تلاميذ الحمل – الباب الأول – الأرشيدياكون نجيب جرجس

فصول تمهيدية

الفصل الأول

المعلمون والتلاميذ

لم يخلُ عهد من العهود من وجود معلمين وتلاميذ. ولقد نرى دائماً جماعات خاصة من الناس, يتتلمذون لمعلمين سواء أكان هؤلاء من رجال الدين أو من رجال العلم والاختراع أو من غيرهم, يبتغون الوقوف على مبادئهم, أو اكتساب المعارف منهم, ولقد كان الأنبياء من أول المعلمين الذين اتخذوا لأنفسهم تلاميذ لقنوهم مبادئ الروح وأسس الإيمان.

كان يشوع تلميذاً لموسى, وأليشع تلميذاً لإيليا, وجيحزى تلميذاً لأليشع, وباروخ تلميذاً لإرميا وقد كان ليوحنا المعمدان تلاميذ, كما كان لبولس أيضاً تلاميذ من بينهم تيموثاوس وتيطس وغيرهما.

وقد عرفنا من التاريخ المقدس أن الأنبياء كانوا يقيمون مدارس يعلِّمون فيها الشبان المبادئ الدينية والموسيقى وأبواب الثقافة النافعة ليجعلوا منهم قادة ومعلمين للشعب ويعدوهم للخدمة النبوية أو الكهنوتية.

ومن أمثلة هذه المدارس المدرسة التى أقامها إيليا فى الرامة (1صم19: 18-24)، وفى بيت إيل وفى أريحا (2مل-5)، وفى الجلجال (2مل2: 1) وفى جهات أخرى وغيرها (6: 1). وكان رئيس المدرسة يدعى أباً (1صم10: 2) أو سيداً (2مل2: 3) كما كان التلاميذ أحياناً يدعون بنى الأنبياء (2مل2: 3).

ويظهر أنه كان هناك نوعان من المدارس: مدارس ابتدائية تدرس فيها القراءة والكتابة والمواد البدائية, ومدارس عالية يدرس فيها الناموس والتفسير والعلوم اللاهوتية. ويظهر أن العلاّمة غمالائيل كان رئيساً لإحدى هذه المدارس العالية وقد فهم بعض المفسرين عن قول بولس الرسول أنه (تأدب تحت أقدام غمالائيل أع3:22) أن المدرس قديماً كان يجلس على كرسى مرتفع عن الأرض بحيث يكون مستوى قدميه فى مستوى رؤوس التلاميذ أو أعلى منها, على أنه يمكن تفسير هذا القول مجازاً بأنه تعلم بين يديه.

وكما اتخذ الأنبياء والفلاسفة والمعلمون تلاميذ لأنفسهم, قضت حكمة معلم المعلمين الأعظم أن يتخذ لنفسه جماعة من التلاميذ يعدهم لأعظم خدمة, ويحَّمِلهم أروع رسالة, فحملوا نيره عليهم, وقاموا بخدمته المقدسة, وكانوا له شهوداً أمناء.

هؤلاء هم الخميرة الصغيرة التى خمَّرت العجين كله, والسرج المضيئة التى وضعت على المنارة فأضاءت لكل من فى البيت.

الفصل الثانى

اثنا عشر رسولاً

اختار الرب أولاً اثنى عشر دُعوا رسلاً (لو6: 13) لأنهم مرسلون من قبله, كما دُعوا تلاميذ (مت5: 1) لأنهم تتلمذوا له. وقد دعوا أيضاً حواريين. وقيل إن (الحوارى) من الأصل الأثيوبى (حورا) بمعنى ذهب, فيكون معناه (رسولاً), أو من تحوير الملابس بالعربية أى تبييضها ورأى البعض أن التلاميذ دعوا هكذا لأن بعضاً منهم كانوا (قصَّارين) أى ممن يبيضون الملابس أو لأنهم كانوا يلبسون ملابس بيضاء, أو بالنسبة لأن سيرهم كانت نقية وكانوا يعملون على تبييض القلوب وتنقيتها, وللحوارى معنى آخر هو (ناصر), حيث إن التلاميذ كانوا خداماً لمعلمهم الصالح وأنصاراً لرسالته.

وهناك لقب رابع لقبت به هذه الجماعة وهو لقب (الاثنى عشر) وكثيراً ما أطلق عليهم هذا اللقب مجرداً من تمييزه, وحتى فى الفترة التى انتقص فيها عددهم واحداً بموت يهوذا الخائن وقبل أن ينتخب الرسل خليفة له, كان يطلق على جماعتهم لقب (الاثنى عشر) الذى أصبح علماً لهم, عرفوا به سواء كان عددهم كاملاً أو غير كامل (1كو15: 5).

لعب العدد (اثنا عشر) ولا يزال يلعب أدواراً هامة فى التاريخ وفى الحياة اليومية, فشهور السنة اثنا عشر, وقد قال السيد المسيح ” أليست ساعات النهار اثنتى عشرة” (يو11: 9) وكان أبناء يعقوب اثنى عشر ومنهم تكونت أسباط إسرائيل الاثنى عشر (متى 28:19) وقد اختار موسى اثنى عشر رجلاً ليتجسسوا أرض كنعان واحداً من كل سبط (عد13), وهكذا كلف يشوع اثنى عشر رجلاً من شيوخ الأسباط ليحمل كل منهم حجراً من قاع نهر الأردن حين عبروه ليجعلوها تذكاراً أمام بنى إسرائيل على مدى الأجيال (يش4: 5) وذكر عن أهل نينوى أنهم كانوا اثنتى عشرة ربوة (يون4: 11).

وقد طبق المخلص عدد تلاميذه الاثنى عشر على أمور كثيرة: فبعد أن أشبع الجموع جمع تلاميذه اثنتى عشرة قفة مملوءة (لو9: 7), ولما ضرب بطرس أذن عبد رئيس الكهنة قال له “رد سيفك إلى مكانه… أتظن أنى لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبى فيقدم لى اثنى عشر جيشاً من الملائكة؟ (مت26: 52، 53), وقد قال لتلاميذه الحق أقول لكم أنتم الذين تبعتمونى فى التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسى مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر” (مت19: 28).

وقد ذكر سفر الرؤيا أن عدد المختونين مائة وأربعة وأربعون ألفاً وهى حاصل ضرب اثنى عشر ألفاً فى اثنى عشر, وقال إن هذا العدد الذى يكنى به عن الوفرة والكمال يشتمل على اثنى عشر ألفاً من كل سبط (رؤ7: 4-8), وفى الآية التى رآها يوحنا شاهد امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها أكاليل من اثنى عشر كوكباً (رؤ12: 1), وجاء فى هذا السفر أن أبواب أورشليم السمائية اثنا عشر باباً وعلى أبوابها اثنا عشر ملاكاً, وأسماء مكتوبة هى أسماء أسباط إسرائيل الاثنى عشر (رؤ21: 12), كما أن لسور المدينة اثنى عشر أساساً عليها أسماء رسل الحمل الاثنى عشر (ع14), وأن كلاً من طولها وعرضها وارتفاعها اثنا عشر ألف غلوة, وسورها مائة وأربع وأربعون ذراعاً (رؤ21: 16, 17).

قال الكتاب المقدس عن اختيار المسيح لتلاميذه إنه أقام اثنى عشر ليكونوا معه ليرسلهم ليكرزوا (مر3: 14).

وأنه دعا تلاميذه واختار منهم اثنى عشر الذين سماهم أيضاً رسلاً (لو6: 12) وهؤلاء الاثنى عشر هم (سمعان الذى اسمه أيضاً بطرس, وأندراوس أخوه ويعقوب بن زبدى ويوحنا أخوه, فيلبس وبرثلماوس, توما ومتى العشار, يعقوب بن حلفى ولباوس الملقب تداوس, سمعان القانوى ويهوذا الإسخريوطى الذى أسلمه (مت10: 1-4).

ومما هو جدير بالذكر أن كلمة الرسل وردت كثيراً جداً فى كتب العهد الجديد, فذكرت مرة فى بشارة متى ومرة فى بشارة مرقس وست وثلاثين مرة فى بشارة لوقا وسفر أعمال الرسل وإحدى وعشرين مرة فى رسائل بولس الرسول, وحتى تلاميذ الرسل ومساعديهم دعوا أحياناً رسلاً, فدعى أندرونكوس ويونياس مثلاً (مشهورين بين الرسل رو16: 7).

الفصل الثالث

كلمة عامة عن الاثنى عشر رسولاً

قبل أن نتحدث عن كل واحد من الاثنى عشر رسولاً على حدة لنلق نظرة عامة مجملة عما ذكره الكتاب المقدس عنهم: إن الوحى الإلهى يرسم المسائل الآتية:

المسألة الأولى: دعوتهم واختيارهم

إنهم دعوا من الله, ويقرر القديس متى الإنجيلى أن المسيح (دعا التلاميذ الاثنى عشر مت10: 1) كما يقرر القديس مرقس كما مر بنا – أنه أقامهم ليكونوا معه (مر3: 14), وقد أوضح السيد أكثر من مرة أنه اختارهم واصطفاهم فقال مرة: “لستم أنتم اخترتمونى بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم” (يو15), وقال مرة أخرى “لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم” (يو15: 19), وقد أشار سفر الأعمال إلى الرسل الذين اختارهم الرب (أع1: 2) وقد ردد الرسل أنفسهم هذا المبدأ فى صلاتهم عند إلقاء القرعة بين بارسابا ومتياس فقالوا: “أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين أيا اخترته” (أع1: 24).

المسألة الثانية: عناية الرب بهم

لقد حدب الرب عليهم حدباً ظاهراً, وأحاطهم بعنايته الفائقة, فعمل أمامهم معجزات وآيات (يو2: 11), وعلمهم كيف يصَّلون (لو11: 1), ووبخهم أحياناً على هفواتهم كما حدث ذلك بعد أن طلب ابنا زبدى أن يكونا عن يمينه وعن يساره فى ملكوته فاغتاظ إخوتهما من التلاميذ (مر10: 42-44), وعلى عدم إيمانهم (مر16: 14), ولقَّنهم مبادئه وتعاليمه مراراً على انفراد (مر4: 34) وفسَّر لهم ما عسر عليهم فهمه, ففسَّر لهم مثل الزارع ومثل زوان الحقل وغيرهما. (مت13: 15, لو24: 27) وحضهم على عدم الكبرياء والرجوع إلى بساطة الأولاد الصغار (مت18: 2). وكثيراً ما دافع عنهم, حتى فى الوقت الذى أراد اليهود أن يقبضوا عليه فقال لليهود “فإن كنتم تطلبوننى فدعوا هؤلاء يذهبون” (يو18: 8). لا غرو فيسوع هو الراعى الصالح, والمعلم الأمين, والمثال الحى للقائد الأعلى.

المسألة الثالثة : ألقابهم

طوباهم, لقد امتازوا بمركز سام, ومقام جليل. لقد دعوا رسل الخروف (رؤ21: 14), وسموا تلاميذه (مت5: 1), ورسله (لو6: 13), ودعاهم السيد القطيع الصغير (لو12: 22), وإخوته (مت28: 10) وبالجملة فلقد خلعت عليهم نعمة الله عدة ألقاب شريفة أضفتها عليهم أعمالهم النبيلة ورسالتهم الجليلة, ومما يتوج أمجادهم وشرفهم أن الرب يسوع نفسه دعى “رسول اعترافنا ورئيس كهنته” (عب3: 1).

المسألة الرابعة : إرساليتهم

أرسلهم السيد المسيح لأول مرة للكرازة لبنى إسرائيل بصفتهم الشعب المختار, ولقد اعتنى الله قديماً بهذا الشعب الذى قال عنه: “اختار الله يعقوب لذاته وإسرائيل لخاصته” (مز135: 4)، فجعله مهبط وحيه, وتعهده بأنبيائه ورسله, كما عطف عليه السيد المسيح فى العهد الجديد فقال مرة للمرأة السامرية “لأن الخلاص هو من اليهود” (يو4: 22), وقال للمرأة الكنعانية “لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت15: 24)، وحين أرسل تلاميذه أولاً وقال لهم “إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت10), وقد كان قصد الرب من ذلك أن يهيئ فرصة لهذا الشعب لكى يتوب ويؤمن ويقبل المسيح الفادى والمخلِّص حتى لا يكون له عذر فى خطاياه, كما اهتم بتبليغه الرسالة هو وتلاميذه لأنه بعلمه السابق عرف أن جماعات ستؤمن به من هذا الشعب, وهذه الجماعات المباركة ستكون خميرة مقدسة للعالم, وباكورة صالحة للإيمان, تنقله إلى جميع أمم الأرض, وتنشره بين جميع الشعوب, خصوصاً وأن هذا الشعب كان قد تدرب منذ القدم على قبول كلمة الله على أيدى أنبيائه.

وبعد قيامة الفادى, حينما أراد أن يعمم البشارة بالإنجيل فى جميع المسكونة أرسلهم للكرازة فى كل الأمم قائلاً لهم: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28: 19) بعد أن رفض معظم اليهود الإيمان. وتم قول الكتاب “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” (يو1: 11).

المسألة الخامسة : فحوى حديثه فى إرساليته للاثنى عشر (مت10)

ألقى القائد الأعلى على جنوده خطاباً رائعاً بليغاً قبل أن يرسلهم إلى ميدان الجهاد. ولقد تناول فى حديثه الإلهى عدة أمور منها:

(1) مقر الكرازة: أوصاهم كما مر بنا أن يبشروا أولاً بين اليهود (ع5, 6) حتى لا يكون لهم عذر فى خطاياهم وتقصيرهم, وحتى متى كمل استعداد هذا الشعب المختار وتم نضوجه, يعمل بدوره على دعوة الأمم أيضاً إلى الإيمان.

(2) شعار الكرازة: كان هدف التلاميذ وشعارهم الذى ينادون به: “توبوا لأنه قد اقترب منكم ملكوت السموات” (ع7). وهذا هو نفس النداء الذى طالما ردده يوحنا المعمدان ليعلن قرب ظهور المسيح, وبالتالى قرب انتشار ملكوته على الأرض. ولقد كان يوحنا على حدود الملكوت وعلى أعتابه, فكيف لا ينادى التلاميذ بحماس أكثر ليتوب الناس ويقبلوا ملكوت الله؟

“توبوا لأنه قد اقترب منكم ملكوت السموات” لقد كانت قراراً لترنيمة حماسية رهيبة, ملأت القلوب خوفاً ومهابة, وفتحت أمامهم طريق الندم والتوبة والانسحاق.

(3) السلطان الموهوب: لم يُسلِّمهم مالاً ولا جاهاً, ونهاهم عن حمل السيف والسلاح, ولا حتى العصا للحرب (ع10) مع ذلك فقد سلَّحهم بأسلحة أوفر وغنى أكثر لأنه أعطاهم أن يعملوا معجزات وآيات, أعطاهم السلطان على أرواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وضعف (ع10) وقال لهم: “اشفوا المرضى طهروا برصاً, أقيموا موتى أخرجوا شياطين (ع 8)…”.

ولأن هذه نعم مجانية من عنده فيجب عليهم أن يقدموها بدورهم للناس مجاناً كما تسلَّموها مجاناً لذا قال لهم: “مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا” (ع8).

(4) الإيمان والاتكال: إنهم يعملون لمجده, ويزرعون فى كرمه. فهلا يقوتهم ويعتنى بهم؟ وهل تُكَّفِل لهم خدمتهم المبررة خبزهم وكفافهم؟ فلماذا إذن يحملون الأموال, ويفكرون فى المستقبل ويعولون هَم الأكل والشرب؟ ولماذا يخلطون بين خدمة الروح وخدمة الجسد وبين آمالهم فى خلاص النفوس وبين مطامع العالم والمادية؟ وهل المسألة جمع فلوس أم تخليص نفوس؟ لذلك قال لهم “لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً فى مناطقكم ولا مزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا لأن الفاعل مستحق أجرته  (9, 10).

(5) تحية الكرازة: وكانت تحيتهم لكل من يصادفونه فى المدينة أو فى البيت: (السلام لكم) وليس عجيباً أن يكون السلام شعاراً لأتباع ملك السلام الذى رنمت الملائكة فى مولده قائلين “وعلى الأرض السلام”, والذى ترك لتلاميذه سلامه كميراث صالح بقوله “سلاماً أترك لكم. سلامى أعطيكم ليس كما يعطى العالم أعطيكم” أنا (يو14: 27)…. وهل انتشرت المسيحية إلا بالوداعة والسلام؟ أليس هذا سر عظمتها وجلالها ؟ وهذا الذى حدا بجميع الناس – حتى البعيدين عنها – أن يقروا ويعترفوا بسموها وروعتها وإعجازها؟

غير أن سلام التلاميذ لم يلق عبثاً أو يضع هباءً بل كان سلاماً فعالاً له عمله وقوته, لأن كل من كان مستحقاً كان يأتى عليه سلامهم ومن لم يكن مستحقاً كان سلامهم يرجع إليهم (ع13).

(6) “ومن له أذنان للسمع فليسمع”: كان رب المجد يلقى كلامه على الشعب, وكثيراً ما كان يختم كلامه بقوله “من له أذنان للسمع فليسمع” (رؤ2). ومعنى هذا أن لهم حرية الاختيار فى أن يقبلوا كلمته ويؤمنوا برسالته أو لا يقبلوا ولا يؤمنوا, والرب فى رحمته وإن كان يحب الحياة للجميع وهو الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون” (1تى2: 4), فإنه مع ذلك لا يجبر أحداً على قبول كلمته, وإنما يترك الإنسان حراً يختار لنفسه الطريق الذى يروقه. وعلى هذا القياس أوصى تلاميذه أن يبذروا بذارهم ويلقوا تعاليمهم, فمن قبل رسالتهم استحق التعليم العظيم, ومن لا يقبلها لا يكون له نصيب فى شركة القديسين, ولذلك تراه تبارك اسمه يقول لهم: “أية مدينة دخلتموها فافحصوا من فيها مستحق وأقيموا هناك حتى تخرجوا” لأن أمثال هؤلاء الناس أهل لأن يستضيفوكم ويقبلوا دعوتكم “ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجاً من ذلك البيت ومن تلك المدينة وانفضوا غبار أرجلكم. الحق أقول لكم ستكون لأرض سدوم وعمورة يوم الدين حالة أكثر احتمالاً مما لتلك المدينة” (ع15).

7 – الآلام الموضوعة: لم يكن يسوع من المعلمين المغرورين بتلاميذه ولكنه كشف الستار أمامهم عن كل ما سيلاقيهم من آلام وضيقات. لم يعدهم بعيشة سهلة مرحة ولم يمنهم بطريق مفروشة بالورد والرياحين, ولا بقصور باذخة, أو برياحين وبساتين أو أسرة ناعمة وفراش وثير أو بمال يأخذونه أو بكسب ينالونه وإنما باضطهادات عنيفة وأهوال مخيفة.

قال لهم: “فى العالم سيكون لكم ضيق” (يو16: 33) ولما أراد أن يصوَّر لهم مركزهم الدقيق قال لهم أيضاً : “ها أنا أرسلكم كغنم فى وسط ذئاب”، وفى الأغنام يتمثل الهدوء والوداعة والبساطة, وفى الذئاب يتمثل الخبث والشراسة والوحشية والميل إلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح, ولكى تستطيع الحملان أن تعيش فى وسط الذئاب بل تستأنسها, بل تكسب نفوسها الشرسة وتربح أرواحها المفترسة ينبغى أن تكون حذرة يقظة, حريصة حكيمة, وفى نفس الوقت وديعة طيبة لذلك قال لهم: “فكونوا حكماء كالحيات بسطاء كالحمام” (ع 16).

من حكمة الحية أن تعمل على المحافظة على نفسها وخصوصاً على رأسها وعلى الهروب من الخطر بقدر استطاعتها, وهى لا تستعمل سمها إلا إذا رأت نفسها فى خطر, ومن وداعة الحمام ألا يضر أحداً حتى الذين يسيئون إليه ويأخذون فراخه من تحته. هكذا خدام الله الأمناء يسيرون فى هذا العالم بالحكمة الإلهية القادرة القاهرة, وبالوداعة الرائعة الظافرة.

“كونوا حكماء كالحيات” ليست حكمة الأشرار المبنية على الاحتيال الدنئ والدهاء الخبيث, والمكر والرياء إلى الاعتداء وحفر الحفر وبث السموم, ولكنها حكمة أولاد الله البسيطة الهادئة المسالمة المقرونة (بوداعة الحمام) والحياة الوادعة المسالمة والحنكة تلزمها أن (يحذروا من الناس 17) فلا يميلوا مع أهوائهم ولا يستسلموا لنزعاتهم, ولا يخدعوا بجميع أقوالهم ووعودهم ومظاهرهم لأن منهم المداهن والمرائى والماكر ورجل الله يجب أن يعيش صاحياً واعياً لا تأخذه سنة من النوم ولا تخدعه المظاهر الباطلة والمواعيد الخلابة, أو العواطف الكذَّابة, أو الشخصيات المَلِقة الجذَّابة.

أوضح المسيح أن من هؤلاء أناساً يضطهدونهم أشد اضطهاد فقال لهم: “لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفى مجامعهم يجلدونكم وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم… وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ولده ويقوم الأولاد على والديهم ويقتلونهم وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمى”. إذن قد يضطهدون من جميع النواحى, ويطاردون بشتى الطرق, من الذين هم من داخل أو من خارج. سيحاكمون سياسياً ودينياً واجتماعياً, وسيتنكر حتى الأولاد لوالديهم, والآباء لأبنائهم وستشن غارات عنيفة ضد أولاد الله من الجميع.

(8) مجاهرة: “الذى أقوله لكم فى الظلمة قولوه فى النور والذى تسمعونه فى الأذن نادوا به على السطوح… فكل من يعترف بى قدام الناس أعترف به أمام أبي الذى فى السموات…” (مت 27:10، 33).

وبهذا يدعوهم إلى الشهادة لإنجيله ونشر الدعوة التى دعوا إليها بدون خوف أو وجل. لا غرابة فهو الذى قال: “لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على الجبل ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال” (مت5: 14).

(9) نتيجة حتمية: بالرغم من أن رسالة المسيح هى رسالة السلام, ولكن سيكون لها هذا الأثر الحتمى أنها ستكون لسقوط وقيام الكثيرين, سيقبلها قوم ويرذلها آخرون. ولذا ستقوم الشقاقات والخلافات بين عوامل النور وعوامل الظلام: “لا تظنوا أنى جئت لألقى سلاماً بل سيفاً – جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته” (ع35). إن هذه المواقف الحتمية ليست علتها قصد الله الخير, بل سوء تصرف الإنسان الذى يرذل الكلمة ويرفض الإيمان.

(10) محل الاختيار: ومادامت الرسالة قد تُضطهد حتى من الأهل والأصدقاء, فستكون محكاً حقيقياً للثبات وقوة الإرادة فمن غلبته العاطفة على أمره اعتبر غير مستحق للعضوية فى جسد الكنيسة, ومن غلب عواطفه وانتصر عليها وفضل حب المسيح على كل حب استحق أن يكون من أولاد الله “من أحب أباً أو أماً أكثر منى فلا يستحقنى ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى” (ع37).

(11) تضحية: وليست التضحية قاصرة على العاطفة التى تفرضها عليهم صلة القرابة أو الصداقة, ولكنها تتسع إلى حد احتمال كل ضيق وبذل كل شئ حتى النفس. “ومن لا يحمل صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى ومن وجد نفسه يضيعها, ومن أضاع نفسه لأجلى يجدها” (ع38).

(12) ضمانات وتشجيعات: إزاء هذه الحياة الضيقة وما يكتنفها من شدائد وآلام لم يتركهم الرب فى ضيقهم بل زودهم بأسلحة تكفل لهم الصبر فى الجهاد, والظفر فى الختام, ومن بين هذه النعم:

أولاً: عمل الروح القدس فيهم: ذلك الذى يعزيهم فى آلامهم ويلهمهم الحكمة والمعرفة فيستطيعون أن يواجهوا فلاسفة العالم وحكماء هذا الدهر, فيخلق من أميتهم علماً, ومن سذاجتهم فهماً “فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تعطون فى تلك الساعة ما تتكلمون به لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم” (ع19, 20).

ثانياً: الثمر المتكاثر: ما أشهى الثمر للذين يتعبون ويكدون إنه فرح للزارع والحاصد معاً. ولقد أعلن لهم المسيح أن تعبهم لن يضيع باطلاً لأنه سيأتى بثمره فى حينه: “فإنى الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتى ابن الإنسان”, أى ينتشر الإيمان باسمه, ويملأ ملكوته القلوب.

ثالثا : مثال عجيب: ولهم فى معلمهم الصالح خير مثال لأنه إن كان قد فرض عليهم أن يجوزوا طريق الألم فقد جازها قبلهم. وهو لم يُحمِِّلهم نيراً لا يقدرون أن يحملوه لأنه حمله قبلهم لأنه “مجرب فى كل شئ مثلنا” (عب4: 15), “وفيما قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين” (عب2: 18), لذلك قال لهم “ليس التلميذ أفضل من المعلم ولا العبد أفضل من سيده يكفى التلميذ أن يكون كمعلمه والعبد كسيده. إن كانوا قد لقبوا رب البيت بعلزبول فكم بالحرى أهل بيته” (ع24: 25).

رابعاً: عناية ورعاية: “لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها بل خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما فى جهنم، أليس عصفوران يباعان بفلس وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم؟ وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثيرة” (مت10: 28-31).

خامساً: منزلة ممتازة: لقد ساواهم بنفسه فقال: “من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذى أرسلنى” (ع40) ووعد من يقبلونهم أو يقدمون لهم الإكرام بمكافآت سامية تتناسب مع إيمانهم وشعورهم فقال : “من يقبل نبياً باسم نبى فأجر نبى يأخذ ومن يقبل باراً باسم بار فأجر بار يأخذ ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ فالحق أقول لكم لا يضيع أجره” (ع41، 42).

وهكذا كان, فكان المسيح لهم خير زاد لطريقهم, وأحسن سلاح فى كفاحهم, وأطيب ذخيرة أعانتهم فى نضالهم وجهادهم.

سادساً : واجبنا كمؤمنين: بقى علينا أن نذكر أن المسئوليات التى وضعت على عاتق الرسل, هى موضوعة على كاهل كل واحد من المؤمنين, أيا كان مركزه, وأياً كانت مواهبه أو إمكانياته, فكل عضو حى عامل فى جسد المسيح يستطيع أن يجد عملاً يناسبه فى كرم الرب. ومهما بدت خدمة بعض الأعضاء بسيطة أو طفيفة فإن لها قدرها العظيم وأجرها العظيم بل وثمرها العظيم من قبل الرب, مادام صاحبها يقوم بها لأجل مجد الله وبنيان المجتمع وخدمة الإخوة وخلاص النفوس. وما أجمل ما كتبه أحد الكتاب فى هذا الشأن: “إن جميع العينات المتنوعة من المسيحيين تتمثل غالباً فى جماعة الرسل. وإذ درست كل واحد منهم بالتدقيق ستجد واحداً منهم له نفس خاصياتك وصفاتك, فالشخص المتشكك يجد نفسه فى توما, والإنسان المكابر وصاحب العزم والتصميم يجد نفسه فى بطرس, وأندراوس كان رجل الأعمال الحذر, ويوحنا كان رجل العاطفة والتمييز, بينما كان يهوذا يمثل الإنسان المتقلب الخائن المرائى, وهكذا الحال مع باقى الرسل. ونحن جميعاً نتمثل فى هذه الجماعة. ومن المؤكد كان هناك قصد إلهى كلى الحكمة فى اختيار يسوع لأشخاص ذوى مميزات متنوعة هكذا، لأن هذه المجموعة غير المتشابهة خرجت باسمه وقلبت العالم رأساً على عقب. وهكذا جماعة المؤمنين اليوم يستطيعون بنفس هذا الاسم المبارك أن يأتوا العجائب.