الأَصْحَاحُ الحَادِى والعِشْرُونَ – إنجيل يوحنا – مارمرقس مصر الجديدة

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 50- تفسير إنجيل يوحنا – كهنة و خدام كنيسة مارمرقس مصر الجديدة.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأَصْحَاحُ الحَادِى والعِشْرُونَ

ظهـور المسـيح للتلاميذ مـرة ثانية وصيته الأخيرة لبطرس برعاية الرعية.

(1) بحيرة طبرية (ع 1 - 14):

1 - بعد هذا، أظهر أيضا يسوع نفسه للتلاميذ على بحر طبرية، ظهر هكذا: 2 - كان سِمعان بطرس، وتوما الذى يقال له التوأم، ونَثَنَائيل الذى من قانا الجليل، وابنا زبدى، واثنان آخران من تلاميذه، مع بعضهم. 3 - قال لهم سِمعان بطرس: "أنا أذهب لأتصيّد." قالوا له: "نذهب نحن أيضا معـك." فخرجـوا ودخلوا السفينة للوقت. وفى تلك الليلـة، لم يمسـكوا شيئا. 4 - ولما كان الصبح، وقف يسوع على الشاطئ، ولكن التلاميذ لم يكونوا يعلمون أنه يسوع. 5 - فقال لهم يسوع: "يا غِلمان، ألعل عندكم إداما؟" أجابوه: "لا." 6 - فقال لهم: "ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن، فتجدوا." فألقوا، ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك. 7 - فقال ذلك التلميذ الذى كان يسوع يحبه لبطرس: "هو الرب." فلما سمع سِمعان بطرس إنه الرب، اتَّزَرَ بثوبه، لأنه كان عُريانا، وألقى نفسَه فى البحر. 8 - وأما التلاميذ الآخرون، فجاءوا بالسفينة، لأنهم لم يكونوا بعيدين عن الأرض إلا نحو مئتى ذراع، وهم يجرّون شبكة السمك. 9 - فلما خرجوا إلى الأرض، نظروا جمرا موضوعا، وسمكا موضوعا عليه، وخبزا. 10 - قال لهم يسوع: "قدموا من السمك الذى أمسكتم الآن." 11 - فصعد سِمعان بطرس، وجـذب الشبكة إلى الأرض ممتلئة سمكا كبيرا مئة وثلاثا وخمسين. ومع هـذه الكثرة، لم تتخرق الشبكة. 12 - قال لهم يسوع: "هلموا، تَغَدَّوْا." ولم يجسر أحد من التلاميذ أن يسأله من أنت، إذ كانوا يعلمون إنه الرب. 13 - ثم جاء يسوع، وأخذ الخبز وأعطاهم، وكذلك السمك. 14 - هذه مرة ثالثة ظهر يسوع لتلاميذه بعدما قام من الأموات.

الأعداد 1-2

ع1 - 2:

بحيرة طبرية هى نفسها بحر الجليل، ولكن القديس يوحنا ينسبها إلى مدينة طبرية الحديثة، التى أنشأها هيرودس الذى كان رئيس ربع على الجليل. وكان عدد التلاميذ سبعة، منهم يوحنا وأخوه يعقوب، واثنان من التلاميذ وليسوا من الرسل.

"بعد هذا، أظهر أيضا يسوع نفسه": عبارة تشير إلى تعدد ظهورات القيامة، بعد الظهورات السابقة، لإثبات لاهوت السيد المسيح كما سيتضح من نوعية هذه المعجزة.

العدد 3

ع3:

رأى البعض أن ما صنعه بطرس هو ارتـداد نـحو العالم، ورأى البعض الآخر أنه ليس فى هذا شئ، فالمسيحية لم تحرِّم العمل، بل هـذا منهج نادى به القديس بولس فى (أع 20: 34؛ 2تس 3: 8).

وأكثر هذه الآراء اعتدالا، ما قاله القديس اغريغوريوس الكبير، وهو: "إن بطرس عاد إلى الصيد، ولكن متى لم يعد لجباية الضرائب، لأنه توجد أعمال لا يمكن العودة إليها بعد التجديد.".

ويمكن القول أيضا أن ما يؤخذ على بطرس هو عودته إلى المهنة الأولى، دون مصاحبة ذلك بأى عمل كرازى.

الأعداد 4-5

ع4 - 5:

وبعد أن أُجهدوا وفشلوا فى أن يمسكوا شيئا، كان ظهور الرب، الغامض فى بدايته، والذى أزال الفجر بضوئه الخافت من غموضة، بادرهم السيد المسيح بسؤاله: "هل تملكون إداما؟ أى غموسا، والمقصود بالطبع سمكا، فجاءت إجابتهم النافية تعبيرا عن حالتهم. وبالطبع، ما كان سؤال الرب هنا إلا تمهيدا للمعجزة القادمة.

العدد 6

ع6:

يقدم السيد الرب نصيحة للصيادين - الخدّام - خائرى القوى، والمجهدين طوال الليل، تذكّرنا بالنصيحة الأولى التى تعرف فيها بطرس على السيد المسيح فى (لو5: 4).

ويمكن القول أن هذه المعجزة هى درس لما يحدث فى حياتنا كل يوم، وفى حياة الخدّام بصفة خاصة، فنحن كثيرا ما نعتمد على قلوبنا وفهمنا وخبراتنا دون الله، ولكن الاعتماد على الله وكلمته وراء النجاح الحقيقى، فلا قيمة لكل جهد انفصل عن الله العامل فى كنيسته... ولا قيمة لعمل لا يباركه المسيح، وكأن المسيح يعطى التلاميذ والكنيسة هذا الدرس لنعمل به فى كل أوجه حياتنا. فبطرس الذى تبع المسيح، عندما اعتمد على ذاته أنكره، بالرغم من حبه له. أما عندما عمل الروح القدس به، ففى يوم الخمسين اصطاد بعظته 3000 نفس (أع 2: 41)؛ ألم يكن ذلك سمكا كثيرا...؟!

العدد 7

ع7:

"كان عُريانا": بسبب أنهم كانوا فى الصيد، خلع بطرس كل ما يعيقه عن عمله، وكان يوحنا، ذو القلب المحب والأكثر تيقظا، أسرع إيمانيا فى إدراك ما يحدث، وربط الأحداث ببعضها. ولهذا، جاء إعلانه قويا وثابتا ومفرحا: "هو الرب".

وبالرغم من أن الطبيعى أن يلقى بطرس بنفسه كما هو، إلا أنه أتى بفعـل غير طبيعى، فقد لبس ما قد خلعه قبل أن يلقى بنفسه فى الماء. ولنا أن نفهم أن ما فعله بطرس:

أولا: يتناسب وكرامة الله التى تغطى الملائكة أرجلها ووجوهها أمامه.

ثانيا: يُرجِع لبطرس نفسه، فهو ما زال يحس بالخزى بسبب خطية إنكاره، فكأنه لا يستر جسده فقط، بل نفسه العارية التى، وإن بكت بكاء مرا، لم تسمع بعد من السيد غفرانه لها.

الأعداد 8-9

ع8 - 9:

كانت المسافة حوالى 95 مترا بين مكان السفينة والشاطئ، والأهم هو المعنى الروحى التأملى هنا، فالسفينة هى الكنيسة، والتلاميذ هم كهنتها وخدامها، والسمك هو النفوس التى جذبتها الكنيسة، من الغرق فى العالم، إلى شاطئ النجاه الروحى...

وعند خروج كل من كان له تعب فى الخدمة وسحب النفوس إلى الله، يجد المسيح الكلى القدرة قد أعد له طعاما ونصيبا سمائيا، كأنه يكافئ مكافأة خاصة كل من له تعب وسهر فى صيد النفوس إليه.

"قدموا... أمسكتم...": نلاحظ شيئين:

أولا: أن ما أمسـكه التلاميذ أسـاسا هو معجزة صنعها الرب، ولكن الله ينسب عمله، باتضاعه، إلى أولاده...

ثانيا: أنه يريد أن يقدموا من شباكهم، إضافة لما أعده هو لهم، وذلك ليشركهم معه فى المائدة وبفرحهم.

وهذا يعلمنا شيئا هاما، وهو أن الله هو العامل. ولكن، على الإنسان أيضا أن يقدم ما عنده من طاقة وجهد ومال إلى الله، فيتحد المحدود والضعيف مع عمل الله اللانهائى القدرة.

الأعداد 11-14

ع11 - 14:

كان السمك كبيرا جدا ووفيرا (153)، وهو عدد فوق الخيال أن يخرج من دفعة واحدة. وهو يعنى أنه بالرغم من ظلام العالم وكثرة الحروب الروحية، فكنيسة المسيح، بقوة عمله، قادرة على جذب النفوس الكثيرة والكبيرة، لأنها تأتى بكامل قدراتها ومواهبها إلى الملكوت، مهما كان الليل (ظلام العالم) طويلا وحالك الظلمة.

"هلموا، تَغَدَّوْا": الله هو مصدر كل غذاء. ألم يَعُلْ قبلا الشعب فى البرية، وكذلك فى معجزة إشباع الجموع؟ فهو مصدر شبع كل الذين يتبعونه إشباعا من جميع النواحى... شبعا روحيا وماديا.

"لم يجسر أحد...": تشير إلى مهابة الشخص ومهابة الموقف نفسه. ويقول القديس يوحنا سببا آخر لعدم سؤاله، وهو علمهم ويقينهم أنه هو الرب يسوع، وكأن الموقف لم يَقْتَضِ سؤالا. ولعل حذرهم وهيبتهم من هذا الموقف جعلهم وقوفا، بالرغم من دعوة الرب لهم بالأكل، فتقدم الرب المسيح بنفسه وأخذ الخبز والسمك، مستكملا مسيرة اتضاعه. فهو، الإله السيد، يقدم ويقوم بواجب الضيافة لتلاميذه... وبالطبع، عندما قال القديس يوحنا "هذه مرة ثالثة"، لم يقصد بهذا أنها المرة الأخيرة، ولكنه تسجيل تتابعى لما أورده فى الظهورات السابقة.

(2) حديث المسيح مع بطرس (ع 15 - 19):

15 - فبعدما تَغَدَّوْا، قال يسوع لسِمعان بطرس: "يا سِمعان بن يونا، أتحبنى أكثر من هؤلاء؟" قال: "نعم يا رب، أنت تعلم أنى أحبـك." قال له: "ارْعَ خـرافى." 16 - قـال له أيضا ثانيـة: "يا سِمعان بن يونا، أتحبنى؟" قال له: "نعم يا رب، أنت تعلم أنى أحبك." قال له: "ارْعَ غنمـى." 17 - قال له ثالثة: "يا سِمعان بن يونا، أتحبنى؟" فحزن بطرس، لأنه قال له ثالثة أتحبنى. فقال له: "يا رب، أنت تعلم كل شىء، أنت تعرف أنى أحبك." قال له يسوع: "ارْعَ غنمى. 18 - الحق الحق أقول لك، لما كنتَ أكثر حداثة، كنت تمنطق ذاتك وتمشى حيث تشاء. ولكن، متى شخت، فإنك تمد يديك وآخر يمنطقـك، ويحملك حيث لا تشـاء." 19 - قال هذا، مشيرا إلى أية ميتة كان مزمعا أن يمجد الله بها. ولما قال هذا، قال له: "اتبعنى.".

العدد 15

ع15:

وجه المسيح - بعد الأكل - حديثه إلى بطرس، ولكنه ناداه باسمه البشرى، وليس الاسم الذى أعطاه له كرسـول، إذ أنه، بإنكاره، هبـط إلى مسـتوى الإنسـان العادى: "أتحبنى أكثر من هؤلاء؟".

وهنا، يستعيد بطرس ما سبق وقاله فى كبرياء، مفرزا نفسه عن باقى الرسل (راجع مت 26: 33؛ مر 14: 29)، فأجاب: "أنت تعلم أنى أحبك." فكان تعليق المسيح تكليفا لبطرس بأن برهان الحب الحقيقى هو رعاية الخراف، أى النفوس أو الكنيسة، فحب الخادم الأمين لسيده هو رعاية أبنائه بكل أمانة وتفانٍ وبذل، وليس بالكلام أو ادعاء هذا الحب الذى قد يخور، بسبب ادعائنا الباطل، أمام التجارب، كما حدث أولا مع بطرس.

الأعداد 16-17

ع16 - 17:

يكرر السيد المسيح السؤال مرتين بعد الأولى، ليقابل إنكار بطرس ثلاث مرات. وفى كل مـرة، يوصيه أن الاعتذار الحقيقى الذى يقبله منه، هو رعاية شعبه. إلا أنه فى المرة الثالثة، يوضح لنا القديس يوحنا حزن بطرس لتكرار السؤال، فأراد أن يدفع عن نفسه تهمة عدم حبه للمسيح، فقال له: "أنت تعرف"، أى أنك لست محتاجا لإجابتى على السؤال، فأنت فاحص القلوب وتعلم ما بداخلها... وتعلم أيضا أننى, وإن كنت أنكرتك، فهذا عن ضعف بشرى.

الأعداد 18-19

ع18 - 19:

ما قاله هنا المسيح لبطرس مباشرة، ينطبق علينا جميعا بصورة غير مباشرة فى معناه الروحى. فالإنسان فى حداثته الروحية، وقلة خبراته الإيمانية، يعتمد على ذاته وعلى ذراعيه البشرية فى الخدمة وحياته عامة. ولكن، عندما ينمو ويزداد خبرة فى حياته الروحية، فإنه يصير أكثر اتضاعا وطاعة لعمل الروح القدس، فتختفى الذات البشرية، وتحل مكانها حياة التسليم الكامل للإرادة والمشيئة الإلهية. أما المعنى المباشر لبطرس، الذى أوضحه القديس يوحنا فى (ع18): إنك يا بطرس، فى حداثة إيمانك، كنت مندفعا، فتعد بما لا تقدر عليه. ولكن عندما تنمو، فالموت الذى أخافك قبلا، ستقدم عليه بقوة الروح القدس العاملة فيك، وتقبل الصلب منكس الرأس، وتصير حياتك فى أواخرها واستشهادك، هما أكبر تمجيد تقدمه لاسمى القدّوس.

ونحن جميعا، ما أحوجنا يا الله أن نتكل على عمل روحك القدّوس فى حياتنا، مفرغين ذواتنا، ومادين أذرعنا، لتتولى أنت وحـدك القيـادة بإرادتـك الصالحة؛ أما فكرنا نحن، فهو فى غاية القصور.

(3) ما بين بطرس ويوحنا (ع 20 - 25):

20 - فالتفت بطرس، ونظر التلميذ الذى كان يسوع يحبه يتبعه، وهو أيضا الذى اتكأ على صدره وقت العشـاء، وقال يا سـيد من هو الذى يسلمك. 21 - فلما رأى بطرس هـذا، قال ليسـوع: "يا رب، وهـذا ما له؟" 22 - قال له يسـوع: "إن كنت أشـاء أنه يبقى حـتى أجىء، فماذا لك؟ اتبعنى أنت." 23 - فذاع هذا القول بين الإخوة، أن ذلك التلميذ لا يموت. ولكن، لم يقل له يسوع إنه لا يموت، بل إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجىء، فماذا لك. 24 - هذا هو التلميذ الذى يشهد بهذا، وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق. 25 - وأشياء أُخَرُ كثيرةٌ صنعها يسوع، إن كُتبت واحدة واحدة، فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة، آمين.

الأعداد 20-22

ع20 - 22:

كانت آخر كلمة قالها المسيح لبطرس هى: "اتبعنى". فبعد أن اطمئن بطرس إلى عودته لمكانته الرسولية مرة أخرى، وغفران المسيح لخطية إنكاره إياه، التفت إلى القديس يوحنا، الذى رآه يتبع المسيح أيضا، وتوجه إلى المسيح سائلا عن مصير يوحنا المستقبلى، وهو سؤال فى غير مكانه، إذ أعطى بطرس نفسه حقا ليس له، أن يسأل عن مكانة آخر أو مستقبل آخر، وهو شئ من صميم عمل الله وإرادته. ولهذا، كانت إجابة المسيح الرب على بطرس حاسمة: "فماذا لك؟" وتعنى أن هذا ليس من شأنك... اهتم بالأمر الذى أوجهه لك وحدك، وهو أن تتبعنى أنت، دون أن تلتفت لغيرك، حتى وإن أردت أن أبقيه حيا حتى مجيئى الثانى.

ولعل إجابة السيد المسيح لبطرس، هى إجابة موجهة لنا جميعا، إذ كثيرا ما تنزلق أفكارنا فى مقارنات أو استفسارات ليست من شأننا، كأن نسأل عن خلاص آخرين من عدمه، فتكون إجابة المسيح لنا: "اتبعنى أنت... ولا شأن لك بالآخرين." لعلنا نستوعب هذا الكلام، ولا ننشغل بشئ إلا خلاص نفوسنا...

العدد 23

ع23:

يوضح اللبس الذى حدث فى فهم التلاميذ لقول المسيح الأخير، فشرحه القديس يوحنا.

الأعداد 24-25

ع24 - 25:

هنا، وقد جاء القديس يوحنا إلى ختام إنجليه، كان من المهم عنده أن يؤكد على شيئين:

أولا: صدق شهادته، لأنه عاين وكتب بنفسه ما شاهده، وليس نقلا عن آخر.

ثانيا: أن ما ذكره فى إنجيله وشهادته ليس كل شئ، فهو ذكر بعض الأشياء من أجل الإيمان بشخص الرب المسيح، وليس حصرا لكل معجزاته أو أحاديثه أو أمثلته، كما حاولت باقى البشائر، ولكنها ذكرت القليل قدر ما استطاعت، ويوضح عِظَمَ ما صنع الرب، واستحالة حصر كل شئ، فى صورة لغوية بديعة، إذ يقول أن كل كتب العالم لا تكفى لتدوين كل شئ عن الرب يسوع، بل إن العالم نفسه، بكل اتساعه، سوف لا يحتمل حجم هذه الكتب، ولإلهنا المجد الدائم... آمين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

تفاسير إنجيل يوحنا - الأَصْحَاحُ الحَادِى والعِشْرُونَ
تفاسير إنجيل يوحنا - الأَصْحَاحُ الحَادِى والعِشْرُونَ