الأصحاح العاشر – سفر صموئيل الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 10- تفسير سفر صموئيل الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح العاشر

تآمر الرؤساء على داود.

أراد داود صاحب القلب الكبير أن يصنع معروفًا مع حانون ملك عمون من أجل ما فعله أبوه ناحاش معه، لكن المشيرين أساءوا الفهم وأثاروا الملك ضده مدعين أن داود أرسل جواسيس – ولا معزين – ليقتحم المدينة، فتحالف حانون مع الملوك المحيطين به لمحاربة داود... لكن داود انتصر عليهم.

كانت هذه الحروب وأمثالها فرصة ليسجل لنا داود بعض مزاميره (مز 2، 20، 21، 60، 110) التي تنبأت عن ثورة الأمم، وتآمر الرؤساء على السيد المسيح حتى يُصلب، ويبقى الأشرار يتحالفون ضد كنيسته فيتمجد السيد المسيح في الكنيسة المضطهدة.

1. حانون يهين رسل داود [1 - 5].

2. الغلبة على بني عمون وملوك آرام [6 - 14].

3. الغلبة على هدر وعزر [15 - 19].

الأعداد 1-5

1. حانون يهين رسل داود:

أساء مشيرو حانون ملك بني عمون الظن بداود إذ حسبوا أن رسله للتعزية جواسيس لاقتحام المدينة، وبمشورتهم الشريرة أثاروا حربًا عظيمة أدت إلى هلاك الكثيرين. ما أخطر إساءة الظن على حياتنا!

جاء رُسل داود إلى مدينة ربّة أو ربّة عمون. كلمة "ربة" معناها "عظيم" أو "عاصمة" [52]، وهي غير ربّة التي على جبال يهوذا (يش 15: 6) القريبة من أورشليم، إنما هي ربة بني عمون القائمة عند منبع نهر يبوق، تبعد حوالي 23 ميلاً شرقي الأردن. جمّلها بطليموس فلادلفوس (سنة 285 - 246 ق. م.) ودعيت فيلادلفيا تكريمًا له، اسمها الحديث عمّان، عاصمة شرق الأردن. يمر بها الطريق التجاري بين دمشق وشبه الجزيرة العربية.

استمع حانون لمشيريه الأشرار فحلق نصف لحي الرسل وشق ثيابهم... يعتبر هذا العمل عند العبرانيين إهانه عظيمة. سمع داود الملك فذهب إليهم وطلب منهم ألا يرجعوا إلى أورشليم حتى لا يخجلوا من لقائهم مع رجال البلاط. هكذا حمل داود مشاعر رقيقة، إذ يهتم بمشاعر كل إنسان ويخشى إن تُجرح!

الأعداد 6-14

2. الغلبة على بني عمون وملوك آرام:

شعر بنو عمون أن إهانة سفراء داود موجهة إلى الدولة كلها، ملكًا وشعبًا، وأنه لابد أن ينتقم داود منهم، فاستأجروا آراميين من ممالك آرام وتحالفوا معهم على محاربة داود. استأجروا آراميين من بيت رحوب وصوبة ومعكة وطوب. هكذا دفعت إساءة الظن إلى حرب طاحنة بين دول وممالك كثيرة!

"بيت رحوب": إسم عبري معناه "بيت موضع رحب أو مفتوح أو بلازا" [53]. مدينة في شمال فلسطين، في وادي الأردن الأعلى (عد 13: 2)، تدعى "رحوب". سكنها الآراميون (السريان)، موقعها بقرب "دان" أو "تل القاضي"، كانت في موقع "بنياس" الحالية.

"صوبة" راجع تفسير الأصحاح الثامن.

"معكة" إحدى ممالك آرام دعيت "آرام معكة" أو "سوريا معكة" (1 أي 19: 6 - 7)، على تخوم فلسطين الشمالي الشرقي بين أرجوب غربًا والبرية شرقًا، سكانها من سلالة ناحور (تك 22: 24). (إسم "معكة" معناه "غبي" [54]).

"طوب": معناها "صالح أو حسن أو طيب" [55]. منطقة تقع شرق الأردن، هرب إليها يفتاح لما حرمه إخوته من الميراث (قض 11: 3، 5)، ربما هي أرض تبياس (1 مك 5: 13؛ 2 مك 12: 7)، لعلها هي "الطيبة" التي تبعد 10 أميال جنوبي جدارا Gadara (حاليًا أم قيس أو مقيس).

إذ سمع داود بتحالف هذه الممالك معًا ضده لم يخف وإنما بالأكثر تمسك بوعود الله له، فاستعد للحرب متكئًا على قوة الرب نفسه، قائلاً:

"لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل.

قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه...

الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزئ بهم...

إني أخبر من جهة قضاء الرب.

قال لي: أنت ابني. أنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك وأقاصي الأرض ملكًا لك...

فالآن أيها الملوك تعقلوا... (مز 2).

لم يكن ممكنا لداود برجاله المشاة أن يقاوم هذه الممالك المجتمعة التي تحاربه من الجنوب (بني عمون) ومن الشمال (الآراميين) والتي خرجت بمركبات وخيل... إنما اتكل على قوة الله، قائلاً:

"يارب بقوتك يفرح الملك، وبخلاصك كيف لا يبتهج أحد؟! (مز 21: 1).

"هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل، أما نحن فاسم الرب إلهنا نذكر" (مز 20: 7).

رأى داود خلال هذه المعركة التي طرفاها الله نفسه وقوات الظلمة أي إبليس، معركة الصليب حيث تجمعت قوات الظلمة ضد الابن الوحيد الجنس، لذا أنشد قائلاً:

"قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك" (مز 110: 1).

خرج بنو عمون واصطفوا للحرب عند مدخل المدينة، غالبًا "ربّة"، بينما كان الآراميون (السوريون) في السهل (الحقل) مقابل ميديا (1 أي 19: 7) حتى يسهل تحرك مركباتهم.

لو أن يوآب جمع كل رجاله ليحارب بني عمون متجهًا نحو الجنوب لضربه الآراميون من خلف في الشمال، خاصة وأن الآراميين أكثر قوة من بني عمون. بحكمة قسّم يوآب رجاله قسمين، أخذ الجبابرة معه متجهًا نحو الآراميين بينما أخوه أبيشاي متجهًا نحو بني عمون، واتفقا معًا أنه إن ضعف طرف يسنده الآخر.

إذ كان الآراميون مستأجرين لم يستطيعوا الوقوف أمام يوآب ورجاله الأبطال، وبالتالي خاف بنو عمون وهربوا من أمام أبيشاي ودخلوا مدينة ربة قبل أن يبدأ أبيشاي بمحاربتهم. خافوا لأنهم أضعف من الآراميين. لم يلحقهم أبيشاي ولا يوآب بل عاد الاثنان مستحسنين تأجيل الحرب لمدة سنة كاملة (11: 1).

اتفاق يوآب مع أخيه أبيشاي أن يكون كل منهما مستعدًا لنجدة الآخر يكشف عن أحد ملامح الجهاد الروحي الحيّ، وهي مساندة العضو لأخيه. لذا أوصى السيد المسيح تلميذه بطرس: "ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك، وأنت متى رجعت ثبت إخوتك" (لو 22: 32). فإن كان الله هو سر نصرتنا وقوتنا يلزمنا بدورنا أن نسند الضعفاء. يقول الرسول بولس: "أسندوا الضعفاء" (1 تس 5: 14).

الأعداد 15-19

3. الغلبة على هدر عزر:

حاول الآراميون أن يردوا اعتبارهم وسمعتهم فتجمعوا من جديد لمحاربة رجال داود؛ وقد بعث إليهم هدر عزر ملك آرام صوبا (8: 3) شوبك رئيس جيشه، لكن داود غلبه وقُتل شوبك في الحرب، فخاف الملوك الخاضعون لهدر عزر وتصالحوا مع داود واستعبدوا له ولم يعودوا يساندون بني عمون بعد.

الباب الثاني.

متاعب داود وضعفاته.

1. داود وامرأة أوريا الحثِّي [11 - 12].

2. متاعب خطية آمنون [13].

3. ثورة أبشالوم [14 - 19].

4. ثورة شَبَع [20].

5. مجاعة بسبب الجبعونيين [21].

6. قصيدة داود وكلماته الأخيرة [22 - 23].

7. الإحصاء والوباء [24].

قدم لنا الكتاب المقدس صورة واقعية لشخصية داود النبي والملك، الذي عاش بقلبٍ منفتحٍ نحو الله والناس منذ صُبوَّته، في نقاوة وطهارة، مشتاقًا أن يخدم الله ويمجده في جدية وبغيرة متقدة نارًا، وأن يبذل حياته من أجل الأمانة حتى في رعايته الخراف غير الناطقة. كافأه الله على هذه الحياة الجادة المقدسة، واهبًا له كل نجاح حتى تعظم جدًا، وكان رب الجنود معه.

استطاع داود أن يقتل أسدًا ودبًا لينقذ خروفًا أو أكثر وأن يقتل بحجر أملس جُليات الجبار الذي يعير صفوف الشعب ويجدف على الله. واجه مقاومة شاول الملك المستمرة ومطاردته بقلب مملوء سماحة وحكمة. قبل وعود الله بصبر واتزان دون تلهف على نوال مجد واستلام المملكة. حين سقط مطارد له كشاول الملك أو منافس كمفيبوشث كان الرجلَ النبيلَ الذي لا يعرف الشماتة، بل من أعماق قلبه يرثيه كرجل محبوب لديه.

هذه السيرة العطرة الفريدة من نوعها تكشفت بأعظم جلاء خلال المزامير التي أنشدها بروح الله لتبقى ذخرًا للمؤمنين وعونًا لهم في الحياة المقدسة في الرب.

الآن بعد أن صار ملكًا على كل الأسباط، واستقرت مملكته، وجاء بالتابوت إلى مدينته، في لحظة ضعف تهاون فسقط لتظهر الطبيعة البشرية بأعماق ضعفها في حياة داود العظيم. انهار هذا الجبار وانحدر بالتدريج من خطية إلى أخرى. وكان يظن أنه قادر على إخفاء هذا الضعف فإذا بها تنفضح أمامنا جميعًا عبر الأجيال بعد أن نال تأديبات مُرَّة وحلت به أحزان متوالية خلال كل بقية أيام حياته.

لم يخجل الوحي الإلهي عن تسجيل هذه السقطات في شيء من التفصيل، دون إخفاء للضعف أو تستر عليه حتى ندرك الحاجة إلى التجديد الكامل للطبيعة البشرية، بل الحاجة إلى تدخل الخالق نفسه لتحقيق هذا التجديد.

سقطات داود هي جرس تحذير يدوي عبر الأجيال لكي يتيقظ كل مؤمن وكل خادم – مهما بلغت قامته الروحية أو خبراته عبر السنوات – لئلا يسقط.

سقطات داود ملأته أحزانًا مُرّة لكن بالتوبة تحولت لمجده، فصارت سيرته ومزامير توبته سرّ قيام لكثيرين حطمتهم الخطية وهوى بهم اليأس!


[52] The Dict. of the Bible, p. 788.

[53] Ibid p. 111.

[54] Ibid p. 574.

[55] Ibid p. 954.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الحادي عشر - سفر صموئيل الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح التاسع - سفر صموئيل الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر صموئيل الثاني الأصحاح 24
تفاسير سفر صموئيل الثاني الأصحاح 24