الباب السادس محبة الله وَمخافته

الباب السادس محبة الله وَمخافته

المخافة تسبق المحبة وتستمر معها.

كثيرون ينفرون من مخافة الله، ويتمسكون بالمحبة، دون أن يدركوا ما هى المخافة؟ وما هى المحبة؟ وما العلاقة بينهما. وأود أن أقول لكل منهم: حسن أن تتمسك بمحبة الله. ولكن لكى تصل إلى هذه المحبة، لابد أن تبدأ بالمخافة.

مخافة الله هى بدء الطريق، ونهاية هى المحبة.

وأنت لاتستطيع أن تبدأ الطريق من نهايته.

لذلك اسلك حسب المنهج الطبيعى الذى شرحه الكتاب فقال "بدء الحكمة مخافة الرب" (أم9: 10)، "رأس الحكمة مخافة الله" (مز111: 10).

بمخافة الله تتعود طاعة الوصية. أما محبة الله فهى نهاية الطريق وقمة العمل الروحى "بها يتعلق الناموس كله والأنبياء" (مت 22: 40). والذى يصل إليها، لا يحتاج معها إلى وصية أخرى. فهى تشمل كل الفضائل داخلها.

والإنسان الحكيم يبدأ الطريق من أوله، بالمخافة. ومخافة الله توصله إلى المحبة. فكيف ذلك؟

مادام الإنسان يفعل الخطية، أو يشتهى الخطية، إذن فمخافة الله ليست فى قلبه. إذن يبدأ بالمخافة، فيتوب، ويبعد عن الخطية مهما كانت محبتها لا تزال فى قلبه، وينفذ الوصايا ولو بالتغصب. ويسلك فى وسائط النعمة من صلاة وقراءة وتأمل وتسبيح... ولو من أجل الطاعة ما دام لم يصل بعد إلى الحب. ذلك لأنه فى مرحلة "يشتهى فيها الجسد ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما ألآخر..." (غل5: 17).

والمبتدئ فى حياة الروح لم يصل بعد إلى التحرر من الخطية، فهو يغصب نفسه على تركها، خوفاً من أن يغضب الله.

وخوفاً من أن يسقط، ويحزن روح الله، ويتعرض لعقوبته... ولكن الأمر لا يستمر هكذا.

فكلما ينفذ الوصايا، يجد فيها لذة، فيحبها.

يجد أن "وصية الرب مضيئة تنير العينين من بُعد" وأنها "تصيرّ الجاهل حكيماً" (مز19).. "فيفرح بها كمن وجد غنائم كثيرة" (مز119). ويبدأ فى محبة الخير، ويحب الوصية التى أرشدته والتى قادته إلى حياة النقاوة، وإلى حياة القداسة، وإلى الروحيات، التى تذوقها فأحبها.

وبمحبة الخير، يحب الله. وهكذا تكون المخافة جسراً قد أوصله إلى محبة الله.

ويخطئ من يظن أنه يصل إلى محبة الله، دون العبور على مخافته. فالمخافة هى التى تُنقى القلب، وتؤهله لأن يكون مسكناً للروح القدس. والروح القدس هو الذى يسكب فيه محبة الله (رو5: 5). وهكذا ينتقل من المخافة إلى الحب...

ولكن هذا التطور لا يأتى دفعة واحدة.

إنما قد يصل إليه بعد فترة طويلة من الجهاد ومن عمل النعمة فيه. وهو بهذا الجهاد وبهذا التغصب، إنما يثبت للرب مدى تمسكه به وتعبه من أجله. وإذ يرى الله جدية هذا الإنسان، يقول له "كفاك تعباً". ويسكب محبته فى قلبه ويريحه، من كفاح الخطية ومن خوف السقوط.

وعلى الرغم من وضوح هذا الطريق، إلا أن البعض يتمسكون فى فهم خاطئ بقول القديس يوحنا الرسول:

"لا خوف فى المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج" (1 يو 4: 18).

ونحن نود أن نتأمل هذه العبارة ونحللها معاً، ونرى على أية درجة روحية تتكلم؟ وهل تتتافى مع البداية بمخافة الله...

ولعل الرسول يتكلم عن الخوف بمعنى الرعب فى يوم الدينونة، لأنه يقول بعدها مباشرة "لأن الخوف له عذاب"... كما قال القديس بولس الرسول: "مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى" (عب 10: 31). ومع ذلك يليق بنا أن نسأل:

من الذى وصل إلى المحبة الكاملة التى تطرح الخوف إلى خارج؟ وما هى هذه المحبة الكاملة؟

قد يدعى إنسان أنه يحب الله، بينما يكون بعيداً جداً عن محبته. أما الاختبار الصحيح لمحبته، فهو هذا: هل هو يحفظ وصايا الله أم يكسرها ويخطئ؟

هوذا السيد الرب يقول "إن حفظتم وصاياى، تثبتون فى محبتى.. الذى عنده وصاياى ويحفظها، فهو الذى يحبنى" (يو 15: 10) (يو 14: 21).. لذلك فمن غير المعقول أن يدعى إنسان أنه يحب الله، بينما يخالفه ويكسر وصاياه، ولا تكون له شركة معه!

ها هى عبارة واضحة يقولها القديس يوحنا الرسول:

"فإن هذه هى محبة الله: أن نحفظ وصاياه" (1 يو 5: 3).

ويقول الرسول أيضاً "من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه. وأما من حفظ كلمته، فحقاً فى هذا قد تكملت محبة الله" (1 يو 2: 5، 4). إذن علينا أن نسعى أولاً إلى حفظ الوصايا. وهنا تلزمنا مخافة الله التى تمنعنا من ارتكاب الخطية، وتدفعنا إلى حفظ الوصية.. ولا نخدع أنفسنا ونقول إننا وصلنا إلى محبة الله، بينما نحن نخطئ، ونحزن روح الله داخلنا (اف 4: 30).

أن الذى يخطئ، لا هو فى درجة المحبة، ولا هو فى درجة المخافة، إنه لم يبدأ الطريق الروحى بعد..!

مادام يخالف الله، فهو لا يخافه ولا يحبه.. وهو لا يزال يعيش فى الظلمة، بعيداً عن نور الله... والرسول يقول فى صراحة "إن قلنا إن لنا شركة معه، وسلكنا فى الظلمة، نكذب ولسنا نعمل الحق" (1 يو 1: 6)... والسلوك فى الظلمة لابد يستدعى الخوف.

إذن إن كانت محبة الله، أن نحفظ وصاياه، فما هى إذن (المحبة الكاملة) التى تطرح الخوف خارجاً؟

الذى يصل إلى المحبة الكاملة، يكون قلبه على الدوام مشتعلاً بمحبة الله. وهذه المحبة تحرق فى داخله كل شعور الخطية، بل أنه "لا يستطيع أن يخطئ" (1 يو 3: 9)... ومن الناحية الإيجابية نرى محبة الله تسيطر على كيانه كله، على قلبه، على فكره، وعلى وقته أيضاً. فيحب الله من كل قلبه ومن كل فكره، ومن كل نفسه، ومن كل قدرته (تث 6: 5) (مت 22: 37). ويتعلق فكره بالله، فيفكر فيه بالنهار والليل.. هذا شئ من المحبة الكاملة. والذى وصل الله طبيعى أنه لا يخاف...

لا داعى لأن يستخدم البعض عبارة القديس أنطونيوس الكبير حينما قال لتلاميذه.

"يا أولادى أنا لا أخاف الله"...

فلما قالوا له "هذا الكلام صعب يا أبانا"، أجابهم "ذلك لأنى أحبه. والمحبة تطرح الخوف إلى خارج"... وهنا اسأل: من منا وصل إلى درجة القديس الأنبا أنطونيوس فى محبة الله؟!

هؤلاء القديسون العظام وصلوا إلى درجة عظيمة فى عشرة الله، والدالة معه، وفى دوام الحديث معه، وتفريغ القلب من كل شئ، لكى لا يبقى فيه سوى الله وحده...

فهل ندعى لأنفسنا درجات القديسين التى ليست لنا؟! نردد أقوالهم، ونحن لسنا فى مستواهم؟!

هل نحن قد وصلنا إلى الدرجة التى تحرق كل ما فى القلب من شهوات الجسد والمادة، والتى فيها تتضاءل بل تختفى كل محبة أخرى تنافس محبة الله، حيث يزهد القلب كل شئ، ويحسب كل شئ نفاية إلى جوار محبة المسيح... الدرجة التى قال فيها القديس أوغسطينوس "جلست على قمة العالم، حينما أحسست فى نفسى أنى لا أشتهى شيئاً، ولا أخاف شيئاً". هل أنت كذلك؟

أما إن كان لا يزال فى قلبك شئ من محبة العالم وشهواته، فأنت لم تصل بعد إلى المحبة الكاملة نحو الله التى تطرح الخوف إلى خارج...

وإن كان القديس الأنبا أنطونيوس قد قال عبارته المشهورة، بعد عشرات السنوات من الخلوة فى عشرة الله ومناجاته، فهل تضع نفسك فى مستواه؟!

ومع ذلك فالقديس أنطونيوس تكلم عن مخافة الله.

قال القديس الأنبا أنطونيوس "كما أن الضوء إذا دخل إلى بيت مظلم، طرد ظلمته وأناره، كذلك خوف الله إذا دخل إلى قلب إنسان، طرد عنه الجهل، وعلمّه كل الفضائل والحكمة". وقال أيضاً "فى كل موضع تمضى إليه، اجعل مخافة الله بين عينيك. وكل عمل تعمله ليكن لك عليه شاهد من الكتب". وهكذا نصح القديس تلاميذه بمخافة الله.

لا تقل إذن إنك قد وصلت إلى المحبة الكاملة التى تطرح الخوف خارجاً، إنما قل:

"أنا أريد يا رب أن أحبك. ولكنى لم أصل بعد إلى هذه المحبة الكاملة. امنحنى إياها... أنا أسلك فى المخافة، وأنت تمنحنى المحبة".

ألم تقل "كنت أميناً فى القليل، فسأقيمك على الكثير" (مت 25: 21). ليتنى إذن أكون أميناً فى القليل الذى هو المخافة، ولا أعصى وصاياك. وأنت تدربنى على الحب، بل تسكبه فى قلبى بروحك القدوس...

وحتى المخافة لا أستطيع أن أصل إليها بدونك.

ألست أنت القائل "بدونى لا تقدرون أن تعملوا شيئاً" (يو 15: 5) نعم، لا نقدر أن نعمل القليل ولا الكثير، بدونك. إذن علمنى يا رب أن أبدأ الطريق معك. ساعدنى أن أصل إلى مخافتك، فأحيا فى طاعتك. وأكون أميناً فى هذه الطاعة وفى هذه المخافة. وحينئذ سوف تعطينى المحبة، كعطية مجانية من عندك.

والمخافة هى الأساس المتين الذى نبنى عليه المحبة. وهو الذى يحفظها من السقوط والنكسة.

لأن الرب يقول لملاك كنيسة أفسس "عندى عليك أنك تركت محبتك الأولى" (رؤ 2: 4). والرسول القديس بولس ذكر أن أهل غلاطية: بعد أن بدأوا بالروح، كملوا بالجسد (غل 3: 3)... ولماذا كملوا بالجسد، إلا لأن مخافة الله لم تكن أمامهم.

المخافة إذن هى الأساس القوى الذى يحمى من النكسة. ولذلك فإن ملاك كنيسة أفسس الذى ترك محبته الأولى، عالجه الرب المخافة، فقال له "وإلا فإنى آتيك عن قريب، وازحزح منارتك من مكانها، إم لم تتب" (رؤ 2: 5).

إن المحبة هى الوضع الأصلى، يمكن أن تفقده بالخطية، ولكن تعيدنا إليه المخافة...

إذن هى وقاية علاج. هى وقاية من الخطية تمنعنا من ارتكابه. فإن كانت شهوة الخطية فينا أقوى من مخافة الله وسقطنا، وبالتالى بعدنا عن المحبة. تأتى مخافة الله مرة أخرى فتقيمنا من سقطتنا بالتوبة. وبنفس المخافة نسعى إلى مصالحة الله لنعود إلى محبته..

يبقى بعد ذلك كل سؤال هام وهو:

هل إذا وصلنا إلى المحبة، تنتهى علاقتنا بالمخافة تماماً؟

كلا... وكيف ذلك؟



أضف تعليق

الباب السابع: المحبّة والمخافة معاً

الباب الخامس: كيفية الحصُول علىَ مخافة الله

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات