الأصحاح الثاني عشر – إنجيل يوحنا – القمص أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: انجيل يوحنا – القس أنطونيوس فكري.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الإصحاح الثانى عشر

مريم تدهن يسوع بالطيب في بيت عنيا.

وردت هذه القصة في (مت6: 26 - 13 + مر3: 14 - 9 + يو1: 12 - 11).

وزمنياً فهي حدثت كما يوردها إنجيل يوحنا يوم السبت مساءً عشية أحد الشعانين. ولكننا نجد أن متى ومرقس يوردان القصة بعد مشاورة اليهود وإتفاقهم على قتل المسيح. وذلك لأن متى ومرقس لم يهتما بالترتيب الزمني لكنهما أرادا تصوير محبة مريم للمسيح في مقابل خيانة يهوذا ومؤامرات اليهود. وكأنهما أرادا أن يقولا يا رب وحتى وإن كان اليهود قد رفضوك فنحن على إستعداد أن نبذل كل غالٍ ورخيص في سبيل حبك. نحن نحبك يا رب مثل مريم ومستعدين أن نسفك حياتنا لأجلك. وعلى نفس النهج تقرأ الكنيسة هذا الفصل يوم الأربعاء لتقابل بين مريم التى سكبت الطيب حبا فى المسيح وبين خيانة يهوذا وتشاوره مع الكهنة.

+ وهناك قصة مشابهة في (لو36: 7 - 50). وهناك من يخلط بينهما ويظنهما قصة واحدة ولكن قصة لوقا حدثت في الجليل في بيت سمعان الفريسي وكانت تلك المرأة خاطئة ومعروفة بخطيتها وإن كانت قد تابت حديثاً. ولكن القصة التي نحن بصددها فقد حدثت في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص. غالباً كان سمعان الأبرص هو والد هذه الأسرة أي لعازر ومرثا ومريم (مر3: 14) وكان المسيح قد شفاه وإلا لما جلس معهم. في قصة لوقا إنسانة خاطئة تسكب الطيب بروح التوبة وفي متى ومرقس إنسانة فاضلة مُحِبَة تعلن محبتها وتسكب الطيب بروح النبوة لتكفين يسوع.

الأعداد 1-11

الآيات (يو1: 12 - 11): -

"1ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 2فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. 3فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ. 4فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَرْيُوطِيُّ، الْمُزْمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ: 5«لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟ » 6قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ. 7فَقَالَ يَسُوعُ: «اتْرُكُوهَا! إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ، 8لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ».

9فَعَلِمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّهُ هُنَاكَ، فَجَاءُوا لَيْسَ لأَجْلِ يَسُوعَ فَقَطْ، بَلْ لِيَنْظُرُوا أَيْضًا لِعَازَرَ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 10فَتَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ لِيَقْتُلُوا لِعَازَرَ أَيْضًا، 11لأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا بِسَبَبِهِ يَذْهَبُونَ وَيُؤْمِنُونَ بِيَسُوعَ. ".

آية (يو1: 12): - "1ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ.".

الفصح يكون 14نيسان والمسيح أتى إلى بيت عنيا يوم السبت 8نيسان ووليمة العشاء كانت بعد غروب السبت لأن مرثا كانت تخدم ولا يحل الخدمة يوم السبت. ويقرأ هذا الفصل مساء سبت لعازر (عشية أحد الشعانين) تطبيقاً لقول الإنجيل "قبل الفصح بستة أيام". وتكرر قراءته يوم الأربعاء من البصخة المقدسة في الساعة السادسة لما جاء فيه عن يهوذا الإسخريوطي. وذلك حسب ما عرضه متى ومرقس وأوردا القصة بعد ذكر مؤامرة اليهود ضد المسيح. وأيضا الكنيسة اتبعت نفس فكر متي ومرقص، فتقرأ فصل محبة مريم للمسيح كصورة مناقضة لخيانة يهوذا له إعلانا أن الكنيسة تحبه بالرغم من كراهية العالم له. هنا نجد أن المسيح يسلم نفسه مثل خروف الفصح بين أيدي أحبائه ليكفنوه.

الآيات (يو2: 12 - 3): - "2فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. 3فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ.".

بحسب ما ورد في متى ومرقس فهذه الوليمة كانت في بيت سمعان الأبرص وهناك رأيين [1] أن سمعان الأبرص هو والد لعازر ومريم ومرثا والوليمة كانت في بيتهم. [2] سمعان الأبرص شخص معروف وذو قرابة لعائلة لعازر لذلك أقام وليمة ليسوع الذي أقام لعازر. وأتت الأختان لتخدما في هذه الوليمة بدافع محبتهما ليسوع وكرد لجميله لإقامة أخيهما لعازر من الموت. وغالباً فسمعان الأبرص أخذ إسمه هذا من أنه كان أبرصاً وشفاه المسيح. وسواء كان سمعان الأبرص والد لهم أو قريب فنحن أمام صورة رائعة يحبها المسيح.

  1. سمعان الأبرص: شفاه المسيح وهو أتى ليشفينا من مرض الخطية ومعروف أن البرص رمز للخطية. والمسيح جاء لحياتنا ليطهرها. والمسيح يحب أن ندعوه لبيوتنا كما فرح بدعوة ابراهيم ليأكل عنده.
  2. لعازر: أقامه المسيح من الموت وهو أتى لتكون لنا حياة.
  3. مرثا: وكانت مرثا تخدم مرثا تعبر عن حبها بالخدمة. بعد أن يقيم المسيح كنيسته من الأموات ويعطيها حياة، عليها أن تقوم وتخدم وتشهد له ولعمله، هذه تمثل حياة الخدمة. وهكذا صنعت حماة سمعان إذ قامت وخدمتهم بعد أن شفاها الرب.
  4. مريم: تعلن حبها للمسيح وتسكب حياتها ومالها عند قدميه مشتركة في صليبه محتملة كل ألم، ويكون هذا رائحة طيبة تنتشر في كل العالم هذه تمثل حياة التأمل.
  5. يسوع وسط كنيسته: يتعشى معها وتتعشى معه (رؤ20: 3) فكنيسته فتحت قلبها له. (يتعشى معها هنا على الأرض عربوناً لعشاء عرس الخروف في السماء).
  6. في بيت عنيا: أي بيت الحزن والألم. والمسيح معنا الآن يشترك في آلامنا على الأرض ويعزينا (هنا على الأرض، هذه التعزية والشبع بشخصه = يتعشى معنا).

ونلاحظ أن مرثا استمرت في عملها في خدمة البيت. ومريم إستمرت في عملها تحت قدمي يسوع ملازمة المكان الذي إختارته نصيباً لها (لو39: 10، 40). وهنا مريم إنتهزت فرصة وجودها تحت قدمي يسوع لتعلن حبها، وأنها بآلامها تشترك مع المسيح في آلامه. فمريم سمعت كلام المسيح وأنه سيصلب ويتألم ويموت وآمنت بما قال وهي تصنع هذا لتكفينه.

1

3

1

4

لعازر كان أحد المتكئين معه = وجود لعازر في الوليمة إعلاناً لقوة الحياة التي في المسيح والتي تتحدى قرار السنهدريم. مناً = المن = 327جم = رطل روماني = لتر.

ناردين خالص = أي عطر خالص دون أي زيوت أو إضافات، أصيل ونقي. ناردين معناه السنبل وهو النبات الذي يستخرج منه هذا الطيب وهو أثمن ما عرف يومئذ من أطياب وهو من شمال الهند. هذا إشارة لمن يقدم حباً خالصاً ولا يطلب ثمناً لهذا الحب.

دهنت قدمي يسوع = يقول متى ومرقس أنها دهنت رأسه. فالعادة كانت أن يسكب المضيف دهناً على رأس ضيفه (لو46: 7). ومريم سكبت الطيب على رأس السيد ثم قدميه، ومتى ومرقس تكلما عن العادة المتبعة، أن مريم قامت بواجب الضيافة المعتاد. أمّا يوحنا فلاحظ غير المعتاد أنها تدهن قدميه بل مسحت قدميه بشعرها وإذا كان الشعر هو مجد المرأة (1كو15: 11) = منتهى الإتضاع والإنسحاق، فيوحنا حبيب المسيح لاحظ بمحبته النارية هذه الملاحظة، أنها لم تقم فقط بواجب الضيافة المعتاد، بل وضعت مجدها تحت قدمي من تحبه وهذا هو الحب في نظر يوحنا. فإمتلأ البيت من رائحة الطيب = ملاحظة شاهد عيان. بل أن الرائحة مازالت منتشرة لهذا اليوم "يذكر ما فعلته هذه المرأة تذكاراً لها" ونلاحظ أن القصة حدثت عشية أسبوع آلام المسيح وتقرأها الكنيسة في ميعادها أي السبت مساءً. فمحبة مريم التي قدمتها هي نموذج لما يجب أن نقدمه للمسيح في مقابل آلامه، علينا أن نضع كل ما لنا (حتى مالنا من مجد تحت قدميه) فتنتشر الرائحة الطيبة.

الآيات (يو4: 12 - 6): - "4فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَرْيُوطِيُّ، الْمُزْمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ: 5«لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟ » 6قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ.".

يذكر الإنجيليين متى ومرقس ويوحنا أن الطيب كان كثير الثمن ولكنهم لم يهتموا بكم هو الثمن. ولكن يهوذا وحده إهتم، فكل شئ عنده يمكن أن يباع حتى سيده المسيح. وهو قدَّر ثمنه بثلاثمائة دينار = وهي أجرة العامل في سنة فالعامل أجرته دينار في اليوم. ونلاحظ أن الثمن الذي قدَّره يهوذا للطيب كان أكثر كثيراً جداً من الثمن الذي باع به سيده (يُقدَّرْ بـ4 مرّات) هنا نرى التناقض صارخاً بين محبة مريم للسيد ومحبة يهوذا للمال وخيانته لسيده. فالإنسان العالمي يحب الأخذ ولا يحب العطاء، أمّا إبن الله فهو يسكب نفسه سكيباً. وكان كلام يهوذا فيه تعريض بالمسيح وأنه قبل الطيب بدلاً من الفقراء، وتحريض للتلاميذ والسامعين، وهذا ما حدث فهم إغتاظوا وبدأوا يرددون ما قاله يهوذا (مت8: 26 + مر4: 14). ويهوذا كان سارقاً = وكونه سارقاً يدل على طبعه الخائن وعدم أمانته ونلاحظ أن المسيح سلَّم يهوذا الصندوق لكفاءته في النواحي المالية. وكان المسيح وتلاميذه يتعيشون مماّ في الصندوق. ولكن يهوذا كان يأخذ أكثر من حقوقه لنفسه. فالله أعطاه موهبة التفوق في الأمور المالية ولكن فنلاحظ أن مواهبنا والنقاط القوية التي نملكها قد تتحول لنقاط ضعف إذا إنخذع الإنسان من شهوته وإنغلب من التجربة التي تَعْرِضْ له من ناحيتها. كما أنها تكون مصدر بركة وقوة له ومنفعة للخدمة لو غلبها، أي غلب شهوته. (يع13: 1، 14). يحمل = أصلها ينشل.

الآيات (يو7: 12 - 8): - "7فَقَالَ يَسُوعُ: «اتْرُكُوهَا! إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ، 8لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ».".

المسيح هنا يتنبأ بأنه عند موته لن يكون هناك وقت لتكفينه وما فعلته مريم هو كنبوءة (فمريم من شدة محبتها شعرت بما سيحدث له، وصدقت كلامه بأنه سيصلب ويموت ويقوم فى اليوم الثالث كما كان يقول دائما) وواجب تكفين لجسده، وهو بهذا يرد على ما قاله يهوذا من أن هذا كان يجب أن يعطي للفقراء بأن الفقراء معكم كل حين وهناك من قلبه مملوء شراً ويتستر وراء أشياء حلوة. والمسيح بهذا يبرئ مريم من أنها أخطأت بفعلها، بل هي كرمت من له كل الكرامة وهو مستحق لها. بل أن ذكر التكفين كان فيه تقريع ليهوذا الخائن الذي يفكر في خيانة سيده. فيهوذا طعن السيد ومريم تلقفت جسده بعطرها. لقد بدأت مريم ما أكمله بعد ذلك يوسف ونيقوديموس. ولاحظ أنه في (مت20: 28) يقول "أنا معكم كل الأيام" وهنا يقول "أنا لست معكم في كل حين" هو يقصد أنه سيتركهم بالجسد إذ يموت ويقوم ويصعد للسماء. ولكن المعنى إنتهزوا أي فرصة موجودة، فالفرصة قد لا تتكرر. والمحبة تعرف متى تقدم للمسيح ومتى تعطي الفقراء.

الآيات (يو9: 12 - 11): - "9فَعَلِمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّهُ هُنَاكَ، فَجَاءُوا لَيْسَ لأَجْلِ.

يَسُوعَ فَقَطْ، بَلْ لِيَنْظُرُوا أَيْضًا لِعَازَرَ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 10فَتَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ لِيَقْتُلُوا لِعَازَرَ أَيْضًا، 11لأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا بِسَبَبِهِ يَذْهَبُونَ وَيُؤْمِنُونَ بِيَسُوعَ. ".

بدأ الناس يتوافدون، على المسيح بسبب معجزة لعازر. ونرى هنا غباء هؤلاء الرؤساء، فهل قتل لعازر سيجعل الناس تنسى المعجزة، وهل من أقامُه مرّة لن يستطيع إقامته ثانية. ولنلاحظ أن هياجهم كان أحد أسبابه أن في إقامة لعازر دليل على عدم صحة عقيدتهم بأن الموتى لا يقومون. وبسبب آخر واضح هو إلتفاف الناس حول المسيح وإنفضاضهم عن رؤساء الكهنة اليهود.

يوم الأحد. أحد الشعانين.

دخول السيد المسيح إلى أورشليم هو طريق للقيامة.

كان الهدف من تجسد السيد المسيح وفدائه هو أن تكون لنا حياة أبدية وهذا ما تم بقيامة السيد المسيح من الأموات لنقوم نحن فيه.

والطريق لذلك يتم عبر موت الإنسان العتيق الذي فينا وقيامة إنسان جديد في المسيح وهذا يبدأ بالمعمودية، ونكمل بحياة التوبة التي هي قيامة أولى. وهذه لو تمت تكون لنا قيامة ثانية في مجئ السيد المسيح الثاني.

ولنرى الخط العام للأناجيل الأربعة وكيف شرحت هذا، ولنعلم أن الإنجيليين ليسوا مؤرخين لكنهم يقدمون بشارة الخلاص، والطريق للخلاص، كلٌ بطريقته.

  • ونرى أن الطريق للقيامة كان الصلب "مع المسيح صلبت لأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غل20: 2).
  • ونرى أن المسيح أتى ليطهرنا (تطهير الهيكل = تطهير القلب).
  • والطريق لسكنى حياة المسيح فيَّ هو التشبه بالمسيح في تواضعه. فالله يسكن عند المنسحق والمتواضع القلب (إش15: 57). وهذا معنى نزول زكا عن الشجرة ليدخل المسيح بيته. والتواضع عكس طلب أم إبنى زبدي. وطلب أم إبنى زبدي سبق تفتيح أعين العميان. ومن إنفتحت عيناه لن يطلب عظمة أرضية، بل يقبل ملك المسيح على قلبه بفرح.
  • دخول المسيح أورشليم كملك هو دخول المسيح كملك لقلبي ليملك عليه، وهذا معنى "من يحبني يحفظ وصاياي" (يو21: 14، 23).

ملحوظة: أناجيل مرقس ولوقا ويوحنا تذكر الجحش الذي دخل المسيح أورشليم راكباً إياه، بينما إنجيل متى يذكر أتان وجحش. وأناجيل مرقس ولوقا ويوحنا تذكر فتح أعين أعمى، ولكن متى يذكر فتح أعين أعميين. والسبب أن مرقس ولوقا ويوحنا يكتبون للأمم (رمزهم جحش لم يركبه أحد من قبل. والأمم لم يملك الله عليهم من قبل). ولكن متى يكتب لليهود (الذين رمزهم الحمار وهذا قد ركبه الناس رمزاً لملك الله عليهم منذ زمن) والمسيح أتى للكل يهوداً وأمم، وكلاهما كان أعمى فتح المسيح بصرهم.

إنجيل يوحنا

.

قراءات الكنيسة لها نفس منهج الإنجيل.

(قطمارس الصوم الكبير).

  1. أحد الرفاع: الصوم والصلاة والصدقة: هذا طريق السماء (فالقيامة هي هدف هذا الأسبوع: فالصوم صلب عن العالم، والصلاة هي صلة مع الله والصدقة هي فعل الخير للمحتاج، فالمحتاج هو أخ للرب، وبها نتقابل مع الرب فنحيا في السماء.
  2. الأحد الأول: الكنز: من يفعل ما سبق لن يخسر بل يصنع له كنزاً في السماء.
  3. الأحد الثاني: التجربة: لابد وأن نتعرض للتجارب، ولكنها طريق للإمتلاء من الروح والنمو (لو14: 4).
  4. الأحد الثالث: الإبن الضال: هو دعوة لكل إنسان مهما كانت حالته ليأتي بالتوبة والله مستعد لقبوله.
  5. الأحد الرابع: السامرية: المسيح أتى ببشارة الخلاص لكل العالم، لليهود والسامريين والأمم. ومن يقبل يجد الماء الحي والشفاء.
  6. الأحد الخامس: المخلع: يسأله الرب هل تريد أن تبرأ؟ فالتوبة هي عمل مشترك بين الله وبيني، الله يدعو وأنا حر إن كنت أستجيب أو لا أستجيب "توبني فأتوب لأنك أنت الرب إلهي" (إر18: 31). ونلاحظ في قراءات الأسبوع أنها تشير لما يحصل عليه التائب من شبع فالمسيح خبز الحياة، وأن يحيا في النور، وهذا لن يحصل عليه رافض التوبة، بل يحيا في جوع وفي ظلمة. ولاحظ قول السيد المسيح للفريسيين في قراءات يوم السبت من هذا الأسبوع "كم مرة أردت ولكنكم لم تريدوا ها بيتكم يترك لكم خراباً" (مت37: 23) ومازال المسيح يسأل أنا أريد فهل تريد أن تبرأ.
  7. الأحد السادس: المولود أعمى: المسيح يفتح عينيه بغسله في الماء إشارة للمعمودية التي تعطي إستنارة، فيعرف المسيح ويؤمن به، وهذا هو "أحد التناصير" ولاحظ أن الأسابيع الماضية كان موضوعها هو التوبة، فمن يقدم توبة تنفتح عيناه ويعرف المسيح. ويقبله ملكاً على قلبه.
  8. الأحد السابع: أحد الشعانين: المسيح يدخل لقلبي كملك يملك عليه، وأطيعه في محبة فيطهر قلبي كما طهر الهيكل. ومن لا يقبل يُدان (شجرة التين).

أحد القيامة: من قبل المسيح ملكاً وتطهر قلبه وصارت له قيامة أولى، ستكون له قيامة ثانية بجسد ممجد.

المركبة الكاروبيمية.

الجالس فوق الشاروبيم اليوم ظهر في أورشليم.

راكبا على جحش بمجد عظيم وحوله طقوس ني أنجيلوس.

لنرى مصادر هذا اللحن الشعانينى.

  1. ركب على كروب وطار (مز18: 10).
  2. هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب.

على.. جحش.. (زك9: 9).

ركب على كروب = الجالس فوق الشاروبيم = المسيح يجد راحته فيهم لأنهم يعرفونه.

وهذا معنى أنهم مملوئين أعيناً.. (حز 10: 12) + (رؤ 4: 6). ولذلك يسبحونه قائلين "قدوس قدوس قدوس" (رؤ4: 8).

وطار = نرى في الإصحاح الأول من نبوة حزقيال منظر المركبة الكاروبيمية التي يركبها الله ويطير بها للسماء، وقطعا فالله لا يحتاج لمركبة من الملائكة لتحمله إلى السماء، فهو ساكن في الأعالي بل لا يحده مكان، ولكن هذا التصوير يشير إلى أن من يرتاح الله فيه، فالله هو الذي يحمله إلى أعلى السموات.

واليوم عيد دخول المسيح إلى أورشليم، وأورشليم تشير لقلبي أنا، فكيف يدخل المسيح إلى قلوبنا؟

أن يرتاح المسيح فينا كما يرتاح في الشاروبيم = بأن نعرفه.. كيف؟

هذا عن طريق الأربعة الأناجيل ولذلك فرموزها هي وجوه الكاروبيم (رؤ4: 7).

لكن بدون عمل المسيح فلا قبول لنا.. ومرة ثانية نتقابل مع وجوه الكاروبيم.

والآن ما هو دورنا بعد ما تمم المسيح عمله؟... تقديس (تكريس وتخصيص) كل طاقاتنا للمسيح.

  • الإنسان = الطاقة العقلية.
  • الأسد = القوة العضلية.
  • الثور = الطاقة الشهوانية التي كانت طاقة حب لله.
  • النسر = الطاقة الروحية وهذه تعنى ممارسة التسابيح والصلوات مع الأصوام...

أن نتواضع متخذين المسيح نموذج لنا، فيسكن الله عندنا "فهو يسكن عند المنسحقين.." (اش57: 15).

بل قل أن التواضع لا معنى له بالنسبة للإنسان، هذا ممكن فقط للمسيح السماوي العالي الذي نزل، أما نحن أصلا فمن أسفل. التواضع لنا حقيقة هو أن ندرك حقيقتنا، وإننا لا شيء، قيمتنا هي بالمسيح.

وأيضا أن نعطى قيادة حياتنا للمسيح، كما قاد المسيح هذا الجحش اليوم ودخل به إلى أورشليم أو قل نكون كالفرس الأبيض الذي يركبه الفارس (المسيح) الذي خرج غالباً ولكي يغلب (رؤ6: 2).

والملخص فالمسيح يرتاح ويسكن فينا = 1) بأن نعرفه 2) التواضع والانسحاق.

3) أن نعطى المسيح قيادة حياتنا وهذه تأتى بأن نسلم تماما كل أمور حياتنا له بدون أي تذمر ونطيع كل وصاياه.

ومن يقبل ويفعل:

1) يصير مركبة مثل المركبة الكاروبيمية أي يحمله المسيح الساكن فيه فيحيا في السماويات هنا، ويدخل أورشليم السماوية في الأبدية.

2) الذي يسكن المسيح عنده تصير له إمكانيات لا نهائية عبر عنها بولس الرسول بقوله "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" (فى4: 13) ونعود لوجوه الكاروبيم:

  • الإنسان = الحكمة.
  • الأسد = الأقوى جسديا.
  • الثور = شهوة الحب كلها لله.
  • النسر = هذا يحلق روحيا في السماويات وله قوة إبصار عجيبة (الإفراز).

3) بل تكون للإنسان شفاعة في الخليقة، ألم يقل الله عن الأنبا بولا "أن نهر النيل يفيض بسببه". وتغير طبع الثعبان من وجوده مع الأنبا برسوم العريان.

وقيل أن هذا كان عمل الكاروبيم:

فمن له وجه الإنسان يشفع في البشر.

والذي له وجه الثور يشفع في حيوانات الحقل.

والذى له وجه الأسد يشفع في حيوانات البرية.

والذى له وجه النسر يشفع في الطيور.

ولا شفاعة في الزواحف فمنها الحية رمز إبليس، ولا شفاعة في الأسماك فهي تحيا في البحر وهو رمز للعالم بشهواته، ومن يحيا فيها فهو ميت.

دخل الرب يسوع أورشليم كملك حسب النبوات أنه يملك كإبن داود. وكانت مملكة داود رمزا لمملكة المسيح. ولكن كانت توقعات اليهود الجسديين أن يدخل المسيح أورشليم كملك أرضى منتصر، لكن المسيح كان يؤسس مملكة من نوع آخر. لذلك دخل "وديعا متواضعا راكبا على جحش إبن أتان" (زك9: 9). وهذه الآية طبقها الربيين بإجماع على المسيا مع نبوة إشعياء "قولوا لإبنة صهيون، ها مخلصك آتٍ. ها أجرته معه وجزاؤه قدامه" (إش62: 17). وكان دخول الرب إلى أورشليم يوم أحد فى ربيع سنة 29م، وكان ذلك ظهرا. ولما وصل موكب الرب إلى بيت فاجى أرسل تلاميذه ليأتوا له بالآتان والجحش من القرية. ولقد وافق صاحب الأتان على ترك الجحش لأنه فهم أن الرب يريد دخول أورشليم بهذا الموكب، بعد أن إنتشرت أخبار عزمه على دخول أورشليم. وهو وافق أن يشارك فى هذه المناسبة، إذ فهم الغرض من وراء هذا الدخول المهيب. وسار الموكب الآتى من بيت عنيا إلى أورشليم.

وإنتشر خبر دخول السيد إلى أورشليم فتجمع حجاج الجليل الذين يعرفونه، ومعهم الذين سمعوا بمعجزة إقامة لعازر وصار الموكب كبيرا. وإنضم عليه الموكب الذى أتى مع الرب يسوع من بيت عنيا. وكان الناس يتساءلون عنه "من هذا"، فيقول البعض هذا يسوع النبى الذى من ناصرة الجليل ". ويجيب شهود معجزة إقامة لعازر بما حدث. وتزداد حماسة الجميع الذين فهموا أنه المسيا إبن داود فرتلوا المزمور 118" أوصنا يا إبن داود = يا رب خلص ". وكانت هذه هى العادة - أن يستقبل الموجودين بأورشليم مواكب الحجاج الآتين من الجليل بترتيل هذا المزمور، ويرد الحجاج بمزمور (103: 17)" أما رحمة الرب فإلى الدهر والأبد على خائفيه، وعدله على بنى البنين ". ولكن حماس الناس فى هذا اليوم كان أكثر كثيرا من إستقبال مواكب الحجاج العادية، فهم تصوروا أن مملكة داود عائدة قريبا. وهذا ماجعل الفريسيين الكارهين للرب يسوع يستشيطون غيظا وحسدا، ويقولون له" يا معلم إنتهر تلاميذك "فقال لهم الرب" إنه أن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ "، وهذه العبارة" الحجارة تصرخ "موجودة فى تعاليم الربيين وكتاباتهم". وفيما هو يقترب إلى المدينة نظر إليها ورأى ما سيحدث لها بعد سنوات قليلة فبكى عليها - وكلمة بكى هنا جاءت بمعنى تنهد بصوت مسموع ودموع غزيرة. أما كلمة بكى أمام قبر لعازر فكانت تعنى إنسابت دموعه.

ونلاحظ أن الفريسيين والكهنة صمموا على قتل الرب يسوع ولكن بعيدا عن حجاج الجليل، أما يهود أورشليم فهم كانوا قد لقنوهم كراهية الرب يسوع. وكانت غالبية الجموع الذين إستقبلوا الرب يسوع عند دخوله لأورشليم من الجليليين. وكان الفريسيين والكهنة خائفين من القبض عليه وسط حجاج الجليل الموجودين فى العيد. أما غالبية الموجودين بأورشليم من اليهود فكانوا من الكارهين له بسبب إشاعات الفريسيين الرديئة عنه، وهؤلاء هم الذين صرخوا أمام بيلاطس "أصلبه أصلبه.. دمه علينا..".

وتوجه السيد إلى الهيكل الذى كان قد طهره فى بدء خدمته (وذُكِرَ هذا فقط فى يو2). وكان هذا مساء، والخدمة قد إنتهت وإنصرف الناس ورأى الأوضاع السيئة التى رجع إليها الهيكل من سرقات وغش وتجارة مرفوضة. ثم توجه ليبيت فى بيت عنيا.

دخول المسيح أورشليم في موكب عظيم.

مت1: 21 - 11 + مر1: 11 - 11 + لو29: 19 - 48 + يو12: 12 - 19.

هذا اليوم كان في خطة الله الأزلية، وهو يوم إعلان ملكه ونوع ملكه. فدخل المسيح أورشليم في موكب ملك كمنتصر غالب في الحرب، لكن بتواضع ومحبة وما حدث من إستقبال الناس له لم يكن بترتيب بشري إنما هو بترتيب إلهي. وكملك دخل بيت أبيه أي الهيكل ليطهره.

إرسال التلميذين ليحضرا الجحش تم من على الطريق المشترك لبيت عنيا وبيت فاجي

.

الآيات (مت1: 21 - 11): - "1 وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ 2قَائِلاً لَهُمَا: «اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَانًا مَرْبُوطَةً وَجَحْشًا مَعَهَا، فَحُّلاَهُمَا وَأْتِيَاني بِهِمَا. 3 وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئًا، فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا». 4فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: 5«قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ». 6فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ وَفَعَلاَ كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ، 7 وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا. 8 وَالْجَمْعُ الأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. 9 وَالْجُمُوعُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي! ». 10 وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: «مَنْ هذَا؟ » 11فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: «هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ».".

بيت عنيا وبيت فاجي هما من ضواحي أورشليم فهما تحسبان أنهما من أورشليم. فهناك طريق واحد منهما إلى أورشليم. وبيت عنيا توجد على السفح الشرقي، شمال جبل الزيتون، وبيت فاجي على السفح الشرقي، جنوب جبل الزيتون،.

أمّا السفح الغربي لجبل الزيتون فيقع عليه بستان جثسيماني. ونلاحظ أن قمة جبل الزيتون تحجب رؤيا أورشليم عمن هو في بيت عنيا. وقد أتى المسيح إلى بيت عنيا لوليمة سمعان الأبرص عشية يوم الأحد.

ودخل المسيح فصحنا إلى أورشليم عشية يوم 10نيسان، وهو اليوم الذي يحفظ فيه خروف الفصح حتى يقدم يوم 14نيسان. فالمسيح دخل أورشليم في نفس اليوم الذي يختارون فيه خروف الفصح. كانت أورشليم تكتظ بالحجاج (أع8: 2 - 11) ويقدرهم يوسيفوس بحوالي 2700000حاج.

ونلاحظ أن الأناجيل الأربعة إهتمت بهذا الأسبوع الأخير من حياة السيد المسيح فمثلاً إنجيل متى إشتمل على الإصحاحات 21 - 28 ليروي فيها ما حدث في هذا الأسبوع، أسبوع آلام السيد والذي قدَّم فيه السيد نفسه ليكون فصحنا ويعبر بنا من الظلمة إلى ملكوته الأبدي.

الآيات (مت1: 21 - 3): - "1 وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ 2قَائِلاً لَهُمَا: «اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَانًا مَرْبُوطَةً وَجَحْشًا مَعَهَا، فَحُّلاَهُمَا وَأْتِيَاني بِهِمَا. 3 وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئًا، فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا».".

جاءوا إلى بيت فاجي = ومرقس يقول بيت فاجي وبيت عنيا.. وأنظر الرسم، ومنه نفهم أن حدود بيت عنيا وبيت فاجي مشتركة ولهما طريق واحد مشترك إلى أورشليم. وقلنا سابقاً أن بيت عنيا تعني بيت الألم والعناء. أمّا بيت فاجي فتعني بيت التين (ربما لكثرة أشجار التين فيها). ولكن التينة تشير للكنيسة التي يجتمع أفرادها في محبة، وهي في العالم في عناء (الحدود مشتركة) لكن المسيح في وسطها. يفرح بالحب الذي فيها ويشترك في ألامها ويرفعها عنها ويعزيها وهي على الأرض. أتاناً مربوطة وجحشاً معها = أمّا باقي الإنجيليين (مرقس ولوقا ويوحنا) فقد ذكروا الجحش فقط وقالوا لم يجلس عليه أحد قط. وقال معظم الأباء أن الأتان المربوطة تشير لليهود الذين كانوا مؤدَّبين بالناموس مرتبطين به، خضعوا لله منذ زمان. لكنهم في تمردهم وعصيانهم مثل الحمار الذي إنحط في سلوكه ومعرفته الروحية، يحمل أحمالاً ثقيلة من نتائج خطاياه الثقيلة، والحمار حيوان دنس بحسب الشريعة. وهو من أكثر حيوانات الحمل غباءً، هكذا كان البشر قبل المسيح. أمّا الجحش فيمثل الأمم الشعب الجديد الذي لم يكن قد إستخدم للركوب من قبل، ولم يروَّض لا بالناموس ولا عَرِف الله، عاشوا متمردين أغبياء في وثنيتهم، لم يستخدمه الله قبل ذلك ولذلك فهم بلا مران سابق وبلا خبرات روحية. (مز12: 49). أتان = أنثى الحمار. جحش = حمار صغير.

ومتى وحده لأنه كتب لليهود أشار للأتان والجحش، أمّا باقي الإنجيليين فلأنهم كتبوا للأمم أشاروا فقط للجحش. ربما ركب المسيح على الأتان فترة من الوقت، وعلى الجحش فترة أخرى ليريح الجحش. لكن الإنجيليين الثلاثة يشيروا لبدء دخول الإيمان للأمم.

ونلاحظ في (رؤ2: 6) أن المسيح ظهر راكباً على فرس أبيض يشير لنا نحن المؤمنين. فالمسيح يقودنا في معركة ضد إبليس وخرج غالباً ولكي يغلب فينا. حينئذ أرسل يسوع تلميذين = رمز لمن أرسلهم المسيح من تلاميذه إلى اليهود والأمم. قولا الرب محتاج إليهما = هذه تشير لأن الله يريد أن الجميع يخلصون (يهوداً وأمم). ولاحظ أنه لم يقل ربك محتاج أو ربنا محتاج بل الرب محتاج فهو رب البشرية كلها، وأتى من أجل كل البشرية. وهو هنا يتطلع إلى البشرية ليس في تعالٍ بل كمن هو محتاج إلى الجميع، يطلب قلوبنا مسكناً له وحياتنا مركبة سماوية تحمله. فحلاّهما = هذه هي فائدة الكرازة التي قام بها التلاميذ في العالم، أن يؤمن العالم فَيُحَّلُ من رباطات خطيته (يو22: 20، 23) التي كان يحملها كما يحمل الحمار الأثقال على ظهره. الكنيسة تحل أولادها من رباطات الخطية ليملك عليها المسيح ويقودها لكن كفرس في معركة ضد الشيطان.

ونلاحظ أن المسيح لم يدخل أورشليم ولا مرّة، ولا أي مدينة أخرى في موكب مهيب بهذه الصورة سوى هذه المرة لإعلان سروره بالصليب، وهو قبل هذا الموكب فهو حسبه موكبه كملك يملك بالصليب. ويوحنا وحده الذي أشار لهتاف الجماهير بقولهم ملك إسرائيل. ونلاحظ أن المسيح لم يدخل كالقادة العسكريين على حصان، فمملكته ليست من هذا العالم، ويرفض مظاهر العظمة العالمية والتفاخر العالمي. ويطلب فقط مكاناً في القلوب، يحمل عنها خطاياها التي تئن من ثقلها (كالحمار) فترد لهُ جميله بأن تسكنه في قلبها (مز22: 73، 32) فيحولها لمركبة سماوية (مز10: 18) إن قال لكما أحد شيئاً = غالباً كان صاحب الحمار من تلاميذ المسيح الذين آمنوا به سراً.

الآيات (مت4: 21 - 5): - "4فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: 5«قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ».".

إبنة صهيون = أي سكان أورشليم (أش11: 62 + زك9: 9) والإقتباس تماماً من السبعينية. يأتيك وديعاً = حتى لا يهابوه بل يحبوه لذلك دخل راكباً أتان ولم يركب حصان في موكب مهيب كقائد عسكري. ولكنه الآن يركب حصان، فرس أبيض الذي هو أنا وأنت ليحارب إبليس ويغلب. ومن الذي يغلب إلاّ الذي دخل المسيح قلبه وملك عليه، فدخول المسيح أورشليم يشير لدخوله قلوبنا.

الآيات (مت6: 21 - 8): - "6فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ وَفَعَلاَ كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ، 7 وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا. 8 وَالْجَمْعُ الأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ.".

فرش الثياب هي عادة شرقية دليل إحترام الملوك عند دخولهم للمدن علامة الخضوع وتسليم القلب. ونحن فلنطرح أغلى مالدينا تحت قدميه. فما حدث يعني أنهم يقبلونه ملكاً عليهم، أو يملكونه عليهم. وإستخدامهم لأغصان الأشجار (غالباً شجر الزيتون) مع سعف النخيل يشير للنصرة (نصرة على الخطية) مع السلام. فالنخل يشير بسعفه للنصرة والغلبة (رؤ9: 7). والأغصان تشير للسلام (حمامة نوح عادت بغصن زيتون) وهذا ما كان اليهود يفعلونه وهم يحتفلون بعيد المظال، عيد الأفراح الحقيقية وهذا يدل على فرح الشعب بالمسيح الذي يدخل أورشليم. وكل من يملك المسيح على قلبه يغلب ويفرح. وفرش الأرض بالخضرة هو رمز للخير الذي يتوقعونه حين يملك المسيح.

آية (مت9: 21): - "9 وَالْجُمُوعُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي! ».".

إستعمل البشيرون عبارات مختلفة ولكن هذا يعني أن البعض كان يقول هذا والبعض الآخر كان يقول تلك. وكل إنجيلي إنتقى مما قيل ما يتناسب مع إنجيله. أمّا تسابيحهم فتركزت في كلمة أوصنا نطق أرامي معناه خلصنا فهي مأخوذة من هوشعنا بمعنى الخلاص أي يا رب خلص (هو من يهوه)، فالفرح كان بالمسيح المخلص وغالباً هم فهموا الخلاص أن المسيح سيملك عليهم أرضياً ويخلصهم من الرومان. وهذه التسبحة (أوصنا....) مأخوذة من مزمور (118).

الجموع الذين تقدموا والذين تبعوا = طبعاً هذه تشير لأن بعض الجموع تقدموا الموكب وبعض الجموع ساروا وراء الموكب. ولكنها تشير لمن آمن بالله وعاشوا قبل مجيء المسيح من القديسين، ولمن آمن بالمسيح بعد مجيئه. فالكل إستفاد بالخلاص الذي قدَّمه المسيح. الكل في موكب النصرة. لذلك فالمسيح نزل إلى الجحيم من قِبَلْ الصليب ليفتحه ويخرج القديسين الذين كانوا فيه ويأخذهم إلى الفردوس. فالمسيح هو مخلص كل العالم. أوصنا لإبن داود = إشارة لناسوت المسيح وتجسده. أوصنا في الأعالي = فهو الذي أتى من السماء وسيذهب للسماء.. (يو13: 3). ولاحظ أن متى الذي يتكلم عن المسيح إبن داود يشير لهذا بقوله أوصنا لإبن داود فهو تجسد ليرفعنا فيه للأعالي = أوصنا في الأعالي.

الآيات (مت10: 21 - 11): - "10 وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: «مَنْ هذَا؟ » 11فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: «هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ».".

سكان المدينة لم يعرفوه. ولكن من سمع عنه وعمل معه معجزات قد عرفوه. وهؤلاء كان أغلبيتهم من الجليليين الذين هم في وسط الجموع. وكل من دخل المسيح قلبه يرتج قلبه فيطرد من داخله كل خطايا تمنعه من الفرح بالمسيح المخلص ويبدأ في التعرف عليه. لقد خطط المسيح دخوله أورشليم في هذا الموكب المهيب ليعلن أنه ملك ولكن على القلوب وكجزء من تدبير صلبه يوم الفصح (الجمعة). فهو بهذا أثار اليهود ضده فهو دخل كملك ظافر، المسيا الآتي لخلاص شعبه (فهو ملك بصليبه).

الآيات (مر1: 11 - 11): - "1 وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا، عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، 2 وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ وَأَنْتُمَا دَاخِلاَنِ إِلَيْهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. فَحُلاَّهُ وَأْتِيَا بِهِ. 3 وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَفْعَلاَنِ هذَا؟ فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُ إِلَى هُنَا». 4فَمَضَيَا وَوَجَدَا الْجَحْشَ مَرْبُوطًا عِنْدَ الْبَابِ خَارِجًا عَلَى الطَّرِيقِ، فَحَلاَّهُ. 5فَقَالَ لَهُمَا قَوْمٌ مِنَ الْقِيَامِ هُنَاكَ: «مَاذَا تَفْعَلاَنِ، تَحُلاَّنِ الْجَحْشَ؟ » 6فَقَالاَ لَهُمْ كَمَا أَوْصَى يَسُوعُ. فَتَرَكُوهُمَا. 7فَأَتَيَا بِالْجَحْشِ إِلَى يَسُوعَ، وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِ. 8 وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. 9 وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! 10مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي! ». 11فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ.".

1

2

إنجيل مرقس كله 16 إصحاح، إستغرق 10إصحاحات منهم 3 سنة من حياة المسيح على الأرض و6 إصحاحات لأسبوع الآلام (11 - 16). ممّا يشير لأن مركز الثقل في خدمة المسيح كانت آلامه وفداؤه للبشرية أكثر مماّ هي تعاليمه لذلك تصلي الكنيسة "بموتك يا رب نبشر" وكانت كرازة التلاميذ محورها صلب المسيح وموته وقيامته. ونلاحظ أن زيارة المسيح لأورشليم هي إفتقاده الأخير لهذه المدينة حتى تكون بلا عذر.

آية (مر4: 11): - "4فَمَضَيَا وَوَجَدَا الْجَحْشَ مَرْبُوطًا عِنْدَ الْبَابِ خَارِجًا عَلَى الطَّرِيقِ، فَحَلاَّهُ.".

وجدا الجحش مربوطاً عند الباب خارجاً على الطريق = هذا أحسن وصف لحال الأمم. فهم مشبهون بالجحشن لم يتمرن ولم يخضع لناموس الله وشريعته من قبل، يعيشون في وثنيتهم وخطاياهم في غباوة كالجحش، خطيتهم أفقدتهم حكمتهم. مربوطين برباطات خطاياهم وشهواتهم. خارجاً عن رعوية الله كالإبن الضال الذي ترك بيت أبيه فصار على الطريق بلا حماية من أبيه ليس من يضمه ولا من يهتم به. ولكن المسيح إهتم بهذا الإبن الضال وأتى ليحله من رباطاته وأرسل تلاميذه ليحلوه.

الآيات (مر7: 11 - 8): - "7فَأَتَيَا بِالْجَحْشِ إِلَى يَسُوعَ، وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِ. 8 وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ.".

إلقاء الثياب رمز للخضوع، فهل نخضع أجسادنا للمسيح عوضاً عن الشهوات الدنسة. ونلاحظ أن الشهداء فرشوا أجسادهم خلال قبولهم سفك دمائهم من أجل الإيمان كطريق يسلك عليه الرب ليدخل قلوب الوثنيين. والنساك فرشوا أجسادهم بنسكهم فصارت حياتهم طريقاً يسير عليه الرب لقلوب الناس. وهكذا كل خادم يخدم الله ويتألم ويتعب. وعلى كل منّا أن يطرح عند قدمي المسيح إنسانه العتيق فيدخل المسيح لقلوبنا منتصراً. ويعطي لنا الرب مسكناً في السماء، مسكن أبدي (2كو1: 5 + مز24: 118 - 26).

آية (مر10: 11): - 10مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي! ». ".

أوصنا في الأعالي = هنا نرى موكب المسيا الموعود، كلنا فيه وهو رأس هذا الجسد المنطلق للسماء. ومرقس الذي يكتب للرومان أصحاب أكبر مملكة في العالم، يقول لهم أن المسيح أتى ليؤسس مملكة بإسم الرب فهي ليست من إرادة إنسان كمملكة الرومان.

الآيات (لو28: 19 - 48): - "28 وَلَمَّا قَالَ هذَا تَقَدَّمَ صَاعِدًا إِلَى أُورُشَلِيمَ. 29 وَإِذْ قَرُبَ مِنْ بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا، عِنْدَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ 30قَائِلاً: «اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، وَحِينَ تَدْخُلاَنِهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَطُّ. فَحُّلاَهُ وَأْتِيَا بِهِ. 31 وَإِنْ سَأَلَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَحُّلاَنِهِ؟ فَقُولاَ لَهُ هكَذَا: إِنَّ الرَّبَّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ». 32فَمَضَى الْمُرْسَلاَنِ وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا. 33 وَفِيمَا هُمَا يَحُّلاَنِ الْجَحْشَ قَالَ لَهُمَا أَصْحَابُهُ: «لِمَاذَا تَحُّلاَنِ الْجَحْشَ؟ » 34فَقَالاَ: «الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ». 35 وَأَتَيَا بِهِ إِلَى يَسُوعَ، وَطَرَحَا ثِيَابَهُمَا عَلَى الْجَحْشِ، وَأَرْكَبَا يَسُوعَ. 36 وَفِيمَا هُوَ سَائِرٌ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. 37 وَلَمَّا قَرُبَ عِنْدَ مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ابْتَدَأَ كُلُّ جُمْهُورِ التَّلاَمِيذِ يَفْرَحُونَ وَيُسَبِّحُونَ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقُوَّاتِ الَّتِي نَظَرُوا، 38قَائِلِينَ: «مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي! ». 39 وَأَمَّا بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ! ». 40فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ! ».

41 وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا 42قَائِلاً: «إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. 43فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، 44 وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ». 45 وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ 46قَائِلاً لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلاَةِ. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ! ». 47 وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، 48 وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ. ".

آية (لو30: 19): - "30قَائِلاً: «اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، وَحِينَ تَدْخُلاَنِهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَطُّ. فَحُّلاَهُ وَأْتِيَا بِهِ.".

المسيح أتى ليقوم هو بكل العمل الفدائي ولكنه في محبته أراد أن يكون لكل واحد دور وخدمة. فالتلميذين يذهبان ويحضران الجحش، وصاحب الجحش يعطيه للسيد. ونلاحظ أن من يرسله المسيح لخدمة فهو يهيئ له النجاح فيها. ونلاحظ هنا عدم إعتراض صاحب الجحش.

الآيات (لو37: 19 - 39): - "37 وَلَمَّا قَرُبَ عِنْدَ مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ابْتَدَأَ كُلُّ جُمْهُورِ التَّلاَمِيذِ يَفْرَحُونَ وَيُسَبِّحُونَ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقُوَّاتِ الَّتِي نَظَرُوا، 38قَائِلِينَ: «مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي! ». 39 وَأَمَّا بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ! ».".

سلام في السماء ومجدٌ في الأعالي = قارن هذه التسبحة بتسبحة الملائكة يوم ميلاد المسيح "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام" فهما مشتركتان في المجد في الأعالي ومفترقتان في السلام على الأرض هذا ما يقوله الملائكة. بينما يقول البشر سلام في السماء. فالملائكة فرحت بالسلام الذي صنعه المسيح على الأرض، أمّا البشر فيفرحون بالسلام الذي على الأرض ويتطلعون بفرح للسلام الذي سيحصلون عليه في الأعالي، فرحين بهذا السلام المعد لهم في السماء. وهكذا نتبادل شركتنا مع السمائيين. بينما نلاحظ أن أعداء ملكوت الله لا يفرحهم التسبيح ولهذا طلب الفريسيين من المسيح أن يسكتهم. ولنلاحظ أن المسيح إذ يقترب من قلوبنا (أورشليمنا الداخلية) فيتحول كل كياننا الداخلي إلى قيثارة يعزف عليها الروح القدس تسابيح فرحة. هذه التسابيح الفرحة هي بمناسبة نزع العداء بين السماء والأرض الذي أتى المسيح ليصنعه بصليبه، فصار سلام في السماء مع الأرض إذ لم يعد الله عدواً لنا، ولا السمائيين أيضاً. أمّا المجد الذي في الأعالي فيعني إنفتاح السماء بأمجادها على الإنسان ليتمجد في الأعالي. حقاً كان الروح القدس ينطق على أفواه هؤلاء بهذه النبوات والتسابيح. القوات التي نظروا = المعجزات التي صنعها السيد المسيح خصوصاً إقامة لعازر.

ولوقا الذي يتكلم عن المسيح شفيعنا الذي صالحنا مع الله إختار القول سلام في السماء ومجد في الأعالي فالمسيح بشفاعته حملنا للسماء ليكون لنا سلام مع السماء، ومجد في الأعالي.

آية (لو40: 19): - "40فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ! ».".

من عبد الأوثان من الأمم صارت قلوبهم حجرية كأوثانهم، حتى هؤلاء آمنوا بالمسيح وسبحوه. بل يوم الصليب تحركت الحجارة وتزلزلت الأرض فعلاً.

الآيات (لو41: 19 - 44): - "41 وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا 42قَائِلاً: «إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. 43فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، 44 وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ».".

لقد خربت أورشليم سنة 70م فعلاً بسبب شرورها. ونحن سنهلك كهؤلاء أيضاً مثلها إن لم نستجب لصوت الروح القدس ونتوب فنفرح ونسبح كهؤلاء وكان بكاء المسيح كما بكى على قبر لعازر إعلاناً لحزنه عمّا حدث للبشر من موت وفساد "في كل ضيقهم تضايق" (إش63: 9) والمسيح هنا يشير إلى ما تم بواسطة الرومان بقيادة تيطس وتدميره لأورشليم. ويهدمونك وبنيك فيك = قيل أن المجتمعين في أورشليم يوم أهلكها تيطس حوالي 2مليون بسبب عيد الفصح في تلك السنة. أحرق منهم تيطس حوالي 120000على صلبان وقتل 2,1مليون وباع آلاف كعبيد والباقون ماتوا في مجاعة رهيبة حتى أن الأمهات أكلن أبناءهن. فمن يرفض المسيح يخرب ومن يقبله يفرح ويسبح. راجع (مت37: 23، 38 + أش7: 1) هذه أجرة العصيان.

حتى في يومك هذا = لو كنت يا أورشليم قد قبلتيني كمخلص ما كان سيحدث لك ما سيحدث. ما هو لسلامك = الإيمان بالمسيح طريق سلام لها. أخفى عن عينيك = عدم الإيمان هو عمي بسبب خطاياها. "ليتك اصغيت لوصاياي فكان كنهر سلامك وبرك كلجج البحر" (إش48: 18).

لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ = لماذا هى لم تعرف، ولماذا لم يعرفوا المسيح؟ يجيب المسيح على هذا ويقول لأنهم لم يعرفوا الآب، فلو كانوا قد عرفوا الآب لعرفوا إبنه فهو على صورته "لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم ابي ايضا" (يو14: 7). ولماذا هم لم يعرفوا الآب؟ لأنهم فى كبريائهم طلبوا مجد ذواتهم ولم يطلبوا مجد الله "كيف تقدرون ان تؤمنوا وانتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض. والمجد الذي من الاله الواحد لستم تطلبونه" (يو5: 44). أما التلاميذ البسطاء فعرفوه وأحبوه فهم بلا كبرياء. أما الكبرياء فهى تصيب بالعمى.

الأعداد 12-19

الآيات (يو12: 12 - 19): -

"12 وَفِي الْغَدِ سَمِعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى الْعِيدِ أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ، 13فَأَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، وَكَانُوا يَصْرُخُونَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مَلِكُ إِسْرَائِيلَ! » 14 وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: 15«لاَ تَخَافِي يَا ابْنَةَ صَِهْيَوْنَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي جَالِسًا عَلَى جَحْشٍ أَتَانٍ». 16 وَهذِهِ الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تَلاَمِيذُهُ أَوَّلاً، وَلكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ يَسُوعُ، حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هذِهِ لَهُ. 17 وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 18لِهذَا أَيْضًا لاَقَاهُ الْجَمْعُ، لأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ هذِهِ الآيَةَ. 19فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ! ».".

الآيات (يو12: 12 - 13): - "12 وَفِي الْغَدِ سَمِعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى الْعِيدِ أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ، 13فَأَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، وَكَانُوا يَصْرُخُونَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مَلِكُ إِسْرَائِيلَ! ».".

وفي الغد = أي يوم الأحد. إذاً الوليمة كانت يوم السبت. الذين حضروا حفل العشاء أذاعوا النبأ السار أن يسوع الذي يريدونه كملك سيأتي إلى أورشليم. والجمع الذي إحتشد كان أغلبهم من الجليليين ومن الذين سمعوا بمعجزة إقامة لعازر فتحمسوا للقائه. وأمام هذا الإستقبال الحافل تأكدت مخاوف الفريسيين ورؤساء الكهنة ووقفوا ينظرون خائفين وحاقدين. وسعف النخيل هو رمز للنصرة والبهجة (لا40: 23 + رؤ9: 7). وهم رأوا أن يسوع هو المسيح المسيا الذي تنبأ عنه الأنبياء وأنه سيأتي من نسل داود ليعيد لهم الملك (صف15: 3 - 17 + لو32: 1 - 33) فهم كانوا يحلمون بإستعادة كرسي داود بل وأن يحكموا العالم كله. ونرى من (1مك51: 13 + 2مك4: 14) أنهم كانوا يستقبلون الملوك بسعف النخيل. ووجدت عملات مسكوكة من أيام سمعان المكابي عليها سعف النخيل. والنخيل شجرة محبوبة لأنها ترتفع شامخة نحو السماء فارشة أغصانها مثل التاج كأذرع تتوسل دائماً. خضراء على الدوام تزهر وتثمر لمئات السنين (مز12: 92 - 13 + نش6: 7 - 8) وفيه نرى النفس المحبوبة للمسيح تشبه بنخلة.

ويوحنا إختار قول الناس أوصنا مبارك الآتي بإسم الرب = فالمسيح أتى بقوة إلهية لخلاص الإنسان وتجديده، هو إبن الله الذي أتى ليخلقنا خلقة جديدة.

الآيات (يو12: 14 - 15): - "14 وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: 15«لاَ تَخَافِي يَا ابْنَةَ صَهْيَوْنَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي جَالِسًا عَلَى جَحْشٍ أَتَانٍ».".

لا تخافي = فدخول المسيح لأورشليم كان للسلام ولم يأتي ليحارب الرومان وتسيل الدماء في أورشليم لكن ليملأ القلوب سلاماً. بل ليصنع سلاماً بين السماء والأرض. وكان دخوله وديعاً هادئاً وليس كالملوك الأرضيين يصنعون حرباً ويطلبون جزية. والجحش يستعمله الفقراء وفي هذا درس لليهود المتكبرين الذين يحلمون بملك أرضي. وفي تواضع المسيح هذا إشارة لأن أحلام اليهود في مملكة عالمية هي أوهام خاطئة. ودرس لكل من يحلم بمجد أرضي أنه يجري وراء باطل.

آية (يو12: 16): - "16 وَهذِهِ الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تَلاَمِيذُهُ أَوَّلاً، وَلكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ يَسُوعُ، حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هذِهِ لَهُ.".

لم يفهمها تلاميذه أولاً = كثيراً ما لا نفهم أعمال المسيح أولاً ولكننا من المؤكد سنفهم فيما بعد (يو13: 7). وأنهم صنعوا هذه له = أي أنهم إشتركوا في تكريم المسيح كملك، وإشتركوا في تنفيذ النبوات، فهذه عائدة على النبوات. لم يكن التلاميذ فاهمين ولا الشعب ولا الفريسيين وكم من أمور تجري في حياتنا ونحن لا نفهمها. علينا أن لا نطالب بالفهم فسيأتي يوم ونفهم. لكن علينا بالإيمان.

17 وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 18لِهذَا أَيْضًا لاَقَاهُ الْجَمْعُ، لأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ هذِهِ الآيَةَ.

آية (يو12: 19): - "19فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ! ».".

هذه نبوة من فم الأعداء بإيمان العالم وذهابه وراءه، ونرى غيظهم من ضياع سلطانهم. لا تنفعون شيئاً = هذه مثل "راحت عليكم". فالناس تركتهم وهذا هو ما أغاظهم.

طلب اليونانيين أن يروا يسوع (يو20: 12 - 36).

الأعداد 20-36

الآيات (يو12: 20 - 36): -

"20 وَكَانَ أُنَاسٌ يُونَانِيُّونَ مِنَ الَّذِينَ صَعِدُوا لِيَسْجُدُوا فِي الْعِيدِ. 21فَتَقَدَّمَ هؤُلاَءِ إِلَى فِيلُبُّسَ الَّذِي مِنْ بَيْتِ صَيْدَا الْجَلِيلِ، وَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ» 22فَأَتَى فِيلُبُّسُ وَقَالَ لأَنْدَرَاوُسَ، ثُمَّ قَالَ أَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ لِيَسُوعَ. 23 وَأَمَّا يَسُوعُ فَأَجَابَهُمَا قِائِلاً: «قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ. 24اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ. 25مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ. 26إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضًا يَكُونُ خَادِمِي. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ. 27اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ 28أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ! ». فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: «مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا! ». 29فَالْجَمْعُ الَّذِي كَانَ وَاقِفًا وَسَمِعَ، قَالَ: «قَدْ حَدَثَ رَعْدٌ! ». وَآخَرُونَ قَالُوا: «قَدْ كَلَّمَهُ مَلاَكٌ! ». 30أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ: «لَيْسَ مِنْ أَجْلِي صَارَ هذَا الصَّوْتُ، بَلْ مِنْ أَجْلِكُمْ. 31اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. 32 وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ». 33قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ. 34فَأَجَابَهُ الْجَمْعُ: «نَحْنُ سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ ابْنُ الإِنْسَانِ؟ مَنْ هُوَ هذَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ » 35فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. 36مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ». تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ.".

الآيات (يو12: 20 - 22): - "20 وَكَانَ أُنَاسٌ يُونَانِيُّونَ مِنَ الَّذِينَ صَعِدُوا لِيَسْجُدُوا فِي الْعِيدِ. 21فَتَقَدَّمَ هؤُلاَءِ إِلَى فِيلُبُّسَ الَّذِي مِنْ بَيْتِ صَيْدَا الْجَلِيلِ، وَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ» 22فَأَتَى فِيلُبُّسُ وَقَالَ لأَنْدَرَاوُسَ، ثُمَّ قَالَ أَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ لِيَسُوعَ.".

يقرأ هذا الفصل في الساعة الأولى من ليلة الإثنين من البصخة المقدسة، فهذا هو الوقت الذي دار فيه هذا الحديث بعد دخول الرب لأورشليم. ويقرأ باكر عيد الصليب، فالصليب هو خلاص كل العالم، وهو محور كلام السيد المسيح هنا في ضرورة حمل الصليب. ومن يفعل يرى يسوع. ونرى هنا أن اليونانيين الأمم جاءوا لتحية المصلوب ملك اليهود، كما جاء المجوس الوثنيين لتحية المولود ملك اليهود، لكي يجمع المسيح في حياته ومماته الشرق والغرب، فالكل يسجد له ويعبده، كلاهما (يونانيين ومجوس) هم من الخراف التي ليست من هذه الحظيرة (اليهود)، كلاهما يفتتحان عصر قبول الأمم. ولاحظ أن في ميلاده رفضه اليهود. فولد في مذود ومجده الأمم (المجوس). فتش عنه المجوس ودبر هيرودس قتله. والآن يقبله الأمم اليونانيين ويدبر اليهود لقتله. واليونانيين هنا هم أصحاب الجنسية اليونانية وليسوا من يهود الشتات لكنهم تهودوا إذ قيل أتوا ليسجدوا، ولكنهم كانوا يعيشون في الجليل معجبين باليهودية، ولأنهم في نظر اليهود دخلاء فمكانهم في الهيكل في دار الأمم، لذلك جاءوا إلى فيلبس ليدبر لهم مقابلة مع المسيح لأن المسيح كان داخل الهيكل. ونلاحظ أن اليونانيين أتوا لفيلبس لأنهم يعرفونه من الجليل حيث يقيم يونانيين كثيرين. ونلاحظ أن فيلبس إسمه يوناني فربما كان له قرابة معهم. هم سمعوا عن المسيح ومعجزاته وإستقباله وتطهيره للهيكل فأعجبوا به وأرادوا أن يروه.

الآيات (يو12: 23 - 24): - "23 وَأَمَّا يَسُوعُ فَأَجَابَهُمَا قِائِلاً: «قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ. 24اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ.".

رأى المسيح في مجيء اليونانيين باكورة الحصاد الذي سيُحْصَد بواسطة موته. فحبة الحنطة تشير للمسيح الذي سيدفن بعد صلبه ليأتي بالأمم واليهود. والمسيح إنتهز الفرصة ليعلن إقتراب ساعة موته والتي بها سيكون الخلاص لكل العالم يهوداً ويونانيين أي يهوداً ووثنيين. يتمجد = بصليبه وموته ثم بقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب. وبذلك يكون الموت بداية للحياة المجيدة السمائية للأمم كما لليهود وبهذا يتمجد يسوع. وفي هذا تشابه مع البذرة في دفنها. اليونانيون أتوا ليروا مجد يسوع الذي دخل في إستقبال عظيم وطهر الهيكل. لكن نجد يسوع يتكلم عن موته. فالصليب هو مجده. وهذا عكس الملوك الأرضيون الذين يفتخرون بالمظاهر. وعلى كل مؤمن أن يميت ذاته مثل حبة الحنطة في هذا العالم، وهذا ما سوف يعطيه حياة أبدية. ومن يميت ذاته يكون المسيح بالنسبة له هو الطريق للقيامة والحياة. أمّا من إنغمس في ملذات هذا العالم فيكون قد إختار الموت كما أن البذرة لو تركت بدون دفن يأكلها السوس (مت39: 10). أو لو تُركت البذرة في المخازن دون أن تُدفن في الأرض ولم يأكلها السوس، ستظل هكذا بدون جمال، مجرد بذرة يابسة لكنها متى ماتت نبتت وأثمرت وأينعت وإخضرت الحقول وتوجت بالسنابل لذلك فالتضحية هي باب الإثمار والإنتاج، والصليب باب المجد. وأمّا الحبة التي ترفض التضحية وترفض الصليب تظل وحدها بلا منظر، بلا ثمار وبلا مجد. والثمار ستأتي أيضاً بتلاميذه الذين سيبذلون حياتهم. قد أتت الساعة = المسيح يعلن أن ساعة الصليب إقتربت، الذي به سيدخل الأمم (اليونانيون) للإيمان. هم أتوا ليروا مجد أرضي. ولكن أتت الساعة ليعرف الجميع معنى المجد الحقيقي السماوي. والمسيح إذ مات ودفن ثم قام عرفه الكل، وآمن العالم به. هو حبة الحنطة التي إذ تموت في التربة وتتحلل يخرج منها سنابل خضراء مملوءة (المؤمنين في كل العالم). فعمل المسيح الفدائي أعطى حياة لكثيرين جداً في كل العالم. وبالصليب سيرى الأمم واليهود المسيح رؤية قلبية بالروح القدس، فيعرفوه ويؤمنوا به فيتمجد إبن الإنسان.

دخل المسيح إلى أورشليم كملك يملك على قلوب محبيه، دخل وسط جو كله محبة وفرح، محبة منه لأورشليم (رمز لكنيسته) ودخل ليصلب ويكون حبة حنطة تموت ليؤسس كنيسته ويملك عليها، ودخل ليصلب، فالصليب هو قمة الحب، وأمام محبته هذه ملكته كنيسته عليها، على قلوب أولادها. ومن ملكوه على قلوبهم وجعلوه يتعشى معهم كما حدث مع أسرة سمعان الأبرص ولعازر بالأمس سيجعلهم يتعشوا معه في السماء عشاء عرس الخروف (رؤ19: 9 + رؤ3: 20) ويتمجدوا. ويرفع من كانوا في بيت العناء، بيت عنيا على الأرض إلى مجد السماء. فشركاء الألم شركاء المجد. والمسيح كان وسط أحبائه، وقد قبل أن يسلم نفسه للموت، تاركاً نفسه لأحبائه ليكفنوه. وكان هذا الحب ترطيباً لآلامه. لكنه كان قد بدأ طريق الصليب. طريق إعلان أعظم حب من الله للبشرية. ومازال للآن كل حب معلن، كل زجاجة طيب مكسور هو مُفرح لقلب المسيح، الزجاجة المكسورة هي صليبي ولكن طريق المجد هو الصليب، هذا ما رأيناه مع المسيح، وهذا هو الطريق الذي يدعونا إليه المسيح. (الحب + حمل الصليب).

آية (يو12: 25): - "25مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.".

نرى هنا التطبيق العملي. من يبغض نفسه = يموت عن شهوات العالم. هنا المسيح يرد على سؤال اليونانيين وعلى كل من يريد أن يرى يسوع. فمن يريد أن يرى يسوع فليصنع ما صنعه يسوع ويموت عن العالم. من يحب نفسه = النفس هنا تشير للحياة الطبيعية الحسية. أمّا الحياة الأبدية فهي الحياة الحقيقية، فمن يترك لذاته الحسية الخاطئة الآن يكون كمن يدفن نفسه وبذلك يرتفع ليستحق الحياة الأبدية، والحياة الأبدية هي المسيح والمعنى أن من يصلب الأنا تظهر حياة المسيح فيه. ولنبدأ بحفظ الوصية وإيثار الآخرين على أنفسنا ونقدم توبة حقيقية، فالتوبة هي دفن الجسد العتيق وإيثار الآخر هو دفن للأنا. وأمّا من لا يريد أن يكون كحبة الحنطة المدفونة ويمت فلن يأتي بثمر، من يرفض خدمة الآخرين ويرفض إعطاء الحب للآخرين ويحيا في عزلة وإنفرادية متلذذاً بحسياته الجسدية يكون كبذرة في المخازن بلا جمال ولا مجد معرضة للفساد والسوس محرومة من الحياة الأبدية. فلنحمل صليب يسوع حتى الموت. ومن يتمسك بالمادة لا يمكن أن يرتقي إلى فوق (السماويات). ومن يلتصق بشيء فانٍ يفنى معه (كملذات الدنيا). هذا هو طريق رؤية المسيح.

آية (يو12: 26): - "26إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضًا يَكُونُ خَادِمِي. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ.".

المسيح هنا يقدم مفهوم الخدمة فهي ليست مجرد خدمة للآخرين بل هي أن نسير في طريق المسيح أي الصليب. فليتبعني = كيف نتبعه إن لم نقبل أن نحمل الصليب. ونسير في طريقه بحفظ وصاياه وقبول أي صليب يوضع علينا (مت38: 10، 39). فالإيمان الصادق بالمسيح هو أن نسير في طريقه ونتحمل في سبيله كل أنواع الجهاد الروحي فمن يشاركه آلامه سيشاركه أمجاده (رو17: 8). حيث أكون أنا يكون خادمي = أي يكون له نفس طريق المسيح أي الصليب ثم المجد، حمل الصليب هو طريق التلمذة للمسيح (لو14: 27) فالصليب هو المحبة الباذلة، وهذه هى مدرسة المسيح ومن يريد أن يصير تلميذا فيها عليه أن يتعلم حمل الصليب. إن كان أحد يخدمني = لا يقصد بهذا خدمته في العالم بينما هو في الجسد لأن ساعة موته قد إقتربت. ولكن تعني حفظ وصاياه وخدمة أولاده، ويتشبه به فهو أتى ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ. يكرمه الآب = من يتبع المسيح ويخدمه حاملاً صليبه سينال كرامة من الله الآب (مت40: 10 + 1صم30: 2). وهنا المسيح يشرح وحدة الذات الإلهية بينه وبين الآب. فمن يكرم الإبن يكرمه الآب أيضاً، ولا يعود عبداً بل يصير إبناً للآب. ونحن نكرم القديسين والشهداء فالآب يكرمهم. ولنلاحظ أنه لا صليب بدون تعزيات (2كو3: 1 - 10). وهذه التعزيات هي عربون الأفراح والأمجاد السماوية فشركاء الألم شركاء المجد. ومن يلقي نفسه بإيمان في طريق الصليب يبدأ يتذوق هذا العربون. يخدمني = [1] يحفظ وصيتي [2] يخدم رعيتي.. كيف؟ يحمل الصليب مثلي: [1] يموت عن شهوات العالم [2] قبول أي ألم.

آية (يو12: 27): - "27اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ.".

النفس هي قاعدة المشاعر الإنسانية. أمّا الروح فهي أداة الإتصال بالله بها يتحدث مع الله وينعكس هذا في تعبيراته وتعاليمه. لذلك فالإنسان الروحى هو الذى يقوده الروح القدس، والروح القدس يتصل بروح هذا الإنسان، فالروح يتعامل مع روح. وروح الإنسان الخاضع للروح القدس هو الذى يقود الجسد والنفس أى كل الإنسان. وإضطراب المسيح هنا يشير لأنه إنسان كامل وهو الآن يتصوَّر الثمن الذي عليه أن يدفعه وهو الموت وحمل خطايا كل البشرية حتى يراه اليونانيين بل كل إنسان ويؤمنوا به، فيخلصوا. الإضطراب لا يعني الخوف فالمسيح لا يخاف من الموت فما يجعلنا نخاف من الموت هو الخطية والمسيح بلا خطية. ونخاف من الموت فما بعد الموت مجهول لنا، أما المسيح فيعرف المجد السماوي. إذاً هو ليس خوف بل هو إنفعال عاطفي شديد داخل النفس. ليس من أجل آلام الصليب ولكن [1] من أجل الخطايا التي سيحملها وهو القدوس البار. والخطية بالنسبة له شئ مكروه جداً. [2] من أجل الموت الذي سيتذوقه وهو الحي المحيي. القيامة والحياة. والموت ليس من طبيعته، بل كان الموت فى العهد القديم نجاسة ومن يتلامس مع ميت يتنجس (عد5: 2، 19: 11). [3] حجب وجه الآب عنه، وهذا فوق مستوى إدراكنا. [4] خيانة الناس الذين احبهم وكراهيتهم له، وهذا ضد طبيعته (المحبة فالله محبة). ولكن لإتصاله الروحي بالآب كان له قرار حاسم هو التوجه إلى الصليب مهما كان الثمن = ولكن لأجل هذا أتيت = الإبن أتى متجسدا لأجل خلاص البشر وذلك: -.

[1] لمحبته للبشر. [2] طاعته للآب.

ولاحظ أن إرادة الآب هى نفسها إرادة الإبن، وهذه الإرادة هى خلاص البشر ونجاتهم من الموت، فالله يحب البشر. وبهذا تكون طاعة الإبن معناها تسليم الإرادة الإنسانية وقبول المسيح كإنسان كامل لألام لا نستطيع نحن أن نتصورها، حتى تتم الإرادة الإلهية فى خلاص البشر. وكان قراره موجهاً بكل قوة نحو إتمام المشيئة الربانية وبكل حسم أيضاً.

ماذا أقول = المسيح لا يسأل، بل هو يلفت النظر لإضطرابه وإنفعاله نتيجة المعركة مع الموت والتي في نهايتها يموت الموت. وهو كان يصلي ويصرخ (عب7: 5) ليخرج منتصراً من هذه المعركة ويضاف إنتصاره لحساب الإنسان ويكون للإنسان حياة عوضاً عن الموت.

نجني من هذه الساعة = أعطني الإنتصار على الموت بالقيامة. وقبول الآب وإستجابة الآب أعلنها بقيامة الإبن.

الآيات (يو28: 12 - 30): - "28أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ! ». فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: «مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا! ». 29فَالْجَمْعُ الَّذِي كَانَ وَاقِفًا وَسَمِعَ، قَالَ: «قَدْ حَدَثَ رَعْدٌ! ». وَآخَرُونَ قَالُوا: «قَدْ كَلَّمَهُ مَلاَكٌ! ». 30أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ: «لَيْسَ مِنْ أَجْلِي صَارَ هذَا الصَّوْتُ، بَلْ مِنْ أَجْلِكُمْ.".

أيها الآب مجِّد إسمك = هى نفسها "أيها الآب.... مجد إبنك" (يو17: 1).

إسمك = إجو إيمي (يونانية) = أنا هو = يهوه (عبرية). يهوه صار إسماً للمسيح. مجد إسمك = مجد إبنك. فالمسيح يطلب أن يمجده الآب ويؤيده في هذه المعركة مع الموت لينتصر على الموت. ولكن لنلاحظ أن الآب والإبن واحد فمجد الإبن هو مجد الآب أيضاً. ولذلك فالمسيح ليس مشتاقاً أن يمجده الآب، بل هو مشتاق أن يتمجد جسده، ويكون هذا المجد لحساب كنيسته التي هي جسده. وهذا المجد يبدأ بإنتصاره على الموت، ويعطي حياته هذه للمؤمنين وهي حياة أبدية ثم يصعد للسماء ويتمجد بجسده، ويكون هذا المجد لكل من يغلب من المؤمنين (يو17: 22). والصوت الشديد كان ليسمعه المجتمعون فيؤمنوا بالمسيح بعد أن ظهرت علاقته بالآب. والله سبق وكلم موسى وإبراهيم وكثير من الأنبياء والآن يكلم إبنه ليظهر العلاقة بينه وبين إبنه، إلاّ أن اليهود لم يفهموا. رعد.. ملاك = الله يتكلم لكن كل واحد يسمع بحسب إستعداده ونقاوة قلبه وإهتمامه فالبعض فهموا أن هذا صوت فقالوا ملاك والبعض لم يفهم أبداً فقالوا رعد. وعموماً فصوت الرعد يصاحب كلام الله كما حدث مع موسى. ونلاحظ أن المجتمعين لم يميزوا صوت الله ولم يفهموا ما قيل، فالناس في بشريتهم وخطيتهم لا يستطيعون أن يسمعوا صوت الله. ونلاحظ أن صلاة المسيح ليست مثل صلاتنا وفيها نرجو ونتذلل وننسحق ليقبلنا الله، ولكن هي نوع من إعلان الصلة بينه وبين أبيه ومن خلال هذه الصلة تنسكب القوة الإلهية لتساند الجسد الضعيف حتى ينتصر في معركة الموت. ويرى الناس هذه الصلة فيؤمنوا بأن المسيح هو من الله. وصلاة المسيح حيث أنه واحد مع الآب ومشيئتهما وإرادتهما واحدة تشير لأنه يعلن مشيئة الآب التي هي مشيئته أيضاً. مجدت = في حياته ومعجزاته وبره وأن كل الإتهامات ضده إرتدت على مقاوميه. كما شهد الآب للإبن في العماد والتجلي وقال "هذا هو إبني الحبيب" وكما شهدت الملائكة له يوم الميلاد قائلة "المجد لله في الأعالي.." هنا الآب يشهد للمجد الذي للإبن منذ الأزل = وأمجد أيضاً = المجد الذي سيصير لناسوته بعد موته إذ يقوم ويصعد للسماء ويجلس عن يمين الآب. وسيؤمن به كل العالم ويسجدون له. بل من أجلكم = إذاً الصوت ليس لتشجيع المسيح لكن ليؤمنوا (هو إعلان للناس).

آية (يو12: 31): - "31اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا.".

قال دينونة ولم يقل الدينونة. فالدينونة مُعَرَّفَةْ بالـ هي في نهاية العالم. دينونة = يسقط بعنف نتيجة ضربة قوية ويخرج خارج دائرة المصارعة إذ إنهزم، هذا معنى الكلمة. والإنتصار ليس أن الله إنتصر على إبليس، بل المسيح الإنسان إنتصر لحسابنا عليه ليجذبنا بصليبه للسماء والغلبة هي لمن يؤمن (1يو4: 5). ولكن هناك دينونات كثيرة كلٌ في ميعادها. فمحاكمة المسيح الظالمة سيقع ذنبها على من حكموا عليه، ولذلك خربت أورشليم. ولأن من حكموا على المسيح ظلماً يحركهم الشيطان فلابد أن يسقط الشيطان بعد أن ساد العالم بظلمته طويلاً (لو18: 10 - 19). ولقد إنكشف إبليس أمام الكل وصارت حيله معروفة مدانة لأولاد الله. المسيح ببره أظهر شر العالم والشيطان الذي يحرك العالم حين صلب العالم المسيح. فلا عذر لإنسان يسير وراء العالم. لقد كان الصليب دليل إدانة العالم على كل شروره، فالعالم عوضاً عن أن يفرح بالمسيح قام عليه وصلبه (يو19: 3 + 39: 9 + 11: 16). ومعروف أن الشيطان رئيس هذا العالم (يو30: 14). ولقد تحوَّل الصليب إلى مجد للمسيح وحياة للمؤمنين وقوة يهزمون بها الشيطان، وصار الصليب عار ودينونة وإدانة لمن صلبه ولمن لا يؤمن به. بالصليب سلب الله كل سلطان لإبليس على البشر (مت29: 12). وجرده من كل نفوذ له كان يذلهم به ويجعلهم عبيداً له (كو14: 2 - 15). ومن ثم خلعه من عرشه وطرحه خارج العالم ليصير مجرد مخلوق حقير شرير متمرد على الله ينتظر في سجنه ساعة الدينونة (2بط4: 2) مقيداً بسلاسل بعد الصليب (رؤ1: 20 - 3). ينتظر أن يلقى في النار الأبدية في نهاية الأيام (مت41: 25 + مر24: 1). ولكن طرحه بدأ بالصليب = الآن يُطرح لم يعد للشيطان سلطان على أولاد الله. هو خارج دائرة من هم للمسيح. هو يحاربهم لكن لا سلطان له عليهم. وقوله دينونة العالم أي كشف وجه العالم الغادر والمقصود بالعالم هو المادية المعادية لروح الله. ونلاحظ أنه بالمعمودية يخرج الشيطان تماماً من حياة المؤمنين ولكن يظل يحاربهم من خارج (لو21: 11 - 22). والمسيح أعطانا القوة أن نطرده وأعطانا سلطاناً أن ندوس عليه بعد أن حررنا منه. ولكن هناك من يذهب له وبالتالي يفقد حريته لذلك ينبه المسيح أن لا نفعل ذلك (يو36: 8). بالصليب أدينت الخطية فينا أي ماتت وأصبحت بلا سلطان علينا (رو3: 8).

الآيات (يو12: 32 - 33): - "32 وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ». 33قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ.".

المسيح إرتفع على مرحلتين الأولى على الصليب (يو14: 3 + 28: 8) ثم الصعود (مر19: 16 + لو51: 9 + أع11: 1). وكان الصليب هو طريق الصعود لأعلى فهو كان الخطوة الأولى. لذلك صار المؤمنون يشتهون الصليب بسبب الخطوة التالية وهي الإرتفاع للمجد (يو1: 14 - 3) كان كل هذا رداً على طلب اليونانيين أن يروه. فهو سيجذبهم لأعلى وليس فقط سيرونه. بإرتفاع المسيح على الصليب سيجذب المؤمنين إلى الحياة الأبدية. مشيراً = كلمة صليب كانت لعنة وصارت إرتفاع للمجد. لقد صارت كلمة إرتفاع تشير للصليب وتشير للصعود أيضاً، بل صارت قوة جبارة تجذب البشر للسماء وعكس قوى الشر. هو يجذب لكن ليس كل واحد يستجيب، وقوله الجميع = يهود وأمم.

آية (يو12: 34): - "34فَأَجَابَهُ الْجَمْعُ: «نَحْنُ سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ ابْنُ الإِنْسَانِ؟ مَنْ هُوَ هذَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ ».".

تنبأ الأنبياء عن أن ملك المسيح أبدي (دا 13: 7 - 14 + أش7: 9 + حز25: 37 + مز3: 89 - 4، 35 - 36 + مز4: 110) ولكن اليهود فهموا هذه النبوات خطأ لأنهم ظنوا أن ملك المسيح سيكون على الأرض ولم يفهموا أن ملكه سيكون ملك أبدي سماوي. ولذلك حينما قال المسيح إن إرتفعت عن الأرض (32) فهمها اليهود أنه سيموت، ومن هنا حدث اللبس فكيف يموت وهو المسيا الذي سيملك إلى الأبد. وكان خطأ اليهود فهمهم السطحي فكيف يقيم المسيح ملكاً أبدياً على أرض مصيرها الفناء. هو قال عن نفسه أنه إبن الإنسان فبحسب فهمهم أنه لو كان المسيح فإبن الإنسان لن يموت.

الآيات (يو12: 35 - 36): - "35فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. 36مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ». تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ.".

النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ = المسيح هو النور الحقيقى (يو1: 9). وهنا يرد السيد على تصورهم أن المسيح سيبقى على الأرض إلى الأبد. ومعنى كلامه...

لا أنا لن أبقى للأبد بجسدى هذا على الأرض كما تظنون.

وهنا يعطيهم الرب نصيحة لأنهم متشككين ومعاندين. فبحسب فكرهم فالمسيح الآتى سيكون له ملك أرضى أبدى، لذلك رفضوا فكرة أن يرتفع المسيح تاركا الأرض كما قال لهم فى الآية (33). والحقيقة أنهم لرفضهم للمسيح حسدا، فهم يفتشون على أى سبب ليرفضونه، ويحاولون أن يتصيدوا عليه أى خطأ بل حاولوا كثيرا أن يوقعوا به فى خطأ (مت22: 15). فهم رسموا لأنفسهم صورة للمسيح المنتظر بحسب أفكارهم المادية ولم يجدوها فى السيد المسيح المتواضع. والمسيح يعطيهم نصيحة أن لا يعاندوا متمسكين بأرائهم، فالله لن يسير بحسب أرائهم بل عليهم هم أن يسيروا بحسب فكر الله. الله يريد لهم ولنا حياة سمائية وهم يريدون حياة أرضية مادية. وطالما قال لهم المسيح أنه سيرتفع فهو إذاً سيرتفع ولن يغير خطته. وعليهم أن يصدقوا هذا ويتعلموا منه طالما هو على الأرض بجسده، فكلام المسيح هو "روح وحياة" (يو6: 63) و "كلام الحياة الأبدية عنده" (يو6: 68). وبالتالى قد يعنى كلامه أن عليهم أن ينتفعوا بفرصة وجوده معهم فهو النور القادر أن يقودهم. فهو ليس إنسان ذي جسد عادي مثل باقي البشر، بل هو الله - نور من نور (يو12: 8 + 5: 9 + 6: 1 - 10 + 19: 3). ونفهم من الكتاب المقدس أن النور هو الله ذاته (أي19: 38 + دا22: 2 + مز2: 104 + مز1: 27) وواضح أن المسيح يدعوهم لأن يؤمنوا به ليصيروا أبناء النور وينتهزوا فرصة وجوده على الأرض بجسده ليتعلموا.

ثم مضى وإختفى عنهم = غالباً كان إختفائه بطريقة عجيبة ملحوظة من أمامهم. رمزاً لأنه سوف يصعد للسماء ولن يعودوا يرونه بالجسد بعد صعوده.

قد يُفهم من كلام المسيح أن عليهم أن يؤمنوا به طالما هو معهم بالجسد وهم قادرين أن يرونه ويدركوا نوره جسديا، وذلك قبل أن تضيع الفرصة إذ يصعد بجسده فلا يعودوا يرونه بجسده. وهذا صحيح جزئيا لليهود الذين يسمعونه.

فقول المسيح هذا لليهود الذين يسمعونه كان ليسمعوا تعاليمه ويستفيدوا منه ومن تعاليمه فلا يسقطوا فى براثن الشيطان سلطان الظلمة = لئلا يدرككم الظلام = أي الشيطان والمعنى إن لم تقبلوني سيسيطر عليكم الشيطان سلطان الظلمة (لو22: 53). إذاً إنتهزوا الفرصة فمن لا يسير في النور لن يصل للحياة الأبدية.

وهذا ما حدث لليهود فعلا، فنتيجة عنادهم ورفضهم للمسيح سقطوا فى الظلمة، ووصل بهم الأمر لصلب المسيح. والنتيجة خراب أورشليم وهلاك الملايين منهم على يد تيطس الرومانى. بل لمدة 2000 سنة وهم مشردين فى العالم كله مرفوضين ومنبوذين. وعلى كل من يسلك فى الظلمة عليه أن يتوقع هذه النهاية. وكان المسيح يشفق على اليهود من هذا المصير ويعاتبهم أنهم رأوه وسمعوا تعاليمه ورأوا أعماله ولم يؤمنوا (يو6: 36 + يو8: 45، 46).

ولكن هنا يثور سؤال... وماذا بعد صعود المسيح، كيف نرى نحن النور لنؤمن؟ وهل معنى كلام المسيح هنا لليهود أن يستغلوا فرصة وجوده على الأرض بالجسد ليؤمنوا، أنه لا طريق للإيمان بالمسيح إن لم نراه بالجسد؟

قطعا المسيح لا يقصد هذا على الإطلاق. فإن كان شرط أن نؤمن بالمسيح أن نراه جسديا، فكيف يؤمن البشر به فى كل مكان وكل زمان.

وفى هذه الآيات يرسم المسيح لكل إنسان طريق الإيمان به، وطريق تغيير طبيعة الإنسان من طبيعة مظلمة إلى طبيعة نيِّرة. والطريق ببساطة أن من يريد أن تتغير طبيعته عليه أن يترك طريق الخطية والظلمة، وأن يسلك فى النور أى يلتزم بوصاياه.

ولاحظ تسلسل كلام الرب فهو قال أولاً * سيروا في النور ثم تقدم خطوة فقال * آمنوا بالنور = آمنوا بي. * لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ = أي من يؤمن بالمسيح يتغير كيانياً، يصير خليقة جديدة (2كو5: 17)، ويصير نوراني (هذه مثل "يصير نيرِّاً كله" لو36: 11).

* فسيروا ما دام لكم النور = في ترجمة أخرى (القطمارس) فسيروا في النور. وكل من يسلك فى النور منفذا وصايا المسيح تاركا طريق الخطية، ستكون له العين المفتوحة التى ترى وتبصر النور. فالنور لا يراه سوى مفتوح العينين صاحب القلب النقى "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت5: 8). وهذا يعنى أنه سيدرك المسيح حقيقة، فالمسيح هو النور، وهذا معنى مثل الرب فى (مت7: 24 – 27).

* آمنوا بالنور = ومن إنفتحت عيناه سيرى المسيح ويعرفه، ومن يعرفه حقيقة سيحبه وسيؤمن به. بل سيسكن عنده الآب والإبن (يو14: 23).

* لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ = من يسكن عنده الآب والإبن ستتغير طبيعته إلى طبيعة نورانية، فالنور الحقيقى يسكن فيه وينعكس عليه.

وكل إنسان أمامه طريق من إثنين: -.

  1. إما يختار المسيح فيختار طريق النور والحياة الأبدية، ولاحظ أن من يختار هذا الطريق يساعده المسيح، فبدون المسيح لن نقدر أن نفعل شيئا (يو15: 5).
  2. أو يختار الإنسان طريق الظلمة أى طريق الخطية وشهوات الجسد، فيقع فى براثن سلطان الظلمة أى الشيطان (لو22: 53) ونهاية هذا الطريق الموت.

وهذا نفس ما ردده موسى النبى فى العهد القديم "قد جعلت قدامك الحياة والموت. البركة واللعنة. فإختر الحياة لكى تحيا أنت ونسلك" (تث30: 19).

رفض اليهود للمسيح (يو37: 12 - 50).

الأعداد 37-50

الآيات (يو37: 12 - 50): -

"37 وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، 38لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَارَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ » 39لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا: 40«قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ». 41قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ. 42 وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، 43لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ.

44فَنَادَى يَسُوعُ وَقَالَ: «الَّذِي يُؤْمِنُ بِي، لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي. 45 وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي. 46أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ. 47 وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ. 48مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، 49لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ. 50 وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ، فَكَمَا قَالَ لِي الآبُ هكَذَا أَتَكَلَّمُ». ".

الآيات (يو37: 12 - 41): - "37 وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، 38لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَارَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ » 39لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا: 40«قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ». 41قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ.".

نرى هنا عدم إيمان اليهود بالرغم من كل ما عمله المسيح أمامهم. بل كل ما عمله كان تصديقاً للنبوات، ولو إهتم هؤلاء العلماء الدارسين أن يفهموا، لو إهتموا بالبحث عن الحقيقة لرأوها مجسدة أمامهم. من صدق خبرنا = من صدق كلام المسيح (الإنجيل). وللآن فهناك من لا يصدق حتى من المسيحيين، فمن يصدق لابد أن يتوب وتتغير حياته. ولكنهم لأنهم لم يبحثوا عن الحق فقد عميت عيونهم. وحتى هذا تنبأ عنه إشعياء. فهم الذين أعموا عيونهم لأنهم لا يريدون. هم بحثوا عن أنفسهم لا عن الله لذلك لم يجدوا الله بينما كان هو أمامهم. وكون إشعياء يعلن هذا، فهذا يشير إلى أن كل شئ يتم بحسب تدبير الله، ليس بقوتهم ولا مؤامراتهم صلبوا المسيح، بل بسماح من الله. (يو11: 19). إشعياء قال هذا حين رأي مجده = ويوحنا يقصد بهذا ما قصده إشعياء.. أبعد ما رأى اليهود كل هذا المجد للمسيح لم يؤمنوا. لمن إستعلنت ذراع الرب = ذراع الرب إشارة للمسيح المتجسد (إش9: 51 + 1: 53 + أش9: 52 - 10). فالمسيح ظهر في الجسد، وأظهر بأعماله وأقواله محبة الله، ولكن أشعياء يتعجب، لمن حدث هذا؟ لليهود الذين رفضوه وصلبوه، لقد تحققت نبوة إشعياء. ولكن عدم إيمانهم لم يوقف تدبير الخلاص بل صار عثرة لهم وحدهم، وإستعلنت ذراع الرب للأمم. لم يقدروا أن يؤمنوا = ليس لأن الإيمان صعب. لكنهم لم يريدوا. حين رأي مجده = في أش (6) رأى أشعياء مجد الله، وهنا يوحنا ينسب هذا المجد للمسيح. وبهذا نفهم أن المسيح هو رب المجد. أعمى عيونهم = أي سمح بأن يغمضوا عيونهم عن الحق وذلك لشرهم. الله يحاول مع الإنسان لكي يؤمن فإذا عاند الإنسان فالله يترك الإنسان ويكف عن محاولاته معه فيقال أن الله قسى قلب الإنسان أو أن الله أعمى عينيه وهذا ما حدث مع فرعون. إذاً الله تركهم لقساوة قلوبهم ولم تساندهم نعمته فلم يدركوا مجده، أما إشعياء نقى القلب رأى مجده. ومع قساوة قلوبهم فالله لم يتوقف عن خلاص البشرية.

الآيات (يو42: 12 - 43): - "42 وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، 43لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ.".

الإيمان بلا إعتراف يساوي عدمه، فسبب عدم الإعتراف هو الخوف على ضياع مراكزهم.

كأعضاء في مجمع السنهدريم وهذه لها كرامة عظيمة عند اليهود، وكيف يكون الله في مرتبة أقل من مراكزهم. والكتاب ذكر إثنين من الذين آمنوا من الشيوخ وهم نيقوديموس ويوسف الرامي وهؤلاء كانوا يأتون للسيد ليلاً حتى لا يراهم أحد، لكنهما أظهرا شجاعة ما بعدها شجاعة عند موته وجاهرا بإيمانهما غير مبالين بأي خطر (مت57: 27 + لو50: 23 - 51 + يو1: 3، 2 + يو22: 9).

هذه الآيات يذكرها يوحنا هنا لنرى فيها:

مقام المؤمن 44 - 46.

مقام غير المؤمن 47 - 48.

مقام كلام المسيح 48 - 50.

وهذه مبادئ ذكرها المسيح ونادى بها من قبل ويسجلها يوحنا هنا كتعليق على عدم إيمان اليهود بالمسيح بعد أن أنهى المسيح تعليمه للجموع ولليهود. فإبتداء من إصحاح (13) ينفرد المسيح بتلاميذه في أحاديث خاصة وتعليم لهم وحدهم وصلاته الشفاعية يوم الخميس. ولكن لم يَعُدُ المسيح بعد هذه الكلمات يتكلم مع الفريسيين أو الشعب. لذلك يضع يوحنا هذه الآيات كختام بمعنى أن المسيح صنع لهم كل شئ وأراهم كل شئ. وكل إنسان حر أن يقبل أو يرفض. وهذه تشبه ما قيل في (رؤ11: 22) "من يظلم فليظلم بعد ومن هو نجس فليتنجس بعد ومن هو بار فليتبرر بعد".

الآيات (يو44: 12 - 45): - "44فَنَادَى يَسُوعُ وَقَالَ: «الَّذِي يُؤْمِنُ بِي، لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي. 45 وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي.".

نادى = أي بصوت عالٍ إظهاراً لغيرته الشديدة على خلاصهم. الذي يؤمن بي = هذا تعليق على من آمن وأعلن إيمانه جهاراً، وعلى من آمن من الرؤساء والشيوخ وأخفى إيمانه، وعلى من رفضوا الإيمان تماماً (آيات 40، 42) من آمن بالمسيح فقد إنفتحت عيناه وعرفه، وحين عرفه فقد عرف الآب لأن المسيح هو صورة الآب. والذي يراني = يراني بحسب الحقيقة ويعرف مجدي السماوي. العين المفتوحة هنا هي درجة أعلى من الإيمان، وتحتاج لإعلان بالروح القدس. ونرى هنا أن المسيح لا يفصل بين الإيمان بالآب والإيمان به فهما جوهر إلهي واحد. والمسيح هو صورة الآب ورسم جوهره فمن يراه يرى الآب (عب1: 3)، وهو تجسد لنرى فيه صورة للآب "الله لم يره أحد قط، الإبن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبَّر" (يو1: 18) وهو قال "الذى رآنى فقد رأى الآب" (يو14: 9). بل بالذى أرسلنى = وتأكيد المسيح الدائم أنه مرسل من الآب هو تأكيد على هذه الوحدة مع أبيه السماوي الذى أرسله ليعلن للعالم صورة الآب. من يرى يسوع (ليس بشكله البشري) بل رؤية إيمانية سيرى كل ما يمكن إدراكه عن الآب.

تعليق: 1) الروح ينير قلب الإنسان فيرى ما لا يُرى. يرى بعيني قلبه، بحواسه الداخلية. كما نطق بطرس "أنت هو المسيح إبن الله الحي".

2) نحن نصل للآب عن طريق الإبن، والآب يصل لنا عن طريق الإبن (نش2: 1).

آية (يو46: 12): - "46أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ.".

نوراً = قبل المسيح كان العالم في ظلمة لا يدرك الله ولا يراه ولا يعرفه. ومجيء المسيح بدد الظلمة بنوره. لكن لا ينتفع بهذا النور سوى من يؤمن بالمسيح. هو الحق المدرك الكامل. والمسيح جاء ليستعلن ذات الله المخفية في شخصه. والخطية أظلمت عيوننا فما عدنا نرى الله. والمسيح بنوره نرى خطيتنا ونتوب عنها. لذلك فالإيمان بالمسيح يعيدنا إلى الحالة الأولى، لنا عيون تبصر الله وتراه كما كان آدم في الجنة، وهذا عكس ما قيل في آية (40) قد أعمى عيونهم بسبب عدم إيمانهم (آية39). هذه الآية توضيح لما سبق، فمن يقبل المسيح، ينير له المسيح قلبه فيعرف الآب. وبدون المسيح فالإنسان يعيش في ظلام فلا يعرف الله ولا الطريق ولا الحق ولا المستقبل.

آية (يو47: 12): - "47 وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ.".

المسيح في مجيئه الأول أتى ليخلص لا ليدين، أتي ليدعو الجميع للإيمان، ومن يرفض لن يُدان الآن (يو17: 3). وهذا ما نراه فكثيرين من الملحدين يهاجمون الله والمسيح، ولا يعاقبهم الله. والدعوة معروضة أمامهم حتى آخر يوم في حياتهم. هذا الزمان هو زمان الرحمة وليس الدينونة. سمع = سمع وينفذ.

الآيات (يو48: 12 - 50): - "48مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، 49لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ. 50 وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ، فَكَمَا قَالَ لِي الآبُ هكَذَا أَتَكَلَّمُ».".

الكلام الذي تكلمت به هو يدينه = كلام الله هو سيف ذو حدين (عب12: 4) الحد الأول يطهر وينقي ويقطع الخطية من داخلنا لنولد من جديد (1بط23: 1) ومن يرفض فالحد الثاني يدين به المسيح هذا الشخص، وبه يحاربه (رؤ13: 2). من يرفض كلام المسيح وكلام المسيح حياة. إذاً هو يرفض الحياة. إذاً هو وقع تحت الدينونة. هو وضع نفسه بنفسه تحت الدينونة. فكلام المسيح نور وسيميز البار من الشرير (يو19: 3 - 20) إذاً المسيح بسلطان كلمته يحيي ويقدس ويطهر وأيضاً يميت. فالكلمة التي لها قوة الخلاص لها أيضاً قوة الدينونة وهذا يتطابق مع مع نبوة موسى عن المسيح "اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به. ويكون ان الانسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي انا اطالبه" (تث18: 18 - 19)، فمن لا يسمع كلام المسيح ويؤمن به يدينه الآب، فالآب "كلمنا فى إبنه" (عب1: 2). لذلك فكلمات المسيح ستقف شاهداً ضد من يستهين بها. المسيح الآن لا يدين أحداً، فهو ما جاء ليدين. لكن من يرفضه وضع نفسه خارج دائرة الرحمة. وسيدان في الأبدية إذ تقف كلمات المسيح شاهدة عليه أنه رفض الرحمة = من رذلني = أي رفض أن يؤمن بي. لم يقبل كلامي = لم يقبل تعليمي، فكلام المسيح وتعليمه هو الحق وهو نفسه كلام الآب. وهذا الكلام لا يزول، ومن يقبله يحيا ومن لا يقبله يدان. فالدينونة ليست أن نقف في محاكمة أمام الله، بل أن كلام المسيح حق سيواجه ضمير الإنسان ويحكم عليه. كل واحد سيدان من الحق الذي سمعه في يوم من الأيام "ضمائرهم مشتكية" (رو15: 2). وصيته حياة أبدية = هي في ذاتها حياة. أي حين تقبل وصية المسيح تأخذ حياة في داخلك. الله يريد للإنسان الحياة الأبدية. وحين يعطي الإنسان وصية فهو لا يريد أن يتحكم في حريته بل أن تساعده هذه الوصية أن يحيا حياة أبدية ولا يهلك.

ونفهم من كلام المسيح هنا أن كلامه هو نفسه كلام الآب فهما واحد. لذلك فكل من لا يؤمن بالمسيح وبكلامه سيبرهن أنه غير مستحق للغفران والخلاص الذي أتى لأجلهما المسيح. وبالتالي لا يستحق الحياة الأبدية. فهدف وصايا المسيح وتجسد المسيح أن يعطينا حياة أبدية. وخلاصة كلام المسيح هنا أنه هو الله الظاهر في الجسد ومن يؤمن به ينال حياة ابدية، ووصايا الآب التي هي وصاياه من يطيعها تكون له الحياة الأبدية.

فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم = هذا نفس ما قاله موسى (تث18: 18 - 19). قال لي الآب = هذه تعني أنه، لأن الآب والإبن واحد فالمعرفة متطابقة والإرادة واحدة، ولكن ما يريده الآب يعلنه الإبن وينفذه.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الثالث عشر - تفسير إنجيل يوحنا - القمص أنطونيوس فكري

الاصحاح الحادي عشر - تفسير إنجيل يوحنا - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير إنجيل يوحنا الأصحاح 18
تفاسير إنجيل يوحنا الأصحاح 18
No items found