الفصل الثالث تاريخ بنى إسرائيل فى العهد القديم – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الثالث تاريخ بنى إسرائيل فى العهد القديم

من بين التسعة والأربعين سفراً التى يتكون منها العهد القديم يوجد ثلاثة وعشرون سفراً خصصت لتاريخ إسرائيل القديم. فالفترة من إبراهيم إلى موسى تتحدث عنها أسفار موسى الخمسة، وهى تبدأ من الأصحاح 12 من سفر التكوين وتستمر فى سفر الخروج واللاويين والعدد والتثنية ويشوع والقضاة وراعوث. كلها أسفار تتحدث عن انتصار بنى إسرائيل والاستقرار فى أرض كنعان وقيام دولة إسرائيل تحت قيادة شاول وداود وسليمان وانهيار تلك الامبراطورية فى عهد نسل سليمان فى سفر صموئيل الأول والثانى والملوك الأولى والثانى وأخبار الأيام الأول والثانى وطوبيا ويهوديت. أما تاريخ بنى إسرائيل من القرن السادس قبل الميلاد حتى وقت مجئ المسيح – حيث كانت فلسطين محكومة باستمرار لبابل وإيران واليونان والرومانيين – فهو ما يتحدث عنه سفر عزرا ونحميا واستير وعزرا الأول والمكابيين الأول والثانى والثالث. وفى سفرى عزرا الثانى والمكابيين الرابع يتحدثان عن الفترة الأخيرة من تاريخ العهد القديم.

ومن وجهة النظر الأرثوذكسية فإن كتابات أسفار العهد القديم تدور كلها حول تجسد يسوع المسيح ابن الله وأن هذه الأسفار كلها هى ظل للعهد الجديد ومقدمة لمجئ المسيح. والقديس بولس الرسول يهتم باظهار حقيقة وجود السيد المسيح فى أسفار العهد القديم، وهذا ما كتبه فى رسالته الثانية إلى تيموثاوس « وإنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذى فى المسيح يسوع» (2تى 3: 15). لهذه الكلمات التى كتبها بولس الرسول عام 67 أو 68م لم يكن عندئذ قد تم كتابة العهد الجديد بعد، والكتب المقدسة التى يقصدها بولس الرسول هنا هى أسفار العهد القديم وهى تلك الكتابات التى قادت تيموثاوس إلى الخلاص الذى فى المسيح يسوع. وحين نتتبع كتابات القديس بولس الرسول وبقية الرسائل الأخرى فإن الكنيسة الأرثوذكسية تعتبر العهد القديم أنه تمهيد لاعلان خطة الله الرعوية لخلاص العالم. وهكذا فإن كلاً من العهدين القديم والجديد هو كتاب الخلاص الذى وصل إلينا فى شخص الرب يسوع المسيح، وهكذا فإن محور الكتاب المقدس كله هو شخص المسيح، فالعهد القديم يتحدث عن وعد الله بالخلاص فى المسيح يسوع والعهد الجديد يتحدث عن كمال ذلك الوعد.

إن الله قد عمل من أجل خلاص جنس البشر والعالم كله عن طريق شعب بنى إسرائيل المختار وعن طريق مسيّا بنى إسرائيل الذى هو يسوع الناصرى.

وقصد الله فى التجسد هو اعلان نفسه لبنى البشر ولجميع بلاد العالم الساقطة ولجميع الشعوب والحضارات لذلك كان لابد أن يولد من تلك البلاد ولذلك إختار شعب بنى إسرائيل كخاصة له ووعدهم بأن يرسل لهم المسيّا الذى سوف يخلص إسرائيل وكل العالم من قوى الشر. ولقد بدأت الله الخلاص فى ملء الزمان الذى كمال بميلاد المسيح الذى به يكمل الفداء.

إن الكتاب المقدس لم يخبرنا لماذا اختار الله بنى إسرائيل وميزهم عن سائر الأمم، ولكن ببساطة هذا هو ما فعله، وتاريخ بنى إسرائيل فى العهد القديم ومعاملات الله معهم منذ إبراهيم حتى هزيمة الرومان للفلسطينيين إنما هو اعلان لاستعداد بنى إسرائيل وكل العالم لمجئ المسيح وتجسده وفى الصفحات المقبلة سوف نتحدث عن التاريخ القديم لبنى إسرائيل كما وصفهم العهد القديم ثم نتحدث بعد ذلك عن وجهة النظر الأرثوذكسية اللاهوتية لذلك التاريخ وما ترمز إليه.

أولاً – تاريخ بنى إسرائيل من الآباء البطاركة حتى وقت السبى

لسهولة الشرح والتفسير فإننا نميّز بين ستة فترات رئيسية فى التاريخ القديم لبنى إسرائيل:

1 - عصر الآباء البطاركة من عام 2000 – 1700 ق. م.

2 - عصر موسى وخروج بنى إسرائل من مصر 1290 – 1250 ق. م.

3 - فترة هزيمة الكنعانيين واحتلال أرضهم. 1250 – 1200 ق. م.

4 - فترة الاثنى عشر سبطاً وتحالفهم معاً 1200 – 1025 ق. م.

5 - فترة قيام وسقوط دولة بنى إسرائيل 1025 – 538 ق. م.

6 - الفترة من سبى بابل حتى هزيمة الرومان للفلسطنيين 538 – 37 ق. م.

وهى تشير إلى فترة الرجوع.

1 - عصر الآباء البطاركة عام 2000 حتى عام 1700 ق. م

إن قصة الآباء البطاركة وردت فى سفر التكوين من الأصحاح 12 حتى الأصحاح 50. ومحور هذه الأصحاحات هى العهد الإلهى الذى أعطى لإبراهيم، وتجديد هذا العهد مع نسل إبراهيم الذين هم بنى إسرائيل. ولقد تم – فى شخص إبراهيم – إختيار بنى إسرائيل كشعب الله المختار، وتم منحهم الوعد بالممتلكات الأبدية لأرض كنعان (فلسطين) وفى الإيمان والطاعة لله حصل بنى إسرائيل على الحرية والسلام والسعادة بأرض الموعد. وأعلن الله العهد الذى أعطى لإبراهيم (تك 11: 10؛ 25: 18) ودعا الله إبراهيم ليكون أباً للشعب المختار واعداً إياه «أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم إسمك. وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض» (تك 12: 2 - 3).

والكتاب المقدس يخبرنا أيضاً بأن الله قد اختار إبراهيم ليكون أباً ليس فقط لمملكة بنى إسرائيل بل أيضاً لأمم كثيرة (تك 17: 4 - 6).

وهذا هو العهد الذى أعطاه الله لإبراهيم « وأقيم عهد بينى وبينك وبين نسلك من بعدك فى أجيالهم عهداً أبدياً. لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك. وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً. وأكون إلههم» (تك 17: 7 - 8). ووفقاً لما جاء فى الأصحاح (17: 9 - 14) - حيث أمر الله إبراهيم بختان كل ذكر – فان تمام عهد الله الموعود به متوقف على إيمان إبراهيم ونسله، وكان طقس الختان هو أمر الله كعلامة لهذا العهد بين الله والشعب المختار. ومن وجهة النظر الأرثوذكسية فإنه فى المسيح يسوع وفى الكنيسة فإن إبراهيم صار أباً لأمم كثيرة، ونسل إبراهيم هم أولئك الذين يحيون فى وحدة الإيمان مع المسيح. وطقس الختان هو رمز لسر المعمودية، أولئك الذين يعتمدون فى المسيح سوف يرثون أرض الموعد الحقيقية التى هى ملكوت السموات وكان رمزها المادى – فى العهد القديم – هو أرض كنعان.

وفى سفر التكوين (25: 19؛ 36: 43) يتم تجديد الله لوعد إبراهيم واستمراره مع إسحق ابن إبراهيم ومع يعقوب ابن إسحق. وإن الكتاب المقدس يشهد لقوة إيمان إبراهيم فى الله والثبات الروحى والبراءة لاسحق، ولكن كان يعقوب إنساناً خاطئاً وكان إيمانه فى الله ضعيفاً وهو إنسان غير نقى، ويشير الإنجيل إلى حياته الأولى حيث كان يستخدم الحيل والمكر ليحصل على البركة وبذلك تحدث عنه الإنجيل إنه جاهد مع الله ومع البشر وغير الله إسمه ليصير «إسرائيل» الذى معناه (الذى جاهد مع الله) (تك 32: 28) وتغيّر إسم يعقوب هو إدراك للإنتصار الروحى ليعقوب وجهاده لكى ينتصر على الطبيعة الشريرة التى فيه ولكى يكمل التصالح مع الله ومع الإنسان زميله.

ويعقوب (إسرائيل) قد أنجب اثنى عشر ابناً: راؤبين – شمعون – لاوى – يهوذا – دان – نفتالى - جاد – أشير – يساكر – زابلون – يوسف – بنيامين.

وأبناء يعقوب هم آباء الأسباط اليهودية التى تكون مملكة بنى إسرائيل الأولى. وهكذا فإن إسرائيل هو إسم لنسل إبراهيم كما هو إسم ليعقوب أيضاً. وإن تاريخ بنى إسرائيل موجود فى الأصحاحات من (37 – 50) فى سفر التكوين وهو الجزء الهام لهذا التاريخ.

ولقد كان بكر يعقوب مكروهاً منه فأحب يوسف أكثر من غيره من الأولاد وهذا ما جعل أخوته يلقونه فى الجب. ولكن انقذه بعض الرحالة الذين أخذوه لمصر وباعوه كعبد. وهناك وجد نعمة أمام سيده فوطيفار حتى أتهم ظلماً من زوجة فوطيفار فقد ادعت أنه حاول غوايتها ونتيجة هذا الاتهام ألقى يوسف فى السجن. وحدث أن فرعون مصر إضطرب بسبب الحلم الذى رآه ولم يستطع أى أحد أن يفسره ولما سمع أن يوسف يمتلك موهبة التفسير استدعاه وفسر له الحلم وتنبأ له أن سبع سنين وفيرة المحصول سوف تأتى ثم تتبعها سبع سنين مجاعة ونصح بتخزين كمية كبيرة من المحصول وحفظها فى المخازن، ثم أقامه فرعون مسئولاً عن تلك المخازن فأدارها بنجاح وكنتيجة لهذا النجاح أصبح يوسف فى مكانة مرموقة وصار الرجل القوى فى أرض مصر.

وعندما جاء وقت المجاعة جاء أخوة يوسف مع الغرباء الذين حضروا لمصر لشراء الطعام، ولقد سامحهم يوسف على خطيتهم التى أخطأوها ضده وأرسل يوسف واستدعى أباه يعقوب ثم سكن يعقوب وأولاده فى أرض مصر واستمرت أقامة أمة بنى إسرائيل فى مصر من وقت يعقوب ويوسف حتى وقت موسى (وكان يوسف فى الأمة ومجده وإشباعه للجيال رمزاً للسيد المسيح له المجد).

2 - عصر موسى والخروج من أرض مصر 1290 – 1250 ق. م

إن قصة خروج بنى إسرائيل من أرض مصر ورجوعهم إلى أرض كنعان قد احتواها الكتاب المقدس فى سفر الخروج واللاويين والعدد والتثنية حيث كتبت وروجعت وصنفت عن طريق الكهنة اليهود والكتبة فيما بين القرن العاشر والقرن الخامس قبل الميلاد.

وينقسم سفر الخروج Exodus إلى قسمين أساسيين:

أ - القسم الأول:

ويشمل الأصحاحات من (1 - 18) التى تصف مضايقات شعب بنى إسرائيل فى مصر وتحررهم من النير (فى مصر) تحت قيادة موسى النبى.

ب - القسم الثانى:

ويشمل الأصحاحات من (19 - 40) التى تصف تجديد الله لعهده مع موسى وشعب بنى إسرائيل.

أ - القسم الأول من سفر الخروج: (الأصحاحات من 1 - 18).

والأصحاح الأول من سفر الخروج يتحدث عن الضيق الذى واجهه شعب بنى إسرائيل فى مصر بعد موت يوسف وأخوته حيث نما شعب بنى إسرائيل فى مصر « وأما بنى إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيراً جداً وامتلأت الأرض منهم» (خر 1: 7) وعندئذ «قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف» (خر 1: 8) وربما يكون هذا الملك هو سيتى الأول (1309 – 1290ق. م) وخاف هذا الملك من قوة وتزايد شعب بنى إسرائيل وعندئذ بدأ فى استعبادهم وأمر بهلاك الأطفال الذكور لبنى إسرائيل.

وأثناء ذلك ولد موسى وكان أبواه من بنى إسرائيل من سبط لاوى. ولقد رأت أمه أن تنقذ حياته بأن تخبئه بين العيدان على شاطئ نهر النيل، ثم وجدته إبنة فرعون التى تبنته وأسمته موسى الذى معناه (المنتشل) وبعد انتشاله من النهر عاش لكى ينتشل شعبه من أرض مصر (خر 2: 1 - 10) وعاش موسى فى قصر مصر. ولقد اكتشف موسى بطريقة ما أصله اليهودى وأظهر فهماً عظيماً لشعبه. وفى شبابه قتل أحد المصريين الذى كان يتعارك مع إسرائيلى. وعندما وصل إلى علم فرعون ما صنعه موسى اضطر أن يهرب إلى أرض مديان (السعودية الآن) وفى مديان تزوج إبنة كاهن مديان وصار راعياً للغنم (خر 2: 11 - 22) ولقد تمزقت حياة موسى العائلية وتبدد استقراره نتيجة ظهور الله له فى العليقة المشتعلة وطلب منه أن يرجع إلى أرض مصر حيث صار أداة فى يد الله لخلاص شعب بنى إسرائيل من العبودية.

وتحدث سفر الخروج عن خلاص شعب بنى إسرائيل من أرض مصر فى الأصحاحات (مز 5 إلى 15) وكان رجوع موسى من أرض مديان إلى أرض مصر من المحتمل أن يكون فى حكم رمسيس الثانى (1290 – 1224) وقد طلب موسى من فرعون أن يسمح للشعب بأن يخرج ولكن رفض فرعون أن يطلقهم من العبودية وعندئذ أرسل الله ضربات عشر على المصريين حتى يغير فرعون رأيه ولكن هذه الضربات العشر لم تؤذى شعب بنى إسرائيل فقط. وكانت الضربة العاشرة هى قتل الأبكار سواء أبكار البشر من المصريين أو أبكار الحيوانات، وعندئذ وافق فرعون على طلب موسى وأطلق شعب بنى إسرائيل وعندئذ قاد موسى شعب بنى إسرائيل وابتدأ فى الخروج من أرض مصر.

وتحركوا من أرض مصر شرقاً فى اتجاه شبه جزيرة سيناء ثم ندم فرعون على سماحه للشعب بالانطلاق والتحرر، وعندئذ أعد جيشاً مسلحاً، وتحرك فرعون معهم نحو البحر الأحمر حتى يجبرهم على الرجوع. ولما لحق الجيش المسلح – الذى مع فرعون – شعب بنى إسرائيل رفع موسى يديه إلى الله الذى استجاب له وصنع لهم طريقاً وسط الماء (خر 14: 21) واستطاع بنى إسرائيل أن يعبروا البحر، وعندما أرادت قوات فرعون أن تلحق بهم أمر الله المياه أن ترجع ثانية وهلك المصريون تماماً (خر 14: 22 - 31) وتحرر أخيراً شعب بنى إسرائيل كلية من العبودية فى مصر وعندئذ «رأى إسرائيل الفعل العظيم الذى صنعه الرب بالمصريين. فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى» (خر 14: 31) وخروج الشعب من أرض مصر يحتوى على أمرين مهمين فى التقليد اللاهوتى للأسرار المسيحية:

1 - إن الاحتفال بالعبور (الفصح) هى أمر إلهى أثناء الضربة العاشرة التى حلت بالمصريين. وتفاصيل خروف الفصح موجودة فى الأصحاح 12 من سفر الخروج.

ويفسر اللاهوت الأرثوذكسى للأسرار أن واقعة الفصح هى رمز لسر التناول وأن خروف الفصح الذى يذبح ويؤكل هو رمز المسيح. وان شعب إسرائيل الذين خلصوا من غضب الله عن طريق دم الخروف هو رمز لموت المسيح على الصليب الذى خلّص جنس البشر من الخطية والموت وفى سر التناول حيث يتناول شعب الله من الخبز المقدس والخمر الكريم اللذان هما الجسد المقدس والدم الكريم الحقيقيين اللذين للرب يسوع المسيح الذى هو حمل الله الذى يرفع خطية العالم (يو 1: 29).

2 - ومعجزة عبور الشعب للبحر هى رمز أيضاً لسر المعمودية وهكذا كما دخل شعب الله إلى البحر الذى هو رمز للموت وعندئذ خلصوا من المصريين بمعونة وعمل الله معهم فهكذا سر المعمودية الذى يتم بالتغطيس فى الماء ثم الصعود منه بعد ذلك وهذا رمز للاشتراك فى موت المسيح وقيامته. والعهد القديم فى تصويره لعبور الشعب إنما هو مقدة وانذار ورمز للعهد الجديد فيما يتعلق بموضوع المعمودية.

وحين نتابع خروج بنى إسرائيل من أرض مصر وقيادة موسى لهم فى صحرا سيناء فى اتجاه جبل سيناء (خر 15 - 18) فإن الرحلة كانت شاقة جداً وكان الشعب يشتكى باستمرار من موسى النبى وحينما بدأ الشعب يخور من الجوع والعطش بدأ الله يعولهم بالمعجزات حيث أمدهم الله بالمياه (خر 15: 22 - 27؛ 17: 1 - 7) وأمدهم أيضاً بالخبز واللحم (خر 16) وأعطاهم الله انتصاراً فى معاركهم ضد عماليق (17: 8 - 16) وهكذا بمعونة الله وصل موسى وشعب بنى إسرائيل إلى جبل سيناء. وجميع القصص الخاصة برعاية الله لشعبه فى البرية نشرها الشراح الأرثوذكسى انها ترمز لأعمال الخلاص التى صنعها الرب يسوع المسيح فى قرون لاحقة لموسى النبى.

ب - القسم الثانى من سفر الخروج (من أصحاح 19 - 40):

ويتحدث هذا القسم عن تجديد الله لعهده مع موسى وشعب بنى إسرائيل وذلك بعد خروجهم وتحررهم من العبودية (1 – 18) وكما رأينا فإن هذا العهد كان أولاً مع إبراهيم وفى سفر الخروج امتد إلى موسى حين تحدث الله معه قائلاً: «إن سمعتم لصوتى وحفظتم عهدى تكونون لى خاصة من بين جميع الشعوب. فان لى كل الأرض. وأنتم تكونون لى مملكة كهنة وأمة مقدسة» (خروج 19: 6، 5). وهنا امتد عهد الله مع إبراهيم إلى كل بنى إسرائيل الذين هم نسل إبراهيم. وهذا العهد مشروط بإيمان وطاعة الشعب المختار لكلمة الرب.

ونحن نتتبع قبول بنى إسرائيل للعهد فان الله دعا موسى إلى قمة جبل سيناء وأعطاه الناموس الإلهى الذى سُجل فى سفر الخروج من أصحاح (20 حتى 23). والناموس كما جاء فى سفر الخروج ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الوصايا العشر (خر 20: 1 - 17).

القسم الثانى: بنود العهد (خر 20: 21؛ 23: 33).

وفى الوصايا العشر – كما جاءت فى سفر الخروج أصحاح (20) وسفر التثنية (5: 6 - 21) – تحدث موسى النبى عن الناموس الإلهى الطبيعى الخاص بالقداسة والبر حيث دعا شعبه للسلوك بمقتضاه. وهذا الناموس يُطلق عليه أحياناً كتاب العهد حيث يحتوى على تفاصيل ووصايا خاصة بالعبادة الدينية والطقسية وكيفية معاملة العبيد والخدم والقتل والجرائم الوحشية والسرقة وحقوق الملكية والربا الفاحش والافتراء والسحر وكيفية السلوك الجنسى والوثنية وحفظ السبت ووصايا أخرى. وبصفة عامة فإن الناموس الإلهى كما جاء فى (خر 20 - 23) هو اعلان مشيئة الله لشعبه، وعن طريق طاعة كلمة الرب فإنهم يصيرون «مملكة كهنة وأمة مقدسة» (خر 19: 6) ويستحقون أن يرثوا الأرض التى وعد الله أن يعطيها لإبراهيم وعند سماع الشعب للناموس الإلهى الذى نطق به موسى النبى أعلنوا أن «كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له» (خر 24: 7) وفى تجاوب شعب بنى إسرائيل والتزامهم بالناموس والعهد وفى اكمال الله لوعده بأن يصير نسل إبراهيم شعب الله المختار. أمر الله موسى أن يصنع خيمة للإجتماع حسب المواصفات التى أعطاها له، وهذه المواصفات موجودة فى سفر الخروج أصحاح 25 حتى أصحاح 40. وكان يوضع فى خيمة الإجتماع تابوت العهد ولوحا الشريعة المكتوب عليها الوصايا العشر. وكانت الخدمة الطقسية تمارس فى خيمة الإجتماع عن طريق الكهنة المختارين من سبط لاوى الذين كان على رأسهم هارون أخو موسى وأبناء هارون (خر 28: 1 - 4) وأهم ما فى الأمر أن الله كان يستعلن فى خيمة الاجتماع عن طريق «سحابة المجد» التى كانت تملأ المكان وتستقر فوق الخيمة (خر 40: 34 - 38) وأثناء ترحال بنى إسرائيل فى البرية طوال الأربعين عاماً – التى هى فترة الاستعداد لدخول أرض كنعان – فان الرب دخل وسط شعبه وقادهم فى مسيرهم لأرض الموعد «لأن سحابة الرب كانت على المسكن نهاراً. وكانت فيها نار ليلاً أمام عيون كل بيت إسرائيل فى جميع رحلاتهم» (خر 40: 38).

وكما قلنا بأن عهد الرب مع البشر كان له دائماً علامة أو ختم حتى يعلن بدء هذا العهد. وهذا تم فعلاً فى عهد الله مع بنى إسرائيل أثناء مدة قيادة موسى النبى وفى الواقع ان هذا العهد قد ختم بثلاث علامات:

1 - العلامة الأولى وهى حفظ يوم السبت (خر 31: 12 - 18).

2 - العلامة الثانيه هى حفظ ناموس الله الذى أعطى لموسى وإسرائيل كعلامة وامتداد للعهد.

3 - العلامة الثالثة هى كمال هذا العهد ببناء خيمة الإجتماع كعلامة لحضور الله وسط شعبه.

أما سفر اللاويين Levitious فهو سفر الكهنوت اليهودى الذى يصف مملكة بنى إسرائيل تحت قيادة موسى وأخيه رئيس الكهنة ومحور هذا السفر هو قداسة الله الكلية وشر الإنسان وطريقة التكفير عن الخطية.

وتتحدث الأصحاحات الستة عشر الأولى من سفر اللاويين عن الناموس الطقسى لبنى إسرائيل الذى يشرح طريقة الاقتراب إلى الله حيث يستطيع الإنسان أن يتصالح مع الله عن طريق طقوس وممارسات التطهير والعبادة والذبائح والخدمات التى تمارس تحت قيادة الكهنوت اللاوى. وإن السقوط الروحى والسلوكى لبنى إسرائيل يتم الندم عليه من الشعب والغفران يُمنح لهم من الله. ففى الأصحاح 16: من سفر اللاويين يتحدث عن يوم الكفارة (لا 16: 29 - 30) وفى الواقع ان الكفارة atonement هى علاقة بين الله القدوس والإنسان الخاطئ وهى الهدف الكامل للناموس الطقسى الذى تحدث عنه سفر اللاويين فى الأصحاحات الستة عشر الأولى.

أما الأصحاحات من (17 إلى 27) من سفر اللاويين فهى تفسر العلاقة بين الناموس الطقسى لخيمة الإجتماع والوصايا السلوكية الأخرى مثل الزواج والطهارة واحترام الوالدين وكيفية معاملة الفقراء والعلاقات الاجتماعية بين الجيران والوصايا الخاصة بحفظ السبت والفصح والعشور ويطلق على هذا الجزء من سفر اللاويين تشريعات القداسة لأنها تركز على التقوى الشخصية والطهارة السلوكية.

أما سفر العدد Numbers فأطلق عليه هذه التسمية لأن فيه تم عدّ بنى إسرائيل فى الأصحاح الأول والأصحاح السادس. والعشرين وهو محسوب أيضاً لتنظيم بنى إسرائيل إجتماعياً وسياسياً تحت قيادة موسى النبى. وهو يتحدث أيضاً عن الاستعداد لاحتلال أرض كنعان.

ومعظم أحداث سفر العدد تشغل النصف الثانى من السنة الأربعين لخروج بنى إسرائيل وقبل دخول أرض كنعان مباشرة. ونحن نعلم من الحوادث أن السنة الثمانية والثلاثين من سنين الجهاد فى البرية قد عبرت فى صمت بسبب خطاياهم ضد الله ونقص إيمانهم وفشلهم فى طاعة ناموس الله. ولم يسمح لشعب بنى إسرائيل أن يدخل الأرض المقدسة مباشرة بعد تجديد العهد مع موسى على جبل سيناء، ولذلك كان عليهم أن يسيروا فى رحلة من التجارب مدتها أربعون عاماً، وهى فترة تغرب فى البرية فى جنوب كنعان. والأرقام فى سفر العدد تبين لنا أهمية عدد الأشخاص المقدسين وأهمية تنظيم الجماعة فى الاستعداد الإلهى لشعب بنى إسرائيل لدخول أرض الموعد.

ومن وجهة نظر المسيحية فإن اقامة شعب بنى إسرائيل فى البرية لمدة أربعين عاماً ودخولهم أخيراً إلى أرض الموعد المقدسة إنما هو رمز لتجربة الشيطان للسيد المسيح خلال الأربعين يوماً التى عاشها الرب يسوع المسيح فى البرية (مت 4: 1) ولكن يسوع كان بلا خطية بعكس بنى إسرائيل، ولكن لأن الابن الكلمة المتجسد كان عليه أن يشابه الإنسان فى كل شئ لذلك كان عليه أن يدخل إلى البرية التى تلطخت بخطية الإنسان. وبعد انتصار السيد المسيح على الشيطان فى البرية رجع إلى العالم لكى يؤسس الكنيسة التى هى إسرائيل الجديدة لكى يقودها إلى ملكوت الله التى هى الأرض المقدسة الحقيقية التى كان رمزها فى الإنجيل هو كنعان الأرضية.

أما سفر التثنية Deuteronomy فهو السفر الخامس والأخير من أسفار موسى الخمسة Pentateuch وهو مخصص للتعاليم الأخيرة لموسى النبى فى معانى ومحتويات العهد والناموس. وسفر التثنية يحتوى على ثلاثة تعاليم رئيسية موجهة من موسى النبى إلى أسباط بنى إسرائيل:

1 - التعاليم الخاصة بتفسير تغرب شعب الله فى البرية وما تحتويه من عدم إيمان وفشل فى حب وطاعة الله (تث 1: 1 - 4: 43).

التعاليم الخاصة بعرض الناموس (تث 4: 44 - 26: 19).

التعاليم الخاصة بمعنى العهد (تث 27 إلى 30) والأيام الأخيرة من حياة موسى النبى. وقد سجل سفر التثنية خبر موته فى الأصحاحات من (31 إلى 40).

والرسالة الأساسية لسفر التثنية بل ولأسفار موسى الخمسة كلها مركزة فى ذلك السؤال الذى طرحه موسى النبى: «فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقى الرب إلهك لتسلك فى كل طرقه وتحبه وتعيد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك» (تث 10: 12).

3 - احتلال أرض كنعان1250 – 1200 ق. م

إن سفر يشوع Joshua الذى كتب فى القرن الخامس قبل الميلاد يصف لنا احتلال بنى إسرائيل لأرض كنعان الذى حدث فى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ولقد أطلق على السفر إسم يشوع بسبب الدور الذى لعبه يشوع الذى كان من سبط افرايم، وهو قد خلف موسى النبى كقائد روحى وعسكرى لبنى إسرائيل. وفى وصف نجاح بنى إسرائيل فى إحتلال أرض الموعد فإن سفر يشوع يرسم لنا صورة ذلك النجاح كأنه تتميم لوعد الله الذى التزم به لشعبه. وكثيرون من قراء العهد القديم يصيبهم الفزع حينما يقرأون عن احسان الله لبنى إسرائيل وعن لعنته وتركه للكنعانيين. والإنجيل يحدثنا عن الكنعانيين انهم فسدوا وهلكوا تماماً وكانت عبادتهم هى الوثنية وكانوا يقدمون البشر كذبائح للشيطان وكانوا وثنيين ومنحرفين أكثر من غيرهم من البشر الذين كانوا يعيشون فى الشرق الأوسط ووفقاً للإنجيل فإن قليلين جداً من الكنعانيين كان يشغلهم موضوع القداسة والتوبة أما الباقون فلم يرجعوا إلى الله ليخلصوا ولهذا السبب أسلمهم الله إلى أيدى أسباط إسرائيل.

يتحدث سفر يشوع عن ثلاثة موضوعات أساسية:

1 - يتحدث أولاً عن احتلال وهزيمة الكنعانيين بيد بنى إسرائيل (أصحاحات 1 - 12).

2 - وصف توزيع ارض الموعد على اسباط إسرائيل (13 - 21).

3 - خطاب يشوع الوداعى لشعب الله قبل موته (22 – 24).

وهو يحوى تجديد العهد بين الله وبنى إسرائيل وهو يعتمد على ثبات الإيمان فى الله والطاعة له وتحدث أيضاً عن خطورة عدم الإيمان وعدم الطاعة.

ويتحدث الإنجيل مراراً وتكراراً عن عدم استمرار إيمان الشعب وعدم دوام طاعتهم لله ولذلك كثيراً ما كانوا يحرمون من بركة الله.

ولسبب عدم الطاعة وعدم الإيمان من جانب شعب بنى إسرائيل فإن تم حلول العهد الأبدى الذى لربنا يسوع المسيح محل العهد القديم.

وقصة قيادة يشوع لإسرائيل الأولى إلى أرض الموعد إنما هى رمز لعمل الرب يسوع المسيح، كما قاد يشوع شعب الله للإنتصار ولدخول أرض كنعان هكذا فإن الرب يسوع قد منح النصرة للكنيسة (إسرائيل الجديدة) وهو يقودها إلى أرض الموعد الحقيقية التى هى ملكوت السموات.

4 - رحلة اتحاد الأسباط الاثنى عشر 1200 – 1025ق. م

يسرد لنا سفراً القضاة وراعوث تاريخ إسرائيل منذ وقت يشوع إلى وقت ما قبل تأسيس مملكة العبرانيين تحت قيادة شاول ثم داود وسليمان. وخلال هذه المرحلة فإن الجزء الذى احتل من أرض كنعان كان موزع على الأسباط الاثنى عشر وكانت الأرض منتظمة بسهولة ومحكومة تحت قيادة الأسباط المتحدة مع بعضهاً بعضاً.

ولقد تم كتابة سفر القضاة Judges فى صورته النهائية خلال القرن السابع والقرن السادس قبل الميلاد وهو يشمل ثلاثة أجزاء رئيسية:

1 - الجزء الأول من السفر يتحدث عن حدود إسرائيل وسيادتها فى أرض كنعان. وفشل احتلال بقية أرض كنعان – الذى بدأ فى حياة يشوع – كنتيجة لخطية بنى إسرائيل واختلاط عبادتهم لله مع العبادات الوثنية للقبائل غير اليهودية التى كانت تقيم فى أرض كنعان. ولقد بدأ شعب بنى إسرائيل فى عبادة البعل الذى كان يعبده الكنعانيين، والعشتاروت وهو الوثن الخاص بالكنعانيين وقت الحرب والخصب (قض 2: 11 - 15) ولذلك لم يسمح لهم الله أن يكملوا امتلاك كل الأرض لأن بنى إسرائيل لم يطيعوا وصية الله بعدم الارتباط مع سكان الأرض أن يفنوا كل آلهة الكنعانيين، ولذلك أعلن الله لهم أنه لن يدفع عنهم الكنعانيين بل سيصيرون أعداء لهم وإن آلهتهم ستصير شركاً لهم (قض 2: 1 - 5) ولذلك فإن عدم الإيمان وعدم الطاعة يجلبان الدينونة واللعنة.

ولكن بينما الله يدين ويلعن خطية بنى إسرائيل فإنه يعلن مراحمه أيضاً بأن يرسل معونة روحية وسياسية لشعبه فى شخص القضاة الذين كانوا يمسحون ليصيروا قادة روحيين وسياسيين وحربيين، وقد حكم القضاة الأسباط المتحدة حتى يحرروا إسرائيل من أعدائهم ومن خطيتهم التى ارتدوا إليها.

2 - أما الجزء الثانى من سفر القضاة (ص 2: 6 حتى ص 16: 31) فهو يتحدث عن قيام القضاة والحديث عن الارتداد والخلاص من الخطية والادانة والتوبة والغفران خلال القرن الثانى عشر والحادى عشر لإسرائيل. والقضاة هم عثنئيل وأهود ودبورة وباراق وجدعون ويفتاح وإبصان وإيلون وعبدون وشمشون. وبينما كان يحكم هؤلاء القضاة بصفة دائمة مستقرة فإن البعض الآخر حكم بصفة مؤقتة. إلا أن آخر هؤلاء القضاة كان صموئيل النبى كما بيّن ذلك سفر صموئيل، وحتى تحت حكم هؤلاء القضاة فإن هناك بعض الشئ الذى كان يصيب مملكة بنى إسرائيل.

3 - والجزء الثالث من سفر القضاة يتحدث عن الحالة الاجتماعية والسياسية التى سادت الأسباط الاثنى عشر المتحالفة. وكثيرون من بنى إسرائيل رفضوا ناموس الله وتمردوا على حكم القضاة وكانوا عديمى الإيمان والطاعة سالكين فى عبادات الكنعانيين الوثنية. واستمرار هذا التمرد والوثنية كان سبباً فى هلاك وفساد وفوضى المملكة من الناحية السياسية والاجتماعية معاً. وفى ترك إسرائيل لعهد الله فإنه قد دانهم وأسلمهم إلى الهوان والذل.

ويتحدث سفر القضاة عن كيفية قيادة الله لشعبه خلال تلك الفترة من المحن «فى تلك الأيام لم يكن ملك فى إسرائيل. كل واحد عمل ما حسن فى عينيه» (قض 21: 25) وبعد وقت القضاة يأتى وقت تأسيس المملكة «يحكم البلاد ملك» ويتحدث سفر راعوث Ruth عن تأسيس المملكة فى القرن السادس قبل الميلاد. أما قصة راعوث نفسها فقد تمت وقت القضاة وتحكى لنا وجود الله فى حياة أولاده المؤمنين حتى فى وقت الجحود والارتداد والفوضى والإنكار ولقد أخذت العلاقة بين الإسرائليين والكنعانيين شكلاً آخر فى سفر راعوث تختلف عما كانت عليه فى سفر القضاة.

وأحداث سفر راعوث تأخذ مكانها فى القرن 12 أو 11 ق. م وهى تتحدث عن كيفية الهروب من تلك المجاعة فى منطقة بيت لحم حيث قامت عائلة من بنى إسرائيل من سبط يهوذا «اليمالك وزوجته نعمى وأولادهم محلون وكاليون» وانتقلوا إلى أرض موآب «الموابيين من نسل لوط ابن أخى إبراهيم» (تك 19: 30 - 38) ونظراً لفسق الموآبيين فقد اعتبروا غرباء عن طريق الله. وقد مات اليمالك ومات ابناه بعد أن تزوجا بامرأتين من أهل موآب هما عرفة وراعوث. وبعد انتهاء المجاعة التى كانت فى بيت لحم حاولت نعمى أن تحث عرفة وراعوث أن يرجعا إلى أهلهما وعشيرتهما فبقيت عرفة فى أرض موآب ولكن راعوث رجعت والتصقت بنعمى وقالت لها: «لا تلحى علىَّ أن أترككِ وأرجع عنكِ لأنه حيثما ذهبتِ أذهب وحيثما بتِ أبيت. شعبكِ شعبى وإلهك إلهى» (راعوث 1: 16). ولهذا صارت راعوث إسرائيلية بالحب والإيمان وسافرت إلى بيت لحم مع نعمى. وفى بيت لحم وجدت راعوث نعمة فى عينىّ بوعز وهو رجل غنى من عشيرة اليمالك ولهذا استطاع بوعز وراعوث أن يتزوجا وابنهما عوبيد صار أباً ليسىّ الذى صار أباً لداود الذى هو أعظم ملوك إسرائيل (راعوث 2 - 4) وعن طريق داود صارت راعوث حدة ليسوع المسيح نفسه وصار إسمها موجوداً فى نسب السيد المسيح (مت 1: 1 - 17).

وإن سفر راعوث له هدافان أساسيان:

أولاً – لكى يقدم لنا نسب الملك داود (ليكن معلوماً لدينا أن السفر كُتب بعد مدة طويلة من الأحداث التى وقعت فى السفر).

ثانياً – لكى يعلن لنا أن مراحم الله ومحبته ممتدة للكل، لليهود ولغيرهم الذين رجعوا إلى الله بالايمان وطلبوا منه حمايته لهم.

إن موت اليمالك وولديه فى موآب هو علامة ورمز لدينونة الله لليهود والتى امتدت للوثنيين أيضاً ورجوع نعمى إلى بيت لحم ومعها راعوث بعد أن تحولت لترجع معها هو رمز للسلام (الذى حدث فى المسيح يسوع ربنا) بين اليهود والكنعانيين (الأمم).

وهذا الهدف الثانى لسفر راعوث (امتداد مراحم الله لليهود والأمم) يتفق مع الفكر الرئيسى لسفر القضاة الذين يدين الوثنية التى وجدت بين اليهود بسبب تحول اليهود من عبادة الله إلى أوثان الكنعانيين. ولكن القضاة لم يعلنوا أن تحول الكنعانيين إلى الديانة اليهودية هو امر مستحيل أو ضد مشيئة الله.

5 - قيام وسقوط الأمبراطورية اليهودية 1025 – 538 ق. م

إن المرحلة الخامسة فى تاريخ إسرائيل القديم بخصوص قيام دولة إسرائيل ودمارها الأخير مبيّن بالتفصيلات الشديدة فى أسفار صموئيل الأول والثانى والملوك الأول والثانى وطوبيا ويهوديت. ولقد كتبت أسفار صموئيل والملوك فيما بين القرن العاشر والقرن الخامس قبل الميلاد وان سفرى يهوديت وطوبيا تم كتابتها خلال القرن الثانى قبل الميلاد.

ويمكن تقسيم تاريخ الأمبراطورية العبرانية إلى ثلاث أقسام:

1 - فترة قيام وتأسيس المملكة العبرانية وغالباً ما يُطلق عليها المملكة المتحدة (1025 – 931 ق. م).

2 - إنقسام الامبراطورية إلى مملكتين (930 – 586 ق. م).

3 - الدمار الأخير للامبراطورية العبرانية على يد البابليين (586 – 538 ق. م).

أ - تأسيس المملكة اليهودية:

تأسست المملكة اليهودية خلال القرن الحادى عشر قبل الميلاد، حيث سادت الفوضى على أسباط إسرائيل الاثنى عشر المتحدة، وأصبحت الفوضى شديدة والحياة صعبة للغاية، وأصبح بنى إسرائيل فى تزايد مستمر من ناحية التذمر على قيادة القضاة لهم (1صم 8: 20، 5) وفى طلبهم ملكاً يحكم عليهم إنما هو رفض لحكم الله عليهم عن طريق القضاة (1صم 8: 7 - 9) ولم يكن القضاة هم السبب فى عدم استقرار واتحاد الأسباط الإثنى عشر، ولكن كان ذلك بسبب عدم الإيمان وانعدام الطاعة لشعب بنى إسرائيل أنفسهم، ولذلك سمح الله لبنى إسرائيل أن يكون لهم ملك خاص، وعندئذ أمر صموئيل (آخر قاضى لهم) أن يمسح لهم شاول الذى هو من سبط بنيامين ليكون أول ملك لإسرائل (1صم 8 - 10) وكان حكم شاول (1025 – 1000 ق. م). بركة مختلطة (1صم من 8 - 31) لأن شاول الملك قد دعم المملكة وربح المعارك التى نشبت مع الفلسطينيين والكنعانيين ولكنه فشل فى استقصاء الفتنة الداخلية وسط الأسباط ثم هزم نهائياً من الفلسطينيين وصارت أمة خاضعة للأمم الأجنبية. وبعد أن انتحر شاول (بعد خسارته فى الحرب مع الفلسطينيين) صارت المملكة اليهودية على حافة الانهيار وهذا كله نتيجة لشهوتهم فى وجود ملك يحكمهم ولذلك صارت حالة بنى إسرائيل أسوأ مما كانت عليه تحت قيادة القضاة. ولكن حدث أن الله تدخل ثانية لانقاذ شعبه من الانهيار حين أمر الله يمسح داود – الحفيد الأعظم لبوعز وراعوث – لكى يقود بنى إسرائيل. وحكم داود (1000 – 965 ق. م) مكتوب فى سفر صموئيل الثانى وفى الأصحاحين الأولين من سفر الملوك الأول وكان داود كاملاً فى سلوكه وفى روحانياته (2صم 11 - 12) ولكنه كان يعلم يقيناً أن الله وحده هو الملك الحقيقى.

أما هو فكان خاضعاً مثل بقية بنى إسرائيل لعهد الله. وتحت تأثير قيادة داود القوية سياسياً وحربياً تم هزيمة الفلسطينيين وبقية الأعداء الآخرين وتم طرحهم بعيداً وتم التئام اسباط بنى إسرائيل وصاروا فى أزدهار وقوة.

ولما مات داود خلفه إبنه سليمان (965 – 931 ق. م) وتحدث الكتاب عن ملكه فى (1مل 3: 11) وفى ملك سليمان امتدت. سيطرت بنى إسرائيل على بقية الأعداء وتم خضوع كل القوى الغريبة وتحولت المملكة إلى أمبراطورية. وأمر سليمان ببناء الهيكل العظيم فى أورشليم ليحل محل خيمة الاجتماع كمكان يستقر فيه تابوت العهد. ولكنه رغم السنين الطويلة التى عاشها سليمان فى المجد والإيمان بالله إلاَّ أنه تزوج بنساء اجنبيات وعن طريق تجاوبه مع بعض نسائه قام بعبادة الأوثان (1مل 11). ولسبب خطية سليمان هذه فان الفتنة والضعف حلت بالمملكة حين ورثها ابنه رحبعام.

ب - إنقسام الامبراطورية 930 – 586 ق. م:

لم يتصف حكم رحبعام بالحكمة (931 – 913ق. م) وقد تحطمت الامبراطورية بسبب الحروب الداخلية وانقسمت الامبراطورية إلى مملكتين: المملكة الشمالية وتدعى إسرائيل والمملكة الجنوبية وتدعى يهوذا. وكانت المملكة الشمالية (إسرائيل) تحوى عشرة أسباط (رأوبين – شمعون – دان – نفتالى – جاد – أشير – يساكر – زبولون – أفرايم – منسى – كان افرايم ومنسى أنصاف أسباط من قبل وقد تفرعا من سبط يوسف تك 48). أما المملكة الجنوبية (يهوذا) فكانت تحوى سبطين (يهوذا وبنيامين) وهما ينتسبان إلى مملكة داود. أما سبط لاوى الذى جاء منه كهنة بنى إسرائيل فكانت تحكمهم بعض النظم الدينية لذلك كانوا موزعين (فى الإقامة) على الأسباط الأخرى خلال أيام يشوع، فكان بعض من اللاويين فى المملكة الشمالية وبعض فى المملكة الجنوبية، وقد ع اصروا الحروب الاهلية فى نهاية القرن العاشر قبل الميلاد.

وقد عاشت مملكتا الشمال والجنوب منذ عام 930 حتى عام 722 ق. م (1مل 12 حتى 2مل 16) وفى عام 723 ق. م تم مهاجمة الاشوريين لمملكة إسرائيل وخلال عام تم هزيمة المملكة الشمالية نهائياً (2مل 17، طوبيا 1 - 14) وتم استبعاد الأسباط العشرة من المملكة الشمالية وتم نقلهم إلى المملكة الاشورية (إيران حالياً) وتم احتلال الاشوريين لأرض المملكة الشمالية (إسرائيل) وعرفت هذه المنطقة بالسامرة. وهؤلاء الاشوريون الذين أستقروا فى أرض الشمال أخذوا إله إسرائيل إلهاً لهم ولكنهم قبلوا أسفار موسى الخمسة فقط. واتخذوا جبل الجرزيم مكاناً مقدساً لهم بدلاً من أورشليم. أما نسل هؤلاء المحتلين لأرض الشمال فهم الذين صاروا السامريين أخيراً وأطلق عليهم سكان أرض يهوذا الأمم. واحتلال الاشوريين لمملكة الشمال تسبب فى اختفاء الاسباط العشرة التى كانت تسكن تلك المنطقة من تاريخ بنى إسرائيل ولم يبقى سوى سبطى يهوذا وبنيامين والمتبقى من سبط لاوى هم الذين كانوا يسكنون فى أرض الجنوب. وأطلق على سبطى يهوذا وبنيامين اللذين يكونان مملكة يهوذا فقط (اليهود) وعرفت صفاتهما وديانتهما اليهودية.

ج - سبى بابل (586 – 538 ق. م):

بعد هزيمة الاشوريين للمملكة الشمالية استقلت مملكة يهوذا من 722 حتى 586 ق. م (2مل 18 - 24) وحدث بعد ذلك أن انتهت الامبراطورية الاشورية بالهزيمة من الامبراطورية البابلية (الكلدانيين) عام 612 بعد أن حاول الاشوريون تدمير امبراطورية يهوذا.

ولقد نجحت الامبراطورية البابلية تحت قيادة نبوخزنصر (605 – 562 ق. م) فيما فشلت فيه الامبراطورية الاشورية ودخلوا مملكة يهوذا فى صيف 586 ق. م ودمروا الهيكل العظيم الذى بناه الملك سليمان، وحطموا أيضاً تابوت العهد الذى كان موجوداً فى الهيلك وأخذوا عدداً كبيراً من اليهود كأسرى إلى بابل (2مل 23: 36 حتى 24: 30؛ يهوديت 1 - 16) وقد استمر سبى بابل حوالى خمسين عاماً وبذلك أصبحت الامبراطورية اليهودية فى حكم الفناء ولم يعد له اوجود إلاّ فى الماضى فقط واستمر ذلك لمدة طويلة.

6 - فترة القيام 537 حتى 37 ق. م.

انتهت سلطة البابليين على الأرض المقدسة عام 539 ق. م عندما هزمت الامبراطورية البابلية من الايرانيين. وتحدث الإنجيل عن الفترة التى سيطر فيها الايرانيون على فلسطين فى سفر أخبار الأيام الأولى والثانية وسفر عزرا ونحميا واستير وعزرا الأول، وهى أسفار كتبت فيما بين القرن الخامس والقرن الثانى قبل الميلاد. ولقد كانت الامبراطورية الايرانية تحت قيادة كورش Cyrus العظيم (555 – 530 ق. م) هى أعظم امبراطورية فى العالم فى ذلك الحين. وفى عام 538 ق. م أصدر كورش منشور بعودة اليهود الاسرى إلى بلادهم وهكذا قال كورش ملك إيران «جميع ممالك الأرض دفعها لى الرب إله السماء وهو أوصانى أن أبنى له بيتاً فى أورشليم التى فى يهوذا» (عز 1: 2 - 3) وانتهى بناء الهيكل فى عام 515 ق. م (عزرا 1 - 6) وتم اعادة تشييد أورشليم مرة أخرى وانتهى بناء المدينة فى عام 442ق. م. وكان الايرانيون يحكمون أرض يهوذا منذ عام 539 حتى 330ق. م ثم قام اليهود بحكم أنفسهم بعد ذلك. ثم تحطمت الامبراطورية الايرانية بيد الاسكندر الأكبر 330 ق. م وعندئذ سيطر اليونانيون على مصر والشرق الأوسط وكذلك أرض يهوذا. ثم مات الاسكندر عام 323 ق. م. وفى الجهاد من أجل التمسك بنجاح الاسكندر الأكبر قام بطليموس الذى من مصر ليسيطر على اليهودية إلى أن وقعت تحت سيطرة وولاء سيلوسيدس الانطاكى Seleucids وحدث عام 198 ق. م حين قام أنطوكيوس العظيم بهزيمة المصريين فى منطقة بانياس ان قام سيلوسيدس بفرض الفلسفة الهيلينية Helienistic وحاول تحطيم الديانة اليهودية وهذه قادت إلى ثورة المكابيين (165 - 153 ق. م) وبدأت هذه الثورة عن طريق متياس اللاوى وأولاده الخمسة يوحنا وسمعان ويهوذا ولعازر ويوناثان وأولاد متياس هم الذين عرفوا بالمكابيين لأن كلمة Makkabaios هو الإسم اليونانى لكلمة متياس Mattathias وتمت حركة التمرد هذه بالتدريج إلى أن نجحت وانتهت بتأسيس دولة اليهود المستقلة فى فلسطين وتم حكمها عن طريق المكابيين حتى عام 37 ق. م. وهذا ما سطره لنا سفر المكابيين الأول والثانى والثالث والذى كُتب فيما بين القرن الثانى والأول قبل الميلاد.

وكانت فترة استقلال دولة إسرائيل تحت حكم المكابيين قصيرة جداً لأنه حدث بعد عام 63 ق. م أن امبراطورية الرومان بدأت تغذو الشرق الأوسط. وعند مجئ الرومان للأرض المقدسة بعد عام 40 ق. م أغلق العهد القديم لتاريخ بنى إسرائيل، لأنه خلال حكم الرومان تم تحوّل العهد القديم إلى العهد الجديد خلال الرب يسوع المسيح.

ثانياً - التاريخ اللاهوتى لإسرائيل القديمة

كما رأينا أن الأصحاحات الإحدى عشر الأولى من سفر التكوين تتحدث عن العلاقة المتناسقة بين الله والإنسان والطبيعة وعن انهيار تلك العلاقة بسبب خطية الإنسان وعناده ومقاومة الملائكة لمشيئة الله ومحبته. وتتحدث هذه الأصحاحات أيضاً عن فقدان الإنسان للحياة الأبدية التى فى شخص الله وعبوديته للشر وتغربه عن الله وخضوعه لسلطان الخطية والموت. وأصبح الإنسان لا يقوى على ان ينشل نفسه من حالة السقوط هذه. ولذلك فإن الأصحاحات الإحدى عشر الأولى من سفر التكوين – بل والإنجيل كله – هو اعلان عن حالة الإنسان وعن احتياجه للخلاص. وهذه الأصحاحات تعلن أيضاً قصد الله فى فداء الإنسان بل فداء العالم كله عن طريق الشعب المختار وعن طريق المسيّا الذى من إسرائيل الذى سوف يقود كل جنس البشر ثانية للشركة مع الله.

إن تاريخ العهد القديم لإسرائيل هو إعداد العالم لمجئ المسيّا الذى هو ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ولهذا السبب فان تاريخ إسرائيل من إبراهيم حتى إحتلال الرومان لأرض فلسطين (من التكوين 13 حتى مكابيين الثالث) يمكن أن يطلق عليه «تاريخ الخلاص» أى أنه تاريخ له قصد لاهوتى يحوى وعد الخلاص من العالم ومن الجسد ومن الشيطان.

إن رسالة الخلاص التى يحتويها العهد القديم لإسرائيل الأول يمكن تقسيمه إلى موضوعات متعددة وسوف نتحدث الان عن بعض الأفكار اللاهوتية المتعددة التى أحتواها هذا التاريخ:

1 - طبيعة الله:

إن الكتاب المقدس يقدم لنا دليلاً على وجود الله، لأن فكر الإنجيل هو حقيقة وجود الله وحقيقة اختيار العبادة. وهكذا فلا جدال حول اثبات وجود الله فى الكتاب المقدس. والسؤال ليس هو هل الله موجود أم لا؟ بل السؤال هو أين أستطيع أن أجد الله الحقيقى؟ وما هى طبيعة ذلك الإله الحقيقى؟ ولقد قدمنا من قبل الفكر الرئيسى فى الأصحاح الأول والثانى من سفر التكوين حول طبيعة الله.

إن تاريخ النصوص التى احتواها العهد القديم تعبر عن طبيعة الله التى تتفق مع محتويات الاصحاح الأول والثانى من سفر التكوين وهى تتفق أيضاً مع محتويات الكتاب المقدس بأكمله. واننا نبنى رأينا على التقليد وعلى اعلان الإنجيل عن شخص الرب يسوع المسيح وعن أعماله.

ولقد أعلن اللاهوت الارثوذكسى تفاصيل الأعمال الرئيسية والأساسية المنسوبة لله، ولكن الاعلان الرئيسى والتأكيد الثابت للكنيسة الأرثوذكسية هو اعلان وجود الله وانه يعمل وأنه حى، وهكذا فان الوجود والحياة والعمل من جانب الله هى نمو ذاتى ونمو خليقته أيضاً. وهكذا فإن الله موجود وحى وعامل فى ذاته وفى خليقته أيضاً (السماء والأرض والخليقة المنظورة وغير المنظورة) ولان الله دائم الوجود. فى الخليقة فاننا نقول إن الله يفوق الوصف Ineffable ويفوق التصور Inconceivable وهو غير مرئى Invisible وهو أيضاً غير مدرك Incomprehensible ولكن الله أعلن نفسه فى مخلوقاته وذلك للذين لهم الفكر الذكى (البشر والملائكة). ومن وجهة النظر الأرثوذكسية هذه فإنه لا يكفى أن نقول إن الله دائم الوجود وحى وعامل ولكن يجب أن نؤكد أيضاً أن الله قد أعلن ذاته لنا خلال التقليد المقدس وخلال الكتاب المقدس.

والأرثوذكسية تستقى من الكتاب المقدس الاعلان عن شخص الله الواحد انه كلى الكمال وهو روح، موجود بذاته، كلى القداسة والحق والصلاح والفرح والقوة. وهكذا فإن الله واحد موجود بذاته والله روح ووجوده أزلى أبدى غير متغير وهو كلى القدرة Omnipotent وكلى المعرفة (هو المعرفة) Omniscient وكلى الوجود (موجود فى كل مكان) Ominpresent، وهو فائق على كل العالم، وهو الصلاح المطلق، وهو الكامل الخالق لكل العالم.

وفوق هذه الصفات الأساسية للطبيعة الإلهية فإن الفكر اللاهوتى للكتاب المقدس يعلن لنا عن الثالوث المقدس وهذا هو ما أعلنه العهد الجديد بصراحة. علاوة على ما سبق أن أعلنه العهد القديم «الله خلق العالم بكلمته فى الروح».

ويتحدث العهد القديم فى أماكن أربعة عن طبيعة الله:

1 - فى المرة الأولى ظهر الله الواحد كسيد لكل الخليقة. واعلان حقيقة الله الواحد موجود فى قصة العليقة (خر 2: 23 - 3: 22) لقد أعلن لموسى شخص الله الكائن الذى يسود على الكون بأكمله. وفى هذا الأعلان الذى حول موسى من لاجئ هارب إلى نبى. والذى أعلن ذاته لموسى هو إله إسرائيل، إلى إبراهيم وإسحق ويعقوب وقال له أنا هو الكائن (I am) وحين سأل موسى الله عن اسمه فقال له: «أنا يهوه الذى يهوه» أى (أنا هو الكائن الذى يكون I'am who I'am) (خر 3: 13 - 15) كأن الله يريد أن يقول إن إله إسرائيل هو أساس لكل وجود ومصدر لكل الأشياء أى هو الله الكائن على الكل والخالق لكل الأشياء، أى أن إله إسرائيل ليس فقط لمكان معين محلى بل هو أساس لكل الموجودات وكل العالم وكل الخليقة. وهذا الإله الذى هو سيد الكل صنع عهداً مع بنى إسرائيل ودعا موسى لكى يكون وكيلاً له فى تحرير شعب الله من العبودية فى مصر. وهذا هو محور الاعلان الذى أعطى لموسى فى العليقة وهو المحور الأساسى لتاريخ إسرائيل فى العهد القديم بأكمله.

2 - وفى المكان الثانى تم اعلان عن بر الله الكامل وقداسته المطلقة فى الناموس المسجل فى سفر الخروج واللاويين والعدد والتثنية. ولقد تحدث الله مراراً عن الدينونة والحكم الإلهى ضد خطية بنى إسرائيل خلال المدة الطويلة التى أعقبت موت موسى والتى سبقت مجئ الرب يسوع المسيح وهذه الفترة تعلن عن كمال الله المطلق.

3 - وفى المكان الثالث تم الاعلان عن رحمة الله وشفقته وهو دليل على صلاح الله ومحبته لشعبه. إذ بينما يدين الله ويحكم على الخطية فهو أيضاً يغفر ويعزى بنى إسرائيل.

4 - وفى المكان الرابع يعلن الله محبته لبنى إسرائيل وهذه المحبة هى تعبير عن محبته لكل الجنس البشرى. لأن الله كان يعد العالم – عن طريق إسرائيل - للخلاص عن الخطية والموت وفى إسرائيل تم الاعلان عن خلاص العالم كله وفداء الإنسان والطبيعة وهذا كله قد تم فى المسيّا الذى هو المسيح. وهكذا فان علاقة الله الخصوصية مع بنى إسرائيل – كما وصفها تاريخ العهد القديم – هو إعداد لصلح كل الأشياء مع الله فى المسيح وبالمسيح.

2 - عهد الله مع بنى إسرائيل

إن علاقة الله الخاصة مع إسرائيل فى القديم تعتمد أساساً على عهد الله مع إبراهيم وتجديده وامتداده على جبل سيناء مع موسى النبى. ويطلق على هذا العهد الممتد «العهد مع إسرائيل» وفيه وعد الله بنى إسرائيل بالخلاص من أعدائهم ومنحهم حياة السلام والحرية والفرح فى أرض كنعان. ومنح الله أرض الموعد لبنى إسرائيل كان مشروطاً بالإيمان والطاعة كعلامة للتجاوب مع مشيئة الله ومحبته. ولسبب عدم الطاعة المتكررة والارتداد من بنى إسرائيل فإن العهد الموعود به لم يكن بالتمام خلال العهد القديم. ولأن بنى إسرائيل فشلوا فى الحياة حسب العهد الذى يمثل العلاقة مع الله، لذلك بدأ الله فى تنفيذ خطته لخلاص كل العالم.

وهكذا فإن الله بسابق علمه رأى جحود وتمرد بنى إسرائيل أنه سيجعل ميراثهم لأرض الموعد أمراً مستحيلاً، ومنذ هجرة إبراهيم إلى وقت مجئ المسيح فإن الله أعلنها بوضوح أن الخلاص لن يتم بالعنصر البشرى فقط، ولكنه يتم فقط فى الإيمان والطاعة للمسيح يسوع ربنا. الذى هو المسيّا الذى يستطيع أن يوصل إسرائيل إلى قامة الناموس الإلهى. وعهد الله مع الإنسان يكمل فقط فى اتحاد الله مع الإنسان فى شخص الرب يسوع المسيح. وفى المسيحية فان المسيح قد أكمل ما كان مفروضاً على الإنسان أن يكمله كشرط لتمام العهد (الإيمان والطاعة) وهكذا فى المسح يكمل العهد مع بنى إسرائيل ويتحول إلى عهد آخر. ولذلك بعد تجسد ابن الله ومجئ الرب يسوع المسيح فى الجسد فان الذين هم فى المسيح أصبحوا محسوبين ضمن شعب الله المختار. وهكذا فإنه المسيح تحولت إسرائيل الأولى إلى الكنيسة المسيحية التى هى إسرائيل الجديدة التى هى جسد المسيح.

ويسوع المسيح هو آدم الثانى ويشوع الجديد وابن داود وابن إبراهيم وهو الذى أكمل العهد القديم وقاد شعبه فى الكنيسة إلى أرض الموعد الحقيقية التى هى ملكوت السموات. وعن طريق اكمال المسيا للعهد القديم تم تأسيس عهد جديد بين الله والجنس البشرى عن طريق يسوع المسيح. وقد امتد عهد الله مع إبراهيم ليس فقط لإسرائيل الأولى بل لكل الجنس البشرى. والعهد الجديد – مثل العهد الذى كان مع بنى إسرائيل – يتطلب أيضاً ثباتاً فى الإيمان وطاعة من أولئك الذين سوف يتصالحون مع الله سيد كل الخليقة. والعهد الجديد فى المسيح مثل كل العهود التى بين الله والإنسان قد ختم بعلامة وتلك العلامة هى الصليب.

3 - اعلان الناموس الإلهى:

الناموس كما سجله سفر الخروج واللاويين والعدد والتثنية هو اعلان لقداسة الله وكشف لسر الإنسان ومدى احتياج البشرية للخلاص، وناموس العهد القديم له قامة مرتفعة جداً فهو صورة للكمال الروحى والسلوكى للرب نفسه. وان تاريخ العهد القديم لإسرائيل الأولى يعلن لنا عدم قدرة البشرية للحياة حسب ناموس الله. وكما أخطأ بنى إسرائيل مراراً ضد ناموس الله هكذا قد سقطنا كلنا من البر الإلهى الكامل. وكما رأينا أن ناموس العهد القديم يحتوى على قانون للطقوس (لاوين 1 - 16). التى تكوّن طريقاً للتكفير عن خطية بنى إسرائيل حتى يمكن الحصول على غفران الخطايا من قبل إرادة الله، وهكذا فإن الناموس يتضمن صراحة وضمناً عدم قدرة الإنسان للوصول إلى القداسة الإلهية. ولقد اقتبس الرب يسوع المسيح من سفر التثنية واللاويين (تث 6: 5؛ لا 9: 8) ولخص الناموس الإلهى كما يلى: «تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هى الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء» (مت 22: 37 - 40 وكذلك مرقس 12: 29 - 31) وهكذا يجب أن نحب الله بكل عواطفنا القلبية وبكل حياة نفوسنا وبكل قوى فكرنا ويجب أيضاً أن نحب أقرباءنا مثل أنفسنا وهكذا يجب أن نطرد شهواتنا وملذاتنا وعلى الأقل نضع احتياجات الآخرين فى مرتبة الاحساس وباحتياجاتنا. وهكذا أصبحت فكرة الخلاص عن طريق أعمالنا البارة هى وهم وخداع لأن إشعياء النبى يقول: «قد صرنا كلنا كنجس وكثوب عده كل أعمال برنا وقد ذبلنا كورقة وآثامنا كريح تحملنا» (إش 64: 6) وهكذا فإن ناموس الله يكشف لنا ما أورده القديس القديس بولس: «كما هو مكتوب انه ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد» (رو 3: 10 - 12)، وكذلك: «لانه بأعمال الناموس كل ذى جسد لا يتبرر أمامه. لانه بالناموس معرفة الخطية» (رو 3: 20) والتأمل فى ناموس الله وفشل إسرائيل مراراً فى طاعة هذا الناموس يكشف لنا الفرق بين الأشياء الواجب أن تكون وبين الأشياء الحاصلة فعلاً. وهناك دائماً اختلاف بين الأشياء التى يجب أن تكون عليها وبين الأشياء التى هى حاصلة فعلاً. ان ناموس العهد القديم يمثل صعوبة تنفيذ السلوك والروحيات فى حياتنا. والعهد القديم يدعونا للنظر لأنفسنا وللعالم ولله بالعقل الإنجيلى Scriptual mind واعلان الناموس الإلهى فى العهد القديم هو تغيير لاوضاع كثيرة، لأن البعض فينا يظن أن الله لا يريد منا أكثر من أن نكون أشخاصاً سالكين حسب القواعد الأخلاقية وحسب المستوى الدينى الذى تحياه الجماعة، ولكن من وجهة نظر الإنجيل فإن الجماعة التى نحيا فيها ساقطة وبعيدة عن طريق البر الإلهى، وإذا صار إنسان حسب طرق العالم فإنه يصير فى عداوة مع الله ومع ناموسه. وهكذا فإن الناموس فى العهد القديم يدعونا أن ندرك الوضع الذى نحن فيه والوضع الذى يريدنا الله أن نكون عليه، وإذا ما نحن أدركنا نقصنا فى البر فى نظر الله وفشلنا الكامل فى الوصول إلى قداسة الله فاننا على الأقل سوف ندرك مدى بُعدنا عن ملكوت السموات واننا لن ندخل ذالك الملكوت إلاَّ عن طريق نعمة ورحمة الرب يسوع المسيح. ولذلك فإن الناموس قد أعطى لإسرائيل لكى تعرف ويعرف معها كل البشر مدى احتياجهم للخلاص لأن الناموس يرينا أن «الجميع أخطأوا واعوزهم مجد الله» (رو 3: 23).

وهكذا فإن قصد ناموس العهد القديم هو أن يقود أرواحنا إلى امكانية فداء الله لنا فى الرب يسوع المسيح. ونحن نستطيع أن ننموا فى شخص ربنا يسوع المسيح حتى نصل إلى كمال السلوك والروحانيات ويسوع المسيح هو الذى يحولنا إلى صورة الله likeness of God وهذا هو ما عبر عنه القديس بولس الرسول فى الأصحاح الثالث والرابع من رسالته إلى أهل غلاطية.

4 - الخيمة والهيكل (حضور الله مع شعبه):

إن حضور الله وسط شعبه هو موضوع دائم فى العهد القديم لإسرائيل الأولى. إن الله موجود فى العالم الذى هو خليقته، وهو موجود فى عهده مع بنى إسرائيل، وهو موجود فى الناموس الذى أعطى فى أيام موسى النبى، وهو موجود فى الأنبياء والكهنة والقضاة والملوك. ولكنه موجود أكثر من ذلك فى خيمة الاجتماع التى هى مركز وجود إسرائيل منذ وقت موسى النبى إلى وقت سليمان الملك ثم فى الهيكل الذى بنى أثناء حكم سليمان (965 – 931 ق. م).

وحين دمر البابليين هيكل سليمان عام 586 ق. م دبر الله عبيده الايرانيين الذين حرروا بنى إسرائيل من الأسر البابلى وأعادوا بنائه ثانية خلال القرن السادس قبل الميلاد.

إن مادة خيمة الاجتماع والهيكل واعادة بناء الهيكل بعد السبى يصف لنا تغير العلاقة بين الله والشعب. وهذا التغير هو نتيجة فشل بنى إسرائيل فى الحياة مع الله حسب العهد الذى تتهدوا به للرب. فى خيمة الاجتماع كان الله يحضر فعلياً مع بنى إسرائيل فى شكل سحابة المجد التى كانت تغطى المذبح وتابوت العهد. أما فى هيكل سليمان فإن تابوت العهد ولوحى الشريعة بقيا كرمز لحضور الله ولكن لم يكن هناك سحابة من المجد ودون علامات مادية لحضور الله (1مل 8) وفى اعادة بناء الهيكل مرة ثانية فى القرن السادس قبل الميلاد. فإن تابوت العهد ولوحى الشريعة قد فقدا من الهيكل لآنهما قد دمرا أثناء السبى البابلى 586 ق. م وخلال القرن السادس فإن حزقيال النبى تنبأ عن بناء هيكل جديد سمائى حيث يحل مجد الرب مع شعبه فعلاً (حز 40: 48).

إن الخيمة والهيكل فى العهد القديم يمثلان احتياج الإنسان لحضور الله الفعلى الملموس ورؤية حزقيال للهيكل السمائى الذى يحل عليه مجد الرب هو اعلان عن مجئ الرب يسوع المسيح. ابتعاد الله تدريجياً عن بنى إسرائيل فى العهد القديم هو استعداد لمجئ المسيح الذى فيه حل كل الملء حقيقياً وحرفياً، وحضوره ملأ كل العالم. وفى المسيح أخذ الله جسداً وصار إنساناً وهذا الإنسان هو الهيكل الحقيقى (يو 2: 13 - 22) وفى التجسد تم اتحاد الله مع الجنس البشرى وقد اتحد اللاهوت مع الناسوت وصارا واحداً (الطبيعة الإلهية اتحدت مع الطبيعة البشرية فى شخص المسيح) وجسد المسيح أصبح هو هيكل الله (يو 2: 19 - 21) وهكذا أصبح اتحاد الإنسان مع المسيح بالإيمان والطاعة (خلال الأسرار) يجعله عضواً فى إسرائيل الجديدة التى هى الكنيسة. وهكذا يتحدث بولس الرسول عن الكنيسة انها هى جسد المسيح (1كو 12: 27؛ أف 1: 22 - 23؛ 5: 30) وكما حل مجد الرب فى شخص المسيح حلولاً حقيقياً فهكذا يحل هذا المجد على أولئك الذين يلبسون المسح (عن طريق الأسرار) وعن طريق اتحاد الكنيسة مع المسيح أصبحت الكنيسة هى جسد المسيح السرى الذى ملؤه يملأ الكل فى الكل « واياه جعل رأساً فوق كل شئ للكنيسة التى هى جسده ملء الذى يملأ الكل فى الكل» (أف 1: 23، 22) وهكذا أصبح فى المسيح وفى الكنيسة قد أعلن كمال العهد القديم وتم اشباع احتياجات البشر فى حضور الله.

5 - احتياج البشرية للكفارة:

يحتاج الإنسان الخاطئ ان يتصالح مع الله، وتاريخ إسرائيل الأولى فى الكتاب المقدس يرتكز على قداسة الله المطلقة وعلى خطية الإنسان واحتياج البشرية إلى الكفارة. وأصبحت حياة الإنسان مففقودة نتيجة فشله فى طاعة ناموس الله، ولكن الله فى رحمته منح طريقاً للكفارة بان يسمح للخاطئ أن يخلص، وعوضاً عن سفك دم الخاطئ أصبح الإنسان يقدم كفارة عن خطاياه عن طريق ذبائح الحيوانات، لأن الدم فى العهد القديم هو رمز للحياة والحياة هى ملك الله. ولقد تطلب الناموس أن تقدم الحيوانات كذبائح (لا 1: 16) وذلك بأن تذبح الحيوانات التى لم تخطئ من النوع الصحيح الذكور (حمل – خروف – ثور – ماعز) وكان الله يتقبل دماء هذه الحيوانات عوضاً عن دم الإنسان الذى هو عنصر الحياة لأجل اعادة تكريس الخطاة لخدمة الله وخدمة عهده. وهذا النوع من الكفارة كان يطلق عليه البديل Substitutionary أو الذبيحة الكفارية حيث يصير دم الحيوانات مسفوكاً عوضاً عن دم الخاطئ. وخلال هذه الذبائح التى كان يقدمها الكهنة بروح التوبة فان الخاطئ ينال التصالح مع الله أو الكفارة مع الله Atonement.

وفى العهد الجديد تم الاعلان عن صليب يسوع المسيح عوضاً عن ذبائح العهد القديم. وأصبح المسيح هو فصح العهد الجديد أو حمل الله أو تقدمة الخطاة إلى الله لأن المسيح مات من أجل خطايانا حتى نحيا نحن ونتصالح مع الله (2كو 5: 18 - 21) وكذلك يجب أن يعرف الخاطئ أن المسيح هو مخلصه وأن يأخذ دم المسيح (بالتناول) وان يجعل هذا الدم هو الكفارة عن خطاياه وتعدياته على الله فينال غفراناً ويتصالح مع الله بعمل المسسيح «إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة» (2كو 5: 17) ووفقاً للناموس فإن الخاطئ يكون واقعاً تحت غضب الله وكانت الذبائح الحيوانية تقدم كفارة عن الخطاة ولكن من وجهة النظر المسيحية لم تكن الذبائح الحيوانية كافية للتكفير عن الخطاة أمام الله. ولذلك جاء المسيح وقدم نفسه كذبيحة كفارية وحمل المسيح خطايانا فى جسده على الصليب «الذى حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة لكى نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذى بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعى نفوسكم وأسقفها» (1بط 2: 25، 24). وبهذا أصبح موت المسيح هو ذبيحة كفارية من أجل خطايانا.

6 - رموز المسيا فى العهد القديم:

إن فكرة المسيا فى العهد القديم ظهرت فى خمسة صور حتى يرجع العالم ثانية إلى الله وهذه الصور هى:

1 - موسى النبى (نبى).

2 - هارون الكاهن (كاهن).

3 - يشوع المنتصر (قائد).

4 - صموئيل القاضى (قاضى).

5 - داود الملك (ملك).

ولكن بعد داود النبى كانت تتم قيادة شعب بنى إسرائيل عن طريق الأنبياء لانتظار مجئ المخلص الذى يدعى المسيا. وكما كان موسى هو العظيم فى الأنبياء هكذا صار المسيح هو النبى الكامل الذى كان موسى رمزاً له. وكما أعلن موسى كلمة الله فى الناموس لشعب بنى إسرائيل هكذا أعلن المسيح كلمة الله إلى العالم أجمع.

وكما كان هارون هو أول كهنة اللاويين الذى يصنع كفارة لشعبه عن طريق الذبائح الحيوانية هكذا صار المسيح هو الكاهن الكامل الذى صنع الكفارة للعالم أجمع من أجل خطايا العالم كلهز.

وكما قاد يشوع الشعب لأرض كنعان فهكذا المسيا هو المنتصر الكامل الذى قهر قوة الشر والموت وقاد الشعب المؤمن إلى ملكوت الله.

وكما كان صموئيل قاضياً لأسباط إسرائيل هكذا فإن المسيا هو القاضى الأمثل الذى يحكم لكل الجنس البشرى.

وكما كان داود ملكاً عظيماً هكذا فإن المسيا هو الملك الكامل الذى يحكم شعبه بالحب والبر الدائم.

إن العلاقة بين فكرة المملكة وفكرة المسيا فى تاريخ أسفار العهد القديم تتطلب شرحاً تفصيلياً فى فترة ما بين الخروج من أرض مصر وقيام المملكة العبرانية حيث كانت إسرائيل تحكم بالنظام الثيؤقراطى Theocratically بمعنى أن تحكم إسرائيل عن طريق الله ومن يقيمه الله لهذا الأمر مثل موسى ويشوع والقضاة ولكن بسبب عدم الإيمان والتمرد فقد سادت الفوضى وبدأ شعب بنى إسرائيل يطلبون ملكاً يحكمهم وينظم كل أمورهم (قض 21: 25) وكان هذا الطلب هو عبارة عن فشل فى التوصل إلى السبب الحقيقى لاضطراب إسرائيل وكان أيضاً عبارة عن رفض شرير لحكم الله عليهم. وكان الله رقيقاً معهم لدرجة أنه أعطاهم سؤل قلبهم وبدأت الامبراطورية العبرانية فى الوجود وحلّ الملوك البشريون محل الملوك الإلهيين.

وفكرة التعيين الإلهى لملك يحكم إسرائيل ويخلصهم من هلاك الأمم قد أكملت تماماً فى تملك داود النبى. وهكذا فإن أسفار صموئيل والملوك تم كتابتها فى حياة وتذكار داود النبى وهذا الجزء من الكتاب المقدس يشير إلى الملك العظيم الذى هو المسيا. لأن داود فى هذه الأسفار كان رمزاً للمسيح. فهذه الأسفار تقدم لنا داود كملك ممسوح من الله لخلاص البشر فهو إشارة ورمز للمسيا الملك، لأن الملوك الآخرين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى المستوى الذى كان عليه داود. وهناك سلسلة من الملوك الساقطين تم سرد حياتهم فى سفر الملوك الأول والثانى وبدأ شعب بنى إسرائيل ينتظر مجئ (داود الجديد) وبدأ الأنبياء فى القرن الثامن والسابع والسادس ق. م يتنبأون عن مجئ ملك على مثال داود سوف يخلص شعبه من الشر والهلاك وهذه النبوات كما سنرى قد أكملت فى شخص وعمل الرب يسوع المسيح.

وهكذا وصلت المملكة العبرية إلى قمة مجدها وقت حكم داود (1000 – 965 ق. م) ثم جاء بعد ذلك سليمان (965 – 931 ق. م) ثم تدمرت المملكة بالتمام خلال 350 عاماً عقب موت سليمان ثم تبعه ملوك بشريون لم يستطيعوا أن يقودوا المملكة إلى السلام والسعادة.

وهكذا فإن التحول من الحكم الثيؤقراطى إلى حكم الملوك البشريين فى تاريخ العهد القديم هو اعلان عن الاحتياج لملك إلهى وبشرى فى نفس الوقت ثم بعد ذلك ظهر الاحتياج إلى الملك الإلهى الشامل ليحكم على الجنس البشرى حيث ظهر ضعف وشر الملوك البشريين. وبسبب سلوك هؤلاء الملوك البشريين (الأشرار) وروحياتهم (الهابطة) لم يستطيعوا أن يقودوا المملكة إلى السلام والسعادة، وعندئذ بدأ العهد القديم يوجه نظرنا نحو المسيح الذى فيه تتحد الإلهية مع الطبيعة البشرية وهو الذى يستطيع أن يحررنا بالتمام من الشر ويقودنا نحو ملكوت الله الذى هو كمال النبوات. وفى المسيح يتحد الحكم الإلهى Theecracy والحكم البشرى ليصيروا واحداً. وبذلك نكون فى ذلك الفصل قد قدمنا ملامح المسيح فى العهد القديم الذى يحوى تاريخ إسرائيل الأول.

وإن تمام العهد القديم من أجل الخلاص ومنح السعادة قد تم فى شخص الرب يسوع المسيح. وقد تحدث الرب يسوع المسيح إلى الفريسيين الذين هم دارسوا العهد القديم قائلاً: «فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهى التى تشهد لى» (يو 5: 39). وهكذا كان المسيح نفسه يخبرنا أن العهد القديم هو استعداد وظل لاعلان العهد الجديد. وان اشتياق الإنسان الإنسان للسعادة والفداء والخلاص فى العهد القديم لم يكمل إلا فى الاتحاد مع الله (فى العهد الجديد) لأنه فى المسيح ربنا يستطيع الإنسان أن يكتشف أرض الموعد الحقيقية وليست كنعان الأرضية. وان رسالة العهد الجديد هى امكانية الاتحاد مع الله عن طريق التجسد الإلهى فى شخص المسيح الذى هو إله حقيقى وإنسان حقيقى، وفيه ننال التبنى ونصل إلى الكمال فى أعماق قلوبنا.

وحينما نقرأ الإنجيل يجب أن ننظر إلى المسيح ويجب أن نبحث عنه حتى نصل إليه ونؤمن به. وهذا البحث هو حقيقة سواء فى العهد القديم أو الجديد لأن العهد القديم هو استعداد لمجئ الرب يسوع المسيح.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الرابع الحكمة والنبوة فى العهد القديم - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

الفصل الثانى - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات