الفصل الرابع إعتراضَاتِ فى مَناقشة المطْهَر – لماذا نرفض المطهر – البابا شنودة الثالث

الفصل الرابع إعتراضَاتِ فى مَناقشة المطْهَر

الذين يعَاصرون القيامة

يقول القديس بولس الرسول: ((أما نحن الأحياء إلى مجئ الرب، لا نسبق الراقدين... لأنه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله، سوف ينزل من السماء. والأموات فى المسيح سيقومون أولاً ثم نحن الأحياء الباقين، سنخطف جميعاً معهم فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء، وهكذا نكون كل حين مع الرب)) (1 تس 4: 17، 16).

فهؤلاء الذين يعاصرون القيامة، ويخطفون إلى السماء، لا يدخلون المطهر طبعاً، مهما كانت لهم خطايا عرضية أو غيرها. فكيف يتم العدل الإلهى، كاثوليكياً؟

ومن غير المعقول أن نقول إن كل الذين يخطفون إلى السماء، لم تكن لهم ساعة الاختطاف أية سهوات أو هفوات، أو أية خطية أخرى يرى المعتقد الكاثوليكى أنها تحتاج إلى عقوبة.

فإن كان عدل الله يسمح بمسامحة هؤلاء المختطفين، فبنفس المنطق ألا يسامح السابقين لهم فى الزمن، مادامت العدالة الإلهية راضية، ولا حاجة إلى مطهر...

أم هل يحتج البعض ويقولون: كيف يختطف هؤلاء دون أن يتطهروا؟!

ويبقى السؤال قائماً: كيف التصرف مع هؤلاء؟ وكيف يمكن تحليل الأمر لاهوتياً...

وبنفس المنطق يمكن أن نسأل عن مجموعة أخرى من معاصرى القيامة:

كانت عليهم عقوبة. وجاءت القيامة قبل أن يتمموها...

ومعروف فى المعتقد الكاثوليكى أنه لا مطهر بعد القيامة. فما العمل فى باقى العقوبة التي لم تستوفَ. هل تتنازل عنها الكنيسة؟ وهل يتنازل عنها الله؟ وإن كان التنازل ممكناً، فلماذا لا يعمم؟ ولماذا يطبق على كل من يدركه الموت – وليس القيامة – قبل أن يتمم العقوبات المفروضة عليه؟ حينئذ لا يكون مطهر...

أما إن كان التنازل غير ممكن، أو هو ضد العدل الإلهى...

فإن مشكلة لاهوتية تقوم، وتبقى بلا حل...!

(2) مشكلة الجسَد والروح

حسب عقيدة المطهر، طبيعى أن الروح فقط هى التى تتطهر بعذابات المطهر فماذا إذن عن تطهير الجسد؟ سيأتى يوم القيامة، وتتحد الروح بالجسد. وهنا المشكلة:

هل تتحد الروح التى – فرضاً – قد دفعت ثمناُ غالياً فى نار المطهر لأجل تطهيرها، هل تقبل أن تتحد بجسد لم يتطهر، وكان شريكاً لها فى بعض الخطايا، ويأتى ليتحد معها بسهولة. أم تقول الروح له: ابعد عنى. أنا قد تطهرت بالنار، وأنت لم تزل من الأشرار!!

كمنظر عروس جميلة، يريد أن يتزوجها رجل أبرص، فتنفر منه، وترفض أن تكون معه جسداً واحداً ولعل الروح المطهرة تقول للجسد الذى لم يتطهر، هوذا الكتاب يقول:

((أية شركة للنور مع الظلمة؟!)) (2 كو 6: 14).

ولعل البعض يقول: إن الجسد قد تطهر، بعذاب آخر، حينما أكله الدود، وتحول إلى تراب! والرد عليه جاهز. وهو أن الجسد لم يتعذب مطلقاً. فهو حينما مات، لم يعد يحس مطلقاً، ولم يشعر بدود، ولا بالتحول إلى تراب... إذن أين العذاب الذى يماثل عذاب الروح؟!

فإن قيل إن الجسد يتطهر حينما يقوم جسداً روحانياً (1 كو 15: 44).

هذا حسن وصدق. ولكن هذه العملية تمت بنعمة الله وهباته، ولم يساهم فيها الجسد بأى ثمن، ولم يقم بوفاء للعدل الإلهى، ولا بوفاء قصاصات كنسية فلماذا يحدث له هكذا، ويأخذ هذا التغيير والتجلى بلا ثمن، بينما الروح تدفع الثمن، كما تقول عقيدة المطهر؟!

وهل يعامل الله الجسد بهذا التمييز، بينما الروح التى هى أرفع فى مستواها، لا تحظى بشئ من المساواة؟!

لا شك أنها مشكلة، تواجه عقيدة المطهر...

وتنتظر إجابة عادلة...

هل تطالب الروح بأن يدخل الجسد مثلها إلى النار، ويدفع الثمن، ويأتيها متطهراً؟! ولكنه لا يشعر بعذاب النار، إلا إذا إتحدت به الروح، واصبح بذلك يحس ويشعر... والاتحاد يكون فى وقت القيامة.

من أجل هذا، تكون دينونة الجسد والروح، هى بعد القيامة.

بعد إتحادهما معاً... وهنا تبطل نار المطهر التى يقال إنها بعد الموت مباشرة... قبل القيامة... والكاثوليك يقولون إنه لا مطهر بعد القيامة... وبعد القيامة تكون النار للدينونة وليس للتطهير...

وتبقى المشكلة بلا حل...

+ + +.

(3) قديسُو العهَد القديم

هل دخل أحد إلى (المطهر)؟ من أمثال آبائنا ابراهيم ونوح ولوط وايليا وداود، والأنبياء... أقصد هل كابدوا عذابات مطهرية للتكفير عن خطاياهم؟ ولا شك أنه كانت لهم أخطاء، فالكتاب يقول ((ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد)) (مز 14: 3). وقد ذكر الكتاب بعض خطايا هؤلاء القديسين، على الرغم من برهم.

فإن كانوا فى العهد القديم لم يدخلوا مطهراً، فهل يكون الدخول فى المطهر من سمات العهد الجديد عهد النعمة؟!

وإن قلت: كانوا قبل الصليب فى الهاوية، أو فى الجحيم... أقول لك: ولكنهم ما كانوا مطلقاً فى مكان عذاب، ولم يكابدوا عذابات مطهرية. إنما كانوا فى مكان إنتظار، يرقدون على رجاء، فى إنتظار الخلاص.

فما موقف العدل منهم؟ نفس (العدل الإلهى) الذى باسمه يوجد المطهرية؟!

ولماذا لا تطالب (النفوس المطهرية) بنفس المعاملة التى عومل بها قديسو العهد القديم؟ ويبقى السؤال بلا جواب... ونعود فنسأل:

وإن كان السيد المسيح قد طهر قديسى العهد القديم، فلماذا لم يطهر أبناء النعمة فى العهد الجديد؟!

+ + +.

(4) ما فائدة الصَلوات؟!

إن كانت النفوس التى فى (المطهر) تعان بصلوات الأحياء، فلماذا هى باقية فيه؟ على الرغم من كل القداسات المقامة، ومن كل الصلوات المرفوعة، ومن كل الصدقات المدفوعة، وعلى الرغم من الغفرانات المحسوبة لهم، وعلى الرغم من تخليص السيدة العذراء الكاملة الطهر وشفاعتها المقبولة...؟!

هل ستظل باقية ((حتى توفى الفلس الأخير)) (متى 5: 26)؟!

وهل كل الصلوات والغفرانات والشفاعات، لا تقوى على نار المطهر هذه، إلا بتخفيف حدتها، وتقليل مدتها، أحياناً...؟! وهل الخطايا العرضية تستحق كل هذا العذاب، وكل هذا التوسل، من الكنيسة، أحيائها، وقديسيها المنتقلين؟!

وإن كانت الكنيسة لها سلطان التخفيف، فلماذا لا يكون لها سلطان الإلغاء؟

وهل يفلت المؤمنون من عقوبة (الخطايا المميتة) الثقيلة بوفاء عقوبات عنها، ثم يتعذبون فى المطهر بسبب هذه الخطايا العرضية؟!

حيث يقول الشخص فى قانون الإيمان ((أعتقد أعتقاداً ثابتاً بوجود مطهر، وأن النفس المحبوسة فيه تغاث بصلوات المؤمنين)).

(5) المطهر تطهير أم تكفير؟

سؤال هام نسأله فى موضوع المطهر، وهو:

هل المطهر هو مطهر؟ هل هو للتطهير أم للتكفير؟

هل تدخله النفوس لتتطهر من ذنوبها، أم لتكفر عن ذنوبها؟

وإن كان القصد هو التطهير، فالنفوس تتطهر بالتوبة، وبالرجوع إلى الله، وبعمل الله فيها... الله الذى قال ((ارش عليكم ماء طاهراً فتطهرون من كل نجاساتكم، ومن كل أصنامكم اطهركم. وأعطيكم قلباً جديداً... وأجعل روحى فى داخلكم، وأجعلكم تسلكون فى فرائضى...)) (حز 36: 25 - 7)... هكذا يكون التطهير، وليس بالتعذيب.

أما إن كان القصد هو وفاء العدل الإلهى، ووفاء الديون التى على النفس، والتخلص من القصاص بالعذاب، يكون الهدف هو التكفير وليس التطهير. ويكون إسم (المطهر) إسماً لا ينطبق على الواقع.

وهذا هو الحادث تماماً... وهذا هو الهدف منه. وهذه هى العقيدة الكاثوليكية التى تعبر عنها كل الكتب التى صدرت عن المطهر: ((إنسان لم يوف عقوباته على الأرض، لم يوف العدل الإلهى... فيكفر عن تلك الخطايا فى المطهر، لأن السماء لا يدخلها دنس ولا رجس)) (رء 21: 27). وهذا هو الموقف حتى من الإنسان البار الصديق الذى أرتكب هفوات!! (أم 24: 16). ويسأل المؤلف بكل جرأة: وماذا عن خطيته، والسماء لا يدخلها دنس؟! والإجابة واضحة، يقول القديس يوحنا الرسول:

((إن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند الله الآب: يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً)) (1 يو 2: 2، 1).

أما نسيان كفارة المسيح، أو أعتبارها غير كافية، والاعتماد على عذاب الإنسان فى المطهر لوفاء العدل الإلهى، فهذا أمر ضد الإيمان المسيحى. وما أسهل أن نورد هنا عشرات الآيات الخاصة بالفداء الذى قدمه السيد المسيح، والكفارة التى قدمها. وليس فقط أنه منحنا الخلاص. وإنما بالأكثر حصر الخلاص فيه وحده. ويكفى قول القديس بطرس الرسول عن الرب:

((ليس بأحد غيره الخلاص)) (أع 4: 12).

ويتابع القديس كلامه فيقول ((لأن ليس إسم آخر تحت السماء، قد أعطى بين الناس، به ينبغى أن نخلص)) (أع 4: 12). أما فى عقيدة المطهر، فكون الإنسان يوفى عن نفسه العدل الإلهى، فمعناه أن يقوم بخلاص نفسه بنفسه، وكان المسيح لم يخلصه. ويرفض أن يقول مع داود النبى ((كأس الخلاص آخذ، وباسم الرب أدعو)) (مز 116: 13). وتكفير الإنسان عن خطاياه، تعليم ضد الإنجيل.

ومع ذلك فالتكفير بالأعمال البشرية تعليم إنتشر بين البعض...

كإنسان يتعبه ضميره بسبب خطيته، فيقول: أكفر عن خطيتى بأيام صوم أفرضها على نفسى!! أو ببعض أعمال النسك! كلها تعبيرات لا نتفق مطلقاً مع الفهم اللاهوتى للكفارة...

وهؤلاء الذين يقولون: لابد أن يذهب الإنسان إلى المطهر، ليكفر عن خطاياه العرضية، وعن خطاياه الأخرى المغفورة التى لم تستوف عقوبتها... إنما يذكروننى بصرخة داود النبى وهو يقول:

((كثيرون يقولون لنفسى: ليس له خلاص بإلهه)) (مز3).

أما نحن فنؤمن بخلاص الرب، خلاصه الكامل الشامل، الذى يشمل وصمة الخطية، وعار الخطية، وعقوبة الخطية، خلاصه الذى يشمل كل ما يطلق على الخطية من أسماء: العرضية والمميتة، والإرادية وغير الإرادية، وخطايا الجهل، والخطايا الخفية والظاهرة... الكل بلا استثناء. كما يقول الكتاب:

((والرب وضع عليه إثم جميعنا)) (اش 53: 6) ((ودم يسوع المسيح إبنه، يطهرنا من كل خطية... ومن طل إثم)) (1 يو 1: 9، 7).

ما دام الرب ((قد وضع عليه إثم جميعنا))، إذن فليس علينا إثم بعد. لأنه قد نقل عنا (2 صم 12: 13)... نقل عنا إلى الحمل الذى يرفع خطايا العالم كله (يو 1: 29). نعم لا يكون علينا إثم، ما دمنا قد آمنا بالمسيح وبخلاصه وفدائه وتبنا... وسلكنا فى النور، ولم نخالف عقيدة إيمانية... إذن ((لا شئ من الدينونة)) علينا بعد (رو 8: 1).

هذا هو خلاص الرب، الكامل الشامل، الرافع لكل عقوبة.

هذا هو الخلاص الذى رفع عنا كل دينونة. كما يقول الرب نفسه ((الحق الحق أقول لكم إن من يسمع كلامى، ويؤمن بالذى أرسلنى، فله حياة أبدية، ولا يأتى إلى دينونة، بل قد أنتقل من الموت إلى الحياة)) (يو 5: 24). وعبارة ((لا دينونة)) يكررها القديس بولس الرسول أيضاً فى (رو 8: 1). لا دينونة إذن على خطايا قد غُفرت. ما دام الإنسان قد تاب، فهو قد تطهر من خطيته، واستحق تكفير المسيح عنها بدمه.

عملية التطهير تتم بدم المسيح وليس بنيران المطهر.

أما العذاب فى المطهر، فإنه لا يطهر، ولا يكفّر عن خطية.

إن النفوس تتطهر بمحبة الله التى تحل محل محبة الخطية. ومحبة الله لا تأتى نتيجة التعذيب فى نار المطهر، تحت الأرض... والتطهير لا يأتى إلا بالتوبة، ولا توبة بعد الموت... فالعذارى الجاهلات أردن أن يبحثن عن زيت بعد الموت فلم يجدن، ووقفن خارج الباب (متى 25: 1 - 12)، على الرغم من أنهن كن عذارى، ينتظرن العريس، بإيمان أنه الرب، وكانت معهن مصابيح.

ومن الدلائل على أنه لا توبة بعد الموت، قول الرب لليهود:

((إن لم تؤمنوا أنى أنا هو، تموتون فى خطاياكم)) (يو 8: 24).

وقال لهم أيضا ((أنا أمضى، وستطلبوننى وتموتون فى خطاياكم. وحيث أمضى أنا، لا تقدرون أنتم أن تأتوا)) (يو 8: 21). فما معنى عبارة ((تموتون فى خطاياكم))؟ أتراها تعنى أن يتخلص الإنسان من هذه الخطايا بعد الموت ويتطهر ويذهب إلى الفردوس؟! كلا طبعاً، وإلا فما معنى قوله بعدها ((حيث أمضى أنا لا تقدرون أنتم ان تأتوا))؟!

(6) الغفرانات

الغفرانات عند أخوتنا الكاثوليك هى منح يمنحها الباباوات لمن يتلو تلاوات أو صلوات خاصة، أو لمن يزور أماكن مقدسة معينة.

والغفرانات لها علاقة وطيدة بالمطهر. فهى تساعد على خصم مدد منه (سنوات وأيام) سواء لشخص خاطئ، أو لشخص آخر، إن كانت هذه الغفرانات على نيته أو على ذمته.

كما قيل عن غفرانات الوردية، إنه يمكن تخصيصها كلها للنفوس المطهرية.

ونتيجة لكثرة التلاوات والصلوات والزيارات المقدسة التى يقوم بها بعض القديسين، قد يحصلون على غفرانات أكثر مما يحتاجون لتغطية عقوبة سهواتهم وخطاياهم العرضية. وتسمى هذه بزوائد فضائل القديسين. ويمكن أن تنفع النفوس التى فى المطهر، فتخفف عنهم العقوبة أو تقل المدة.

وسنذكر الآن بعض أمثلة من الغفرانات.

أمثلة من غفرانات الزيارات:

ورد فى كتاب ((قانون الرهبانية الثالثية العالمية)) الذى جمعه ((أحد الأخوة الأصاغر)) وطبع فى مطبعة الآباء الفرنسيسكان باورشليم سنة 1887 م:

إن الحبر الرومانى قد منح من يزور هيكل تلك الأخوية، فى الأيام المذكورة فى كتاب القداس الرومانى ((يربح فى ذلك اليوم ما يكسبه فى رومة عينها)). وقد أورد جدولاً بتلك الأيام وغفراناتها، لاغتنام هذا الخير من معرفة تلك الأيام، وما منح فيها من غفران:

1 - أول كانون الثانى – ختان السيد – غفران 30 سنة و30 أربعينية.

2 - سادس كانون الثاني – الغطاس – غفران 30 سنة و30 أربعينية.

4 - أربعاء الرماد وأحد الرابع من الصيام: لكلِ غفران 15سنة و15 أربعينية.

5 - أحد الشعانين: غفران25 سنة و25 أربعينية.

8 - كل يوم من الصيام الكبير – غير ما ذكر – لكلِ غفران 10سنوات و10 أربعينات.

11 - 25 نيسان – القديس مرقس الإنجيلى – غفران 30سنة و30 أربعينية.

15 - أحد العنصرة والأيام الثمانية التالية – غفران 30 سنة و30 ارعينية.

[يلاحظ أننا أخترنا بعض أمثلة أيام من تلك القائمة الطويلة].

وورد فى الكتاب أيضاً أن البابا لاون 13 منح غفران 300 يوماً لكل مرة يحضر فيها شخص الصلاة التى تقام لإكرام القديس فرنسيس السارونى.

وهناك غفرانات من البابا ليو الرابع، والبابا بسكال الثانى.

تسع سنوات غفراناً، لكل درجة يصعدها جاثياً من درجات السلم المقدس، وهى 28 درجة!!

أى غفران 252 سنة لصعود السلم كله...

أمثلة للغفران بسبب التلاوات:

  1. غفران 50 يوماً لكل مرة يقول فيها المصلى ((بسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد آمين)).
  2. غفران سبع سنوات وسبع أربعينات، لكل مرة تتلى فيها أفعال الإيمان والرجاء والمحبة. وهذه الأفعال عبارة عن صلوات كل منها عبارة عن ثلاثة أو أربعة أسطر.
  3. غفران 100 يوماً لكل مرة يقول فيها المصلى ((يا ملاك الله المتقلد حراستى من رأفته تعالى، أنر عقلى وأحرسنى، ودبرنى وارشدنى، وخلصنى من الشرير، آمين)).
  4. غفران 100 يوماً لكل مرة يقول فيها المصلى ((هلم يا روح القدس، واملأ قلوب مؤمنيك، وأضرم فيها نار محبتك المقدسة)).
  5. غفران 300 يوماً لكل من يدعو قلب يسوع الأقدس.
  6. غفران 300 يوماً كل من يقول ((يايسوع ومريم...)).
  7. غفران 7 سنين وسبع أربعينات، لكل من يقول ((يايسوع ومريم وماريوسف...)) إلخ...
  8. وورد فى كتاب تحفة الزهور الزكية للنفوس ص 279.

    غفران 100 يوماً لكل مرة ((أبانا..)) ولكل مرة ((السلام..

    غفران 10 سنوات، وعشر أربعينات، مرة فى النهار، لمن يتلوها جهاراً أو مع آخرين، فى كنيسة أو فى غير ذلك.

    + + +.

غفرانات خاصة بالوردية

ورد فى كتاب ((تحقيق الأمنية فى عبارة الوردية)).

الذى طبع فى القاهرة سنة 1986م، بعض وعود للقديسة العذراء منها:

ص15: أخلص كل يوم من المطهر من كان من مخلصى العبادة لورديتى.

ص20: كل غفرانات الوردية بأسرها يسوغ تخصيصها للنفوس المطهرية.

ص26: غفرانات وهبات عديدة أثبتها البابا لاون 13 فى السنوات 1899، 1892، 1887.

+ + +.

غفرانات خاصة بمسبحة قلب يسوع:

عن كتاب ((صلوات أحباء قلب يسوع)). صدر سنة 1956م.

وتتلى مسبحة قلب يسوع، على مثال مسبحة القديسة مريم العذراء، فتعطى الغفرانات الآتية:

ص 14 - غفران 300 يوماً، لمن يقول ((يا قلب مريم الحلو، كن خلاصى)). وغفران 100 يوماً لصلاة أخرى.

ص7 - غفران 300 يوماً لمن يقول أبانا، والسلام، والمجد، على نية الكنيسة.

ص22 - غفرانات منحها البابا بيوس التاسع سنة 1876، منها غفران 100 يوماً، وغفران 80يوماً، لصلوات.

ص48 - طلبة القربان المقدس – غفران سنتين، إذا تليت علانية.

+ + +.

غفرانات ساعة الموت:

إن كانت إلى جواره الوردية أو الأيقونة: يربح غفراناً بسببها. ولا يشترط أن تكون معلقة بجيدة، أو ملتوية على ذراعه، أو مضبوطه بيده. بل يكفى أن تكون على الفراش قريبه منه، ولو لم يرها ولا يلامسها ولا يعلم بها...

غفرانات شهر قلب يسوع:

وهى فى شهر يونيو، ومنها:

  1. غفرانات ممنوحة من البابا بيوس العاشر فى 8 أغسطس سنة 1906، وفى 26 يناير سنة 1908. يمنح غفراناً كاملاً لمن يزور الكنائس التى يحتفل فيها بشهر قلب يسوع فى آخر أحد من يونيو. فكل من يحرص على إقامة هذه الاحتفالات ينال:
  1. غفران 500 يوماً لأجل كل عمل صالح مآله أنتشارها أو إتقانها.
  2. غفراناً كاملاً فى كل مرة يتناول فيها القربان المقدس فى شهر يونيو.
  1. غفرانات ممنوحة من البابا لاون 13 فى 30 مايو سنة 1902:

غفران سبع سنوات وسبع أربعينات، وغفراناً كاملاً، لمن يحضر شهر قلب يسوع 10 مرات على الأقل، فى كنيسة أو بيت، ويزور كنيسة أو معبداً فى شهر يونيو.

ومن الأمثلة أيضاً: غفرانات سنة اليوبيل الخاصة بالموتى.

[المرجع كتاب: مختصر اللاهوت الأدبى].

+ + +.

مناقشة موضوع الغفرانات:

  1. المفروض فى الغفران أنه لمغفرة خطية أو خطايا:

فما معنى منح غفران، بسبب صلوات، أو تلاوات مقدسة، أو زيارة لأديرة أو كنائس؟! ما هو الشئ الذى يغفر هنا؟ إلا لو كانت كلمة L'Induligence لها معنى آخر غير الغفرانات، وإنها لكذلك. فالترجمة إذن تحتاج إلى تعديل.

  1. المبدأ اللاهوتى الثابت هو أن المغفرة وسيلتها التوبة.

((توبوا فتمحى خطاياكم)) (أع 3: 19) و ((إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون)) (لو 13: 5، 3). فما دخل التلاوات والزيارات بالمغفرة؟ وما دخل الاحتفالات بالمغفرة التى لا تكون إلا بالتوبة، سواء كانت احتفالات خاصة باليوبيل أو شهر قلب يسوع أو أعياد قديسين وما أشبه...؟! وأيضاً ما دخل العذراء فى الوردية بأمور المغفرة. يمكن أن تشفع العذراء، ولكن لابد من التوبة.

  1. إن الغفرانات عن طريق التلاوات والزيارات والاحتفالات، لا يمكن أن تتم بدون الرجوع إلى الله، ونقاوة القلب، بترك الخطية.
  2. مجرد التلاوات يغفل العمق الروحى للصلاة.

فما أسهل أن يكرر الإنسان صلاة عشرات أو مئات المرات، ويكون ذلك بلا عمق وبلا روح... والمسألة ليست كثرة تلاوات. فالصلاة ليست مجرد تلاوة. وإنما ينبغى أن تكون فيها عناصر روحية، كأن تكون الصلاة بإيمان، بخشوع، بحرارة، بفهم، بروح، بعاطفة وحب، بتأمل... إلخ. أما مجرد التلاوة للحصول على غفرانات، فأسلوب غير روحى...

وربما صلاة واحدة قصيرة بعمق وروح، تكون أكثر فائدة من مائة صلاة بمجرد التلاوة...

إن العشار صلى صلاة قصيرة، بكلمات قليلة، وخرج بها مبرراً (لو 18: 14). بينما كانت صلاة الفريسى أطول منه بكثير، ولم يستفد شيئاً! كذلك صلاة اللص اليمين كانت قصيرة، ولكنها بإيمان وعمق، فأستحق به وعد الرب له بالفردوس (لو 23: 43، 42).

  1. وما معنى تحديد الغفرانات بأيام وسنين واربعينات؟!

على أى أساس وضعت هذه الأرقام؟ وما سندها اللاهوتى؟ وما سندها الكتابى؟ وهل هى مجرد أقساط تدفع من حساب إنسان؟ وهل هى خصم من حساب المطهر، وعلى أى أساس؟!

وأيهما أسهل: أن يقول شخص (أبانا الذى) مرة، أم يقضى 100 يوماً فى عذاب المطهر؟ وأين التوازن بينهما.

بحيث أن من يتلو (أبانا الذى) مرة، يغفر له 100 يوماً!! مائة يوماً من أين؟ أو من ماذا؟ من أى حساب. وما معنى غفران252 سنة لمن يصعد درجات السلم المقدس جاثياً؟! هل صعود هذه الدرجات يوازى عذاب 252 سنة فى المطهر، بعذابات تشبه عذابات جهنم...؟!

على أى أساس وضعت هذه الأرقام والمدد من الغفرانات؟

ولعل الإجابة هى: على أساس السلطة الكنسية، والسلطة الممنوحة للكهنوت. ونحن نؤمن أيضاً بالسلطة الكنسية الكهنوتية. ولكننا نسأل:

على أى أساس منحت السلطة الكنسية هذه الغفرانات؟

نقول هذا لأنه من فم الكاهن تطلب الشريعة (ملا 2: 7). فماذا قالت الشريعة فى هذا الأمر؟ إننا نسأل...

  1. هل زيارة الأماكن المقدسة هى للبركة أم للغفران:

ما معنى أن زيارة مكان معين، فى يوم معين بالذات، تمنح غفران 30 سنة و30 أربعينية؟! وما ذنب الذى لم تسمح له ظروف عمله، أو ظروفه المالية، أو ظروف صحته بزيارة ذلك المكان المقدس؟! وما ذنب إنسان مكان سكناه بعيد جداً عن هذا المكان المقدس، هل يُحرم من المغفرة كل هذه السنوات، دون ذنب جناه، ويتمتع بها شخص آخر دون فضل منه، بل ظروفه أفضل؟!

  1. ما معنى أن يغفر لشخص 15 سنة لعمل، و25 سنة لعمل آخر، و30 سنة لعمل ثالث؟!

أو تختلف هذه الغفرانات باختلاف يوم الزيارة وموعده. أو تختلف مدة الغفران إن قيلت الصلاة سراً أو قيلت علانية! ولماذا الغفران أحياناً بالأيام، وأحياناً بالأربعينات، وأحياناً بالسنوات أو بعشرات السنوات؟!

بودى لو يقدم أحدهم رسالة علمية لأحد المعاهد اللاهوتية، ليشرح الحكمة فى هذه الأرقام وهذه الغفرانات، وأساسها اللاهوتى والكتابى والكنسى... لأنى وقفت أمامها متحيراً، كما وقف دانيال النبى أمام إحدى الرؤى على الرغم من شرح رئيس الملائكة له، وقال ((وكنت متحيراً من الرؤيا، ولا فاهم)) (دا 8: 27).

نحن نفهم أنه توجد مغفرة، أو لا مغفرة. أما المغفرة الجزئية المحددة بأرقام سنين وأيام، فلا نفهمها!

إنسان يتوب، فيغفر الله له. أو لا يتوب فلا يحظى بمغفرة. أما أن تغفر له مدة محددة، ويظل الحساب جارياً بينه وبين العقوبة... فهذا شئ لا وجود له فى الكتاب المقدس! وأما أن يموت هذا الإنسان، ويبقى حسابه جارياً، يسدده بعد الموت... فهذا أمر أكثر خطورة.

+ + +.

إن موضوع المغفرة عموماً، يحتاج إلى بحث مع أخوتنا الكاثوليك:

  1. هل المغفرة هى بدم المسيح وكفارته وفدائه يستحقها الإنسان بالتوبة، وينالها فى أسرار الكنيسة؟
  2. أم المغفرة هى بالقصاصات التى تقررها الكنيسة على التائبين؟
  3. أم المغفرة هى بوفاء العدل الإلهى بالعذاب فى المطهر؟ وتكفير الإنسان عن نفسه بعقوبات؟
  4. أم المغفرة هى بمنح الغفرانات حسب القوائم التى نشرنا بعضها؟
  5. أم المغفرة هى بزوائد القديسين، أو تخليص العذراء للنفوس المطهرية؟
  6. وهل المغفرة تكون كاملة أم جزئية؟
  7. وهل المغفرة تكون فقط من وصمة الخطية، وتبقى العقوبة قائمة؟ وتبقى على الإنسان دينونة لم ترفعها عنه كفارة المسيح؟

أما نحن فنؤمن بالبند الأول من هذه البنود السبعة. ونرى أن مغفرة الرب لنا كاملة وشاملة، لا ندخل بعدها فى دينونة. ولا عقوبة بعد الموت للخطايا المغفورة؟

+ + +.

ونحب بمناسبة الغفرانات التى تخصم من حساب القصاصات أو حساب المطهر، أن نتعرض لموضوع ((زوائد القديسين)):

(7) زوائد القديسين

نحن نؤمن بالقديسين، وببركتهم وشفاعتهم، ونمجد حياتهم الفاضلة، ونحتفل بأعيادهم، وندشن أيقوناتهم، ونبنى الكنائس على أسمائهم، ونتلو قصصهم فى كتاب السنكسار أثناء القداسات على المؤمنين، ونذكرهم فى ألحاننا وفى القداس الإلهى. ولكننا على الرغم من كل ذلك نسأل:

  1. هل يمكن أن تكون للقديسين زوائد؟ أو زوائد فضائل؟

إن المطلوب هو الكمال، فهل زاد أحد من القديسين على الكمال؟

يقول ربنا يسوع المسيح فى العظة على الجبل ((فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل)) (متى 5: 48). فهل أستطاع أحد من القديسين أن يصل إلى هذا الكمال المطلوب؟! هوذا القديس بولس الرسول يقول ((إن المسيح جاء إلى العالم، ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا)) (1 تى 1: 15). والقديس يوحنا الرسول يقول ((إن قلنا إنه ليس لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا)) (1 يو 1: 8). والقديس يعقوب الرسول يقول ((لأننا فى أشياء كثيرة نعثر جميعنا)) (يع 3: 2). وهوذا الرب نفسه يقول:

((متى فعلتم كل ما أمرتم به، فقولوا أننا عبيد بطالون)) (لو 17: 10).

من فينا تمم جميع الوصايا، ووصل إلى رتبة عبيد بطالين؟! فإن كنا لم نفعل بعد جميع ما قد أمرنا الرب به، فأين هو الكمال إذن. ولا أقول أين هى الزوائد؟ فلنسمع القديس بولس الرسول يقول:

((ليس إنى قد نلت أو صرت كاملاً، ولكنى أسعى لعلى أدرك)) (فى 3: 12).

ويكرر العبارة قائلاً ((أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت، ولكنى... أمتد إلى ما هو قدام، اسعى نحو الغرض)) (فى 3: 14، 13). فإن كان هذا القديس الذى تعب أكثر من جميع الرسل (1 كو 15: 10)، وصعد إلى السماء الثالثة (2 كو 12: 4، 2) يقول إنه لم يصل إلى الكمال، ولم يدرك، وإنه لا يزال يسعى لكى يدرك. فهل يعقل أن نقول عن قديس أن له زوائد؟ أو أن له فضائل فوق المستوى المطلوب؟!

فإن كان هذا المعنى غير مقبول، ننتقل إلى الآخر:

  1. هل يعقل أن إنساناً ينال غفراناً فوق احتياج خطاياه، فيزيد عن حاجته؟!

إن كانت خطاياه كلها قد غفرت، فما معنى أن تمنحه الكنيسة غفراناً ليس هو فى حاجة إليه، فيزيد عن احتياجه، ويبقى رصيدا يستخدمه لصالح غيره من النفوس المطهرية!!

وإن كان فى غير حاجة إلى غفران، فلماذا يطلب مغفرة خطاياه كل يوم فى الصلاة الربية.

بصراحة إن عبارة زوائد القديسين، هى عبارة زائدة.

يبقى بعد ذلك التفسير الثالث لزوائد القديسين وهو:

  1. إن هذا القديس تلا تلاوات كثيرة أخذ عليها غفرانات، وزار كثيراً من الأماكن المقدسة التى تحسب لها غفرانات، وأصبح له من كل ذلك رصيد يسمى زوائد.

الأمر لا يتعلق بفضائل زائدة، ولا بخطايا مغفورة!

وكل إنسان يستطيع أن يقوم بمثل هذه التلاوات والزيارات والأحتفالات المقدسة، ويكوَّن له رصيداً من غفرانات لا يحتاج إليها. ويبقى المفهوم اللاهوتى يحتاج إلى تفسير... ثم نسأل سؤالاً آخر:

  1. هل يمكن لإنسان أن يعطى من زوائده لغيره؟

ويجيب الرب عن هذا السؤال فى مثل العشر عذارى: حيث قالت الخمس الجاهلات للخمس الحكيمات ((أعطيننا من زيتكن فإن مصابيحنا تنطفئ)) فأجابت الحكيمات قائلات ((لعله لا يكفى لنا ولكنّ. بل أذهبن إلى الباعة وأبتعن لكنّ)) (متى9، 25: 8).

فى مسألة الخلاص والمغفرة، لابد من التوبة لكل أحد. وإلا فإن ((بر البار عليه يكون. وشر الشريرعليه يكون)) (حز 18: 20).

  1. كل ما نقوله إن القديسين يتشفعون. ولكن لا يعطون من (زوائدهم!) لآخرين...

لا أحد من القديسين له زوائد. ولا فضائل أحد يمكن أن تعطى لغيره... إنما هما يشفعون... ولعل البعض هنا يسأل: ألم يتفوق القديسون على غيرهم ويزيدون؟ نقول نعم، من جهة المقارنة بغيرهم يزيدون عن غيرهم. ولكنهم أمام الله لم يصلوا بعد إلى الكمال المطلوب، كما قال بولس الرسول عن نفسه (فى 3: 12 - 14).

  1. كما أن تفوق القديسين لا يوهب للغير، إنما له منزلته، وله أكاليله.

وفى هذا يقول الكتاب إن ((نجماً يمتاز عن نجم فى المجد)) (1 كو 15: 41). وقال بولس الرسول عن نفسه وجهاده ((وأخيراً وضع لى إكليل البر الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل...)) (2 تى 4: 8). بولس أخذ إكليل الجهاد، وإكليل البتولية، وإكليل الرسولية، وإكليل البر، وأيضاُ إكليل الشهادة. وقديسون آخرون أخذوا بعضاً من هذه الأكاليل، كل حسب مرتبته. ولكنهم لم يهبوا من أكاليلهم لآخرين.

إنما هم يصلون من أجلنا، وصلاة البار تقتدر كثيراً فى فعلها (يع 5: 16).

إنهم يعطوننا من بركتهم وصلواتهم. وليس من زوائدهم!

(8) مشاركة المسيّح

عَبارة لأب كاثوليكى

فى كتاب (المطهر) للأب لويس برسوم ص 47، بعد حديث طويل عن (العقاب الزمنى) الذى وقع على داود النبى، يقدم المؤلف اعتراضاً بخصوص الكفارة بدم المسيح، ويرد عليه فيقول:

((قد يقول قائل إن ذلك كان فى العهد القديم. وأما فى العهد الجديد فتكفى التوبة للفوز بدخول السعادة الأبدية. لأن المسيح قد كفر عنا. ومن ثم فلم يعد بعد عقاب أو عقوبات علينا، نحتاج أن نكفر عنها)).

((ولكن هذه مغالطة، أبعد ما تكون عن الواقع والحقيقة)). إذ كما يعلن القديس بولس ((إننا إنما نشارك المسيح فى آلامه، لنشارك فى مجده)) (رومية 8: 17). وهذا يعنى أننا ((إن لم نشارك المسيح فى عملية التكفير، قلما يكون عن خطايانا فلن نشاركه فى مجده))!!

تعقيب

صدقونى إننى قرأت هذه العبارة فذهلت من أمرين:

  1. أعتباره أن القول بأن المسيح قد كفر عن خطايانا، وإننا لم نعد فى حاجة أن نكفر عنها، إنما هو مغالطة أبعد ما تكون عن الواقع والحقيقة!!
  2. أعتباره أن الشركة فى آلام المسيح، تعنى أن نشارك المسيح فى عملية التكفير، على الأقل فى التكفير عن خطايانا!!

هذا الأمر يجعلنا ندخل فى موضوع أخطر من المطهر، وهو ما قام به المسيح من كفارة...

العجيب أن المؤلف يشرح بعد ذلك أنه لا خلاف أن المسيح هو فادى الأنام وليس سواه، وأنه ((ليس بأحد غيره الخلاص)) (اع 4: 12)، وأن دم المسيح يطهرنا من كل خطية (1 يو 1: 7). ثم يقول ((ومع ذلك لم يعف داود من العقاب الزمنى المرتب على الخطية)) ويستطرد:

((مما تقدم يبدو بوضوح بأن هناك – فضلاً عن العقاب الأبدى، الذى يعفى منه التائب بمجرد حله من وصمة الخطيئة، عقاباً زمنياً هو بمثابة تأديب، لا مناص من أحتماله للتكفير عن الخطيئة هذا العقاب الكفارة))، إن لم يأخذ مجراه فى هذه الدنيا، فلا مفر من أن يأخذ مجراه فى الآخرة، فى المطهر (ص48).

إذن لابد فى المعتقد الكاثوليكى، أن الإنسان لابد أن يكفر عن خطاياه، بعقوبات على الأرض، أو فى المطهر. وتعتبر هذه العقوبات شركة فى آلام المسيح كقول الأب الكاتب..!

وهنا نود أن نورد حقيقتين إيمانيتين اساسيتين وهما:

  1. الكفارة عن الخطايا هى بدم المسيح وحده... وحده.
  2. شركة آلامنا مع المسيح، ليست إطلاقاً شركة فى الكفارة.

المسيح هو الذبيحة الوحيدة المقبولة للكفارة عن الخطايا. لأن المفروض فى الذبيحة أن تكون بلا عيب، وأن تكون غير محدودة لتفى العقوبة غير المحدودة بسبب خطية غير محدودة، موجهة ضد الله غير المحدود. ومن هنا كان لابد من التجسد الإلهى.

أما الإنسان، فلا يصلح أن يكون كفارة، أياً كان.

((الجميع زاغوا وفسدوا، وأعوزهم مجد الله. ليس من يعمل صلاحاً، ليس من واحد)) (مز 14: 3، 2). والسيد المسيح يقول ((إن عملتم كل ما أمرتم به))، فقولوا إننا عبيد بطالون)) (لو 17: 10). لا الإنسان يمكنه أن يكفر عن خطيئته، ولا عن خطيئة غيره، لأنه إنسان خاطئ محدود ((وذبيحة الأشرار مكرهة للرب)) (ام 15: 8).

مهما تاب الخاطئ، ومهما أنسحق قلبه، ومهما مارس من تأديبات وعقوبات أرضية، ومهما صنع ثماراً تليق بالتوبة... فلن يشترك مع المسيح فى عملية التكفير..

إنه بكل هذا يستحق كفارة المسيح، لا أن يشترك معه فى التكفير عن الخطية.

إن الأمور اللاهوتية تحتاج إلى دقة فى الفهم، وإلى دقة فى التعبير. والكتاب المقدس بعهديه يحصر الكفارة فى الدم، فى دم المسيح وحده لا غير. لا يقوم إنسان بعملية التكفير، ولا يشترك فى عملية التكفير، مهما تألم، ومهما دخل فى شركة آلام المسيح...

وهنا نسأل: ما معنى شركة آلام المسيح؟

شركة آلام المسيح

يقول القديس بولس الرسول ((لأعرفه وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهاً بموته)) (فى 3: 10). وورد فى (فى 1: 29) لأنه قد وهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضاً أن تتألموا لأجله))... وتتألموا لأجله، ليس معناها أن تتألموا فى المطهر. كلا طبعاً وإنما:

تتألموا من أجل البر. وتتألموا لأجل الخدمة والكرازة ونشر الملكوت.

والقديس بطرس الرسول يقول ((إن تألمتم من أجل البر فطوباكم)) (1 بط 3: 14). هنا، تألمتم من أجل البر، وليس من أجل الخطايا والتكفير عنها، ووفاء العدل الإلهى... وبنفس المعنى يقول القديس بولس الرسول ((جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى فى المسيح يسوع يضطهدون)) (2 تى 3: 12). هذه هى آلام من أجل المسيح...

آلام الطريق الكرب والباب الضيق (مت7) والجهاد والتعب.

والقديس بولس الرسول الذى قال عن الرب ((لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه)) هو نفسه شرح شركة الآلام هذه فى (2 كو11)، وكلها عن تعبه فى نشر الكلمة، وما لاقاه فى سبيل ذلك من ضرب وجلد وسجن واضطهاد، وجوع وعطش، وبرد وعرى، باسفار مراراً كثيرة، بميتات مراراً كثيرة، باخطار فى البر والبحر، باخطار من اليهود ومن الأمم ومن أخوة كذبة.

وكل هذه الآلام لا علاقة لها مطلقاً بالمطهر، ولا بالتكفير عن الخطايا...

ولذلك بعد أن قال ((وهب لكم... أن تتألموا لأجله))، قال بعدها مباشرة ((إذ لكم الجهاد عينه الذى رأيتموه فىّ)) (فى 1: 30، 29). هذا التعب فى الجهاد، لأجل نشر الملكوت، هو الشركة فى آلام المسيح، التى قال عنها الرسول: لأن السيد المسيح هو الذى بدأ بالتعب لأجل الملكوت...

إنه ليس إطلاقاً شركة فى التكفير. فالتكفير عمل المسيح وحده. وليس هو عن آلام المطهر، لأن الرسول بعد قوله ((إن كنا نتألم معه، فلكى نتمجد أيضاً معه))، قال مباشرة:

((فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر، لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا)) (رو18، 8: 17).

إذن هو يتكلم عن آلام الزمان الحاضر، وليس عن آلام المطهر بعد الموت. هذا هو الألم نشترك فيه مع المسيح. ليس مطلقاً آلام التكفير التى كانت على الصليب. حاشا... أقرأ أيضاً أمثلة أخرى لهذه الآلام فى (2 كو4)، (2 كو6). يكفى الآن فقط أن نقتبس منها قوله ((فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله: فى صبر كثير، فى شدائد فى ضرورات، فى ضيقات فى ضربات فى سجون، فى اضطرابات فى أتعاب، فى أسهار فى أصوام...)) (2كو 6: 5، 4).

أما آلام التكفير فاجتازها المسبح وحده وهو يقول ((قد دست المعصرة وحدى، ومن الشعوب لم يكن معى أحد...)) (اش 63: 3).

هذا هو الذى قاله الرب ((الآتى من آدوم بثياب حمر)) (اش63: 1). وكون عملية الكفارة قد قام بها الله وحده، دون أية شركة معه من الإنسان، فهذا بلا شك يتفق مع قول الكتاب ((متبررين مجانا بنعمة، بالفداء الذى بيسوع المسيح، الذى قدمه الله كفارة...)) (رو3: 24).

إن قال أحد إن الإنسان يشترك مع الرب فى عملية التكفير، فإنه يناقض عقيدة الخلاص المجانى بالدم، بالفداء.

فكلمة (مجانا) فى (رو3: 24) معناها أن الإنسان لم يدفع أى ثمن من جانبه، لا إيماناً ولا أعمالاً. تقول إذن وما قيمة الإيمان والأعمال والتوبة وممارسة الأسرار من جهة الإنسان أليست اشتراكاً. أقول لك كلا إن ثمن الخلاص دفعه المسيح وحده.

أما الإيمان والأعمال والتوبة والأسرار، فكلها لكى نستحق هذا الخلاص المجانى وهذه الكفارة المجانية...

إن الإيمان ليس ثمناً للخلاص، ولا الأعمال هى الثمن، ولا الأسرار، ولا التوبة. إنما الخلاص ثمنه دم المسيح وحده وهو يوهب مجاناً للمؤمنين التائبين المعمدين...

التوبة فيها آلام: آلام الاعتراف، وكشف النفس، وتبكيت النفس، والخزى والعار وآلام الندم والدموع ووخزّ الضمير... وربما آلام تأديبات أيضاً. ولكن ليست هذه كلها تكفيراً عن الخطايا، ولا اشتراكاً فى التكفير. ولكن نفعل هذا لنصل إلى محبة الله ونقاوة القلب، ونستحق بذلك الخلاص المجانى، الذى ثمنه الوحيد هو دم المسيح وكفارته...

هذا الخلاص نلناه، لا بأعمال التوبة، ولا بالعقوبات والقصاصات.

((لا بأعمال فى بر عملناها، بل بمقتضى رحمته خلصنا، بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس، الذى سكبه علينا يسوع المسيح مخلصنا...)).

(تى3: 5، 6).

أما أعتبار الإنسان شريكا للمسيح فى عمل الكفارة، فلا يمكن إطلاقاً أن تسنده آية واحدة من الإنجيل. ولا يجوز إطلاقاً أن نفهم الشركة فى الآلام فهماً خاطئاً، ونعتبرها شركة فى عملية التكفير عن الخطايا. فآلام المسيح لم تكن فقط آلاماً على الصليب من أجل الفداء والكفارة، وإنما حياته كلها كانت سلسلة من الآلام، حتى قيل عنه إنه ((رجل أوجاع ومختبر الحزن)) (اش5: 3). والذى يدرس الكتاب جيداً، يعرف أن النار التى تعرضت لها ذبيحة المحرقة حتى تحولت إلى رماد (لا6)، هى غير النار التى تخبز بها تقدمة الدقيق (لا2). وليس الآن مجال شرح هذه الأمور البسيطة. وهكذا نحن نشترك فى آلام المسيح على الأرض، ولكن ليس آلام الفداء والكفارة.

+ + +.

(9) العقوبَات الكنسَية

يشدد أخوتنا الكاثوليك على العقاب الزمنى، أى الذى له زمن، وفى هذا يختلف عن العقاب الأبدى. ويقولون إن مغفرة الخطية، لا يمنع من عقوبتها بعد المغفرة. ويضربون لإثبات ذلك أمثلة من الكتاب، ثم يشددون فى لزوم هذا العقاب الزمنى، حتى إنه إذا لم يوف على الأرض، يصير وفاؤه فى المطهر بعد الموت... وهذه نقطة هامة فى عقيدة المطهر.

ونحن نوافق على عقوبة أرضية. لكن لا نوافق على عقوبة بعد الموت.

وكل العقوبات التى تحملها الأبرار أو التائبون، والتى سجلها الكتاب المقدس، كلها عقوبات أرضية، وليست عذابات بعد الموت. هى عقوبات أرضية، وليست عقوبات مطهرية.

كما أن الكتاب لا يقول إن هناك عقوبة أرضية على كل خطية.

وإلا وقع الإنسان فى اليأس. لأننا فى كل يوم نخطئ. ولأننا ((فى أشياء كثيرة نعثر جميعنا)) (يع3: 2). ((وإن قلنا إنه ليس لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا)) (1 يو1: 8). وإن كانت هناك عقوبة أرضية على كل خطية، لأصبحت حياتنا سلسلة لا تنقطع أبداً من العقوبات، وبهذا يقع الإنسان فى الإحباط.

والكتاب المقدس يحمل أمثلة عديدة لمغفرة بلا عقاب وبلا عذاب:

والإ فما هى العقوبة الأرضية التى وقعت على الإبن الضال (لو15)؟! أو ما هو العقاب الزمنى الذى تعرض له زكا العشار (لو19)؟! أو ماذا كانت العقوبة التى وقعها الرب على المرأة الخاطئة التى ضبطت فى ذات الفعل، والتى قال لها ((ولا أنا أدينك. أذهبى بسلام ولا تخطئى أيضا)) (يو8: 11).

أوما هو العقاب الزمنى الذى نالته المرأة الخاطئة التى بللت قدمى الرب بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها؟! هذه التى فضلها الرب على الفريسى. وقال إنه ((قد غفرت لها خطاياها الكثيرة، لأنها أحبت كثيراً)). ثم قال لها ((إيمانك قد خلصك، اذهبى بسلام)) (لو7: 37 - 50)... فهل ذهبت هذه أو غيرها إلى المطهر؟!

أو ما هى العقوبة الأرضية التى فرضت على إنكار بطرس؟! وما هو العقاب الزمنى الذى فرض على شاول الطرسوسى فى اضطهاده للكنيسة. حقاً إن بطرس وبولس تعبا فى حياتهما. ولكنه كان تعباً من أجل الكرازة له مكافأته وأكاليله ومجده. ولم يكن عقاباً على خطية...

نقطة أخرى نقولها. وهو أن العقوبة الأرضية هى للفائدة الروحية، وليس للتكفير...! ليست هى ثمن الخطية، إنما هى تأديب وعلاج.

إنها توقع لتقود إلى التوبة، كما حدث لخاطئ كورنثوس، أو لتقود إلى الانسحاق والاتضاع كما حدث لداود النبى. أو أنها تكون درساً للآخرين، مثلما قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس ((الذين يخطئون، وبخهم أمام الجميع , لكى يكون عند الباقين خوف)) (1 تى5: 20).

ولكن لا يمكن مطلقاً أن تكون للتكفير، أو لإيفاء العدل الإلهى.

أما ((أجرة الخطية فهى الموت)) (رو 6: 23) أى الموت الأبدى.

فإن أخطأ إنسان، وفرض عليه الكاهن صوماً أو مطانيات، فلا يكون هذا الصوم أو هذه المطانيات وفاء العدل الإلهى. فلا وفاء للعدل الإلهى إلا بدم المسيح.

إن القصاصات الكنسية لا علاقة لها مطلقاً بوفاء العدل الإلهى:

ايستطيع إنسان أخذ تأديبات من الكنيسة أن يقول الله: أنا الآن لست مديوناً لك بشئ، لأنى وفيت ديونى بالقصاصات الكنسية؟!!

هذا كلام لا يمكن أن يقبله أى لاهوت مسيحى. لأن ديوننا لم يستطع إيفاءها سوى دم المسيح، الذى هو وحده يطهرنا من كل خطية (1 يو 1: 7)... أما ما تفرضه الكنيسة من عقوبات، ما هو إلا لون من العلاج أو التأديب.

لذلك فعبارة (قصاصات)، لوفاء العدل الإلهى، عبارة غير سليمة.

ربما كلمة (تأديبات) أكثر توافقاً من كلمة (قصاصات)...

ونظام العقوبات بسنوات، لم يرد فى الإنجيل. ولكن وضعته الكنيسة.

طبعا وضعته بسلطانها الإلهى فى الحل والربط (متى 18: 18). نحن لا نمانع فى هذا. ولكن نمانع فى أن السلطان الإلهى يستخدم فى الربط، ولا يستخدم فى الحل..! إن الكنيسة التى فرضت العقوبة، بسلطانها أن ترفعها. وإن كانت قد فرضت عقوبة للعلاج، لتقود الخاطئ إلى التوبة، وبعد الموت لا علاج ولا توبة...

العقوبة الكنسية، كما تفرضها الكنيسة، يمكن أن ترفعها.

إذن من واجب الكنيسة أن ترفع عقوبتها عند الموت.

وإلا يكون فى صلاتها عن الموتى لون التناقض!!

لأنها فى صلاتها عن الموتى، أعنى عن المتنقلين، تطلب لهم من الله الرحمة والمغفرة، وأن يريحهم فى فردوس النعيم، بينما هى فى عقيدة المطهر لا تزال مصرة على العقوبة والقصاص، ومصرة على أن العدل الإلهى لم يستوفِ حقه بعد، ومصرة على أن المغفرة لا تمنع العقوبة، حتى عند الموت...!!!

والعقوبات الكنسية هى فى الحياة الأرضية فقط هى عقوبات أرضية.

ولا يمكن أن يكون لها إمتداد بعد الموت. والمفروض أن الكنيسة حينما تعطى عقوبة كنسية، تحالل الشخص منها فى جنازه، حينما تصلى عليه ((أوشية الراقدين)).

وتوجد أمثلة كثيرة فى القوانين الكنسية، كانت الكنيسة فيها توقف العقوبة عند التعرض للموت، وتسمح للمعاقب أو المقطوع من شركة الكنيسة أن يتناول من الأسرار المقدسة، ومنها:

(انقرا6) على الرغم من أن الذين ذبحوا للأوثان، كانت تحكم عليهم بسنوات.

حرمان من الكنيسة، إلا أن هذا القانون يقول:

((على أنه فى حين الخطر، أو توقع الموت لمرض أو لأى سبب، فليصر قبولهم بشروط محددة)).

(انقرا 22) عن القاتلين عمداً: يسمح لهم بالشركة التامة فى آخر حياتهم.

(قيصرية الجديدة – 6) ((إذا تزوجت إمرأة بأخوين، فتطرح خارجاً، أى من.

الشركة، حتى ساعة موتها، إذ يطبق عليها حينذاك فعل الرحمة، فتقبل مع التائبين، بشرط أن تتعهد إذا شفيت من مرضها أن تحل رباط الزيجة)).

(نيقية: 13). وهو أول مجمع مسكونى، يضع قاعدة وهى:

((إذا اشرف إنسان على الموت، فيجب ألا يحرم من الزاد الأخير الذى لا غنى عنه)) ((... وعلى الإجمال إذا أحتضر شخض، وطلب أن يناول القربان، فليمنحه الأسقف سؤله بعد الفحص)).

(قرطاجنة: 7) ويسمى هذا المجمع مجمع افريقيا (سنة417 م) - يقرر:

((إذا صار أحدهم فى خطر الموت أثناء غياب الأسقف، وطلب مصالحته أمام المذبح الإلهى، فيجب على القس أن يستشير الأسقف، ثم يصالح الرجل المريض حسب طلبه، موطداً إياه بالنصائح الخلاصية)).

(باسيليوس73): القديس باسيليوس الكبير معروف بتشدده. ولكنه يقول:

((من أنكر المسيح، ثم أعترف بخطيئته وتاب، وبقى نائحاً مدة حياته، يناول الأسرار المقدسة ساعة موته)).

(غ. النيسى 2): يقول القديس أغريغوريوس اسقف نيصص، وهو أخو القديس.

باسيليوس الكبير ما يشبه ذلك:

((الذين يسقطون دون تهديد أو اكراه وينكرون المسيح... لا يجوز قبولهم فى الشركة إلا ساعة موتهم)).

وهكذا نرى من كل ما سبق لقوانين القرن الرابع وبداية الخامس:

إن الكنيسة فى أكثرعصورها تشدداً، وفى أبشع الخطايا: مثل إنكار المسيح، والذبح للأوثان، والقتل العمد، ما كانت تترك الخاطئ يترك العالم وعليه قصاصات. بل كانت تقبله فى الشركة – إذا تعرض للموت – وتناوله من الأسرار المقدسة.

أما ما يقال فى عقيدة المطهر الكاثوليكية، من أن إنساناً يموت وعليه قصاصات من الكنيسة، يوفيها بعد موته بعذابات مطهرية، فهذا أمر لم يعرفه مطلقاً تاريخ الآباء الأولين، وأيضاً لا تعرفه الرحمة. ولا يوجد له أى سند كتابى...

نظام العقوبات الكنسية كان مرتبطاً بنظام الخوارس فى الكنيسة الذى ألغى قبل إعلان عقيدة المطهر بقرون طويلة.

كان الخاطئ المحكوم عليه من الكنيسة يقضى سنوات خارج الكنيسة، أو سنوات فى خورس الباكين، أو فى خورس الراكعين، أو فى خورس التائبين. ثم ينتقل إلى خورس المؤمنين، فيحضر قداس الموعوظين وينصرف، أو يحضر قداس القديسين ولا يتناول. ثم يسمح له بالشركة الكاملة والتناول من الأسرار المقدسة وهذا النظام أنتهى تماماً حوالى القرن السادس تقريباً.

+ + +.

أيضاً لا يمكن القول بإنه لابد من عقوبة، حتى على الخطايا (العرضية): إن لم نأخذها على الأرض، فلابد أن نأخذها بعد الموت! هذا الكلام غير مقبول...

+ + +.

لننظر ماذا قال الكتاب المقدس، فى العقوبات الكنسية أو العقوبات الأرضية، حتى بالنسبة إلى درجات صعبة من الخطيئة، كالانحراف فى الإيمان والتعليم، والسلوك بلا ترتيب... قال:

((إن كان أحد يأتيكم، ولا يجئ بهذا التعليم، فلا تقبلوه فى البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يسلم عليه، يشترك فى أعماله الشريرة)) (2يو 10: 11).

((نوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخر يسلك بلا ترتيب، وليس حسب التعليم الذى أخذه منا)) (2 تس 3: 6).

((تجنب مثل هؤلاء)) (1 تى 6: 5) ((لا تخالطوا الزناة)) (اتى 5: 9). ((لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا)) (1 كو 5: 11).

((الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع، لكى يكون عند الباقين خوف)) (1 تى 5: 20).

فهل يمكن أن تحل عذابات المطهر، محل إحدى هذه العقوبات؟

إذا كان المطهر يعتمد على عقوبات كنسية لم يوف حسابها. فلنبحث معاً ما هى هذه العقوبات؟ وهل هى متساوية مع المطهر، حتى يحل المطهر محلها؟

بعضها منع من التناول، أو ممارسة بعض أيام صوم، أو نسك معينة، أو بعض مطانيات (سجدات)، أو عدم قبول تقدمات ذلك الخاطئ...

فهل هذه العقوبات يحل محلها عذاب المطهر، لتوفى حسابها، وهل يكون هذا عدلاً...؟!

(10) الصلاة عَلى المنتَقلين

إننا نصلى من أجل الراقدين، الذين أنتقلوا من عالمنا الحاضر.

وكل الكنائس التقليدية، أرثوذكسية، وكاثوليكية، تصلى من أجلهم. ولكن الكاثوليك يأخذونها علناً، كما لو كانت إثباتاً للمطهر.

نحن نصلى لأجل الراقدين، عملاً بصلاة القديس بولس الرسول من أجل أنيسيفورس، وقوله عنه ((ليعطه الرب أن يجد رحمة من الرب فى ذلك اليوم)) (2 تى 1: 18). والمقصود بذلك اليوم هنا، هو يوم الدينونة. كما قال عنه نفسه ((وأخيراً وضع لى إكليل البر، الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل. وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً)) (2 تى 4: 8).

ولم يكن القديس بولس يطلب راحة لأنيسيفورس فى (المطهر)!

وإنما (فى ذلك اليوم)، يوم الدينونة الرهيب، حينما يقف أمام الديان العادل. هذه هى الرحمة الدائمة. ونحن نطلب للراقدين الراحة، فنقول يا رب نيحهم. والنياح كلمة سريانية بمعنى الراحة، تعودنا أستخدامها. فما المقصود بمعنى الراحة هنا.

نقصد راحة لنفوسهم فى مكان الإنتظار، لأن يوم الدينونة لم يأت موعده.

أى أنهم لا يكونون فى قلق أو فى اضطراب، وهم فى إنتظار يوم الدينونة... نطلب أن يعطيهم الرب راحة نفسية، راحة لنفوسهم التى قد تتذكر خطاياها فتتعب، إنما حينما تتذكر مراحم الله، تشعر براحة...

والصلاة على الراقدين، ليس فيها أى ذكر للمطهر إطلاقاً.

فنحن لا نطلب مطلقاً أن يريح الله تلك النفوس من عذابات المطهر، كأن يقصر مدته، أو أن يخفف حدته، أو أن يخرجهم منه، أو أن يعطيهم احتمالاً له...!! كلا، فالصلاة على الراقدين لا تطلب شيئاً من هذا كله، لأننا لا نؤمن بشئ من هذا كله... إنما نطلب لهذه النفوس راحة فى مكان الإنتظار، مادامت الدينونة لم تأت بعد.

هذا هو أعتقادنا، ولا داعى لأن يقوم أحد بتأويل صلواتنا على غير المقصود منها.

وأن ينسب إلينا ما لا نعتقد به. كأن يقول أحد الكتاب الكاثوليك – سامحه الله – إن طلب النجاة من العذابات الجهنمية ((المقصود هنا بالعذابات الجهنمية – ما لا يخفى – هو العذابات المطهرية، التى لا فرق بينها وبن العذابات الجهنمية، إلا فيما عدا أن الأولى دائمة والثانية مؤقتة)).

نحن نقول فى الصلاة على الراقدين ((نيحهم فى فردوس النعيم))، ولا نقول نيحهم فى المطهر!!

ونقول ((فى الموضع الذى هرب منه الحزن والكآبة)) بينما المطهر هو موضع للحزن والكآبة والتنهد... ونقول أيضاً عن الراحة الأبدية ((فى أورشليم السمائية، فى كورة الأحياء إلى الأبد))... أين سيرة المطهر فى كل هذه الصلوات.

عجيب أن هذا المؤلف يريد إثبات المطهر من كتب الصلوات للكنيسة القبطية الأرثوذكسية!! أبعد يا ابنى عن هذا المجال، فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية أدرى بعقيدتها...

سؤال آخر نحب أن نقدمه فى الصلاة على الراقدين:

أى عزاء تقدمه الكنيسة لأهل الميت فى صلواتها فى يوم وفاته؟!

إن بولس الرسول لم يرفع صلاة فقط من أجل انيسيفورس، إنما صلى أيضاً من أجل بيت انيسيفورس أن يعطيهم الرب رحمة (2 تى 1: 16). ونحن ما هو العزاء الذى نقدمه لأسرة المتوفى؟ هل نقول لهم إنه يتعذب حالياً فى المطهر. ولكن اطمئنوا، إننا نصلى أن مدته لا تطول، ونصلى أن عذابه يخف...؟! أم نعزيهم بصلوات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن تلك النفس: أفتح لها يا رب باب الرحمة... أقبلها إليك... ولتحملها ملائكة النور إلى الحياة... ولتتكئ فى أحضان آبائنا القديسين أبراهيم واسحق ويعقوب...

ثم ما فائدة الصلاة على المنتقلين، إن كان الميت يتعذب؟!

يتعذب أثناء الصلاة، لأن الصلاة عليه لا تكون فى لحظة وفاته، بل بعدها بساعات ويتعذب بعد الصلاة أيضاً، اذ تكون مدة عقوبته فى المطهر مستمرة...! ما شعور أهل المتوفى بقيمة صلواتنا؟! وما شعور المتوفى نفسه وهو فى المطهر؟! هل يعان وقتها لبضع دقائق، ثم يرجع إلى عذابه كما كان... والحكم هو الحكم... يستمر فيه حتى يتمم كل القصاص المفروض عليه!!

إن كنيستنا القبطية تقرأ الحلّ على روح الميت أثناء صلاتها.

تحالله من جميع الخطايا التى فعلها وهو فى الجسد. وكأنها تقول للرب: هذه النفس خرجت من عندنا، وهى محالله من جهة الكنيسة. لا تربطها فى شئ. وبقى أن تتركها فى رحمتك يا فاحص القلوب والأفكار، ويا عارف الخفيات والأسرار... ولكننا مع ذلك نشفع فيها، إذ لبست جسداً، وسكنت فى هذا العالم، وانت يا رب ((تعرف ضعف ونقص البشرية)) وأنه ليس إنسان بلا خطية، ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض...)).

فلماذا لا تحنو الكنيسة الكاثوليكية مثلنا على روح الميت، وتحالله؟! لماذا تجعله يخرج من العالم وهو مربوط من جهة قصاصات لم يقم بوفائها...؟!

فلماذا تقول له نحاللك من وصمة الخطية، ولا نحاللك من عقوبتها..؟! لماذا تتمسك بالعقوبة إلى هذه الحد، الذى يحتاج إلى تطهير وتكفير؟! لماذا لا تثق بدم المسيح الذى ((يقدر أن يطهر إلى التمام)) (عب 7: 25). لماذا لا تثق بدم المسيح الذى ((يطهرنا من كل خطية... ومن كل إثم)) (1 يو 1: 9، 7). ما الحاجة بعد إلى تطهير؟!

ألم يقل الكتاب ((كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا)) (اش 53: 6).

وإن كانت الكنيسة قد أعطت حلاً فى الصلاة على الراقدين، فإن فكرة المطهر تبطل مفعوله.

وذلك أن الخاطئ بعد حلّ الكنيسة له، يذهب ليتعذب ويدفع الثمن! وكأن تحليل الكنيسة بلا قيمة...! كأنما أحد القضاة حكم بتبرئة متهم، أو برفض الدعوى أو حفظ القضية. ومع ذلك يقال لهذا المتهم: عليك أن تقضى عشر سنوات فى السجن!! ما قيمة الحكم الذى حصل عليه إذن؟!

هناك دليل آخر على أن الصلاة على الموتى لا علاقة لها بالمطهر ولا بإعانة النفوس التى فيه، وهى:

إن الكنيسة تصلى على أرواح الجميع، حتى عن نفوس القديسين:

فهى بالإضافة إلى صلاة الجناز، تصلى لأجل الجميع وتقول ((أولئك الذين أخذت نفوسهم يا رب نيحهم فى فردوس النعيم)). وتصلى أيضاً عن أرواح القديسين، ثم تقول بعد ذلك ((بركاتهم المقدسة فلتكن معنا آمين))... إنها شركة بين الذين أنتقلوا والذين على الأرض...

ملاحظة أخرى نضيفها وهى أن الكنيسة لا تصلى لأجل الهالكين.

وذلك عملاً بقول الرسول عن الخطية التى للموت (1 يو 5: 16). فإن مات إنسان منتحراً، ولم يكن فاقد العقل، لا نصلى عليه. وإن مات أحد أثناء ارتكابه جريمة، لا نصلى عليه. كذلك إن مات وهو فى هرطقة أو بدعة أو ارتداد... أو إن مات وهو في خطية لم يتب عنها...

+ + +.

(11) الدينونة

يعتقد أخوتنا الكاثوليك بدينونة خاصة بعد الموت مباشرة:

وهى غير الدينونة العامة التى بعد قيامة الأجساد...

فيرون أن الإنسان بعد موته مباشرة يقف أمام الله لينال الحكم: إما أن يكون شريراً فيذهب مباشرة إلى جهنم، أو يكون باراً فيذهب مباشرة إلى السماء، أو أنه يكون باراً ولكن عليه ديناً للعدل الإلهى، فيذهب إلى المطهر، لتتطهر نفسه، ويكفر عن خطيته ويوفى ديونه... ولكننا نقول إنه:

لم يذكر الكتاب سوى الدينونة العامة. وسنحاول أن نفحصها معاً لنرى على أى شئ تدل:

يشرح الرب خبر الدينونة فيقول:

((ومتى جاء إبن الإنسان فى مجده، وجميع الملائكة القديسين معه [أى فى مجيئه الثانى]، فحينئذ يجلس على كرسى مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب. فيميز بعضهم من بعض، كما يميز الراعى الخراف من الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه، والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين معه: تعالوا إلىَّ يا مباركى أبى، رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم، لأنى رجعت فأطعمتمونى، عطشت فسقيتمونى... فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا رب متى رأيناك جائعاً فأطعمناك؟ أو عطشاناً فسقيناك... فيجيب الملك ويقول لهم: الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتى الصغار فبى فعلتم))...

((ثم يقول للذين عن اليسار: اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته)) (متى 25: 41).

  • وعبارة ((اذهبوا إلى النار المعدة لإبليس، معناها أنهم لم يكونوا قد ذهبوا إليها بعد)). لأنه من غير المعقول أن يكونوا قد ذهبوا إلى هذه النار بعد الدينونة الخاصة، ثم يخرجهم الرب منها يوم القيامة ليختلطوا بالأبرار. ثم يفرزهم عنهم، ويوقفهم عن يساره، ويعود فيقول لهم ((اذهبوا إلى النار...))!!
  • نلاحظ أيضاً أنه بدأ يقول لهم حيثيات حكمة: ((لأنى جعت فلم تطعمونى، عطشت فلم تسقونى. كنت غريباً فلم تأوونى... إلخ)) حينئذ يجيبونه هم أيضاً قائلين ((يا رب متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً أو غريباً أو عرياناً أو مريضاً أو محبوساً، ولم نخدمك؟)) فيجيبهم قائلاً: ((الحق أقول لك: بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر، فبى لم تفعلوا)) (متى 25: 42 - 45).
  • هنا نرى لوناً من المحاكمة، وحواراً وفرصة للدفاع عن النفس.

ثم ينفذ الحكم بعد ذلك ((فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدى، والأبرار إلى حياة أبدية)) (متى 25: 46. ومعنى هذا أنه لم تكن محاكمة من قبل... بدليل أن الأبرار ما كانوا يعلمون، ولا الأشرار كانوا يعلمون، معنى حيثيات الحكم، بدليل أنهم سألوا الرب ((متى يا رب رأيناك...؟ والرب بدأ هنا (بعد القيامة) يشرح لهم ذنوبهم، وما كانوا قبلاً يفهمون...

فإذا كان المضى إلى العذاب الأبدى، وإلى الحياة الأبدية، يكون بعد القيامة والفرز والمحاكمة، فكيف يقال إنه بعد الموت مباشرة، فى دينونة خاصة؟!

2 - وكون الدينونة تكون بعد القيامة واضح من قول الرب:

((تأتى ساعة، فيها يسمع جميع الذين فى القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة)) (يو 5: 29، 28).

إذن هنا قيامة عامة، ولا يذهبون إلى الحياة أو إلى الدينونة إلا بعدها...

بعد أن تتحد الأرواح بالأجساد التى تخرج من القبور، ويقف الإنسان كله أمام الله... وهناك شاهد آخر على هذا وهو:

  1. يقول الرب ((فإن إبن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته. وحينئذ يجازى كل واحد بحسب عمله)) (متى 16: 27).
  2. وعبارة ((حينئذ يجازى)) معناها أنه لم يجازهم من قبل، وإنما حينئذ، حينما يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته.

  3. هذه المجازاة فى المجئ، هى جزء من قانون الإيمان النيقاوى:

وهو قانون الإيمان الذى تؤمن به جميع الكنائس، وفيه نقول عن المجئ الثانى للسيد الرب: ((يأتى فى مجده ليدين الأحياء والأموات)).

  1. نفس المعنى نراه فى تفسير الرب لمثل الزوان، إذ يقول:

((الحقل هو العالم، والزرع الجيد هو بنو الملكوت، والزوان هو بنو الشرير... والحصاد هو إنقضاء العالم. والحصادون هم الملائكة)).

((... هذا يكون فى إنقضاء العالم، يرسل إبن الإنسان ملائكته، فيجمعونه من ملكوته جميع المعاثر وفاعلى الإثم، ويطرحونهم فى أتون النار)) (متى 13: 38 - 41).

أى أن هذه الدينونة تكون عند إنقضاء العالم. والأشرار يطرحون فى أتون النار فى أنقضاء العالم، وليس بعد الموت مباشرة... وكلمة ((يجمعون)) معناها يأتون بهم من كل مكان... وماذا عن الأبرار؟ يتابع الرب شرحه فيقول ((حينئذ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم. من له أذنان للسمع فليسمع)).

وعبارة حينئذ، أى فى ذلك الوقت، فى إنقضاء العالم، فى الدينونة العامة، وليس بعد الموت مباشرة... ((ومن له أذنان للسمع فليسمع)).

  1. يشبه هذا أيضاً ما ورد فى رسالة يهوذا الرسول:

((وتنبأ عن هؤلاء أيضاً أخنوخ السابع من آدم قائلاً: هوذا قد جاء الرب فى ربوات قديسيه... ليصنع دينونة على الجميع... ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم... وعلى جميع الكلمات الصعبة... إلخ)) (يه 14: 15).

إذن هؤلاء لم يكونوا قد عوقبوا قبلاً، وإنما سيعاقبون حينما يأتى الرب فى ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع... على هؤلاء الفجار وعلى غيرهم...

  1. ومن الآيات الواضحة فى هذا المجال قول بولس الرسول:

((لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً)) (2 كو 5: 10).

فلا يمكن أن تقف الروح وحدها، لكى تنال جزاء ما كان الجسد، خيراً كان أم شراً.

إذن لابد من الوقوف أمام كرسى المسيح، بعد أن تتحد الروح بالجسد. وعبارة ((أننا جميعاً))، تعنى الدينونة العامة.

وهنا نود أن نقول بعض ملاحظات عما يسمونه (الدينونة الخاصة):

  1. ما لزوم الدينونة العامة، بعد الدينونة الخاصة؟

إن كان الخاطئ – فى الدينونة الخاصة – قد صفى حسابه، وأخذ عقابه أو ثوابه، فما لزوم الدينونة العامة بالنسبة إليه؟!

مادام الإنسان قد وقف أمام الله ونال دينونته، البار ذهب إلى السماء، والشرير ذهب إلى جهنم، وأنتهى الأمر... فما لزوم الدينونة العامة إذن؟ وما هدفها؟ وما قيمتها؟ وما تأثيرها على تلك النفوس؟... ولكن تكون لها قيمة، إن كانت هى الدينونة الوحيدة التى يتقرر فيها مصير الآنسان.

  1. ومن الآيات الواضحة فى الدينونة، ما ورد فى سفر الرؤيا:

((ثم رأيت عرشاً عظيماً أبيض، والجالس عليه الذى من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لهما موضع)) [هذا عن نهاية العالم طبعاً] ((ورأيت الأموات صغاراً وكباراً واقفين أمام الله. وأنفتحت أسفار، وأنفتح سفر آخر هو سفر الحياة. ودين الأموات مما هو مكتوب فى الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما. ودينوا كل واحد بحسب أعماله. وطرح الموت والهاوية فى بحيرة النار... (رؤ 20: 11 - 15).

كيف توجد دينونة قبل أن يقف كل الأموات أمام الله، وقبل أن يسلم البحر والهاوية الأموات الذين فيهما؟! وقبل أن تفتح الأسفار وتكشف الأعمال؟

  1. والقديس بولس الرسول يتكلم عن الدينونة فى المجئ الثانى واستعلان ربنا يسوع المسيح، فيقول:

((إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً، وإياكم الذين تتضايقون راحة معنا، عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته، فى نار لهيب، معطياً نقمة للذين لا يعرفون الله... الذين سيعاقبون بهلاك أبدى)) (2 تس 1: 6 - 9).

فكيف نقول إن الدينونة تكون بعد الموت مباشرة، على الرغم من كل هذه الآيات الصريحة؟!

  1. وأيضاً لا يتفق العقاب بعد الموت مباشرة، مع قول بولس الرسول ((... ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب، تدخر لنفسك غضباً فى يوم الغضب واستعلان دينونة لله العادلة الذى سيجازى كل واحد بحسب أعماله)) (رو 2: 6، 5).

وهنا يتكلم عن المجازاة فى يوم الغضب، يوم الدينونة.

  1. وأيضاً هذه الدينونة التى بعد الموت، ويكافأ فيها الأبرار، كما.

يعذب الأشرار، ولا تتفق مع كلام الكتاب عن الأكاليل حيث يقول القديس بطرس الرسول للرعاة ((صائرين أمثلة للرعية. ومتى ظهر رئيس الرعاة، تنالون اكليل المجد الذى لا يبلى)) (1 بط 5: 4، 3).

وكذلك قول بولس الرسول عن اكليل البر الموهوب له. قال ((وأخيراً وضع لى إكليل البر، الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً)) (2 تى 4: 8).

الغَنى وَ لعَازر

يستدل بعض أخوتنا الكاثوليك على الدينونة الخاصة من قصة الغنى ولعازر، وقول السيد المسيح إن لعازر كان يتعزى فى حضن ابراهيم. وأن الغنى ((رفع عينيه فى الهاوية وهو فى العذاب... وقال ((يا أبى ابراهيم ارسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرد لسانى، لأنى معذب فى هذا اللهيب)) (لو 16: 24).

  1. يجمع الكثير من المفسرين على أنها قصة رمزية:

قالها السيد المسيح ليحض الأغنياء على عدم التمتع فى الأرض، وترك الفقراء والمساكين محتاجين. وإلا فإن المسكين سيتعزى فى السماء، بينما يتعذب الغنى الشحيح.

  1. ومن الدلالة على ذلك حاجة الغنى إلى قطرة ماء ليبرد لسانه فى ذلك اللهيب.

فالمفروض أن جسد الغنى كان فى القبر، وروحه هى التى كانت فى الهاوية. والروح غير مادية، ولا يمكن أن يصلح لنا أن يبل لعازر طرف إصبعه بماء لكى يبردها فى ذلك اللهيب!! ثم ما معنى كلمة ((يبرد لسانى)) حيث لا يوجد له جسد، ولا لسان؟!

لعل هذه النار، هى عذابه النفسى، إذ شعر بالضياع والهلاك، بلا رجاء...

بدليل أنه طلب من أجل أهله، حتى لا يتعذبون هم أيضاً، ولم يطلب من أجل نفسه، وبخاصة بعد أن أعلن له أبونا ابراهيم قائلاً ((وفوق كل ذلك بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أثبتت حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون، ولا الذين من هناك يجتازون إلينا)) (لو 16: 26).

أو لعل النار التى قال الغنى إنه معذب بلهيبها هى نار الندم أو الخوف، إذ لا توجد أمامه فرصة لتغيير وضعه. أما الهوة المثبتة فهى هوة اليأس...

إذ هو شاعر أنه لا رجاء له. أما أبونا ابراهيم فله رجاء فى الخلاص. ولذلك تنطبق عليه عبارة ((فرحين فى الرجاء)) (رو 12: 12)... وهنا لعلنا نسأل عن المعنى الرمزى أيضاً لقول الغنى ((لأن لى أخوة خمسة)) (لو 16: 28).

  1. الرقم خمسة كما يقول القديس أوغسطينوس يرمز للبشر.

فالخمس العذارى الحكيمات يرمزن إلى كل البشر الأبرار، والخمس العذارى الجاهلات يرمزن إلى كل البشر الخطاة. ورقم خمسة يتميز به الإنسان فى حواسه الخمسة، وفى أطرافه (أصابع يديه وقدميه)...

فكأن الغنى الهالك، يتكلم عن كل البشر الهالكين، أو كل أقاربه وأحبائه حتى لا يهلكوا هم أيضاً...

  1. الغنى فى هذا المثل يرمز إلى الهالكين الذين لا رجاء لهم. فلا علاقة له إذن بالمطهر، حسب المعتقد الكاثوليكى.

ولكن عذابه لم يحن موعده. فالألم من خوف العقوبة الأبدية شئ، ومكابدة هذه العقوبة الأبدية شئ آخر. هو فى مكان أنتظار سيخرج منه فى يوم الدينونة الرهيب إلى العذاب الأبدى، إلى البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.

فما هو فيه ليس هو الدينونة، إنما الخوف من الدينونة.

  1. حينما ذكر السيد المسيح هذا المثل، لم يكن الخلاص قد تم، ولم يكن أبونا ابراهيم قد دخل الفردوس بعد. كان من الراقدين فى الهاوية على رجاء...

وظل هكذا إلى أن تم صلب المسيح، ((ونزل إلى أقسام الأرض السفلى، وسبى سبياً وأعطى الناس عطايا)) (أف 4: 9، 8). ونقل هذه النفوس إلى الفردوس... ومنهم أبونا ابراهيم ولعازر المسكين.

فكل الآباء قبل الصلب كانوا منتظرين فى الهاوية، كما قال الرسول ((فى الإيمان مات هؤلاء أجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، ولكنهم نظروها من بعيد وصدقوها وحيوها...)) (عب 11: 13)... كانوا منتظرين خلاص الرب. وفى ذلك الوقت لم يكن ابراهيم فى النعيم الأبدى. وقد أنتقل بعد الصليب إلى الفردوس...

على أن الفردوس أيضاً، هو مكان أنتظار، سينتقل منه أبونا ابراهيم إلى النعيم الأبدى، إلى أورشليم السمائية.

أما الآن فإن ((كل الخليقة تئن وتتمخض معاً)) حتى الرسل الذين لهم باكورة الروح (رو 8: 21 - 25). ((منتظرين التبنى فداء أجسادهم))، هذا الذى يتوقعونه بالصبر (رو 8: 25). هؤلاء الأبرار هم محروسون بإيمان...

((الخلاص مستعد أن يعلن فى الزمان الأخير)) (1 بط 1: 5).

حينما نقام فى مجد، وفى قوة، ويلبس هذا الفاسد عدم فساد (1 كو 15: 43 - 49).

  1. على أن هذه القصة – من ناحية أخرى – تدل على 3 أمور هامة:
  1. أن هناك مكانين فقط: أحدهما للعزاء، والآخر للعذاب، ولا ثالث لهما.
  2. أنه لا يمكن أن ينتقل الإنسان بعد الحساب من مكان إلى آخر، حسب قول أبينا ابراهيم (لو 16: 26).
  3. أنه لا شفاعة ترجى بعد صدور الحكم الإلهى.
  4. وكل هذه الأمور الثلاثة ضد المطهر...

    + + +.

  1. أما إذا كان الإنسان بعد الموت ((أعماله تتبعه)) (رؤ 14: 13) ويبدأ أن يحس بأنه ضائع، إذ تقف خطاياه أمامه تزعجه... أو يحس براحة فى الضمير وثقة.
  2. فهذا أحساس للنفس، وليس دينونة..

كتلميذ يخرج من أداء الامتحان، وهو فرح بنجاحه، إذ قد أجاب حسناً. وتلميذ آخر يخرج وهو يبكى، متأكد من رسوبه. ومع ذلك يبقى الاثنان فى أنتظار النتيجة. ولا يعتبر أحد منهما أنه نجح أو رسب، إلا بعد إعلان النتيجة.

ونحن نصلى لأجل الذين أنتقلوا من عالمنا، لأن النتيجة لم تعلن بعد. وهم لا يزالون فى مكان الإنتظار...

+ + +.



الفصل الثالث: نصوص كتابية وتفسيرها السليم

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات