الأصحاح الأول – تفسير الرسالة إلى رومية – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: تفسير الرسالة إلى رومية – القمص تادرس يعقوب ملطي. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

مقدمة في الرسالة روما

يرى البعض أن كلمة "روما" من أصل يوناني تعني "قوة"، وكانت تستخدم بمعنى "مع السلامة"، إذ تعني "ليكن لك صحة قوية[1]"؛ ويرى البعض أنها تعني "مرتفع". وربما دُعيت هكذا لسببين: أولاً لأن رومليوس أسسها عام 753 ق. م. فحملت اسمه، وأيضًا لأنها بنيت على مكان مرتفع على أكمة من الآكام السبع هناك. وقد اتسعت لتمتد فتشغل كل الآكام. وفي منتصف القرن السادس ق. م أحيطت بسور يضم المدينة كلها مع ضخامتها، محيطة حوالي خمسة أميال، به 19 بابًا.

اتسع نطاقها ونفوذها حتى صارت عاصمة الدولة الرومانية التي استولت على حوض البحر الأبيض المتوسط كله، فتزايد عدد سكانها جدًا حتى أقيمت المنازل خارج السور أيضًا. صارت روما ملتقى ساسة العالم وقادته، ومركزًا للعلوم والآداب والفلسفة، اشتهرت على وجه الخصوص بالقانون الروماني الذي لا يزال يُدرّس في أغلب جامعات العالم. وكبلدٍ مفتوحٍ امتلأت روما بالخزعبلات والرجاسات الوثنية وقبائحها، قادمة من كل العالم، يظهر ذلك بوضوح مما جاء في الأصحاح الأول من هذه الرسالة.

يُقدر سكان روما في القرن الأول بحوالي 2 مليون، وإن كان هذا التقدير يعتبر مبالغ فيه[2]، ثلث سكانها كانوا من الرقيق. وقد ضم سكانها جنسيات متعددة. وكان بالمدينة عدد كبير من اليهود الذين قادهم بومباي القائد الروماني أسرى حينما استولى على سوريا سنة 63 ق. م وأسكنهم قسمًا من المدينة. ثم تحرر هؤلاء اليهود، وتكاثروا حتى أصبحوا حوالي 16 ألف نسمة في عهد الرسول بولس. وكان هؤلاء اليهود في سلام وراحة معظم وقتهم في روما، إلا في عهد طيباريوس سنة 19م، وفي عهد كلوديوس قيصر سنة 49م الذي أمر بطردهم جميعًا من روما (أع 18: 2). ومما يدل على كثرة هؤلاء اليهود أنه لما مات هيرودس الكبير جاءت لجنة من اليهود إلى روما لتستعطف أوغسطس قيصر، فخرج لاستقبالها حوالي ثمانية آلاف رجل من أعيان اليهود بالمدينة، وكان لليهود في روما أكثر من 13 مجمعًا، وكانوا طائفة تميل إلى إحداث الفتن والثورات[3].

نشأة المسيحية بروما.

لم يذكر العهد الجديد شيئًا عن تأسيس هذه الكنيسة، كما لا يُعرف من الذي قدّم الشعلة الأولى للإيمان هناك، لكننا نلاحظ في نشأة المسيحية بروما الآتي:

1. جاء في سفر أعمال الرسل أنه في يوم الخمسين حضر يهود أتقياء من كل أمة، من بينهم "رومانيون مستوطنون يهود ودخلاء" (أع 2: 10)، هؤلاء قبلوا الإيمان بالسيد المسيح وعادوا من أورشليم إلى روما يكرزون بين إخوتهم اليهود. لهذا يرى غالبية الدارسين أن كنيسة روما في بدء انطلاقها كان معظمها من أصل يهودي حتى وقت بعث رسالة القديس بولس إليهم. لهذا نجد الرسالة موجهة بالأكثر إلى اليهود المتنصرين أكثر من الأمم المتنصرين، هذا وقد أعطى هذا الوضع انطباعًا في ذهن قادة الرومان أن المسيحيين ليسوا إلا طائفة يهودية منشقة عنهم.

2. إذ تميزت الدولة الرومانية بالحرية وسهولة الانتقال فيما بينها، خاصة بين البلدان المختلفة والعاصمة، وكانت روما ملتقى كبار القادة والمعلمين والتجار، فقد دخلها بلا شك جماعة من المعلمين والتجار المؤمنين سواء من أصل يهودي أو أممي، جاءوا يحملون في قلوبهم شعلة الإيمان المتقد، يكرزون ويشهدون للرب. من بين هؤلاء أُناس سمعوا تعاليم القديس بولس في بعض مدن آخائية ومكدونية في بلاد اليونان وفي مدن آسيا الصغرى وآمنوا بهذه التعاليم. ويؤكد ذلك سلام القديس بولس على كثيرين ذكرهم بأسمائهم في الأصحاح الأخير من الرسالة، مما يدل على أنهم كانوا من تلاميذه ومعارفه، مع أنه لم يكن قد ذهب إلى روما قبل كتابة الرسالة.

3. إذ طُرد كثير من اليهود إن لم يكن جميعهم من روما بأمر كلوديوس إلى مدن أخرى ثم عادوا إليها مرة أخرى، كان بعضهم قد آمن بالسيد المسيح، مثال ذلك أكيلا وبريسكلا اللذان التقيا مع الرسول بولس في كورنثوس (أع 18: 1 - 2). وآمنا على يديه، وكان يشترك معهما في صناعة الخيام... هذان وغيرهما قد اشتركوا في تأسيس الكنيسة هناك (رو 16: 5).

4. واضح من الرسالة أن أحدًا من الرسل لم يكن قد أنشأ هذه الكنيسة حتى كتابة هذه الرسالة، فقد كان مبدأه: "كنت محترصًا أن أُبشر هكذا، ليس حيث سُميَ المسيح، لئلا أبني على أساس آخر" (رو 15: 20)، وإذ يكتب في نفس الرسالة معلنًا شوقه الشديد للتوجه إليهم وأنه مُنع مرارًا، وأخيرًا قرر زيارتها (رو 1: 9 - 10؛ 15: 22، 24) هذا يؤكد أن أحدًا من الرسل لم يكن قد زار روما من قبل.

5. كان الرسول بولس يشعر أنه رسول الأمم (غل 2: 7، 11)، لذا أحس بالمسئولية تجاه هذه المدينة كعاصمة العالم الأممي في ذلك الحين. لذا أرادها مركزًا من مراكز خدمته، وأنه مدين لهم بالكرازة (1: 13 - 14).

6. يرى غالبية الدارسين في الغرب والشرق أن القول بأن القديس بطرس الرسول قد أسس هذه الكنيسة وبقي على كرسيها حوالي 25 عامًا لا يمكن قبوله[4]، فمن جهة كان القديس بطرس حاضرًا في أورشليم حتى المجمع الرسولي المنعقد عام 50 م تقريبًا (أع 15)، وكان في أنطاكية عام 55 م حيث اجتمع بالقديس بولس هناك (غل 2: 11)، وكان في بابل حين كتب رسالته الأولى حوالي عام 60 م (1 بط 5: 13). هذا ولو أن القديس بطرس قد أسس الكنيسة هناك عام 41 م كما ظن البعض لما كتب الرسول هذه الرسالة، وإن كتبها لما قال أنه لا يبشر حيث سُمي المسيح لئلا يبني على أساس لآخر (15: 20)، ولكان ذكر اسمه في الرسالة أو سلّم عليه.

زمان ومكان كتابتها.

كتب الرسول هذه الرسالة وهو يتوقع زيارته لروما، وقد قرر ذلك في طريقه إلى أسبانيا (رو 15: 23 - 24)، وذلك بعد ذهابه إلى أورشليم حاملاً معه عطايا مسيحيي مكدونية وآخائية إلى إخوتهم فقراء أورشليم (رو 15: 25 - 26؛ 1 كو 16: 1 - 16؛ 2 كو 8: 1 - 4). بهذا يكون قد كتبها أثناء رحلته التبشيرية الثالثة من كورنثوس في بيت رجل اسمه غايس، وصفه الرسول: أنه "مضيفي ومضيف الكنيسة كلها" (رو 16: 23)، وهو أحد اثنين قام الرسول بتعميدهما.

أملاها الرسول على ترتيوس[5] (رو 16: 22)، وقد حملتها إلى روما الشماسة فيبي، خادمة كنيسة كنخريا[6] (15: 1) ميناء شرقي كورنثوس.

إذ ذهب الرسول بولس إلى أورشليم في ربيع عام 58 م، لذا يرى غالبية الدارسين أنها كُتبت ما بين عامي 57، 58 م.

أعضاء الكنيسة الأولى[7].

لا يمكننا أن نفهم غاية هذه الرسالة وندرك عمق معانيها ما لم نتعرف على نوعية أعضائها، هل كانوا من اليهود المتنصرين؟ أو من الأمم المتنصرين؟ أو كانوا خليطًا من الاثنين؟

الرأي الأول: لمدرسة توبنجن Tubingen وE. Renan وT. Zahn وW. Manson وF. Leenhardt أن الغالبية العظمى للأعضاء من اليهود المتنصرين، وحجتهم في ذلك الرئيسية هي استخدام الرسول مقتطفات كثيرة من العهد القديم خاصة قصة إبراهيم داعيًا إيّاه "أبانا"، ويشعر القارئ أن الرسول في أغلب حديثه يتكلم مع من هم من أصل يهودي. هذا بجانب أن تعداد اليهود في روما في القرن الأول كان كبيرًا.

الرأي الثاني: نادى به J. Munck و وO. Michel وC. K. Barrett بأن الغالبية العظمى هم من أصل أممي، معتمدين على أن الرسول يحدثهم كرسول للأمم (1: 5 - 7، 12 - 14؛ 11: 11 - 13، 15: 16)؛ وأنه يقارنهم بغيرهم من سائر الأمم (1: 12 - 14). وحديثه لهم قائلاً: "قدمتم أعضائكم عبيدًا للنجاسة والإثم" (6: 19) يناسب من كانوا من أصل أممي لا يهودي، كما يخاطبهم "أقول لكم أيها الأمم" (11: 13).

الرأي الثالث: إنها كانت خليطًا من الصنفين، نادى به Headlam وSanday وDodd...

هذا ويمكننا القول بأن الكنيسة كانت تضم الصنفين، غير أن العنصر اليهودي كان غالبًا إلى حد كبير.

أهمية الرسالة وغايتها.

كان لهذه الرسالة أهميتها في الكنيسة الأولى، فقد جاء عن القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كان يقرأها مرتين أسبوعيًا.

1. نستطيع أن نتفهم أهمية هذه الرسالة ونتفهم ما حوته في داخلها من سبب كتابتها والظروف التي كانت تحيط بها. فقد آمن عدد ليس بقليل من يهود روما بالسيد المسيح، سواء كانوا يهودًا من أصل عبراني أو دخلاء من الأمم، كما آمن بعض الأمميّين الوثنيين المثقفين بفكر يوناني بربنا يسوع، وكان يلزم أن يلتقي الجميع بوحدانية الروح كأعضاء في جسدٍ واحدٍ،، لكن اليهود بتربيتهم المتزمتة، وتعصبهم الشديد لجنسهم وثقافتهم وفكرهم الديني، لم يقدروا أن ينزعوا أنفسهم بسهولة عن شعورهم بالامتياز عن غيرهم حتى بعد قبولهم الإيمان المسيحي، فكانوا يستخفون بالأمميّين المتنصرين تحت دعوى:

1. أنهم أبناء إبراهيم، أصحاب الوعد كنسل إبراهيم.

2. أنهم مستلمو الناموس الموسوي دون سواهم.

3. أنهم شعب الله المختار وحدهم.

خلال هذا الفكر الذي عاشوه في ماضيهم اليهودي تأصل فيهم الكبرياء عن عدم فهم للبنوة لإبراهيم ولا غاية الناموس ولا معنى اختيار الله لشعبه. فظنوا أنهم حتى بعد قبول الإيمان بالمسيا المخلص يبقون في مرتبة أسمى من غيرهم.

هذا، ومن جانب آخر فإن بعض الأمميّين المتنصرين أخذوا موقفًا مضادًا كرد فعل للفكر اليهودي، فنظروا لليهود كشعبٍ جاحدٍ وأن الباب قد أُغلق بالنسبة لليهود لينفتح لهم على مصراعيه، الأمر الذي يعرضهم هم أيضًا للكبرياء.

خلال هذه الظروف جاءت الرسالة موجهة إلى الطرفين لتعالج قضايا إيمانية حيّة وسلوك روحي إيماني يمس حياة الكنيسة عبر الأجيال كلها، فحدثنا الرسول عن عمومية الخلاص. وأن الباب قد انفتح للأمم جميعًا خلال الإيمان الحيّ العامل بالمحبة، فقدم لنا الرسول بوحي الروح القدس مفهوم الإيمان وارتباطه بالخلاص، كما كشف لنا عن قلبه الرسولي المتفجر بالحب نحو المسيّا ونحو البشرية كلها التي مات المسيح عنها. وفي نفس الوقت عالج مشكلة الكبرياء سواء في حياة اليهود أو الأمم، والتقديس، والحياة الإيمانية العملية خلال العلاقات العامة والعلاقة بالنفوس الضعيفة، وعلاقة المؤمن بالمجتمع الخ. لقد قيل عن هذه الرسالة أنها "كاتدرائية الإيمان المسيحي"، تدخل بالمؤمن إلى مقدسات الله الفائقة، وترفعه خلال مذبح الإيمان الحيّ العملي إلى الالتقاء بالآب السماوي في الابن الوحيد المبذول، وذلك بعمل الروح القدس.

رأى البعض في الرسالة أنها جاءت لتقف في وجه أنصار "حركة التهوّد" التي تدفع بالمؤمنين إلى العودة لأعمال الناموس الحرفية كالختان والتطهيرات والغسالات الموسوية والتزام الأمميّين بالتهوّد قبل تنصرهم؛ أو جاءت هذه الرسالة بهدف المصالحة بين الفريقين من اليهود المتنصرين والأمميّين المتنصرين. لكن في الحقيقية لم يقدم الرسول هذه الرسالة بطريقة دفاعية، ولا لمجرد عمل مصالحة، إنما قدمها كمقال يمس إيمان الكنيسة ويعبِّر عن الحياة الإنجيلية بدقة بالغة، حتى دُعيت هذه الرسالة: "إنجيل بولس".

2. من أهداف هذه الرسالة إعلانه عن زيارته لروما بعد اشتياقات ومحاولات كثيرة. جاءت هذه الرسالة تمهد لمجيئه بعرضه إنجيل ربنا يسوع الذي قبلته الكنيسة الأولى من خلال نظرة معينة هي انفتاح باب الخلاص لكل الشعوب والأمم. مهّد الطريق حتى متى جاء لا يحتك بطالبي التهوّد، أصحاب الفكر الضيق. ولعلّه قد كتب هذه الرسالة بعد أن بلغته أخبار الكنيسة في روما من تلاميذه ومعارفه هناك، فأراد معالجة الأمور كتابة قبل مجيئه.

مشكلة الأصحاح السادس عشر.

يمثل الأصحاح السادس عشر مشكلة بالنسبة لبعض الدارسين، إذ يحسبونه غير منسجم مع بقية الرسالة، وأنه قد أضيف إلى الرسالة مأخوذًا ربما عن رسالة كتبها الرسول إلى أفسس، مقدمين الحجج التالية[8]:

أولاً: لم يكن قد زار الرسول بعد روما، فبعث تحيات لعددٍ كبيرٍ من الناس في الكنيسة يناسب بالأكثر مدينة أفسس التي خدمها الرسول وليس مدينة روما. يرد على ذلك بعض الدارسين بأنه ليس من سياسة القديس بولس أن يذكر تحياته لأشخاص معينين في كنائس قد خدم فيها، إذ يحسب كل مخدوميه أحباء له بلا محاباة أو تمييز، وأنه يليق بالأكثر أن يذكر هذه القائمة بخصوص الكنيسة التي في روما لعدم معرفته لبقية الأعضاء بصفة شخصية، ولكي يشجع المعروفين لديه على الخدمة.

ثانيًا: أُشير إلى بريسكلا وأكيلا وإلى الكنيسة التي في بيتهما في) 1 كو 16: 19 (التي كُتبت في فترة قصيرة قبل الرسالة إلى أهل روما، وأنهما كانا مقيمين في أفسس، وأيضًا يفهم من) 2 تى 4: 19 (أن بريسكلا وأكيلا كانا في أفسس أثناء كتابة الرسالة الثانية إلى تيموثاوس بروما قبيل استشهاده، فكيف يذكرهما كمقيمين في روما؟ (رو 16: 3) يرد على ذلك بأن اليهود رجال أعمال، وأن بريسكلا وأكيلا كانا غنيين تقيين، لهما أعمال تجارية في أكثر من مركز، وقد جعلا من بيتهما في روما وأيضًا في أفسس كنيستين. وبهذا فلا عجب أن تنقلا بين أفسس وروما. ويفترض بعض الدارسين أنهما كانا مقيمين بروما، ولما صدر أمر كلوديوس سنة 49 م بطرد جميع اليهود أوكلا عملهما لمن له جنسية رومانية ولم يغلقا بيتهما ولا عملهما حتى عادا إلى روما من جديد عندما استقر الأمر.

ثالثًا: جاء ذكر أبينتوس بكونه باكورة أخائية بآسيا (16: 5)، هذا اللقب يقدمه الرسول لمن هو في كنيسة أفسس بآسيا الصغرى لا لمن يقيم في روما. يرد على ذلك بأن الرسول إذ يذكره أنه باكورة كرازته في آسيا، يطلب منه وقد رحل إلى روما أن يرد الدين للرسول بكرازته هو للآخرين كما كرز له الرسول، فهو يشجعه على العمل بقوة وغيرة، مستغلاً كونه باكورة عمله في أخائية.

رابعًا: يفترض البعض بأن توصيته عن فيبي شماسة كنخريا (16: 1 - 2) تليق بالأكثر تقديمها لكنيسة معروفة لديه سبق فخدمها، لا لكنيسة لا يعرف أعضاءها بصفة شخصية. ويرد على ذلك أن الرسول بولس يدرك أن مثل هذا العمل يفرح قلب المؤمنين حتى وإن لم يعرفوه شخصيًا، إذ يشعرون أنه يتكلم معهم بدالة الحب الأبوي، هذا وبلا شك أن الكثيرين سمعوا عنه الرسول بولس وعن خدمته وغيرته الأمر الذي يعطيه دالة لمثل هذا الطلب.

خامسًا: نغمة التحذير الواردة في هذا الأصحاح (16: 17 - 19) لا تنسجم مع نغمة بقية الرسالة، إذ لم يسبق الحديث عن مثيري انقسامات وواضعي عثرات خلافًا للتعليم الذي تسلموه. ويرد على ذلك بأن الرسالة عالجت مشكلة مثيري حركة التهوّد، وإن كان الرسول قد عالج بطريقة موضوعية إيجابية، فلم يستخدم طريقة الدفاع ولا الهجوم، إنما العرض الإيجابي للفكر الإيماني السليم، وكان لائقًا أن يعرض لهؤلاء المثيرين للانشقاقات بسرعة عاجلة حتى لا ينفر اليهود المتنصرين منه.

سادسًا: يختتم الأصحاح الخامس عشر بذكصولوجية أو خاتمة يظهر منها أن الرسالة قد انتهت، إذ يقول: "إله السلام معكم أجمعين، آمين" (15: 33). ويرد على ذلك أنه ربما أراد أن يختم الجانب التعليمي والعملي العام، ليقدم أمورًا خاصة بكنيسة روما كما لو كانت ملحقًا لكنها جزء لا يتجزأ من الرسالة.

هذا وإن افتراض هذا الأصحاح جزءًا من رسالة مفقودة مرسلة إلى أفسس مجرد افتراض لا يُدعمه أي دليل تاريخي.

المواضيع الرئيسية في الرسالة.

1. الإيمان والخلاص المجاني.

عاش القديس بولس قبل الإيمان بالسيد المسيح في صراع داخلي مرّ، ففي الخارج يظهر إنسانًا معتدًا بجنسه وبرّه، بكونه عبرانيًا أصيلاً من شعب الله المختار، وفرّيسيًا وحافظًا للناموس، يمارس الطقوس في جدية ويحفظ الوصايا، لكنه في أعماق نفسه الدفينة متى صارح نفسه يجد أنه ضعيف للغاية أمام الخطية، وعاجز عن التمتع بالحياة المقدسة الداخلية، محتاج لا إلى وصايا وتعاليم بل بالحري إلى تجديد طبيعته.

وجد الرسول بولس في الإيمان وحده بربنا يسوع، لا بأعمال الناموس الحرفية من ختان وغسالات وتطهيرات، يُدفن مع المسيح ويقوم في مياه المعمودية ليصير "خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل صار جديدًا" (2 كو 5: 17).

اختبر الحياة الجديدة في المسيح يسوع لا كتغيير مظهري، ولا اعتناقًا لتعاليم جديدة، إنما ما هو أعظم: تمتع بقوة الإيمان الحيّ، وتغيير شامل في حياته الجديدة فيه تقديس للقلب والأحاسيس والعواطف والفكر وكل طاقات النفس والجسد بالروح القدس الذي يسكن فيه. هذا التغيير يتحقق خلال تغيير مركز الإنسان من حالة العداوة مع الله خلال ناموس الخطية إلى حالة البنوة لله في المسيح يسوع الابن الوحيد، الأمر الذي لن يمكن للناموس الموسوي أن يحققه، ولا لأعمال الناموس الحرفية الكثيرة.

حينما يتحدث الرسول هنا عن الإيمان وحده دون الأعمال، لا يتحدث عن الجهاد الروحي النابع عن الإيمان الحق، إنما عن الأعمال الناموسية في حرفيتها، فقد كان الخلاف بين عنصري الكنيسة الأولى من يهود متنصرين وأمميين متنصرين لا في أمر الجهاد الروحي وإنما "أعمال الناموس"، إذ طالب البعض من الفريق الأول التزام الأمميين أن يتهودوا أولاً بالختان وممارسة الغسالات والتطهيرات حتى يُقبلوا في الإيمان المسيحي. دُعى هذا الأمر بحركة التهوّد.

يهاجم الرسول بطريق غير مباشر هذه الحركة التي ترد الإنسان إلى حرفية الناموس ومظهرية إتمام أعماله، لذا ركّز على الإيمان. ويقصد به الإيمان الحيّ العامل بالمحبة، والذي به يرتبط المؤمن بربنا يسوع ويتحد معه (رو 6: 5)، ويتألم معه (1 كو 12: 16؛ رو 8: 17)، ويُصلب معه (رو 6: 6)، ويموت معه (2 تي 2: 11)، ويقوم معه (أف 2: 6)، ويحيا معه (رو 6: 8)، ويجلس معه (أف 2: 6)، ويتمجد معه (رو 8: 17)، ويملك معه (2 تي 2: 12)، ويرث معه (رو 8: 17).

2. عمومية الخلاص.

إيمان الرسول بولس بالسيد المسيح زعزع أساسات فكره المتعصب. فبعدما كان يعتنق أن العالم كله قد خُلق من أجل الرجل اليهودي لخدمته، أدرك حب الله الشامل لكل البشر بغض النظر عن جنسيته أو جنسه أو إمكانياته أو سلوكه؛ جاء لليهودي كما للأممي، للرجل كما للمرأة، للطفل وللشيخ، يطلب الخطاة والفجّار ليقدسهم له. جاء لأجل الجميع، لذا تكررت كلمة "جميع" أو ما يماثلها حوالي 70 مرة في هذه الرسالة.

يعتبر موضوع "عمومية الخلاص" هو الخط الرئيسي في كل الرسالة، يركز عليه الرسول بكل قوته، مفندًا الحجج اليهودية المتقوقعة حول الفكر اليهودي المتعصب، بطريقة روحية لا تثير اليهود حتى يكسبهم هم أيضًا مع كافة الأمم.

فنّد حجتهم أنهم أبناء إبراهيم أب الآباء، فطالبهم بالبنوة الروحية له بحمل إيمانه، ورفعهم إلى البنوة لله واهبة الحرية الداخلية. وفنّد حجتهم أنهم مستلمو الناموس، مُعلنًا أنه فضح خطاياهم وأعلن الحكم عليهم بالموت ليقودهم إلى المخلص واهب الحياة. وأخيرًا فنّد حجتهم أنهم شعب الله المختار، ليُعلن بسط الله ذراعيه للعالم كله ليضم له شعبًا لم يكن يعرفه، ويجعل من الأمم التي كانت غير محبوبة محبوبة له بإيمانها به بعد جحود طال زمانه. فالله خالق الكل، والمهتم بخلاص الجميع.

النعمة والتبرير والتقديس.

تكررت في هذه الرسالة هذه المصطلحات ومشتقاتها: النعمة، البرّ، القداسة الخ. ويلاحظ في الرسول بولس أنه لا يهتم بتقديم مفاهيم فكرية مجردة وتعاريف لمثل هذه المصطلحات، إنما تشعر وكأنه يود أن يدخل بكل مؤمن بالروح القدس إلى التمتع بهذه النعم والعطايا الإلهية، على عكس الدارسين المُحدِثين إذ يهتمون بالأكثر بتقديم تعاريف ويدخلون في أبحاث فكرية فلسفية معقدة أكثر من الخبرة الحيّة.

أولاً: النعمة Charisma.

إذ يعالج الرسول بولس موضوع "عمومية الخلاص" يكثر الحديث عن النعمة كمقابل لأعمال الناموس الحرفية، فقد أراد اليهود أن يتبرروا بأعمال الناموس، لكن جاء السيد المسيح ليهب النعمة المجانية لكل البشر للتبرير. "الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته كثيرة التي أحبنا بها، ونحن أموات بالخطايا أحيانًا مع المسيح، بالنعمة أنتم مخَلّصون... ليظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع، لأنكم بالنعمة مخَلَّصون بالإيمان وذلك ليس منكم، هو عطية الله، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أف 2: 4 - 9).

حاول بنيامين بريوري Benjamin Brewery أن يستنبط من كتابات العلامة أوريجينوس تعريفًا للنعمة الإلهية والتي استقاها العلامة أيضًا من كتابات الرسول، فقال:

[النعمة هي قوة الله المودعة في يديّ الإنسان مجانًا،.

لكنها لا تُعطى بدون شرط،.

وهي تهييء الإنسان بالروح القدس، ليقدم الخلاص للتمتع بالحياة الأبدية الجديدة النهائية،.

المعلنة والمدبّرة في الكتاب المقدس،.

بواسطة يسوع المسيح، والمقدمة للعالم كله[9].].

النعمة هي عطية الله الآب التي يقدمها لنا في ابنه يسوع المسيح، الذي حملنا فيه بالصليب لننعم بما له، ووهبنا روحه القدوس روح الشركة الذي يرفعنا كما بجناحيّ الروح إلى الأحضان الأبوية كأبناء مقدسين في الحق.

وقد جاءت كلمة "نعمة" Charisma مقابل "أجرة" opsonis، فالخطية أجرتها موت يقابلها النعمة هبتها الحياة الأبدية (6: 23؛ 5: 15). فما نناله من الله ليس أجرة عن عمل نمارسه، إنما هو هبة مجانية قدمها الله خلال ذبيحة الصليب، نابعة عن فيض حبه الإلهي. بهذا ارتبطت كلمة "النعمة" في ذهن الرسول بولس بعمل الله الخلاصي المجاني، غايتها أن ترفعنا من حالة ما تحت الناموس أي تحت حكمه إلى "حالة النعمة" (5: 2)، نعيشها بمركز جديد.

تُقدم هذه النعمة الإلهية المجانية للعالم كله بلا مقابل، وبلا قيود من جانب الله، لكن لا ينتفع بها المقاومون والعنيدون، إذ لا تنزع النعمة حرية الإرادة. من هنا نفهم الجهاد الروحي، إننا لا نقدمه كثمن للنعمة، وإنما كإعلان عن جدّية قبولنا وتجاوبنا مع نعمة الله المجانية؛ إنه ضروري لخلاصنا وبدونه خسر كثيرون نعمة الله المجانية؛ لكننا لا نحسب هذا الجهاد أو الأعمال الصالحة برًا ذاتيًا من جانبنا. إذن لنقبل نعمة الله ومبادرته بالحب. هذه النعمة تعمل فينا لتقديس مشيئتنا وأعمالنا، وبجديتنا في تقديس المشيئة والعمل ينفتح القلب أكثر لقبول العمل الإلهي، وهكذا نرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ، ونمارس الحياة المقدسة بجهادٍ وتعبٍ خلال النعمة المجانية.

هذا ويرى القديس بولس أن "النعمة" هي حالة يتمتع بها المؤمن الحيّ، الذي يقبل الإيمان بالمسيح بطريقة حيّة، أي إيمانًا عاملاً بالمحبة. هذه هي النعمة العامة المقدمة للجميع، لكن هناك نعم أخرى مجانية كنعمة الرسولية التي وهبت له (رو 15: 15) للكرازة بين الأمم.

كلمة "نعمة" Charisma تعبير عسكري، يستخدم عندما يتولى الإمبراطور العرش، أو يحتفل بعيد ميلاده، حيث يهب جنوده عطايا مجانية خلال كرم الإمبراطور وسخائه. وكأن السيد المسيح إذ ارتفع على عرش الصليب وملك على النفوس قدم "نعمة" لكل بشر، هي عمله الخلاصي الذي يتركز في حلوله في النفس لتثبيت الإنسان فيه بروحه القدوس، فينعم بالأحضان الأبوية. هذه هي عطيته: تمتع الإنسان بالثالوث القدوس في استحقاقات الدم الثمين، ليحمل الصورة الإلهية، وينعم بسمات سماوية فائقة.

يرى القديس البابا أثناسيوس الرسولي أن هذه النعمة الإلهية التي تجلّت في كمال قوتها بالصليب ليست بالأمر الجديد، فعند الخلقة بالنعمة أقام الله الخليقة من العدم إلى الوجود، وميّز الإنسان بنعمة خاصة دون سائر الخليقة، هي نعمة خلقته على صورة الله ومثاله، لكي يستطيع أن يبقى في الفردوس أبديًّا. يدعم ذلك نعمة الوصية التي وُهبت له كنعمة، حتى إذا ما بقي أمينًا في حفظه للوصية، أي تمتعه بالنعمة يحيا في الفردوس بلا حزن ولا ألم ولا قلق[10]. أما سرّ عدم الفساد فهو التمتع بالشركة في الكلمة الذي "فيه كانت الحياة" (يو 1: 4). أما وقد فقد الإنسان النعمة الإلهية بالعصيان، جاء الكلمة متجسدًا ليرد الإنسان إلى الخليقة الأولى بتجديد طبيعته بنعمة أعظم[11].

ثانيًا: التبرير Dikaisone.

يرى الكثير من الدارسين أن هذه الرسالة في جوهرها أشبه بمقال عن "التبرير". شغل موضوع التبرير الإنسان منذ سقوطه، فقد أحسّ بفشله في التبرر أمام الله، إذ قيل: "ليس بار ولا واحد" (رو 3: 10). خلال الناموس الطبيعي صرخ أيوب التقي: "فكيف يتبرر الإنسان عند الله؟" (أي 9: 2). وقال اليفاز التيماني: "من هو الإنسان حتى يزكو أو مولود المرأة حتى يتبرر؟ هوذا قديسوه لا يأتمنهم والسماوات غير طاهرة بعينيه؟ فبالحري مكروه وفاسد الإنسان الشارب الإثم كالماء" (أي 15: 14 - 16). ويقول بلدد الشوحي: "فكيف يتبرر الإنسان عند الله؟ وكيف يزكو مولود المرأة؟ هوذا نفس القمر لا يضيء، والكواكب غير نقية في عينيه، فكم بالحري الإنسان الرمة وابن آدم الدود" (أي 25: 4، 6). وفي عهد الناموس الموسوي يقول المرتل: "لأنه لن يتبرر قدامك حيّ" (مز 134: 2). وقد جاء علاج هذا الأمر في الإنجيل، خاصة في هذا السفر:

"متبررين مجانًا بنعمته، بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان لإظهار بره في الزمان الحاضر، ليكون بارًا، ويبرر من هو من الإيمان بيسوع" (رو 3: 24 - 25).

"فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص به من الغضب" (رو 5: 9).

"إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح" (غل 2: 16).

وإنني إذ لا أود الدخول في مباحثات فلسفية نظرية جافة فقد انشغل كثير من اللاهوتيين في الغرب بهذا الموضوع أقدم مفهومًا مبسطًا للتبرير أو التمتع ببرّ الله في المسيح يسوع بربنا.

كلمة "بار" من الجانب اللغوي في الأصل اليوناني تقترب جدًا من كلمة "عادل"، لهذا يرى البعض في البار كائنًا وقورًا، لكنه ليس بالضرورة جذّابًا، إذ هو عادل، لكنه ليس بالضرورة لطيفًا وحانيًا[12]، وربما استخدم الرسول هذا المعنى عندما قال: "فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت" (رو 5: 7)، غير أنه جاء التعبير في كتابات الرسول نفسه كما في بقية الكتاب المقدس يحمل معنى أوسع.

بالنسبة لله دُعي بارًا في العهد القديم خلال علاقته بنا بتقديمه أعماله الخلاصية للإنسان، إذ يقول: "أنا قد أنهضته بالبرّ (بالنصر)" (إش 46: 13)، "قريب برّي" (إش 51: 5)؛ وفي العهد الجديد يتجلى برّه في أعماله الخلاصية لحسابنا في المسيح يسوع: "لأن فيه معلن برّ الله بإيمان لإيمان" (رو 1: 16)، "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء" (1 كو 1: 30).

لعل الرسول بولس قد فهم "برّ الله" بمعنى أن الله بار في وعده، أمين في مواعيده، إذ يقول: "فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء؟ أفلعل عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟ حاشا! ليكن الله صادقًا وكل إنسان كاذبًا، كما هو مكتوب: لكي تتبرر في كلامك، وتغلب متى حوكمت" (رو 3: 3 - 4). وكأن الرسول يود أن يقول إن الله بار في وعده للإنسان بالرغم من انتزاع البرّ من البشرية بعدم تجاوبها مع عمله الخلاصي، وعدم قبولها وعوده عمليًا بالطاعة له. بهذا نفهم أيضًا العبارة أنه "ليس بار ولا واحد" (رو 3: 10؛ مز 14: 1 - 3، 53: 1).

الله بار في وعوده الإلهية نحو الإنسان الذي لم يستطع أن يكون بارًا لا بالطبيعة ولا تحت الناموس الموسوي، فإنه إذ يكسر وصية واحدة ولو بالفكر أو النيّة يُحسب كاسرًا للناموس فلا يتبرر. هذا ما أوضحه الرسول في الأصحاحات الثلاثة الأولى معلنًا أن الإنسان، يهوديًا كان أم أمميًا، صار في عوز إلى برّ الله، فماذا فعل اليهود؟ لقد حاولوا أن يتبرروا في أعين أنفسهم، حاسبين أن البرّ يكمن في انتسابهم لإبراهيم أبيهم جسديًا أو حفظهم لأعمال الناموس حرفيًا أو انتمائهم لشعب الله المختار أيّا كانت حياتهم. وكانت النتيجة أنهم سعوا وراء "برّ الناموس" الذي يقوم على حفظه شكليًا (رو 10: 22)، رافضين برّ الإيمان. وهنا يميز الرسول بين برّ الناموس الذي طلبه اليهود خلال الشكليات في كبرياء، وبرّ الإيمان الذي قدمه الله في ابنه يسوع المسيح للعالم كله. هذا التمييز سبق فأعلنه السيد المسيح لليهود، موضحًا أنهم يطلبون برّ الكتبة والفريسيين في رياء، ويرفضون برّ الله الذي وجده العشّارون والخطاة) مت 5: 20، 6: 33، 21: 3).

عاش آباؤنا بروح التمييز، يخشون طلب الإنسان بره الذاتي عوض البرّ بالإيمان الحيّ العامل بالمحبة. فقد جاء ربنا يسوع المسيح يهبنا بنعمته المجانية الدخول إلى بره والثبوت فيه، لكن ليس في رخاوة أو في إيمان لفظي بحت، إنما خلال الإيمان الحي العامل. فالبرّ هو ثمرة نعمته، لا عن استحقاق بشري ذاتي، نطلبه مجاهدين ليقدس إرادتنا وحياتنا العملية، مجاهدين بروحه القدوس، لكي ننطلق إلى "برّ المسيح" من عمق إلى عمق، لتكون لنا خبرات متجددة بروحه في برّ المسيح.

يفهم القديس أغسطينوس البرّ على أنه ملكية يمنحها الله للإنسان؛ فالبرّ في نظره ليس غفرانًا للخطايا مجردًا وامتناعًا عنها، وإنما قبول "برّ المسيح" كبرّ له. بمعنى آخر البرّ في سلبيته توقف عن الشر، وفي إيجابيته حمل سمات المسيح عاملة فيه. هذا أيضًا ما أعلنه القديس يوحنا ذهبي الفم عندما تحدث عن الحياة الفاضلة بكونها تحمل الجانبين السلبي والإيجابي: رفض الشر وعمل الصلاح.

أخيرًا، ما نود تأكيده أن البرّ ليس عملاً ذاتيًا أو فضيلة بشرية، إنما في إيماننا هو تجلي سمات المسيح في حياة المؤمنين المجاهدين بالروح والسالكين بالحق. هذا ما سنلمسه في دراستنا لهذا السفر، فإنه إذ يتحدث عن "البرّ في المسيح" يربطه بالسلوك الروحي العملي، تحت عنوان "اهتمام الروح" أي "بالسلوك بالروح القدس"، ورفض "اهتمام الجسد" أي الخنوع للشهوات الجسدية التي قد تسيطر حتى على النفس. هذا ويختم السفر بحديث طويل عن حياة البار العملية، مترجمة في عبادته وسلوكه الشخصي وعلاقته بالمجتمع خاصة صغار النفوس والضعفاء. وكأن الرسول يود تأكيد أن البرّ بالإيمان هو خبرة عملية حيّة تتجلى في كل جوانب حياة الإنسان.

ثالثًا: التقديس agiacmos.

القداسة سمة خاصة بالله نفسه الذي يدعو نفسه "القدوس" (لا 11: 44 - 45، 20: 26، 22: 2؛ 1بط 1: 16)، يسكب هذه السمة على خليقته المحبوبة لديه فيحسبهم قديسين، ناسبًا نفسه إليهم بدعوته "قدوس القديسين" (دا 9: 24)، ويسمى شعبه سواء في العهد القديم أو العهد الجديد "أمة مقدسة" (خر 19: 6؛ 1 بط 2: 9).

القداسة هي هبة إلهية تُعطى لمؤمنيه، أو نعمة مجانية تُقدم لأولاد الله المجاهدين لكي يصيروا على شبه أبيهم القدوس، إذ "هذه هي إرادة الله قداستكم" (1 تس 4: 3)، أو كما يقول الرسول: "لكي نشترك في قداسته" (عب 12: 10).

إن كان الروح القدس يسمى "روح القداسة"، فإن الله يهبنا الحياة المقدسة بروحه القدوس الذي يدخل بنا إلى الثبوت في المسيح القدوس، فنحمل سماته فينا، ويتحقق فينا القول أن نكون قديسين كما أنه قدوس (لا 11: 44؛ 1 بط 1: 16).

هذه الهبة المجانية تعطى للمجاهدين بالرب، لا ثمنًا لجهادهم، وإنما من أجل تجاوبهم مع فيض نعمته المجانيه، ليسلكوا في القداسة لعلهم يبلغون إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13). لذلك يقول العلامة أوريجينوس أن الرسول يدعو المؤمنين المجاهدين "مدعوّين قديسين" (1: 7) ليس لأنهم بلغوا الحياة المقدسة في كمالها وإنما لأنهم يسيرون فيها مشتاقين البلوغ إلى كمالها.

الاختيار وحرية الإرادة.

يتعثر بعض البسطاء عند دراستهم للأصحاح التاسع من هذه الرسالة، إذ يفسرونه مستقلاً عن ظروف كتابته ويبترونه عن بقية الرسالة فيحسبون أن الله عنده محاباة يختار من يشار ويرفض من يشاء، بناء على العبارات:

"ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم" [16]؛

"يرحم من يشاء، ويقسي من يشاء" [18]؛

"أم ليس للخزّاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان!" [21].

وإن كنا سنعالج هذه النقطة بشيء من التفصيل عند دراستنا لهذا الأصحاح، لكن ما نود تأكيده هنا هو الآتي:

1. لا يعالج الرسول في هذا الأصحاح مشكلة حرية الإرادة، بل حق الله في اختيار الأمم كما سبق فاختار اليهود؛ لقد رحم الآخيرين دون فضل من جانبهم سوى رحمة الله، هذه المراحم لها حق العمل في غيرهم أيضًا.

2. يؤكد الرسول في صلب الرسالة عينها حرية الإرادة الإنسانية وتقديس الله لها، مكرمًا الإنسان كشخصٍ له إرادة حرة، هي هبة من عند الله.

3. يرحم الله المؤمن ليس كأجرة أو كثمن لمشيئته وسعيه، لكنه في نفس الوقت يسألنا أن نشاء وأن نسعى بنعمته فننال رحمته المجانية.

4. للخزّاف سلطان لكنه يود أن يكون الكل آنية للكرامة، فإن رفض الإناء الكرامة تمجد الله فيه حتى وهو إناء للهوان، كما تمجد في فرعون خلال قسوة قلبه.

أقسامها.

الباب الأول: حاجة الكل للخلاص ص 1.

1. مقدمة الرسالة 1.

الباب الثاني: الجانب التعليمي ص 2 - 11.

2. حاجة اليهودي للخلاص 2.

3. حاجة الكل للخلاص 3.

* اليهودي وبرّ الله ص 4 - 10.

1. الاتكال على أُبوة إبراهيم 4 - 6.

2. الاتكال على استلام الناموس 7 - 8.

3. الاتكال على أنهم شعب الله المختار 9 - 10.

* الأممي وبرّ الله 11.

الباب الثالث: الجانب العملي ص 12 - 15.

1. المؤمن والحياة المقدسة 12.

2. المؤمن والمجتمع 13.

3. المؤمن وضعاف النفوس 14 - 15.

* الختام 16.

الباب الأول.

حاجة الكل إلى الخلاص.

ص 1.

مقدمة الرسالة ص 1.

الأصحاح الأول

مقدمة الرسالة.

يمثل هذا الأصحاح مقدمة للرسالة، فيها يكشف الرسول عن جوهر الرسالة كلها، إذ لا يقدم افتتاحية شكلية تحمل مجاملة لطيفة لأهل رومية، وإنما يكتب بحكمة ليكشف في كلمات قليلة عن "إنجيل الله"، وفاعليته في حياة المؤمنين. كما يعلن خلالها عن مركز الرسول في الرب وفكره وحكمته ورسالته واشتياقاته الروحية. ولما كان الرسول يود أن يقاوم حركة التهوّد، لا في هجوم سلبي، وإنما بفتح كل قلب إيجابيًا لحب خلاص كل الأمم يبدأ بإبراز أخطاء الأمم أولاً ليعطي فرصة لأصحاب حركة التهوّد (أي للمطالبين بالعودة إلى أعمال الناموس الموسوي الحرفية) ألا يشعروا أنه إنسان متحيز للأمم على حسابهم، إنما هو محب للكل.

1. البركة الرسولية 1 - 7.

2. افتتاحية تشجيعية 8 - 17.

3. شرور الأمم 18 - 32.

1. البركة الرسولية

لم يقدم الرسول بولس "البركة الرسولية" كأكلشيه يختم به مقدمة الرسالة، وإنما قدم البركة في المسيح يسوع بما يليق ببنيان من يتحدث معهم وموضوع حديثه لهم، إذ نلاحظ فيها الآتي:

أولاً: يبدأ الرسالة بدعوة نفسه بثلاثة ألقاب، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولاً، المفرز لإنجيل الله" [1].

اللقب الأول هو "عبد doulas"، ولعله ابتدأ بهذا اللقب لأنه يكتب إلى أناسٍ يثيرون تفرقة عنصرية بين اليهود المتنصرين والأمميين المتنصرين، فإن كان هو عبدًا ليسوع المسيح، ففي هذا يتساوى جميع المؤمنين، إذ الكل عبيد للسيد المسيح، أيّا كان أصلهم أو ديانتهم السابقة.

كان أتقياء العهد القديم يعتزون بهذا اللقب بكونهم "عبيد يهوه" (مز 27: 9؛ 31: 16؛ 89: 50)، والآن إذ صار الكل في المسيح يسوع يتمتعون ببرّه وتقواه، يتأهلون لهذا اللقب "عبيد ليسوع المسيح"، ويفخرون به دون سواه، الأمر الذي يشترك كل الأعضاء فيه.

هذا وقد كان هذا اللقب يُنسب بالأكثر لمن قاموا بدور في تاريخ الخلاص خلال خدمتهم ليهوه، مثل موسى (2 مل 18: 12)، ويشوع (قض 2: 8)، وإبراهيم (مز 105: 42). وكأن بولس كرسول وهو مفرز لإنجيل الله يقوم بدور في تاريخ الخلاص، هو امتداد للدور الذي قام به آباء وأنبياء العهد القديم، لذا يليق باليهود المتنصرين أن يسمعوا ويتقبلوا رسالته بلا غضاضة.

أما اللقب الثاني فهو: "المدعو رسولاً"... لم يقل "رسول" بل "المدعو رسولاً"، لأن موضوع هذه الرسالة هو "دعوة الأمم للإيمان" كما سبق فدُعي اليهود قديمًا للإيمان؛ فإن كان القديس بولس يشعر بالفضل لله الذي دعاه للرسولية، فإنه حتى في إيمانه القديم كان مدعوًّا، وفي قبوله الصليب يحسب نفسه "مدعوٌا"... كأن لا فضل لنا في إيماننا كما في شهادتنا للرب، أيّا كان مركزنا الكنسي، إنما يرجع الفضل للذي دعانا.

اللقب الثالث: "المفرز لإنجيل الله". هذا اللقب "المفرز" في الأرامية "برسي" أو "فريسي"، وتعني "منفصل"، وكأن فريسيته الأولى قد مهدت لفريسية من نوع جديد، لا فريسية الحرف القاتل القائمة على الاعتداد بالذات والكبرياء، إنما "فريسية روحية" تقوم على التكريس والفرز للتفرغ للكرازة لحساب إنجيل الخلاص للعالم كله.

بهذه الألقاب الثلاثة يعلن القديس بولس أنه "عبد"، حياته هي امتداد لحياة عبيد الله العاملين في العهد القديم خلال تاريخ الخلاص، يقوم بالعمل الرسولي بدعوة إلهية وليس من عندياته، لا عمل له ولا هدف سوى تقديم إنجيل الله لكل أحد إن أمكن!

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه الألقاب الثلاثة، قائلاً:

[ "بولس عبد ليسوع المسيح"... إنه يدعو نفسه عبدًا للمسيح، ليس بطريقة واحدة، إذ توجد أنواع من العبودية.

توجد عبودية أساسها الخلقة، كما قيل: "لأن الكل عبيدك" (مز 119: 91)، وأيضًا: "نبوخذراصر عبدي" (إر 25: 9)، لأن المخلوق عبد لخالقه أو صانعه.

توجد أيضًا عبودية من نوع آخر تنبع عن الإيمان، إذ قيل: "فشكرٌا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبرّ" (رو 6: 17 - 18).

نوع آخر يقوم على الخضوع للعمل، كما قيل: "موسى عبدي قد مات" (يش 1: 2). حقًا كان كل الإسرائيليين عبيدًا، لكن موسى كان عبدًا بطريقة خاصة يتلألأ ببهاءٍ شديدٍ في الجماعة.

هكذا كان بولس عبدًا بكل هذه الأشكال (الثلاثة) من العبودية العجيبة، وقد وضعها كلقبٍ مكرمٍ، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح"... "المدعو رسولاً"، معطيًا لنفسه هذا الطابع في كل رسائله: "المدعو"، مظهرًا إخلاصه، وأنه قد وُجد ليس خلال سعيه الذاتي، إنما دُعي فجأة وأطاع.

هكذا أيضًا يعطي نفس الطابع للمؤمنين بقوله أنهم "مدعوون قديسين". ولكن بينما هم مدعوون ليصيروا مؤمنين نال هو بجانب هذا أمرًا مختلفًا يسمى "الرسولية"؛ هذا الأمر مشحون بالتطويبات غير المحصية، أعظم وأسمى من كل العطايا... إذ يتحدث بولس بصوت عال، ٍ ويمجد العمل الرسولي، قائلاً: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا" (2 كو 5: 20)، بمعنى أننا نحمل دور المسيح (سفراء عنه). "المفرز لإنجيل الله"، كما في البيت يقوم كل واحد بعمل مغاير، هكذا في الكنيسة، توجد خدمات متنوعة تُوزع. وهنا يبدو لي أنه يلمح إلى أنه لم يُقم لهذا العمل باختيار الجماعة فحسب، وإنما عُيّن منذ القديم لهذا العمل، الأمر الذي يتحدث عنه إرميا قائلاً بأن الله قال عنه: "قبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيًا للشعوب" (إر 1: 5). فإذ يكتب الرسول إلى مدينة تتسم بالمجد الباطل، كل واحد فيها يفتخر متعاليًا، لذلك يكتب بكل وسيلة ليظهر أن اختياره (للرسولية) كان من قبل الله؛ الله هو الذي دعاه وهو الذي أفرزه[13]].

ثانيًا: يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على قوله: "المفرز لإنجيل الله"، قائلاً: [إنه يقول "إنجيل الله" لكي يفرح السامعين منذ البداية (لأن كلمة إنجيل تعني بشارة مفرحة)، فقد جاءهم بأخبار لا تحزن ملامحهم كما سبق ففعل الأنبياء خلال التوبيخات والاتهامات والانتهار، إنما بأخبار سارة، أي "إنجيل الله"، الحاوي للكنوز غير المحصية ذات البركات الثابتة غير المتغيرة[14].].

ثالثًا: يستخدم القديس أمبروسيوس هذه العبارة مع عبارات أخرى (2 كو 13: 14) للرد على الأريوسيين الذين نادوا بأن الآب أعظم من الابن مدللين على ذلك بأن الآب يُذكر أولاً في الترتيب، وههنا الرسول يذكر الابن قبل الآب، إذ يقول: "عبد ليسوع المسيح" أولاً ثم "المفرز لإنجيل الله"، هذا علامة على وحدة اللاهوت[15].

وفي نفس المقال يقول بأن الرسول بولس الذي يمنعني من التعبد للخليقة أجده هنا يحثني على التعبد للسيد المسيح، إذ يدعو نفسه "عبد ليسوع المسيح"، مظهرًا أنه الخالق وليس مخلوقًا[16].

رابعًا: إن كان الرسول يلتزم بصد حركة التهوّد المُعطلة لإنجيل الله وسط الأمم، فقد أراد أن يؤكد لليهود المتنصرين أنه لا يحمل أفكارًا غنوصية كتلك التي حملها البعض والتي ظهرت بالأكثر في مرقيون فيما بعد في القرن الثاني، حيث تجاهل العهد القديم، بل واستخف به. لقد أراد الرسول أن يُبرىء نفسه من هذه الأفكار الخاطئة، فأعلن أن "إنجيل الله" الذي أُفرز له ليس إلا تحقيقًا لخطة الله الخلاصية القديمة التي يمثل العهد القديم جزءًا منها، إذ يقول: "الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة" [2]؛ فما يكرز به إنما هو شهوة رجال وأنبياء العهد القديم وتحقيق لنبواتهم المقدسة.

إن كان محور إنجيله هو "المسيح ابن الله"، فإن هذا القدوس هو أيضًا مركز خدمة رجال العهد القديم، عنه تنبأ الأنبياء، وبه جاءنا الوعد في الكتب المقدسة (العهد القديم). أو ربما أراد أن يؤكد لهم أنه لن ينسى أن منهم جاء الأنبياء، ولهم قد سُلمت الشريعة والكتب المقدسة التي هيأت الطريق للمسيًا المخلص.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [إذ يريدا أن يصنع أعمالاً عظيمة علانية يسبق فيُعلن عنها زمانًا طويلاً ليُهيئ مسامع البشر لقبولها عندما تتحقق. يقول "في الكتب المقدسة"، لأن الأنبياء لم يتكلموا فقط وإنما كتبوا ما نطقوا به، بل وقدموا ظلالاً لها خلال الأعمال مثل إبراهيم الذي رفع اسحق، وموسى الذي رفع الحيّة، وبسط يديه ضد عماليق، وقدم خروف الفصح[17].].

خامسًا: لما كانت الرسالة في مجملها هي إعلان عن "إنجيل الله"، لذلك عرّفه هنا في المقدمة بقوله: "عن ابنه، الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات، يسوع المسيح ربنا". إنجيلنا إذن هو قبول "ربنا يسوع المسيح"، الذي يكرر الرسول مؤكدًا أنه "ابن الله"، إذ خلاله ننال البنوة لله. هو الابن الذي باتحادنا فيه ننتقل من مركز العبيد إلى "الأبناء" بالمعمودية، لنُحسب موضع رضا الآب وسروره، وهذا هو مركز الرسالة كلها.

هذا أكد نسب المسيح لداود من جهة الجسد، أولاً لكي يشجع اليهود على متابعة حديثه، إذ لا يتجاهل أن مخلص العالم كله جاء متجسدًا منهم، ومن جهة أخرى ليؤكد أن فيه تحققت النبوات خاصة بكونه ابن داود الملك ليجلس على كرسي أبيه خلال ملكوت روحي سماوي (مت 21: 9؛ يو 12: 13؛ لو 1: 32؛ 2 تى 2: 8). وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تقبل إذن المولود من ذرية داود وأطع النبوة القائلة: "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب، إيّاه تطلب الأمم" (إش 11: 10) [18].].

هذا هو نسل داود الذي قيل عنه: "أُقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأُثبّت مملكته، هو يبني بيتًا لاسمي وأنا أُثبِّت كرسي مملكته إلى الأبد" (2 صم 8: 12 - 13). وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن نسل داود الذي بنى البيت الإلهي ليس سليمان بل السيد المسيح، إذ أقام هيكل الله غير المصنوع من خشب وحجارة، بل من البشر، أي من المؤمنين الذين قال عنهم الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم؟" (1 كو 3: 16)، لأن السيد المسيح لا سليمان هو الذي تثبت مملكته إلى الأبد حسب هذا الوعد الإلهي (2 صم 8: 13) [19].].

أما كلمة "تعيّن"، فكما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم وغيره من الآباء الشرقيين، فتعني "أُعلن" أو "أُظهر". فالكنيسة الأولى كانت ترى أنه لم يكن ممكنًا أن يُعلن عنه كمسيّا ورب إلا بعد قيامته (أع 2: 34 - 36؛ في 3: 10؛ 1 كو 15: 45). هذا ما رأيناه بوضوح في دراستنا للإنجيل بحسب مرقس، إذ كان السيد نفسه يخفي لاهوته ويؤكد لتلاميذه إلا يعلنوا عن شخصه حتى يقوم. قيامته هي الدليل القاطع على بنوته الطبيعية لله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بماذا إذٌا "أعلن" عنه؟ لقد أظهر وأعلن عنه واعترف به خلال مشاعر الكل وشهادتهم، وذلك بواسطة الأنبياء، وخلال ميلاده حسب الجسد بطريقة عجيبة، وبقوة العجائب، وبالروح الذي به يهب التقديس، وبالقيامة التي بها وضع نهاية لطغيان الموت[20].].

سادسًا: يقول: القديس يوحنا الذهبي الفم إن الرسول إذ ذكر أنه مفرز لإنجيل الله، تحدث عن تجسد ابن الله خلال نسل داود حتى نقبله، فيرتفع بنا إلى أسراره السماوية. بدون التجسد الإلهي والتواضع لا نقدر أن نرتفع معه إلى سمواته، إذ يقول: [من يريد أن يقود البشر بيده إلى السماء، يلزم أن يرتفع بهم من أسفل، وهكذا كان عمل التدبير (الإلهي). فقد نظروه أولاً إنسانًا على الأرض وعندئذ أدركوا أنه الله. بنفس الاتجاه إذ شكّل (السيد) تعاليمه هكذا استخدم تلميذه ذات الطريق ليقودنا إلى هناك[21].].

يقول القديس أمبروسيوس: [من جهة الجسد صار من نسل داود، لكنه هو الله المولود من الله (الآب) قبل العوالم[22].].

يقول أيضًا القديس غريغوريوس النزينزي: [لقد دعيَ من نسل داود؛ ربما بهذا نظن إن الرجل قد كُرم (لأنه جاء رجلاً ومنتسبًا إلى رجل)، لكنه وُلد من عذراء، وبهذا تُكرم المرأة من جانبها[23].].

سابعًا: بعد أن سجل اسم الراسل وألقابه خلال دعوته للرسولية وعمله الإنجيلي، كاشفًا عن مفهوم الإنجيل الإلهي الذي أُفرز له، سجل اسم المرسل إليهم ومركزهم من هذه الرسالة الإلهية، قائلاً: "الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم، الذين بينهم أنتم أيضًا مدعوو يسوع المسيح، إلى جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين" [5 - 7].

قبل أن يدخل معهم في حوار بخصوص النزاع القائم بين اليهود المتنصرين والأمم المتنصرين أخذ يشجع الكل، معلنًا للجميع أن ما ناله القديس بولس إنما هو من قبيل نعمة الله المجانية كهبة مقدمة، لا لفضل فيه ولا فيهم كيهود أو أمم، وإنما لأجل اسمه، إذ يقول: "لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة (رسولية)".

إن كانت هذه الرسالة تكرر الحديث عن نعمة الله، سواء في حياة الرسول، إذ نقلته لا من عدم الإيمان إلى الإيمان فحسب، وإنما من مضطهدٍ إلى كارزٍ ورسولٍ، أو في حياة المخدومين من يهود وأمم، فإن الرسول لم يقدم لنا تعريفًا عن "النعمة"، إنما حديثًا عن قوة النعمة وفاعليتها في حياة الكنيسة وكل عضو فيها. وكأن الرسول لم يرد أن يشغلنا بتعاريف نظرية وفلسفات فكرية، إنما أراد لنا معرفة التلامس الحقيقي والتمتع الواقعي بهذه الأمور. هذا هو أيضًا منهج الكنيسة الشرقية كما سبق فرأينا عند عرضنا "للنعمة" عند العلامة أوريجينوس[24].

ما هي هذه النعمة إلاَّ عطية الله المجانية، عطية الآب الذي في محبته قدم ابنه الحبيب مبذولاً عن خلاص العالم (يو 3: 16؛ رو 8: 32). نعمة الابن الوحيد الذي أحبني، وأسلم ذاته لأجلي. كما أرسل لنا روحه المعزي من عند الآب يشهد له في حياتنا (يو 15: 26)، يعلمنا كل شيء ويذكرنا بكل ما قاله لنا (يو 14: 26)، كما ارتبطت النعمة بالروح القدس، فإن كان الروح هو واهب العطايا، لكنه في نفس الوقت هو عطية، إذ صار ساكنًا فينا، حالاً في داخلنا بكوننا هياكل الله وروح الله ساكن فينا.

يعلن الآب عن نعمته خلال تدبير الخلاص، والابن يعلن عن ذات النعمة خلال حمله الصليب عنا، والروح القدس يقدم ذات النعمة بسكناه فينا لنقبل عمل المسيح الخلاصي في حياتنا.

هذه هي النعمة الإلهية المجانية التي تعمل في الكنيسة، لتهب الكل العضوية في الجسد الواحد، لكن لكل عضو تمايزه دون انفصال عن الرأس أو بقية الأعضاء، ولكل عضو بالنعمة خدمته ومواهبه، فقد ميّز الروح القديس بولس بالرسولية لأجل الكرازة والرعاية. هذه العطية "الرسولية" دفعته أن يكتب لهم كما لغيرهم بسلطانٍ لكي يحقق عمل النعمة الإلهية فيه وفيهم.

ثامنًا: إن كان الروح القدس قد ميّز القديس بالرسولية، فبنعمته صار يعمل في سامعيه لا للدخول في مناقشات ومجادلات، وإنما لقبول الإيمان في طاعة وخضوع: "لإطاعة الإيمان في جميع الأمم" [5]. هذا هو عمل النعمة الإلهية أو عمل الروح القدس نفسه في المخدومين. يقول: القديس يوحنا ذهبي الفم: [انظروا صراحة العبد، فإنه لا يود أن ينسب شيئًا لنفسه بل لسيده، فإن الروح بالحق هو الذي يهب هذا. لذلك يقول السيد: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يو 16: 12)... وجاء في الرسالة إلى أهل كورنثوس: "فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم" (1 كو 12: 8)، "الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 11) [25].].

إذن نعمة الله التي قدمت للقديس بولس "الرسولية" هي التي تعمل لطاعة الإيمان لا في اليهود وحدهم، وإنما "في جميع الأمم".

هذا ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن قوله "في جميع الأمم" يكشف أن الرسول إذ يتكلم عن عمل النعمة فيه كرسول يضم معه بقية الرسل، إذ تعمل النعمة في الكل لأجل جميع الأمم، أو ربما يقصد أنه وإن كان لا يعمل هنا في جميع الأمم فإنه حتى بعد موته لا يكف عن العمل في جميع الأمم. وربما يقصد الذهبي الفم أن الرسول يبقى في الفردوس خادمًا بحبه لخلاص العالم وبصلواته غير المنقطعة من أجل الكل.

تاسعًا: دعاهم "مدعوّي يسوع المسيح"، فالفضل لمن "دعانا" مجانًا لنعمته. كما دعاهم "مدعوّين قديسين". فإن كان شعب إسرائيل قد دُعي قديمًا بالجماعة المقدسة (حز 12: 16؛ لا 23: 2، 44) بكونهم الشعب المفرز لله القدوس (لا 11: 24، 19: 2)، فإن هذا الشعب قد فشل في تحقيق القداسة إلا من خلال الرموز والنبوات، أما الآن فقد جاء مسيحنا القدوس يدعونا للدخول فيه والثبات فيه، فنُحسب به أبرارًا وقديسين.

أراد الرسول في أبوته الحانية أن يوضح نظرته لهم، أنه يحترمهم ويقدّرهم، لأنهم "مدعوّو يسوع المسيح" [6]، "أحباء الله" [7]، "مدعوّون قديسين" [7]، كأنه يفتخر أن يكون خادمًا لهم!

يحسب القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الدعوة للقداسة هي كرامة فائقة ترافق المؤمنين حتى بعد عبورهم الحياة، إذ يقول: [الكرامات الأخرى تُعطى لزمان ثم تنتهي مع الحياة الحاضرة، هذه يمكن أن تُقتنى بمال... أما الكرامات التي يهبها الله، أي عطية التقديس والتبني، فلا يقدر حتى الموت أن يحطمها. إنها تجعل البشر مشهورين هنا، كما ترافقنا في رحلتنا إلى الحياة العتيدة[26].].

هذا وسرّ تقديسنا هو قبول "النعمة والسلام" [5]... فقد كانت كلمة "نعمة" هي تحية اليونانيين[27]، و "سلام" أو "شلوم" هي تحية العبرانيين؛ أما وقد صار الكل جسدًا واحدًا فلم يقبلوا "النعمة والسلام" من بعضهم البعض، إنما تمتعوا بهما كعطية إلهية للجسد الواحد الذي يضم اليونانيين واليهود معًا. تقبلوا نعمة الله الفائقة، أي عطاياه المجانية والتي تتجلى في سكنى الله نفسه في داخلهم ليُعلن ملكوته فيهم باستحقاقات دم الصليب، وسلامه السماوي الذي يوّحد الإنسان مع خالقه والجسد مع الروح والإنسان مع أخيه، أيّا كان جنسه!

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بحكمة يبدأ بالنعمة ثم بالسلام (رو 1: 5)، إذ لا نستطيع أن ننعم بالسلام الداخلي، بعد أن دخلنا خلال عصياننا في حرب روحية شرسة ما لم تعمل نعمة الله فينا لتهبنا بالمسيح يسوع روح الغلبة والنصرة؛ فنعيش في سلام حقيقي، كأبناء لأبٍ سماويٍ. هذه هي عطية الله لنا، ونعمته التي تسندنا في هذا الزمان الحاضر وترافقنا حتى تدخل بنا إلى الحضن الأبوي أبديًّا. يقول القديس:

[إنها تحية تقدم لنا بركات بلا حصر.

هذا (السلام) هو ما أمر به المسيح الرسل أن يستخدموه كأول كلمة ينطقون بها عندما يدخلون البيوت (لو 10: 5). لهذا يبدأ الرسول بالنعمة والسلام. فقد كانت توجد حرب ليست بهينة، وضع المسيح لها نهاية؛ كانت بالحقيقة حربًا متنوعة من كل صنف استمرت زمنًا طويلاً، وقد انتهت خلال نعمة المسيح وليس بمجهوداتنا الذاتية.

الحب جلب النعمة، والنعمة جلبت السلام، لذلك جاء ترتيب التحية لائقًا (النعمة والسلام)، طالبًا لهم أن يعيشوا في سلامٍ دائمٍ غير متزعزع، حتى لا يشتعل لهيب حرب أخرى، سائلاً الله أن يحفظ لهم هذه الأمور ثابتة، قائلاً: "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" [7].

عجبًا! يا لقدرة حب الله، نحن الذين كنا قبلاً أعداء ومطروحين صرنا قديسين وأبناء! فإنه إذ يدعو الله "أبانا" يظهرهم أبناء له، وعندما يدعوهم أبناء يكشف عن كنز البركات كلها[28].].

السلام هو عطية الله التي يلزم أن نطلبها بالصلاة، فيهبها لنا إن صارت لنا الإرادة المقدسة، وكما يقول القديس جيروم: [يلزمنا أن نقتني السلام بالصلاة، هذا الذي يوجد ليس بين الجميع، بل بين من لهم الإرادة الصالحة... "لأن مسكنه (الله) في السلام".].

لاحظ القديس أمبروسيوس أن النعمة والسلام قد نُسبا للآب كما للسيد المسيح، إذ يقول: [ها أنتم ترون إننا نقول بأن نعمة الآب والابن واحدة، وسلام الآب والابن واحد، لكن هذه النعمة وهذا السلام هما ثمر الروح كما يعلمنا الرسول نفسه، قائلاً: "وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة" (غل 5: 22) [29].].

2. افتتاحية تشجيعية

تكشف افتتاحية هذه الرسالة كما في باقي الرسائل عن جانب هام من منهج الرسول بولس في خدمته ومعاملاته، فإنه بروح الحكمة يشجع ويسند، حتى إن أراد أن يحاور أو يوبخ، فإن كان يكتب في جوهر الرسالة عن مشكلة حركة التهوّد التي سببت متاعب كثيرة للكنيسة، لكن بروح الحب يكسب من يوجه إليهم رسالته، إذ يعلن في الافتتاحية الآتي:

أولاً: تزكيته لإيمانهم: "أولاً أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم، أن إيمانكم ينادى به في كل العالم" [8]. يبدأ بالجانب الإيجابي لا السلبي، فلا يتحدث مثلاً عن خطورة حركة التهوّد ولا عن ضعفات هذا الشعب، إنما يعلن تزكيته لإيمانهم الذي صار علة كرازة في كل العالم، مقدمًا الشكر لله بابنه يسوع المسيح. هذا المنهج أساسي في اللاهوت الرعوي. أن نشجع أولاً ونسند، مبرزين الجوانب الحيّة والناجحة في حياة المخدومين قبل الجوانب السلبية والخاطئة.

يقدم الشكر للآب إلهه كعبادة حيّة، يقدمه في يسوع المسيح، لكي يكون مقبولاً. إذ لا نقدر أن نلتقي مع الآب، ولا أن نقدم له ذبيحة حب وشكر، إلا خلال رأسنا يسوع المسيح موضع سروره.

وقد استلفت نظر القديس يوحنا الذهبي الفم في تسبحة الشكر هذه أمران:

أ. أن الرسول بولس يقدم باكورة أعماله وكلماته تسبحة شكر لله، فيبدأ رسائله بالشكر، والعجيب أنه لا يشكر الله على عطاياه له فحسب، وإنما على عطاياه للآخرين، حاسبًا ما يتمتع به الآخرون يتمتع هو به. لذا يشكر الله هنا من أجل إيمانهم وكأنه مكسب له. يقول ابن كاتب قيصر في تفسيره للرسالة إلى أهل رومية: [هذا هو أول الرسالة. كان الشكر لمقدم النعم واجبًا، وكان هو أكثر منهم معرفة بقدر هذه النعمة التي وُهبت لهم، خاصة أنه يجد في إيمانهم نجاحًا لسعيه، إذ لم يسعَ إلا ليؤمنوا، لذلك قدم الشكر عنهم بسبب إيمانهم، ليعلمنا أن نفتتح أقوالنا وأفعالنا بالشكر.].

ب. ينسب الله إلى نفسه، إذ يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [بأية مشاعر يقدم الشكر، إذ لا يقول: "الله" بل "إلهي"، الأمر الذي يفعله الأنبياء أيضًا، حاسبين ما هو عام للكل كأنه خاص بهم. وأي عجب إن فعل الأنبياء هكذا؟ فإن الله نفسه يفعل هذا دائمًا وبوضوح، فينسب نفسه لعبيده، قائلاً أنه إله إبراهيم واسحق ويعقوب، كما لو كان خاصًا بهم[30].].

ثانيًا: بجانب كشفه عن جوانب نجاحهم يعلن حبه نحوهم بالصلاة من أجلهم، مشهدًا الله نفسه على أعماقه المتسعة نحوهم: "فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه، شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم" [9].

لم يكن ممكنًا أن يذكر المخدومين، حتى وإن كان لم ينظرهم بعد حسب الجسد، بالصلاة الدائمة غير المنقطعة لو لم يكن قلبه وفكره وكل طاقاته قد تكرّست وأُفرزت لله، هذا ما عناه بقوله "أعبده بروحي"، أي أضع نفسي بكل طاقاتي الروحية والنفسية والجسدية للعبادة لله والتمتع بإنجيله.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة موضحًا نقطتين، هما:

أ. الرسول وهو يكرز بالإنجيل يعبد الله بالروح والحق: [لأن طريق خدمتنا ليس بخرافٍ وتيوسٍ ولا بدخانٍ وشحومٍ، وإنما بنفسٍ روحية، كقول المسيح:: "الله روح والذين يسجدون لله فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يو 4: 24) [31].].

ب. يخدم إنجيل الابن الذي هو بعينه إنجيل الآب: [قال قبلاً أنه إنجيل الآب، أما هنا فيقول إنجيل الابن، فلا اختلاف بين القولين، إذ تعلّم الرسول من الصوت الطوباوي أن ما للآب هو للابن، وما للابن هو الآب، إذ قيل: "ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي" (يو 17: 10) [32].].

ثالثًا: حبه مترجم عمليًا ليس فقط بذكرهم المستمر بلا انقطاع في صلواته، وإنما بشوقه الحقيقي لرؤيتهم ليهبهم "هبة روحية" هي إنجيل المسيح، الذي يثبتهم ويعزيهم كما يعزيه هو أيضًا، الإنجيل الذي يفرح قلب السامعين والكارزين معًا، إذ يقول: "متضرعًا دائمًا في صلواتي عسى الآن أن يتيسر لي مرة بمشيئة الله أن آتي إليكم، لأني مشتاق أن أراكم، لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم، أي لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" [10 - 12].

بالحق هم موضوع حبه، يشغلون فكره وخطته وصلواته، وأيضًا تصرفاته من أجل غاية واحدة: تمتعتم بالهبة الروحية الإلهية، إنجيل الله! وقد حقق الله للرسول شوقه الروحي المقدس، لكن بخطة إلهية فائقة، إذ ذهب إليها كأسير من أجل الإنجيل بعد أن تعرض لضيقات كثيرة كانكسار السفينة به (أع 27: 43). ليقف أمام كرسي قيصر (أع 27: 24).

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه لأهل رومية مبرزًا حب الرسول الشديد للكرازة، خاصة بين الأمم، لكن في حكمة الروح يلح في الطلب بلا انقطاع، مسلمًا الأمر بين يديّ الله العارف ما هو لبنيان الكنيسة، إذ يقول: [تضرعه الدائم دون توقف بسبب عدم نواله طلبه يكشف عن حبه الشديد لهم. لكنه وهو يحب مستمر في خضوعه لمشيئة الله... في موضع آخر يقول: "تضرعت إلى الرب ثلاثة مرات" (2 كو 12: 8)، وليس فقط لم ينل طلبته، إنما قبل عدم نواله الطلبة بشكرٍ شديد، ففي كل الأمور كان ينظر إلى الله. هنا نال الرسول، لكنه لم ينل عندما طلب بل في وقت متأخر، ومع هذا لم يكن متضايقًا. أشير إلى هذه لكي لا نتبرم نحن عندما لا يُستجاب لنا، أو عندما تأتي الاستجابة ببطء، فإننا لسنا أفضل من بولس الذي كان يشكر في الأمرين، مسلمًا نفسه في يدّ مدبر الكل، خاضعًا له تمامًا، كالطين في يدّ الخزّاف، يسير حيثما يقوده الله[33].].

رابعًا: كان الرسول ليس فقط خاضعًا لمشيئة الله التي سمحت له بتأجيل ذهابه إلى روما بالرغم من حبه الشديد لافتقادها، لا بهدف أرضي وإنما بتقديم "هبة روحية" هي "إنجيل الله"، وإنما أعلن الرسول تواضعه بقوله: "لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" [12].

في تواضع صادق بلا تزييف يشعر الرسول أنه محتاج إلى مخدوميه، فهو يفتقدهم ليس فقط لكي يرشد ويعلم ويوصي، وإنما أيضًا ليتعزى بإيمانهم. هم محتاجون إلى نعمة الله العاملة فيه، وهو محتاج إلى إيمانهم وتعزيتهم.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا لعظم تواضع فكره! لقد أظهر نفسه أنه في حاجة إليهم وليس هم فقط المحتاجين إليه. يضع التلاميذ موضع المعلمين، غير حاسبًا نفسه أعلى منهم، بل مقدمًا كمال مساواتهم له، لأن النفع مشترك، يقصد أنه يتعزى بهم وهم به. كيف يتحقق ذلك؟ "بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني". وذلك كما في حالة النار، فإن أضاف إنسان مشاعل إلى بعضها البعض يشتعل بالأكثر اللهيب ويتقد الكل؛ هذا أيضًا يحدث بين المؤمنين طبيعيًا[34].] كما يقول أيضًا: [يقول هذا لا كمن هو في حاجة إلى أي عون منهم، وإنما لكي لا تكون لغته ثقيلة عليهم وتوبيخه عنيفًا، لهذا يقول أنه في حاجة إلى تعزياتهم. ربما يقول أحد أن تعزيته تكمن في فرحه بنمو إيمانهم، هذا هو ما يحتاج إليه بولس، هذا المعنى ليس بخاطئ[35].].

يقول ابن كاتب قيصر أن كلمة التعزية هنا تعنى الفرح والسرور، هو يتعزى لأنه كان مضطهدًا وصار رسولاً مبشرًا دُعي لهذا الرجاء الصالح، وهم يفرحون إذ كانوا قبلاً في ضلالة عبادة الشياطين وصاروا أولاد الله، عابدين له، مترجين ملكوته الأبدي.

خامسًا: يرى القديس إكليمنضس السكندري في حديث الرسول هنا التعزية التي ينالها كما ينالونها هم خلال الإيمان المشترك، إنما يعني أن الإيمان يحمل حركة نمو مستمر[36]، إذ يرى أن هناك إيمانًا مشتركًا يكون أساسًا خفيًّا في حياة جميع المؤمنين، هذا الإيمان لا يحمل جمودًا، بل حركة نمو مستمرة، لذا طلب التلاميذ من السيد المسيح: "زد إيماننا". بمعنى آخر يمكننا أن نقول بأن الإيمان حركة حياة ديناميكية غير جامدة، يعيشها المؤمن كل يوم منطلقًا من خبرة معرفة عملية وتلاقٍ مع المسيح إلى خبرة أعمق، ومن قوة إلى قوة، ومن مجد داخلي إلى مجد، مشتاقًا كل يوم أن يبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح كقول الرسول بولس.

سادسًا: إذ يعلن حبه عمليًا بشوقه لزيارتهم بل ومحاولاته العملية وقد مُنع حتى لحظات الكتابة، يكشف عن رسالته، بقوله: "ليكون لي ثمر فيكم أيضًا كما في سائر الأمم. إني مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء، فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية أيضًا، لأني لست استحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص، لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم لليوناني، لأن فيه معلن برّ الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب: أما البار فبالإيمان يحيا" [13 - 17].

أ. إن كان الرسول قد صار له ثمر متكاثر في أمم كثيرة، لكنه مترقب الثمر أيضًا في روما بكونها عاصمة العالم الروماني الأممي، حاسبًا الكرازة بينهم وثمرهم هو تحقيق ونجاح لمهمته الرسولية؛ مستعد للعمل مهما بلغ الثمن بلا خجل.

إن كانت روما بكونها عاصمة للدولة الرومانية فيها تصب كل الشعوب أوثانها ورجاساتها وما يحملونه من انحطاط، فقد كانت مرآة للعالم الوثني بكل شروره وبؤسه، موضع غضب الله، لذا أراد الرسول أن تكون هذه المدينة هي بعينها مركزًا للخدمة، مقدمًا لها مفهوم إنجيل الله في كمال قوته. بمعنى آخر يودّ الرسول أن يخدم حيث يزداد بالأكثر الشرّ، إذ لا يريد الطريق السهل المتسع، بل الضيق الكرب لكي تعلن قوّة الإنجيل بالأكثر، ويظهر عمل النعمة الإلهية وفاعليتها بأكثر وضوح. هذا ما نستنبطه من قوله: "ما هو لي مستعدّ لتبشيركم"، بمعنى أنه مستعدّ لاحتمال كل ضيق وألم من أجل تقديم كلمة الإنجيل، إذ كان الرسول يُدرك أن الكرازة بينهم تستوجب أتعابًا كثيرة. لذلك يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يا لها من نفس نبيلة! لقد وضع الرسول على عاتقه أن يقوم بعمل ذي مخاطر عظيمة، إذ يقوم برحلة عبر البحر تعترضها تجارب ومكايد... ومع توقعه لاحتمال هذه الأتعاب العظيمة لم يقلل هذا الأمر من همته بل كان يُسرع مجاهدًا، مستعدًا بذهنه لاحتمالها[37].].

ب. كان القدّيس بولس يخجل من الصليب قبل أن يلتقي بالمصلوب الممجّد، حاسبًا الصليب عارًا لا يليق بالمسيّا ملك اليهود، أمّا الآن فقد أدرك أنه قوّة الله للخلاص، يلزم أن يُكرز به للجميع.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول قائلاً:

[يقول لأهل غلاطية: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غل 6: 14). كان الرومانيّون شديدي التعلّق بالزمنيّات بسبب غناهم وإمبراطوريتهم وكرامتهم، فكانوا يحسبون ملوكهم في مصاف الآلهة، حتى أقاموا لهم المعابد، وقدّموا لهم القرابين، وهم يتشامخون بهذا. أمّا بولس فكان يودّ أن يكرز لهم بيسوع الذي ظنوا أنه ابن نجار نشأ في اليهوديّة، في بيت امرأة فقيرة لا يحيط بها الخدم والحشم ثم مات ميّتة اللصوص والمجرمين، متحمّلاً أصناف السُخرية والإهانات، الأمور التي حاول (بعض الرومانيّون الذين تنصروا) الاختباء منها قبل إدراكهم عظمة هذه الأمور غير المنطوق بها: لهذا يقول الرسول أنه لا يستحي، إذ كان يعلمهم هم أيضًا ألا يستحوا من هذه الرسالة المجيدة، حتى إذا ما بدأ هكذا بعدم الاستحاء ينتهي بهم إلى الافتخار أيضًا. فإن سألكم أحد: أتعبدون المصلوب؟ لا تستحوا، ولا تنظروا إلى الأرض بل ارفعوا رؤوسكم... أجيبوا باعتزاز، نعم نعبده!... الصليب بالنسبة لنا هو عمل المحبّة اللانهائية نحو البشر، وعلامة عناية الله غير المنطوق بها[38].].

ج. أدرك الرسول أن الإنجيل أو الكرازة بالصليب هو "قوة الله الخلاص"، اختبر هذه القوّة في حياته فأراد أن يقدّمها للجميع، كارزًا لليونانيّين أي أصحاب الفكر الهيِليني، وللبرابرة أي بقية الأمم. يودّ أن يتمتّع الكل بعمل الصليب: الحكماء أصحاب الفلسفات، والبسطاء الذين يُحسبون كجهلاء.

إن كان الصليب قد أنقذه، فإنه مدين للعالم كله، حاسبًا الوثنيّين دائنين له، يلتزم أن يرد لهم الدين بالكرازة لهم ليتمتّعوا بما تمتّع هو به!

د. يدعو الإنجيل "قوة الله للخلاص"، إذ هو ليس رسالة نظرية أو فلسفة فكرية تعليمية إنما "عمل إلهي ديناميكي" في حياة الإنسان، حركة حب إلهي لا تتوقف تبلغ به إلى شركة الأمجاد الإلهية.

ه. إنجيل المسيح مُقدّم لليهودي أولاً ثم اليوناني، هنا الأولوية لا تقوم على محاباة الله لجنسٍ على حساب آخر، وإنما أولوّية الالتزام بالمسئولية والعمل. فإن كانوا قد ائتمنوا على الناموس المكتوب، وتقبلوا إعلانات ونبوّات، ومنهم خرج رجال الله، فقد لاق بهم أن يتلّقفوا عمل السيد المسيح الخلاصي، ويحتضنوا الصليب حتى يخرجوا إلى الأمم، حاملين نير البشارة بالخلاص.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كلمة "أولاً" ليست إلا تعبيرًا عن الناحية الزمنيّة فقط، إذ لا يوجد امتياز في مقدار البرّ الذي يحصل عليه، ولكن كمن ينزل في جرن المعمودية أولاً ثم يليه الآخر نعمة أعظم من التالي له، إنما ينعم الكل بنعمة واحدة. هكذا يتساوى اليهودي واليوناني في مواهب النعمة متى قبِلوا الإنجيل[39].].

و. ماذا يعني بقوله: "إيمان لإيمان؟" يرى العلامة ترتليان[40] والعلامة أوريجينوس وابن كاتب قيصر أن برّ الله بإيمان الناموس حين نُقل المؤمنين إلى الإيمان بالإنجيل، وكأن الثمر الذي يشتهيه الرسول لكل عالم هو ذات الثمر الذي ترجّاه رجال الإيمان في العهد القديم، وقد حلّ الوقت المعيّن لينعم العالم به خلال الإيمان بالإنجيل الإلهي. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [يعلّمنا أن خلاصًا واحدًا من الأنبياء إلى الإنجيل يحقّقه الرب الواحد عينه[41].] ويري القدّيس أمبروسيوس أن برّ الله يُعلن خلال أمانة الله في مواعيده، فتنتقل أمانته إلى إيمان الإنسان الذي ينعم ببرّ الله.

يقدّم لنا الرسول مفتاح كل عطيّة صالحة إلهية: "أما البارّ فبالإيمان يحيا" [17]. فالإنسان الذي يرتبط بالله يحمل برّ المسيح فيه، لكنه لا يعني هذا أنه يصير معصومًا من الخطأ كما يظن البعض، إنما يتمتّع بالنمو المستمر في برّ المسيح بلا توقف. وقد حذّرنا القدّيس أغسطينوس من فهم هذه العبارة بمعنى أننا نصير بلا خطيّة[42].

ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة (رو 1: 17) بالقول:

[مادامت عطيّة الله تفوق الإدراك تمامًا فمن المنطق أننا نحتاج إلى الإيمان.

أما ترون أن عدم الإيمان هو هوّة سحيقة، أمّا الإيمان فحصن حصين. لأن عدم الإيمان أهلك الآلاف بينما الإيمان لم يُؤدِ إلى خلاص الزانية وحدها بل جعلها أيضًا أمّا لكثيرين.

إننا نستضيف برقةٍ أم كل البركات، وهو الإيمان، لكي نكون كمن هم يسيرون في ميناء هادئ مستقر تمامًا، محافظين على إيماننا الأرثوذكسي، فنقود سفينتنا باستقامة ونحظى بالبركات بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح[43].].

3. شرور الأمم

إذ يواجه القدّيس بولس حركة التهوّد ليُعلن عن عمومية الخلاص لليوناني كما لليهودي، لم يبدأ بضعفات اليهود وشرورهم، بل بالعكس يتحدّث بصراحة ووضوح عن شرور الأمم، لكي يكون ذلك مدخلاً لنقد اليهود أيضًا، في صراحة وتفنيد كل حججهم دون اتهامه بالمحاباة. فقد وُجّه إليه هذا الاتهام: "إنك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى، قائلاً أن لا يختنوا أولادهم، ولا يسلكوا حسب العوائد" (أع 21: 21). هذا ما دفع الرسول إلى البدء بإعلان شرور الأمم ومسئوليتهم عنها، ليس تشهيرًا بهم ولا تحقيرًا، وإنما كمدخل لاجتذاب اليهود المتنصّرين لقبولهم معهم في العضوية في الجسد الواحد على قدَم المساواة، إذ يُعلن أن الأممي كاسر للناموس الطبيعي واليهودي كاسر للناموس الموسوي، لذلك صار الكل في حاجة إلى تدخل إلهي كي يتبرّروا لا بالناموس الطبيعي ولا بالناموس الموسوي، وإنما بالإيمان بالمسيح يسوع مخلص الجميع.

في حديثه عن شرور الأمم أصحاب الناموس الطبيعي يبرز الرسول الآتي:

أولاً: إن كان الله قد أعطى اليهود الناموس الموسوي، فإنه لم يهمل الأمم ولا تركهم بلا شاهد لنفسه بينهم، فقد أعلن عن نفسه خلال الطبيعة المنظورة، إذ يقول: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر" [20].

الله لم يترك نفسه بلا شاهد، فإن "السماء تحدِّث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). يُعلن عن قدرته السرمدية ولاهوته خلال أعمال الخليقة الفائقة، التي أقامها بكلمته، ولا يزال يرعاها ويهتم بها، لا لاستعراض إمكانياته، وإنما من أجل أعماق محبته لنا. فحب الله الفائق غير المنظور نلمسه خلال رعايته العجيبة، إذ قدّم لنا هذه المصنوعات لراحتنا.

بينما يتهم الرسول بولس البشر أنهم يحجزون الحق بالإثم [18]، وكأن الإنسان يتفنن في اختراع الطرق الأثيمة المتنوعة ليحجز "الحق" فلا يُعلن، إذ بالله يُعلن "الحب" لنا بطرق متنوعة خلال المصنوعات المباركة التي هي من عمل يديه. الإنسان يستميت في حجز الحق، والله يبذل لإعلان الحب السرمدي!

يرى القديس أغسطينوس في هذا القول الرسولي أن الله يقدم لنا العالم كعطية نستخدمها وليس نتلذذ بها، فنرى خلالها أموره غير المنظور، نمسك بالروحيات والسماويات خلال الماديات والزمنيات[44].

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على التعبير "قدرته السرمدية"، قائلاً: [إن كان المسيح هو قدرة الله السرمدية، فالمسيح إذن سرمدي[45].].

هذا وإذ يحجز الإنسان الحق بالإثم يسقط تحت الغضب الإلهي [18]، أمّا من يرجع إليه بالتوبة فيسمع الصوت الإلهي: "هلم يا شعبي أدخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لُحيظة حتى يعبر الغضب، لأنه هوذا الرب يخرج من مكانه، ليعاقب إثم سكان الأرض فيهم، فتكشف الأرض دماءها ولا تغطي قتلاها فيما بعد" (إش 26: 20 - 21). ما هي المخادع التي تدخل فيها إلا الحياة السرية في المسيح يسوع حيث فيه نختبئ من الغضب، ونصير موضع سرور الآب! وأمّا قوله "هوذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب..." إنما يعني أنه يودّ أن يبقى في مكانه يُعلن حُبّه ورحمته، لكن إصرار سكان الأرض على الإثم تلزمه أنه يعاقب!

ثانيًا: لم يستطع الأممي خلال هذه المعرفة المعلَنة بالناموس الطبيعي، والمُسجلة خلال المنظورات أن يخلص، بل على العكس أخذ موقف المقاومة التي تظهر في الآتي:

أ. "لأنهم لما عرفوا الله، لم يمجّدوه أو يشكروه كإله، بل حمَقوا في أفكارهم، واِظلمّ قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" [21 - 23].

هذا الاتهام كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أخطر من الاتهام السابق، فإن الأمر لم يقف عند رفض الله الذي أعلن عن محبته وقدرته خلال مصنوعات يديه، وإنما لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه، بل استبدلوا عبادة الله الحيّ بالعبادة الوثنيّة. وكما قال الله على لسان إرميا: "لأن شعبي عمل شرين: تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم أبارًا أبارًا مشققة لا تضبط ماءً" (إر 2: 13). أمّا علّة انحرافهم فهو اتكالهم على الفكر البشري المجرد دون عون الله، "وبينما هو يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء"، فصاروا كما يقول الذهبي الفم كمن يبحِّرون في مياه مجهولة، فتتحطم سفينتهم على صخور صلدة، إذ حاولوا بلوغ السماء بعدما أطفأوا النور المضيء في داخلهم، متّكلين على ظلمة أفكارهم.

يرى القدّيس أغسطينوس أن سرّ هلاكهم هو جحودهم وعدم شكرهم، إذ يقول: [بجحودهم صاروا أغبياء، فما يهبه الله مجانًا (أي الحكمة) ينزعه عن غير الشاكرين[46].] كما يقول: [لقد رأوا إلى أين يجب أن يذهبوا، لكنهم بجحودهم نسبوا هذه الرؤية التي وهبهم الله إيّاها لأنفسهم، وإذ سقطوا في الكبرياء فقدوا ما قد رأوه، وارتدّوا إلى عبادة الأوثان والتماثيل والشياطين، يعبدون المخلوق ويحتقرون الخالق[47].].

هذا ويرى القدّيس أغسطينوس أن هؤلاء الذين نسبوا لأنفسهم الحكمة فسقطوا في العبادات الرذيلة هم الرومان واليونان والمصريّون الذين مجدوا أنفسهم تحت اسم الحكمة[48].

ب. إذ تركوا الله الذي يُعلن ذاته لهم خلال الطبيعة تخلَّى هو أيضًا عنهم كشهوة قلوبهم، هذا هو ما عناه الرسول بقوله: "لذلك أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، لإهانة أجسادهم بين ذواتهم" [24]. تركوه بإرادتهم، وإذ هو يُقدر الحرّية الإنسانيّة ويكرمها، أعطاهم سؤل قلبهم وهو تركهم، فمارسوا شهوات قلوبهم الشرّيرة، حيث ارتكب الرجال والنساء قبائح لا تليق حتى بالطبيعة [26 - 27].

ويرى القدّيس يوحنا كاسيان[49] أن الإنسان إذ يسقط في الكبرياء حتى وإن كان طاهرًا جسديًا، يسمح الله بالتخلّي عنه لكي إذ يسقط في شهوات جسديّة ظاهرة أمام عينيه يقدر أن يدرك الكبرياء الخفي الذي لا يراه.

لهذا السبب نجد كثير من الشباب يسقطون في الرجاسات الجسديّة بالرغم من مواظبتهم على وسائل الخلاص، من دراسة في الكتاب وتقديم صلوات، وربّما اعتراف وتناول، لكن العلّة الرئيسية لسقوطهم هو كبرياء قلوبهم. بالكبرياء يفقد الإنسان نعمة الله التي تهبه القداسة، فينهار تحت ثقل شهوات جسده وفساده.

ويحدّثنا القدّيس بفنوتيوس عن سماح الله لنا بهذا الانحراف، معلنًا أننا نحن السبب في هذا الفساد، إمّا بسبب كبريائنا أو إهمالنا، إذ يقول: [علينا أن نعرف أن كل شيء يحدّث، إمّا بإرادته أو بسماح منه، فكل ما هو خير يحدّث بإرادة الله وعنايته، وكل ما هو ضدّ ذلك يحدّث بسماح منه، متى نُزعت حماية الله عنّا بسبب خطايانا أو قسوة قلوبنا أو سماحنا للشيطان، أو للأهواء الجسديّة المخجلة أن تتسلط علينا، ويُعلمنا الرسول بذلك، مؤكدًا: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان" (رو 1: 25)، وأيضا: "كما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم، أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 28). ويقول الله بالنبي: "فلم يسمع شعبي لصوتي، وإسرائيل لم يرضَ بي، فسلّمتهم إلى قساوة قلوبهم، ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم" (مز 81: 11 - 12) [50].].

يقول الأب يوحنا كاسيان: [من عدل الحكم الإلهي أن تُعطى المواهب الصالحة للمتواضعين، وتُمنع عن المتكبِّرين المرفوضين الذين يقول عنهم الرسول أنهم مستحقون أن يُسلّموا إلى ذهن مرفوض (رو 1: 28) [51].].

إذًا اختار الإنسان في شرّه الفساد، حلّ الفساد به، أمّا الله فهو "مبارك إلى الأبد، آمين" [25] وكأن ما يرتكبه الإنسان إنما يحلُ به لا بالله. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الفيلسوف لا يتأثر بإهانة الجهلاء له، فكم بالحري الله الأزلي غير المستحيل، لا تبلغ وقاحة الناس إلى طبيعته المجيدة التي لا يعتريها ظلّ دوران[52].].

يقف القدّيس الذهبي الفم هنا قليلاً ليسألنا أن نتشبّه بالله الذي يحتمل الأشرار ولا يتأثّر بشرّهم، فإن طبيعته أسمى من أن تتأثر بهم، هكذا إذ نتشبّه به نحتمل نحن أيضًا شرور الأشرار، إذ يقول: [يليق بنا ألاّ نحاول الهروب من الإهانات بل بالأحرى نحتملها، لأن مثل هذا الاحتمال هو الشرّف بعينه. لماذا؟ لأنه في قدرتك أنت أن تحتمل، أمّا تصليح الآخرين فهو من عمل الغير. أتسمع صدى الضربات التي تسقط على الماس؟ قد تقول هذه هي طبيعة الماس. حسنًا، وأنت في مقدورك أن تتدرّب على ما هو للماس بالطبيعة. ألم تسمع كيف لم تؤذِ النار الثلاثة فتية؟ وكيف ظلّ دانيال في الجب سالمًا؟ فما حدث لهؤلاء ممكن بالنسبة لنا، إذ يوجد حولنا أسود الشهوة والغضب مستعدّة لتمزيق من يسقط تحت قدميها. إذن كن كدانيال واِثبت، فلا تجعل الانفعالات تنشب بأظفارها في نفسك. تقول: هذا من فعل النعمة. حقًا، لكن النعمة تنساب خلال تدريب الإرادة، فمتى كنّا مستعدّين لتدريب أنفسنا على نمط هؤلاء الرجال، تنساب النعمة في داخلنا، عندئذ تقبع الوحوش في مذلّة قدّامنا بالرغم من جوعها. فإن كانت الوحوش قد تراجعت أمام عبد، أفلا تتراجع بالأحرى أمام أعضاء جسد المسيح (أمامنا)! [53].].

ج. ربّما يعتذّر البعض بأن ما يرتكبوه من شرور هو ثمرة ضعف الطبيعة البشريّة وجرْيها وراء اللذّات بلا ضابط، لذا أوضح الرسول أن الإنسان في شرّه صار يمارس حتى ما هو مخالف للطبيعة، يسيء للطبيعة عنه لتحوّل حياتهم إلى جحيم، إذ يقول: "لأن إناثهم استبدلْن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق" [26 - 27].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا إذ يتحدّث عن العالم يضع أمامهم اللذّة الطبيعية التي كان في مقدورهم الاستمتاع بها في طمأنينة وفرح قلبي، متحاشين الأعمال المخزية، لكنهم لم يريدوا... إذ أهانوا الطبيعة عينها... جلبوا عارًا على الطبيعة، وداسوا على القوانين الإنسانيّة في نفس الوقت[54].].

يرى القدّيس بوحنا الذهبي الفم أن الإنسان قد حوّل حياته إلى حرب داخليّة وجحيم لا يُطاق، فإن كان الله قد وهب بالطبيعة أن يتزوج الرجل بامرأة، ويصير الاثنان جسدًا واحدًا في انسجام الحب والألفة، أهان الاثنان نفسيهما ودخل كلاهما في حرب داخليّة، فجرت النساء وراء بعضهن البعض وأيضًا الذكور، فتحوّلت الحياة الإنسانيّة إلى انشقاقات وحروب داخليّة لا تنقطع، تقوم ليس فقط بين الرجل وامرأته، وإنما بين النساء وبعضهن البعض، والذكور وبعضهم البعض، فنالوا في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق [27]. هذا ما أكّده كثير من الآباء وهو أن الخطيّة تحمل فسادها فيها، فتسكب من هذا الفساد على مرتكبها ليحمل عقوبته، ليس فقط كأمرٍ يصدر ضده من الخارج، وإنما خلال ممارسته الشرّ عينه.

د. قدّم صورة بشعة للإنسان في شرّه، إذ صار لا يطلب اللذّة الطبيعية فحسب، وإنما صار مفسدًا للطبيعة عِوض السُمو بها. فبدلاً من أن يرتفع بالروح، ليسمو بغرائزه الحيوانية، ليصير جسده بغرائزه مقدسًا للرب، صار في بشاعته مفسدًا للطبيعة، يفعل ما لا يرتكبه الحيوان خلال العلاقات الجسديّة الشاذة، سواء بين الإناث وبعضهن البعض أو الذكور وبعضهم البعض. الآن يقدّم لنا قائمة مرّة بما ترتكبه البشريّة المنحرفة، وقد لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يذكر في قائمته هذه التعبيرات: "مملوءين"، "من كل"، "مشحونين". وكأن الآثام لم تعد أمرًا عارضًا في حياة الإنسان، لكنها تملأ كيانه الداخلي، وتشحنه تمامًا ليرتكب لا إثمًا أو إثمين وإنما "كل إثمٍ"!

ه. العجيب أن الخطايا والآثام تحطِّم سلام الإنسان وتفقده فرحه الداخلي، لكنها في نفس الوقت تدفع مرتكبها نحو العجرفة والكبرياء، لذلك جاءت القائمة تصفهم هكذا: "مفترين، مبغِضين لله، ثالبين، متعظمين..." [30]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [التشامخ مع الخطيّة طامة كبرى... إن كان الذي يعمل صلاحًا يفقد تعبه إن انتفخ، فكم يكون إثم الذي يضيف إلى خطاياه خطيّة التشامخ؟ لأن مثل هذا لا يقدر أن يمارس التوبة[55].].

و. إن تأملنا هذه القائمة من الآثام والشرور نشعر أن البشريّة إذ سلّمت نفسها بنفسها للعصيان ومقاومة الله مصدر حياتها وتقديسها، صارت ملهى للخطايا، كل خطيّة تلهو بالإنسان، لتُلقي به في أيدي خطايا أخرى، وهكذا يصير أضحوكة كل الآثام والشرور، ويمكننا هنا في شيء من الاختصار أن نورد ترتيب هذه القائمة هكذا:

* يبدأ الإنسان يلهو بلذّة الجسد فيستسلم للزنا [29].

* إذ يتقوقع الإنسان حول لذته الجسديّة، يطلب ما هو لذاته، حتى وإن بدا في الظاهر سخيًا ومبذِّرًا، لكن يتملكه حب الطمع، الأمر الذي يدفعه أيضًا إلى الخبث لتحقيق غايته هذه [29].

* أمّا الطمع فيسبب حسدًا وخصامًا ومكرًا وربّما يؤدى إلى القتل [29].

* هذا الحسد والمكر يدفع الإنسان إلى الاعتداد بذاته، فيصير متعاظمًا [30].

* حب العظمة ينحرف بالإنسان إلى الابتداع وترك الحق [30].

* رفض الحق يدفع الإنسان إلى تعدى الطبيعة، فيصير غير مطيعًا للوالدين [30].

* إذ يتعدى الإنسان حتى أبسط نواميس الطبيعة يفقد الفهم [31]، ويكسر كل عهد طبيعي أو مكتوب، ويخسر طبيعة الحب والحنوّ [31]، بهذا يسقط تحت تحذير الرب: "لكثرة الإثم تفتر المحبّة" (مت 24: 12)، فيصير أبشع من الحيوانات المفترسة التي تتحد معًا كجماعات بحكم الغريزة، أمّا الإنسان فيكره أخاه.

ز. في هذا الانحدار البشري إلى ما هو أدنى من الطبيعة تبلّدت القلوب البشريّة فلم يستكينوا للشر فحسب، وإنما صاروا يفرحون بمن يسقط مثلهم، إذ يقول الرسول: "الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط، بل أيضًا يُسرّون بالذين يعملون" [32].

ط. يلاحظ في هذا السفر بوجه عام أنه إذ يتحدّث عن الأمم يُعلن دور الناموس الطبيعي بكونه، كما يقول العلامة ترتليان[56]، ناموس الله الذي يسود العالم منقوشًا على لوحي الطبيعة، لذلك يقول الرسول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس..." (2: 14). وفي هذا الأصحاح يتحدّث عن الأمم في شرٍ ككاسري ناموس الطبيعة الذين "يفعلون ما لا يليق" (1: 28)، كأن تستبدل الإناث "الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة" (1: 26). وعندما يتحدّث الرسول عن التزام المرأة بغطاء الرأس أثناء الصلاة، يقول: "أم ليست الطبيعة نفسها تعلمكم...؟" (1 كو 11: 14).

فالمسيحي إذن ملتزم بناموس الطبيعة، بل ويسمو ليبلغ لا إلى تكميل الناموس الموسوي، بل إلى الوصيّة الإنجيليّة العالية.

الباب الثاني.

الجانب التعليمي.

التبرير بالإيمان العامل بالمحبّة.

ص 2 - ص 11.

1. اليهودي وبرُ الله 2 - 10.

حاجة اليهودي للخلاص 2.

الاتّكال على أبوة ابراهيم 4–6.

الاتّكال على برّ الناموس 7 - 8.

الاتّكال على الاختيار 9 - 10.

2. الأممي وبرُ الله 11.


[1] Strong: Greek Dictionary of the N. T. , article 4517.

[2] J. Hastings: Dictionary of the Bible, N. Y. 1963, p 862.

[3] مذكرات القس مينا إسكندر على الرسالة، بالإكليريكية الإسكندرية.

[4] Donald Guthrie: N. T. Introduction, 1975, p 393 - 4.

[5] اسم لاتينى معناه "الثالث".

[6] اسم يونانى معناه "دخن"، وتسمى حاليٌا "كخريس".

[7] Jerome Biblical Comm. , p 292; Guthrie p 395.

[8] Guthrie, P 400 - 404.

[9] Origen & the Doctrine of Grace, 1960, p. 48.

[10] Incar. 3.

[11] Against Arians 2: 67.

[12] J. Hastings: Dictionary of the Apostolic Church, v. , p 370 - 371.

[13] In Rom, hom 1.

[14] In Rom, hom 1.

[15] Of the Christian Faith, 5: 9 (115).

[16] Of the Christian Faith, 1: 16 (104).

[17] In Rom. hom 1.

[18] Cat. Lect. , 12: 23.

[19] City of , 17: 8.

[20] In Rom. hom 1.

[21] In Rom. hom 1.

[22] Of Christian Faith, 3: 5 (34).

[23] Oration. 37: 7.

[24] للمؤلف: آباء مدرسة إسكندرية الأولون، العلامة أوريجينوس، النعمة.

[25] In Rom. hom. 1.

[26] In Rom. hom. 1.

[27] Erdman: The Epistle to Romans, p 25.

[28] In Rom. hom. , 1.

[29] Of the Holy Spirit 1: 12 (126).

[30] In Rom. hom 2.

[31] In Rom. hom 2.

[32] In Rom. hom 2.

[33] In Rom. hom 2.

[34] In Rom. hom 2.

[35] In Rom. hom 2.

[36] Strom. 5: 1.

[37] In Rom. hom 2.

[38] In Rom. hom 2.

[39] In Rom. hom 2.

[40] Adv. Marc. 5: 13.

[41] Strom 2. 6.

[42] City of 20: 26.

[43] In Rom. hom 2.

[44] On Christian Doctrine 1: 4.

[45] Of Christ. Faith 1: 10 (62).

[46] In Ioan. tr 14: 3.

[47] In Ioan. Tr 2: 4.

[48] City of 8. 10.

[49] Instit. 12: 21.

[50] Conf. 3: 20.

[51] Conf. 3: 20.

[52] In Rom. hom 3.

[53] In Rom. Hom. 4.

[54] In Rom. Hom. 4.

[55] In Rom. Hom. 5.

[56] De Corona 6.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

الأصحاح الثاني - تفسير الرسالة إلى رومية - القمص تادرس يعقوب ملطي