الباب السادس : علاقة الاتضاع بالفضائل والمواهب – حياة التواضع والوداعة – البابا شنودة الثالث

الباب السادس: علاقة الاتضاع بالفضائل والمواهب

النعمة.

التوبة والاعتراف.

الشفقة عَلىَ المخطئين.

الإيمان والبسَاطة.

التعليم.

الصّلاة.

إحترام الآخرين.

الانتهار والتوبيخ والمعاقبة.

هناك ثلاث فضائل لابد أن تدخل فى كل فضيلة، كما يدخل الخيط فى حبات السبحة، وبدونها لا تعتبر الفضيلة فضيلة. هذه الثلاث هى الحكمة، والمحبة، والتواضع. فكل فضيلة لابد أن تُمارس بحكمة. وبدون حكمة قد تتحول إلى اسم آخر غير الفضيلة، أو تتشوّه صورتها. وكل فضيلة لابد أن يدخل فيها عنصر المحبة: محبة الله، ومحبة الخير، وأحياناً محبة الناس. وبدون المحبة تفقد الفضيلة قيمتها.

كذلك لابد أن تمارس كل فضيلة فى تواضع قلب، وإلا صارت طعاماً للمجد الباطل كما قال القديسون. ونود فى موضوعنا هذا، أن نتعرض لعلاقة التواضع ببعض الفضائل كمثال، وأيضاً لعلاقته بالمواهب. ولنبدأ بعلاقة التواضع بالنعمة.

النعمة:

يقول الكتاب "يقاوم الله المستكبرين. أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع 4: 6). النعمة تمنح المواهب. ولكن المتكبر يفتخر بالمواهب، ويرتفع قلبه بها. لذلك يأتمن الرب المتواضعين على نعمته على مواهبه، لأنهم يقولون باستمرار "ليس لنا يارب ليس لنا. لكن لاسمك القدوس أعطِ مجداً" (مز 115: 1). وهناك كلمة جميلة قالها ماراسحق وهى:

"إذا منحك الله موهبة، فأطلب منه أن يعطيك تواضعاً ليحميها".

ذلك لأن التواضع يحمى المواهب من الافتخار والمجد الباطل...

لهذا نحن نعجب من الذين يطلبون من الله أن يمنحهم موهبة التكلم بألسنة، بينما لا يوجد غرباء لهم لغة مجهولة تحتاج إلى موهبة ألسنة لتبشيرهم. وهكذا يستخدمون الألسنة للمجد الباطل، والإدعاء بأنهم وصلوا إلى "ملء الروح"!!

ما أخطر المواهب على الذين لم يصلوا إلى الاتضاع بعد. إنهم يفرحون بتلك المواهب بسبب (الذات) وارتفاعها! وهنا نتذكر إن السبعين الذين أرسلهم الرب للتبشير، ومنحهم موهبة إخراج الشياطين "رجعوا بفرح قائلين: يارب، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" فوبخهم الرب قائلاً "لاتفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم. بل افرحوا بالحرى أن اسماءكم قد كُتبت فى السموات" (لو 10: 20، 17).

+ + +.

ونفس الوضع حينما تساعد النعمة إنساناً على اكتساب فضيلة:

إن كان متواضعاً، ينسب الفضل لله وليس لنفسه. ويقول كما قال القديس بولس الرسول "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا" (1 كو 15: 10). ويخشى أن يفتخر أو يتكبر، فتسحب النعمة عملها منه فيسقط. بل هو بالأكثر ينكر ذاته، ويحاول أن يخفى فضائله: لا على الناس فقط، بل حتى على نفسه. ولا يتأمل ما هو فيه من فضيلة. بل يحاول أن ينساها ويتحول شعوره إلى الشكر، لا إلى الفخر...

أما الفضيلة عند المتكبر، فهى عرضة للضياع. ولا تكون فضيلة حقيقية. بل لا يتبرر بها، كما حدث فى قصة الفريسى والعشار (لو 18: 9 - 14).

ذلك الفريسى وقف فى الهيكل مفتخراً بفضائله، حتى أمام الله! فقال "أشكرك يارب أنى لست مثل باقى الناس الخاطفين الظالمين الزناة، ولا مثل هذا العشار. أنا أصوم مرتين فى الأسبوع، وأعشّر كل ما أقتنيه" (لو 10: 12، 11). هذا الفريسى لم يذكر عمل النعمة معه. ولم ينفعه صومه ولا عشوره، ولا بعده عن بعض الخطايا. لذلك لم يخرج من الهيكل مبرراً (لو 10: 14).

ننتقل إلى نقطة أخرى. وهى علاقة التواضع بالتوبة:

التوبَة:

المتواضع هو الذى يصل إلى التوبة. أما المتكبر فلا يقدر.

المتكبر لا يشعر أن له عيوباً تحتاج إلى إصلاح. أو أنه واقع فى خطايا تحتاج إلى توبة. ذلك لأنه "بار فى عينى نفسه". والذى يكشف له ضعفاته وأخطاءه وينصحه بالتوبة، لا يقبل ذلك منه، بل يعتبره عدواً..! فكيف يتوب هذا المتكبر، وهو لا يعرف عن نفسه خطية يتوب عنها؟!

+ + +.

أيضاً المتكبر يظن أنه أكبر من أن يخطئ فلا يحترس. فيسقط.

وبسبب أدعائه القوة، قد يعرّض نفسه إلى مواقع الزلل، فى غير مبالاة ولا حرص فيضربه الشيطان فى مقتل. وهكذا قال الكتاب عن الخطية إنها "طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء" (أم 7: 26). والمقصود بكلمة (أقوياء) هنا: من يظنون فى أنفسهم أنهم أقوياء.. وقد ذكر ماراسحق أن العجرفة تسبب السقوط فقال إن "المتعجرف بالفضيلة يسقط فى الخطية، والمتعجرف بالعلم والمعرفة يسقط فى البدعة والهرطقة"..

والكتاب يقول "قبل الكسر الكبرياء. وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم 16: 18).

+ + +.

نقطة أخرى وهى أنه: حتى لو اعترف المتكبر بأنه خاطئ، وسعى إلى التوبة، فإنه يعتمد على قوته وإرادته وتداريبه الروحية.

يظن أنه قادر على ضبطه لنفسه. ثم يكتشف عملياً أن نفسه ليست بالقدرة التى تستطيع أن تقاوم كل حين العدو، وأنها لا تقدر أن "تطفئ جميع سهام الشرير الملتهبة" (أف 6: 16). وعلى الرغم من ذلك يتشبث بإدعاء القدرة والصمود!

+ + +.

أما المتواضع فيعترف بأنه خاطئ وأنه ضعيف، وأنه محتاج إلى قوة من فوق تساعده على التوبة. ويردد تلك العبارة العميقة:

"توبنى يارب فأتوب" (أر 31: 18).

المتواضع لا يعتمد على نفسه فى التوبة. بل من أعماقه يردد قول المزمور: "إنضح علىّ بزوفاك فأطهر. أغسلنى فأبيض أكثر من الثلج" "قلباً نقياً إخلق فىّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدده فى أحشائى" (مز 51: 10، 7).

ويقول كما فى صلاة الساعة الثالثة "نقنى من دنس الجسد والروح".

وحينما ينعم الله عليه بالتوبة، لا ينسب ذلك إلى جهاده الروحى، بل إلى نعمة الله التى أنقذته من الخطية. فيشكر ولا يفتخر.

+ + +.

والمتواضع – إذ يشعر بضعفه – يحترس من أبسط الحروب الروحية.

يحترس من أقل عثرة، ومن الحروب التى تحارب المبتدئين. ويردد ما قاله القديس الأنبا أنطونيوس – فى اتضاعه – للشيطان "أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم"!

وإذ يتوب المتواضع، لا ينسى خطاياه السابقة وضعفاته. بل ينسحق قلبه بسببها، وتمتلئ عيناه بالدموع. كما حدث مع داود فى توبته (مز6).

+ + +.

إن هناك علاقة متبادلة بين التوبة وتواضع القلب.

التواضع يقود إلى التوبة. والتوبة تقود إلى الإتضاع.

إنها تقود التائب إلى القلب المتخشع والمتواضع الذى لا يرذله الله (مز50).

ولنأخذ داود كمثال فى توبته واتضاعه وانسحاقه ودموعه، حيث يقول للرب فى مزاميره "لصقت بالتراب نفسى، فأحينى ككلمتك" (مز 119: 25) "ضللت مثل الخروف الضال، فأطلب عبدك" (مز 119: 176) "خير لى أنك أذللتنى، حتى أتعلم حقوقك (مز 119: 71). ويقول أيضاً" تعبت فى تنهدى. أعوم كل ليلة سريرى، وبدموعى أبلّ فراشى "" ارحمنى يا رب فإنى ضعيف "(مز6).

نقطة أخرى تتعلق بالإتضاع. وهى الإعتراف وكشف الأفكار.

الإعتراف:

تواضع الإنسان يساعده على الاعتراف بخطاياه، وكشف أفكاره وحروبه.

أما المتكبر فلا يكشف حروبه وضعفاته. ولذلك تبقى بدون علاج.

المتواضع فى اعترافه يذلّ نفسه. ويرى أن هذا نافع له حتى لا يرجع إلى الخطأ مرة أخرى. أو يهرب من ذلك حجة أنه يريد أن يكون عثرة. أو يمنعه الخجل.

الشيطان يبعد الخجل عن الإنسان أثناء إرتكاب الخطية. ويضع أمامه الخجل فى وقت الاعتراف. أما المتواضع فينتصر على خجله باتضاعه.

ومعرفة المتواضع بضعفاته وسقطاته تقوده إلى نقطة أخرى وهى:

الشفقة علىَ المخطئين:

إنه يشفق على الخطاة ويقابلهم بحنو، لأنه عارف بضعف البشرية وقوة حروب الشيطان. ويضع أمامه قول القديس بولس الرسول:

"أذكروا المقيدين، كأنكم مقيدون معهم. واذكروا المذلين كأنكم أنتم أيضاً فى الجسد" (عب 13: 3).

ويذكر قول الرسول أيضاً "ناظراً إلى نفسك لئلا تُجرب أنت أيضاً" (غل 6: 1).

المتواضع إن رأى خاطئاً، يقول فى نفسه "كلنا تحت الضعف". ويذكر أنه قد قيل عن إيليا النبى "إيليا كان إنساناً تحت الآلام مثلنا" (يع 5: 17)، مع أنه بصلاته أغلق السماء فلم تمطر، ثم صلى فأمطرت.

+ + +.

المتواضع يستر على الخطاة، لشعوره أنه محتاج إلى الستر مثلهم.

إنه يرحمهم فى سقوطهم، حسب قول الآباء "من يرحم، باب الرحمة مفتوح أمامه" وكما يقول الرب "طوبى للرحماء، فإنهم يُرحمون" (مت 5: 7). ويقول فى قلبه "أرحم غيرى لكى يرحمنى الله. وأنا مثلهم خاطئ محتاج إلى الرحمة. وما يزرعه الإنسان، إياه يحصد. والرب يقول" بالكيل الذى به تكيلون، يُكال لكم "(مت 7: 2).

+ + +.

المتواضع فى رحمته على الخطاة والضعفاء، لا يفرز المستحق من غير مستحق.. إذ يقول: لو كانت الرحمة للمستحقين فقط، فأنا غير مستحق.

والرب إلهنا الحنون، قد قيل عنه إنه "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين. ويمطر على الأبرار والظالمين" (مت 5: 45). لذلك فالمتواضع لا يتشامخ على أحد، ولا يحتد ولا يدين. بل يعامل الكل بشفقة وحنان وحب. حتى الذين يؤذونه، يرحمهم أيضاً. ينظر إلى احتياجهم، وليس إلى انتقام نفسه لنفسه.

أما المتكبر فهو غير ذلك. قد ينظر إلى الخطاة فى اشمئزاز وتعالِ كما تنظر قمة الجبل إلى المستنقع فى أسفل الوادى. وكأن هذا المتكبر لم يخطئ ولن يخطئ!! لذلك فهو يدين الخطاة ويزدرى بهم. وقد يشهّر بهم أيضاً.

الإيمان والبساطة:

* المتواضع له بساطة القلب التى تقبل من الله كل شئ، دون مجادلة ودون شك. مثل بساطة الأطفال الذين يتلقون قواعد الإيمان، فيقبلونها دون مجادلة. ولهذا قال الرب "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السموات" (مت 18: 3).

على أن كثيراً من الناس كلما تنمو عقولهم، تقف عقولهم ضد بساطة الإيمان، ولا يقبلون إلا ما تستطيع عقولهم أن تستوعبه عن الله وعن حكمته ووصاياه! بينما عقولهم محدودة، والله غير محدود. ولا يستطيع المحدود أن يستوعب غير المحدود.

+ + +.

* وهكذا فإن بعض الفلاسفة انحدروا إلى الإلحاد، إذ أنهم فى كبرياء المعرفة اعتزوا بعقولهم، ورفضوا الله الذى لا يرونه ولا يلمسونه.

يُروى عن أحد الفلاسفة أنه مرّ فى طريقه على أحد الحقول، ورأى فيه فلاحاً راكعاً يصلى. فوقف يتأمله فى تعجب. وقال فى نفسه "أنا مستعد أن أتنازل عن نصف فلسفتى، إذ مُنحت بساطة هذا الفلاح الذى بكل ثقة يتكلم فى صلاته مع كائن لا يراه"!!

ونرى فى هذه القصة مثالاً عن تواضع البساطة التى تقود إلى الإيمان، إلى جوار "المعرفة التى تنفخ" (1 كو 8: 1)، وتقود إلى الكبرياء الذى ينكر وجود الله! عجيب هذا الأمر جداً: أن العقل وهو قبة من الله للإنسان، يستخدمه الإنسان لينكر الله الذى وهبه إياه. إذ بالفيلسوف الذى قد يكون أكبر الناس عقلاً، يتحول فى كبرياء العقل إلى الجهل بالله. وصدق المرنم حينما قال فى المزمور "قال الجاهل فى قلبه ليس إله" (مز 14: 1).

+ + +.

* فى كبرياء العقل أيضاً ينكر المعجزة.

ينكرها لأنه لم يفهمها، فيدعى أن المعجزة ضد العقل!

والواقع أن المعجزة ليست ضد العقل، إنما هى مستوى أعلى من العقل. يقبلها إيمان المتواضع، ويرفضها العقل المتكبر. ولهذا فإن المتواضعين يطلبون من الله المعجزة وقد يهبهم إياها إن كانت توافق مشيئته. بينما المتكبر لا يطلب المعجزة. وإن حدثت أمامه، يحاول أن يرجعها إلى أسباب طبيعية، أو يقابلها بتعجب دون أن يرجعها إلى الله.

+ + +.

* ومن المعجزات التى ينكرها العقل المتكبر: الخلق والقيامة.

بينما كل المؤمنين بالله فى العالم أجمع يؤمنون بالخلق من العدم، ويؤمنون بالقيامة من الموت. ويصدقون – فى اتضاع وبساطة – ما قالته كتب الوحى الإلهى عنهما. فى إنكار الخلق، قال الغنوسيون إن المادة أزلية، بينما لا يوجد أزلى إلا الله وحده...

ومادا أيضاً عن الحياة؟ لا يمكن أن تكون الحياة الأرضية أزلية. لأنه مرّ وقت كانت فيه الأرض قطعة ملتهبة، حينما أنفصلت عن المجموعة الشمسية. وكانت حرارتها لا تسمح بوجود حياة لبشر أو حيوان أو إنسان. فمن أين إذن أتت الحياة؟ لا شك من الله. وهنا يتفق العقل مع الإيمان. ولكن المتكبرين يرفضون قبول الله، لأن عقولهم ترفض أن تتنازل عن كبريائها، وتريد أن تستوعب فكرة وجود الله..!

وغالبية الفلاسفة ترفض عقولهم فكرة القيامة بسبب الكبرياء التى ترفض كل ما لا تفهمه! ألسنا بالنسبة إلى كثير من المخترعات الحديثة: نقبلها دون أن نفهمها؟! ولا يفهمها إلا المتخصصون فى العلم الخاص بها..!

+ + +.

الرؤى أيضاً والظهورات الروحية، يراها المتواضعون ببساطة قلوبهم...

يقبلونها، ويفرحون بها، بل وينتظرونها ويتهللون برؤيتها. بينما المتكبرون قد لا يرون لأن قلوبهم غير مستعدة، أو لأن الكبرياء تعوق الإيمان. أو لأنهم حتى إن رأوا نوراً إلهياً، يحاولون أن يرفضوا مصدره الإلهى، زاعمين تخمينات لا يسندها العقل ولا الواقع، مثل الليزر والأطباق الطائرة!! وتسألهم عن مصدر ذلك الليزر وتلك الأطباق الطائرة، وعلاقتها بتلك الرؤى، فلا يجيبون.. مجرد الرفض هو الأساس فى تفكيرهم، ويخونهم العقل، وينقصهم الإيمان، بسبب الكبرياء...

+ + +.

* نفس الوضع بالنسبة إلى الكتب المقدسة: يقبلها المتواضعون بإيمان وفرح. بينما الكبرياء تقود البعض إلى النقد الكتابى Biblical Criticism.

يجعلون عقولهم مشرفة على الكتاب المقدس. تحلله وتنقده، وتقبل فقط ما تقبله عقولهم، وترفض الباقى. وأيضاً تضع الكتاب المقدس خاضعاً لأهواء الناس، يرفضون منه ما لا يوافق أهواءهم. مثل المؤيدين للشواذ جنسياً أو الخائفين منهم، أو المشجعين للشذوذ الجنسى Homosexuality. هؤلاء يرفضون آيات الكتاب التى تدين هذا الشذوذ.

ليس لهم التواضع الذى يقبل كلام الله ويطيعه. بل فى كبرياء لا يقبلون ما لا يستطيعون طاعته بسبب شهوات قلوبهم! وهناك ما ترفضه عقولهم، لا لأنه ضد العقل وأنما لأن عقولهم ليست حرّة، بل هى مقيدة بقيود أهوائهم وشهواتهم.

+ + +.

* والمتكبرون لهم أيضاً أسلوبهم فى ترجمة الكتاب المقدس وفى تفسيره.

فالبعض قد يترجم الكتاب ترجمة توافق معتقداته، فيحرف فيه ويغير. مثلما فعل شهود يهوه فى ترجمتهم التى اسموها (ترجمة العالم الجديد للكتاب):

New World Translation of The Scripture.

ففيها آيات كثيرة محرفة فى مدلولها وألفاظها لتثبت ما ينادون به من بدع وهرطقات. ويستخدمون هذه الترجمة فى كتبهم ويضلون بها الناس.

والمتكبرون أيضاً يفسرون حسب هواهم وفهمهم ونوع عقلياتهم، ولو أدّى الأمر أن ينشئوا مذهباً جديداً. ولهذا السبب كثرت المذاهب فى بلاد الغرب، وتعددت طوائفهم.

أما المتواضعون فليسوا كذلك. إنهم يقبلون الكتاب كما هو، ولا يخلطونه بنوعية عقولهم فى الترجمة أو التفسير. ويعتمدون فى معناه ومفهومه على ما وصل إليهم من التقليد tradition ومن أقوال الآباء وتفسيراتهم.

كل هذا يقودنا إلى نقطة أخرى هى علاقة التواضع بالتعليم.

التعليم:

* ونود أن نطرق هذه النقطة من ناحيتين هما:

تعليم الإنسان لغيره، وقبول الإنسان للتعليم من غيره.

فالمتكبر يحب أن يأخذ صفة المعلم، ويرى فى نفسه الكفاءة أن يعلّم غيره. أما المتواضع فإنه يفضّل باستمرار أن يتعلم، لكى ينال معرفة، أو لكى يزداد فى المعرفة. وهو مستعد أن يتلقى العلم ويقبله، حتى لو أتاه فى صورة توبيخ، أو إن أتاه ممن هو أصغر منه. بل هو بنفسه يطلب العلم.

+ + +.

وأمامنا قصص من سير القديسين فى قبول التعليم وفى طلبه:

* القديس الأنبا أنطونيوس فى بدء رهبنته، كان يجلس على حافة القرية يتعلم الفضيلة من النساك هناك. وفى أحد الأيام أتت امرأة لكى تستحم فى النهر، وبدأت تخلع ملابسها أمامه. فقال لها "يا امرأة، أما تستحين أن تتعرى أمامى وأنا راهب؟!" فقالت له فى استهزاء "من قال إنك راهب؟! لو كنت راهباً، لدخلت إلى البرية الجوانية. لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان". فاستمع الأنبا أنطونيوس إلى اجابتها فى اتضاع شديد، واعتبر أنها رسالة من الله إليه على فمها. وفعلاً ترك المكان ودخل إلى البرية الجوانية.

+ + +.

والقديس أنبا مقار الكبير، أخذ نصيحة من صبى راعى بقر.

والقديس الأنبا موسى الأسود، سأل زكريا الصبى كلمة منفعة. فلما قال له الصبى "أأنت عمود البرية ومنارتها وتطلب منى؟!" أجابه القديس "أنا واثق يا ابنى، بالروح الذى فيك، أن عندك كلاماً ينقصنى معرفته".

البابا ثاوفيلس، الثالث والعشرون فى عداد البطاركة، كان يذهب أحياناً إلى البرية ليطلب كلمة منفعة من أحد المتوحدين مثل الأنبا أرسانيوس والأنبا بفنوتيوس. حتى حينما كان يعتذر البعض منه عن لقائه، كان يمضى منتفعاً!

+ + +.

* والمتكبر "حكيم فى عينىّ نفسه" يتباهى بمعرفته. لذلك لا يطلب المعرفة من غيره!

وفى كبريائه، لا يجد أحداً أكثر منه معرفة حتى يطلب منه مزيداً من العلم. بعكس المتواضع الذى لا مانع عنده من أن يسأل. ولا مانع من أن يقول عن أحد الأمور "لا أعرف". وهو يستمع إلى كلام غيره ليستفيد. أما المتكبر فإنه يقاطع غيره إذا تكلم، لكى يثبت رأيه هو وكلمته. وهو كثير الجدل والنقاش.

+ + +.

* المتواضع يضع أمامه قول الرسول: لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتى، عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم، لأننا فى أشياء كثيرة نعثر جميعنا "(يع 3: 2، 1).

لذلك فهو يحترس جداً فى مسائل التعليم لئلا يخطئ. ولا مانع لديه من أن يتشير ليتأكد، أو يرجع إلى المصادر الرئيسية ليرى أن تعليمه موافق لعقيدة الكنيسة وأقوال الآباء، وبخاصة أو كان بصدد فكر جديد.

+ + +.

أما المتكبر فبكل جرأة يقدم تعليماً جديداً. وقد يقع بذلك فى بدعة.

إنه يفرح بأن يطرق أموراً عويصة قد تكون فوق مستواه "ويرتئى فوق ما ينبغى" (رو 12: 13). ويبدى الرأى كأنه عقيدة جديدة محاولاً إثباتها! وإن عارضته الكنيسة يتشبث بفكره، وتمنعه كبرياءه من التنازل عما علّم به. وهكذا يقع فى الهرطقة. وقد حدث ذلك مع ترتليانوس، وأوريجانوس، وآريوس، ونسطور ". وفى هذا المجال أتذكر أننى كتبت بضع مقالات بعنوان:

"البدعة كالكبرياء. كل قتلاها أقوياء".

لذلك ما أجمل قول السيد الرب "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (مت 11: 25).

نعم، إن المتواضعين هم الذين ينالون حكمة من فوق لأنهم يطلبونها. أما المتكبرون فتخفى عنهم الحكمة الإلهية، لأنهم مكتفون بحكمتهم البشرية. وهكذا رفض الله حكمة هذا العالم المغرور بحكمته (1 كو 1: 20). وأصبحت كثير من فلسفات العالم تقود إلى الشك والبلبلة.

عَلاقة التواضع بالصّلاة

حاجته إلى الصّلاة:

الإنسان المتواضع هو إنسان شاعر بضعفه وبإحتياجه إلى قوة تسنده، لذلك فهو دائماً يصلى، طالباً هذه القوة.

إنه يتذكر دائماً قول الرب "بدونى لا تقدرون أن تعملوا شيئاً" (يو 15: 5). لذلك فهو دائماً يتطلع إلى الله، ويقول له: أنت معينى يارب، منك استمد المشورة والقوة التى بها أعمل عملاً. بل منك استمد حتى مجرد الرغبة فى عمل الخير. أليس الرسول يقول "الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا لأجل المسرّة" (فى 2: 13). إذن إعمل فىّ يارب لكى أريد...

وأحياناً يارب أريد "الإرادة حاضرة عندى. ولكن أن أفعل الحسنى، فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده. بل الشر الذى لست أريده، إياه أفعل!" (رو 7: 19، 18).

حياتى الروحية هى بين يديك: أنت تعطينى الرغبة، وتعطينى القوة للعمل.

وأنت أيضاً تعطينى الاستمرارية فى عمل ما يرضيك، وعدم النكسة فى الرجوع إلى الوراء، أو فى الفتور...

+ + +.

أما المتكبر، فهو واثق بنفسه وبقدرته، لذلك فهو لا يطلب. إنه نادراً ما يصلى، لأنه لا يشعر بالاحتياج إلى الصلاة!! إنه يعتمد على ذراعه البشرى وليس على ذراع الله! حتى إن كان خادماً فى الكنيسة، يندر أن يصلى لأجل ذلك لأنه "حكيم فى عينى نفسه". يعرف جيداً ما سوف يقول، ويفهم ما يريد أن يقوله. ناسياً قول الكتاب "توكل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد" "لا تكن حكيماً فى عينى نفسك" (أم 3: 7، 5).

المتكبر يشعر بقوته الذاتية، فلا يصلى طالباً قوة. تكفيه قوته!

لهذا كتبت مرة فى مذكرتى الخاصة هذه العبارة:

قال الشيطان لله: أترك لى الأقوياء، فإنى كفيل بهم. أما الضعفاء فإذ يشعرون بضعفهم، يطلبون القوة منك، فتعطيهم، فلا أقدر عليهم ".

نعم المتواضع الشاعر بضعفه، إنما يحارب العدو بقوة الله التى يحصل عليها بالصلاة وبها ينتصر. فيسبح الله ويقول "قوتى وتسبحتى هو الرب، وقد صار لى خلاصاً" (مز 118: 14).

طريقة الصّلاة:

المتواضع أيضاً يتميز بالخشوع فى صلاته.. إنه يشعر بضآلته، وهو يكلم ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ 19: 16) خالق السموات والأرض.

وهكذا يقول له: من أنا يا رب حتى أتحدث إليك؟! ومن أنا حتى تميل بإذنك وتسمعنى؟! إن كان ابراهيم أبو الآباء والانبياء – حينما تحدث إليك – قال "عزمت أن أكلم المولى، وأنا تراب ورماد" (تك 18: 27)، فماذا أقول أنا؟! أنا الذى لست شيئاً...

من أنا حتى أكلمك، أنت الذى يقف أمامك الملائكة ورؤساء الملائكة، الشاروبيم والسارافيم "ألوف ألوف وقوف قدامك، وربوات ربوات يقدمون لك الخدمة". كيف أحشر نفسى وسط طغمات القديسين وأتحدث إليك؟!

+ + +.

المتواضع يبدأ صلاته بالسجود والركوع، وبتمجيد الله.

وإن وقف يصلى، يرفع يديه إلى فوق، ويحفظ حواسه جيداً حتى لا تنشغل بشئ أثناء صلاته، مما يتعارض مع مهابته لله.

إن سفر الرؤيا يرينا صورة عجيبة من المهابة والخشوع. فيها يخرّ الأربعة والعشرون قسيساً قدام الجالس على العرش، ويسجدون للحىّ إلى أبد الآبدين. ويطرحون أكاليلهم قائلين: أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة.. "(رؤ 4: 11، 10).

فإن كان أولئك السماويون لابسو الأكاليل التى من ذهب يفعلون هكذا فى خشوعهم أمام الله، فكم خشوع يجب علينا نحن الأرضيين؟!

+ + +.

حقا، إنه تنازل من الله أن يقبلنا مصلين، وأن ينصت إلينا ونحن نصلى. لذلك فالمتواضع يقول فى صلاته: "لتدخل طلبتى إلى حضرتك" (مز119)...

مجرد دخول صلواتنا إلى حضرة الله، أمر لا نستحقه. ففى اتضاع قلب، نطلب من الله أن يقبل صلواتنا، وأن يسمعنا.. لأنه ليست كل الصلوات مقبولة. كصلاة الفريسى التى كانت بكبرياء قلب، وكصلوات أولئك الذين قال لهم الرب فى سفر أشعياء النبى "حين تبسطون أيديكم، أستر وجهى عنكم. وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دماً" (أش 1: 15).

عَدم الإستحقاق:

والإنسان المتواضع، يذكر فى صلاته أنه غير مستحق، معترفاً بخطاياه. كما فى صلاة الاستعداد التى يصليها الأب الكاهن قبل القداس:

ويقول فيها: أيها الرب العارف قلب كل أحد، القدوس المستريح فى قديسيه. الذى بلا خطية وحده، القادر على مغفرة الخطايا.. أنت يارب تعلم أنى غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب. وليس لى وجه أن أقترب وافتح فاى أمام مجدك الأقدس.

ثم يقول "بل ككثرة رأفاتك اغفر لى أنا الخاطئ. وامنحنى أن اجد نعمة فى هذه الساعة. وارسل لى قوة من العلاء، لكى ابتدئ وأهيئ وأكمل خدمتك المقدسة كما يرضيك". ثم يقول أيضاً "أنت دعوتنا نحن عبيدك الأزلاء غير المتسحقين لنكون خداماً لمذبحك المقدس.. أعطِ يارب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا عن خطاياى وجهالات شعبك..".

إنها صلاة كلها اتضاع. ليتنا نتأمل معها تواضع القديسين فى صلواتهم.

هذا موضوع طويل، لست أرى هذا المقال يتسع له. بل ليتنا أيضاً نتأمل التواضع فى باقى صلوات القداس الإلهى، وفى صلوات الأجبية... لنرى ليس فقط العلاقة بين التواضع والصلاة، بل بالحرى التواضع فى الصلاة...

التواضع فى الطلب:

إذا وصل الإنسان إلى التواضع فى عمقه، لا يجد شيئاً يطلبه...

يقول للرب: ماذا أطلب، وأنت "لم تدعنى معوزاً شيئاً من أعمال كرامتك". "أنت يارب ترعانى، فلا يعوزنى شئ.." (مز 23: 1). كل ما قد أعطيتنى حتى الآن هو كثير علىّ. اعطيتنى فوق ما أطلب، وفوق ما استحق، بحيث أشعر بفيض منك، لا ينقصه شئ يزاد عليه.

+ + +.

ثم أننى يارب لا أعرف ما هو الصالح لى لأطلبه..

أنت الذى تعرف ما أحتاج أنا إليه. تعرف ما ينفعنى إليه، وتعطينى إياه دون أن أطلب. جرأة منى أن أذكّرك بما يحسن فى عينيك أن تعمله لأجلى، حسب وفرة حنان أبوتك. كل ما أطلبه هو أن تغفر لى خطاياى، كذلك أطلب ملكوتك فى حياتى، كما سبق أن علمتنا "لا تهتموا بما للغد" "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم" (مت 6: 33، 34).

+ + +.

كذلك أنا يارب فى خجل أن أطلب، على الرغم مما أقترفته من خطايا!

استحى من الطلب، وقد خالفت الكثير من وصاياك، وقصرّت فى واجباتى من نحوك ولم تعد لى دالة أطلب بها شيئاً. الخجل يغطى وجهى، وتذكّر خطاياى يعقد لسانى عن الطلب. أنت تعرف يا رب كل شئ.

+ + +.

وأيضاً كيف أطلب شيئاً جديداً، وأنا لم أشكر على عطاياك السابقة؟!

أقول "باركى يا نفسى الرب، وكل ما فى باطنى ليبارك أسمه القدوس. باركى يا نفسى الرب، ولا تنسى كل احساناته" (مز 103: 2، 1). أنت يارب قد أعطيتنى الكثير والكثير، ولم أشكر بعد على كل ما غرقتنى به من كرمك. فليتنى أحيا حياة الشكر لا الطلب. أقول مع المرتل فى المزمور: "بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطانيه؟! كأس الخلاص آخذ، وباسم الرب أدعو.. قدام كل شعبه" (مز116).

+ + +.

إن وضعنا أمامنا كل هذا، يستحيل على المتواضع أن يطلب العظائم!

إن كان ما معه كثيراً عليه، فكيف يُعقل أن يطلب عظائم الأمور؟! لهذا فإن المتواضع لا يطلب المواهب العالية. لا يطلب أن يصنع القوات والعجائب، ولا ان يتكلم بألسنة (1 كو12). يقول لنفسه: إن كنت لم أسلك فى المستوى الطبيعى العادى الذى يليق بأولاد الله، فكيف أطلب من الله ما هو فوق الطبيعة؟! وهل أنا أستطيع أن أحتمل تلك المواهب، أم تقودنى إلى الكبرياء والمجد الباطل، إن حدث ونلت شيئاً منها..!

لذلك فالمتواضع "لا يرتئى فوق ما ينبغى أن يرتئى" (رو 12: 3). ولا يطلب نصيباً من الإيمان غير ما قسمه الرب له... لا شك أن الشخص الذى فى صلاته يطلب العظائم والمواهب الفائقة، هذا يوجد فى قلبه شئ من حب العظمة، شعر بذلك أو لم يشعر!

يطلب الصلاة لأجله:

المتواضع أيضاً – إذ يشعر بضعف صلواته، وقلة دالته عند الله – فهو لا يكف عن طلب صلوات الناس من أجله، وشفاعة القديسين..

إن القديس بولس العظيم، كان يقول "صلو لأجلنا" (1 تس 5: 25) (عب 13: 18). بل حتى فى خدمته ومن جهة عظاته، نراه يقول فى رسالته إلى أهل أفسس "مصلين بكل صلاة وطلبة، كل وقت فى الروح.. لأجل جميع القديسين ولأجلى، لكى يُعطى لى كلام عند افتتاح فمى، لأعلم جهراً بسرّ الإنجيل" (أف 6: 19، 18). فإن كان القديس بولس الذى اختطف إلى السماء الثالثة (2 كو 12: 4).. يطلب فى تواضعه الصلاة من أجله، فماذا نفعل نحن الضعفاء؟! ألسنا نسند ضعفنا بطلب الصلاة لأجلنا، من أخوتنا الأحياء معنا على الأرض، ومن الذين انتقلوا.. بغير غرور أن صلوتنا فيها الكفاية!

+ + +.

نقطة أخيرة أقولها فى خجل: إن المتكبر قد يدّعى أنه ليس لديه وقت للصلاة!

كما لو كان غير محتاج إلى الصلاة! أو أنه فى صلاته يعطى وقتاً لله!! أما المتواضع فيصلى لأنه محتاج إلى الله فى كل شئ، وفى كل وقت. ويرى الصلاة عوناً له، وأيضاً بركة له، إذ يتكلم مع الله، ويقف فى حضرته...

التواضع واحترام الآخرين

الإنسان المتواضع يحترم غيره، كبيراً كان أم صغيراً. أما المتكبر فإنه يتعالى على من هو أصغر منه، لا يحترم الكبار سواء فى الكلام أو التصرف.

مثال المسيح:

إن ربنا يسوع المسيح، رب المجد، فى كل عظمته وفى لاهوته غير المحدود، يقدم لنا مثالاً فى ذهابه ليعتمد من يوحنا. ولما قال له يوحنا "أنا المحتاج أن أعتمد منك"، نراه يجيبه بعبارة كلها اتضاع "اسمح الآن" (مت 3: 15، 14).

ما أعجب هذا السيد، يقول لأحد عبيده: اسمح الآن!!

+ + +.

وفى احترام الآخرين، نراه خاضعاَ للناموس فى كل شئ: عندما شفى الرجل الأبرص، قال له: "إذهب أرِ نفسك للكاهن، وقدم القربان الذى أمر به موسى شهادة لهم" (مت 8: 4). عجيب أن رئيس الكهنة الأعظم يقول له "اذهب أر نفسك للكاهن"!! إنه يعطى لكل ذى حق حقه.. كذلك عندما دعا شاول الطرسوسى، أرسله إلى حنانيا (أع9). ولما قبل إليه كرنيليوس الأممى، أرسله إلى بطرس الرسول.

+ + +.

بل الأعجب من هذا كله، أنه حينما جاء يهوذا الخائن ليسلّمه بقبلة، قال له "يا صاحب لماذا جئت؟" (مت 26: 50).

يقول للخائن "يا صاحب"، لأنه لا يريد أن يخدش شعوره!!

نفس الوضع فى تعامله مع المرأة السامرية: لم يوبخها على خطاياها، ولم يحدثها عن التوبة والندم، بل كلمها إيجابيا عن الماء الحى، وعن السجود لله بالروح والحق. ولما بدأ يمس حياتها الخاصة، قال لها "كان لك خمسة أزواج" (يو 4: 18). وفى الواقع لم يكونوا أزواجاً لها، ولكنه تحاشى الوصف الجارح لعلاقتها بهم، حرصاً على شعورها. وحتى هذه العبارة بدأها بقوله لها "حسناً قلت" وختمها بقوله "هذا قلتِ بالصدق..".

بنفس هذا الأسلوب الرقيق، لم يخدش شعور المرأة "المضبوطة فى ذات الفعل" بل أنقذها من الذين يطلبون رجمها ولما مشوا، قال لها "ولا أنا أدينك. اذهبى ولا تخطئى أيضاً" (يو 8: 2 - 11).

+ + +.

وفى احترامه للأمومة، كان خاضعاً لأمه مريم وليوسف (لو 2: 51).

ولما طلبت منه إجراء معجزة فى عرس قانا الجليل – مع أن ساعته لم تكن قد أتت بعد – (يو 2: 4)، استجاب لطلبتها، ونفذ لها ما أرادت.

وفى احترامه لتلاميذه، ولو أنى لا أريد لاهوتياً أن استخدم هنا كلمة احترام، ولكن عذرى أن اللغة عاجزة عن التعبير، نراه يقول لهم:

"لا أعود أسميكم عبيداً.. لكنى قد سميتكم أحباء" (يو 15: 15).

بل أكثر من هذا سمّاهم أخوة له. وقال للمجدلية بعد القيامة "اذهبى إلى أخوتى وقولى لهم.." (يو 20: 17). إنه لم يستحِ أن يدعوهم أخوة (عب 2: 11) بل أكثر من هذا أيضاً، قال عنهم للآب "المجد الذى أعطيتنى، قد أعطيتهم" (يو 17: 22). وأعطاهم احتراماً فى نظر الناس بالمواهب التى منحهم إياها..

إحترام الكبَار:

الإنسان المتواضع يتكلم عن كل شخصية باحترام، ويتصف باللطف فى حديثه مع كل أحد، وبخاصة مع كبار السن. كما يقول القديس بولس الرسول لتيموثاوس الأسقف:

لا تنتهر شيخاً، بل عظه كأب، والأحداث كأخوة، العجائز كأمهات "(1 تى 5: 1).

مع أن القديس تيموثاوس كان أسقفاً، وكل هؤلاء يعتبرون أبناء له من جهة كهنوتية، ولكنه يجب أن يعاملهم باحترام معين كآباء وأمهات وأخوة. والقديس بولس الرسول نفسه اتبع نفس هذا الأسلوب، فقال فى رسالته إلى رومية "سلموا على روفس المختار فى الرب، وعلى أمه أمى" (رو 16: 13).

ليس فقط فى احترام كبار السن، كآباء وأمهات، بل حتى فى التعامل مع الصغار "الأحداث كأخوة، والحدثات كأخوات (1 تى 5: 1).

+ + +.

واحترام الشيوخ والآباء، نجده واضحاً جداً فى "بستان الرهبان".

وكذلك فى جميع سير القديسين: فالقديس بولس البسيط حينما كان يتكلم عن معلمه الأنبا أنطونيوس، كان يقول "أبى القديس الأنبا أنطونيوس". ولما أحضروا إليه شخصاً عليه شيطان ليخرجه منه، قال للشيطان: "أبى القديس الأنبا أنطونيوس يقول لك أخرج منه. بصلاة أبى القديس أخرج منه". تعبير جميل..

+ + +.

يذكرنا هذا بقصة عن القديس يوحنا القصير حينما أرسله أبوه الروحى القديس الأنبا بموا ليحضر له ضبعة من مكان معين. فذهب إلى هناك ولم يخف. ولما رأى الضبعة، جرى وراءها، وقال لها: أبى القديس الأنبا بموا يقول لكِ تعالى...

وما أكثر ما كان أحد الرهبان يقع فى ضيقة، فيقول للرب "بصلاة أبى، يارب نجنى".. حقاً إن الاستشفاع بالقديسين فيه لون من الاتضاع..

+ + +.

إن أول وصية فى العلاقات البشرية هى: أكرم أباك وأمك (خر 20: 12).

سواء الروحيين منهم أو الجسديين. ومن مظاهر هذا الإكرام، الاحترام.

قال القديس الأنبا بيجيمى السائح: فى بدء رهبنتى، قضيت سنوات مع آباء شيوخ أبرار، لم أرفع عينىّ لأرى وجه واحد منهم.

كان الرهبان عندهم هذا اللون من الحياء، الذى يدل على أدب فى التعامل فما كان أحدهم يملأ عينيه من وجه إنسان، كما ينصح الشيخ الروحانى.

+ + +.

ومن احترام الكبار، ذلك المبدأ الرهبانى الذى يقول:

إذا جلست وسط الشيوخ فكن صامتاً. وإن سألوك عن شئ، فقل لا أعرف..

يقصد: لا أعرف المعرفة التى استطيع أن أتكلم بها أمام الكبار. فإن جلسنا مع الكبار فإنما لكى نتعلم، وليس أن نتكلم.

ونرى أمثولة لهذا الأمر: اليهو فى قصة أيوب الصديق:

أصحاب أيوب الصديق تبادلوا الكلام معه فى 28 إصحاحاً من سفر أيوب. وكان معهم رابع هو أليهو، ظل صامتاً طول ذلك الوقت كله. ولما حانت الفرصة له أن يتكلم، قال:

"أنا صغير فى الأيام، وأنتم شيوخ. لأجل ذلك خفت وخشيت أن أبدى لكم رأيى. قلت الأيام تتكلم، وكثرة السنين تظهر حكمة" (أى 32: 7، 6).

حقاً، كان الصغير لا يتكلم فى حضرة الكبار، إنما ينصت ويتعلم، يأخذ من الكبار خبرة الأيام، وحكمة التجارب التى مرت عليهم.. ويحترم سنهم..

+ + +.

وكان هذا الأمر فى الرتب الكهنوتية: فى وجود أحد الآباء الأساقفة، لا يستطيع كاهن أو شماس أن يلبس التونية لخدمة المذبح، إن لم يقدمها للأب الأسقف ليرشمها له.. وإن احتاج أسقف إلى تحليل، وقال لأحد الآباء القسوس "حاللنى"، يرد عليه قائلاً "من فمك الحِلّ يا سيدنا"..

من احترام الكهنوت الذى تعلمه لنا الكنيسة، أن نقول للأب الكاهن يا أبانا، ونقول للأب الأسقف يا سيدنا. ونقبل يد كل منهما. وقديماً، وفى الريف، كان الشخص يقبل يد أبيه، ويد أمه، ويد جده، ويطلب بركتهم. إنه لون من احترام الكبار.

+ + +.

فى الاتضاع، يوجد احترام الأبوة، واحترام الكبار، واحترام الكهنوت.

يقول الكتاب "الخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام" (رو 13: 7). إن داود النبى كان يحترم شاول الملك احتراماً فائقاً، على الرغم من أن شاول قد فارقه روح الرب، وبغته روح ردئ من قبل الرب "(1 صم 16: 4). وكان داود يقول" حاشا لى أن أمد يدى إلى مسيح الرب. إنه مسيح الرب هو "(1 صم 24: 6). وكان يخاطبه بعبارة أبى، وسيدى (1 صم 24: 11، 10).

والقوانين الكنسية تقول: إن كان من يقول لأخيه يا أحمق يستحق نار جهنم (مت 5: 22) فكم بالأكثر من يقول كلمة سوء على أسقفه، الذى بوضع يده ينال الروح القدس.

ويعطينا الكتاب المقدس مثالاً عن احترام (مسيح الرب):

* وفى احترام الكبار نذكر احترام الممسوحين من الرب كما فعلت أبيجايل.

كان داود قد قرر قتل زوجها نابال الكرملى بسبب بخله وتعييره لداود. فأخذت أبيجايل هدية من الأطعمة التى كان يحتاجها داود ورجاله وحملتها إليه "ولما رات ابيجايل داود، أسرعت ونزلت عن الحمار، وسقطت أمام داود على وجهها، وسجدت إلى الأرض. وخاطبت داود بعبارة سيدى، وعن نفسها بكلمة أمتك. وقدمت له الهدية قائلة له" والآن هذه البركة التى أتت بها جاريتك إلى سيدى، فلتعط للغلمان السائرين وراء سيدى "(1 صم 25: 23 - 27).

ولما كانت فى موقف تشعره فيه بخطأ إتيانه للدماء وانتقام يده لنفسه، مزجت ذلك بالمديح والاحترام اللائقين، وقالت له: "إن سيدى يحارب حروب الرب، ولم يوجد فيك شرّ كل أيامك.. ويكون عندما يصنع الرب لسيدى حسب كل ما تكلم به من الخير من أجلك، ويقيمك رئيساً على إسرائيل، أنه لا تكون لك هذه مصدمة ومعثرة قلب لسيدى، أنك قد سفكت دماً عفواً، أو أن سيدى قد انتقم لنفسه. وإذا أحسن الرب إلى سيدى، فاذكر أمتك" (1 صم 25: 28 - 31).

وأحدث هذا الحديث المتضع أثره فى نفس داود، وأزال غضبه، فقال لها "مبارك عقلك ومباركة أنتِ، ولأنك منعتنى اليوم عن إتيان الدماء، وانتقام يدى لنفسى" وصرفها بسلام.

+ + +.

ويظهر احترامنا للكبار أيضاً فى حديثنا عن الرسل والقديسين.

فلا نقول: كما يقول بولس أو بطرس أو أثناسيوس. إنما نقول القديس بولس الرسول، والقديس بطرس الرسول، والقديس أثناسيوس الرسولى.

بل قد يتطاول البعض، ويتحدث عن الرب "يسوع" باسمه المجرد!! بينما نحن فى قراءة الانجيل نقول "ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كلنا، ربنا يسوع المسيح الذى له المجد الدائم إلى الأبد آمين".

ونقول القديسين مارجرجس، ومارمينا. وكلمة (مار) معناها سيد. نقول سيدى الملك جوارجيوس. وسيدتنا وملكتنا كلنا العذراء الطاهرة مريم...

+ + +.

ليتنا نتعود الاحترام فى حديثنا عن الآباء القديسين، متذكرين قول الرب "من يكرمكم يكرمنى". ولا نتعود نطق اسمائهم مجردة، كما يفعل علماء الغرب فى حديثهم عن الآباء، فيقولون جهاد أثناسيوس، وتأملات أوغسطينوس، ورسائل أنطونيوس، وحرومات كيرلس.. كل ذلك بدون ألقاب!!

+ + +.

* ومن جهة احترام الكبار، احترام الأنبياء:

* إن أليشع النبى كان يحترم معلمه إيليا النبى. ولما رآه صاعداً فى مركبة نارية إلى السماء، قال "يا أبى، يا مركبة إسرائيل وفرسانها" (2 مل 2: 12).

* نذكر حديث قائد الخمسين الثالث مع إيليا النبى، بعد أن أمر إيليا، فنزلت نار من السماء وأكلت قائد الخمسين الأول وقائد الخمسين الثانى، لأنهما تكلما مع النبى العظيم بكبرياء، بعبارة: يا رجل الله، الملك يقول لك انزل (2 مل 1: 11، 9).

* أما رئيس الخمسين الثالث، فإنه – فى تواضع – صعد إلى حيث كان إيليا، "وجثا على ركبتيه أمام إيليا، وتضرع إليه وقال له: يا رجل الله، لتكرم نفسى وأنفس عبيدك هؤلاء الخمسين فى عينيك. هوذا قد نزلت نار من السماء وأكلت رئيسى الخمسينين الأولين وخمسينيهما. والأن لتكرم نفسى فى عينيك" (2 مل 5: 14، 13).

وأمر ملاك الرب إيليا أن ينزل معه. ولم يمت رئيس الخمسين الثالث لأتضاعه.

والشخص المتواضع كما يحترم الله وقديسيه، يحترم كل ما يتعلق بالله.

يحترم بيت الله، وهيكل الله، ومذبح الله. فيدخل بيت الله فى مخافة. ويقول للرب كما فى المزمور "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك، واسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" (مز5). ويحترك الكتاب المقدس ويقبله، ولا يضع شيئاً فوقه فى مكتبه. ويحترم اسم الله ولا ينطق به باطلاً (خر 20: 7). ويحترم رجال الله وخدامه.

+ + +.

إننا نحترم الرهبان وندعوهم آباء، حتى ولو لم يكونوا كهنة.

ونحترم الراهبات وندعوهن أمهات. نلتمس بركة هؤلاء وأولئك. ونحترم مواضعهم المقدسة وأديرتهم. ونحترم رفاتهم ونضمخها بالأطياب.

ومن احترامنا لهم، نذكرهم فى الذكصولجيات والألحان، ونطلب صلواتهم وشفاعتهم فينا. ونقيم لهم التذكارات والأعياد.

+ + +.

والمتواضع يتطور من احترام الآباء والقديسين إلى احترام كل الكبار.

فيحترم التلميذ مدرسه استاذه، يحترم الموظف رئيسه، ويحترم الجميع قوانين الدولة وانظمتها. يذكرون قول الكتاب "اخضعوا لكل ترتيب بشرى من أجل الرب" (1 بط 2: 13). "اكرموا الجميع.. اكرموا الملك" (1 بط 2: 17). "أيها الأحداث اخضعوا للشيوخ" (1 بط 5: 5).

+ + +.

* ومن جهة احترام السادة:

نذكر قول الملاك لهاجر وهى هاربة من سيدتها "يا هاجر جارية ساراى، ارجعى إلى مولاتك، واخضعى تحت يديها" (تك 16: 9، 8).

إحترام الأبوة والأمومة

* أول احترام نقدمه هو احترام الأبوة والأمومة بكل تفاصيلها...

* والأبوة تشمل أبوة الله لنا، وأيضاً أبوة البشر لنا بما فى ذلك الأبوة الجسدية والروحية، ومن هم فى مركز الأب. وكذلك أبوة السن.

إحترام أبوة الله:

الله – تبارك اسمه – ندعوه "أبانا الذى فى السموات" فى كل صلواتنا اليومية (مت 6: 9). وفى العهد القديم وقال له اشعياء النبى "أنت يارب أبونا.." (أش 64: 8). واحترامنا له هو لون من الخشوع أمام عزته الإلهية. وهو – بالنسبة إلينا – لا يدخل فى باب التواضع، بل فى مجال العبادة. ويعتبر التواضع هو من جانب الله الذى يقبل صلواتنا، والذى تواضعه شرّفنا بأن ندعى أبناء له (1 يو 3: 1).

+ + +.

* واحترامنا لله يدعونا إلى احترام كتابه المقدس.

هذا الذى قبل قراءته فى الكنيسة، يقول الأب الكاهن للرب "أجعلنا مستحقين أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة بطلبات قديسيك". ويصيح الشماس "قفوا بخوف من الله لسماع الإنجيل المقدس"...

* واحترامنا للكتاب المقدس يدعونا إلى الإيمان به كله، مع العمل به.

لا نكون مثل الذين يقبلون أسفاراً من الكتاب ويرفضون أسفاراً أخرى... أو الذين يقيمون أنفسهم رقباء على الكتاب لا يطيعون منه إلا ما يوافق هواهم! ولا يقابلون كلمات الرسل بنفس الاحترام اللائق بمن ينطق الروح على ألسنتهم!

فى أحدى المرات زارنى فى الدير أحد رؤساء الكنائس الكبرى. وفى حوارنا معاً حول مشكلة قبول كهنوت المرأة، سردت عليه آيات من رسائل القديس بولس الرسول. فقال لى "ولكن هذا ما يقوله بولس".. فقلت له وهل ما يقوله القديس بولس موحى به من الله أم لا؟ فصمت لحظة ثم قال "نعم موحى به". فقلت إذن لماذا لا نقبله؟ لأن؟ كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم.. "(2 تى 3: 16).

واحترام الكتاب المقدس يعنى أيضاً عدم ترجمته ترجمة محرفة.

كما يفعل شهود يهوه لكى يثبتوا ما ينادون به من عقائد لا تقبلها الغالبية العظمى من المسيحين..! أو تفسير الكتاب حسب الهوى الخاص وضد الحق الإلهى.

فى كل هذه الأمثلة يختفى الكتاب ويختفى الوحى، وتظهر الذات البشرية.

+ + +.

* واحترامنا لله يدعونا أن نطيع وصاياه، وأن نعيش فى مخافة الله.

نهابه هذا الذى يقف أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة فى هيبة ووقار.

نهاب أيضاً هيكله المقدس، فلا ندخله بأحذيتنا حسب وصية الله لعبده موسى (خر 3: 5). بل نسجد أمام هذا الهيكل، ونقبل المذبح المقدس فى خشوع وتوقير. كذك نصلى إلى الله فى مهابة، ولا نفعل كالذين يصلون على موائدهم وهم جلوس!

إحترام الأبوة الجسدية:

* احترام الأبوة الجسدية (والأمومة ايضاً) تشمل وصية الرب القائلة "أكرم أباك وأمك" (خر 20: 12)، وتشمل الخضوع لتعليم الآباء وتأديبهم (عب 12: 8، 7). أنظروا كيف كان أبونا اسحق خاضعاً لأبيه، وقد وضعه على المذبح وربطه ووضعه على المذبح لكى يقدمه محرقة للرب (تك22).. واحترام الأبوة الجسدية يشمل أيضاً كل الأقارب الذين هم فى مركز الأب أيضاً، كالعم والخال والجد...

وتشمل أيضاً احترام الكبار فى السن الذين هم فى مستوى الأب كقول الكتاب: "أمام الأشيب تقوم، وتحترم وجه الشيخ" (لا 19: 33).

إحترام الأبوة الروحيَة:

* أما الأبوة الروحية فتشمل احترام رجال الكهنوت المرشدين الروحيين.

نحترم الكهنة فى الكنيسة والآباء والآساقفة والمطارنة لأنهم آباء فى الكنيسة، ولأجل كهنوتهم. ولأنهم وكلاء الله (تى 1: 7) ووكلاء سرائر الله (1 كو 1: 4) ولأجل مركزهم، كما ورد فى سفر ملاخى أن الكاهن رسول رب الجنود، ومن فمه يطلبون الشريعة، ونحترمهم أيضاً لأجل سنهم، وخدمتهم للأسرار الإلهية، وأئتمان الرب لهم على خدمة التعليم (1 تى 5: 17). وكما يقول الكتاب "أطيعوا مرشديكم واخضعوا، لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حساباً.." (عب 13: 17).

إن احترام رجال الكهنوت يدخل ضمن احترام الرب نفسه، لأنهم رجال الله، وهم سفراؤه ووكلاؤه. وعنهم قال "من يكرمكم يكرمنى".

+ + +.

أما عدم احترام الكهنوت والتطاول على كل رتبة، فيدل على كبرياء فى القلب، وعلى أن من ينتقد هؤلاء، إنما "يرتئى فوق ما ينبغى أن يرتئى" (رو 12: 3). فقد يحدث أن فتى صغيراً، أو خادماً مبتدئاً، قد قرأ كتاباً أو كتابين، وربما لم يستطع أن يضمن مفهومها كما ينبغى، يبدأ فى انتقاد بعض الآباء الكهنة، أو الآباء الأساقفة، كأنه يفهم ما لا يفهمون. ويقول هذا خطأ وهذا لا يجوز!! وليس فى فكره فقط يسرى هذا المفهوم، بل يشهر بهم علناً أمام الناس!!

+ + +.

* يظهر احترام الكهنوت أيضاً بعضهم لبعض.

كل رتبة تحترم الرتب التى تعلوها، أو التى هى أكبر منها سناً، أو أقدم منها فى السيامة. وسنضرب مثلاً لاحترام أحد الآباء الآساقفة للبابا البطريرك.

حدث فى أيام محمد على الكبير حاكم مصر، أنه كان على ابنته (زهرة) شيطان يصرعها ويتعبها. ونصحه البعض أن يحولها على البابا البطريرك (وكان وقتذاك الأنبا بطرس الجاولى|) لكى يصلى عليها ويشفيها. فلما أوصلوها إليه، قال فى اتضاع ليست لى هذه الموهبة. وطلب من الأنبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية أن يصلى لها إذ له هذه الموهبة. وحاول القديس الأنبا صرابامون أن يعتفى من هذا الأمر فلم يستطع. فقال لقداسة البطريرك "اعطنى صليبك يا سيدنا لكى أرشمها به وأنا أصلى، لكى تشفى".. فعل ذلك حتى فى شفائها ينسب ذلك إلى صليب البابا، وليس إلى صلاته هو.. ما أعجب ذلك الاتضاع!

+ + +.

* واحترام الكهنوت يعنى أيضاً احترام المجامع المقدسة، وما أصدرته من قرارات.

تلك المجامع – المسكونية والأقليمية المكانية التى كان يجتمع فيها مجموعة من الآباء الآساقفة، ويصدرون قوانين تلتزم بها الكنيسة الجامعة. وبتلك القوانين أمكن تنظيم الكنيسة من الداخل. بل أمكن أيضاً وضع قواعد الإيمان السليم، وإرساء التقاليد الثابتة التى سارت عليها الكنيسة من جيل إلى جيل..

إحترام الأمومة:

* أما عن احترام الأمومة فتشمل الأم بالجسد، والقديسة العذراء، والكنيسة.

يحترم الإنسان أمه التى ولدته وأرضعته وربته، وكانت أشبينته فى المعمودية.

* ويحترم القديسة العذراء مريم، فهى أمنا وملكتنا كلنا.

هذه التى استقبلتها القديسة اليصابات (الأكبر سنا)، بكل اتضاع وتوقير، قائلة "من أين لى هذا أن تأتى أم ربى إلىّ" (لو 1: 43). وهى التى كانت أماً روحية للرسل. وعنها قال الرب وهو على الصليب لتلميذه القديس يوحنا الرسول "هذه أمك" (يو 19: 27). هذه التى جميع الأجيال تطوبها (لو 1: 48). وهى التى تطوبها الكنيسة قائلة لها فى تسابيحها "علوت يا مريم فوق الشاروبيم، وسموت يا مريم فوق السارافيم".

+ + +.

* وفى احترام الأمومة، نحترم الكنيسة التى ولدتنا فى جرن المعمودية.

ولدتنا فى الإيمان وفى التعليم والتوبة، وفى الأسرار المقدسة. التى لولاها ما كنا مسيحيين. وإنما صرنا هكذا بكرازتها وجهادها.

إننا نحترم الكنيسة ونحترم عقيدتها وإيمانها، ونحترم مجامعها وآباؤها، وقديسيها وتعاليمهم، ونحترم تاريخها وطقوسها. ونقف بكل اتضاع أمام تقاليدها، وندافع عنها، ونفخر بالانتساب إليها. ونذكر جهاد الكنيسة حتى حفظت لنا الإيمان سليماً، وقدّمت فى سبيل ذلك آلافاً من الشهداء..

+ + +.

ونقف بكل اتضاع أمام تعليم آبائنا.

نعتبرهم مراجع لنا فى الإيمان وفى التفسير، وفى التأملات الروحية. ولانعتبر كتاباتهم مجرد آراء كما تفعل بعض الطوائف.

وفى احترامنا لآباء الكنيسة نحترم أبطال الإيمان معلمى البيعة، ونحترم الشهداء الذين سفكوا دماءهم لأجل الإيمان، ونحترم الرعاة وآباء البرية. ونتشفع بكل هؤلاء فى قداساتنا وصلواتنا، ونقيم لهم الأعياد، ونضع الشموع أمام أيقوناتهم لآبائها.

* وفى احترام الزوج، نذكر أن سارة كانت تدعو زوجها ابراهيم: سيدى (تك 18: 12). كذلك قول الكتاب "أيها النساء أخضعن لرجالكن كما للرب. لأن الرجل هو رأس المرأة، كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة" (أف 5: 23، 22).

إحترام الصغار:

إن احترام الكبار واجب، تدرب الكثيرون عليه.

أما احترام الكبير للصغير، فهو تواضع من الكبير، ونبل منه.

إن الله – تبارك اسمه – هو المثل الأعلى فى التواضع، وقدوتنا فى كل تصرف. وفى هذه النقطة بالذات، لا نقول إنه يحترم عبيده، ومخلوقاته.. فربما هذا التعبير غير مقبول لاهوتيا. وإنما نقول: إنه فى معاملته لهم، يحتفظ لهم بكرامتهم، ويرفع من قدرهم، ويعطيهم احتراماً فى نظر الآخرين. ولا "يدعوهم عبيداً بل أصدقاء" (يو 15: 15).

ولا يتخطى وكلاءه كما قال للأبرص بعد أن شفاه "اذهب أرِ نفسك للكاهن" (مت 8: 4).

+ + +.

وعجيب أن الله – فى بعض الأحيان – يعرض قراراته على بعض عبيده أو وكلائه قبل تنفيذها. ويأخذ رأيهم وينفذه!

* مثال ذلك قبل أن يحرق سادوم، قال "هل أخفى عن عبدى ابراهيم ما أنا فاعله؟!" (تك 18: 17). وعرض الأمر عليه. ورضى أن يقول له ابراهيم: أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً؟! أتهلك البار مع الأثيم؟ فيكون البار كالأثيم! حاشا "(تك 18: 25). وفى اتضاع شديد، يدخل الرب فى حوار مع ابراهيم، ويقبل فكره نقطة نقطة، إلى أن يصل إلى المستوى الذى إن وُجد فيه عشرة أبرار فى المدينة، لا يهلك المدينة من أجل العشرة (تك 18: 32).

* مثال آخر إنه لما عبد بنو اسرائيل العجل الذهبى، وأراد الرب افناءهم، نراه يكلّم موسى أولاً، ويقول له "اتركنى لأفنى هذا الشعب.." (خر 32: 10). كما لو كان موسى ممسكاً به. فلا يفعل، إن لم يتركه موسى يفعل!!

ورفض موسى أن يترك الرب يفنى الشعب، وشرح وجهة نظره. وقال له فى جرأة أو فى دالة "إرجع يارب عن حمو غضبك، واندم على الشر" (خر 32: 12). والعجيب هنا فى تواضع الرب أنه استجاب لموسى فيما طلبه. وهكذا يقول الكتاب "فرجع الرب عن حمو غضبه،" "وندم على الشر" (خر 32: 14).

* الله أيضاً فى إكرامه لداود النبى – حتى بعد موته – لما أخطأ إليه سليمان بن داود خطية كبير، وأوقع عليه عقوبة، لم يشأ أن تكون تلك العقوبة فى أيام سليمان، إنما بعده، قائلاً "من أجل داود عبدى.." (1 مل 11: 13، 12).

+ + +.

* ونجد فى قصة الابن الضال (لوقا15) مثالاً آخر من تواضع الآب السماوى:

أتاه الابن نادماً ومنسحقاً، يقول له "أخطأت إلى السموات وقدامك، ولست مستحقاً أن أدعى لك ابناً.." ولكن الآب فى حنوه، وحرصه على أن يحفظ كرامة ابنه، منعه فى حنوه أن يكمل انسحاقه بعبارة "اجعلنى كأحد أجرائك" التى كان قد عزم أن يقولها (لو 15: 21، 19). بل بالأكثر أكرمه ورفع شأنه جداً فى توبته، وأمر أن يذبحوا له العجل المسمن، وأن يضعوا خاتماً فى يده..

وأيضاً الابن الكبير لما رفض أن يحضر الوليمة التى صنعت لأخيه، لم يهمله الآب، بل خرج إليه ليصالحه. ولما اشتط هذا الابن فى الكلام وتطاول على أبيه قائلاً "ها أنا أخدم سنين هذا عددها، ولم تعطنى قط جدياً لأفرح مع أصدقائى. ولما جاء ابنك هذا الذى صرف معيشتك على الزوانى، ذبحت له العجل المسمن!".. لم يرد الأب على تطاول ابنه وغضبه، بل قال له فى اتضاع: "يا ابنى، أنت معى، وكل مالى فهو لك. ولكن كان ينبغى أن نفرح ونسرّ لأن أخاك هذا كان ضالاً فوُجد، وكان ميتاً فعاش" (لو 15: 28 - 32).

+ + +.

* نلمح اتضاع الكبار أيضاً فى سير الآباء وأقوالهم:

نرى ذلك فى اتضاع القديس أوغسطينوس فى صلاته لأجل شعبه.

إذ يقول "أطلب إليك يارب من أجل سادتى عبيدك". فيعتبرهم سادته!

ويقول: "أنا بالنسبة إليهم راعِ لهم. ولكننى أمامك – معهم – خروف فى قطيعك: ترعانى وترعاهم".. وهكذا – على هذا النمط – فإن بعض الآباء الأساقفة فى اتضاعهم، يقول كل منهم عن نفسه "خادم إيبارشية (كذا)..".

* ويقول الآباء فى بستان الرهبان: "ليكن كل إنسان كبيراً فى عينيك" "أطلب بركة كل أحد" "اجعل كل أحد يباركك".

+ + +.

* ومن أمثلة الكبار الذين يرفعون من قدر أبنائهم: القديس بولس الرسول:

* ويظهر فى رسالته إلى فليمون من أجل عبده أنسيموس.

فعلى الرغم من أن فليمون كان أحد تلاميذه، إلا أنه كان يكلمه برجاء وباحترام. ومع أن انسيموس كان عبداً، إلا أن بولس الرسول يذكره بتوقير شديد، فيقول لفليمون:

"أطلب إليك لأجل ابنى أنسيموس الذى ولدته فى قيودى.. الذى هو أحشائى. الذى كنت أشاء أن أمسكه عندى لكى يخدمنى عوضاً عنك فى قيود الانجيل. ولكن بدون رأيك لم أرد أن أفعل شيئاً" "لا كعبد فى ما بعد، بل أفضل من عبد: أخاً محبوباً، ولا سيما إلىّ". ثم يقول لفليمون أيضاً "إن كنت تحسبنى شريكاً، فاقبله نظيرى. ثم إن كان ظلمك بشئ، أو لك عليه دين، فاحسب ذلك علىّ.. أنا أوفى.. أرح أحشائى فى الرب" (فل10 - 20).

إنه أدب عجيب فى التخاطب يصدر من رسول قديس ومعلم كبير لتلميذه: يقول له "إن كنت تحسبنى شريكاً" ويرجوه قائلاً "لم أرد أن أفعل شيئاً بدون رأيك". ويقول عن العبد "أقبله نظيرى" "لا كعبد بل أخاً محبوباً" ويقول عنه "ابنى" "أحشائى". أليس هذا درساً لنا فى احترام الصغار؟!

+ + +.

* وبنفس الأسلوب فى توقير تلاميذه، يكتب فى آخر رسالته إلى رومية:

فيقول عن أكيلا وبريسكلا "اللذين لست أنا وحدى أشكرهما، بل أيضاً جميع كنائس الأمم". ويقول "سلموا على أندرونيكوس ويونياس اللذين هما مشهوران بين الرسل، وقد كانا فى المسيح قبلى" (رو 16: 7). بينما كثيرون جداً من المسيحين لا يعرفون عنهما شيئاً! يقول أيضاً "سلموا على روفس المختار فى الرب، وعلى أمه أمى" (رو 16: 13).

وفى إرسال سلامه يسجل تعب العاملين معه فى الخدمة. ومن أولئك يذكر "تريفينا وتريفوسا التاعبتين فى الرب" وبرسيس المحبوبة التى تعبت كثيراً فى الرب "(رو 16: 12). بل فى المقدمة قبل الكل يذكر فيبى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا" كى تقبلوها فى الرب كما يحق للقديسين "(رو 16: 1). إنه يمتدح تلاميذه ويرفع ذكرهم. ويقول مثلاً" سلموا على أبلّس المزكى فى المسيح "(رو 16: 10). و" أبينتوس حبيبى الذى هو باكورة أخائيه للمسيح "(رو 16: 5).

بعد كل ما ذكرناه من التواضع فى معاملة الصغار، نسأل:

هل يُمكن للمتضع أن ينتهر ويوبخ ويعَاقب؟

* نعم، يمكن هذا، فإن القديس بولس هذا، قد وبخ وعاقب.

وبخ أهل غلاطية مثلاً وقال لهم "أهكذا أنتم أغبياء. ابعد ما ابتدأتم بالروح، تكملون بالجسد؟!" (غل 3: 3). وقال لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "وبخ. انتهر. عظ، بكل أناة وتعليم" (2 تى 4: 2). وقد عاقب خاطئ كورنثوس وأمر "أن يسلّم مثل هذا للشيطان لإهلاك الجسد، لكى تخلص الروح فى يوم الرب" (1 كو 5: 5). وامر أهل كورنثوس قائلاً "اعزلوا الخبيث من بينكم" (1 كو 5: 13).

والقديس بولس وبخ القديس بطرس أيضاً قائلاً له "إن كنت وانت يهودى تعيش أممياً، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا" (غل 2: 14).

ومع كل ذلك، كان القديس بولس متواضعاً. ويكفى قوله عن ظهورات السيد المسيح بعد القيامة "وأخر الكل، كأنه للسقط ظهر لى أنا، لأنى أصغر الرسل، أنا الذى لست أهلاً لأن أدعى رسولاً، لأنى أضهدت كنيسة الله" (1 كو 15: 9، 8).

+ + +.

القديس يوحنا المعمدان وبخ الفريسيين والصدوقيين الآتين إلى معموديته.

وقال لهم "يا أولاد الأفاعى، من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتى. فاصنعوا ثماراً تليق بالتوبة. ولا تفتكروا أن تقولوا فى أنفسكم لنا ابراهيم أباً.." (مت8، 13: 7). ولا ينكر أحد تواضع القديس يوحنا المعمدان.

* وإيليا النبى وبخ آخاب الملك لسيره وراء البعليم (1 مل 18: 18).

وعاقب أنبياء البعل والسوارى (1 مل 18: 40)، كما عاقب قائدى الخمسين الأولى والخمسين الثانى (2 مل 1: 12، 11).

* ويعقوب أبو الأباء وبخ ابنيه قائلاً "شمعون ولاوى أخوان. آلات ظلم سيوفهما. فى مجلسهما لا تدخل نفسى. بمجمعهما لا تتحد كرامتى.." (تك6، 48: 5).

وكثيراً من الأنبياء وبخوا أفراد وجماعات، بل أرسلهم الله ليوبخوا.

+ + +.

* بل السيد المسيح نفسه انتهر ووبخ، وهو الوديع المتواضع القلب (مت 11: 29).

وبخ المدن التى صنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تتب (مت 11: 20). وقال "ويل لك يا كورزين. ويل لك يا بيت صيدا.. وأنت يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء، ستهبطين إلى الهاوية.." (مت 11: 21 - 23). وبخ الكتبة والفريسيين والمرائين (مت23).. ووبخ تلميذه بطرس الرسول قائلاً له "اذهب عنى يا شيطان، أنت معثرة لى. لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (مت 16: 23).

وانتهر تلميذيه يعقوب ويوحنا لما طلبا منه أن تنزل نار وتحرق إحدى مدن السامرة. وقال لهما "لستما تعلمان من أى روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليهلك أنفس الناس بل ليخلص" (لو 9: 55).

+ + +.

* والأمثلة كثيرة، ولكن فلنناقش موضوع التوبيخ ومدى تمشيه مع التواضع.

اولاً: ممن يصدر؟ وهل الذى يوبخ وينتهر له سلطان أو يوبخ؟

هل كل إنسان له سلطان الرب فى التوبيخ؟! أو له سلطان القديس يوحنا المعمدان، لو القديس بولس الرسول، أو القديس تيموثاوس الأسقف.

وهل هذا التوبيخ أو الانتهار هو فى حدود مسئوليتهم. مثلما فى مسئولية الآب أن يوبخ ابنه ويؤدبه، كما قال الكتاب "اى ابن لا يؤدبه أبوه؟! (عب 12: 7). أو هل له مسئولية المعلم فى تأديب تلاميذه؟ أو مسئولية كل صاحب منصب فى تأديب مرؤوسيه أو توبيخهم، حتى لا يدفعهم التهاون إلى الاستهتار.

وما أعمق قول الآباء فى البستان "أدبوا الأحداث قبل أن يؤدبوكم".

+ + +.

ثانيا: ما هو الأسلوب الذى يتبعه المتواضع فى التوبيخ وفى التأديب؟

البعض يوبخ فى شدة وفى قسوة، وفى غير احترام للناس، ويظن أن فى ذلك فضيلة ناسياً كيف كان القديس بولس يوبخ، هذا الذى قال لتلميذه تيموثاوس "وعظ وبخ انتهر". إنه يقول لشيوخ أفسس "ثلاث سنين.. لم افتر عن أنذر بدموع كل أحد" (أع 21: 31). كان ينذر بدموع – فى تواضع حب – وليس فى تسلط.

يقول أيضاً "أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه، أنا نفسى بولس، الذى هو فى الحضرة ذليل، وأما فى الغيبة فمتجاسر عليكم" (2 كو 10: 1). لاحظوا أنه يقول عن نفسه "فى الحضرة ذليل". لذلك يتشجع بالكتابة، ويحسب نفسه أنه متجاسر عليهم!! هذا هو أسلوب الشخص المتواضع حينما يوبخ، لا بروح التعالى، ولا بقسوة الأسلوب، ولا بالصوت العالى المتسلط.. وإنما بأسلوب الذى يحسّ بالخشبة فى عينيه، حينما يخرج القذى من عين أخيه...

+ + +.

إنه أسلوب من يطلب حق الله من نفسه أولاً، قبل أن يطلب حق الله من الآخرين. فيوبخ فى وداعة المسيح وحلمه.

إنى أعجب لهؤلاء الذين لا يرون السيد المسيح إلا ممسكاً بالسوط! ولا يسمعونه إلا فى عبارة "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون والمراؤون". كما لو كانت حياة المسيح هى هذه فقط!!

إن السيد المسيح عامل الكتبة والفريسيين بكل لطف وبكل احتمال، دون أن يرد عليهم، بل كان يزورهم. وبكل وداعة وحلم يحاورهم محاولاُ اقناعهم. أما صبه الويلات عليهم فكان فى الأسبوع الأخير بالذات، حينما أراد أن يمهد الطريق لإلغاء تلك القيادات قبل صلبه، حتى لا تسيطر على الكنيسة الجديدة التى سيؤسسها بدمه. لذلك كشف وياءهم فى الأسبوع الخير، بعد طول صبر.. وليس هم فقط بل أيضاً الصدوقيين الناموسيين (مت22) والكهنة (مت21).

فهل أنت فى نفس موقف المسيح؟ وهل لك سلطانه؟! وهل لك وداعته وحلمه؟! أم أنك توبخ فى غير اتضاع؟!...



فهرست

الباب السادس : علاقة الاتضاع بالفضائل والمواهب

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات