الأصحاح الثلاثون – النذور – سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 04- تفسير سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الثلاثون – النذور

إذ ختم حديثه عن التقدمات والذبائح بالتقدمات الشخصية أراد أن يوضح مدى التزام المؤمن بنذوره مميزًا بين الرجل الناضج وبين الابنة التي تحت وصاية أبيها والزوجة المطيعة لرجلها.

١ – نذر الرجل ١ - ٢.

٢ – الابنة في بيت أبيها ٣ - ٥.

٣ – الزوجة في رعاية رجلها ٦ - ٨.

٤ – الأرملة والمطلقة ٩ - ١٦.

الأعداد 1-2

١ – نذر الرجل

المبدأ العام في النذر أن ملتزم بالنذر "فَلا يَنْقُضْ كَلامَهُ. حَسَبَ كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ يَفْعَلُ" (ع٢). هذا النذر أو القسم يلتزم به ما دام "للرب"، فهو ينذر نذرًا يليق بالرب فيه طاعة لوصاياه، وإلاَّ فلا يحسب هذا نذرًا أو قسمًا يخضع لما ورد في هذا الأصحاح.

وقد لاحظ العلامة أوريجينوس أن العبارة هنا جاءت في الأصل تكرر كلمة "الرجل" مرتين: "إِذَا نَذَرَ الرَجُلٌ رَجُلٌ نَذْراً لِلرَّبِّ"، وهو يتساءل سبب تكرار الكلمة، وفي نفس الوقت يجيب بأن هذا يشير إلى مبدأ روحي هام. وهو أن الناذر نذرًا إنما هو "الرجل رجل" أي إنسان يحمل في داخله "الإنسان الجديد" أو "الإنسان الداخلي". فإن الإنسان لا يقدر أن يقدم للرب شيئًا، ولا يفي له نذرًا ما لم يحمل في داخله الإنسان الجديد الذي يحمل إمكانيات روحية تفرح الله؛ إذ يقول: [لا تستطيع أن تقدم للرب نذورًا دون أن نملك في أنفسنا أو في طبيعتنا شيئًا نقدمه. الإنسان الخارجي لا يمكنه أن يقبل ناموس الله ولا أن يقدم بنفسه نذورًا، إذ لا يمكن أن يوجد لديه ما يكون لائقًا بالرب. وعلى العكس، الإنسان الداخلي له في طبعيته (الجديدة) ما يقدمه للرب، إذ فيه تتركز كل الفضائل ومجموعة العلم والمعرفة، فيه تتجدد صورة الله. عندما ينال الصورة التي وهبه الله إياها في البدء، عندما يحيي الفضائل، وعندما يعود إلى جماله الأول، حينئذ يقدر أن يقدم للرب نذورًا، فلا نسميه "الرجل" بل يدعى "الرجل رجل" إن لم يُهذب الإنسان الداخلي ونحافظ عليه ونزينه بالفضائل ونهيئه بالعادات الصالحة وندربه بالتداريب الإلهية، وإن لم يبحث عن حكمة الرب ويجتهد في معرفة الكتب المقدسة، لا يمكن أن يدعى "الرجل رجل" بل "الرجل" فقط، أو "الإنسان الجسداني"... إن رأينا الإنسان الداخلي الذي فينا مختبيء تحت أوساخ الخطايا وعفونة الرذائل يجب علينا أن نسرع في تخليصه من الأدناس وانتزاعه من نجاسة الجسد والدم وإقناعه بالتوبة ليتذكر الله ويأمل في الخلاص... هكذا نستطيع أن نقدم النذور للعلي ونسمى "الرجل رجل" [266]].

هذا عن الإنسان مقدم النذور، لكننا نتساءل: ما هو النذر الذي يطلبه الرب؟ يجيب العلامة أوريجينوس: [ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه، وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك؟! (تث١٠: ١٢). إن كنا لا نقدم له أولاً فلا نأخذ منه... إن أعطيتم المجد لله فستنالون مجدًا، لأن الله نفسه يقول: "أكرم الذين يكرمونني" (١صم٢: ٣٠). أما من جهتي فأقول أنه إذا قدمنا طهارة أقصد طهارة الجسد ننال منه طهارة الروح. وإن سلمناه فكرنا فهو يقدم لنا فكره ككلمات الرسول "أما نحن فلنا فكر المسيح" (١كو٢: ١٦) [267]].

إذًا الله يريد القلب كاملاً، يطلب أعماقنا وحبنا وجهادنا فلا ينسى تعب المحبة، يأخذ مما له فينا نذرًا ليرده لنا مضاعفًا. نعطي لذلك مثالاً في حياة موسى حين أعلن حبه لله ولشعبه بإصراره "إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من ههنا" (خر٣٣: ١٥). قدم موسى النبي حبًا إذ صمم إلاَّ يتحرك ما لم يحتل الرب مكانه وسط شعبه، وكأنه يقول لله: لك في وسطنا موضع من يقدر أن يحتله غيرك؟!، لهذا بعد قليل يقول الرب لموسى: "هوذا عندي مكان" (خر٣٣: ٢١). ردّ الله الحب بالحب! وعلى العكس حينما حمل إسرائيل في قلبه أصنام الأمم عوض محبة الله، وذهبوا يسألون النبي، قال الرب: "أنا الرب أجيبه حسب كثرة أصنامه، لكي آخذ بيت إسرائيل بقلوبهم" (خر١٤: ٥)، حتى يرجعوا عن أصنامهم.

وفي العهد القديم نذرت حنة للرب ثمرة بطنها وكرست صموئيل للهيكل (١صم١: ١١ - ٢٤)، وللأسف نذر يفتاح أن الخارج من أبواب بيته للقائه عند رجوعه من معركته مع بني عمون يصعده محرقة للرب، وإذا بالخارجة للقائه ابنته الوحيدة كانت تستقبله بدفوف ورقص فمزق ثيابه وامتلأ حزنًا وكدرًا وقدمها محرقة (قض١١: ٣٠ - ٣٠). وآخرون قدموا بيوت وحيوانات نذرًا للرب. أما السيد المسيح فقدم حياته نذيرًا للآب، حاملاً صليبه ذبيحة حب للبشرية ووقود رائحة سرور للآب. فاشتمه الآب رائحة رضا عن البشرية المؤمنة والمقدسة فيه. ونحن أيضًا إذ نحمل هذا النذير الفريد في داخلنا نقبل سمات نذره فينا، فنحمل صليبه في داخلنا ونقدم حياتنا كاملة لله، فلا نعيش بعد لذواتنا بل لله الذي إفتدانا. أما علامة نذورنا فهو: "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل٢: ٢٠)، "إن كنا قد متنا معه فسنحيا معه أيضًا" (٢تي٢: ١١).

الأعداد 3-5

٢ – الابنة في بيت أبيها

إذا نذرت ابنة نذرًا وهي في بيت أبيها وسمع أبوها النذر ولم ينتهرها في نفس اليوم تلتزم الابنة بكل ما نذرته. هذا هو حال كنيسة العهد القديم التي كانت أشبه بفتاة قاصرة في بيت أبيها. لقد نذرت نذرًا حين سمعت وصايا الرب وشرائعه فقالت بلسان "جميع الشعوب بصوتٍ واحد... كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل" (خر٣٤: ٣). وصارت الكنيسة ملتزمة أن تحقق هذا النذر، لكنها للأسف كسرته، لأن الجميع وجدوا كاسرين للوصية.

الأعداد 6-8

٣ – الزوجة في رعاية رجلها

إذا نذرت زوجة نذرًا وهي في بيت رجلها وسمع النذر ولم ينتهرها في نفس اليوم تلتزم بكل ما نذرته، إنها حال كنيسة العهد الجديد التي صارت عروسًا للرب، التزمت أن تقدم حياتها مقدسة له. حقًا إنها لن تستطيع أن تفي بالنذر إلاَّ بروح عريسها الذي نالته في داخلها ليقدسها على الدوام ويهيئها للعرس الأبدي.

الأعداد 9-16

٤ – الأرملة والمطلقة.

أظن أن الأرملة والمطلقة تشيران إلى النفوس التي رفضت الإيمان وحرمت من بيت عريسها... فهل تقدر أن تفي بنذرها؟!


[266] In Num. , hom. 24.

[267] Ibid.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الحادي والثلاثون – حرب ختامية - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح التاسع والعشرون – أعياد وتقدمات دائمة - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي