الفصل الرابع الحكمة والنبوة فى العهد القديم – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الرابع الحكمة والنبوة فى العهد القديم

إن موضوع الخلاص فى العهد القديم قد ظهر بصور مختلفة جداً فى أسفار الحكمة والنبوة التى تكوّن أسفار العهد القديم الأخيرة، حيث كانت البداية خلال القرن الثامن والسابع والسادس لنزول الفجر على كثير من الذين تبعوا الله حيث عهود الله الممنوحة لبنى إسرائيل لم تكن قد أكملت بعد، تلك العهود التى لم تعطى لإسرائيل الجسدية بل لإسرائيل الروحية التى هى جماعة الله المختارة، وأصبحت أرض الموعد الموعود بها عن طريق الأنبياء لم تعد هى أرض كنعان بل ملكوت الله الذى هو المملكة الروحية التى تفوق العالم الموجود عندئذ، وحتى يدرك الإنسان ذلك الملكوت عليه أن يتفوق تفوقاً جوهرياً وأن يتم اعادة تكوين العالم الساقط وهكذا فإن أسفار الحكمة والنبوة تتعدى إسرائيل القديمة إلى إسرائيل الجديدة ومجئ الملكوت الشامل. وهكذا فإن الدارسين المسيحيين للإنجيل يتحدثون عن التحول الاسكاتولوجى Escatologicai لرسالة الإنجيل بخصوص الفداء فى العهد القديم فى أسفار الحكمة والنبوة (اسكاتون كلمة يونانية Eschaton معناها النهاية end أو الهدف goal أو الشئ الأخير Last Thing) وهكذا فإن كلمة اسكاتولوجى معناها التعليم أو الفكرة الخاصة بالأشياء الأخيرة أو الهدف النهائى للعالم. وهذا العرض للأمور المستقبلة هو الملامح العامة لأسفار الحكمة والنبوة فى العهد القديم.

اولاً – أسفار الحكمة

يقدم لنا العهد القديم فكرتين عن الحكمة:

† الفكرة الأولى هى القدرة على تأسيس ممارسة وفهم للعلاقة بين الإنسان والله والمخلوقات الأخرى والعالم كله بصفة عامة. والحكمة فى أسفار العهد القديم بخصوص هذا الأمر ليست حكمة فلسفية أو عقلية بل هى الحكمة العملية التى تمكن الإنسان أن يحيا حياة صالحة فى أعين الناس وفى نظر الله أيضاً. إن رجال الله الحكماء فى العهد القديم شرحوا لشعب بنى إسرائيل معنى الحياة والوجود الإنسانى فى ضوء تعاليم الناموس والأنبياء.

† والفكرة الثانية التى يتحدث فيها العهد القديم عن الحكمةانها رمز لله والقوة الخفية وان الحكمة هى صورة مجد الله ضابط الكل، وإنها الهدف الإلهى الذى يوجهه العالم بأسره. وفى العهد القديم السلوك بالحكمة هوالوجود مع الله نفسه، ففى سفر الأمثال (8: 22 - 36) الحكمة هى إشارة ودلالة للوجود مع الله وهى مفتاح الحياة الأبدية. ويتحدث سفرحكمة سليمان عن الحكمة فإنها عمل خاص بالذكاء والقداسة والاتزان ومحبة الصلاح وهى تعبير عن الطهارة والقوة والمجد والنور والصلاح وكلها أمور خاصة بالله نفسه (سفر الحكمة 7: 22؛ 8: 1) والحكمة أيضاً تشير إلى الكلمة الذى خلق كل الأشياء (حكمة 7: 22؛ 9: 1).

وهكذا فإن القديس بولس الرسول وكثير من آباء الكنيسة اعتبروا الحكمة هو كلمة الله الحية (الاقنوم الثانى من الثالوث) الذى تجسد فى الرب يسوع المسيح. ويتحدث بولس الرسول عن المسيح انه قوة وحكمة الآب الذى صار لنا براً وقداسة وفداء (1كو 1: 24 - 30).

1 - أسفار الحكمة فى العهد القديم:

إن العهد القديم يحوى على سبعة أسفار عرفت بأسم أسفار الحكمة وهى:

1 - سفر أيوب Job: الذى كتب فى حدود القرن العاشر أو التاسع قبل الميلاد وهو يحوى فلسفة ولاهوت تألم الأبرار، ولماذا يتألم الأبرار بينما يزدهر الأشرار فى العالم المخلوق من الله. وفى مناقشة هذه المشكلة فى سفر أيوب يتحدث عن تحول ظلم العالم على المدى الطويل إلى الله وإن الله سوف يقود الأبرار إلى النصرة والأشرار سوف ينتهون إلى الهزيمة ولكن هذه المكافأة للأبرار والعقاب للأشرار لم تحدد بصراحة فى النصوص.

2 - سفر المزامير Psalms: وهو يلعب دوراً كبيراً فى الحياة الليتورجية. ويطلق عليه البعض كتاب التسابيح الخاص بالهيكل الثانى (القلب). وقد تم إكتشاف سفر المزامير وقت عزرا (القرن الخامس ق. م) وتم استخداه فى الخدمة فى هيكل أورشليم عند اعادة بناء الهيكل.

ويحوى تسابيح التمجيد والصلاة وقت المحن وأغانى الإيمان. وهو يحوى فى مركزه الأساسى العلاقة بين الله والجنس البشرى حتى يكتشف كل أحد مركز وجوده. ويجب أن يلتصق كل أحد بالله وأن تكون حياته موافقة لمشيئة الرب الذى هو أساس كل وجود ومصدر لكل شئ.

3 - أما سفر الأمثال Proverbs: فهو تجميع للأمثال والأسفار التى تخص الحكمة والبر والتكريس الدينى. ولقد وضعت هذه الأمثال فى صيغتها النهائية خلال القرن الثالث قبل الميلاد. ولكن هناك بعض النسخ لسفر الأمثال استخدمت خلال الفترة التى تلت السبى. وخلال هذه الفترة كان الشباب يتدرب على تعليم تلك الحكم والأمثال.

4 - أما سفر الجامعة Ecclesiastes: فقد كُتب فى القرن الخامس قبل الميلاد فهو أكثر الأسفار تشاءماً ولكن بالرغم من أن كاتب سفر الجامعة يركز على معنى الحياة فإنه يقود الفكر نحو الله المصدر الوحيد للرجاء والفهم. وهكذا فإن الله هو فقط الذى يستطيع أن يظهر لنا عظمة الحياة التى لنا. وفى الله فقط نستطيع أن ندرك رجاء الخلاص من بطلان هذه الحياة ومن العبودية للخطية والموت (جا 12) ويحدثنا سفر الجامعة عن الأمل فى عدم الفساد «فيرجع التراب إلى الأرض كما كان وترجع الروح إلى الله الذى أعطاها» (جا 12: 7).

5 - أما سفر نشيد الأنشاد Song of Songs: فإنه قد كُتب فيما بين حكم سليمان فى القرن العاشر والقرن الثالث قبل الميلاد، وقت سليمان. وهو عبارة عن مزمور طويل يتحدث عن العلاقة بين الإنسان والحب الإلهى. وهذه الملحمة الشعرية عن الحب الحقيقى بين رجل وإمرأة قد فسرها آباء الكنيسة بأنها أيقونة تشير إلى العلاقة بين الله وإسرائيل فى العهد القديم، وبين المسيح والكنيسة فى العهد الجديد.

6 - وسفر حكمة سليمان Wisdom of Solomon: وهو إمتداد لسفر الأمثال لشرح المعانى الخاصة بوجود الإنسان وكيانه ويرجع تاريخ كتابته إلى القرن الأول قبل الميلاد والسفر يتحدث عن النصر وعدم فساد الأبرار ودينونة الأشرار وهلاكهم (أصحاحات من 1 - 5). ويتحدث أيضاً عن الحكمة ويمتدحها من أجل سرها الإلهى وإنها هى إعلان لله ذاته (ص 6 - 9) ويتحدث أيضاً عن قيادة الحكمة لشعب الله من آدم إلى موسى (ص 10 - 12) ويركز على محبة الله لشعبه (ص 16 - 19).

والكتاب الأخير لأسفار الحكمة فى العهد القديم هو حكمة يشوع ابن سيراخ The Wisdom of Jesas ben Sirach ويُطلق عليه أيضاً الجامعة Ecclesiasticus. وقد أطلق عليه هذا الاصطلاح أخيراً فى القرن الثانى قبل الميلاد.

ولقد ترجمت الحكمةت بانها ممارسة فهم الناموس الإلهى التى تعطى امكانية الحياة السعيدة تحت قيادة السلطان الإلهى.

الرسالة الكاملة لأسفار الحكمة

إن أسفار الحكمة فى العهد القديم تفترض أولاً وجود الله وجوداً ذاتياً لا يقبل الشك والله هو كلى القوة وكلى المعرفة وكلى الوجود وهو سرمدى (أزلى أبدى) وهو الصلاح الكامل والبر والكمال والرحمة الكاملة. والله ضابط الكل خالق كل العالم. وهو أب لكل جنس البشر الذى أظهر ذاته للإنسان خلال الطبيعة وخلال التاريخ خصوصاً تاريخ بنى إسرائيل الذين هم شعب الله.

وأسفار الحكمة تتحدث عن معنى إكمال الوجود الإنسان الذى يتوقف على مدى علاقة الإنسان مع الله، وان الخطية هى التى تجعل الإنسان متغرباً عن المثول أمام الله، بينما التوبة والطاعة تقودان إلى التصالح مع الله، وإن خطية الإنسان هى العائق الأساسى لإكمال آمال البشرية واحتياجاتها.

وتتحدث أيضاً أسفار الحكمة عن الارتباط بين موضوع خلاص الإنسان وموضوع الحياة بعد الموت (حكمة 3: 1 - 9؛ مز 16 - 17 - 49 - 73) وهذه العلاقة تقودنا إلى درجة جديدة فى العهد القديم لفهم خطة الله فى الفداء. ومعظم أسفار العهد القديم لم تشر إلى موضوع عدم فساد الإنسان والرجاء بعد الموت والحياة المستقبلة. ولكن بعد حرمان الحياة الأبدية فى الله قام بنى إسرائيل بتفسير وعد الله بالحياة انه سيكون هنا فى هذا العالم وان أرض الموعد ليست هى إلا أرض كنعان التى على الأرض، والسعادة التى وعد بها الله ليست إلاَّ السلام والرضا فى هذا العالم. ولكن فى أسفار الحكمة وبعض من أسفار الأنبياء هناك تأكيد أن السعادة فى هذا العالم غير كافية لإكمال مواعيد الله ولكن إذا ما تم الانتصار على الموت فإن السعادة سوف تصير ممكنة عندئذ، وهذه الرؤية الروحية تم شرحها فى العهد الجديد وفى تعاليم الكنيسة.

أما مركز اهتمام أسفار الحكمة فى العهد القديم فهو موضوع الشر والألم والضياع وان الإنسان المحدود أصبح يتكل على غير قوة الله ومعونته. وهذه الأسفار تركز بشدة على محدودية البشر على دوام احتياج الإنسان الجوهرى لله وان الإنسان يستطيع أن يواجهة المشاكل والآلام بالإيمان والرجاء والطاعة: الإيمان فى الله البار المطلق والرحوم (سفر أيوب) والرجاء فى الخلاص والفداء من الخطية ومن الألم والضياع والموت (سفر الجامعة والمزامير والحكمة) أما الطاعة للناموس الإلهى فهو السبيل لطرد الخطية والخلاص من المعاناة والضياع (سفر الأمثال والجامعة).

وإن أسفار الحكمة تقدم لنا المقارنة الناجحة بين الفهم والغباوة وبين الرجاء واليأس، وقد تصير الحياة لها هدف وقد تصير بلا معنىز ووفقاً لأسفار الحكمة يجب أن نختار بين الفهم والغباء وأن نقرر إما الحياة فى رجاء أو فى يأس. ووفقاً لرجال الله الحكماء فى العهد القديم فإن طريق الإيمان والرجاء والطاعة هو الاختيار المناسب. لأن الاختيار الناجح هو التجاوب مع دعوة الله الموجودة فى التاريخ وفى الممارسة العملية.

ثانياً - أسفار الأنبياء

أ - كتابات أنبياء العهد القديم:

إن معنى كلمة الأنبياء Prophets فى اللغة اليونانية هى (من يتحدث عن آخر) وخصوصاً عن الله. والكلمة العبرية التى تقابل Prophets هى Nabi وهى تفيد الإنسان الذى يعلن مشيئة الله. وهكذا فإن النبى هو الإنسان الذى يتحدث عن الله ويعلن مشيئته. وعمل أنبياء العهد القديم هو إعلان مشيئة الله الخاصة وذلك لكشف أسرار الله واعلان الأمور التى سوف تحدث. والأنبياء هم أولئك الذين يدعوهم الله لكى ينطقوا كلمته ويعلنوا مشيئته إلى إسرائيل الأول، وهنا أهمية الدعوة للنبوة فى العهد القديم (1صم 3؛ إش 6؛ أر 1: 4 - 10؛ حز 1: 1 - 3: 31؛ هو 1 - 3؛ عامو 7: 14 - 15).

إن أنبياء العهد القديم قد حلت عليهم كلمة الرب ليعلنوا مشيئة الله وهم فى ذلك ينشرون كلمة الله إلى من يعيشون ويعيش معهم معاصروهم فالنبوة هى إعلان لما سوف يحدث وهى احدى مظاهر كرازة وخدمة الأنبياء، فالأنبياء مهتمون أولاً بكلمة الله وبدعوة تابعيهم من حالة الارتداد ورجوعهم إلى الايمان والطاعة للرب. إن الطبعة اليونانية (السبعينية The Septugint) تحتوى على تسعة عشرة سفراً من أسفار النبوة بهذا الترتيب: (إشعياء – أرمياء – المراثى – رسالة أرمياء – باروخ – حزقيال – دانيال – هوشع – يوئيل – عاموس – عوبديا – يونان – ميخا – ناحوم – حبقوق – صفنيا – حجى – زكريا – ملاخى). ويعتبر إشعياء وأرمياء وحزقيال ودانيال من الأنبياء الكبار لأن أسفارهم أطول من أسفار الأنبياء الصغار الآخرين. ويجب أن نلاحظ أيضاً أن النسخة العبرية للعهد القديم لا تضع سفر دانيال بين أسفار الأنبياء ولكنها تضعه بين التجمع الذى يطلق عليه الكتابات «The Writings» فى نهاية القانون اليهودى. وكذلك لا تضم النسخة العبرية رسالة أرمياء أو سفر باروخ لأن هذين السفرين معتبران غير قانونيين من اليهود.

والتسعة عشر سفراً السابق بيانها تكوّن النبوة التقليدية، وقد وصل نشاط النبوة إلى ذروته خلال القرن الثانى قبل الميلاد وهناك نشاط للنبوة أيضاً فيما بين القرن الثالث عشر والقرن التاسع قبل الميلاد، وكان أهم هؤلاء الأنبياء هم موسى النبى وجماعة الأنبياء الذين وجدوا فى عصر القضاة، وهناك أيضاً أنبياء آخرون خلال فترة المملكة اليهودية لم يدوّنوا شيئاً من نبواتهم مثل صموئيل النبى وإيليا وإليشع (صموئيل الأول والثانى وملوك الأول والثانى) أما الأنبياء التقليديون فقد ظهروا خلال وبعد فترة انحراف وسقوط الامبراطورية اليهودية. وقد حدث فى نهاية القرن العاشر قبل الميلاد أن الامبراطورية انقسمت إلى شطرين، المملكة الشمالية (إسرائيل) والمملكة الجنوبية (يهوذا) ولقد عاش الشعب فى العهد القديم فى حقبة طويلة من الانحراف والفوضى اجتماعياً وسياسياً ودينياً. ولقد واجهت الأمة أزمة فى الأخلاق ومتاعب فى الروح حيث اختلطت عبادتهم بعبادات الأصنام ودخل الانحطاط والفساد فى كل من المملكة الشمالية والجنوبية وبسبب ذلك أرسل الله الأنبياء. وكانت رسالة الأنبياء هى إعلان كلمة الله فى مراحل سقوط إسرائيل لكى يوضحوا الأسباب الإلهية والبشرية للاضطرابات التى حلت بنسل إبراهيم. والرسالة العامة للنبوات هى تكرار التفاوض – بين الله والإنسان – خلال الأسفار التاريخية فى العهد القديم. ولقد كانت إسرائيل فى خطر وراء فقدانها للعهد الذى كان يحوى العلاقة مع الله وحرمانها من ملكوت الله بسبب عدم توبتها عن (خطية) تركها للإيمان والناموس ويمكن تحليل فترة النبوة إلى ثلاث مراحل كما يلى:

1 - فترة ما قبل السبى.

2 - فترة السبى.

3 - فترة ما بعد السبى.

1 - النبوات فيما قبل السبى:

خلال القرنيين الثامن والسابع قبل الميلاد تعرضت إسرائيل ومملكة يهوذا لخطر الاشوريين ثم لخطر البابليين. وقد دمر الآشوريون مملكة الشمال عام 722 ق. م ثم تم هلاكهم عام 612 ق. م بمعرفة البابليون، وبعد ذلك هزمت الامبراطورية البابلية مملكة يهوذا عام 586 ق. م وأخذ اليهود أسرى إلى بابل لمدة تقرب من الخمسين عاماً.

وأهم أنبياء فترة ما قبل السبى: عاموس – هوشع – إشعياء – ميخا – صفنيا – ناحوم – حبقوق. وهؤلاء إرسلهم الله لانذار إسرائيل ويهوذا بالبؤس الذى سوف يحيط بهم إذا لم يرجعوا من الارتداد إلى الإيمان والطاعة فى الرب. ويصور لنا الإنجيل أن الآشوريين والبابليين كانا أداة فى يد الله ليعلن بها غضبه وعدله حتى يعاقب شعبه على زيادة شرهم. ونتحدث الآن باختصار عن أنبياء فترة ما قبل السبى.

1 - عاموس Amos: كان راعياً للغنم وجانياً لأشجار الجمير وهو من مملكة يهوذا ودعى للنبوة فى مملكة الشمال وقد استنكر ظلم الأغنياء للفقراء وكذلك بقية الظلم الاجتماعى الآخر، كما كانت عبادة الأصنام منتشرة فى مملكة إسرائيل وحذر من الدينونة الإلهية والعقاب الذى سوف يحل عليهم بسبب ذلك كنتيجة لشرهم وخطيتهم. ويتحدث سفر عاموس عن خطية شعب الله وخطية الأمم الأخرى أيضاً (ص 2، 1) واستنكر أيضاً الفساد وعدم التقوى فى مملكة بنى إسرائيل خصوصاً فى الأصحاحات من (3 - 6) وتحدث عاموس أيضاً عن خمس رؤى لإنذار مملكة الشمال بالديننة.

2 - هوشع Hosea 740 ق. م: كان نشيطاً فى التنبؤ فى مملكة الشمال وقت عاموس وكان هوشع يتنبأ فى وقت ازدياد الفساد والارتداد. ويشبه هوشع العلاقة بين الله وشعبه بعلاقة الزواج حيث يتحدث عن الزوجة الزانية الى أخطأت كثيراً فى حق الزوج الأمين المخلص (أصحاحات 13، 4، 3، 1) وحين تابت هذه الزوجة (إسرائيل) عن إثمها تنبأ هوشع النبى أن زوجها (الله) سوف يغفر لها بالتأكيد ويباركها. ولكن يجب أن تكون توبة هذه المرأة توبة حقيقية متواصلة (ص 14).

3 - إشعياء Isaih: كان يخدم فى مملكة يهوذا أكثر من خمسين عاماً (740 – 687ق. م) وينقسم سفر إشعياء إلى قسمين أساسسيين: (قسم من 1: 39 والآخر من 40 - 66) وبعض من الدارسين المعاصرين يقولون بان القسم الثانى لم يكتبه إشعياء بل كتبه أحد تلاميذه خلال القرن السادس قبل الميلاد. ويحتوى القسم الأول الحكم على مملكة يهوذا (ص 1 - 12) وبقية الأمم الأولى فى الشرق الأوسط ويحوى أيضاً رؤية للدينونة الأخيرة ولملكوت الله (ص 24 - 27) ونبوة عن سقوط الامبراطورية الآشورية (ص 28 - 39). أما القسم الثانى فإنه يحوى الالتجاء إلى الله لتحرير شعبه من الأسر البابلى (ص 40 - 48) وقيام إسرائيل الجديدة (ص 49 - 55) التى سوف يقودها المسيّا إلى الملكوت الذى وعد به (ص 56 - 66).

4 - ميخا Micah: كانت نبوة ميخا معاصرة لوقت إشعياء (740 – 687 ق. م) وقد تكلم ميخا بكلمة الرب لكل من يهوذا وإسرائيل واشتملت النبوة حكم الدينونة ضد المملكتين (ص 1 - 2) ووعد الخلاص العام لكل البشر عن طريق مجئ المسيا وتأسيسه لملكوت الله (ص 3 - 5) ثم الحديث عن العلاقة بين العقاب الإلهى والرحمة الإلهية (ص 6 - 7).

5 - صفنيا Zephania: كتب السفر الخاص به 625 ق. م فى يهوذا فى حدود القرن التالى لهزيمة الآشوريين للملكة الشمالية وتنبأ عن السبى البابلى لليهود وتحررهم وخلاصهم من هذا الأسر (ص 1 - 2) ونظرته لخلاص الرب النهائى للمؤمنين.

6 - ناحوم Nahum: مثل صفنيا عاش فى مملكة يهوذا خلال القرن السابع قبل الميلاد وقد كتب نبوته عام 620 ق. م وتنبأ عن تمام هزيمة البابليين للآشوريين الذى تم عام 612 ق. م ونبوته عن تحذير مدينة نينوى (عاصمة الامبراطورية الآشورية) وهو رمز لغضب الله على كل الأمم التى تنفصل عن الناموس الإلهى.

7 - حبقوق Habakuk: وهو النبى الأخير الذى تنبأ قبل السبى البابلى (600ق. م) وقد فسر إنذار الله لمملكة يهوذا بالهزيمة من البابليين كأنه عمل من أعمال الله ضد الشعب الذى إرتد عنه (ص1) وتنبأ حبقوق أيضاً عن الدمار الأخير لبابل نفسه (ص2) وهو ينظر بإيمان للخلاص النهائى لكل الخطاة التائبين الذين يرجعون إلى الله بالفداء.

2 - النبوات خلال وقت السبى:

إن فترة السبى البابلى (586 – 538ق. م) كان لها ثلاثة أنبياء فى منتهى الأهمية وهم أرمياء وحزقيال وعوبديا:

1 - ولقد تنبأ أرمياء Jermia: قبل وأثناء السبى عن سقوط يهوذا والسبى البابلى (ص 1 - 25) وتحدث عن صعوبة خدمة النبى أرمياء (ص26 - 36) وتحدث عن خبراته فى وقت الدمار البابلى لأورشليم ونبواته عن الأمم غير اليهودية وعن الفترة الأولى للسبى (ص52) أما سفر المراثى ورسائل أرمياء فكلاهما منسوب لأرمياء النبى. وهذان السفران يعكسان أفكار أرمياء النبى والمراثى هى عبارة عن رثاء يعبر عن عمق الحزن على سقوط يهوذا وهو كتب عام 540 ق. م أما رسالة أرمياء فقد كتبت فى نهاية القرن الرابع قبل الميلاد ضد خطية الزنا.

2 - أما سفر حزقيال Exekiel: فقد كُتب فيما بين عامى 593 – 573 ق. م ويشرح بالتفصيل الدعوة الإلهية التى حولته إلى آخر أنبياء الله (ص 1 - 3) وهو يفسر الأسر البابلى كعقاب إلهى ضد إرتداد يهوذا (ص 4 - 24) وقد تنبأ عن الممالك الأجبية المحيطة بالأرض المقدسة (ص 25 - 32) وتنبأ عن الرجوع وهذا الرجوع ليس فقط لليهود إلى أرض كنعان بل رجوع كل شعب الله (اليهود والأمم) إلى ملكوت السموات (ص 33 - 48).

ويضيف حزقيال فى الأصحاحات من (40 - 48) الرؤية السرية للهيكل السمائى الإلهى الذى ينتظر المؤمنين فى نهاية الأزمنة.

3 - وسفر عوبديا Obediah: اختلف الدارسون عن وقت كتابته فالبعض يقول إنه كتب خلال السبى البابلى والبعض الآخر يقول إنه كتب بعد ذلك بقليل. وهو سفر قصير يحتوى على واحد وعشرين آية فقط، وتنبأ فيه عن هلاك الأدوميين وهى القبيلة الموجودة فى شمال شرق أرض كنعان، وفى الواقع هو تهديد لهلاك كل أهم العالم التى تنفصل عن ناموس الله. وتحدثت نبوة عوبديا أيضاً عن نهاية الأيام والدينونة الأخيرة حينما يطرح كل الاثمة فى الظلمة الخارجية. وفى ذلك الوقت يتحدث عوبديا عن إسرائيل الإلهية التى هى شعب الله (جماعة المؤمنين الطائعين للرب) وعن دخولهم ملكوت السموات.

3 - نبوات ما بعد السبى:

والأنبياء الذين تنبأوا بعد السبى هم: حجى وزكريا وملاخى ويونان ويوئيل ودانيال وباروخ:

1 - ولقد كان حجى Haggai مثل زكريا من أنبياء القرن السادس قبل الميلاد اللذين كانا يحثان اليهود أن يعملوا بحماس وهمة فى بناء هيكل أورشليم. وتتكون نبوة حجى من أربعة رسائل عاطفية عن أهمية الهيكل فى حياة شعب الله، وتأكيده على ضرورة إعادة بناء الهيكل هى شهادة عن احتياج البشرية إلى حضور الله فى بيت العبادة حيث يتحدث الله (حجى 1 - 2).

2 - أما سفر زكريا Zechariah: فهو يحتوى على جزئين أساسين. الجزء الأول (ص1 – 8) يشجع زكريا اليهود على الاستمرار فى اعادة بناء هيكل الله فى أورشليم، ويحذرهم من غضب الله على كل الخطاة سواء كانوا يهوداً أم أممين وفى الجزء الثانى (ص 9 - 14) تنبأ زكريا عن مجئ المسيح وتأسيس ملكوت الله فى نهاية الأزمنة.

3 - ولقد عاش ملاخى Malachi وكتب سفره خلال القرن الخامس قبل الميلاد وهو وقت الجفاف والمجاعة فى أرض فلسطين. ووفقاً لهذه الصعوبات والضيقات الاجتماعية والاقتصادية ابتدأ اليهود يشتكون ويتذمرون وانعدام الصلاح والبر وأصبحوا منحلين روحياً وفاترين. وحذر ملاخى البقية من بنى إسرائيل لأن سلوكهم الروحى والأخلاقى الذى جعلهم على حافة الارتداد عن الرب وحياة الدنس التى يعيشونها لم يعد يحتملها الله ضابط الكل (ص 1 - 2). وابتدأ يحث الشعب على الرجوع لعبادة الله بقلب مملوء بالحماس والعزم، وتنبأ عن مجئ المسيا وعن يوم الرب العظيم المهوب حينما يتم هلاك كل الأشرار وفداء كل الأبرار (ص 3 - 4).

4 - وسفر يونان Jonah كتب فى نهاية القرن الخامس قبل الميلاد. أما الحوادث الخاصة بالسفر فإنها كتبت فى القرن الثامن قبل الميلاد. ويخبرنا يونان النبى فى السفر انه قد دعى من الله لكى ينذر نينوى (عاصمة أشور) عن الهلاك الذى سوف يحل عليها إذا لم تتب عن الخطية وترجع إلى الله لطلب الغفران، ولكن يونان لم يرغب فى توبة نينوى ورجوعها إلى الله ولذلك قاوم الدعوة الإلهية وفى الهروب من مسئولية النبوة، ولكنه فى النهاية قبل دعوة الله وحذر شعب نينوى وأرسل لهم رسالة الله. ونتيجة لنبوة يونان رجع شعب نينوى عن طريق الشر ووعدوا أن يتبعوا ناموس الله وتم تفادى هذا الهلاك فى ذلك الوقت (لان نينوى رجعت بعد ذلك عن الناموس الروحى والأخلاقى ولذلك هزمت بأيدى البابليين 612ق. م) وهدف سفر يونان هو كشف عقاب الله لنا وادانته للخطية وعن عظيم غفرانه للخطاة التائبين وليس فقط من بنى إسرائيل بل من كل الأمم أيضاً. وعن طريق التوبة والطاعة والايمان يستطيع كل جنس البشر أن يصيروا جزءاً من شعب الله (ص 1 - 4).

5 - وسفر يوئيل Joel كتب فى نهاية القرن الخامس أو بداية القرن الرابع قبل الميلاد ويتحدث سفر يوئيل عن العقاب الإلهى الذى يحل على الخطاة ويشرح أن هذا العقاب هو رمز ومقدمة للدينونة الأخيرة والحكم الذى سوف يحل بالخطاة غير التائبين. ولكن بمجئ يوم الرب فإن روح الله سوف يسكب على كل الشعب المؤمن وسوف يدخلون إلى بيت الله للأبد. ويوئيل مثل كل الأنبياء يحذرنا من الدينونة ويعطينا وعد السعادة بالفداء وان الانذار بالدينونة والوعد بالفداء سوف يتوقفان على مدى قبولنا لكلمة الرب. والإيمان والطاعة سوف يقودانا إلى الخلاص وان الفساد سوف يجلب علينا الهلاك.

6 - وبخصوص سفر دانيال Daniel فإن معظم الدارسين المعاصرين يعتقدون أن السفر كتب خلال القرن الثانى قبل الميلاد، وان ما يحتويه السفر قد كتبه دانيال نفسه الذى عاش وقت السبى البابلى. والسفر مملوء بالرموز القوية والرؤى التى تتحدث عن قوة الله المطلقة وعن قصده الثابت فى فداء البشر والعالم من عبودية الشر. والسفر يركز على التنبؤ بمجئ الملكوت الأبدى Kingdom Everiasting ووقتئذ سوف يسود الله على كل الشعب المؤمن. وينقسم سفر دانيال إلى قسمين:

† القسم الأول: (ص 1 - 6) ويتحدث عن تجارب دانيال وأصدقائه أثناء السبى البابلى.

† القسم الثانى: (ص 7 - 12) يحتوى على أربع رؤى خارقة عن مستقبل البشرية فى تأسيس ملكوت الله.

7 - ثم يأتى سفر باروخ Barach: وهو قد كتب فى النصف الأخير من القرن الثانى ق. م ويتحدث عن تجارب إسرائيل كنتيجة لارتدادها عن الله (ص 1: 15 حتى 3: 8) وهو يمتدح الحكمة لانها تقود الشعب للخلاص إذا قبلوها وخضعوا لها (ص 3: 9 حتى 4: 4) وقد تنبأ عن الفداء الكامل لكل الشعب المؤمن (ص 4: 5 حتى 5: 9) وسفر باروخ مثل رسالة أرميا معتبر سفر قانونياً من الدرجة الثانية فهو موجود فى النسخة اليونانية التى تحتوى أنبياء العهد القديم. أما النسخة العبرية للعهد القديم فإنها لا تحوى الأسفار القانونية الثانية فى كتابها المقدس.

ب - رسالة الأنبياء:

هناك ستة أهداف لأسفار النبوة الموجودة فى العهد القديم سوف نوجزها فى الصفحات التالية وهى:

1 - الإيمان بوحدانية الله.

2 - بر الله وشرح تاريخ البشرية.

3 - الديانة الحقيقية.

4 - العهد الجديد وملكوت الله.

5 - مجئ المّسيا.

6 - قيامة الموتى.

1 - الايمان بوحدانية الله:

خلال عصور الارتداد وعبادة الأوثان قام الأنبياء ليؤسسوا لبنى إسرائيل عبادة الله الحقيقى الذى هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى. وقد كان بنى إسرائيل محاطين بعبادة الأوثان وكانت العبادة القديمة فى الشرق الأوسط مملؤة بتعدد الآلهة والديانات المختلفة Poiytheistic وكانت هناك آلهة متعددة فى كنعان مثل عبادة الطبيعة أو عبادة الأجسام السماوية أو الحيوانات أو النار أو الأمطار أو الأخصاب. ولكن على عكس ذلك فإن الله فى الكتاب المقدس هو إله واحد يفوق الكل وهو الخالق والسيد على كل الطبيعة، ولكن بسبب اختلاط بنى إسرائيل مع الأمم الوثنية بدأوا فى عبادة المخلوقات دون الخالق ولذلك انفصلوا عن رجاء الخلاص والسعادة ووضعوا أنفسهم تحت الغضب والدينونة والحكم الإلهى. ولذلك كان الأنباء يواجهون عبادات الطبيعة التى دخلت أسباط بنى إسرائيل وكان الأنبياء يعلنون لشعب بنى إسرائيل شخص الله الواحد المطلق. ولقد وصف إشعياء النبى الله فقال إنه بلا مقارن وانه سيد كل الأشياء وانه سرمدى بلا بداية ولا نهاية خالق كل الأشياء التى على الأرض وهو مصدر وجودها. والله فقط هو الذى يستطيع أن يخلص ولا تستطيع الطبيعة أن تخلص الإنسان لأن الطبيعة هى من مخلوقات الله وخاضعة لسلطنه (إش 40 – 28، 25؛ 41: 14؛ 43: 10 - 11؛ 44: 6؛ 45: 21 - 22) وقد تحدث عاموس النبى عن حكم الله على الطبيعة فقال: «الذى صنع الثريا (الكواكب) والجبار ويحول ظل الموت صبحاً ويظلم النهار كالليل الذى يدعو مياه البحر ويصبها على وجه الأرض يهوه إسمه» (عاموس 5: 8). ولقد عبر إشعياء النبى عن الله انه الفادى سيد الكون الإله الوحيد الحقيقى وهذا تأكيد لما ردده موسى النبى «اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك» (تث 6: 5، 4).

ولذلك فإن آلهة الوثنيين هى خيال وليست حقيقة وهى خداع ووهم كنا تنادى المسيحية وهى من صنع البشر أو من تخيل الشياطين لخدمة الأغراض الشيطانية.

وعلى أى الأحوال فإن تعدد الآلهة الوثنيين هو إنحراف جوهرى وانفصال عن الله الحقيقى الذى يقدمه لنا انبياء الكتاب المقدس.

2 - اعلان بر الله وشرح تاريخ البشرية:

إن رب العالم كله هو رب التاريخ أيضاً. وهو إله البر الذى يعمل فى التاريخ أو الذى له حق عقاب الأشرار من كل أمم العالم. وكان الأنبياء يعلنون دائماً ويلات إسرائيل وكل العالم على الخطايا والآثام (عاموس 2، 1) وكانت تجارب بنى إسرائيل هى عبارة عن عقاب إلهى على خطية الشعب المختار التى يرتكبها ضد إلههم (عا 2: 4 - 16؛ إش 1 - 6) وكانت خطية عبادة الأوثان تعتبر أكبر خطية يرتكبها بنى إسرائيل ضد الناموس الإلهى. ويقارن سفر هوشع بين زنا الأمم فى عبادتهم للأصنام وزنا الزوجة غير المخلصة وهو يدعو إسرائيل أن ترجع عن زناها «لئلا أجردها عريانة وأوقفها كيوم ولادتها وأجعلها كقفر وأصيرها كأرض يابسة وأميتها بالعطش» (هو 2: 3). وإذا استمرت إسرائيل فى زناها وعشاقها ومحبيها الذين هم آلهة الوثنيين فإن الرب سوف «يسيج طريقها بالشوك ويبنى حائطها حتى لا تجد مسالكها. فتتبع محبيها ولا تدركهم وتفتش عليهم ولا تجدهم. فتقول أذهب وأرجع إلى رجلى الأولى لأنه حينئذ كان خير لى من الآن» (هو 2: 7، 6) وان التجارب التى يسمح الله بها أن تحل على شعبه هو بهدف رجوعهم إلى وعيهم حتى ترجع إسرائيل (هو 2: 7).

وإن رسالة هوشع بخصوص فترة عدم ثبات إسرائيل فى الرب خلال التاريخ تبعتها رسالة عاموس الذى تنبأ أيضاً فى مملكة الشمال فى القرن الثامن قبل الميلاد ووفقاً لنبوة عاموس فان آلام إسرائيل عبارة عن تأديبات إلهية لكى تنبه الأمم الشريرة للرجوع للرب. والله يعلن لشعبه خلال عاموس النبى قائلاً: «لانه هكذا قال الرب لبيت إسرائيل اطلبوا فتحيوا... اطلبوا الخير لا الشر لكى تحيوا فعلى هذا يكون الرب إله الجنود معكم كما قلتم. ابغضوا الشر واحبوا الخير وثبتوا الحق فى الباب لعل الرب إله الجنود يتراءف» (عاموس 5: 4 - 15، 14).

وهكذا فإن كلاً من هوشع وعاموس حذرا مملكة إسرائيل إذا بقيت فى إرتدادها وعدم توبتها فإنها سوف تمحى من الذاكرة ولما لم تنتبه مملكة الشمال من هذا التحذير فإنه تم هلاكها تماماً عن طريق الاشوريين فى نهاية القرن الثامن قبل الميلاد. وهكذا فإن تاريخ مملكة الشمال صار أيقونة عن خطورة عبادة الأوثان وعن نهاية الذين يفشلون فى محبة الرب أكثر من كل الأشياء وعن عقاب مَنْ لا ينفذون الوصية «لا يكن لك آلهة أخرى أمامى». أما مملكة يهوذا فى الجنوب فقد كانت هى الأخرى ساقطة فى عبادة الأصنام ويتحدث سفر أرميا عن حالة مملكة الجنوب الشريرة فى الشر وأنهم «قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين الذين أبوا أن يسمعوا كلامى وقد ذهبوا وراء آلهة أخرى ليعبدوها. قد نقض بيت إسرائيل وبيت يهوذا عهدى الذى قطعته مع أبائهم. لذلك هكذا قال الرب. هأنذا جالب عليهم شراً لا يستطيعون أن يخرجوا منه ويصرخون إلىَّ فلا أسمع لهم. فينطلق مدن يهوذا وسكان أورشليم ويصرخون إلى الآلهة التى يبخرون لها فلن تخلصهم وقت بليتهم. لأنه بعدد مدنك صارت ألهتك يا يهوذا وبعدد شوارع أورشليم وضعتهم مذابح للخزى ومذابح للتبخير للبعل. وأنت فلا تصلَّ لأجل هذا الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاء ولا صلاة لأنى لا أسمع فى قوت صراخهم إلىَّ من قبل بليتهم... ورب الجنود غارسك قد تكلم عليك شراً من أجل شر بيت إسرائيل وبيت يهوذا الذى صنعوه ضد أنفسهم ليغيظونى بتبخيرهم للبعل» (أر 11: 10 - 17، 14).

وكان عقاب الله لخطية مملكة الجنوب هو الاسر البابلى الذى تم فى القرن السادس قبل الميلاد. ولكن لم تتم ابادة كل مملكة يهوذا عن طريق البابليين لان مملكة يهوذا عاشت لكى تستمر الرسالة وتأتى رسالة الخلاص. «بالمسيح الذى جاء من سبط يهوذا» لخلاص كل العالم.

وهكذا فإن تاريخ إسرائيل الأول – من خلال الأنبياء – هو إعلان لبر الله وكشف عن احتياج البشرية للشركة مع الله بالإيمان والطاعة. وهكذا فإن إله إسرائيل موجود فى التاريخ، وخلال التاريخ قد كشف خطته فى فداء البشرية والعالم كله. وتاريخ إسرائيل هو درس موضوعى لكل الجماعات البشرية. وهكذا فإن عدم الإيمان فى الله وعبادة الأصنام والفساد هم الأسباب التى جعلت إسرائيل بل وكل الجنس البشرى يواجه المحن. وخلال التوبة فقط وتجديد الطاعة والإيمان كان قصد الله فى الفداء لتصل البشرية إلى الهدف من التاريخ وهو مملكة السلام والانسجاب والتوافق تحت قيادة الله.

ولقد فسر الأنبياء الاضطرابات والمحن للبشرية خلال التاريخ أنها نتيجة دينونة الله العادلة للعالم الخادئ. ولكن هناك موضوع آخر وهو لماذا يتألم الذين يحبون الله مثل أيوب رغم أنهم يجاهدون ضد ذواتهم الشريرة ويتجنبون عبادة الأصنام وهم دائماً ثابتون فى مواعيد الرب؟ ولماذا يأتى أولئك الناس الأبرار تحت بطش الأشرار؟

إن أنبياء العهد القديم يتحدثون عن تلك المشكلة، مثل ذلك سفر حبقوق الذى يحوى تحليلاً لمشكلة تألم الأبرار، وهو يعتمد فى ذلك على ما حدث لأيوب البار. أن ألم الأبرار هو نفقة التلمذة فى وسط العالم الشريرة وهذا الألم سوف يكافأ عنه فى ملكوت الله فى نهاية الأيام. والعقاب الإلهى لإسرائيل ولبقية أمم العالم عن شرهم يأخذ شكل المحن التاريخية والمشاكل السياسية التى لها أثر حتمى أيضاً على الأبرار كما أن لها أثراً على الأشرار (حبقوق 1 - 2) ولكن الله سوف يصنع خيراً (على المدى البعيد) مع الأبرار الذين يتألمون وهذه المكافأة السرية مخبأة فى حديث الأنبياء عن المستقبل الذى سوف يلحق الأبرار (فى الأبدية) «لأن الرؤيا بعد الميعاد وفى النهاية تتكلم ولا تكذب. ان توانت فانتظرها لانها ستأتى اتيانا ولا تتأخر. هوذا منتفخة غير مستقيمة نفسه فيه. والبار بإيمانه يحيا» (حبقوق 2: 4، 3).

وهذا التحليل لمشكلة ألم الأبرار يتضمن حقيقة الحياة بعد الموت. لأنه كيف يكافأ الأبرار بعد الموت إن لم يكن هناك قيامة من الأموات. ولو أن حبقوق النبى لم يشر إلى ذلك الأمر ولكنه يضع كل ثقته فى فداء الله الكلى البر وان الرجاء فى الحياة بعد الموت لم يتحدث عنه الأنبياء ولكن تحدث عنه الرسول بولس قائلاً: «فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رو 8: 18).

ولكن هناك حديث أيضاً فى سفر إشعياء النبى عن ألم الأبرار (فى العهد القديم) إنه رمز لآلام المسيّا الذى سوف يفدى كل البشر والعالم من الخطية والموت ويتحدث إشعياء النبى عن المسيا انه هو «العبد المتألم» الذى يفدى كل الأشياء من سلطان الشر (إش 49 - 57). ولقد فسر مسيحيو كل الأجيال هذه الاصحاحات انها تتحدث عن آلام المسيح وهذا الفداء قد تم مرة واحدة للكل من أجل خطايا العالم كله. وفى المسيح فإن بر الله وآلام المتحدين تصير واحدة. والمعنى الكامل والهدف البشرى التاريخى أصبح قاطعاً ونهائياً وفى ملكوت الله سوف يكافأ الأبرار حين يدخلون إلى المجد السمائى الأبدى.

3 - الديانة الحقيقية:

إن الديانة الحقيقية التى يعلنها الأنبياء ليست هى الشريعة الاخلاقية وليست هى الطقوس والشعائر، وليست هى عواطف الإنسان فى الممارسات الطقسية. ولكن الديانة الحقيقية يجب أن تؤسس على العلاقة الحقيقية مع الله التى تترجم فى الإيمان والطاعة. والإيمان المطيع فى الله يجب أن يعلن فى الأخلاق الجيدة والسلوك الحسن كما هو معلن فى العبادة والطقوس. ومحبة الله يجب أن تجعلنا نجاهد لكى نحيا فى البر والقداسة وأن نكرس أنفسنا للصلاة وعبادة الرب وخدمة تابعيه. ومحبة الله تظهر فى أعمال المحبة، أى نشرك الآخرين معنا فى محبة الله بأن نساعد المحتاجين مادياً أو روحياً وأن نؤسس العدل حسبما نستطيع ذلك وهكذا فإن الأعمال الحسنة هى تعبير عن الإيمان الحقيقى الحى.

ولقد تحدث أنبياء العهد القديم عن العبادات المرفوضة التى كانت موجودة فى وقتهم. فعلى سبيل المثال حديث عاموس النبى عن شجب الظلم الاجتماعى الذى كان منتشراً فى القرن الثامن قبل الميلاد فى مملكة إسرائيل ويهوذا وأعلن بوضوح أن الرب لن يقبل الذبائح من الشعب لعدم وجود البر السلوكى ولأن جميع ممارساتهم أصبحت بلا روح. ولقد أعلن الله ذلك خلال سفر عاموس «بغضت كرهت أعيادكم ولست ألتذ باعتكافاتكم. إنى إذا قدمتم لى محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضى وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها. أبعد عنى ضجة أغانيك ونغمة ربابك لا أسمع. وليجر الحق كالمياه والبر كنهر دائم» (عاموس 5: 21 - 24).

وهكذا فإن الله يريدنا أن نعبر عن إيماننا بكل من العبادة الطقسية والسلوك الحسن، ومجرد الممارسات الطقسية لا تكفى. والإيمان الذى لا ينتج أعمالاً حسنة فإنه لا يعتبر إيماناً حقيقياً وفقاً للإنجيل. وهكذا فإن الإنجيل يطلب من المؤمن «بما أتقدم إلى الرب وأنحنى للإله العلى. هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة. هل يسر الرب بألوف الكباش بربوات أنهار زيت هل أعطى بكرى عن معصيتى ثمرة جسدى عن خطية نفسى. قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح. وماذا يطلبه منك الرب إلاَّ أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك» (ميخا 6: 6 - 8).

وأيضاً السلوك الحسن بدون تقديم عبادة لله هو خطر روحى بلا شك موجه ضد مجد الرب. والاهتمام بالطقوس والعبادة الشكلية بدون ممارسة وسلوك عملى يومى هو عبادة جاهلة لانها تجعل الله مجرد زينة خارجية بدون أى عظمة حقيقية فى السلوك البشرى فى العالم.

4 - العهد الجديد وملكوت الله:

لقد تحدثنا بالتفصيل فى الفصل الثالث عن عهد الله مع إسرائيل حيث تم – فى شخص إبراهيم – إختيار إسرائيل كشعب الله المختار (تك 12) وخلال الإيمان والطاعة لناموس الله أصبحت إسرائيل: «جنس مختار وكهنوت ملوكى أمة مقدسة شعب اقتناء» (1بط 2: 9) وتم دعوة كل الجنس البشرى – خلال إسرائيل – للرب عن طريق تكميل الرسالة الكهنوتية لكل الأمم، وأصبحت إسرائيل مبررة فى أعين كل العالم ثم دخلت (عن طريق إيمانها بالمسيح) لتملك أرض الموعد إلى الأبد.

ويتم تفسير نبوات العهد القديم بخصوص موضوع إختيار إسرائيل وعلاقتها مع عهد الله وبشارتها للعالم وتبريرها الكامل تفسيراً اسخاتولوجياً بحيث يفهم أن خلاص إسرائيل هو خلاص لكل أمم العالم والتاريخ البشرى وأصبح يتم تفسير «يوم الرب» على أنه يوم الدينونة الآخير حيث ينفصل الأشرار عن الأبرار. وبذلك أصبحنا نفهم ارض الموعد فهماً يوحياً على أنها ملكوت الله حيث تصير كل الأشياء جديدة وخاضعة للرب.

ويتحدث إشعياء النبى عن عطية الله لإسرائيل أن تصير نوراً للأمم حتى يصل خلاص الرب إلى أقصى الأرض وان عهد الرب مع إسرائيل هو عهد مع كل جنس البشر «أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم. لتفتح عيون العمى لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين فى الظلمة» (إش 42: 6 - 7). وأيضاً وفقاً لنبوة ميخا النبى فإن عهد الله مع إسرائيل هو وعد بالخلاص الشامل لكل الشعب المؤمن – يهوداً كانوا أم أمميين – فى مجئ الملكوت الإلهى (ميخا 4: 1 - 3).

ولكن حتى الآن لم تحفظ إسرائيل عهدها مع الله، وعوض أن تصير نوراً للأمم وشاهدة لربوبية الله فقد تركت إرساليتها الكهنوتية للعالم وذهبت تجرى وراء الملذات الواهية التى أخذتها من الديانات الوثنية، وهذه الارتداد قاد مملكة يهوذا وإسرائيل للهلاك والدمار. وحين فشل بنى إسرائيل فى إكمال الرسالة التبشيرية بدأ الأنبياء ينتظرون العهد الجديد بين الله وبين بقية إسرائيل، فهو عهد بين الرب وبين قلة قليلة من نسل إبراهيم وأصبح لهم رجاء فى مجئ الملكوت.

وقد تنبأ إشعياء النبى فى القرن الثامن قبل الميلاد عن هلاك المملكة البرية تنبأ عن خلاص البقية المقدسة التى سيجدد الله معها العهد (إش 20 - 23).

ووفقاً لنبوة ميخا فإن هذه البقية هى: «بقية يعقوب فى وسط شعوب كثيرين كالندى من عند الرب كالوابل على العشب الذى لا ينتظر إنساناً ولا يصير لبنى البشر. وتكون بقية يعقوب بين الأمم فى وسط شعوب كثيرين كالأسد بين وحوش الوعر كشبل الأسد بين قطعان الغنم الذى إذا عير يدون ويفترس وليس مَنْ ينقذ» (ميخا 5: 8، 7) وان العهد مع البقية البارة حسب نبوة إرميا هو: «أقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً» (أر 31: 31).

وفى العهد الجديد فإن الله صنع مع الشعب ناموساً إلهياً جديداً غير مكتوب على الواح حجرية، ولكنه مكتوب فى قلوب البشر. (إر 31: 34، 33).

وخلال البقية الباقية من إسرائيل والعهد الجديد فإن كل الأمم والألسن سوف تجتمع وتبصر مجد الرب «فيأتون ويرون مجدى» (إش 66: 18).

وهكذا فإن المتبقيين الأبرار من بنى إسرائيل هم علامة لبقية الأمم الذين سوف يرجعون للرب ويتوبون (إش 66: 20، 19) وهكذا فإن مجئ غير المؤمنين إلى الله هو تقدمة عظيمة للرب مثل التقدمات التى كانت تقدم لله فى الطقوس والعبادات. وخلال العهد الجديد الذى سوف يصير عهداً أبدياً فإن كل البشر سوف يأتون من كل الأمم لكى يعرفوا أن إله إسرائيل هو رب كل الخليقة وانه سوف يسكن فى وسطهم وانه سيصير إلهاً لهم وهم يكونون له شعباً (خر 37: 26 - 28) ومن وجهة النظر الأرثوذكسية فإن هذه النبوات الخاصة بالبقية الباقية من إسرائيل والعهد الجديد بين الله والبشر هى مقدمة وإعداد لمجئ المسيح وتأسيس الكنيسة. لان الذين تبعوا المسيح من التلاميذ الأوائل كان معظمهم من اليهود الذين كانوا منتظرين مجئ المسيا وتحققوا أن يسوع هو كمال رجائهم الذى كانوا ينتظرونه وبعد موت الرب وقيامته وصعوده فإن هذه البقية الباقية من الأبرار هى التى أعلن لها رسالة الله الخلاصية فى المسيح التى أعلنت لكل العالم حتى تثق كل الأمم فى الوعود الإلهية للعهد الجديد، وصارت هذه الجماعة الباقية هى الكنيسة الأولى. فالكنيسة الأولى هى إسرائيل الجديدة التى تكونت من نسل إبراهيم ومن شعوب أخرى كثيرة. وأصبحت العضوية فى الكنيسة تعتمد على الإيمان وليس على الانتساب لسلالة اليهود. والكنيسة هى إسرائيل الروحية وليست إسرائيل الجسدية (رو 2: 29، 28؛ 9: 6 - 8).

وبالنظر إلى تأسيس العهد الجديد فان أنبياء العهد القديم قد تحدثوا مراراً عن مجئ ملكوت الله وعن يوم الرب. الذى سوف يتقدم الملكوت. ويوم الرب The day of the Lord هو يوم الدينونة الأخيرة. وهذا اليوم هو اليوم الذى تحدث عنه الأنبياء كثيراً فى نبواتهم. وكلمات صفنيا هى اعلان نبوى عن الدينونة الأخيرة (صفنيا 1: 14 - 16)؛ يوئيل 2: 2، 1؛ 2: 32، 13، 12؛ عاموس 5: 18 - 20).

وهكذا كانت كلمات الأنبياء بخصوص يوم الرب هى حية وقوية، وعلينا لكى نخلص من غضب الدينونة الإلهية فى نهاية الأيام يجب أن ندرك خطيتنا ونتوب عنها وندعو باسم الرب ونتمم خلاصنا بخوف ورعدة (يوئيل 2: 32؛ فى 2: 12) ليكون لنا امكانية الخلاص من العقاب الأخير والانفصال الأبدى عن الآب السماوى فى يوم الدينونة المخيف الرهيب.

وإذ نتتبع يوم الدينونة فإننا نجد أن الأنبياء قد أعلنوا نبواتهم عن تأسيس ملكوت الله. ومجئ الملكوت ثم الاشارة إليه فى سفر إشعياء انه سيكون مملكة عظيمة من السلام (إش 11: 6 - 9) ولن ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد (إش 2: 4) وسوف يقولون فى ذلك اليوم: «أحمدك يا رب لانه إذ غضبت علىَّ ارتد غضبك فتعزينى. هوذا الله خلاص فأطمئن ولا أرتعب لأن ياه يهوه قوتى وترنيمتى وقد صار لى خلاصاً. فتستقون ميائها بفرح من ينابيع الخلاص. وتقولون فى ذلك اليوم احمدوا الرب... » (إش 12: 1 - 4).

وتوجد أيضاً نظرات خاطفة من العهد القديم عن ملكوت الله. ونبوات العهد القديم عن ملكوت الله هو طلب إسرائيل الأولى لملكوت الله وهو فى نفس الوقت تحول إلى إسرائيل الجديدة ودخولها فى الملكوت السماوى. وموضوع مجئ ملكوت الله حيث توجد سماء جديدة وأرض جديدة (إش 65: 17) وهو رؤية اسكاتولوجية كاملة من أنبياء العهد القديم.

5 - مجئ المسيا:

وهناك موضوع هام آخر اهتم به الأنبياء فى تفسير الأمور الاسكاتولوجية بخصوص العهد بني الله والإنسان ألاَّ وهو مجئ المسيا. فالأنبياء نظروا إلى المسيا الذى يخلص إسرائيل وكل العالم. واعلان العهد القديم عن مجئ المسيا هو ما فسرته المسيحية انه خاص بمجئ الرب يسوع المسيح (لو 4: 16 - 30).

وهناك ثلاث صور للمسيا فى العهد القديم:

† الصورة الأولى – هى صورة داود النبى: حيث تم الإشارة إليها فى نصوص متعددة تبين أن المسيا سيكون ملكاً عظيماً مثل داود وسيقود إسرائيل إلى الخلاص والتبرير « ويخرج قضيب من جزع يسىّ وينبت غصن من أصوله» (إش 11: 1) وقد أشار إلى ذلك إرميا النبى «فى تلك الأيام وفى ذلك الزمان أنبتت لداود غصن البر فيجرى عدلاً وبراً فى الأرض» (إر 33: 15). وكذلك تنبأ حزقيال « وداود عبدى يكون ملكاً عليهم ويكون لجميعهم راع واحد فيسلكون فى أحكامى ويحفظون فرائضى ويعملون بها» (حز 37: 24).

ويخبرنا أيضاً أنبياء العهد القديم بأن المسيا سوف يولد فى مدينة بيت لحم (ميخا 5: 2) وإنه سوف يدخل بتواضع إلى أورشليم راكباً على حمار (زكا 9: 9) ولقد أعلن العهد الجديد أن يسوع المسيح جاء من بيت داود (مت 1: 1 - 17) وولد فى بيت لحم (لو 2: 1 - 7) ودخل منتصراً إلى اورشليم راكباً على حمار (مت 21: 1 - 11).

† الصور الثانية – هى صورة المسيا المتألم من أجل خطايا شعبه. وهذه الصورة واضحة جداً فى إشعياء حين تحدث عن العبد المتألم (اصحاحات 42 - 49 – 50 – 52 – 53) وان المسيا الذى هو خادم الله سوف يصنع الخلاص الإلهى ليس فقط لنسل إبراهيم ويعقوب ولكن أيضاً لكل شعوب العالم «قد جعلتك نوراً للأمم لتكون خلاصى إلى أقصى الأرض» (إش 49: 6). إن تضحية العبد المتألم الذى قدم ذاته ذبيحة من أجل خلاص كل العالم تم التنبؤ عنها فى سفر إشعياء (إش 50: 4 - 11؛ 52: 13؛ 53: 24) ولقد فسر المسيحيون دائماً هذه الأصحاحات انها عن آلام المسيح (أع 8: 26 - 40). وبالأضافة إلى ما تنبأ به إشعياء النبى عن آلام المسيح فإن زكريا تنبأ عن طعن جسده «فينظرون إلى ذلك الذى طعنوه وينوحون عليه» (زك 12: 10) وتنبأ سفر المزامير عن ثقب يديه ورجليه «ثقبوا يدىَّ ورجلىَّ» (مز 22: 16). والذين كتبوا أسفار العهد الجديد نظروا إلى تلك النصوص التى من إشعياء وزكريا والمزامير أنها تخص موت المسيح (مت 8: 17؛ رو 4: 25، عب 9: 28؛ 1بط 2: 24) والقراءة الدقيقة فى سفر اشعياء عن عبد الله المتألم تكشف لنا غموض الرؤية التى رآها إشعياء، لانه أحياناً يشار إلى هذا الخادم (المسيح) انه هدف خلاص كل الأمم وأحيانا ً أخرى ينظر إليه انه هدف خلاص البقية الباقية بعد الأسر وأحياناً ينظر إليه إنه هو الذى سوف يتمم خطة الله الخلاصية ويأتى بها إلى الوجود. وهكذا فإن ترانيم إشعياء التى تتحدث عن الخادم المتألم هى اعلان عن المسيح ابن الله المختار لكشف خطة الله الخلاصية للأمم وللبقية الباقية المؤمنة من إسرائيل الخلاص والعالم بأكمله من الخطية والعذاب. والبقية المؤمنة الباقية من إسرائيل هى التى قادت العالم نحو العبد المتألم.

† الصورة الثالثة – للمسيا فى العهد القديم هى حضور الله فى العالم حضوراً إلهياً. وهذه الصورة أعلنت فى كثير من أسفار العهد القديم. ولقد تنبأ ميخا النبى عن المسيا الملك الذى سوف يولد من بيت لحم «أما أنتِ يا بيت لحم أفراته وأنتِ صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا فمنكِ يخرج لى الذى يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» (ميخا 5: 2) ولقد فسر آباء الكنيسة هذا النص انه تأكيد على أن المسيح هو ابن الله الذى تجسد وهو المولود من الآب منذ الأزل (يو 1: 1 - 18).

وفى سفر دانيال الذى يقرأه كل من اليهود والمسيحيين تم تسجيل تلك الرؤيا «كنت أرى فى رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فا أعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض» (دا 7: 14، 13).

فهذا اعلان على أن المسيا هو تجسد الله فى شكل إنسان وهو المتحد مع الوجود منذ الأزل، وابن الإنسان، له سلطان أبدى على كل الأشياء. وكثيراً ما يتحدث العهد الجديد عن السيد المسيح انه هو ابن الإنسان (مت 12: 8؛ يو 3: 14، 13) وهذا دليل على أن رؤية دانيال عن المسيا انها أكملت فى المسيح.

وألوهية المسيا معلنة فى نبوة سفر ملاخى حيث يتحدث عن المسيا أنه سوف يدين العالم « ومن يحتمل يوم مجيئه ومن يثبت عند ظهوره» (ملا 3: 2).

ولكن معظم النبوات التى تتحدث عن المسيا الملك فى العهد القديم نجدها فى سفر إشعياء. وهكذا فإن إشعياء النبى يخبرنا «يعطيكم السيد نفسه آيه. ها العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو إسمه عمانوئيل» (إش 7: 14). ويتحدث معلمنا متى الرسول عن تلك المعجزة فى حديثه عن ميلاد الرب يسوع المسيح « ويدعى إسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا» (مت 1: 23) إن يسوع معناه (الله هو الخلاص Yahweh is salvation) وهو أيضاً «عمانوئيل» (الله معنا).

وهكذا فإن أنبياء العهد القديم كانوا ينتظرون مجئ المسيا الذى سوف يحكم كملك مثل داود، وخلال آلام المسيا سوف يصنع فداء من أجل خطية إسرائيل وخطية العالم كله. وفى شخصه سوف يتم الاعلان عن قوة الله وحضوره فى العالم. وهذا هو إيمان الكنيسة خلال التاريخ كله إن هذه النبوات قد تمت فى شخص السيد المسيح له المجد.

6 - قيامة الموتى:

إن الموضوع الأخير فى نبوات العهد القديم هو القيامة والحياة بعد الموت الذى هو الخلود ولقد لمسنا هذا الموضوع قبل ذلك ولكن يجب أن نرجع إليه ثانية لأهمية هذا الأمر بخصوص العهد الجديد ومجئ ملكوت الله.

إن الأنبياء يؤمنون بدينونة الأشرار فى يوم الرب وبخلاص الأبرار فى ملكوت الله، ولهذا فهم يعتقدون بقيامة الأموات وبالخلود بعد الموت، وهذا ما تضمنته نبوات إشعياء ودانيال وحزقيال ففى إشعياء: «تحيا أمواتك تقوم الجثث. استيقظوا ترنموا يا سكان التراب» (إش 26: 19). وكذلك دانيال تنبأ عن الخلاص والدينونة فقال: « وكثيرون من الراقدين فى تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدى» (دا 12: 2).

ولكن من أعظم الرؤى المملوءة مجداً فى العهد القديم التى تتحدث عن قيامة الموتى هو ما دونه حزقيال النبى فى الاصحاح السابع والثلاثين (من 1 - 14) حيث أخذ روح الرب حزقيال إلى وادى عظيم مملوء بالعظام وقال الله للعظام: «ها أنذا أدخل فيكم روحاً فتحيون» (حز 37: 5) ولقد كشف الله لحزقيال النبى عن حجاب المستقبل فى القيامة الأخيرة للموتى. ولقد قدم لنا حزقيال وعد الله بالقيامة فى تلك النصوص: «ها أنذا أفتح قبوركم واصعدكم من قبوركم يا شعبى وآتى بكم إلى أرض إسرائيل... وأجعل روحى فيكم فتحيون وأجعلكم فى أرضكم» (حز 37: 12 - 14).

وعن طريق رسم تلك الصورة الخاصة بالدخول النهائى لشعب الله فى الحياة الأبدية فى ملكوت الله فانه يكون الله قد أكمل وعده بالملكوت الذى أعطاه فى العهد القديم وان الخطوة التالية فى الإنجيل هى اعلان خطة الله فى الفداء الذى أعلن فى العهد القديم بأعلان يسوع المسيح «اعلان يسوع المسيح الذى أعطاه إياه الله ليرى عبيده ما لابد أن يكون عن قريب» (رؤ 1: 1).

ونستطيع أن نلخص كل ما سبق ما هو أنه خلال أسفار الحكمة وكتابات الأنبياء.

فى العهد القديم تم الاعلان عن موضوع الخلاص بطريقة اسكاتولوجية، وتحمل مواعيد الله فى العهد القديم سراً جوهرياً مستقبلاً. ولقد تحول العهد القديم إلى عهد جديد فى (المسيا) المزخر فيه حكمة وقوة الآب، والمسيا هو الذى يقود شعبه إلى الحياة الأبدية فى ملكوت الله. وهذا هو القصد العام لأسفار الحكمة والأنبياء.

والعهد القديم يقدم لنا الله كسيد لكل الكون وخالق لكل الأشياء وهو بر الإنسان الكامل. ولقد تغرب الإنسان عن الله بسبب الخطية وأصبح فى احتياج للخلاص ولذلك عمل الله من أجل خلاص الإنسان من الخطية باعداد العالم لهذا الخلاص عن طريق اعداد إسرائيل لمجئ المسيا الذى سوف يصالح كل الخليقة مع الله. ولهذا فإن الله أعلن نفسه للبشر خلال الطبيعة وخلال الكتاب المقدس، وأخيراً أعلن نفسه فى شخص الرب يسوع المسيح ابن الله المتجسد وفى أعمال المسيح.

إن المدة الطويلة بين آدم وبين فترة ما بعد السبى هى فترة إنتظار لمجئ المسيا ولكن فى انتظارنا لمجئ المسيح فإننا نلنا بركة لأن: «اما منتظرو الرب فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون» (إش 40: 31).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الخامس اتفاق البشرين الثلاثة (متى – مرقس – لوقا) - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

الفصل الثالث تاريخ بنى إسرائيل فى العهد القديم - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات