الأصحاح الأول – سفر نحميا – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 16- تفسير سفر نحميا – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

مقدمة في سفر نحميا

نحميا هو القائد للدفعة الثالثة والأخيرة للعائدين من السبي إلى أورشليم (حوالي عام 445 أو 444 ق. م، جاء بعد حوالي قرن من عودة أول فوج لليهود)، والمهتم بسور مدينة الله المهدمة وأبوابها المحروقة بالنار، يدعونا إلى حقيقة هامة تمس حياة كل مؤمن. لقد أدرك نحميا أن رسالته الحقيقية أعظم من أن يكون ساقيًا لأعظم ملك في ذلك الحين، ومشيره الخاص، صاحب الدالة العظيمة. أدرك خلال قلبه النقي الناري أن له رسالة أعظم من قبل الله، وهي أن يتمم عملاً فوق كل قدراته ومواهبه وإمكانياته. دُعي لإعادة بناء سور أورشليم، وإعادة بناء المجتمع نفسه. إنه مدعو لتحقيق أمورٍ تبدو مستحيلة تمامًا!

يقدم لنا سفر نحميا حقيقة الله "إله المستحيلات"، العامل في كل عصور في الهزيع الأخير حينما تقف كل الأذرع البشرية في عجزٍ تامٍ.

ليس من إنسان لا يُهاجم من حين إلى آخر بحالة من الإحباط. نحميا يكشف لنا عن إلهنا أنه رجاء من ليس له رجاء، يستبدل باليأس روح الرجاء والفرح والنصرة بالرب.

عندما ندخل في دوامة الشعور بالعجز التام، ونحسب أن الظروف المحيطة بنا مستحيلة تمامًا. يقدم لنا الله هذه الرسالة: "عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كل شيءٍ مستطاع عند الله" (مر 10: 27). إنه يعمل من أجل كل البشرية، خاصة من أجل كنيسته، ويهتم بكل شخصٍ كأنه ليس في العالم آخر غيره!

إله كل تعزية.

جاء اسم "نحميا" يكشف عن جوهر السفر كله. فكلمة "نحميا" تعني "يهوه هو النياحة أو الراحة أو التعزية". يدور السفر كله حول دور الله في حياة الكنيسة كما في حياة المؤمن. فمن يود التعزية الصادقة يلجأ إلى الله واهب التعزية، ويثق في وعوده، فتفيض التعزيات الإلهية فيه، وتتفجر لتغمر الآخرين أيضًا بها. وكما يقول الرسول بولس: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة، وإله كل تعزية، الذي يعزينا في كل ضيقتنا، حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله، لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (2 كو 1: 3 - 5).

مقدمة في سفر نحميا.

"اذكرني يا إلهي من أجل هذا، ولا تَمحُ حسناتي التي عملتها نحو بيت إلهي، ونحو شعائره" (14: 13).

الخلفية التاريخية.

بعد موت سليمان انقسمت مملكة إسرائيل إلى:

1. المملكة الشمالية (إسرائيل) 10 أسباط سباهم الأشوريون عام 722 ق. م. قبض شلمنأسر الخامس على هوشع ملك إسرائيل وسبى إسرائيل في حلح وخابور ونهر جوزان وفي مدن مادي (2 مل 17: 6، 18). كما افتخر سرجون الثانيSargon II بأنه حمل 27290 شخصًا من إسرائيل، وأحل محلهم أشخاصًا من شعوب أخرى من منطقة ما بين النهرين أو الموسبتاميا Mospetamia (المصيصة) وسوريا.

2. المملكة الجنوبية (يهوذا) تضم سبطي يهوذا وبنيامين، سباهم البابليون عام 586 ق. م. قيل عن نبوخذنصر: "وسبى كل أورشليم وكل الرؤساء وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبي وجميع الصناع والأقيان. لم يبقَ أحد إلا مساكين شعب الأرض" (2 مل 24: 14) "سباهم ملك بابل إلى بابل" (2 مل 24: 15).

في عام 539 ق. م. هزم الفارسيون بابل، وشجع ملك فارس اليهود على العودة، فعاد حوالي 50000 شخصًا ليبدأوا بناء الهيكل، فوضعوا الأساسات ولم يكملوا العمل. بعد 16 سنة أرسل الله نبيين هما حجي وزكريا لحث الشعب على العمل، الذين بنوا لهم قصورًا وبيوتًا وأهملوا بناء بيت الرب.

في عام 458 عادت مجموعة أخرى من اليهود تحت قيادة عزرا الذي بذل كل الجهد لإصلاح الشعب روحيًا لكنه وجد مقاومة.

حوالي عام 445 ق. م. أرسل الله نحميا، ودعاه لبناء سور أورشليم المهدم. بدون السور لا يمكن أن تُحسب أورشليم مدينة. البعض يضع عزرا بعد نحميا، لكن الواضح غير ذلك.

أتم نحميا العمل في 52 يومًا بالرغم من مقاومة الأعداء وتخاذل الشعب. قام ببناء الهيكل بالرغم من مقاومة بني موآب، وبني عمون والأشوريين والعرب، كما استعانوا بعد ذلك بالسامريين.

قاوم نحميا هذه الجيوش بالإيمان بالله، وتحصَّنت أورشليم بعد 142 عامًا من خرابها عام 586 ق. م.

كاتب السفر.

حسب التقليد اليهودي الأسفار الأربعة: أخبار الأيام الأول والثاني وعزرا ونحميا في النص العبري سفر واحد،، كتبه عزرا الكاتب.

للسفرين الأخيرين طابع مشترك ونظرة مشتركة، لهذا يرى كثير من الدارسين أن واضع هذا السفر هو الكاتب عزرا، بوحي من الروح القدس. وقد اعتمد على مستندات وأخبار الملوك والممالك المعاصرة له، هذا بجانب اقتباسه مذكرات نحميا الشخصية، حيث يكتب بصيغة المتكلم المفرد.

الفترة ما بين نهاية عزرا وبداية نحميا ربما تناسب الأحداث الواردة في عزرا (4: 7 - 23) والتي تنتهي بخراب السور المقام مع بعض المباني الأخرى.

يرى البعض أن جزءًا كبيرًا من السفر كُتب بلغة المتكلم دلالة على أن نحميا هو الكاتب. والأرجح أن نحميا كتب السفر بمعاونة عزرا.

من هو نحميا؟

كان علمانيًا – إن صح هذا التعبير - وليس كعزرا الذي كان كاهنًا وكاتبًا، لكن دوره لا يقل عن دور عزرا. وُلد في السبي، وصار ساقيًا (تراشتا) للملك ارتحشستا. احتل هذا المركز العظيم ربما خلال تأثير أستير التي كانت على قيد حياة، وهي زوجة أب الملك.

كان ساقي الملك، يذوق الخمر قبل الملك حتى يطمئن أنه غير مسموم. وكان هذا المركز مرموق في العصر الفارسي، لأن الملك يأتمنه على حياته. غالبًا ما كان ساقي الملك خصيًا، ربما هذا يفسر عدم الإشارة إلى عائلة نحميا.

لم يكن قلب نحميا متكبرًا رغم مركزه المرموق، لكنه كان رجل صلاة يشعر بالدعوة لخدمة شعبه الذي انحل روحيًا. كان مستعدًا أن يترك ترف القصر ليذهب إلى شعبه يسندهم في بناء سور المدينة، كما في إصلاح الشعب نفسه.

إذ سمع بحال أورشليم جلس مع نفسه وناح وصام وصلى لله، فأعطاه نعمة في عيني الملك الذي قدم له رسائل توصية، وأطلقه لبناء سور أورشليم. وقد ذهب كحاكمٍ ملكيٍ معين من قبل إمبراطور فارس.

بينما اهتم عزرا بالإصلاح الديني للشعب، اهتم نحميا بالإصلاح السياسي والجغرافي، لكن بلا فصل عن الجانب الروحي والأخلاقي.

ترك نحميا فارس في السنة العشرين من الملك أرتحشستا (1: 2)، وعاد إليها في السنة الثالثة والعشرين من ملكه (6: 13)، وتركها ثانية ليذهب مرة أخرى إلى أورشليم بعد عدة أيام (6: 13).

بنى السور بالرغم من مقاومة الأعداء له؛ كان عزرا قد سبقه إلي أورشليم بحوالي 13 عامًا. اهتم نحميا أيضًا بالبناء الداخلي للشعب ثم عاد إلى شوشن العاصمة، ولم يبقَ فيه طويلاً، إذ رجع إلى أورشليم كحاكمٍ عامٍ!

إذ رجع للمرة الثانية إلى أورشليم وجد في الفترة التي ترك فيها أورشليم حدثت تجاوزات خطيرة. حقًا لقد استطاع أن يعيد بناء سور أورشليم في الفترة السابقة خلال 52 يومًا، وقضى 12 عامًا للإصلاح الروحي والاجتماعي (5: 14)، مع هذا ما أن تركهم إلى حين حتى اختلت المعايير الروحية. بناء السور يحتاج إلى أيامٍ معدودةٍ لا تتجاوز الشهرين، أما بناء سور النفس البشرية فيحتاج إلى سنوات!

بقي نحميا حاكمًا على يهوذا على الأقل 12 سنة (5: 14) يخبرنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس أنه عاش إلى سن الشيخوخة كحاكم ليهوذا.

نحميا القائد.

صار نحميا قائدًا مدنيًا معينًا من قبل الملك الفارسي، وكان يمثل القيادة الروحية الحقيقية.

  1. لم يشغله مركزه، بل ما شغله هو آلام إخوته. ترك نحميا الحياة السهلة المترفة الآمنة داخل القصر ليمارس حياة التعب والآلام، لذا صار مصلحًا حقيقيًا.
  2. يقدم لنا نحميا صورة حية للإنسان الذي يمزج حياته العملية بالروحية، فيظهر كرجل صلاة يتكل على الله الذي ينجح الطريق، لكن ليس في رخاوة. إذ كان يؤمن بالصلاة، لم يوجد عيب في شخصيته، بل كان شجاعًا في الرب. يقدم لنا مفهومًا حيًّا للتكريس: تكريس القلب واليدين. القائد الحي هو رجل صلاة وعمل، يقود من هم حوله ليحملوا ذات الروح. لم يُولد نحميا قائدًا، ولم يكن من نسل ملكي مثل زربابل، ولا كهنوتي مثل عزرا، ولا إداري مثل دانيال رئيس الوزراء، إنما حبه الشديد لشعبه وغيرته على المقدسات جعلت منه قائدًا. تعلم القيادة خلال الرُكب المنحنية، والصمت، والدموع، والصراخ لله لا الناس. مارس الصلاة تحت كل الظروف (في 6: 4).

فعندما سمع الأخبار السيئة (4: 1 - 11)، التجأ إلى الصلاة يطلب مشورة للعمل.

وعندما وقف أمام الملك أرتحشسنا (4: 2)، آمن أن الصلاة تفتح الطريق أمامه.

وعندما وجد مقاومة (4: 4، 9)، وثق أن الصلاة تهبه حكمة ونصرة.

وعندما وُجهت ضده اتهامات باطلة (8: 6، 9)، عرف أن الصلاة ترفعنا فوق الأحداث.

وعندما أكمل العمل (14: 13)، أدرك أن الصلاة تهب فهمًا.

  1. كان رجل عمل: تحرك إلى موقع العمل سرًا (11: 2 - 15). يقوم بتشجيع الطاقات للعمل: "هلم فنبني سور أورشليم، ولا نكون بعد عارًا" (17: 2). كما قام بتنظيم طاقات العمل ليعرف كل واحدٍ دوره (1: 3 - 32). لقد أدرك عظمة عمله وتحديه للمقاومة (3: 6)، إنه عمل الرب (14: 4). قام بالعمل مع الحراسة في يقظةٍ (16: 4).
  2. يؤمن بالعمل الخارجي (السور) مع الداخلي.
  3. جاهد مع الله بالعبادة الحقيقية، ومع الملك بالأمانة في العمل مع الشجاعة في تواضعٍ، ومع الشعب ببث روح الرجاء بلا مهادنة، وضد الأعداء بعدم الارتباك بمناقشتهم. لم تثنهِ المقاومة الخارجية ولا الداخلية، بل دفعته للعمل بقوةٍ أعظم، لإيمانه أنه يعمل لحساب الرب لا الناس.
  4. كقائدٍ حي بث روح القيادة في حياة كل الشعب، فكان يؤمن أن لكل إنسانٍ دوره وعمله الذي يعتز به.

سماته.

يعتبر البعض سفر نحميا، سفر البناء أو إحياء الحجارة، لكنه في الحقيقة هو سفر الصلاة، وسفر القيادة. يظهر سرّ نجاح نحميا أنه رجل صلاة، ليس لأنه عرف ما يصلي لأجله فحسب، وإنما عرف أن يكون له أيضًا اهتمام شخصي، وهبه الله أن يحمل بالحب أثقال الشعب في قلبه، ليلقي بها عند قدمي الله.

ما كان يشغل قلب نحميا بالأكثر ليس بناء سور حجري وإقامة أبواب ومتاريس، بل بناء شعب الله وإحياءهم من حالة الموت التي حطمتهم تمامًا! ما شغل قلبه أقام منه قائدًا ناضجًا في الرب، ورجل صلاة يدخل بصلاته إلى العرش الإلهي، ويغتصب بالإيمان إمكانيات فائقة لا تعرف أنه يوجد شيء مستحيل أمامها. عرف نحميا كيف يتكلم مع الله أكثر من حديثه مع الناس.

جدول تاريخي.

586 ق. م السبي إلى بابل وتدمير أورشليم والهيكل.

537 في عهد كورش عودة الدفعة الأولى من السبي تحت قيادة زربابل، مع محاولات بناء الهيكل.

530 - 522 قمبيز ملك على فارس.

522 - 486 داريوس الأول "هستابس" ملك على فارس.

520 - 516 إعادة بناء الهيكل في عهد داريوس الأول.

468 - 465 أحشويرش الأول ملك على فارس.

465 - 424 أرتحشستا الأول (لونجمانوس) ملك على فارس.

458 عودة الدفعة الثانية تحت قيادة عزرا.

445 أو 444 عودة الدفعة الثالثة والأخيرة تحت قيادة نحميا، وبناء السور.

433 عودة نحميا إلى بابل.

432 عودة نحميا إلى أورشليم.

430 بدء خدمة ملاخي.

شخصية نحميا.

سفر نحميا - ربما أكثر من غيره من أسفار العهد القديم - يبرز شخصية كاتبه النابضة بالحياة[1]. يكشف هذا السفر عن شخصية نحميا من جوانب كثيرة، منها الآتي:

1. وحدة الحياة.

يؤمن نحميا بوحدة الحياة، فليس من فصل بين العمل والحياة الروحية أو الاجتماعية. فالمؤمن له حياة واحدة متعددة الجوانب، تتفاعل معًا ليصير إنسانًا ناجحًا في كل شيء. هذه الحياة تتناغم معًا مع ضرورة التخصص، فلكل إنسانٍ دوره الفعّال حسب إمكانياته ومواهبه دون تجاهله أو استخفافه لدور الآخرين. فالكل يعمل معًا بروح واحدة بهدفٍ واحدٍ (5: 10 - 11).

بالنسبة لنحميا بناء سور أورشليم يعتبر قمة خدمته؛ هذا التكريس في ذهنه لا يعني استعراضًا لأعمالٍ البطولية، لكنه ختم لعمل الله في حياته وحياة الشعب، يمس كيانهم كله. ما نمارسه هو عمل الرب، يشهد بذلك حتى الأعداء (16: 6).

مع انشغاله ببناء سور أورشليم، دعا صديقه القديم عزرا والعامل معه ليحتل مركز القيادة في ممارسة طقوس التكريس بفكرٍ روحيٍ (27: 12 - 47). صورة حية للعمل المشترك وتكريم الآخرين!

يربط السفر بين بناء سور المدينة وإعادة بناء الهيكل والاهتمام بالعبادة، خاصة قراءة الشريعة والتمتع بالأعياد، وحياة الشعب الروحية والمدنية. فلا نفع لبناء السور ما لم تكون المدينة مقدسة، ولا قيمة للمدينة وسورها بدون شعب الله المقدس.

هذا التقديس يتحقق بالتوبة الصادقة بروح الرجاء (نح 4: 1 - 11؛ 5: 9 - 37)، والاهتمام بالطاعة للشريعة كأساس للحياة.

2. الأمانة.

مع كثرة المسئوليات وسرعة العمل وعدم الانشغال بالمناقشات الغبية مع المقاومين، إلا أن السمة الواضحة في حياة نحميا هي الأمانة في حياته من كل جوانبها، وأينما وُجد (12: 8؛ 6: 2). وقد انعكست هذه السمة على الكثير من العاملين معه في كل المجالات.

كان أمينًا في علاقته مع الله، يشعر دومًا بالحضرة الإلهية، حتى في لحظات حديثة مع الملك الوثني، وأثناء عمله في أورشليم، وأثناء مقاومة الأعداء له. عينا قلبه تبصران الله بالإيمان ولا تنحرفان عنه.

وكان أمينًا في عمله مع الملك الوثني، فسحب قلب الملك بأمانته، وصار موضع ثقته يأتمنه على حياته، كما في انطلاقه للعمل في أورشليم.

كان أمينًا في علاقته بكل فئات شعبه، سواء على مستوى القادة أو الكهنة أو الأغنياء والفقراء.

كان أمينًا من جهة وطنيته، يعمل لحساب وطنه دون أن يتلوث قلبه بأية ضغينة أو مقاومة خفية لدولة فارس.

3. رجل عمل.

إذ سمع نحميا عن حال أورشليم وشعبه، لم يشغل نفسه بتحليل المشاكل، والتحدث عنها مع كثيرين. لكنه عرض الأمر على الله وتحرك لمعالجة الموقف. لسنا بهذا ننكر أهمية الحوار، لكن يصير الحوار بلا نفع إن فقد الاتكاء على صدر الله، أو فقد التحرك العملي الجاد لمعالجة الأمور.

حزن نحميا وبكى، لكنه لم يُبتلع في الحزن المفرط بروح اليأس، إنما شرع في العمل تسنده يد الله القوية. قام للعمل حسب الوزنة المعطاة له، كما حرَّك الكثيرين للعمل، كل حسب مواهبه ووزناته وقدراته. دفع الجميع للعمل خلال الشعور بالمسئولية الجماعية.

4. تحدي عدو الخير وعدم الارتباك بمقاومته له.

مقاومة إبليس للمؤمنين العاملين وحيله ضدهم لم تتغير منذ البداية. فالشيطان عدو دائم المقاومة، يثير أتباعه بكل وسيلة لمنع العمل الإلهي وتعطيله (17: 2 - 20). لقد صدرت أوامر الملك لمساعدة نحميا، لكن المقاومين حملوا مقاومة عوض المساعدة.

  • الهزء بالعاملين واحتقارهم (19: 2)، والسخرية والاستخفاف بالعمل الإلهي لكي يسقط نحميا والعاملون معه في صغر النفس أو اليأس (1: 4 - 6).
  • يحسبون الخير إساءة بالغة إليهم (10: 2).
  • اتهامات باطلة (19: 2).
  • غضب وغيظ كثير من جهة العاملين لحساب مملكة الله (1: 4).
  • التآمر سرًا لمحاربة العاملين والإضرار بهم (8: 4).
  • طلبوا الدخول في حوار معه لإبطال العمل، فلم ينخدع (2: 6 - 3).
  • العدو يخيف ويرعب لكي يحطم نفسية العاملين (19: 6).

5. إيمانه بالعمل الجماعي.

اهتم نحميا بتشغيل الشعب في إعادة بناء السور (17: 2 - 18)، فالجميع يحتاجون إلى الشركة والعمل معًا مع الله، وإن كان أساس البناء واحد (1 كو 9: 3، 11).

6. رجل النظام والترتيب.

تسجيل الشعب للشركة في العمل يشير إلى الالتزام بالترتيب والنظام في البناء الروحي (1 كو 40: 14؛ أف 21: 2).

7. نحميا له سمات القائد الحي.

  • يحمل أثقال الشعب ولا يحملهم أثقاله الشخصية (رو11: 10).
  • رجل صلاة وتقوى وعمل. يثق في مواعيد الله ويعتمد عليها، فيحقق المستحيلات.
  • يتسم بوضوح الهدف وعدم الانحراف عنه. مستعد دومًا للعمل مهما كانت التكلفة.
  • رجل مثابرة، لا يتسلل إليه الإحباط، مستعد لتحدي كل مقاومة في الداخل والخارج. كان هادئًا أمام المقاومة.
  • قائد مخطط ومنظم يدفع الكل للعمل.
  • يدرك خطورة التراجع والمهادنة.
  • رجل وطني، يعطي ما لله لله، وما لقيصر لقيصر (مت 21: 22).
  • قائد مملوء حنوًا على الطبقات المظلومة البائسة.
  • يقدر الوقت، لهذا بنى السور في 52 يومًا.
  • كان حازمًا ضد الشر.

نحميا رمز للسيد المسيح الخادم.

يصور لنا السفر شخصية نحميا كخادم يعمل لحساب شعبه، وهو في هذا يحمل رمزًا لشخص السيد المسيح الخادم، خاصة كما صوره مرقس الرسول في إنجيله.

  • كلاهما صاما وصليا 4: 1؛ مر35: 1.
  • كلاهما دعيا آخرين للعمل الإلهي 17: 218؛ 15: 6؛ مر13: 3 - 19.
  • كلاهما وجدا معارضة 4، 5؛ مر12: 1؛ 3: 12، 10.
  • مثالان للخدمة 9: 5، 14؛ مر7: 9.
  • خادمان للشعب 19: 5؛ مر45: 10.
  • علما كلمة الله 1: 8 - 3؛ مت17: 5 - 45.
  • طهرا الهيكل 7: 13 - 9؛ مر15: 11 - 17.
  • وبخا المرائين 15: 13 - 22؛ مت13: 23 - 36.

أقسامه.

أولاً: بناء السور 1 - 7.

1. الإعداد للبناء 1 - 2.

أ. نحميا أمام الله (1).

ب. نحميا أمام الملك (1: 2 - 8).

ج. نحميا يفتقد أورشليم (9: 2 - 18).

د. نحميا يواجه المستهزئين (19: 2 - 20).

2. بناء السور 3 - 7.

يقدم لنا بناء السور صورة حية للبناء الروحي السليم:

أ. اشترك الكل في العمل (3)، بدأ بالكاهن العظيم والكهنة ليكونوا قدوة للعمل الجماعي.

ب. هياج العدو عليه بالتحطيم النفسي والتآمر للحرب ضده (4). كل عمل حيّ بنّاء يثير الشيطان، فيحاربنا بطرق نفسية كما بطرق مادية. لنقل "إلهنا يحارب عنا" (20: 4).

ج. البناء الداخلي (5)، لا يمكن أن يتحقق بناء السور دون البناء الداخلي، لذا اهتم نحميا بالفقراء، فطلب من الأغنياء رد رهائنهم.

د. إتمام السور بالرغم من المقاومة (6).

هـ. التدبير والحراسة بحكمة (7).

ثانيًا: بناء الشعب 8 - 13.

1. قراءة الشريعة 8.

وقف عزرا الكاهن على منبر خشبي وقرأ الشريعة للشعب علانية وشرحها، بعد حوالي 100 سنة من عودة اليهود مع زربابل.

2. تجديد العهد 9 - 10.

أ. بقراءة كلمة الله تمّ البناء الروحي خلال التوبة الجماعية (9).

ب. التعهد بتقدمات للرب (10).

3. استقرار الشعب 11.

4. تدشين السور بفرحٍ 12.

5. إصلاحات بعد الرجوع الثاني 13.

ذهب نحميا إلى بابل وعاد فوجد تجاوزات كثيرة، قام بعلاجها بقلبٍ متسعٍ مملوءٍ رجاءً:

أ. فرز الغرباء (1 - 3).

ب. ردّ حقوق الرب [التقدمات] (4 - 14).

ج. حفظ السبت (15 - 22).

د. من بركات الرب عليهم أنه بالسبي لم يعد يمارس اليهود العبادة الوثنية، لكنهم سقطوا في الزواج بالأجنبيات الوثنيات. قام بتأديبهم خاصة الكهنة واللاويين (23 - 31). لذا يحذرنا الرسول بولس: "لا تكونوا تحت نيرٍ مع غير المؤمنين" (2 كو 14: 6).

"فاذكرني يا إلهي بالخير" (31: 13).

دروس من سفر نحميا.

  • أن يضعنا الله في صحبة غير المؤمنين يصير ذلك بركة لنا ولهم (1: 1).
  • أعظم الأعمال لحساب مملكة الله تبدأ بشخصٍ واحدٍٍ أمينٍ (2: 1 - 4).
  • القائد الحي ينسب خطايا الشعب وضعفاتهم إلى نفسه (3: 1، 4؛ عب24: 11 - 27).
  • الصلاة ملجأ لنا في بدء الطريق وفي منتصفه وحتى نهايته.
  • الاعتراف بالخطايا هو الطريق الأكيد للتمتع بمراحم الله (6: 1 - 11).
  • أفضل الطرق للبلوغ إلى قلوب الناس هو الله (11: 1).
  • متى خدمت الله، قاومك الشيطان (19: 2، 20؛ 1: 4 - 9).

سمات صلاة نحميا.

ا. مملوءة غيرة، مصحوبة بالهدوء مع النفس والدموع والصوم، وتمتد نهارًا وليلاً (4: 1).

ب. مملوءة رجاءً تتطلع إلى مراحم الله (5: 1، 6).

ج. تحمل تواضعًا مع الاعتراف بالخطايا (6: 1 - 8).

د. مصحوبة بالإيمان في تحقيق وعود الله للتائبين المطيعين له (9: 1).

هـ. عملية بلا أنانية (10: 1، 11).

و. فعَّالة مصحوبة بالعمل (4: 2، 5).

ز. لحساب مجد الله (8: 2).

سفر التذكرة.

اتسمت صلوات نحميا النبي بتذكير الله بوعوده وبأبنائه… وهو في هذا كطفلٍ بسيطٍ يرتمي على صدر أبيه، مطالبًا بما وعد به، فيفرح به أبوه السماوي. ففي أول صلاة له يقول لله: "أذكر الكلام الذي أمرت به موسى عبدك قائلاً…" (6: 1).

النجاح هبة إلهية.

آمن نحميا بأن النجاح هو عطية إلهية، إذ يصرخ إلى الله إلهه قائلاً: "أعطِ النجاح اليوم لعبدك" (11: 1).

رحلتا الحرية.

1. الخروج

2. العودة من السبي

الدفعات

دفعة واحدة

ثلاث دفعات

القادة

موسى وهرون ثم يشوع.

1. زربابل 537 ق. م.

2. عزرا 458 ق. م.

3. نحميا 445 ق. م.

أين كانت؟

في مصر بعد 430 عامًا.

في بابل بعد 70 سنة.

المدة

استغرقت 40 عامًا.

قرن من الزمان.

عدد الشعب

حوالي مليون.

حوالي ستين ألفًا.

الغاية

التمتع بأرض الموعد

إعادة بناء الهيكل والمدينة والسور.

العقبات

البحر الأحمر، البرية، الأعداء، نهر الأردن

الخراب، الإمكانيات الضعيفة، الأعداء المحيطون، المخاوف الداخلية.

العثرات

الشكوى، التمرد المستمر، العصيان.

الخوف، الإحباط، اللامبالاة، الظلم الاجتماعي، الانحطاط الروحي.

الدروس

الله هو القائد الحقيقي. الكنيسة (خيمة الاجتماع) أيقونة السماء.

الحاجة إلى الكهنوت والذبائح (المسيح الكاهن والذبيح).

الله هو القائد.

كل شخص له دوره وعمله البنَّاء الروحي مع البناء المادي.

لا خلاص بدون التوبة.

صلوات نحميا.

الشاهد

المناسبة

حول الصلاة

4: 1 - 11

بعد سماعه حال شعبه

التوبة كطريق لعمل الله فينا.

4: 2

أثناء حديثه مع الملك

الشعور بالحضرة الإلهية أينما وجدنا.

4: 4 - 5

بعدما سخر به الأعداء

مقاومة الأعداء موجهة ضد الله.

9: 4

تهديد العدو له

الله هو الحافظ للعاملين لحسابه والعامل بهم.

9: 6

ردا على التهديدات

يطلب أن يقوي الرب عزيمته.

9: 13 (9: 5)

وهو يفكر في أعمال أعدائه

يختفي راء الله الذي يبدد مشورات الأعداء.

5: 19؛ 13: 14، 22، 31

يتذكر خدمته لله

يطلب من الله أن يذكره.

من وحي سفر نحميا.

احملني إلى موضع الخدمة.

  • لتحملني على الأذرع الأبدية،.

فأنت هو أبونا السماوي.

ولتدخل بي إلى كرمك.

تصير الأمور الصغيرة عظيمة للغاية.

إذ أتمم عملك العظيم يا أبي السماوي!

  • لأجل اسمك العظيم،.

هب لي أن أعمل معك يا أيها العجيب في حبه!

تحملني، فأحمل إخوتي،.

ونعمل جميعًا بروحك الناري!

نعمل بروح الحب والوحدة،.

وتزول من قاموس حياتنا كلمة "مستحيل!".

  • أود أن أخدمك يا أيها القدوس.

أعمل بك ومعك،.

أحث كل نفسٍ للعمل في كرمك!

يقف أمامي العدو ليهدم كل عملٍ إلهيٍ.

يرى في كل خير أعمله إساءة بالغة موجهة ضده.

تارة يهددني ليخيفني،.

وأخرى يتملقني ليفسد وقتي بالحوار الباطل والمناقشات الغبية.

تارة يلاطف، وأخرى يثور ويغضب.

تارة يشهر سلاحه أمامي،.

وأخرى يتآمر سرًا ليخدع ويدمر!

تارة يسخر بما أعمله لكي أسقط في اليأس،.

وأخرى يوجه ضدي اتهامات بلا حصر.

  • أدركت بالحق أنني لست طرفًا في العركة.

فالعدو يهدف نحو مقاومتك أنت شخصيًا.

أختفي فيك، فأنعم بنصرتك.

تتهلل نفسي وتسبحك بلا انقطاع.

تتحول المعركة إلى موكب سماوي لا يعرف إلا الفرح والتهليل!

  • الآن أخرج من المعركة مدركًا سرًّا عجيبًا.

أنت هو العامل بنا وفينا ومعنا.

لأبدأ عملي بالصلاة،.

ولأستمر فيه رافعًا قلبي إليك،.

ولتبقى نفسي مصلية حتى بعد نهايته!

أنت هو البداية والنهاية!

وبنى بوصيتك شعب أورشليم.

كرَّس السور وحوّل حياة الشعب إلى عيدٍ مفرحٍ.

أورشليمي الداخلية بلا سورٍ.

من يبني هذا السور؟

من يُقيم هذا المجد؟

وعدتني: "أنا... أكون لها سور نارٍ من حولها،.

وأكون مجدًا في وسطها (زك 5: 2).

ماذا قيل عن الأسوار؟

إذ ندرس سفر نحميا، حيث نلمس اهتمام الله نفسه بإعادة بناء سور أورشليم المنهدم، نلاحظ تكرار كلمات القائد العظيم: "اذكر لي يا إلهي للخير ما عملت لهذا الشعب" (نح 5: 19). كما نسمع كلماته: "هلم فنبني سور أورشليم، ولا نكون بعد عارًا" (نح 2: 17). ماذا يعني سور أورشليم بالنسبة لنا؟ وماذا يقول آباء الكنيسة عن السور؟

أورشليم العروس المحبوبة (إش 62: 5–6).

حينما يتحدث الرب عن أورشليم يقول: "كفرح العريس بالعروس يفرح بكِ إلهكِ. على أسواركِ يا أورشليم أقمت حراسًا، لا يسكتون كل النهار وكل الليل على الدوام" (إش 62: 5–6).

الحديث هنا عن أورشليم الجديدة أو الكنيسة عروس المسيح، أما الحراس الذين يقيمهم العريس السماوي، فكما يقول يوسابيوس القيصرى هم الملائكة والقوات السماوية المقدسة. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنهم قادة الكنيسة أو كهنتها. أما القديس كيرلس الكبير فيرى في هؤلاء الحراس لأسوار الكنيسة معلمي الأسرار الإلهية mystaggues الذين لا يتوقفون عن العمل لمجد الرب وعجائبه الفائقة[2].

بنو الغريب يبنون أسوارك (إش 60: 10).

إن كانت أورشليم تشير إلى الكنيسة الله في العهد الجديد، فمن هم بنو الغريب الذين ينبون أسوارها؟ لقد جاء السيد المسيح إلى خاصته اليهود، وخاصته لم تقبله، أما الأمم الغرباء، فقد صاروا شهودًا وكارزين بالحق الإنجيلي. وكما يقول الرسول بولس: "فلستم إذًا بعد غرباء ونزلاء، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله" (أف 2: 19).

يرى يوسابيوس أسقف قيصرية الذي كتب عن قسطنطين الكبير ممتدحًا إياه على خدمته للكنيسة، أن الغرباء هنا هم الأباطرة الرومان وقادة الجيش والأمراء الذين ساهموا في بناء أسوار الكنيسة.

ويرى القديس كيرلس الكبير أن أسوار الكنيسة هي الإيمان المستقيم، وقد قام الرسل ببناء الأسوار بالكرازة بهذا الإيمان دون أن يُنسبوا إلى دم جنس اليهود، بل صاروا كغرباء عنهم[3].

ويرى ثيؤدورت أن الغرباء هنا هم المعلمون الذين جاءوا من أمم غريبة عن إسرائيل وقاموا بحراسة الأسوار بصلواتهم وتعاليمهم[4].

صورت أسوارك على يدي (إش 49: 16 LXX).

جاءت الترجمة السبعينية: "أصور (أرسم) أسوارك على يدي. أنتِ أمامي دائمًا" (إش 49: 16 LXX).

يرى القديس كيرلس الكبير[5] أن الأسوار المنقوشة أو المرسومة على يدي الله هم الرسل القديسون والإنجيليون.

أما ثيؤدورت الذي يأخذ بالتفسير التاريخي، فيرى أن النبي يتحدث عن خراب أسوار صهيون على أيدي البابليين وأن الله ينبؤهم بإعادة بنائها، وأن هذا الأمر يشغله بنفسه كما لو كان المهندس المسئول عن أقامة أسوارها المُحكمة.

ويرى يوسابيوس القيصري أن الأمر يخص بناء صهيون الحقيقية في نفوس البشر وبنيان الكنيسة[6].

ويرى القديس أمبروسيوس أن هذه الأسوار هي التشبه بالله وحمل صورته بالفضائل فينا.

  • لنهرب من هذه الشرور، ونرفع نفوسنا إلى صورة الله ومثاله. الهروب من الشرور هو التشبه بالله، وصورة الله تقتنى بالفضائل. هكذا مثل المصوّر يصورنا بألوان الفضائل. "انظرى لقد صورت أسواركِ يا أورشليم" (إش 49: 16 LXX). ليتنا لا نزيلها بفرشة الإهمال، دعامات الأسوار المصّورة التي لنفوسنا. وهكذا: "لقد صورت الأسوار" وبهذا أستطيع أم أطرد العدو. للنفس أسوارها، بها تثبت، وعنها قيل: "أنا مدينة قوية، مدينة محاصرة". بهذه الأسوار تُحرس المدينة، وبها تُحمى بالحصار. بالحق النفس هي سور، يمتد حول المحلة. لذلك تقول العروس في نشيد سليمان: "أنا سور، وثدياي كبرجين" (نش 8: 10). السور الذي يصوره (يرسمه) الرب صالح، إذ يقول: "أصور أسوارك على يدي، أنت أمامي دائمًا" (إش 49: 16 LXX) [7].
  • يُقال في نشيد الأناشيد: "أنا سور، وثدياي كبرجين" (نش 8: 10). السور هو الكنيسة، والبرجان هما كهنتها، الذين لديهم كمال القوة لتعليم العلوم الطبيعية والأخلاقية[8].

القديس أمبروسيوس.

إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري مكانًا مكرمًا (إش 56: 5).

"إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري نُصبًا (مكانًا مكرمًا)، واسما أفضل من البنين والبنات، أعطيهم أسمًا أبديًا لا ينقطع" (إش 56: 5).

يرى القديس أغسطينوس أن هذا الاسم الأبدي الذي يعطيه لهم في بيته وأسواره إنما هو العبور بهم من ظلال الزمن القديم إلى أنوار الأبدية[9].

المسيح سور أورشليمنا.

يقول[10] Venecundus: [إن كنا نحول وجهنا إلى الحائط عندما نُضرب بالخوف من الموت، أي نوجه بصيرة قلوبنا نحو المخلص الذي يصّور هنا بالسور، فإننا نخلص. إذ هو يخلص المؤمنين الذين يسكنون فيه من هجمات كثيرة. يقول إشعياء: "لنا مدينة قوية. يجعل الخلاص أسوارًا ومترسه" (إش 26: 1). انظروا، فإن المخلص يدعى سورًا.].

هذا التفسير يتناغم مع قول الرب: "وأنا يقول الرب أكون سور نار من حولها" (زك 2: 5).

المياه تتحول إلى سور!

قيل: "فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم" (خر 14: 22)، "وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم" (خر 14: 29).

أعلن هذا العمل حب الله للإنسان وعمله الخلاصي، إذ يقول العلامة أوريجينوس: [المياه تصير جبالاً! المياه الراجعة تصير سورًا!... ويظهر عمق البحر، وإذا هو رمال فقط! ليتك تدرك محبة الخالق، فإنك إن أطعت إرادته، وحفظت ناموسه يسخر الأشياء لتعمل ضد طبيعتها لأجل خدمتك[11].].

كثيرًا ما انشغل العلامة أوريجينوس بمنظر خروج الشعب تحت قيادة موسى النبي، وعبورهم بحر سوف. فما أن ضرب موسى البحر بعصاه حتى انشق أمام الشعب كمن يرحب به للعبور خلاله.

إنها صورة رائعة لكنيسة العهد الجديد وهي تتبع مسيحها، بل تلتصق به بكونها الجسد المتحد بالرأس، وبعصاه أو صليبه يتحول العالم المضطرب بأمواج تجاربه العنيفة إلى طريق ممتع للعبور نحو الأبدية. تتحول المياه المهلكة إلى سورٍ عن اليمين وعن اليسار، ليسير المؤمن في طريق الاعتدال بلا انحراف يمينًا أو يسارًا. يسير في حصانة مسيحه، الذي يحول كل الأمور لبنيان نفسه.

  • أمر موسى أن يضرب البحر بالعصا لينشق وينسحب، فيدخل شعب الله البحر (خر 14: 21 - 22؛ 26)، وتخدم طاعة العناصر الإرادة الإلهية. وعندما صارت المياه التي كانوا يخشونها سورًا على اليمين واليسار (خر 14: 29) لعبيد الله، لم تعد مهلكة بل حامية. لذلك تجمعت المياه في كومة ومنعت الأمواج التي تنحني عليهم. نال السائل جمودًا، وصار قاع البحر جافًا كالتراب. لاحظوا صلاح الله! إن أطعتم إرادته، واتبعتم ناموسه يُلزم العناصر نفسها أن تخدمكم حتى على خلاف طبيعتها! [12].
  • يا لها من تجربة قاسية أن تعبر في وسط البحر! ترى الأمواج ترتفع عاليًا بصوت رهيب ودوامات المياه ثائره! إن اتبعت موسى، أي شريعة الله، تصير لك المياه أسوارًا على اليمين واليسار، وتجد طريقًا لأرض يابسة وسط البحر. علاوة على هذا، يمكن أن يحدث هذا في الرحلة السماوية، فنقول أن النفس توقف مخاطر المياه! عظيمة هي الأمواج التي توجد هناك! [13].
  • من كان مصريًا وتبع فرعون يغرق في طوفان الرذائل. أما من يتبع المسيح ويسير كما سار هو، تصير المياه له سورًا عن اليمين واليسار. يسير في الطريق الوسطي على أرض يابسة، لا ينحرف يمينًا أو يسارًا حتى يعبر إلى الحرية، ويرنم تسبحة النصرة للرب، قائلاً: "اسبح الرب لأنه بالمجد تمجد" (خر 15: 1) [14].

العلامة أوريجينوس.

جعلتك اليوم أسوار نحاس على كل الأرض.

إن كان العدو قد صار كجيش قوي يقاومني، فأنت هو قوتي، تصير لي سور نار تحميني، وترسًا لي تصد كل سهام العدو، تشدد رجلي فأصير مسرعًا كالأيل وترفعني كما على المرتفعات العالية فلا يلحق بي أذى. تشدد يديّ للقتال ضد إبليس، وتوسع خطواتي فألحق بعدوي وأفنيه بالصليب. "لأني بك اقتحمت جيشًا، بإلهي تسورت أسوارًا" (2 صم 22: 30؛ مز 18: 29). يؤكد الرب: "هأنذاك جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس على كل الأرض... فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك يقول الرب، لأنقذك..." (إر 1: 18 - 19).

سور التمييز.

  • هذا هو التمييز الذي لا يُدعى فقط "نور الجسد"، بل و "الشمس"، إذ يقول الرسول: "لا تغرب الشمس على غيظكم" (أف 26: 4). وُيدعى أيضًا "سلطانًا"، إذ لا يسمح لنا الكتاب المقدس أن نصنع شيئًا بدونه. "مدينة منهدمة بلا سور، الرجل الذي ليس له سلطان على روحه" (أم 28: 25) [15].

الأب موسى.

سور الوصايا.

  • جنتنا مغلقة من كل جانب بسور الوصايا حتى لا يتسلل إليها لص أو وحش مفترس. إنها مغلقة بسياج الوصايا فلا يستطيع خنزير بري أن يقترب إليها[16].

القديس غريغوريوس النيسي.

سور أورشليم العليا.

يقول القديس يوحنا الحبيب: "والذي كان يتكلم معي، كان معه قصبة من ذهب، لكي يقيس المدينة وأبوابها وأسوارها... وقاس سورها مئة وأربعة وأربعين ذراع إنسان، أي الملاك""(رؤ 21: 15، 17).

أبناء الملكوت معروفون ومقاسون من قبل الله ومحفوظون لديه. أما وحدة القياس فهي قصبة من ذهب أي سماوية، لأن الأمور الروحية والسماوية لا تقاس إلا بما هو روحي سماوي. يشير رقم 144 إلى الكنيسة الجامعة (كنيسة العهد القديم 12× كنيسة العهد الجديد 12) التي هي مسورة بسور واحد لتنعم بإله واحد. أما الذي قاس فهو ملاك لا إنسان أرضي، حتى لا نتخيل في السماء ماديات وأرضيات. إنها مسورة بالله ذاته حافظها، وهي من ذهب نقي شبه زجاج نقي، أي سمائية طاهرة.

أسوار الأعداء.

قيل عن هذه الأسوار: "بالإيمان سقطت أسوار أريحا بعدما طيف حولها سبعة أيام" (عب 11: 30). "فيخربون أسوار صور، ويهدمون أبراجها، واسحي ترابها عنها، وأصيرها ضح الصخر (حز 26: 4)." على أسوار بابل ارفعوا الراية، شددوا الحراسة، أقيموا الحراس، اعدوا الكمين، لأن الرب قد قصد، وأيضًا فعل ما تكلم به على سكان بابل (إر 51: 12). كما قيل: "بإلهي أثب السور" (مز 18: 29LXX).

  • مكتوب: "بإلهي أثب السور" (مز 18: 29LXX)، سور الشر الذي يفرق الإخوة ويثير الانقسامات بينهم، ويحيد بهم عن الحق[17].
  • لقد عرف (المرتل) أن قوة المؤمنين تكمن في تقديم الشكر لله، إذ بفرحهم يقفزون فوق أسوار الأعداء، وذلك مثل القديسين القائلين: "... بإلهي أثب السور" [18].

البابا أثناسيوس الرسولي.

المحتويات.

إله المستحيلات! 7.

مقدمة في سفر نحميا 8.

الخلفية التاريخية، كاتب السفر، من هو نحميا؟، نحميا القائد، سماته، جدول تاريخي.

شخصية نحميا 13.

1. وحدة الحياة، 2. الأمانة، 3. رجل عمل، 4. تحدي عدو الخير وعدم الارتباك بمقاومته له، 5. إيمانه بالعمل الجماعي، 6. رجل النظام والترتيب، 7. نحميا له سمات القائد الحي، نحميا رمز للسيد المسيح الخادم، أقسامه، دروس من سفر نحميا، سمات صلاة نحميا، سفر التذكرة، النجاح هبة إلهية، رحلتا الحرية، صلوات نحميا، من وحي سفر نحميا: احملني إلى موضع الخدمة.

ماذا قيل عن الأسوار؟ 23.

أورشليم العروس المحبوبة (إش 62: 5–6)، بنو الغريب يبنون أسوارك (إش 60: 10)، صورت أسوارك على يدي (إش 49: 16 LXX)، إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري مكانًا مكرمًا (إش 56: 5المسيح سور أورشليمنا، المياه تتحول إلى سور!، جعلتك اليوم أسوار نحاس على كل الأرض، سور التمييز، سور الوصايا، سور أورشليم العليا، أسوار الأعداء.

الباب الأول.

بناء السور.

الأصحاح الأول: اهتمام نحميا بأورشليم 30.

1. حامل أثقال إخوته، 2. جلسة مع الله، 3. صلاته.

الأصحاح الثاني: هلم نقوم ونبني! 45.

رجل صلاة وعمل، 1. تحركه للعمل، 2. صلاة سهمية، 3. خطة عمل، 4. تنفيذ عملي، 5. مقاومة العدو، 6. دراسة في الموقع، 7. دعوة للعمل المشترك، 8. استخفاف العدو بهم.

الأصحاح الثالث: توزيع العمل وبناء الأبواب 59.

1. باب الضأن، 2. باب السمك، 3. الباب العتيق، 4. باب الوادي، 5. باب الدمن، 6. باب العين، 7. باب الماء، 8. باب الخيل، 9. باب الشرق، 10. باب النَّثِينِيمِ أو العد.

الأصحاح الرابع: مقاومة من الخارج ومن الداخل 76.

1. سخرية سنبلط وطوبيا بهم، 2. نحميا يصرخ إلى الله، 3. الاستمرار في العمل، 4. تحالف قوى الشر، 5. صلاة وحراسة، 6. بث روح الإحباط، 7. بث روح القوة، 8. نحميا العامل.

الأصحاح الخامس: متاعب داخلية 97.

1. شكوى الفقراء، 2. تصرف نحميا العملي، 3. نحميا كمثال عملي.

الأصحاح السادس: الآن وقت للعمل لا للحوار! 112.

1. مؤامرات ضد نحميا، 2. الانتهاء من أعادة بناء السور وموقف الأعداء.

الأصحاح السابع: حراسة مشددة 126.

1. حراسة مشددة متهللة على السور، 2. إحصاء الشعب والقادة.

الباب الثاني.

بناء الشعب.

بناء الشعب 140.

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ: الاهتمام بالشريعة 142.

الشعب يطلب القراءة في الكتاب المقدس، 1. اجتماع عام لإعلان الكتاب المقدس، 2. الاحتفال بعيد المظال.

الأصحاح التاسع: صوم وتوبة وتسبيح لله 154.

1. توبة ورجوع إلى الله، 2. دعوة للتسبيح، 3. تسبحة جماعية، 4. وعد مع إبراهيم، 5. خروج بني إسرائيل، 6. عبور بحر سوف، 7. رعاية في البرية، 8. تسليم الشريعة، 9. اهتمامه باحتياجاتهم، 10. تمردهم، 11. مراحمه الكثيرة، 12. في أرض الموعد، 13. اعتراف بالخطايا، 14. تجديد العهد.

الأصحاح العاشر: تجديد العهد 185.

1. قائمة بالذين ختموا العهد، 2. شروط العهد.

اَلأَصْحَاحُ الْحَادِي عَشَرَ: المتوطنون الجدد في يهوذا وأورشليم 198.

1. اختيار المتوطنون الجدد، 2. القادة المحليون [أ. بيان عام، ب. من بني يهوذا، ج. من بنيامين، د. من الكهنة، هـ. من اللاويين، ز. من العاملين في الهيكل]، 3. الأماكن الخاصة لبني يهوذا، 4. الأماكن الخاصة لبني بنيامين، 5. تحول لاويين من يهوذا إلى بنيامين.

الأصحاح الثاني عشر: قوائم الكهنة والاحتفال الختامي 209.

1. الكهنة واللاويون في العودة الأولى، 2. رؤساء الكهنة واللاويون منذ يوياقيم، 3. تكريس السور، 4. الله سرّ فرحهم.

الأصحاح الثالث عشر: تقديس وتطهير 219.

1. عطاء غرفة خاصة في الهيكل لطوبيا، 2. تقديم العشور للاويين، 3. حفظ السبت، 4. طرد الزوجات الوثنيات.

الباب الأول.

بناء السور.

الأصحاح الأول

اهتمام نحميا بأورشليم.

قام نبوخذنصر بهدم السور، ومع محاولة إعادة بنائه (عز 4: 6 - 23)، بقي خرائب تقريبا لمدة قرن ونصف، مما جعلها مفتوحة لأعداء كثيرين. وكانت هناك حاجه إلى قائد حّي مثل نحميا يقوم ببنائها. في عام 458 ق. م عادت الدفعة الثانية من اليهود إلى أورشليم تحت قيادة عزرا. وكان عزرا الكاتب رجل الشريعة الذي يهتم بجمع أسفار الكتاب المقدس. مع هذا الاهتمام بكلمة الله كانت تلك الفترة في حاجة إلى رجل عمل بجانب رجل الشريعة. وقد هيأ الله نحميا لهذا.

كان لنحميا دوره الهام كساقي الملك ارتحشستا الأول Artaxerxes I حوالي عام 445 ق. م، بعد حوالي 13 سنة من ذهاب عزرا إلى أورشليم. لقد جاءه أخوه حناني (ربما أحد أقربائه) بأخبار جديدة بخصوص خراب أورشليم. كان رد الفعل المباشر هو الالتجاء إلى الصلاة كما فعل عزرا (عز 9).

1. حامل أثقال إخوته 1 - 3.

2. جلسة مع الله 4.

3. صلاته 5 - 11.

ا. حافظ العهد 5.

ب. اعتراف 6 - 7.

ج. تمسك بالوعود 8 - 9.

د. صرخة من القلب 10 - 11.

الأعداد 1-3

1. حامل أثقال إخوته

كَلاَمُ نَحَمْيَا بْنِ حَكَلْيَا:

حَدَثَ فِي شَهْرِ كَسْلُو فِي السَّنَةِ الْعِشْرِينَ،.

بَيْنَمَا كُنْتُ فِي شُوشَنَ الْقَصْرِ [1].

شهر كسلو يعادل تقريبًا الجزء الأخير من شهر نوفمبر، والأكبر من شهر ديسمبر.

نَحَميا بن حكليا: هذا هو اسم واضع السفر، الأمر الذي لا نجده في أيّ من الأسفار التاريخية. سلسلة نَسَب نَحَميا هنا ليست طويلة، مثل سلسلة نَسَب عزرا. إذًا لا حاجة إلى الرجوع إلى زمن هارون، فنَحَميا ليس كاهنًا، ولا إلى زمن داود لأنه ليس ملكًا، وإن كان البعض يرى أنه من سبط يهوذا، ومن عشيرة داود الملكية[19]، بل من عامّة الشعب.

ثلاثة أشخاص دعوا باسم "نَحَميا": أحد الذين عادوا من السبي، من بابل، إلى أورشليم، تحت قيادة زربابل (7: 7؛ عز 2: 2). وآخر ابن عزبوق، ساهم في ترميم سور أورشليم (3: 16)، وصاحبُنا ابن حكليا (1: 1، 10: 2؛ 12: 26) [20].

"حكليا" مشتقة من "انتظر الرب"، أو الرجاء بالربّ، أو "يهوه محتجب" (إش 8: 17؛ 33: 20).

أما ذكر اسم الأسرة هنا، وقوله للملك "المدينة بيت مقابر آبائي" (2: 3) يكشف عن أنه من أسرة كانت لها شهرتها في أورشليم.

"شوشن": مدينة هامة لعيلام في جنوب غرب إيران، معروفة عند اليونانيين بسوسا. كانت في السهل الخصب على بعد حوالي 150 ميلاً شمال الخليج الفارسي. كانت في ذلك الحين مقرًا شتويًا للملوك، لكنها شديدة الحرارة صيفًا. رأى دانيال نفسه في رؤيا كأنه في شوشن (دا 8: 2). عندما فتح كورش بابل سقطت شوشن في أيدي الفرس، وجعلها داريوس قصبة المملكة. وأسس هذا الملك القصر العظيم الموصوف في أس 1: 4–6. بعد موقعة أربيلا وجد الإسكندر الأكبر فيها جواهر الملك وذخائره. وقد فضل بابل عليها، فانحط شأنها. وقد زال مجدها تمامًا بعد القرن السابع الميلادي. حاليًا يشغل موضعها قرية شوشن أو سوسن بين نهري الخرخة وأولاي، تقع شرق بابل.

أثبت ما كُشف من آثار هذه المدينة التاريخ الوارد في أسفار الكتاب المقدس، خاصة سفر أستير. وبالقرب من النهر في الأرض المنخفضة قبر يظنه السكان قبر دانيال. كما اكتشف عمود أسود نقش عليه شرائع حمورابي ملك بابل، نقله العيلاميون من بابل.

لا نعجب من وجود قله مقدسة لحساب ملكوت الله حتى وإن عاشت في قصور ملوك أشرار أو وثنيين، نذكر على سبيل المثال موسى النبي الذي تبنته ابنه فرعون، في قصر ذلك الملك الذي صمم على قتل كل الأطفال الذكور للعبرانيين. ويقول عنه الرسول بولس: "تهذب موسى بكل حكمة المصريين" (أع 7: 22)، كما قال: "بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، مفضلاً بالأحرى أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، حاسبًا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة" (عب 11: 26). وتربى عوبديا في بيت أخاب من أشر ملوك إسرائيل (1 مل 18: 5 - 16)، وداود في قصر شاول الملك الشرير. كما وجد قديسون في قصر قيصر. هكذا وجد قادة قديسون يعيشون كما في المقادس، وهم يقطنون في القصور الملوكية حيث وجد الفساد والظلم في أبشع صوره.

هذه الشخصيات وأمثالها توبخنا!

  • ليس أحد منكم وهو يمكنه أن يكون ابنًا للملك استهان بهذا، أما موسى ففعل هذا ليس فقط ترك هذا، بل عبّر عن ذلك بالقول: "أبى" أن يكون هكذا، أبغض هذا، وترك ذلك هاربًا.
  • إذ وُضعت السماء أمام موسى صار الإعجاب بقصرٍ مصريٍ أمرًا تافهًا... لقد حسب العار من أجل المسيح أفضل من الحياة السهلة، وهذا في ذاته يحمل مكافأة... لقد ألقى موسى بنفسه في مخاطر كثيرة بمحض اختياره في الوقت الذي كان في إمكانه أن يعيش متدينًا وهو يتمتع بالخيرات...، لكن حسبه خطية ألاَّ يكون مستعدًا لاحتمال الآلام مع الغير، فصار احتماله للآلام خيرًا عظيمًا، ملقيًا بنفسه فيها تاركًا القصر الملكي. لقد فعل هذا لأنه رأى أمامه أمورًا عظيمة، حاسبًا عار المسيح أفضل من خزائن مصر[21].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

أَنَّهُ جَاءَ حَنَانِي وَاحِدٌ مِنْ إِخْوَتِي،.

هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ يَهُوذَا،.

فَسَأَلْتُهُمْ عَنِ الْيَهُودِ الَّذِينَ نَجُوا،.

الَّذِينَ بَقُوا مِنَ السَّبْيِ وَعَنْ أُورُشَلِيمَ. [2].

حناني: اسم عبري معناه "منعم، كريم، رحوم، وهو اختصار" حنانيا ".

بعد السبي كان شعب إسرائيل يدعى "يهودًا".

سأل نحميا عن أورشليم، حيث يوجد بيت الرب الذي صعد إليه الشعب، ويقدمون ذبائح الشكر للرب (مز 122).

يذكر المؤرخ يوسيفوس أن نحميا كان يتمشى حول أسوار القصر، فسمع بعض الأشخاص يتكلمون بلسان بلده، وإذ علم أنهم جاءوا من اليهودية مؤخرًا، تحدث معهم، وعلم أن حال أورشليم في دمار، وأن الراجعين من السبي في حالة بائسة، هذا ما بعث فيه روح الحزن أمام الملك[22].

يرى البعض أن هؤلاء الرجال جاءوا إلى شوشن، إما لطب العون من العرش الفارسي أو من نحميا. أو كانوا في رحلة عمل عادية تستلزم العلاقة بين اليهود في يهوذا والمشتتين في أنحاء الإمبراطورية[23].

هنا نقف بإجلال وتقدير لإنسانٍ يعيش في القصر، لكن قلبه مع شعبه المتألم، فلن تستريح نفسه بينما تئن نفوس إخوته. هذا ما عبّر عنه الرسول بولس قائلاً: "فإني أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو 9: 3). وعبرّ عنه موسى النبي حين صرخ: "والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامنحني من كتابك الذي كتبته" (خر32: 32).

  • لما تدهش أن الرسول يود أن يكون محرومًا من أجل إخوته، إن كان هذا الذي هو في شكل الله أخلى نفسه، وأخذ شكل العبد وصار لعنة لأجلنا (في 2: 6–8)؟ لماذا العجب إن كان المسيح قد صار لعنة لأجل عبيده، أفلا يصير أحد عبيده لعنة من أجل إخوته؟ [24].

العلامة أوريجينوس.

فَقَالُوا لِي:

إِنَّ الْبَاقِينَ الَّذِينَ بَقُوا مِنَ السَّبْيِ هُنَاكَ فِي الْبِلاَدِ،.

هُمْ فِي شَرٍّ عَظِيمٍ وَعَارٍ.

وَسُورُ أُورُشَلِيمَ مُنْهَدِمٌ،.

وَأَبْوَابُهَا مَحْرُوقَةٌ بِالنَّارِ. [3].

بالنسبة نحميا فإنه لا يفصل بين خير الشعب عن خير المدينة وحالها، فالاثنان هما جانبان لحقيقة واحدة.

دمار السور يعني أن المدينة عاجزة تمامًا عن مواجهة أي عدو. ما كان يحزن قلب نحميا ليس ما حدث للأسوار منذ 140 عامًا، حيث هدمها نبوخذنصر، وإنما ما حدث في أيام عزرا (عز 4: 7 - 23)، حين حاول اليهود إعادة بناء السور، في أيام أرتحشستا الأول. ولكن اعترض رحوم صاحب القضاء وشمشاي الكاتب على ذلك، فأصدر الملك أمره بوقف العمل.

لقد سمح الله بالضيقة الشديدة، حتى بدت الأمور مستحيلة، ليس من يدٍ بشريةٍ تقدر على إصلاح الموقف. وسط الشعور بالعجز التام، وجد نحميا أن لا ملجأ له إلا الله بالصلاة من كل قلبه!

في كل العصور، يحتاج شعب الله إلى من يصلي لأجله.

ما هو السور، وما هي الأبواب؟ يقول الرب نفسه: "أنا أكون سور نار حولها" (زك 2: 5). ويقول: "أنا هو الباب" (يو 10: 9). فالسور المهدم والأبواب المحروقة بالنار إنما تشير إلى فقدان الإنسان قوة الله الحصن الحصين، وتيه الإنسان عن قوة الله الحصن الحصين، لأنه لم يجد الباب الحقيقي، ليدخل إلى حضن الله. فالسور يشير إلى قوة الله العاملة في المؤمن، والباب يشير إلى الخلاص الإلهي الذي ينعم به.

العدد 4

2. جلسة مع الله

فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْكَلاَمَ،.

جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا،.

وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلَهِ السَّمَاءِ [4].

إذ اكتشف نحميا خطورة الأمر وضع على عاتقه أن يتعهده، لا بالجدال والحوار، ولا بالاعتزاز بقدرته وحكمته، وإنما بتقديمه لله الذي من اختصاصه حلّ المعضلات! وكما يقول يعقوب الرسول: "اقتربوا إلى الله، فيقترب إليكم... اتضعوا قدام الرب فيرفعكم" (يع 4: 8، 10).

كان موقف نحميا واضحًا أمام نفسه، فإنه لم يرد الدخول في معاركٍ، ولا أن يضع خططًا معينة، بل يقدم الأمر بقلبٍ منكسرٍ أمام الله، فهو يعلم أن الله قريب من منكسري القلوب.

بقوله "جلست" يعني أنه ترك كل شيء، ليجلس مع الله من أجل أمر خطير، ألا وهو ما حلّ بشعب الله من عارٍ وخزيٍ بسبب الخطية.

إذ جلس ليس مع نفسه وحده، إنما في حضرة الله، تجلى أمامه أمران: خطاياه وخطايا شعبه من جانب، ووعود الله الصادقة من جانب آخر، لذلك انسابت دموعه، وناح في قلبه بروح الرجاء في عمل الله وخلاصه؛ بكى وناح أيامًا.

يقول المرتل:

تعبت في تنهدي، أعوم في كل ليلة سريري، بدموعي أذوب فراشي (مز 6: 6).

استمع صلاتي يا رب، وأصغِ إلى صراخي. لا تسكت عن دموعي لأني أنا غريب عندك، نزيل مثل جميع آبائي (مز 39: 12).

صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كل يوم أين إلهك؟ (مز 42: 3).

تيهاني راقبت، اجعل أنت دموعي في زقك، أما هي في سفرك؟ (مز 56: 8).

قد أطعمتهم خبز الدموع، وسقيتهم الدموع بالكيل (مز 80: 5).

إني قد أكلت الرماد مثل الخبز ومزجت شرابي بدموعٍ (مز 102: 9).

الذين يزرعون بالدموع، يحصدون بالابتهاج (مز 126: 5).

  • الرب نفسه بكى على أورشليم، إذ لم ترد أن تبكي هي على نفسها... إنه يريدنا أن نبكي لنهرب (من الهلاك)...

من يبكي كثيرًا في هذا العالم يخلص في المستقبل، لأن "قلب الحكماء في بيت النوح، وقلب الجهال في بيت الفرح" (جا 7: 4). وقال الرب نفسه: "طوباكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون" (6: 21).

فلنبكِ إذن إلى زمان، فنفرح إلى الأبد. لنخفْ الرب وننتظره، معترفين بخطايانا، راجعين عن شرنا، حتى لا يُقال لنا "ويل لي... قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس" (مي 7: 1 - 2) [25].

القديس أمبروسيوس.

  • الصلاة الممتدَّة والدموع الغزيرة تجتذبان الله للرحمة.
  • البكاء وحده يقود للضحك المطوَّب.
  • أراد يسوع أن يُظهر في نفسه كل التطويبات، إذ قال: "طوبى للباكين"، وقد بكى هو نفسه لكي يضع أساس هذا التطويب حسنًا[26].

العلامة أوريجينوس.

إذ كشفت دموعه عن حزن قلبه على حاله وحال شعبه مع رجائه في الرب، التزم بالصوم والصلاة. ففي أثناء السبي صار الصوم أمرًا شائعًا، بجانب الصوم كتذكار لانهيار أورشليم وقتل جدليا (إش 4: 16؛ دا 9: 3؛ 10: 3؛ زك 7: 3 - 7).

  • عندما كان الخراب سيحيق بكل جنس أستير… لم تفسد ثورة الطاغية إلا بالصوم والصلاة إلى الله، وهكذا حولت هلاك شعبها إلى حفظهم في سلام (أس 16: 4) [27].

القديس أثناسيوس الرسولي.

  • في جوعه (المسيح) اقترب إليه (إبليس)؛ ليعلّمك ما هي عظمة الصوم، وكيف أنه أقوى درع ضدّ الشيطان. لهذا يلزم بعد الجرن (جرن المعموديّة) أن يصعدوا لا إلى حياة الترف والشرب والمائدة الممتلئة، بل إلى الصوم. لقد صام لا عن احتياج وإنما لتعليمنا... فإنه بدون ضبط البطن طُرد آدم من الفردوس، وحدث الطوفان في أيام نوح وحلّت الرعود بسدوم. فمع ارتكابهم الزنا جاء التحذير يخصّ ضبط البطن. هذا ما عناه حزقيال بقوله: "هذا كان إثم سدوم الكبرياء والشبع من الخبز ووفرة الترف" (حز 16: 49). هكذا تعمق اليهود أيضًا في الشرّ العظيم بانسحابهم إلى المعصية خلال شربهم وترفهم (إش 5: 11ـ12) [28].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

  • أفضل عون لكم لكي تهرب منكم الشيّاطين هو النسك والصوم واحتمال الضيق. فإن كانت الشيّاطين تدخل أجساد البشر من أجل شركة الملذّات، فواضح إنّها تهرب باحتمال الألم[29].

الإكليمنضيّات.

الأعداد 5-11

3. صلاته

يقدم لنا نحميا نموذجًا رائعًا لحياة الصلاة:

أ. يعلن المفهوم الحقيقي للصلاة في ظروف قاسية: يفتتح صلاته بالاعتراف بخطايا الشعب كله، حاسبًا نفسه عضوًا في الشعب، مشتركًا معهم في خطاياهم. يذّكر الله بوعوده الإلهية، ويختتمها بطلبة شخصية أن يعطيه الرب نعمة في عيني الملك، لا لأجل نفع خاص به، وإنما لمجد الله وبنيان الشعب. صلاة نَحَميا صلاة ليتورجيّة، تفَّوه بها باسم الجماعة، وكتبها فعبّر فيها عن حياة اليهود الدينية، وعن إيمان الشعب بالله الذي يستجيب لأبنائه، حتّى في طَلَبٍ صغير، كنجاح نَحَميا عند الملك أرتحشستا[30].

ب. مع صلواته لمدة طويلة من أجل الضيقة التي حلت بشعب الله، يمارس ما ندعوها بالصلاة السهمية، حيث يرفع قلبه لله وهو في حضرة الملك قبل أن يطلب من الملك شيئًا.

  • الصلاة هي استنجادنا بالمضخة في منع السفينة من الغرق، تستخدم كل الأصوات والأيدي. فالآن نستخدم أصواتنا عندما نقول اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا، ونعمل بأيدينا عندما نصنع هذا: "أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك" (إش 58: 7). اصنع إحسانًا في قلب الفقير فيشفع فيك أمام الرب (راجع سي 29: 12) [31].

القديس أغسطينوس.

  • أقوى من العاصفة. لقد اخترقت الغيوم، وطارت في الهواء (سيراخ 35: 17)، فتَحت السماوات وقربت من عرش العظمة بواسطة جبرائيل الذي يقدِّم الصلاة أمام الله. كنتيجة لذلك لفظت الأعماق النبي، وأوصل الحوت يونان بأمان على البر[32].
  • عندما صلَّى دانيال أيضًا سدَّت صلاته أفواه الأسود (دا 6)، لقد انسدَّت الأفواه المفترسة أمام لحم وعظام إنسانٍ. لقد بسطت الأسود مخالبها، وتلقفت دانيال حتى لا يسقط على الأرض، احتضنته بين ذراعيها، وقبَّلت قدميه. وعندما وقف دانيال في الجب لكي يصلِّي رفع يديه إلى السماء وعلى مثال دانيال تبعته الأسود وقلَّدته.

ذاك الذي تقبَّل صلاته. نزل وسدَّ أفواه الأسود. وذلك لأن دانيال قال لداريوس: "إلهي أرسل ملاكه، وسدَّ أفواه الأسود، فلم تضرُّني". (دا 6: 22).

وبالرغم من أن الجب كان مغطَّى ومختومًا إلاَّ أن النور أشرق داخله، وسُرَّت الأسود عندما رأت النور الذي ظهر لأجل دانيال. وعندما غلب النوم دانيال وأراد أن ينعس ركعت الأسود حتى يمكنه أن ينام فوقها وليس على الأرض. لقد كان الجب أكثر استنارة من عُليَّة ذات نوافذ كثيرة. وفي الجب قدَّم صلوات كثيرة أكثر من عليَّته، حيث كان يصلِّي فقط ثلاث مرَّات في اليوم (دا 6: 10)، وعندما انتصر وفرح دانيال. وأُلقي الذين اتَّهموه في الجب بدلاً منه، فانفتحت أفواه الأسود والتهمتهم وسحقت عظامهم[33].

القدِّيس أفراهاط.

أ. حافظ العهد والمملوء حنوًا ورحمة.

وَقُلْتُ: أَيُّهَا الرَّبُّ إِلَهُ السَّمَاءِ الإِلَهُ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ،.

الْحَافِظُ الْعَهْدَ وَالرَّحْمَةَ لِمُحِبِّيهِ وَحَافِظِي وَصَايَاهُ [5].

إذ وجد نحميا في الصلاة ملجأ له وطريقًا للتغلب على المستحيلات، كيف اقترب إلى الله في صلواته؟

لقد التقى مع الله خلال ثلاثة أمور:

1. عرف شخصية الله أنه الرب إله السماء الذي يحرك كل شيء، والمهتم بكل الخليقة السماوية والأرضية، فهو الله القدير. كثيرًا ما اُستخدم تعبير "إله السماء" في الفترة ما بعد السبي. فإن كان اليهود قد فقدوا أورشليم مدينة الله وهيكل سليمان الذين كانوا يحسبونه أقدس موضع في العالم، لذا صاروا يدعون الله إله السماء التي لا يقترب إليها عدو، ولا يحطم أحد أسوارها أو يسبي سكانها.

إنه الإله العظيم المخوف. وكما يقول موسى النبي: "لا ترهب وجوههم، لأن الرب إلهك في وسط إله عظيم ومخوف" (تث 7: 21).

2. إله العهد، الذي أعطى لموسى شريعة، وأعلن مواعيده لشعبه. الأمين في حبه وفي عهوده ووعوده الإلهية. "فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلى ألف جيلٍ" (تث 7: 9). تعبير "أمين هو الله" محبوب جدًا لدى اليهود القدامى، يفهمونه بأن الله أمين في حفظ وعده لهم كشعبٍ خاص به، لهم الوعود الإلهية الفائقة. ويرون في إخلاص بعض المؤمنين وأمانتهم توضيحًا لإخلاص الله وأمانته.

3. المملوء حنوًا ورحمة (عب 4: 16)، يرحم مُحبّيه والعاملين بوصاياه. هو فوق الإنسان، لكنّه قريب منه، يستمع إليه كما يستمع الصديق إلى صديقه.

بتحليل صلاة نحميا يظهر الآتي:

أ. صلاته تكشف عن علاقة شخصية فعّالة بين نحميا والله إلهه. فالصلاة ليست كلامًا في الهواء، بل حديثًا صادقًا مع الله.

ب. نحميا مثل عزرا يتكلم على لسان الشعب كله، فنسب ما يحل بهم يحل به شخصيًا. يعترف عن خطاياه وخطايا الشعب، أو الأمة كلها [6 - 7].

ج. يتذكر تحذيرات الله ويتمسك بالوعود الإلهية [8 - 9].

د. يلجأ إلى العهد مع الله وعمله الخلاصي مع شعبه [10].

هـ. يقدم طلبة خاصة لنوال قوة ونجاحًا في الخطوات التالية [11].

أما ثمرة الصلاة المتواضعة فهي أن الله يحرك الأحداث فيما هو لصالح نحميا وشعبه، ويهبه قوة للعمل.

  • كون الله أمينًا يعنى أنه يمكننا أن نثق في إعلانه عن ذاته. كلمته تعلن عنه أنه الله الأمين[34].

القديس إكليمنضس السكندري.

ب. اعتراف.

لِتَكُنْ أُذْنُكَ مُصْغِيَةً وَعَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَيْنِ،.

لِتَسْمَعَ صَلاَةَ عَبْدِكَ،.

الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْكَ الآنَ نَهَاراً وَلَيْلاً،.

لأَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَبِيدِكَ،.

وَيَعْتَرِفُ بِخَطَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخْطَأْنَا بِهَا إِلَيْكَ.

فَإِنِّي أَنَا وَبَيْتُ أَبِي قَدْ أَخْطَأْنَا. [6].

لم يستبعد نحميا نفسه ولا أعضاء أسرته من الاعتراف بخطاياهم. يحسب نحميا خطايا الشعب خطاياه [6 - 7]، وحاجتها للعون الإلهي حاجته هو [11].

"الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْكَ الآنَ نَهَاراً وَلَيْلاً": تكمُن الخطية في نِسيان الله، ويرتبط الرجاء بتذكّر رحمة الله ومواعيده.

شعورنا بمهابة الله ومخافته يدفعنا نحو الاعتراف بخطايانا. عندما رأى إشعياء مجد الرب في الهيكل، وامتلأ البيت دخانًا، يقول: "فقلت ويل لي إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود" (إش 6: 5).

وعندما أدرك سمعان بطرس سلطان الرب يسوع على البحر والسمك، "خّر عند ركبتي يسوع، قائلاً: اخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ" (لو 5: 8).

  • لنتوسل إلى مخلص نفوسنا لكي ما يحطم رباطاتنا، وينزع عنا سجننا القاسي هذا، ويهبنا التحرر من ثقل تلك القيود الحديدية، ويجعل أرواحنا خفيفة أكثر من أي جناح. إذ نتوسل إليه علينا أن نساهم من جانبنا بغيرةٍ متقدةٍ ساميةٍ لها اعتبارها، فإننا بهذا يمكننا في وقتٍ قصيرٍ أن نتحرر من الشرور التي تضغط علينا، وندرك حالنا الذي كنا عليه سابقًا، ونتمسك بالحرية التي صارت لنا، والتي ننالها كهبة من الله بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي له المجد والسلطان إلى الأبد. آمين[35].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لَقَدْ أَفْسَدْنَا أَمَامَكَ،.

وَلَمْ نَحْفَظِ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضَ وَالأَحْكَامَ،.

الَّتِي أَمَرْتَ بِهَا مُوسَى عَبْدَكَ. [7].

اعتراف نحميا بخطاياه وخطايا شعبه. فيطلب من الله أن يسمع وينظر، ويعطي توبة وتطهيرًا.

نحتاج إلى الاعتراف بخطايانا، فنمجد الله غافر الخطايا.

  • اعترف يا إنسان بخطاياك لتنال المغفرة، "اظهر آثامك فتتبرر" (إش 43: 26 LXX).

لماذا تخجلون من الاعتراف بها وأنتم قد وُلدتم فيها؟ (مز 51: 7). من ينكر ذنبه ولا يعترف به ففي الحقيقة ينكر مولده...

ليعترف الخاطي وغير المقدَّس، ولا يرتفع البار ولا يتشامخ، لئلاَّ يفقد مكافأة برِّه بالكبرياء (أي 10: 15) [36].

القدِّيس أمبروسيوس.

ج. تمسك بالوعود.

اذْكُرِ الْكَلاَمَ الَّذِي أَمَرْتَ بِهِ مُوسَى عَبْدَكَ قَائِلاً:

إِنْ خُنْتُمْ فَإِنِّي أُفَرِّقُكُمْ فِي الشُّعُوبِ [8].

كلمة "اذكر" هي مفتاح السفر، تكررت كثيرًا (4: 14؛ 19: 5؛ 14: 6؛ 14: 13، 22، 29، 31). بعد الغزو البابلي تفّرق اليهود وتشتتوا في أماكن كثيرة، يرى البعض أنه في بداية العهد الجديد، كان عدد اليهود المتفرقين في أنحاء العالم ومجتمعاتهم في الشرق أكثر من الذين كانوا في أرض الموعد (يو 35: 7؛ أع 9: 2 - 11؛ يع 1: 1؛ 1 بط 1: 1).

وَإِنْ رَجَعْتُمْ إِلَيَّ وَحَفِظْتُمْ وَصَايَايَ وَعَمِلْتُمُوهَا،.

إِنْ كَانَ الْمَنْفِيُّونَ مِنْكُمْ فِي أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ،.

فَمِنْ هُنَاكَ أَجْمَعُهُمْ وَآتِي بِهِمْ.

إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي اخْتَرْتُ لإِسْكَانِ اسْمِي فِيهِ. [9].

"أجمعهم وآتي بهم إلى المكان الذي اخترت لإسكان اسمي فيه". هذا وعد إلهي تكرر في مواضع كثيرة (تث 1: 30 - 5؛ إش 12: 11؛ إش 3: 23 الخ).

كانت وصية الله لشعبه ألا يعبدوا الأصنام ولا يشتركوا في هياكل الوثن. "لا تفعلوا هكذا للرب إلهكم، بل المكان الذي يختاره الرب إلهكم من جميع أسباطكم ليصنع اسمه فيه سكناه تطلبون، وإلى هناك تأتون" (تث 4: 12 - 5).

د. صرخة من القلب.

فَهُمْ عَبِيدُكَ وَشَعْبُكَ،.

الَّذِي افْتَدَيْتَ بِقُوَّتِكَ الْعَظِيمَةِ وَيَدِكَ الشَّدِيدَةِ. [10].

مع اعتراف بخطأ كل الشعب بما فيهم نحميا نفسه وبيت آبائه، يتمسك بأنهم عبيد الرب وشعبه، لا عن استحقاقاتهم، وإنما من أجل الخلاص الذي قدمه لهم بقوته الإلهية العظيمة ويده الشديدة.

ينطلق نَحَميا من الحاضر، فيعود إلى الماضي، ويتطلعّ إلى المُستقبل، حيث يتحقّق وَعْدُ الله، حين يَرُدّ شعبه من كلّ أقطار الأرض إلى أورشليم. هذا ما قاله الأنبياء الذين رأوا بداية المُلك المسيحانيّ، في إعادة تنظيم الشعب في المدينة المُقدّسة. قال إرميا: "أجمع بقيّة غنَمي... أقيم عليها رُعاة... أقيم لشعبي مَلِكًا حكيمًا يُجري الحُكْمَ والعَدْلَ" (إر 23: 3 - 8؛ راجع حز 37: 21 - 28) [37].

يَا سَيِّدُ لِتَكُنْ أُذْنُكَ مُصْغِيَةً إِلَى صَلاَةِ عَبْدِكَ،.

وَصَلاَةِ عَبِيدِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ مَخَافَةَ اسْمِكَ.

وَأَعْطِ النَّجَاحَ الْيَوْمَ لِعَبْدِكَ،.

وَامْنَحْهُ رَحْمَةً أَمَامَ هَذَا الرَّجُلِ.

لأَنِّي كُنْتُ سَاقِياً لِلْمَلِكِ. [11].

طلب التدخل الإلهي، فبدون بركته ونعمته لن يتحقق الخلاص.

"ساقيًا للملك"، الترجمة الحرفية: "من يقدم شيئًا (لشخص ما) ليشربه". التعبير هنا يعني أنه أحد سقاة الملك، وليس الساقي الوحيد له.

ساقي الملك؛ وظيفة ترجع إلى العصور القديمة، كان لها تقديرها الخاص وكرامتها في البلاط الفارسي. إذ كان ساقي الملك في نوبته يقف يوميًا في حضرة الملك، يراه في فترات راحته ليقوم بخدمته الشخصية، لذا يجد فرصًا كثيرة لملاطفة الملك لا يجدها غيره. كان سقاة الملك عادة خصيان، ووجدت نقوش كثيرة لهم في الأثريات الأشورية. في هذه النقوش نجد ساقي الملك ممسكًا بكأس الخمر بيده اليسرى ومروحة من سعف النخل لطرد الحشرات في يده اليمنى. يضع على كتفه منديلاً طويلاً مطرزًا به هدب، يستخدمه الملك لمسح فمه بعد شرب الخمر. كان ساقي الملك عند مادي وفارس يسكب القليل من الخمر في الكأس على راحة يده اليسرى ويشربه، حتى يطمئن الملك أن الخمر ليس به سم.

كان الفراعنة أيضًا لديهم سقاه، وكذلك سليمان الملك (تك 40: 2؛ 1 مل 10: 5؛ 2 أي 9: 4) [38].

من وحي نح1.

ليرتفع قلبي إليك، وليتسع لمحبة البشر!

  • طأطأت أيها الحب الحقيقي السماوات ونزلت إلينا.

اشتقت أن تحمل كل البشر في أحضانك.

وترفع الكل إلى أمجادك الفائقة.

هب لي أن أسلك بروحك.

فترتفع نفسي إليك، كما نزلت أنت إليها.

ويتسع قلبي لمحبة كل البشر،.

فأشتهي أن ينعم الكل بأمجادك.

  • كل أمجاد العالم لا موضع لها فيّ.

مجدك سباني تمامًا.

تصرخ أعماقي إليك:

متى أرى كل إخوتي في البشرية في أحضانك؟

متى تحوط بكل البشر كسور نارٍ إلهي.

فلا يقدر عدو الخير بكل سهامه النارية أن يقترب إليهم.

حتى تقيم في وسطنا، فيُعلن مجدك فينا.

هذا العمل أعظم من أن يقوم به بشر ما.

ولا حتى القوات السمائية مع كل قدرتها الفائقة.

إنه عملك الإلهي يا مخلص العالم!

أنت هو إله المستحيلات.

  • لأنسحب من العالم إلى حين.

وأجلس في حضرتك الإلهية.

أعترف لك أننا أفسدنا أورشليمنا الداخلية بخطايانا.

من يهبنا التوبة إلا روحك القدوس؟

بنعمتك ونقوم ونبني أسوارها ونقيم أبوابها.

وعودك صادقة وأمينة إلى الأبد.

  • في وسط قصر الملك الوثني أعددت نحميا القائد الفريد.

طلب منك أن تهبه نعمة لكي يسمح له الملك في العمل.

أعطيته نعمة لكي يقدم له إمكانيات لمساندته في العمل.

من عندك تحقق نجاحه.

انطلق للعمل لا بسماح الملك، بل بالحري بمرافقتك له.

لترافقنا، فنلتصق بك.

لتعلن ذاتك فينا، وتقيم أورشليمك في أعماقنا.

أنت سورنا وحصننا الحصين!


[1] Zondervan: NIV Bible Commentry, Vol l , 1994, p. 683.

[2] PG 70: 1373BC. Johanna Manley: Isaiah Though the Ages, 1995, p. 919.

[3] PG 70: 1333 BD.

[4] Johanna Manley: Isaiah Though the Ages, 1995, p. 892.

[5] PG 70: 1068C.

[6] Johanna Manley: Isaiah Though the Ages, 1995, p. 727.

[7] Death as a good 5: 16 - 18.

[8] Six days of creation 6: 8: 49.

[9] City of , 22 (N&PN Frs, Vol 2, p. 442 - 443).

[10] كاتب أفريقي في القرن السادس، مات عام 552م، اهتم بدراسة الفصول الثلاثة التي حملت اتجاهات نسطورية، ونوقشت في مجمع القسطنطينية الثاني حيث حرمها المجمع [لم تشترك فيه الكنائس غير الخلقيدونية].

[11] In Exod, hom 5: 5.

[12] On Exodus, Homily 5: 5.

[13] On Numb. , Homily 27: 10.

[14] On Exod. , Homily 6: 14.

[15] John Cassian: Conferences, 2: 4.

[16] Sermon 9.

[17] Paschal Letters, 19: 7.

[18] Pascal Letters 3: 5.

[19] Jamieson, fausset, brown.

[20] الخوري بولس الفغالي: التاريخ الكهنوتي، بيروت 1993، ص 219.

[21] In Hebr. hom 26: 4.

[22] George Sandison: Bible Answers for 1000 Difficult questions, Q 979, Josephus: Antiq. Lib xi, c. 5.

[23] The Collegeville Bible Commentary, Liturgical Press, 1989, p. 353.

[24] Commentary on (Rom. 9: 3).

[25] On Rep. 2.

[26] In Jer. hom 3: 49; In Luc. hom 18.

[27] Paschal Epistles, 4.

[28] In Matt. hom 23: 2.

[29] Homilies 9: 10.

[30] الخوري بولس الفغالي: التاريخ الكهنوتي، بيروت 1993، ص 219 - 220.

[31] Sermons on New Testament Lesson, 6: 11.

[32] Demonstrations, 48: (On Prayer). ترجمة الدكتور صفوت منير.

[33] Demonstrations, 4: 9.

[34] Stromata 2: 27: 3.

[35] Homilies on Matthew, homily 14: 6.

[36] The Prayer of Job and David, Book 1, 6: 19.

[37] الخوري بولس الفغالي: التاريخ الكهنوتي، بيروت 1993، ص 220.

[38] James M. Freeman: Manners and Custom of the Bible, N. J, 1972, article 378.



No items found

الأصحاح الثاني - سفر نحميا - القمص تادرس يعقوب ملطي