكواه إلى الله نفسه، الله القادر على كل شئ، الذى يستطيع أن يحول الشر إلى خير، الله الذى نفس أبشالوم فى يده، وكذلك نفس اخيتوفل، ونفس شمعى بن جيرا، ونفوس الشعب كلها.

داود لم تستقطبه الأحزان وتعصره فيتركز فيها، إنما ترك الأحزان واتجه إلى الله ليصلى.

متاعبه جعلته يقول يا رب... يا رب كيف يحدث كل هذا وأنت ترى وتسمع؟!

وأنت يا رب الذى أشكو لك، وأنت وحدك الذى تستطيع أن تعزينى، وتستطيع أن تقوينى وأن تنقذنى. أنت وحدك. لأن الشكوى لغير الله مذلة كما يقول المثل.. حينما أتكلم معك أجد راحة.. أجد الراحة فى داخلى، مطمئناً إلى عملك وتدخلك. وأجد الراحة أيضاً فى الخارج نتيجة لعملك من أجلى. أنت الصدر الحنون الذى أتكئ عليه وأقول له لماذا؟ أو كيف يحدث هذا؟

لو قلت للناس لماذا تحزنوننى، لكانوا يعيروننى بخطاياى ويشمتون بى...

فهكذا فعل شمعى بن جيرا، دون أن أقول له شيئاً... قال شامتا: ((اخرج اخرج يا رجل الدماء... قد ردّ الرب عليك كل دماء بيت شاول الذى ملكت عوضاً عنه... وها أنت واقع بشرك)) (2 صم 16: 8، 7).

ولعل هذه الضيقة التى أمرّ بها، هى بسبب خطاياى.

الآن أتذكر يا رب كيف أنك أرسلت إلىَّ ناثان النبى ليحمل إلىَّ رسالة منك تقول: ((لماذا إحتقرت كلام الرب لتعمل الشرَ فى عينيه. قد قتلت أوريا الحثى بالسيف، وأخذت امرأته لك امرأة... والآن لا يفارق السيف بيتك... قريبك يضطجع مع نسائك فى عين هذه الشمس... قدام جيمع إسرائيل)) (2 صم 12: 9 - 12). أتراك عرفت لماذا كثر الذين يحزنونك؟

ولكن داود – على الرغم من خطيئته – يتذكر أيضاً قول ناثان النبى له: ((الرب قد نقل عنك خطيئتك. لاتموت)) (2 صم 12: 13).

لقد نقلها ووضعها على الحمل الذى يرفع خطايا العالم كله (يو 1: 29). إن داود يعرف تماماً قلب الله الحنون، الذى هو نفسه يقول عنه: ((لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا، لأنه مثل إرتفاع السموات فوق الأرض، قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا)) (مز 103: 10 - 12). لذلك فإن داود يقول فى مزاميره للرب:

((إذكر يا رب رأفاتك ومراحمك، فإنها ثابتة منذ الأزل. خطاياى شبابى وجهالاتى، لا تذكر)) (مز 25: 6).

هل لا تزال تذكر لى يا رب تلك الخطية؟! لقد تفاهمنا بشأنها، واعتذرت لك عنها، ونقلتها عنى حسب وعدك الصادق الأمين. وأما أنا فبسببها كنت ((أعوّم فى كل ليلة سريرى، وبدموعى أبلّ فراشى)) (مز6). فكيف تذكر لى يا رب آثامى؟! ((إن كنت للآثام راصداً يا رب، يا رب مَنْ يثبت؟! لأن من عندك المغفرة)) (مز130). ((لا تدخل فى المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتزكى قدامك أى حىّ)) (مز 143: 2).

نعم يا رب لقد كثر الذين يحزنوننى. ولكن يقيناً أنت يا رب لست منهم. لأنك أنت عزائى وخلاصى.

لذلك فإننى فى وسط ضيقاتى، أمسكت مزمارى، لأرتل لك هذا المزمور. حقاً: ((أمسرور أحد، فليرتل)) (يع 5: 13). أما أنا فأرتل لك وأنا فى عمق متاعبى. لأن مسرتى فيك.

لست أحسب هذه الضيقات تأديباً منك لى. إنما أحسبها تقربنى إليك..

أما خطيئتى فأنت قد غفرتها. وإن كنت ترى هذه العقوبات الأرضية نافعة لى، فأنا أقبلها بشكر، ولكن ترفق بفتاك، كما قلت أنا أيضاً: ((ترفقوا بالفتى أبشالوم)) (2 صم 18: 5) على الرغم من خيانته وكل أخطائه... لذلك أنا أسأل ((كيف كثر الذين يحزنوننى؟! كثيرون قاموا علىَّ))...

حقاً، إن كل الضيقات ليست من أجل خطايا.

إن أصحاب أيوب الصديق أخطأوا فى حقه وأثاروه، إذ اتهموه بأن تجربته كانت بسبب خطاياه (أى 4: 8، 7)، فوبخهم الله على ذلك، لأنهم لم يقولوا الصواب (أى 42: 7). والرجل المولود أعمى، لما ظن التلاميذ أن عماه بسبب خطية، أجابهم الرب قائلاً: ((لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه)) (يو 9: 3).

والبابا القديس أثناسيوس الرسولى تألم كثيراً وهو بار. وكذلك القديس بولس الرسول الذى شرح ما أصابه من آلام فى رسالته الثانية إلى كورنثوس (2 كو11). والكتاب يقول: ((كثيرة هى أحزان الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب)) (مز 34: 19). والسيد المسيح وهو قدوس القديسين قيل عنه إنه ((رجل أوجاع ومختبر الحزن)) (إش 53: 3).

وعلى الرغم من أن بعض متاعب داود كانت بسبب خطيئته، إلا أن كل متاعبه لم تكن هكذا...

فقد صادف متاعب كثيرة جداً فى حياته، من شاول الملك، وكان داود وقتذاك فى عمق صلته بالرب، وقد حلّ روح الرب عليه... وهذه المتاعب الحاضرة، وإن كان الرب قد أنذره بشئ منها فى (2 صم12). إلاَّ أن داود ما كان يظن أن الضيقة ستأتى بهذا العنف، وأن الذين يحزنونه سيكونون بهذه الكثرة،.

لذلك عاتب الرب قائلاً: ((يارب كيف كثر الذين يحزنوننى. كثيرون قاموا علىَّ))...

كانت الأحزان مع داود فى بره وفى خطيئته.

لم تفارقه أبداً، منذ صباه ومزاميره تتحدث عن تفاصيل منها، وهنا يرى الأمور قد وصلت إلى خطورة. فيصرخ إلى الرب قائلاً:

كثيرون قاموا علىَّ:

ولعله شرح كلمة (كثيرين) بعبارة ((ربوات الجموع المحيطين بى، القائمين علىَّ)) (مز 3: 6). هل إلى هذه الدرجة يا رب، تسمح أن كل هؤلاء يقومون علىَّ؟! أأنا أخطأت؟ لقد اعترفت بهذا. ولكن قبل تلك الخطية أيضاً قد كثر الذين يحزنوننى. ((مراراً كثيرة حاربونى منذ صباى)) (مز 129: 1). بل أستطيع أن أقول: ((أكثر من شعر رأسى، الذين يبغضونني بلا سبب)) (مز 69: 4) ((أحاطوا بى واكتنفونى. أحاطوا بى مثل النحل حول الشهد، والتهبوا كنار فى شوك)) (مز 118: 12، 11).

إنه عزاء كبير لنا، أن نبياً عظيماً مثل داود، تعرض لمضايقات الكثيرين...

وعزاء أكبر، أنه نجا من كل تلك الضيقات. وشعرة واحدة لم تسقط من رأسه. بل ((نجا مثل العصفور من فخ الصيادين)) (مز 124: 7) مبارك الرب الذى لم يسلمه فريسة لأسنانهم... حقاً أنه ((بضيقات كثيرة ينبغى أن نرث ملكوت الله)) (أع 14: 22).

انظروا كم من ضيقات كثيرة تعرض لها يوسف الصديق!

كثيرون قاموا عليه، حتى إخوته. ألقي في بئر، وبيع كعبد وقامت ضده امرأة سيده ولفقت له تهمة وهو البريء. وبيع كعبد. وقام ضده فوطيفار، فأخذه ووضعه فى بيت السجن (تك 39: 20، 17). أتراه قال هذه العبارة قبل داود: ((يا رب كيف كثر الذين يحزنوننى)).

المؤمن عموماً محاط بأحزان وضيقات...

لابد أن يدخل من الباب الضيق، ويسير فى الطريق الكرب، ويحمل صليبه باستمرار، ويخرج إلى الرب خارج المحلة حاملاً عراه (عب 13: 13). إن الرب لم يخف عنا، بل قال لنا بوضوح: ((فى العالم سيكون لكم ضيق)) (يو 16: 33).

ولكن حيثما توجد التجارب، يوجد الله المنقذ.

توجد المعونة الإلهية التى تعطى عزاء وخلاصاً. إن الكتاب لم يقل فقط: ((كثيرة هى أحزان الصديقين)) بل قال بعدها مباشرة: ((ومن جميعها ينجيهم الرب)). ولم يقل فقط: ((فى العالم سيكون لكم ضيق)) بل قال بعدها: ((ولكن ثقوا، أنا قد غلبت العالم)).

أتذكر أنه فى فترة ما، كانت العصافير تشكل خطورة كبيرة على مؤونة الدير... كانت تأكل المحاصيل بعنف، وكذلك الفاكهة... وفيما أنا نازل من الدير، سألت الآباء: {هل تريدون شيئاً أحضره لكم معى؟}. فقال أحد الآباء الكبار: {نريد فخاً لكى نصيد به العصفور} فقالت له: {سأحضره لكم. ولكن العصفور ساعلمه مزمور} فسألنى: {أى مزمور ستعلمه للعصفور؟} فأجبته: {المزمور القائل: ((نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ إنكسر ونحن نجونا... عوننا من عند الرب الذى صنع السماء والأرض)) (مز124). نعم، إن الفخاخ موجودة فى طريق المؤمنين. ولكن معونة الرب موجودة أيضاً...

على أن الخطورة التى صادفت داود، لم تكن مجرد أن كثيرين قاموا عليه.

عبارة ((كثر الذين يحزنوننى)) يمكن إحتمالها. وعبارة ((كثيرون قاموا علىَّ)) يمكن إحتمالها أيضاً. أما الأمر الذى لا يُحتمل فيكمن فى عبارة: ((كثيرون يقولون لنفسى: ليس له خلاص بإلهه...!)).

ليس له خلاص بإلهه.

إن داود يعلم تماماً أن كل متاعبه السابقة، وكل الأخطار التى حاقت به، كان الله هو الذي خلَصه منها. لقد خلصه الله من الأسد والدب، حينما أخذا شاة من قطيعه. وكذلك الرب هو الذى خلصه من جليات. لذلك قال لشاول الملك: ((الرب الذى أنقذنى من يد الأسد ومن يد الدب، هو ينقذنى من يد هذا الفلسطينى)) (1 صم 17: 37).

وعبارة (الخلاص للرب) أو (الحرب للرب) من العبارات المشهورة جداً فى فم داود وفى مزاميره...

إنه يقول لجليات: ((الحرب للرب، وهو يدفعكم ليدنا)) (1 صم 17: 47). ويقول له أيضاً: ((أنت تأتى إلىًّ بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتى إليك باسم رب الجنود... هذا اليوم يحبسك الرب فى يدى...)) (1 صم 17: 46، 45).

وهكذا يقول بالنسبة إلى أعدائه: ((أحاطوا بي مثل النحل حول الشهد، وباسم الرب انتقمت منهم... دُفعت لأسقط، والرب عضدنى. قوتى وتسبحتى هو الرب، وقد صار لى خلاصاً)) (مز118).

وكما كان الله خلاصاً لداود من الأسد والدب، ومن جليات، كذلك كان له خلاصاً من شاول الملك.

كم من مرة أراد شاول أن يقتله، وكم مرة طارده من برية إلى برية. وكان الرب هو الذى يخلّص داود. ولذلك قال داود لشاول: ((الرب يقضى بينى وبينك)) (1 صم 24: 15، 12). ولما وقع شاول فى يد داود، قال لشاول: ((قد دفعك الرب اليوم ليدي، ولم أشأ أن أمد يدى إلى مسيح الرب. هوذا كما كانت نفسك اليوم عظيمة فى عينىَّ، كذلك فلتعظم نفسى فى عينىَّ الرب، فينقذنى من كل ضيق)) (1 صم 26: 24، 23).

فإنه كان الرب ينقذه من كل ضيق، إذن ما أخطر هذه الشماتة أنه ليس خلاص بإلهه..؟!

إنهم يخوفونه بهذا الأمر المرعب، إنه ليس له خلاص بإلهه. وهذا التخويف لم يصدر من فم إنسان واحد، بل يشكو داود فى صلاته صائحاً: ((كثيرون يقولون لى: ليس له خلاص بإلهه..!)).

إنه يصارح الرب بما يقوله الناس. ولكنه لا يصدق إطلاقاً هذا الذى يقولونه...

خبراته مع الله المحب، الله المعين، المنقذ والمخلص... وحياة الإيمان التى يحياها... ووعود الله له... كل هذا لا يجعله يصدق كلام الشماتة الذى يسمعه منهم، ربما يبدو أن الله قد (تأخر) عليه، وأن معونته لم تأتِ حتى الآن..! ولكنها لابد آتية، ولو فى الهزيع الأخير من الليل...

الله لن يتركه. مستحيل... الخلاص آتِ، لا شك فى هذا... مهما تأخر...

يقولون لنفسى: ((ليس له خلاص بإلهه)).. لأنهم أعداء، ولأنهم شامتون بما حدث لى. شامتون بخيانة أبشالوم، وخيانة أخيتوفل، وشتائم شمعى بن جيرا... شامتون لأنى خرجت من أورشليم حافياً وباكياً... ولكنهم يقولون هذا الكلام بالأكثر، لأنهم لا يعرفون الله، ولا يعرفون محبته لى، ولا علاقته بى...!

لذلك فإن داود قال بعد هذا: سلاه. وهى إشارة لوقفة موسيقية...

أى أنه يقول لفرقة الموسيقين التى تتابعه فى إنشاده. قفوا هنا لنتأمل هذا الأمر، وأيضاً نغيَّر اللحن. بل نغيّر هذا الذى يقوله الأعداء والشامتون.... وقفة هنا. لأنى لا أقبل هذا الكلام.

إنها أول مرة ترد فيها كلمة (سلاه) فى مزامير داود...

لم ترد فى المزمور الأول، ولا فى المزمور الثانى. وهنا ترد لأول مرة فى المزمور الثالث. وقد وردت 74 مرة فى مزامير داود. عبارة عن وقفة موسيقية لتغيير اللحن، وربما لتقديم معنى جديد وفكر جديد... بل قفوا أيها الموسيقيون، لأنى بدلاً من الكلام عن الناس، سأتكلم مع الله. لى حديث معه عما يقوله الناس...

حقاً يا رب أننى أخطأت إليك، ((والشرّ قدامك صنعت)) (مز50). ولكنك لا يمكن أن تتخلى.

إن تخلى عنى الكل، فأنت لا تتخلى. وإن لم يتقدم أحد لخلاصى، فهذا أمر لا يتعبنى، بل ولا يدهشنى. المهم أنك انت لا تتخلى، لأن الخلاص هو من عندك.

ومهما كنت خاطئاً، فأنت ((لم تصنع معنا حسب خطايانا)). محال أن أصدق أنك تنظر إلىَّ فى ضيقتى ولا تبالى! لأنى أنا عبدك وابن أمتك (مز115). ومهما أخطأت: يدك يا رب عليَّ، يدك لا عصاك. وحتى إن كان كثيرون قد قاموا علىَّ، وأرادوا لى الموت، فأنا ((إن سرت فى وادى ظل الموت، لا أخاف شراً، لأنك أنت معى)) (مز23)... ((إن يحاربنى جيش، فلن يخاف قلبى. وإن قام علىَّ قتال، ففى هذا انا مطمئن)) (مز 27: 3).

عبارة: ((ليس له خلاص بإلهه))، هى عبارة تشكيك فى معونة الله. إنها من عمل الشيطان...

هو الشيطان الذى وضع هذا الكذب وهذا الإدعاء فى أفواهم، لكى يقلل إيمانى بك وبمحبتك ومعونتك، ولكى يدفعنى إلى اليأس والاستسلام، ولكى يشكك الناس أيضاً فى مساندة الله لأولاده. أما أنا فلا أيأس أبداً من معونتك.

مهما (تأخرت) معونتك، فأنا مازلت أنتظرك، فى ثقة وفى إيمان...

((الرب عونى، فلا أخشى ماذا يصنع بى الإنسان. الرب لى معين، وأنا أرى بأعدائى)) (مز 118: 7، 6). بهذه الثقة أنا أنتظر الرب، وانتظر الرب من محرس الصبح إلى الليل (مز130).

حتى إن كان يعاقب أحياناً، فإنه شفوق فى عقابه.

لذلك فأنا ((أقع فى يد الله، ولا أقع فى يد إنسان، لأن مراحم الله واسعة)) (1 أى 20: 13). الله الذى لا يقصف قصبة مرضوضة، ولا يُطفئ فتيلة مدخنة (مت 12: 20). الله الذى ((يجرح ويعصب)) (أى 5: 18).

عبارة ((ليس له خلاص بإلهه)) تذكرنى بالكلمات القاسية التى تلفظ بها أصحاب أيوب.

كم كان أشدها أيلاماً لنفس متمرمرة، جرحوا بها إنساناً باراً. ولكن الله بكتهم (أى 42: 7)... وفيما بكتهم ((رد الله سبى أيوب)) (أى 42: 10). لأن الله لا يترك أولاده. وهكذا نحن ((متحيرين لكن غير يائسين. مضطهدين لكن غير متروكين. مطروحين لكن غير هالكين)) (2 كو 4: 9، 8). فليقل الناس إذا ما يقولون... وليستخدموا أسلحة الشماتة والتشكيك.

أما أنا يا رب، فإنى أعرف مَنْ أنت:

أنت يا رب ناصرى ([1])، مجدى ورافع رأسى.

أنت يا رب ناصرى:

وكأنى بالبعض يسمع داود فيتعجب... ماذا تقول أيها المسكين؟ ((ناصرى؟! ومجدى؟! ورافع رأسى؟!)) كيف هذا؟

وأنت قد خرجت باكيا وحافيا، وكل الذين وراءك يبكون معك!! وصديقك حوشاى الأركى لما أتى للقائك، جاءك ممزق الثوب والتراب على رأسه (2 صم 15: 32)! هل فى هذا مجد ونصرة؟! وهوذا شمعى بن جيرا يشتمك ويقول: ((اخرج يا رجل الدماء ورجل بليعال)) وأنت تقول لأصحابك فى مذلة: ((دعوه يسب، لأن الرب قال له سبّ داود... لعل الرب ينظر إلى مذلتى...)) (2 صم 16: 5 - 12). هل تقول بعد كل هذا: ((مجدى ورافع رأسى))؟!

ولكن داود قال عبارته هذه بروح الإيمان، غير ناظر إلى ما هو فيه، وإنما إلى معونة الرب الآتية. لم يكن يحيا فى الضيق الحاضر، وإنما فى الفرح المقبل، وفى قلبه ((الإيقان بأمور لا تُرى)) (عب 11: 1).

وكان هو فى مرارة ضيقته، يرى خلاص الرب ماثلاً أمامه، حتى قبل أن يأتى، إنها فضيلة الرجاء، التى لا تعرف ضيقاً ولا يأساً.

وليس الرجاء فقط، وإنما أيضاً ((الثقة بما يُرجى)) (عب 11: 1). يتدرج منها الإنسان المؤمن إلى قول الرسول: ((فرحين فى الرجاء)) (رو 12: 12).

المتاعب موجودة، والله أيضاً موجود. الإيمان به وبعمله، يغطي على المتاعب، فلا نراها، إنما نرى عمل الله ونفرح به، ونتغنى به فى مزاميرنا.

ونقول فى عمق المتاعب: ((أنت يا رب ناصرى. مجدى ورافع رأسى)). أنت يا رب ضابط الكل. أنت لم تخلق الكون وتتركه. إنما أنت ترعاه. أنت تنظر إلى كل ما يحدث على الأرض، وتقيم العدل بين الناس. وكما قال نبيك ملاخى: ((والرب أصغى وسمع، وكُتب أمامه سفر تذكرة)) (ملا 3: 16).

أتراك لم تنظر أبشالوم وشمعى وأخيتوفل؟ كلا بل رأيتهم فى غرورهم وثورتهم وخيانتهم، ورأيتنى فيما أنا فيه من ظلم ومذلة. وهذا أنا أسمع صوتك:

((من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين، الآن أقوم – يقول الرب – اصنع الخلاص علانية)) (مز11).

وداود يحس بهذا تماماً، فيقول فى كثير من المناسبات أن الله ترس لى، أى درع لى (مز 3: 3) [(2)]درع واقِ من كل ضربات الأعداء. ترس أو درع من كل سهام شاول الملك (2 صم 19: 10) بل من ((كل سهام الشرير الملتهبة)) (أف 6: 16). نعم إنه الله الذى ((لا يترك عصا الخطاة تستقر على نصيب الصديقين...)) (مز 125: 3).

إنه إله المساكين والضعفاء والعاجزين أمام مَنْ هو أقوى منهم...

نقول له فى صلواتنا الطقسية: ((يا معين مَنْ ليس له معين، ورجاء مَنْ ليس له رجاء، عزاء صغيرى النفوس، ميناء الذين فى العاصف)). ويقول له داود النبى: ((جميع عظامى تقول يا رب مَنْ مثلك: المنقذ المسكين ممَنْ هو أقوى منه، والفقير والبائس من سالبه)) (مز 35: 10).

لذلك بينما يعتمد الأقوياء على أنفسهم، نجد الضعفاء يصرخون إلى الله..

إن داود لم يصرخ إلى الله، حينما كان شاعراً بقوته وبقدرته على ضرب نابال الكرملى (1 صم 25: 22، 13). ولكنه صرخ إلى الله وهو شاعر بعجزه أمام شاول، وبعجزه أمام أبشالوم، بسبب قوتهما من جهة. ومن جهة أخرى لأن شاول هو مسيح الرب، وأبشالوم هو ابن داود. لذلك فهو عاجز عن ضربهما لأسباب نفسية فى داخله، وأيضاً لأنهما لا يباليان بأى تصرف بسبب إنحدار مستواهما الروحى... ولهذا فإنه يصرخ إلى الله: يا رب كيف يحدث هذا؟ كيف كثر الذين يحزنوننى؟!

حقاً، كلما وقف الإنسان ضعيفاً أمام الله، كلما كان مستحقاً لمعونته الإلهية.

لأنه من عمل الرب أن يبشر المساكين، ويعصب منكسرى القلوب (إش 61: 1). وكما قال الرب فى رعايته لغنمه: ((أنا أرعى غنمى وأربضها... وأجبر الكسير، وأعصب الجريح...)) (خر 34: 16، 15). وهنا كان داود فى موقف الكسير والجريح. لم يكن الملك العظيم الجالس على عرشه، وإنما كان الملك الطريد الهارب من وجه أعدائه...

إن القوى عرضة للسقوط أكثر من غيره، غالباً بسبب كبريائه واعتزازه بقوته!

لأنه ((قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح)) (أم 16: 18). فالأقوياء من فرط غرورهم بقوتهم لا يحترسون، فيسقطون لقلة الحرص. ومن ثقتهم بأنفسهم لا يشعرون بحاجتهم إلى قوة خارجية، فلا يصلون طالبين معونة. وإذ يبعدون أنفسهم عن عمل النعمة يسقطون. ولذلك قيل عن الخطية إنها: ((طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء)) (أم 7: 26).

وكان داود يصلى لينقذه الرب من الأقوياء.

كان يقول: ((اللهم باسمك خلصنى... فإن الغرباء قد قاموا علىَّ، والأقوياء[(3)] طلبوا نفسى. لم يجلعوا الله أمامهم)) (مز 54: 3، 1). وهكذا كان كل الأقوياء الذين قاموا ضد داود: الأسد والدب، وجليات، وشاول، وأبشالوم، كلهم ((لم يجعلوا الله أمامهم)). واختبر داود كيف أن الله نصرهُ ضد كل هؤلاء. فقال له هنا: ((أنت ناصرى. مجدى ورافع راسى)) أنت كنت درعاً وترساً لى، أصد به كل سهام أعدائى... وهكذا لم يمت شاول بيد داود، ولا مات أبشالوم بيد داود، لأن الحرب للرب. الرب هو الذى خلّصه منهما... حقا، كما قال موسى النبى:

((لا تخافوا قفوا وانظروا خلاص الرب... الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون)) (خر 14: 14، 13). وبالنسبة إلى داود، لم يكن الرب فقط ترساً له درعاً يصد الهجمات، إنما يقول عنه بالأكثر: ((مجدى ورافع راسى))...

مجدى ورافع رأسى.

هوذا الرب يقول عنه فى المزمور: ((لأن تعلّق بى أنجيه. أرفعه لأنه عرف اسمى... معه أنا فى الضيق: أنقذه وأمجده)) (مز 91: 15، 14). لم يقل فقط ((أنجيه))، إذ قال بعدها أيضاً: ((أرفعه)). ولم يقل فقط ((أنقذه من الضيق))، وإنما قال أكثر من هذا: ((وأمجده)). وهذا هو الذى حدث مع داود.

أنقذه الرب من جليات الجبار. وأيضاً مجّده الله فى هذه المناسبة ورفع رأسه.

فخرجت النساء تغنين بالدفوف والفرح والرقص قائلات: ((ضرب شاول ألوفه، وداود ربواته)) (1 صم 18: 7، 6).

وتعين داود رئيساً على رجال الحرب، ونال محبة جميع الشعب، وألبسه الأمير يوناثان ثيابه وسيفه وقوسه ومنطقته. وبعد هذا أمكن أن يتزوج داود ميكال ابنة الملك، وأعانه الله فى انتصارات أخرى (1 صم19) بل قيل عنه أيضاً: ((كان داود يفلح.

أكثر من جميع عبيد شاول، فتوقر اسمه جداً)) (1 صم 19: 35).

كذلك لم ينقذه الرب فقط من شاول الملك، إنما مجده بعدها ورفع رأسه.

مات شاول الملك الذى كان يطلب نفسه. وهكذا تخلص داود من كل محاولات شاول لقتله. وبموت شاول رفع الله داود إلى كرسى المُلك، فأتوا ومسحوه ملكاً على بيت يهوذا (2 صم 2: 4) ((وكان داود يذهب يتقوى، وبيت شاول يذهب يضعف)) (2 صم 3: 30) ((وجاء جميع أسباط إسرائيل إلى داود إلى حبرون، وتكلموا قائلين هوذا نحن عظمك ولحمك... ومسحوا داود ملكاً على إسرائيل)) (2 صم 5: 3، 1). واستقر له الأمر كملك على الشعب كله... ورفع الله رأسه.

تذكر داود كل هذا، عند قيام أبشالوم ضده. ونال عزاء داخلياً من ذكرياته فقال:

بصوتى إلى الرب صرخت، فأستجاب لى من جبل قدسه:

لا شك أن القلب يتعزى، وإيمانه يتقوى، كلما يذكر إحسانات الله السابقة إليه، وكلما يذكر صلواته التى استجابها.

استجابها الله من قبل... هذه الذكريات تشعر الإنسان بمحبة الله وعمله، فيقول لنفسه: إن الذى استجاب فى القديم، هو أيضاً يستجيب الآن وكل أوان. وهكذا نحن نقول فى القداس الإلهى:

((يالذى بارك فى ذلك الزمان، الآن أيضاً بارك))...

خلاص الرب لداود، كان هو قصة حياته كلها. كلما تذكّر تفاصيل حياته، يذكر خلاص الرب. ولهذا نجد فى الكتاب عبارة معزية جداً، يقول فيها الوحى الإلهى: ((وكان الرب يخلص داود حيثما توجه)) (2 صم 8: 6).

هذا الخلاص لم يستطع داود أن ينساه فى وسط ضيقاته بل هذا الخلاص لا تنساه الكنيسة كلها...

التاريخ طويل، حافل بالذكريات المحببة للنفس. إن الذى أنقذ من نيرون، هو الذى أنقذ أيضاً من ديوقلديانوس ومن أريانوس والى أنصنا، ومن كثيرين بعدهم. وكل آلة صوّرت ضد أولاد الله لم تنجح (إش 54: 17). بهذه الذكريات يتعزى القلب الصارخ إلى الله، مهما كانت الصعوبات الواقفة أمامه. يتذكر قول الرب عن زربابل، عند إعادة بناء الهيكل:

((مَنْ أنت أيها الجبل العظيم؟! أمام زربابل تصير سهلاً)) (زك 4: 7).

كثيراً ما صرخ داود إلى الله فاستجاب له. ولم ينس هذه الاستجابة، بل تذكرها ليتعزى بها... إنه لم يعش حياة سهلة، وإنما سار فى طريق محفوف بالضيقات والمتاعب، وقد نجاه الرب بصلوات مستجابة، حتى قال: ((كثيرة هى أحزان الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب. يحفظ الرب جميع عظامهم، وواحدة منها لا تنكسر)) (مز83).

خبرات الإنسان مع الله، تشجعه فى وقت الضيق. وهنا داود يتذكر خبراته...

((بصوتى إلى الرب صرخت فاستجاب لى)). وعبارة ((صرخت)) تدل على عمق الصلاة وعمق الحاجة، وعمق الشدة التى هو فيها. ومزامير داود مملوءة بصراخه إلى الرب. ويمكن أن تتبعوا كلمة ((صرخت)) فى باقى المزامير. نجد لها مثيلاً فى صلاة يونان وهو فى بطن الحوت... كان ولا شك فى شدة يناسبها الصراخ. فقال للرب: ((صرخت من جوف الهاوية، فسمعت صوتى)) (يون 2: 2). صرخ والرب إستجاب ((وأمر الرب الحوت فقذف يونان إلى البر)) (يون 2: 10).

الإنسان يرفع صلواته إلى أقداس الله...

لذلك يقول هنا: ((استجاب لى من جبل قدسه)). ويقول فى (مز 19: 20) ((الآن علمت أن الرب خلّص مسيحه... واستجاب له من سماء قدسه)). لذلك من المفروض أن تكون الطلبات مقدسة، أو طلبات على الأقل تتفق مع مشيئة الله...

يستطرد داود فى ذكر خبراته مع الله فيقول.

انا اضطجعت ونمت، ثم استيقظت:

عجيب أن داود يستطيع أن يضطجع وينام، مع وجود كثيرين يحزنونه، وربوات من الجميع محيطين به. الوضع العادى أن يطير النوم من عينيه، وسط هذه الأحزان والتهديدات الخارجية... انظروا ماذا قيل عن داريوس الملك، حينما القى دانيال فى جب الأسود... يقول الوحى الإلهى عنه: ((حينئذ مضى الملك إلى قصره، وبات صائماً... وطار عنه نومه)) (دا 6: 18).

ولكن على الرغم من الضيقات، ينام الإنسان الذى يكون قلبه مملوءاً بالإيمان وبالسلام..

بمثل هذا الإيمان وهذا السلام، نام بطرس الرسول فى السجن محروسا بأربعة من العسكر، وقد نوى الملك هيرودس.

أن يسلمه بعد الفصح إلى اليهود (بعد أيام) ليقتلوه (أع 12: 4، 3). ولم ينم نوماً قلقاً، وإنما نوماً ثقيلاً، لدرجة أن الملاك الذى جاء لإنقاذه، ضربه فى جنبه لإيقاظه (أع 12: 7)... وهكذا اضطجع داود ونام...

الضيقات كانت خارجة، تضغط من الخارج، ولم تدخل إلى داخل نفسه فتقلقه وتمنع عنه النوم...

ولذلك إستطاع أن ينام، ليس نوم الغفلة، ولا نوم الموت، ولكن نوم الثقة. نام فى أحضان الله الحنون. أبشالوم ومعه الجيش يطارده، وهو فى البرية ينام، تاركاً الرب يستر ويحفظ...

كان داود فى نومه، أكثر إطمئناناً من أبشالوم المعتزل بقوته... لذلك قال: ((أنت اضطجعت ونمت))..

ولكننى حينما أصل فى تأملاتى معكم إلى هذه الآية بالذات، أتذكر أننا نذكرها فى ليلة الجمعة الكبيرة فى وقت (الدفنة)، حينما نتذكر فى الطقس دفن السيد المسيح، ونقرأ المزامير...

نصلى المزمور إلى عبارة ((اضطجعت ونمت)) التى تنبأ عن موت المسيح. ثم نصمت ولا نكمل المزمور. وفى صلاة ليلة القيامة، نكمل ونقول: ((ثم إستيقظت)) تشير إلى قيامة السيد المسيح...

فالنوم يرمز أحياناً إلى الموت. وحينما تكلم الرب عن موت لعازر، قال لتلاميذه القديسين: ((لعازر حبيبنا قد نام، لكنى أذهب لأوقظه)) (يو 11: 11) وكان يتكلم بالرمز عن موت لعازر. ويقصد بكلمة ((أذهب لأوقظه)) أى أذهب لأقيمه من الأموات. وهنا نفس المعنى فى عبارة: ((أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت))... بالنسبة إلى السيد المسيح. وهذا التفسير يدلنا على أن هناك ثلاث إتجاهات فى تفسير هذا المزمور وفى تأملاته:

ثلاث تفاسير لهذا المزمور:

الإتجاه الأول فى التفسير، خاص بداود الملك ومتاعبه وأحزانه. ومثاله كل ما قلناه فى الصفحات السابقة.

الإتجاه الثانى فى التفسير، خاص بالسيد المسيح له المجد. ومثاله ما قلنا فى تطبيق الآية: ((أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت)) على موت السيد المسيح وقيامته. وهو منهج واضح فى طقس الجمعة الكبيرة. وهو أيضاً المنهج الذى يستخدمه القديس أوغسطينوس فى تفسير كثير من المزامير.

الإتجاه الثالث فى تفسير هذا المزمور، هو إتجاه روحى، ينطبق على كل إنسان فى حياته الخاصة. وسنعرض له إن شاء الله فى صفحات مقبلة من هذا الكتاب.

التفسير الخاص بالسيد المسيح:

نبدأ من أول المزمور. ونرى السيد يقول للآب: ((يا رب، كيف كثر الذين يحزنوننى كثيرون قاموا علىَّ؟!)) كيف أمكن أن يجتمع ضدى كل هؤلاء فى كثرتهم! الكتبة والفريسيين والصدوقيين والشيوخ والكهنة ورؤساء الكهنة، وهذه الجموع من الشعب الذى أحسنت إليه..! حقاً إنه أمر يدعو إلى العجب.

وعجيب أيضاً أن يظنوا أننى أريد الخلاص من الصليب (مت 27: 42)! ويقولون عنى فى ذلك: ((ليس له خلاص بإلهه))! ((اتركه لنرى هل يأتى إيليا ليخلصه)) (مت 27: 49). وكانوا يستهزئون به قائلين: ((إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك)) (لو 23: 39). وكانوا يرون أن موته هو نهايته، وأنه لن يكون له خلاص بعد ذلك.

أما أنت يا رب فعونى، ناصرى على كل هؤلاء، مجدى ورافع رأسى. فى نفس عملية الصليب مجد للابن، وفى قيامته مجد قال حينما إقترب إلى الجلجثة ((أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً)) (يو 17: 1) كان يرى مجده فى صليبه: مجد الحب والبذل، ومجد القضاء على دولة الشيطان، وشراء الخليقة بالدم الكريم. مجد الملكوت الذى سيؤسسه بدمه. مجد الفداء والكفارة. المجد الذى سيرفع رأسه كمخلّص للعالم كله بموته. لأنه بموته سيدوس الموت، ويدوس إبليس الذى أدخل الموت إلى العالم. هذا هو المجد أن الابن سحق رأس الحية على صليبه ومجده فى القيامة أمر واضح للكل.

((أنا اضطجعت ونمت ثم استقظت)). أنا لم أمت الموت الذى يظنونه النهاية.. فروحى خالدة لا تموت. وأنا بلاهوتى حىّ لا أموت. إنما هذا الموت أشبه بنوم أستيقظت منه بالقيامة. حقاً إنفصلت فيه الروح عن الجسد، لتوفى العدل الإلهى، ثم عادت إلى جسدها بقيامة مجيدة داست بها الموت إلى الأبد..

لذلك ((لا أخاف من ربوات الجموع الميحطين بى القائمين علىَّ)) الصارخين فى جهالة قائلين: ((اصلبه اصلبه)). غالبية هؤلاء سيرجعون إلىّ تائبين لينضموا إلى الإيمان... وليس لأحد من هؤلاء سلطان علىَّ. لى نفس أنا أضعها من ذاتى. ((أضع نفسى لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منى. لى سلطان أن أضعها. ولى سلطان أن آخذها أيضاً)) (يو 10: 18، 17).

التأمل الروحى لأى إنسان:

إما أن يطبق المصلى هذه الآيات على نفسه فى مشاكله وأحزانه وكثرة الأعداء المحيطين به.

وإما أن يأخذها بطريقة روحية، فينادى الرب طالباً عوناً فى حروبه الروحية قائلاً: كيف يا رب كثر الذين يحزنوننى. كثيرون قاموا علىَّ: حروب من الأفكار، وحروب من الحواس، وحروب من مشاعر القلب وشهواته، وحروب من الشياطين، وعثرات من الناس، وسقطات من اللسان...

وكل هذه الحروب فى ضغطاتها، تشمت بسقطاتى، وتحاربنى باليأس قائلة: ((ليس له خلاص بإلهه))... كما لو كان الرب قد تركنى، ونعمته قد تخلت عنى، وأسلمنى للهلاك...

ولكنك يا رب بقلبك الحنون، لن تتركنى فى خطاياى. أنت ترس لى. انت ناصرى. لابد ستقيمنى من سقطتى، وتردنى إلى رتبتى الأولى، وتغسلنى فأبيض أكثر من الثلج، وتمنحنى بهجة خلاصك وتعود فترفع رأسى، وترجعنى إلى صورتى الأولى، فأتمجد بك.

هكذا فعلت مع الخاطئة يهوذا فى سفر حزقيال النبى. قلت: ((رأيتك مدوسة بدمك.. فبسطت ذيلى عليكِ وسترت عورتكِ.. ودخلت معكِ فى عهد – يقول السيد الرب – فصرتِ لى. فحممتك بالماء (أى فى المعمودية) مسحت بالزيت (أى بمسحة الميرون المقدسة)... وألبستكِ مطرزة، وكسوتكِ بزاً (أى تبررات القديسين)... ووضعت تاج جمال على رأسكِ... وجملتِ جداً جداً، فصلحتِ لمملكة. وخرج لكِ اسم فى الأمم لجمالكِ، لأنه كان كاملاً ببهائى الذى جعلته عليكِ)) (حز 16: 6 - 14).

وهكذا يجد الخاطئ أن الله يرفع رأسه، بل يضع تاج جمال على رأسه.

وذلك بأنه يطهره وينقيه من كل نجاساته، كما وعد فى سفر حزقيال أيضاً قائلاً: ((وأرش عليكم ماء طاهراً فتطهرون من كل نجاستكم... أعطيكم قلباً جديداً، وأجعل روحاً جديدة فى داخلكم. وانزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحى فى داخلكم وأجعلكم تسلكون فى فرائضى..)) (حز 36: 25 - 27)... كل هذا يا رب..

حقاً أنت يا رب ناصرى. مجدى ورافع رأسى. وقد كذب الذين قالوا عنى: ليس له خلاص بإلهه.

إن كنت قد سقطت، فأنا بمعونتك سأتوب... لقد اختبرت هذا فى حياتى، لأنى مراراً كثيرة ((اضطجعت ونمت ثم استيقظت)) لأنك أنت يا رب ناصرى على كل ضعفاتى... ما أكثر ما أصابنى الخمول فى روحياتى، ثم تأتى بعده يقظة روحية، أسمعها فيها يقول الرسول:

((استقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضئ لك المسيح)) (أف 5: 14).

أشكر الله أننى أستيقظت. وكان النوم شيئاً عارضاً فى حياتى. ولم تتركنى النعمة الحافظة. لذلك مهما حاربنى العدو بشتى الحروب الروحية، ((فلا أخاف من ربوات الجموع المحيطين بي، القائمين علىَّ)). الله أقوى منهم جميعاً. يكفينى أن أصرخ إلى الله، كما صرخت من قبل مراراً، ((فاستجاب لى من جبل قدسه)).

وهكذا يستمر المزمور بالنسبة إلى الإنسان العادى سواء من جهة ضيقاته وأعدائه، أو من جهة خطاياه.

ويمكن أن هذا المزمور يُقال على لسان الكنيسة باعتبارها جماعة المؤمنين وجسد المسيح.

وهكذا يتسمع التأمل فى المزمور، ولا يقف عند إتجاه معين. والقديس أوغسطينوس بعد أن ركز على السيد المسيح فى بادئ تفسيره، عاد وطبقه على الكنيسة، ثم على الفرد العادى...

داود هنا كرمز للمسيح:

داود خانه أبشالوم. والسيد المسيح خانه يهوذا والشعب الذى هتف اصلبه اصلبه.

وداود صرخ قائلاً: ((كثيرون قاموا علىَّ)). والسيد المسيح كذلك قام عليه كثيرون.

وداود لم يكن ضد أبشالوم الذى خانه، بل قال لقادة جيشه: ((ترفقوا بالفتى أبشالوم)) (2 صم 18: 5). ولما مات أبشالوم حزن داود عليه، وبكى وهو يقول: ((يا ابنى أبشالوم، يا ليتنى مت عوضاً عنك يا أبشالوم ابنى يا ابنى)) (2 صم 18: 23).

وكلمة أبشالوم معناها سلام أبيه.. مكونة من مقطعين أب، شالوم. ذلك لأن أبشالوم وإن كان ضد أبيه، إلاَّ أن أباه لم يكن ضده، بل كان فى سلام معه، على الرغم من ثورة هذا الابن عليه.

والسيد المسيح مات عوضاً عن الناس فعلاً، وطلب المغفرة لصالبيه قائلاً: ((يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون)).

(لو 23: 34). وهكذا على الرغم من أن الناس كانوا ضد المسيح، إلاَّ أنه كان يحمل فى قلبه سلاماً لهم. وقد أنذر يهوذا مرات عديدة، وأراه بغتة عمله...

بدا داود فى أول هذه الثورة عليه ضعيفاً، يعجب من كثرة الذين يحزنونه. ولكنه فى آخر الأمر إنتصر، وخلصه الله من جميع أعدائه. بل بعض أعدائه رجعوا إليه يقدمون الولاء.

وهكذا كان المسيح يبدو فى نظر الناس ضعيفاً على الصليب، يهزأون به قائلين: ((خلَص آخرين. وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها)) (مر 15: 31). ولكنه انتصر أخيراً، بالقيامة. وآمن به كثير ممَنْ إشتركوا فى صلبه... وخلَص العالم كله...

نتابع تأملاتنا فى هذا المزمور. يقول داود:

فلا أخاف...

((فلا أخاف من ربوات الجموع المحيطين بى، القائمين علىَّ)).

أولاد الله لا يخافون مطلقاً، مهما أحاط بهم العدو شعورهم بوجود الله معهم يطرح عنهم كل خوف...

والله نفسه يقول لأولاده ((لا تخافوا))... لقد قال لأبينا إبراهيم: ((لا تخف يا إبرام، أنا ترس لك)) (تك 15: 1). وقال ليشوع بن نون: ((تشدد وتشجع. لا ترهب ولا ترتعب، لأن الرب معك حيثما تذهب. لا يقف إنسان فى وجهك كل أيام حياتك)) (يش 1: 5، 9). وقال لبولس الرسول: ((لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت. لأنى أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك)) (أع 18: 10، 9)... وما أكثر ما قال الله لأولاده: ((لا تخافوا)) إنه يقول لتلاميذه: ((لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد...)).

(مت 10: 28). ويطمئنهم قائلاً: ((أما انتم فجميع شعور رؤوسكم محصاة))...

أما يخاف الذين لا يشعرون بوجود الله فى حياتهم، أو الذين يشعرون أنهم إنفصلوا عن الله بخطاياهم، فانفصلوا بالتالى عن المعونة والقوة الحافظة.

أما داود فكان يدرك تماماً مقدار الصلة بينه وبين الله، لذلك لم يخف بل إنه فى وسط الضيقة، وقيام جيوش أبشالوم عليه يضطجع داود وينام مطمئناً، لأنه لا يخاف. ينام وهو واثق أن الله ساهر على سلامته. وتغنى الملائكة قائلة: ((لا ينعس حافظك. لا ينعس ولا ينام... الرب يحفظك من كل سوء. الرب يحفظ نفسك. الرب يحفظ دخولك وخروجك)) (مز121). لذلك فإن داود ينام وهو غير خائف، تاركاً الله الساهر أن يحفظ سلامته بل أنه يقول:

((إن سرت فى وادى ظل الموت، لا أخاف شراً، لأنك أنت معى)) (مز23).

وهكذا لم يخف دانيال حينما ألقوه فى جب الأسود، ولم يخف الثلاثة فتية حينما ألقوهم فى أتون النار ولم يخف الشهداء وهم يقادون إلى الموت، أو وهم يحتملون كل صنوف التعذيب... ولم يخف داود من حركة أبشالوم ضده. بل هو يقول: ((الرب نورى وخلاصى ممّنْ أخاف؟! الرب عاضد حياتى،.

ممّنْ أرتعب؟!)) (مز 27: 1). وتسأله: لماذا أيها النبى العظيم؟ فيقول لك: بالخبرة... بالخبرة ماذا؟ يقول بالخبرة ((عند اقتراب الأشرار منى ليأكلوا لحمى، مضايقىّ وأعدائى عثروا وسقطوا)) ولذلك: ((إن نزل علىّ جيش، فلن يخاف قلبى. وإن قام علىّ قتال، ففى ذلك أنا مطمئن)) (مز 27: 3، 2).

((هم عثروا وسقطوا، ونحن قمنا واستقمنا)) (مز 20: 8).

إنها خبرة الحياة بالنسبة إلى داود. خبرته فى عمل الله معه، وفى عمل الله من أجله. إنها خبرته فى صلواته المستجابة، وفى مراحم الله التى لا تتخلى عنه مطلقاً. ليعمل أعداؤه ما يشاءون، ولتلتف حوله ربوات الجموع المحيطين به القائمين عليه. يكفى لإبادتهم أن يقول:

قم يا رب خلصنى يا إلهى:

لم يكن داود خائفاً، لكنه كان مقدراً خطورة الموقف تماماً. لذلك ((قال لجميع عبيده الذين معه فى أورشليم: قوموا بنا نهرب، لأنه ليست لنا نجاة من وجه أبشالوم. إسرعوا لئلا يبادر فيدركنا...)) (2 صم 15: 14). قال ذلك لأن الخطر كان محدقاً به وبهم ((وكان الشعب لا يزال يتزايد مع أبشالوم)) (2 صم 15: 12).

ولكن الخطورة كانت فكراً فى عقله، ولم تكن خوفاً فى قلبه.

لقد قدّر خطورة الموقف، ولكنه لم ينزعج لها، وإنما رأى علاج الأمر بالإلتجاء إلى الله، فهو القادر أن ينجى. لذلك قال: ((قم يارب خلصنى يا إلهى))...

لم يترك الأخطار تنفرد به، بل وضع الله بينه وبينها. ولم يواجه تلك المتاعب بنفسه، إنما القاها على الله. هو الذى يواجهها ويخلصه منها.

جميل أن يشعر الإنسان، أنه ليس هو الذى يخلّص نفسه إنما الله هو الذى يخلصه. وهذا المعنى واضح باستمرار فى مزامير داود، حيث يقول مثلاً: ((خلصنى يا رب فإن البار قد فَنى، وقلت الأمانة من بنى البشر)) (مز 11: 11) ((اللهم باسمك خلصنى، وبقوتك احكم لى)) (مز 54: 1). ((الآن عرفت أن الرب قد خلَّص مسيحه)) (مز 20: 6). ((إحفظنى يا الله لأنى عليك توكلت)) (مز 16: 1). ((أنت إله خلاصى. إياك انتظرت اليوم كله)) (مز 25: 5). ((الرب نورى وخلاصى، ممَّنْ أخاف؟!)) (مز 27: 1). ويعوزنا الوقت إن أتينا بكل الأمثلة.

وكما يقول هنا: ((قم يا رب خلصنى)) يقول أيضاً فى آخر المزمور: ((للرب الخلاص)) (مز 3: 8).

لقد إختبر داود أن الخلاص هو عمل الرب، وليس هو إعتماداً على ذراع بشرى. جرّب هذا الأمر فى قتاله مع جليات حيث قال له: ((اليوم الرب يحبسك فى يدى)) (1 صم 17: 46). وكما قال فى تلك المناسبة: ((الحرب للرب. وهو يدفعكم ليدنا)) (1 صم 17: 47)، فإنه يقول هنا أن الخلاص للرب.

حقاً إن الخلاص للرب. ((وليس للرب مانع عن أن يخلص بالكثير أو بالقليل)) (1 صم 14: 6).

هنا نجد داود يقول فى المزمور: قم يا رب.

وتتردد هذه العبارة فى مزاميره وفى الكتاب المقدس. ونقتبس منها فى القداس الإلهى: ((قم يا رب وليتبدد جميع أعدائك. وليهرب من قدام وجهك كل مبغضى اسمك القدوس)) وهى عبارة مأخوذة من (عد 10: 35).

ويجيب الرب قائلاً: ((الآن أقوم – يقول الرب – أصنع الخلاص علانية)) (مز11). ويغنى داود قائلاً: ((يقوم الله يتبدد أعداؤه. ويهرب مبغضوه من أمام وجهه. كما يذرى الدخان تذريهم)) (مز 68: 1).

ليس هذا الأمر جديداً عليك يا رب. فمراحمك واسعة كل يوم. وخلاصك نراه فى كل لحظة.

لأنك ضربت كل مَنْ يُعاديننى:

((لأنك ضربت كل مَنْ يعاديننى باطلاً (أى بلا سبب). أسنان الخطاة سحقتها)).

ما أكثر الذين كانوا يعادون داود باطلاً، بلا سبب، حتى أنه قال مرة:

((أكثر من شعر رأسى، الذين يعادوننى بلا سبب)) (مز 69: 4).

إنه لم يقترف ذنباً حتى عاداه شاول الملك. بل كان سبب عداوة الملك لداود أن داود كان يفلح (ينجح) أكثر من الجميع (1 صم 18: 30، 29).

وأبشالوم عاداه أيضاً بلا سبب، إذ لم يسء إليه داود فى شئ، بل أن شهوة أبشالوم فى العظمة والحكم هى التى أدخلته فى حرب مع أبيه...

وشمعى بن جيرا، ماذا فعله داود ضده، وأخيتوفل أيضاً... لا شئ إلا أن الخيانة الكامنة فى قلب كل هؤلاء... وكذلك يهوذا بالنسبة إلى السيد المسيح: إختاره الرب ضمن تلاميذه، وأعطاه الصندوق، وأرسله للخدمة، ومنحه القدرة على عمل المعجزات. وحتى وقت الأكل كان يجلس فى القرب منه، يغمس لقمته فى نفس صحفته (مت 26: 23) ولكن الخيانة.

الكامنة فى قلب يهوذا هى التى دفعته إلى الخطية...

هؤلاء الذين يعادون بلا سبب، هم ظالمون. والرب يأخذ حق المظلومين منهم. إنه هو الذى قال: ((لى النقمة، أنا أجازى، يقول الرب)) (رو 12: 19). لذلك ضرب الله فرعون ضربات كثيرة، لأنه كان يسخر الشعب ويضطهدهم بلا سبب. وضرب الرب أهل سادوم بالعمى لما حاولوا الاعتداء على ضيفى لوط البار (تك 19: 11). كذلك ضرب الرب مضطهدى الكنيسة، البعض بالجنون، والبعض بالموت، لأنهم اضطهدوا الكنيسة بلا سبب... وضرب الرب أريوس فمات لأنه أيضاً عادى الكنيسة بلا سبب...

وهكذا داود يتذكر كل ما مَر عليه من أحداث، وكيف ضرب الرب شاول، وأبنير، وضرب أمامه عماليق لما غزا صقلع وأحرقها بالنار ظلماً (1 صم30)... وفى ذلك غنى داود للرب قائلاً: ((لأنك ضربت كل مَنْ يعاديننى باطلاً. أسنان الخطاة سحقتها)) (مز3).

أسنان الخطاة سحقتها:

الخطاة مثل وحوش مفترسة، تريد أن تلتهم أولاد الله. لذلك شبههم الرب مرة بذئاب خاطفة (مت 7: 15). وقال عنهم القديس بولس الرسول: ((ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية)).

(أع 20: 29). وضرب مثالاً لذلك فقال: ((حاربت وحوشاً فى أفسس)) (1 كو 15: 32). وقال القديس بطرس الرسول: ((إصحوا واسهروا، لأن إبليس خصمكم مثل أسد زائر، يجول ملتمساً مَنْ يبتلعه هو)) (1 بط 5: 8). لهذا كان لابد من معونة إلهية تحمى من أسنان هذه الوحوش.

قال داود فى مزمور سابق: ((مبارك الرب الذى لم يسلّمنا فريسة لأسنانهم)) (مز 124: 6). وهنا يقول الرب: ((أسنان الخطاة سحقتها)) (مز3).

إن تخليصنا من أسنان الخطاة، فلا نكون فريسة لها، هو خلاص مبدئى، مجرد مرحلة من النجاة، ولا تزال الأسنان الفتاكة باقية. أما هنا فيحدثنا النبى المختبر عن عمل من أعمال الله أكثر فاعلية وخلاصاً وهو: ((أسنان الخطاة سحقتها)) أى لم تبق لهم قوة على الإفتراس بعد. إنه خلاص نهائى بتحطيم العدو تماماً... مبارك اسم الرب حقاً...

داود يقول هذا بروح الإيمان، فى نفس الوقت الذى يقول فيه: ((قم يارب خلصنى يا إلهى))... إنه يطلب الخلاص، ويراه بعين الإيمان.

الخلاص هو قصة علاقته مع الله طول حياته. وكأنه يردد مع زكريا الكاهن قوله: ((خلاص من أعدائنا ومن جيمع مبغضينا)) (لو 1: 71). خلاص يصنعه الرب وليس نحن. خلاص من جليات.

خلاص من جليات الغريب الجنس، وخلاص من شاول الحاقد، من سهامه ومن مؤامراته، وخلاص من أخيتوفل الخائن، ومن أبشالوم الابن العاق...

قم يارب، اصنع الخلاص علانية، لأن للرب الخلاص.

هذا الموضوع خاص بالرب، نعتمد عليه فيه إعتماداً كلياً، متذكرين كل إحساناته السابقة إلينا.

يقول هذا أيضاً كل إنسان فى ضيقة، أو فى خطية منتصرة عليه.

أنا يا رب بذلت كل جهدى، ومازلت أسقط، من ربوات الشهوات والعثرات المحيطة بى القائمة علىّ، التى كادت تصبح عادات ثابتة، أو تدخل فى طبيعتى فتفسدها. ولكنى أتكل عليك أنت، لأنك تستطيع أن تسحق أسنان الشياطين الخطاة الذين يعادوننى باطلاً، تخلصنى منهم، فأصبح مع داود: ((للرب الخلاص)).

وتقول الكنيسة أيضاً فى كل متاعبها.

قم يا رب خلصنى يا إلهى. لأنك ضربت كل مَنْ يعاديننى باطلاً. للرب الخلاص وعلى شعبك بركتك...

على شعبك بركتك:

أنت تخلص وتبارك. تخلصنا من السلبيات والضيقات. وتباركنا بكل بركة روحية من فوق... هذا هو العنصر الإيجابى فى الخلاص.

الله فى الخلاص الذى قدّمه، لم يخلصنا فقط من الخطية الجدية ومن الخطايا الفعلية فحسب، إنما منحنا أيضاً بركات العهد الجديد: البنوة، والميلاد الثانى، ومسحة الروح القدس وكل الأسرار المقدسة. لكى نهتف له مع داود قائلين: ((وعلى شعبك بركتك))...

وبركة الله على شعبه، وليس على الغرباء...

هؤلاء الذين يدخلون فى خلاص الرب، ويقولون للرب الخلاص... الذين يصيرون أغصان فى الكرمة الحقيقية، تسرى فيهم عصارتها، وتظهر فيهم ثمارها، ويكونون أعضاء حية فيها... هؤلاء هم الذين يتمتعون ببركة الرب فى حياتهم وفى خدمتهم.

وفى كل أعمالهم. ويقولون له: ((للرب الخلاص. وعلى شعبك بركتك)).

هذه البركة أرادها الله للعالم منذ البدء...

فبارك الله آدم وحواء (تك 1: 28) أعطاهم بركة الثمر والكثرة والسلطة... وبارك الله نوحاً وبنيه (تك 9: 1) حينما جدد وجه.

الأرض مرة أخرى، وأعطاهم نفس بركة آدم وحواء. وبارك الله أبانا إبراهيم، وعظم إسمه، وجعله بركة، بحيث يتبارك مباركوه، وفيه تتبارك جميع قبائل الأرض (تك 12: 3، 2). وكانت هذه البركات تتلى على الشعب كله من فوق جبل جرزيم (تث 27: 12).

وصارت البركة هى أقصى ما يطلبه إنسان، وهى تحل داخلها كل شئ...

وقد قال سليمان الحكيم فى ذلك: ((بركة الرب هى تغنى...)) (أم 10: 22). أما الذى تخلو حياته من البركة، تصبح حياته فارغة تماماً، ويفشل فى كل شئ.

لذلك كانت نهاية هذا المزمور بالبركة، تدل على أن داود وصل إلى عمق ما يتمناه..

وهكذا مزامير داود:

ما أعجب داود النبى فى مزاميره! وما أعجب مزاميره كيف تبدأ وكيف تنتهى!

يبدأ هذا المزمور بالشكوى والعتاب: الشكوى من كثرة الذين يحزنونه، القائمين عليه، الذين يدفعونه إلى اليأس بقولهم: ((ليس له خلاص بإلهه...)) وينتهى بالبركة وخلاص الرب، وبأن الرب ناصره ومخلصه من كل أعدائه.

وتكون نقطة التحول فى المزمور، من الحزن إلى الخلاص، هى قول المرنم: ((بصوتى إلى الرب صرخت، فاستجاب لى من جبل قدسه)).

يتدخل الرب فى المشكلة، تنتهى المشكلة، ويتغير مجرى الأمور، ولا يخاف المصلى من ربوات الجميع المحيطين به القائمين عليه... حقاً إن أصعب ما يتعب الإنسان، أنه يقف وحده فى مشاكله، دون أن يدعو الله للدخول فيها، ولإنقاذه منها...

مزامير داود تعطينا عزاء عميقاً فى كل متاعبنا، روحية كانت أو إجتماعية...

خذوا مثالاً لذلك المزمور السادس ((يا رب لا تبكتنى بغضبك))... يبدأ بأنين داود، وبقوله: ((إن عظامى قد إضطربت، ونفسى قد إنزعجت جداً))... ثم تأتى نقطة التحول إذ يقول فى نهاية المزمور إذ يقول: ((إبعدوا عنى يا جميع فاعلى الإثم. لأن الرب قد سمع صوت بكائى. الرب سمع صوت تضرعى. الرب لصلاتى قبل)).

ليتنا نرتل المزامير بنفس الروح، ونقول للرب مع داود: ((حوّلت نوحى إلى فرح لى... أعظمك يا رب لأنك إحتضنتنى)) (مز 30: 1، 11).


[1] فى بعض الترجمات (ترس لى) أى درع لىِ.

[(2)] انظر ايضاً مزمور 30: 18، مز10: 7، مز47: 28، 11: 59.

[(3)] فى ترجمة أخرى ((العتاة)). وفى ترجمة أخرى Ruthless أى عديمو الشفقة الذين لا يرحمون ولا يشفقون.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات