الإصحاح الخامس عشر – سفر حكمة يشوع بن سيراخ – القس أنطونيوس فكري

الأَصْحَاحُ الخامس عشر

بركات الحكمة لِمْنَ يختارها.

(1) بركات الحكمة (.

1 الَّذِي يَتَّقِي الرَّبَّ يَعْمَلُ ذلِكَ، وَالَّذِي يَتَمَسَّكُ بِالشَّرِيعَةِ يَنَالُ الْحِكْمَةَ. 2 تُبَادِرُ إِلَيْهِ كَأُمٍّ، وَتَتَّخِذُهُ كَامْرَأَةٍ بِكْرٍ. 3 تُطْعِمُهُ خُبْزَ الْعَقْلِ، وَتَسْقِيهِ مَاءَ الْحِكْمَةِ، فِيهَا يَتَرَسَّخُ فَلاَ يَتَزَعْزَعُ، 4 وَعَلَيْهَا يَعْتَمِدُ فَلاَ يُخْزَى، فَتَرْفَعُ مَقَامَهُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، 5 وَتَفْتَحُ فَاهُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَتَمْلأُهُ مِنْ رُوحِ الْحِكْمَةِ وَالْعَقْلِ، وَتُلْبِسُهُ حُلَّةَ الْمَجْدِ. 6 فَيَرِثُ السُّرُورَ وَإِكْلِيلَ الاِبْتِهَاجِ وَاسْمًا أَبَدِيًّا. 7 الْجُهَّالُ مِنَ النَّاسِ لاَ يُدْرِكُونَهَا، أَمَّا الْعُقَلاَءُ فَيُبَادِرُونَ إِلَيْهَا، وَالْخَطَأَةُ لاَ يَرَوْنَهَا، لأَنَّهَا بَعِيدَةٌ عَنِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْمَكْرِ. 8 الْكَذَّابُونَ مِنَ النَّاسِ لاَ يَذْكُرُونَهَا، أَمَّا الصَّادِقُونَ فَيُوجَدُونَ فِيهَا وَيُفْلِحُونَ، إِلَى أَنْ يُشَاهِدُوا اللهَ. 9 لاَ يَجْمُلُ الْحَمْدُ فِي فَمِ الْخَاطِئِ، 10 لأَنَّ الْخَاطِئَ لَمْ يُرْسِلْهُ الرَّبُّ. إِنَّمَا يَنْطِقُ بِالْحَمْدِ ذُو الْحِكْمَةِ، وَالرَّبُّ يُنْجِحُهُ.

العدد 1

ع1:

ينتهى الأصحاح السابق بالكلام عن الحكمة، ولذلك يبدأ هذا الاصحاح بحقيقة هامة، وهي أن من يتقى الرب ويخافه، يعمل ذلك، أي يقتنى الحكمة، ومن يريد أن يقتنى الحكمة لا بُد أن يتمسك بشريعة الله، أي سبيله إلى الحكمة، وبهذا يظهر أمرين ضروريين لاقتناء الحكمة وهما:

1 - مخافة الرب.

2 - التمسك بالشريعة.

العدد 2

ع2:

تبادر: تسرع.

الحكمة تحب من يخاف الله، ويتمسك بالشريعة، فتمنحه بركات كثيرة هي: 1 - تبادر إليه كأم فتسرع إليه بالحب والحنان؛ لترعاه كإبن لها، لتحفظه من الأخطار، فتهتم باحتياجاته، وترشده في كل خطواته.

وتكون الحكمة أيضًا لخائف الله 2 - امرأة بكر: أي عفيفة، وعروس نقية، تشتاق إليه، وتهتم به، فتشبعه من حبها، وتهتم براحته، وتفرحه كل أيامه.

الأعداد 3-4

ع3 - 4:

:

يترسخ: يثبت ثباتًا قويًا.

البركة الثالثة التي تعطيها الحكمة لخائف الرب هي: 3 - خبز العقل الحكمة تطعم خائف الله بهذا الخبز، الذي هو الأفكار الإلهية المشبعة للعقل، التي تحفظه من الشر، فلا يجرى وراء شهوات العالم، وأفكاره الردية، وينشغل بهذه الأفكار، فتنتقل إلى مشاعره، وتملأ كيانه، وتفيض على كلامه وأفعاله.

4 - ماء الحكمة: إن ماء الحكمة هو الروح القدس؛ روح الله الذي يعلن له، ويرشده إلى كل الحق، ويعلمه كل شيء، ويقوده في طريق الحياة الأبدية. فهو لا يحتاج إلى شهوات العالم، فيحيا في شبع، ويفرح بالله، بل ويفرح الآخرين.

5 - يترسخ: فيصير ثابتًا لا ينزعج من تقلبات الحياة والمشاكل والضيقات، وأيضًا التعاليم الغريبة، ويستطيع أن يحتمل الآلام، لأنه يتغذى دائمًا من الحكمة، والله هو الذي يثبته.

6 - عليها يعتمد: فلا يخزى خائف الرب يعتمد على الحكمة، ولأن الحكمة هي الله، فهو ليس فقط لا يضطرب من التهديدات، أو المشاكل، ولكنه أيضًا يصير قويًا، فيتحمل المسئوليات، ويتشجع، فيبادر إلى حل المشاكل، ومساعدة المظلومين، ومساندة الضعفاء. ولا يضطرب إذا تفرق عنه الكل؛ لأن معه كل شيء، وهو الله الحكمة الحقيقية وإذا تعرض لمشكلة، ترشده الحكمة، فيتصرف حسنًا ولا يخزى، أي ينجح في كل شيء على الأرض، ثم لا يخزى في الملكوت، بل يجد نجاحه الأبدي.

7 - ترفع مقامه عند أصحابه: الحكمة تعطى متقى الله نعمة في أعين من حوله، فيحترمونه، ويمجدونه، ويخافونه، مهما كان متواضعًا وبسيطًا، فقوة الله تظهر فيه، كما كان الأنبا ابرآم اسقف الفيوم يهابه المطارنة والأساقفة، لأنه يعلن الحق ولا يهاب إنسانًا، مع احتفاظه بالقلب الرقيق العطوف على كل محتاج.

العدد 5

ع5:

8 - تفتح فاه.. الحكمة والعقل.. حلة المجد:

هذه البركة الثامنة لخائف الرب، هي القدرة على الكلام القوى السليم، فلا يخاف إنسانًا، وكلماته مملوءة من الحكمة والعقل، وله مهابة في أعين الكل، فيصمتون أمام كلامه، إذ يرونه لابسًا حلة المجد، فيوقرون كلامه، ويخضعون له. وقد أعلن المسيح في العهد الجديد عن الروح القدس: "أنه يعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها، أو يناقضوها" (لو21: 15). فالروح القدس يعطى خائف الرب الكلام السليم في الوقت المناسب، ويمجده في أعين الكل.

العدد 6

ع6:

9 - السرور والابتهاج: الحكمة تهب خائف الرب أيضًا السرور والابتهاج الذي يملأ قلبه، ويظهر على وجهه، حتى يفيض على الآخرين، فيتأثرون به، ويفرحون بصحبته والنظر إليه، والاستماع لكلماته.

10 - اسمًا أبديًا: لا تكتفى الحكمة بإعطاء خائف الرب كل البركات السابقة على الأرض، بل تهبه المجد الأبدي، ليخلد في السعادة، والفرح الذي لا ينتهى، والتمتع برؤية الله، والوجود في حضرته وسط مجمع الملائكة والقديسين، بالإضافة إلى تذكار اسمه على الأرض يكون مصدر بركة لكل من يسمع عنه، مثل كل القديسين الذين يتميزون بفضائل عظيمة، فداود قلبه مثل قلب الله، وسليمان ذو الحكمة العظيمة، وكل قديس يذكر بالفضائل التي عاش فيها.

العدد 7

ع7:

الجهال هم الأشرار المنشغلون بشهواتهم، فهم بعيدون عن الله، ولا يستطيعون أن يفهموا الحكمة، أو يدركونها، والخطاة المنشغلون بالشر لا يستطيعون أن يروا الحكمة من أجل كبريائهم وخبثهم ومكرهم، الذي يستخدمونه للوصول إلى شهواتهم.

أما العقلاء، وهم خائفو الرب، فيسلكون باتضاع، ولذا يكشف لهم الله الحكمة، فيحبونها، ويسعون إليها، بل يبادرون إليها قبل أي شيء آخر في حياتهم؛ ليتمتعوا بها، فيحيون فيها إلى الأبد.

العدد 8

ع8:

يفلحون: ينجحون.

الكذابون هم الذين يخدعون أنفسهم بشهوات العالم، ويخدعون الناس للوصول إلى أهدافهم الشريرة، فهؤلاء، لانشغالهم بالشر، ينسون الحكمة ولا يذكرونها، فهي ليست من اهتمامهم.

ولكن على العكس، فالصادقون مع أنفسهم، يحاسبون أنفسهم ويراجعونها في كل شئ، وهم واضحون أمام الله والناس، هؤلاء يحبون الله، ويقبلون إليه، ويتمتعون بالوجود في حضرته، وهو الحكمة الحقيقية، وينجحون في حياتهم الروحية والعملية طوال عمرهم؛ حتى يتمتعوا بمشاهدة الله، ليس فقط جزئيًا على الأرض، ولكن بوضوح في السماء إلى الأبد.

الأعداد 9-10

ع9 - 10:

يجمل: يحسن.

الإنسان الخاطئ يشعر أن ما عنده من خيرات هو نتيجة مجهوده وتعبه. وإن شكر الله، فهو إما يردد كلمات لا يؤمن بها في قلبه، أو لكبريائه يشعر أنه يسلك حسنًا، ولذا يأخذ هذه الخيرات من الله. فشكره يؤكد كبرياءه وليس بغرض تمجيد الله، إذ ينسب كل شيء لنفسه، وليس لله.

والله لم يرسل هذا الخاطئ ليكون قدوة للناس في هذا الشكر، لأنه يتظاهر فقط بالشكر، أما الحكيم، فلأجل اتضاعه، يشعر أنه غير مستحق لعطايا الله، فيشكره عليها، والله يباركه بنجاحات أكبر، فيزداد شكره.

† الحكمة هي الله قريبة جدًا منك، وتريد أن تسكن فيك، فلا تطفئها بانشغالات الحياة، وشهوات العالم، ولكن افسح لها مكانًا بالصلوات والقراءات، فتعمل فيك، وتبنيك وترشدك، فتحيا في فرح كل حين.

(2) الشر اختيار الإنسان (.

11 لاَ تَقُلْ: «إِنَّمَا ابْتِعَادِي عَنْهَا مِنَ الرَّبِّ»، بَلِ امْتَنِعْ عَنْ عَمَلِ مَا يُبْغِضُهُ. 12 لاَ تَقُلْ: «هُوَ أَضَلَّنِي»، فَإِنَّهُ لاَ حَاجَةَ لَهُ فِي الرَّجُلِ الْخَاطِئِ. 13 كُلُّ رِجْسٍ مُبْغَضٌ عِنْدَ الرَّبِّ، وَلَيْسَ بِمَحْبُوبٍ عِنْدَ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. 14 هُوَ صَنَعَ الإِنْسَانَ فِي الْبَدْءِ، وَتَرَكَهُ فِي يَدِ اخْتِيَارِهِ، 15 وَأَضَافَ إِلَى ذلِكَ وَصَايَاهُ وَأَوَامِرَهُ. 16 فَإِنْ شِئْتَ، حَفِظْتَ الْوَصَايَا وَوَفَّيْتَ مَرْضَاتَهُ. 17 وَعَرَضَ لَكَ النَّارَ وَالْمَاءَ؛ فَتَمُدُّ يَدَكَ إِلَى مَا شِئْتَ. 18 الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ أَمَامَ الإِنْسَانِ؛ فَمَا أَعْجَبَهُ يُعْطَى لَهُ. 19 إِنَّ حِكْمَةَ الرَّبِّ عَظِيمَةٌ. هُوَ شَدِيدُ الْقُدْرَةِ، وَيَرَى كُلَّ شَيْءٍ، 20 وَعَيْنَاهُ إِلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ، وَيَعْلَمُ كُلَّ أَعْمَالِ الإِنْسَانِ. 21 لَمْ يُوصِ أَحَدًا أَنْ يُنَافِقَ، وَلاَ أَذِنَ لأَحَدٍ أَنْ يَخْطَأَ، 22 لأَنَّهُ لاَ يُحِبُّ كَثْرَةَ الْبَنِينَ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ لاَ خَيْرَ فِيهِمْ.

العدد 11

ع11:

تخاطب هذه الآية كل إنسان خاطئ يدعى أن ابتعاده عن الحكمة هو من الرب. فالله الذي هو الحكمة كيف يبعد الناس عنه؟! إنه إدعاء شرير يقوله الخاطئ ليبرر خطاياه.

ثم يواصل سيراخ كلامه لهذا الخاطئ، ويقول له: الأولى بك أن تبتعد عن كل شر يغضب الله، ولا تتمادى في تبرير خطاياك، وتدعى أن الله هو السبب، فإنك بهذا تعمل شرين؛ الشر الأول هو خطيتك، والشر الثاني هو أن تنسب السبب في خطيتك لله، الذي أبعدك عن الحكمة، أو حرمك منها، فإن الله لا يحرم إنسانًا من معرفته، وهو لا يترك نفسه بلا شاهد.

العدد 12

ع12:

لا تقل يا شرير أن الله هو الذي أضلنى، وجعلنى أمشى في الشر، فالله الذي هو نور كيف يتفق مع الظلمة؟! والله بالطبع لا يحتاج إلى الخاطئ؛ لأن الخاطى قد رفض الله وابتعد عنه. الله يريد أولاده المطيعين المحبين، وبالطبع فالله لا يضل أحدًا، بل يجتذب إليه الجميع، ويشجع كل من يريد أن يتبعه.

العدد 13

ع13:

رجس: شر.

الله يكره الشر، والذي يخاف الله ويتقيه فهو بالطبع يحب الله، ويكره الشر مثله؛ لأن الشر هو عكس الخير، والله هو الخير، وأولاده هم محبو الخير.

الأعداد 14-15

ع14 - 15:

:

الله خلق الإنسان في البدء، ووهبه حرية الإرادة، أي تركه في يد اختياره. فيختار ما يريد الخير، أو الشر. وسانده بالوصايا والأوامر التي تقوده إلى الخير، وتبعده عن الشر.

العدد 16

ع16:

وفيت: أتممت.

الإنسان له الحرية أن يختار الله، فيحفظ وصاياه، ويطيع أوامره؛ لأنه يهتم بإرضاء الله. أو العكس أن يتهاون ويتكاسل عن تنفيذ وصايا الله وأوامره، وبالتالي يغضب الله. فهو له الحرية الكاملة في أن يختار الله، أو الشر.

الأعداد 17-18

ع17 - 18:

:

وتأكيدًا لحرية الإنسان أعطى له الله النار والماء، فإن مد يده إلى النار تلسعه، ولكن إن مدها للماء، فعلى العكس، ترطب يده، وله الحرية أن يختار ما يريد، وإن كان بالطبع اختيار الماء أفضل.

كذلك وضع الله أمام الإنسان الحياة والموت. إما أن يحفظ وصايا الله وأوامره، فيحيا مع الله إلى الأبد، أو يرفض وصايا الله، وبهذا تكون نهايته الموت الأبدي.

إذن للإنسان أن يختار ما يعجبه بحريته، وحتى إن سقط، فالمسيح قدم له حلًا، وهو التوبة والاعتراف، فيستعيد حياته مع الله، أما إذا أصر على الخطية ورفض التوبة، فقد اختار الشر، ولا يقل أن الله هو الذي أضلنى، لكن الحقيقة أنه أضل نفسه بإرادته.

الأعداد 19-20

ع19 - 20:

:

إن الله عنده الحكمة كلها، والقدرة الكاملة، فهو يعرف كل شيء، وقادر على كل شيء، وفى نفس الوقت يرى كل شيء، إذ لا يخفى عنه أي شيء في فكر، أو قلب الإنسان، أو في كلامه وأعماله.

إذن فالله يرى كل من يتقيه؛ ليكافئه على أعماله الصالحة، وأفكاره الطيبة.

الأعداد 21-22

ع21 - 22:

:

الله الذي هو نور وخير لا يمكن أن يكون قد أوصى إنسانًا بالنفاق والشر، وبالطبع أيضًا لا يمكن أن يأذن لإنسان أن يفعل شرًا؛ لأنه يبغض الشر. أما إذا أصر الإنسان على الشر، فالله يتضايق، ولكنه لا يمنعه؛ لأنه يحترم حرية الإنسان. والله لا يحب كثرة البنين الأشرار بمعنى أنه لا يحب خطاياهم، وينتظر توبتهم ورجوعهم.

الخلاصة، أن الله خير، ومحبو الخير يتبعونه ويحفظون وصاياه. أما الأشرار، فيرفضون وصاياه، ويتباعدون عنه، وهو لا يحب شرهم وعنادهم.

† تمتع يا أخى بنعمة الله، وهي حرية الإرادة؛ لتختار الله، وكل شيء صالح يرضيه، فتحيا في فرح وسلام؛ لأن الشر والابتعاد عن الله لا يعطى إلا الاضطراب والتعاسة. الله يحبك ويريد سعادتك، فاقترب إليه.

النصوص والتفاسير المتاحة لهذا الإصحاح

الإصحاح السادس عشر - سفر حكمة يشوع بن سيراخ - القس أنطونيوس فكري

الإصحاح الرابع عشر - سفر حكمة يشوع بن سيراخ - القس أنطونيوس فكري

تفاسير حكمة يشوع بن سيراخ الأصحاح 15
تفاسير حكمة يشوع بن سيراخ الأصحاح 15