الفصل الثامن الشركة مع المسيح – سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الثامن الشركة مع المسيح

«فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. إهتموا بما فوق لا بما على الأرض. لأنكم قد متم وحياتكم مستتره مع المسيح فى الله. متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم أيضاً معه فى المجد».

كولوس 3: 1 - 4.

أولاً – سكنى المسيح:

قال أحد الأباء[46]:

1 - يا لاتساع المجد ويا لزيادة لذاك الذى يحتوى كل الاشياء حين يسكن فى داخل الانسان الفاسد المادى. والذى يسكن فيه يصير قوياً ويملك كل شئ. يا لعجب أعجوبة الله غير المدرك بخصوص أعماله وأسراره غير المدركه حتى أن الانسان يحمل الله فى نفسه كنور. الانسان يحمل الله الذى حلق كل الأشياء وخلق الانسان نفسه. الانسان يحمل فى داخله الكنز الذى يفوق الوصف بالكلام أو بالكتابه. أى كمية أو كيفيه أو شكل أو شبه هو يفوقها بل ويفوق كل النور أيضاً.

2 - إنصت الآن إلى معجزاته الهائله:

نحن قد صرنا أعضاء فى المسيح والمسيح صار أعضاءنا.

المسيح صار يدى. المسيح صار قدمى البائسه.

وأنا غير السعيد صرت يد المسيح ورجل المسيح.

أنا أحرك يدى ويدى صارت هى المسيح كله.

وحتى لا ننسى ذلك فإن الله غير منقسم فى لاهوته.

أنا أحرك قدمىّ وها هما تشرقان مثل قدمى المسيح.

لا تتهمنى بالتجديف ولكن مرحباً بتلك الأشياء.

نحن نمجد المسيح الذى صنعك هكذا.

وإذا رغبت فى ذلك فإنك تصير عضواً فى المسيح.

وأيضاً كل عضو من أعضائنا يصيرهكذا.

وكل ما هو قبيح من أعضائنا سوف يجعله الله جميلاً مكرماً.

بأن يكرمه مع جماله ومجده الالهى.

وحين نعيش مع الله فإننا نصير آلهه.

ولن نعود نرى قذارة أجسادنا بعد.

كل عضو من أعضائنا يصير هو المسيح بأكمله.

إنها بالحقيقة زيجه الهيه لا يعبر عنها.

أن الله بنفسه يتحد مع كل أحد. نعم أنا أكرر ذلك.

إنها بهجتى أن كل أحد يصير واحداً مع سيده.

قال أحد الأباء[47]:

إن مشكلة حياتنا هى عدم الاتحاد مع الله بسبب خطايانا التى تمنع ذلك. ولذلك إهرب من الخطيه كهروبك من عدو مرعب يريد أن يدمر نفسك. لأنك حين تصير بدون الله فإن هذا هو الموت وعدم الحياة. دعنا نفهم عندئذ هدفنا. دعنا نتذكر دائماً أن سيدنا يدعونا لكى نتحد به.

تأكد من إقتراب الرب اليك حتى تحس بذلك وعندئذ تصلى إلى الله لكى تتلامس معه ليس بأفكارك وقلبك ولكن أيضاً بفمك ولسانك. لأن الكلمه قريبه منك فى فمك وفى قلبك!! ذاك هو الله.

إن إتحادنا مع الله سوف يكمل فى الحياة الأخرى وسيصير بالنسبه لنا مصدر النور والسلام والفرح والبركة. وهذا هو ما ندرك بعضه بالاختيار فى الحياة الحاضرة خلال الصلاة حينما تتجه نفوسنا بالتمام نحو الله ونتحد معه، وعندئذ نشعر بالسعادة والهدوء والبساطة والفرح مثل الأطفال الذين يستريحون على صدور أمهاتهم. أو بمعنى آخر سوف نختبر الاحساس بمن هو فوق الوجود [جيد يا رب أن نكون ههنا].

ولذلك جاهد بلا توقف لكى تحصل على البركه الابديه المستقبله. ولكن البدايه تكون بالاختيار فى الحياة الحاضره. ولكن ضع فى ذهنك أن هذه البدايه هى أرضيه فقط وغير كامله لأننا لا نرى سوى جزء منها فقط. كأننا نبصر من خلال زجاج معتم. ولكن كيف ستكون الرؤيه حين يكمل إتحادنا مع الله، حين تزول الأشكال والصور والتشبيهات ويأتى ملكوت الحق ورؤية ما هو آت؟

إنه يجب أن نجاهد بلا توقف فى كل حياتنا حتى الموت من أجل البركه المستقبله ومن أجل مستقبل إتحادنا مع الله تذكر أنك تسير دائماً فى حاضر حلاوة الرب يسوع المسيح وقل لنفسك دائماً: أنا أريد أن أحيا حتى أسر بحياتى فيمن أحبه وصلب من أجلى فوق الصليب. وفوق الكل سوف آخذه رفيقاً وصديقاً كل حياتى ذاك القدوس الذى أحبه. الذى هو كل شئ فى قلبى. إجعلنى عطشاناً من أجل خلاص الجميع. أفرح مع الفرحين وأبكى مع الباكين. لأن هذا سوف يفرح الله الذى هو عزائى.

قال أحد الأباء[48]:

إن فكر المسيح الذى أخذه القديسون وفقاً لقول الانجيل «أما نحن فلنا فكر المسيح» 1كو 2: 16 يأتى ليس بسبب فقدان قوانا العقليه ولكن بالاستناره. حيث يصير للانسان فكر المسيح حين يفكر فى كل الأشياء بروح المسيح ويجعل كل الأشياء تفكر فيه.

ثانياً – الافخارستيا:

«أؤمن يارب وأعترف أنك أنت بالحقيقه هو المسيح ابن الله الحى الذى جاء إلى العالم لكى يخلص الخطاه الذين أولهم أنا. أنا أؤمن أيضاً أن هذا هو جسدك السرى الحقيقى وهذا هو دمك الذكى الحقيقى. ولذلك أنا أصلى اليك لكى ترحمنى وتسامحنى على خطاياى التى فعلتها بقصد أو بغير قصد سواء كانت بالفعل أو بالكلام. سواء بمعرفة أو بجهل. وإمنحنى ألا أقع فى دينونة وأن أشترك فى التناول المقدس من أجل غفران خطاياى ونوال الحياة الأبدية. آمين.

فى هذا اليوم إستلمنى يا ابن الله لكى أتناول من أسرارك حتى لا أكون خائناً وأسلم أسرارك إلى أعدائك. ولا أعطيك قبلة مثل قبله يهوذا ولكن أعرفك مثل اللص وأصرخ اليك قائلاً: إذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك.

ولا تجعل تناولى من أسرارك أيها الرب لأجل دينونتى أو الحكم علىّ، ولكن من أجل شقاء نفسى وجسدى.

من قداس القديس يوحنا فم الذهب.

قال أحد الأباء[49]:

أيها الخالق الذى أعطانى جسده الصالح. أيها النار التى تحرق غير المستحق لا تحرقينى ولكن أدخلى أيتها النار إلى أعضائى وإلى كل جزء فىّ، إلى قلبى ونفسى إحرقى أشواك خطاياى ونقى نفسى وقدسى فكرى ونيتى ومفاصلى وعظامى وإشرقى بالنور على حواسى الخمسه التى فى جسدى. وثبتى كل كيانى فى خوف الله. إحرسنى وأحفظينى وإرحمينى دائماً من كل فعل وكل كلمة تنجس النفس. نقنى يا رب وإغسلنى وزينى وإجعلنى فى الطرق السليم. إمنحنى فهماً وإستنارة. دعنى أبرهن على جعل نفسى مسكناً للروح القدس فقط ولا يصير مكاناً لسكنى أى شر. وإجعل كل فعل شرير وكل شهوة تهرب منى كهروبها من النار من منزلك هذا. وحينما أتناول أدخل وأسكن فىّ. وها أنا أضع أمامك صلوات كل القديسين والقوات الملائكية والرسل الحكماء وفوق الكل صلوات أمك القديسه الطاهره. فى شفقتك إقبل صلواتهم أيها المسيح وإجعل خادمك إبناً للنور. إنك أنت وحدك أيها المطوب الذى تمنح القداسه والنور لنفوسنا. ونحن نقدم لك كل يوم المجد اللائق بلك كأله وسيد لنا.

قال أحد الأباء[50]:

إن الخبز الحقيقى الذى يقوى قلب الانسان [مز 104: 15] الذى نزل من السماء ويعطينا الحياة [يو 6: 32 - 33] هو يكفى لكل شئ ويقوى عزيمتنا وينزع منا كسل وتراخى فى نفوسنا. إننا يجب أن نطلبه كل حين لكى يطعمنا وينزع منا كل جوع بتناولنا الدائم من مائدته. ويجب الا نبتعد قط عن مائدته المقدسه نحن غير المستحقين لهذه الأسرار. ولذلك يجب أن نذهب للآباء الكهنه ونعترف بخطايانا حتى نستطيع أن نشرب من دمه الطاهر.

إن دم المسيح يغلق أبواب حواسنا ولا يسمح لأى شئ أن يدخل فيها لكى يؤذينا أو يحطمنا. ويجعل القلب الذى يسكن فيه هيكلاً لله أفضل من هيكل سليمان وهو يمنع الأصنام الشريره من الدخول فى المكان المقدس.

ها أنا أكتب لكل الكنائس وأشترك معهم لأننى سأموت بارادتى شهيداً من أجل الله إذا لم تمنعونى من ذلك. أنا أتوسل اليكم ألا تمنعونى من ذلك بسبب الشفقه التى فى غير محلها. وإسمحوا لى أن تأكلنى الحيوانات المتوحشه لأنها الطريق لوصولى إلى الله. أنا حنطة الله وبعد أن أطحن بأسنان الحيوانات المتوحشة أصير خبزاً طاهراً للمسيح.

القديس أغناطيوس الانطاكى.

انا لم أعد أتذوق ذلك الخبز الفانى ولا مباهج هذه الحياه. أنا أشتاق إلى خبز الله الذى هو جسد يسوع المسيح ابن داود. وأنا أرغب أن أشرب من دمه المقدس الذى هو الحب غير الفاسد.

القديس أغناطيوس الأنطاكى.

لذلك نحن نصير جسده ليس بالشوق فقط ولكن بالحقيقه والواقع دعنا نتحد مع جسده الذى هو الخبز الذى يعطيه لنا كهبه. إنه يرغب أن يبرهن عن الحب الذى فيه نحونا ولهذا قد شابهنا ونزل بالجسد إلى مستوانا حتى نصير واحداً معه كما يتحد الجسد بالرأس. هذه بالحقيقه هى سمات الحب. وأكثر من هذا فإن المسيح قد صنع ذلك حتى يقودنا إلى الحب الأعظم. ولكى يكشف لنا الحب صار ممكناً لنا أن تتناوله إذا كنا نشتاق اليه. وليس فقط أن ننظر اليه بل أن نلمسه ونتناول جسده وأن نتحد معه وباختصار أن نكمل كل حبنا. ونحن نرجع من التناول من هذه المائده المقدسه مثل الأسود التى إشتمت رائحه النار فتصير مرعبه للشياطين ونصير عندئذ يقظين فى الحب الذى كشفه لنا.

القديس يوحنا فم الذهب.

قال أحد الأباء[51]:

أنا أتحدث عن الاتحاد الذى يأتى من الأسرار للذين تطهروا بالتوبه وينابيع الدموع. فأنا آخذ فى سر التناول الجسد الالهى الذى من الله فأصير اله عن طريق ذلك الاتحاد الذى لا يعبر عنه. انظر أى سر هو هذا!! فإن النفس والجسد وهما شيئان ولكنهما فى الانسان الواحد رغم أنهما شيئان. هكذا فى الاتحاد مع المسيح عن طريق شرب دمه. يصير الله والانسان اثنين متحدين. فأنا أتحد بهذه الطريقه مع إلهى فيصير الانسان الهاً بالمشاركه. ويدعى الانسان بنفس الاسم الذى لله الذى سمح له أن يشترك معه على نفس المستوى. وذلك مثل الحديد الذى له لون أسود ولكن حين ينغمس فى النار فإنه يصير كالنار. وتستطيع أن تقول عن الحديد أنه نار لأننا نراه مثل النار لذلك نحن ندعوه ناراً. وإذا لم تعرف ذلك بخبرتك فلا تحتقر اختبارات الآخرين الذين يصنعون لك ذلك.

إن المسيح يبارك بالتناول المقدس أولئك الذين يؤمنون به ويجعلهم خالدين معه وغير فاسدين مع بعضهم بعضاً. فمن ذا الذى يفصلهم أو يمنعهم عن ذلك الاتحاد؟ إنهم قد ربطوا أنفسهم بالاتحاد مع المسيح عن طريق جسده المقدس. لأننا لو أكلنا جميعاً من خبز واحد فإننا نصير جسداً واحداً. ولذلك لا يوجد إنفصال فى المسيح منذ أن إتحدنا مع المسيح الواحد خلال جسده المقدس. ولأننا قد تناولنا منه الذى هو واحد وغير منقسم وأخذناه فى جسدنا فإننا يجب أن ننظر إلى أعضائنا كأنها ملك له وليست ملكاً لأنفسنا.

القديس كيرلس الاسكندرى.

أكثر من هذا فإنه قال «هذا هو جسدى... هذا هو دمى» فلا تظن أن هذا الذى قاله هو تشبيه بل هو تحول سرى بقوة الله ضابط الكل إلى جسد ودم المسيح. ولذلك فإننا نشترك فى ذلك الجسد المحيى المقدس الذى يحمل قوة المسيح.

القديس كيرلس الاسكندرى.

إذا ما نحن تناولنا من جسد ودم يسوع الذى يعطى الحياه لجسدنا الميت ألا نختبر العمل العجيب حين نتناول من الافخارستيا المقدسه؟ بالتأكيد إنه يحول الذين يتناولون منه إلى كماله وخلوده. ولأننا نحن فاسدين فى أجسادنا فإننا نفقد ضعفنا بذلك الاتحاد معه ونتحول إلى ما هو مناسب للافخارستيا الذى هو الحياه.

القديس كيرلس الاسكندرى.

قال أحد الأباء[52]:

أيتها الفضيله إننى أتوسل اليك أن تخبرينى من ذا الذى قد إحتواك فى نفسه؟ إنه هو الله الذى هو قدوس قدوس قدوس. مع من تريدين أيتها النفس أن تتحدى؟ مع ذاك الذى خلقنا. إمتلأى بالخوف والرهبه لأن النار الالهيه قد لمست الذى سبق وإتسخ بالكلام غير النافع الباطل عن طريق دنسنا. إن لسانك أيتها النفس قد تلوث بالشرور والأثام ولكن كيف تريدين أن تصلحى ذلك الأمر؟ عن طريق دم المسيح الذى سيحكم علينا. إرفع يديك على شكل الصليب وإقرع صدرك وردد فى عقلك تلك الصلاة:

«آمين. آمين. آمين. أؤمن. أؤمن..... الخ [(+)]» ردد تلك الصلاة بكل قلبك وبكل خوف ورهبه وتأنيب ضمير. وإرهب ذلك الموقف وإفهم ما أنت تفعله حتى لا تتناول من جسد الرب ودمه كدينونه عليك. إسأل الله كلى الرحمه حين يزورك فى لحظة التناول ويمنحك النعمه أن يكون فيك الانسحاق والشفقه وإنسكاب الدموع.

ثالثاً – نور من نور:

1 - النور:

قال أحد الأباء[54]:

1 - من يتحد مع الله بالايمان ويدركه بالعمل فهو يستطيع أن يراه بالتأمل. وهو يرى أيضاً أشياء لا أقدر أن أكتبها. عقله يرى رؤى غريبه ويستنير قلبه ويصير مثل النور وهو بعد ما يزال غير قادر أن يصف ذلك أو يدركه. عقله يصير مثل النور ويرى كل الأشياء مثل النور. والنور يصير فيه حياة. ويرى نفسه متحداً بالكمال مع النور. ورغم أنه يرى تلك الأشياء إلا أنه يبقى كما هو فى إتضاعه. وهو يدرك النور فى نفسه وفى دهشه. وفى الدهشه يرى النور بعيداً. ولكن حين يرجع إلى نفسه يجد نفسه مرة ثانية وسط النور وهو لا يجد أى كلام يصف به ما يراه.

2 - لا تدع أى أحد يخدعك. الله هو نور 1يو 1: 5 وأولئك الذين اتحدوا مع الله فإنه يعلن نوره لهم لأنهم قد تطهروا. وحين يشتعل العقل – الذى هو نور النفس – فليعلم أن النار الالهيه هى التى أشعلته. كم هو عظيم ذلك الانسان الذى يتحد مع الله روحياً وجسدياً أيضاً حين لا تنفصل النفس عن العقل ولا ينفصل الجسد عن النفس. وبعد أن يتحد الانسان مع نفسه [الجسد والنفس والروح] عندئذ يتحد مع الروح القدس الذى صار شريكاً معه وعندئذ يكمل ما قاله داود النبى «انا قلت إنكم آلهه وبنو العلى كلكم» مز 82: 6. فهؤلاء هم بنو العلى الذين خلقوا على صورته ومثاله [تك 1: 26] فنحن صرنا أبناء الله بالروح القدس [يو 3: 8] لأن الرب قال «كما أن الغصن لا يقدر أن يأتى بثمر من ذاته إن لم يثبت فى الكرمه كذلك أنتم ايضاً إن لم تثبتوا فىّ.... بهذا يتمجد أبى أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذى» يو 15: 4 و8 وكما أن الآب ثابت فى الابن [يو 14: 10] والابن كائن فى حضن الآب بالطبيعة [يو 1: 18] هكذا الذين ولدوا من جديد خلال الروح القدس [يو 3: 3 و5] وبنعمته صاروا اخوة للمسيح الهنا وأولاداً لله وآلهه بالتبنى فهم بالنعمة يثبتون فى الله والله يثبت فيهم [1يو 4: 12].

3 - حين أسجد للحال أرى النور غير المادى يشرق فىّ ويملأ عقلى ونفسى وعندئذ يملأنى الدهش لهذا العجب. وحين أصير ذلك الدهش أتخاطب مع النور ثم ينتشر النور على كل ما هو مظلم فى نفسى وينزع منى كل إهتمام أرضى. وينزع منى كل ما هو كثيف مادى وينزع أيضاً الثقل. الجسدى الذى يجعل أعضائى فى كسل وعدم حسّ. أى إجابه مدهشه لذلك!!

وإلى جانب ما يسكن فى نفسى من الفرح الروحى العظيم الذى لا ينطق به واللذه التى تفوق كل تذوق منظور فإنى أشعر بالحريه ونسيان كل الأفكار التى تخص هذه الحياه. وبطريقة عجيبه يكشف لى الرحيل من هذه الحياة. ولذلك يصير كل عقلى ونفسى مركزاً فى الفرح الذى لا ينطق به الذى لهذا النور.

قال أحد الأباء[55]:

لقد إنسكب النور المبهج الذى من مجده الطاهر. من هو الآب الروحى الذى يمنح البركه السمائيه؟ إنه قدوس القديسين يسوع المسيح ربنا. نحن الآن قد أتينا إلى ساعة غروب الشمس ولكن نور المساء الذى حولنا قد أشرق. وها نحن نسبح للآب والابن والروح القدس تلك التسابيح التى نرددها كل حين بلسان غير دنس لابن الله وحده الذى هو مانح الحياه فى كل العالمز لك المجد أيها الرب.

قال أحد الأباء[56]:

حينما يتحد العقل مع القلب فى الصلاة. وحين لا تتشتت أفكار النفس فى الصلاة فإن القلب ينعم بالدفء الروحى ويشرق فيه نو المسيح ويملأ الانسان الداخلى بالسلام والفرح.

2 - التحول:

كل من يقترب من الله ويريد بالحق أن تكون له شركة مع المسيح فإنه يجب أن يطلب ذلك الهدف وهو التغيير من الحالة الأولى لكى يصير إنساناً جديداً ولا يحمل شيئاً من الأنسان العتيق «إذاً إن كان أحد فى المسيح فهو خليقه جديده. الأشياء العتيقه قد مضت. هوذا الكل قد صار جديداً» 2كو 5: 17. لأنه بالحقيقة قد جاء ربنا يسوع المسيح لهذا الهدف لكى يعيد ويحول ويجدد الطبيعة البشريه ويعيد خلقة النفس التى إنحرفت بالشهوات خلال الخطايا. فهو قد جاء لكى يوحد الطبيعة البشريه مع روحه القدوس. وعندئذ يصير للانسان عقل جديد ونفس جديده وعينان جديدتان ولسان روحى جديد، وباختصار يصير إنساناً جديداً. ولذلك جاء المسيح لكى يعمل فى أولئك الذين يؤمنون به فيصيرهم أوانى جديدة ويمسحهم بنوره للمعرفه ويسكب عليهم خمراً جديدة هو روحه القدوس. لأنه يقول لهم الخمر الجديدة [الروح القدس] يجب أن توضع فى زقاق جديدة [الانسان الجديد] مت 9: 17.

القديس مكاريوس.

قال أحد الأباء[57]:

إن النفس التى تتأمل فى الامثله التى قالها المسيح وتتجاوب مع النعمه التى فى الأسرار فإنها ترى ذاتها تتحول. وهذا التحول هو الفضيلة الحقيقية والتقديس الحقيقى اللذان يسكنان فى الاراده عن طريق سر الميرون المقدس.

قال أحد الأباء[58]:

إن الانسان يأتى إلى نهاية المخلوقات عن طريق اتحاده مع كل المخلوقات وذلك عن طريق الاتحاد مع الله الذى هو علة كل الموجودات. وعندئذ يستطيع الانسان أن ينمو ويتدرج فى الاتحاد مع الله والصعود الدائم اليه خلال الحديث الطاهر. وعندئذ تتحد السماء مع الأرض خلال حياة الفضيلة التى تشبه الحياة الملائكيه. وهذا هو اتحاد الطبيعة المنظورة مع غير المنظورة خلال قوة النعمة فيرى الانسان كل الأشياء فى الله أولاً كأنها منبعثه من الله إلى الوجود ثم يرى ثانيه رجوع الاشياء مرة ثانيه لله كأنه نهاية كل المخلوقات المتحركه وهو هدفهم الثابت لسر وجودهم. وهذا هو نهاية كل قاعدة وقانون وهو أن الله هو هدف كل كلمة وكل فكر وكل طبيعه وهو الثابت غير المحدود الذى هو هدف كل المخلوقات.

قال أحد الأباء[59]:

كما أن الملائكة قد عينوا لكى يخدموا الله الخالق. وعملهم الوحيد هو أن يكونوا تحت السلطة. هكذا الانسان لم يخلق لكى يستعيد ويُساد بل لكى يسود هو على كل ما هو على الأرض.

قال أحد الأباء[60]:

إن الله قد وضع الانسان عظيماً فى خلقته على الأرض وجعله ملاكاً جديداً. وأشركه معه فى العبادة وسلطه على الخليقه المرئيه. ولكنه جعله جزءاً من الخليقه العاقله. وجعله ملكاً على كل ما على الأرض ولكنه خاضع لله الملك الفوقانى.

ولقد أوجد الله فى الانسان الروح والجسد. فالروح بسبب النعمة التى أعطيت له حتى يستمر فى الحياة التى يمجد به الله مانح النعمه. والجسد لكى يتذكر ضعفه وضرورة إصلاحه إذا ما تكبر وسقط.

رابعاً – القيامة:

1 - المجد:

قال أحد الأباء[61]:

إن الله هو الفرح الأبدى المملوء بالمجدز والمجد هو الاعلان الداخلى للكمال الداخلى. إن الله قد أعلن ذاته خلال الأجيال مع الابن والروح القدس. وهذا الثالوث المتحد هو إعلان عن المجد غير المدرك وغير المتغير. الله الآب هو «أبو المجد» أفسس 1: 17 وابن الله هو «بهاء المجد» عب 1: 3. وكمال مجد الآب للعالم هو الروح القدس لأن روح الله «روح المجد» 1بط 4: 14. إن الله يحيا فى مجده الذاتى فى سعادة كامله فوق كل مجد ولا يحتاج إلى شهود لذلك ولا يقبل أى انقسام. ولكن من أجل نعمته ومحبته الأبديه فهو يرغب ان يشارك البشر فى البركه ويجعل الانسان يشاركه فى مجده. لذلك فهو يعلن كماله الأبدى لخليقته. وهكذا فإن مجده معلن فى القوات السمائيه ومعلن أيضاً فى الانسان. لأن يعطى جسده لأولئك الذين لهم شركة مع. وحين يأخذون من مجده فهم يرجعون ذلك المجد له ثانية. وهذه الحركه الأبديه للمجد الالهى تحوى حياة البركة وسعادة كل الخليقة.

ذهب الأنبا لوط إلى الانبا يوسف وقال له: ماذا أفعل يا أبى لاننى رنمت مزامير قليله حسب قدرتى وصليت كذلك قليلاً، وصمت قليلاً، وصلواتى وتأملاتى فى البريه هى قليله حسب قدرتى؟

وعندئذ وقف الشيخ ورفع يديه نحو السماء ثم تحولت يديه كما لو كانت عشرة مصابيح مضيئه من النار وقال له: إذا رغبت إجعل كل كيانك مثل النار.

عن كتاب حكمة أباء البرية.

قال أحد الأباء[62]:

بهذه الاستضاءه يحيا الانسان المطوب وفى لحظة الموت لا يفارق النور والانسان التقى دائماً يمتلك النور ويأتى إلى الحياة الأبدية وهو مشرق. وفى وقت الدينونة العامه سيجرى إلى ذاك الذى كان معه كل الوقت. وسيتحدث الله مع كل من حفظ جسده وسوف ترتبط العظام والاعضاء بالرأس. وحينما يأتى وقت التحرر من الجسد فإن أولئك الأتقياء سوف يسرعون للمسيح بفرح لا يعبر عنه حتى يحصلوا على مكانهم المناسب كما قال بولس الرسول «الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضاً معه» 1تس 4: 14 ولن يستطيع أى شئ بشرى أن يؤخر ذلك الاختطاف لأن المسيح نفسه سوف يأخذهم ولن يخضعوا لسلطان الزمن.

2 - القيامة:

قال أحد الأباء[63]:

بالنسبه لكم أيها الأحباء لا يوجد أى شك بخصوص قيامة الموتى، لأن فم الله الحى قد شهد بذلك قائلاً «أنا ميت وأحيى» تث 32: 39. وهكذا فإن كلا من الموت والحياة قد خرج من فم واحد. وكما أننا نحن متأكدون أننا سنموت – كما حدث لمن ماتوا قبلنا – هكذا يجب أن نؤمن أنه سيصنع حياة. وفى يوم القيامة فإن الجسد سيقوم بالتمام وسوف تأخذون من الرب مكافأة ايمانكم وثمرة ايمانكم أنكم سوف تفرحون وتبتهجون.

يوجد نوعان من الموت ولذلك يجب أن تكون هناك قيامتان. أما المسيح فهو قد مات موتاً واحداً فقط لأن المسيح لم يخطئ ولكنه مات من أجلنا نحن لأنه لم يخضع للموت لأنه يرتكب أى خطيه. ولذلك من موت المسيح الواحد قام إلى القيامه الواحده. أما نحن الذين متنا مرتين [الأولى بالخطيه والثانيه بالجسد] فإنه توجد لنا قيامتان. وحتى الآن نحن قمنا مرة واحده فى المعموديه للخلاص من خطايانا. أما القيامة الثانيه فهى قيامة الجسد. وكما أعطانا الله القيامة العظيمة التى هى القيامة من الخطيه بالمعمودية هكذا نحن ننتظر القيامة الثانية. والقيامة الأولى فى المعمودية هى أعظم من القيامة الثانية التى للجسد لأنه شئ عظيم أن نتخلص من خطايانا من أن يرى الجسد القيامة وإذا كانت الخطيه هى سبب سقوط الجسد فإن خلاص هذا الجسد بالتمام يستتبع قيامة ذلك الجسد.

القديس يوحنا فم الذهب.

قال أحد الأباء[64]:

إن الاحتفال بأسبوع الالام مملوء مجداً وبالحق إن هذا المجد يعم كل الشعب المسيحى. وإن كثيرين يشتركون فى فرح الاحتفال بهذا الأسبوع. وليس الانسان الذى على الأرض هو فقط الذى يفرح بهذا الأسبوع ولكن أيضاً القوات السمائيه تتحد معنا فى فرحة الاحتفال بقيامة المسيح. لأن الملائكه والقوات ورؤساء الملائكه يصنعون إحتفالات مقدسه فى ذلك اليوم وينتظرون رجوعنا المنتصر من الأرض التى هى للمسيح ربنا الذى هو ملك السماء. والعديد من القديسين يفرحون أيضاص بقيامة المسيح المولود قبل الدهور «شعبك منتدرب فى يوم قوتك فى زينة مقدسه من رحم الفجر لك طل حداثتك» مز 110: 3 وهكذا فإن الأرض تفرح لأنها قد إغتسلت بالدم المقدس. والبحر يفرح لأنه تقدس بأقدام المسيح التى مشيت على الماء. وأكثر من هذا يجب على كل نفس ولدت مرة ثانية من الماء والروح أن تفرح لأنها قد تخلصت من اللعنه القديمه.

إشراقى يا أورشليم من أجل مجد الرب الذى أضاء عليك. إفرحى وتهللى يا صهيون. وأنت يا أم الله غير الدنسه امتلئى بالفرح فى يوم قيامة إبنك لأن المسيح قد قام وهزم الموت وأقام الموت. إفرحوا يا جميع أمم الأرض. إشرقى إشرقى يا أورشليم الجديدة لأن مجد الرب قد أضاء عليك. أصرخى وأفرحى يا صهيون وأنت يا أم الله الطاهرة وابتهجى فى قيامة ذاك الذى ولدتيه. فى ذلك اليوم تفرح كل الخليقه وتبتهج لأن المسيح قد قام وتحطم الجحيم.

أيها المسيح كم أنت نبيل ومخلص، وحلو هو صوتك لأنك منحتنا وعداً بأن تقيم معنا إلى الأبد. ونحن المؤمنين نتمسك بذلك الوعد لأنه أمل النجاه. وهكذا نحن نبتهج ونفرح فى ذلك اليوم لأن الرب قد حطم الجحيم وأقام أولئك الذين كانوا مقيدين فيه لأجيال طويله.

القديس يوحنا الدمشقى.

قال احد الأباء[65]:

إن أغلب البشر يؤمنون بقيامة المسيح ولكن قليلون هم الذين نالوا الرؤيه الواضحه لها. والذين ليس لديهم الرؤيه لا يستطيعون أن يقدموا الخشوع للرب يسوع المسيح. دعنا نعبد الواحد القدوس الذى هو الرب يسوع الذى هو وحده بلا خطيه. إن الروح القدس يحثنا أن نقوم مع المسيح. إن المسيح قد قام منذ سنين كثيرة. ومع كوننا لم نر تلك القيامة إلا أن الكتاب المقدس أخبرنا بذلك وهو لم يكذب علينا ولكنه يتحدث الحق. ولذلك يجب أن تأخذ قيامة المسيح مكانتها فى كل واحد منا نحن الذين نؤمن كل لحظة بقيامة المسيح فينا حتى يتألق النور فينا ويكسونا «الرب قد ملك. لبس الجلال. لبس الرب القدره. إئتذر بها» مز 93: 1 ويشرق النور فينا كأنه من الصباح الباكر. إن قيامة الرب هى التى تمنحنا أن نرى الرب القائم نفسه وعندئذ نقول «الرب هو الله وقد أنار لنا» مز 118: 27 وعندئذ نلمح مجئ الرب الثانى ونضيف تلك الكلمات «مبارك الآتى باسم الرب» مز 118: 26 وهكذا فإن أولئك الذين أعطاهم المسيح النور عندما قام وظهر لهم ظهوراً روحياً وكشف لهم مجد القيامة. وحين يحدث معنا ذلك خلال الروح فإنه يكون قد أثامنا من الموت وأعطانا حياة. إنه يمنحنا أن نراه هو غير الفاسد. وأكثر من هذا فإنه يمنحنا أن نعرفه بوضوح ذاك الذى يقيمنا ويمجدنا معه كما يشهد بذلك الكتاب المقدس.


[46] - الأب سمعان اللاهوتى.

[47] - الأب يوحنا من كرونستات.

[48] - الأب مكسيموس المعترف.

[49] - الأب سمعان Simon Metaphrastes.

[50] - الأب نيقولاوس.

[51] - الأب سمعان اللاهوتى.

[52] - الأب ناساروس Nasarus of Valaam.

[(+)] – صلاة الأمانة التى يقولها الشماس فى نهاية القداس « أؤمن أؤمن أن هذا هو بالحقيقة آمين. أطلبوا عنا وعن كل المسيحيين الذين قالوا لنا من أجلهم، إذكرونا فى بيت الرب. سلام ومحبة يسوع المسيح معكم. رتلو بنشيد الليلويا. صلوا من أجل التناول باستحقاق من الأسرار المقدسة الطاهرة والسمائية».

[54] - الأب سمعان اللاهوتى.

[55] - الأب فوس هيلارون Phos Hilaron.

[56] - الأب سيراثيم من سيراف.

[57] - الأب نيقولاوس Nicolas Cabasilas.

[58] - الأب مكسيموس المعترف.

[59] - الأب اغريغوريوس بالاماس.

[60] - الأب نيقولاوس.

[61] - الأب فيلارات من موسكو.

[62] - الأب نيقولاوس.

[63] - الأب أفراهات.

[64] - الأب بروكلاس بطريرك القسطنطينيه.

[65] - الأب سمعان اللاهوتى.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات