الفصل الثانى: الصوم والجسد – روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث

الفصل الثانى: الصوم والجسد

تعريف الصوم.

فترة الإنقطاع.

عنصر الجوع.

الطعام النباتى.

نوع الطعام.

إرتباط الصوم بالسهر.

فوائد الصوم جسدياً.

ليس الصوم مجرد فضيلة جسدية.

تعريف الصوم

تعريف الصوم من الناحية الروحية سنذكره بالتفصيل فيما بعد.

ولكن ما هو تعريف الصوم من الناحية الجسدية؟

الصوم هو انقطاع عن الطعام فترة من الوقت، يعقبها طعام خالٍ من الدسم الحيوانى.

فترة الإنقطاع

لابد من فترة إنقطاع، لأننا لو أكلنا من بدء اليوم بدون انقطاع، لصرنا نباتيين وليس صائمين. وحتى الصوم فى اللغة هو الإمتناع أو الإنقطاع. فلابد إذن أن نمتنع عن الطعام لفترة معينة.

فترة الإنقطاع عن الطعام تختلف من شخص لآخر.

وذلك لأسباب كثيرة نذكر من بينها:

1 - يختلف الناس فى درجتهم الروحية. فهناك المبتدئ الذى لا يستطيع أن ينقطع طويلاً. ويليه المتدرب الذى يستطيع أكثر. يفوقهما الناضج روحياً الذى يمكنه أن ينقطع عن الطعام لفترة طويلة. وأكثر من هؤلاء الناسك الذى يستطيع أن يطوى الأيام صوماً، كما كان يفعل آباؤنا الرهبان والمتوحدون والسواح.

2 - يختلف الصائمون فى سنهم. فمستوى الطفل أو الصبى فى الصوم، غير مستوى الشاب أو الرجل الناضج، غير ما يستطيعه الشيخ أو الكهل.

3 - يختلف الصائمون أيضاً فى صحتهم، فما يحتمله القوى غير ما يحتمله الضعيف. كما أن المرضى قد يكون لهم نظام خاص، أو يعفون من الإنقطاع حسبما تكون نوعية أمراضهم وطريقة علاجهم.

4 - يختلف الصائمون كذلك فى نوعية عملهم. فالبعض يقومون بأعمال تحتاج إلى مجهود جسدى كبير. والبعض أعمالهم مريحة يجلسون فيها إلى مكاتبهم بضع ساعات فى اليوم. وإحتمال هؤلاء للإنقطاع غير احتمال أولئك.

5 - هناك أيضاً نظام التدرج. فقد يبدأ الصائم الأسبوع الأول من صومه بدرجة إنقطاع معينة، تزداد على مر الأسابيع، حتى يكون إنقطاعه فى آخر الصوم أعلى بكثير من نقطة البدء. وهذا التدرج نافع وينصح به الآباء الروحيون.

على أنه قد يوجد حد أدنى لهذا الإنقطاع.

وربما يختلف هذا الحد الأدنى من صوم إلى آخر. فالصوم الكبير مثلاً يكون حده الأدنى أعلى من باقى الأصوام. والحد الأدنى فى أسبوع الآلام يكون أعلى مما فى الصوم الكبير نفسه. والبعض كانوا يطوون الفترة من بعد خميس العهد إلى قداس العيد. وأيام البرامون فى أصلها تطوى أيضاً. أما الضعفاء فلهم تسهيل خاص. ومع كل ذلك، فيمكننا أن نضع قاعدة هامة وهى:

فترة الإنقطاع تكون حسب إرشاد أب الإعتراف.

وذلك حتى لا يبالغ فيها البعض فتتعبهم جسدياً، وقد تتعبهم روحياً أيضاً إذ تجلب لهم أفكاراً من المجد الباطل. كما أن البعض من الناحية الأخرى قد يتهاون بطريقة تفقده فائدة الصوم. والأفضل أن يشرف أب اعتراف على هذا الأمر.

على أنه من جهة النظام العام للكنيسة فى فترة الإنقطاع، نود أن نسأل سؤالاً:

هل هناك علاقة بين الإنقطاع عن الطعام والساعة التاسعة؟

يبدو أن هناك علاقة... لأنه فى طقس الكنيسة الخاص بصلاة الساعة التاسعة، نلاحظ إختيار فصل الإنجيل الخاص بمباركة الطعام بعد فترة من الجوع (لو9: 10 - 17).

وواضح أننا فى صلاة الساعة التاسعة نذكر موت السيد المسيح على الصليب، فلماذا إذن هذا الفصل من الإنجيل الخاص بمباركة الطعام؟ يبدو أن نظام الإنقطاع كان عموماً إلى الساعة التاسعة، فيصلى الناس هذه الساعة بإنجيلها المناسب، ثم يتناولون طعامهم. ولما كانت غالبية السنة صوماً، ولكى لا يتغير نظام الصلاة اليومية بين الإفطار والصوم، بقى هذا الفصل من الإنجيل على مدار السنة... حتى فى الأيام التى ليس فيها إنقطاع، يذكرنا بالصوم، أو يذكرنا بمباركة الرب للطعام قبل الأكل أياً كان الموعد...

والمعروف أن الساعة التاسعة من النهار هى الثالثة بعد الظهر، على اعتبار أن النهار يبدأ على الأغلب من السادسة صباحاً.

وعلى أية الحالات، لا داعى للإستفاضة فى بحث هذه النقطة، مادامت فترة الإنقطاع تتغير من شخص إلى آخر، كما أننا تركنا تحديدها لأب الإعتراف ولحالة الصائم الروحية...

والمهم عندنا هو الوضع الروحى لفترة الإنقطاع.

فلا نريد أن ندخل فى شكليات أو فى قوانين خاصة بفترة الإنقطاع، إنما نريد أن نتحدث عن الطريقة التى يستفيد بها الإنسان روحياً من فترة إنقطاعه عن الطعام. لأنه قد ينقطع إنسان عن الطعام إلى التاسعة من النهار أو إلى الغروب أو إلى ظهور النجم، ولا يستفيد روحياً، إذ كان قد سلك بطريقة غير روحية. فما هى الطريقة الروحية إذن؟

1 - ينبغى أن تكون فترة الإنقطاع فترة زهد ونسك.

فلا تهتم فيها بما للجسد. أى لا تكون منقطعاً عن الطعام، وتظل تفكر متى تأكل، أو ماذا ستأكل، أو تجد لذة فى تجهيز ما تأكل... إنما ينبغى أن تكون فترة الإنقطاع فترة زاهدة ناسكة، ترتفع فيها تماماً عن مستوى الأكل وعن مستوى المادة وعن مستوى الطعام.

2 - وبعد فترة الإنقطاع لا تأكل بشهوة.

فالذى ينقطع عن الطعام، ثم يأكل بعد ذلك مايشتهيه، أو يتخير أصنافاً معينة تلذ له، هذا لا يكون قد أخضع جسده أو أذله أو أمات شهواته. وإذ يأكل بشهوة، أو إذ يأكل ما يشتهى، يدل على أنه لم يستفد روحياً من فترة الإنقطاع، ولم يتعلم منها الزهد والنسك...! أنظر ما قاله دانيال النبى عن صومه ((لم آكل طعاماً شهياً)) (دا 10: 3).

وهذا يكون كمن يهدم ما يبنيه، بلا فائدة...! وليس الصوم هو أن نبنى ونهدم، ثم نبنى ثم نهدم، بغير قيام...!

3 - ولا تترقب نهاية فترة الإنقطاع، لتأكل.

إن جاء موعد الأكل، فلا تسرع إليه. وحبذا لو قاومت نفسك، ولو دقائق قليلة وانتظرت. أو إن حل موعد تناولك للطعام، قل لنفسك: نصلى بعض الوقت ثم نأكل، أو نقرأ الكتاب ونتأمل بعض الوقت ثم نأكل ولا نتهافت على الطعام...

الزهد الذى كان لك أثناء فترة الإنقطاع، فليستمر معك بعدها. فهذه هى الفائدة الروحية التى تنالها.

إجعل روحياتك هى التى تقودك، وليس الساعة.

وأدخل إلى العمق. العمق الذى فى الإمتناع عن الطعام. الذى هو الإرتفاع عن مستوى الأكل، وعن مستوى المادة، وعن مستوى الجسد.

وبالنسبة إلى فترة الإنقطاع وموعدها، حبذا لو وصلت بك إلى الشعور بالجوع. فهذا أفيد جداً... هنا ونحدثك عن عنصر الجوع فى الصوم.

عنصر الجوع

كثيرون ينقطعون عن الطعام، ثم يأكلون دون أن يشعروا بالإحتياج إلى الطعام، ودون أن يصلوا إلى الشعور بالجوع، وإلى احتمال الجوع والصبر عليه وأخذ ما فيه من فوائد روحية. وقد قدم لنا الكتاب أمثلة للجوع فى الصوم:

السيد المسيح صام حتى جاع، وكذلك الرسل.

قيل عن السيد المسيح له المجد فى صومه الأربعينى إنه ((جاع أخيراً)) (مت 4: 2). وحسب رواية معلمنا لوقا البشير ((لم يأكل شيئاً فى تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيراً)) (لو 4: 2). وذكر عن السيد المسيح أنه جاع، فى مناسبة أخرى، فى إثنين البصخة (مر 11: 12).

ولكن لعل البعض يقول إن مستوى صوم السيد صعب علينا، فلنتحدث عن صوم البشر، وفيه أيضاً عنصر الجوع.

قيل عن القديس بطرس الرسول إنه ((جاع كثيراً واشتهى أن يأكل)) (أع 10: 1). وفى حديث القديس بولس الرسول عن خدمته هو وزملائه، قال ((فى تعب وكد، فى أسهار مراراً كثيرة، فى جوع وعطش، فى أصوام مراراً كثيرة)) (2 كو 11: 27). وقال أيضاً ((تدربت أن أشبع وأن أجوع)) (فى 4: 12).

وقد طوب الله حالة الجوع فقال:

((طوباكم أيها الجياع الآن، لأنكم ستشبعون)) (لو 6: 21).

وإن كان جوع لعازر المسكين قد أهله للجلوس فى حضن أبينا إبراهيم، على اعتبار أنه استوفى تعبه على الأرض، على الرغم من أن ذلك كان بغير إرادته، فكم بالأكثر ينال خيراً فى الأبدية من قد جاع ههنا بإرادته، نسكاً وزهداً، وتقرباً إلى الله.

وقد درب الرب شعبه فى البرية بالجوع.

وقال لهذا الشعب ((وتتذكر كل الطريق التى فيها سار بك الرب هذه الأربعين سنة فى القفر... فأذلك وأجاعك، وأطعمك المن الذى لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك، لكى يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان)) (تث8: 3، 2).

إن الذى يهرب من عبارة ((أذلك وأجاعك))، ستهرب منه عبارة ((وأطعمك المن فى البرية))...

على أن بنى إسرائيل تذمروا على تدريب الجوع، فهلكوا فى البرية.

إن الصوم يصل إلى كماله، فى الجوع واحتماله.

فإن كنت لا تجوع، فأنت لم تصل إلى عمق الصوم بعد. وإن أطلت فترة إنقطاعك حتى وصلت إلى الجوع، ثم أكلت مباشرة، فأنت إذن لم تحتمل الجوع ولم تمارسه. وبالتالى لم تنل الفوائد الروحية التى يحملها الجوع.

فما هى الفضائل الروحية التى يحملها الجوع؟

الذى يمارس الجوع، يشعر بضعفه، فيبعد عن الغرور والشعور بالقوة والثقة الزائدة بالنفس. وفى ضعفه تقوده مسكنة الجسد إلى مسكنة الروح.

يذل الجسد، فتذل النفس، وتشعر بحاجتها إلى قوة تسندها، فتلجأ إلى الله بالصلاة وتقول له: إسند يارب ضعفى بقوتك الإلهية، فأنا بذاتى لا أستطيع شيئاً.

صلاة الإنسان وهو جائع، صلاة أكثر عمقاً.

إن الجسد الممتلئ بالطعام، لا تخرج منه صلوات ممتلئة بالروح.

ولذلك دائماً تمتزج الصلاة بالصوم، ويمتزج الصوم والصلاة. وحينما يريد الناس أن يصلوا فى عمق، نراهم يصومون. وهكذا صلوات الناس فى أسبوع الآلام لها عمقها، وحتى القراءات كذلك حينما تقال بصوت خافت من الجوع...

إن تسجيل لحن من ألحان البصخة، خلال أسبوع الآلام، يكون له عمق، لأن الذى سجله كان صائماً، وله روحيات الصوم... وتسجيل نفس اللحن فى غير أيام الصوم، وصاحبه مفطر، يجعل اللحن يفقد الكثير من عمقه الروحى، وربما يتحول إلى مجرد أنغام وموسيقى.

إن الله يحب أن يشعر الإنسان بضعفه، لكيما ينسحق قلبه. والجوع يساعد على الشعور بالضعف. ولذلك تصلح فيه المطانيات، ولا تصلح لمن هو ممتلئ بالطعام.

نصيحتى لك: إن شعرت بالجوع فلا تأكل. وإنما احتمل وخذ بركة الجوع.

إن السيد المسيح صام أربعين يوماً وجاع أخيراً. ولما نصحه الشيطان أن يأكل رفض أن يأكل على الرغم من جوعه. وأعطانا بذلك درساً... لذلك احتمل الجوع وأيضاً:

إن شعرت بالجوع، لا تهرب منه.

لا تهرب من الشعور بالجوع، عن طريق الإنشغال ببعض الأحاديث، أو ببعض المسليات، أو عن طريق النوم، لكى نمضى فترة الجوع دون أن تشعر بها...

فإنك بالهروب من الجوع، إنما تهرب من بركاته ومن فوائده الروحية، وتهرب من التدريب على فضيلة الاحتمال وفضيلة قهر الجسد...

إننا نريد أن نستفيد من الجوع، وليس أن تهرب منه.

إن ضغط عليك الجوع، قل إنك لا تستحق الأكل.

قل لنفسك: أنا لا أستحق أن آكل بسبب خطاياى. وهكذا تنسحق نفسك من الداخل، فى الوقت الذى يسحقها فيه أيضاً تعب الجسد. وهكذا تتخلى عنك الكبرياء والخيلاء والعجب بالذات. وإن صليت تصلى باتضاع.

أما الذى يقف ليصلى وهو فى عمق القوة. بصحة كالجمل أو كالحصان وقوة كالحديد... هذا من أين يأتيه الانسحاق؟!

إن دقيقتين تصليهما وأنت جوعان، أفضل من ساعات صلاة بالشبع.

وفى الواقع إن الجوعان يشتاق أن يصلى. أما الشبعان فكثيراً ما ينسى الصلاة. ولذلك غالبية المتدينين يصلون قبل الأكل. وقليلون هم الذين يصلون بعد الإنتهاء من الأكل أيضاً، إلا فى الرسميات...

تدريب الجوع فى الصوم، ينبغى أن يكون بحكمة.

حقاً إن الذين شعروا بالفائدة الروحية التى تأتى من الجوع، كانوا يطيلون مدته... على أنى لا أقصد بهذا التدريب المبالغة فيه، بحيث يصل الصائم إلى وضع لا يستطيع أن يقف فيه على قدميه للصلاة من شدة الإعياء. وقد يفضل أن يصلى وهو ساجد، ليس عن خشوع وإنما طلباً للراحة واسترخاء الجسد فى تعبه...

إنما يجب السلوك فى هذا التدريب بحكمة، فى حدود احتمال الجسد. ومع ذلك أقول لك كلمة صريحة وهى:

لا تخف من الجوع، فهو لا يستمر معك.

فالمعدة كلما تعطيها أزيد من احتياجها تتسع لتحتمل ما هو أكثر... ويزداد اتساعها فى حالات الترهل، مع ضعف جدران المعدة. وإن لم تعطها ما يصل بها إلى الإمتلاء تشعر بالجوع.

فإن صبرت على الجوع، ولم تعط المعدة ما يملؤها، تبدأ فى أن تكيف نفسها وتنكمش. وبتوالى التدريب لا تعود تتسع لكثير... ولا يستمر الجوع، فالقليل يشعرها بالشبع.

والإنسان الحكيم هو الذى يضبط نفسه، ويحفظ نظام معدته. فهو لا يكثر من تناول الطعام حتى تترهل معدته، ولا يبالغ فى منع الطعام عنها بحيث تنكمش إلى وضع أقل من احتياج جسده.

فالاعتدال فى هذا الأمر نافع وفيه حكمة.

الصوم والسهر

الإمتلاء بالطعام يساعد على ثقل الجسد، وبالتالى على النوم. أما الصائم فيكون جسده خفيفاً، غير مثقل بعمليات الهضم، ويمكنه السهر.

والصوم مع السهر يعطى استضاءة للفكر.

وكل القديسين الذين أتقنوا الصوم، اشتهروا أيضاً بالسهر.

نلاحظ أن التلاميذ بعد العشاءين، ثقلت عيونهم بالنوم وهم فى البستان، ولم يستطيعوا أن يسهروا مع الرب ولا ساعة واحدة (مت 26: 40).

وأنت يا أخى، ليس من صالحك أن يأتى الختن فى نصف الليل فيجدك نائماً، بينما الكتاب يقول ((طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين)) (لو 12: 37).

تدرب إذن على الصوم، فالصوم يتمشى مع السهر.

ونقصد بالسهر، السهر مع الله، وقضاء الليل فى الصلاة.

نوع الطعام

تحدثنا فى الصوم عن الجوع وفترة الإنقطاع، بقى أن أحدثكم عن نوع الطعام. ويهمني هنا أن أذكركم بقول دانيال النبى عن صومه:

((لم آكل طعاماً شهياً)) (دا 10: 3).

لذلك إن صمت، وأعطيت جسدك ما يشتهيه، لا تكون قد صمت بالحقيقة. إبعد إذن عن المشتهيات لكى تقهر جسدك وتخضعه لإرادتك. لا تطلب صنفاً مختاراً بالذات، ولا تطلب أن تكون طريقة صنع الطعام بالأسلوب الذى يلذ لك. وإن وضع أمامك - دون أن تطلب - صنف من الذى تحبه نفسك، لا تكثر منه فى أكلك...

ولا أريد أن أقول لك كما قال أحد الآباء القديسين ((إن وضع أمامك طعام تشتهيه، فافسده قليلاً ثم كله)). ولعله يقصد بإفساده، أن تضيف عليه كمثال شيئاً يغير طعمه...

على الأقل: مثل هذا الصنف الشهى، لا تأكل كل ما يقدم لك منه. وكما قال أحد الآباء ((إرفع يدك عنه، ونفسك ما تزال تشتهيه)). أى أن جسدك يطلب أن يكمل أكله من هذا الصنف، وأنت تضبط نفسك وتمنعها عنه.

هنا ونقف أمام أسئلة كثيرة يقدمها البعض:

هل النباتين والمسل الصناعى يحل أكله فى الصوم أم لا؟ هل الجبنة الديمكس طعام صيامى أم فطارى؟ هل السمك نأكله فى هذا الصوم أم لا نأكله؟ ما رأيك فى الشوكولاته الصيامى؟... الخ.

أسئلة كثيرة يمكن الإجابة عليها من جهة تركيب تلك الأطعمة، ويمكن من ناحية أخرى أن تبحث روحياً:

فالسمن النباتى، إن كانت مجرد زيت نباتى مهدرج تكون طعاماً نباتياً يتفق مع حرفية الصوم. أما إن كنت تأكلها شهوة منك فى طعام السمن، فالأمر يختلف: تكون من الناحية الشكلية صائماً، ومن الناحية الروحية غير مستفيد.

ونحن لا نريد أن نأخذ من الصوم شكلياته.

كذلك الجبنة الديمكس، المقياس هو: هل يوجد فى تركيبها عنصر حيوانى؟ هذا من الناحية الشكلية. ولكن روحياً: هل أنت تحب الجبنة وتصر على أكلها منفذاً رغبات جسدك فى الصوم؟ وكذلك بالنسبة للشوكولاته الصيامى: هل أنت تشتهى هذا الصنف بالذات؟ ولماذا لا تستبدله بكوب من الكاكاو؟

أما السمك، فهو أصلاً طعام حيوانى. وقد صرح به للضعفاء الذين لا يحتملون كثرة الأصوام. ولكن لا يصرح به فى أصوام الدرجة الأولى. ومع ذلك:

إن اشتهى جسدك سمكاً فى الصوم، أى صوم، فلا تعطه.

ليس فقط السمك، بل كل المشتهيات مهما كانت حلالاً. لأنك فى الصوم تضبط شهواتك.

أليس الزواج حلالاً؟ ولكن الصائمين يبعدون عن المعاشرات الجسدية فى الصوم ضبطاً لأنفسهم (1 كو 7: 5). بل هكذا فعل أيضاً الملك داريوس الأممى (دا 6: 18).

الطعام النباتى

تحدثنا فى الصوم عن فترة الإنقطاع وعن الجوع، بقى أن نتحدث عن الطعام النباتى فى الصوم، ونشرح كيف أنه نظام إلهى، وأنه الأصل فى الطبيعة، إذ أن أبانا آدم كان نباتياً. وكذلك أولادهما إلى نوح.

إن الله خلق الإنسان نباتياً.

فلم يكن آدم وحواء يأكلان فى الجنة سوى النباتات: البقول والأثمار. وهكذا قال الله لآدم وحواء ((إنى قد أعطيتكم كل بقل يبذر بذراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبذر بذراً، لكم يكون طعاماً)) (تك 1: 29).

بل حتى الحيوانات إلى ذلك الحين كانت نباتية أيضاً، إذ قال الرب ((ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء، وكل دابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعاماً)) (تك 1: 30).

وبعد طرد الإنسان من الجنة، بقى أيضاً نباتياً.

ولكنه إلى جوار البقول وثمار الأرض، أعطى أن يأكل من عشب الأرض، أى من الخضروات، فقال له الرب بعد الخطية ((وتأكل عشب الحقل)) (تك 3: 18).

ولم نسمع أن أبانا آدم مرض بسبب سوء التغذية، ولا أمنا حواء. بل نسمع أن أبانا آدم - وهو نباتى - عاش 930 سنة (تك 5: 5). وهكذا طالت أعمار أبنائه وأبناء أبنائه فى هذه الأجيال النباتية... (تك5).

ولم يصرح للإنسان بأكل اللحم إلا بعد فلك نوح.

وحدث ذلك فى زمن مظلم كان فيه ((شر الإنسان قد كثر على الأرض)) حتى ((حزن الرب أنه عمل الإنسان وتأسف فى قلبه))، وأغرق العالم كله بالطوفان (تك6: 5، 6).

وهكذا بعد رسو الفلك، قال الله لأبينا نوح وبنيه ((كل دابة حية تكون لكم طعاماً، كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع. غير أن لحماً بحياته دمه لا تأكلوه)) (تك9: 4، 3).

ولما قاد الله شعبه فى البرية، أطعمه طعاماً نباتياً.

وكان هذا الطعام النباتى هو المن ((وهو كبِذر الكزبرة أبيض، وطعمه كرقاق بعسل)) (خر 16: 31). وكان الشعب يلتقطونه ويطحنونه أو يدقونه فى الهاون. كما كانوا أيضاً يطبخونه فى القدور ويعملونه ملات. وكان طعمه كطعم قطايف بزيت (عدد 11: 8).

ولما صرح لهم باللحم، فعل ذلك بغضب.

وكان ذلك التصريح بسبب شهوتهم، وتذمرهم على الطعام وطلبهم اللحم بدموع. فأعطاهم الرب شهوتهم، وضربهم ضربة عظيمة ((وإذ كان اللحم يعد بين أسنانهم قبل أن ينقطع، حمى غضب الرب على الشعب، وضربهم ضربة عظيمة جداً، فدعى اسم ذلك الموضع قبروت هتأوة (أى قبور الشهوة) لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا)) (عدد11: 34، 33).

والأكل النباتى كان أيضاً طعام دانيال النبى وأصحابه.

إذ كانوا يأكلون القطانى أى البقول (دا 1: 12)، هؤلاء الذين وضعوا فى قلوبهم ألا يتنجسوا بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه (دا 1: 8).

ونجد أن دانيال النبى يقول عن صومه ((لم آكل طعاماً شهياً، ولم يدخل فى فمى لحم ولا خمر، ولم أدّهن، حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام)) (دا 10: 3).

وكان الطعام النباتى أكل حزقيال النبى فى صومه.

وفعل ذلك بأمر إلهى، إذ قال له الرب ((وخذ أنت لنفسك قمحاً وشعيراً وفولاً وعدساً ودُخناً وكرسنّة)) (حز 4: 9).

والطعام النباتى طعام خفيف، هادئ ومهدئ.

ليس فيه ثقل اللحوم، ودهونها وشحومها، بكل تأثير ذلك على صحة الجسد. ونلاحظ أنه حتى فى الحيوانات: المتوحشة منها هى آكلة اللحوم، والأليفة منها هى آكلة النباتات. والمعروف أن النباتيين أكثر هدوء فى طباعهم من آكلى اللحوم... والعجيب أن غالبية الحيوانات التى تأكلها هى من الحيوانات آكلة النباتات كالبهائم والأغنام والماعز والطيور الداجنة.

وتلك الحيوانات النباتية لم تضعف بالطعام النباتى.

بل إننا قد نصف الإنسان القوى بأن صحته كالجمل أو كالحصان، وهما نباتيان - وكانوا قديماً يقيمون رياضة هى مصارعة الثيران، لإثبات القوة بمصارعة هذه الحيوانات الجبارة فى قوتها، وهى نباتية. إذن أكل النبات لا يضعف الأجساد.

وقد طالت أعمار النباتيين، ومنهم المتوحدون والسواح.

كان برنارد شو الكاتب المشهور نباتياً، وقد عاش 94 سنة ولم يصبه أى مرض طوال حياته... وما أكثر النباتيين الذين طالت أعمارهم.

والقديس الأنبا بولا أول السواح، عاش ثمانين سنة كسائح لم يرى خلالها وجه إنسان، أى عاش حوالى المائة سنة. وغالبية السواح عاشوا أعماراً طويلة. ولم يكن هؤلاء نباتيين فحسب، بل كانت حياتهم كلها زهداً، وكانت أطعمتهم زهيدة. ومع ذلك كانت صحتهم قوية.

والقديس الأنبا أنطونيوس أب جميع الرهبان عاش 105 سنة، وكانت حياته صوماً مستمراً، وكان قوياً فى صحته يمشى عشرات الأميال ولا يتعب...

موضوع الطعام النباتى لا أريد أن أبحثه علمياً بل عملياً، فى حياة البشرية منذ آدم...

حقاً إن الأحماض الأمينية الرئيسية موجودة بغنى فى البروتين الحيوانى أكثر مما فى البروتين النباتى، التى توجد فيه على أية الحالات بنسب أقل، ولكنها كانت كافية لكل الذين ذكرناهم، وعاش بها الرهبان والنباتيون فى صحة قوية.

ومع ذلك لا ننسى أن الكنيسة تسمح فى بعض الأصوام بالسمك، ولا شك أنه يحوى بروتيناً حيوانياً. كما أن هناك فترات طويلة من الإفطار.

لا تخف إذن من الصوم، فالصوم يفيد الجسد.

فائدة الصوم للجسد

للصوم فوائد عديدة للجسد، نذكر بعضاً منها فيما يلى:

1 - الصوم فترة راحة لبعض أجهزة الجسد.

إنها فترة تستريح فيها كل الأجهزة الخاصة بالهضم والتمثيل، كالمعدة والأمعاء والكبد والمرارة، هذه التى يرهقها الأكل الكثير، والطعام المعقد فى تركيبه وبخاصة الأكل المتواصل أو الذى فى غير مواعيد منتظمة، كمن يأكل ويشرب بين الوجبات، فى الضيافات وفى تناول المسليات والترفيهات وما أشبه. فترتبك أجهزته إذ يدخل طعام جديد يحتاج إلى هضم، على طعام نصف مهضوم، على طعام أوشك أن ينتهى هضمه...!

أما فى الصوم ففى خلال فترة الإنقطاع تستريح أجهزة الجسم هذه. وفى تناول الطعام تصلها أطعمة خفيفة لا تتعبها. وكذلك يريحنا فى الصوم تدريب (عدم الأكل بين الوجبات). وما أجمل أن يتعود الصائم هذا التدريب، ويتخذه كمنهج دائم حتى فى غير أوقات الصوم، إلا فى الحالات الإستثنائية.

من فوائد الصوم أيضاً للجسد أن:

2 - الطعام النباتى يريح من مشكلة الكولستيرول.

ما أخطر اللحوم بشحومها ودهونها فى إزادة نسبة الكولستيرول فى الدم، وخطر ذلك فى تكوين الجلطات، حتى أن الأطباء يشددون جداً فى هذا الأمر، ويقدمون النصائح فى البعد عن دسم اللحم والبيض والسمن وما إلى ذلك، حرصاً على صحة الجسد، وبخاصة بعد سن معينة وفى حالات خاصة. وينصحون أيضاً بالطعام النباتى، ويحاولون على قدر الطاقة إرجاع الإنسان إلى طبيعته الأولى وإلى طعام جنة عدن...

ومن فوائد الصوم أيضاً للجسد أنه:

3 - بالصوم يتخلص الصائم من السمنة والبدانة والترهل.

هذه البدانة التى يحمل فيها الإنسان كمية من الشحوم والدهون، ترهقه وتتعب قلبه الذى يضطر أيضاً أن يوصل الدم إلى كتل من الأنسجة فوق المعدل الذى أراد له الله أن يعوله... بالإضافة إلى ما تسببه السمنة من أمراض عديدة للجسد.

ويصر الأطباء من أجل صحة الجسد على إنقاص وزنه. ويضعون له حكماً لابد أن يسير عليه يسمونه الرجيم regime، ويأمرون الإنسان البدين - الذى يعتبرونه مريضاً - بأن يضبط نفسه فى الأكل، بعد أن كان يأكل بلا ضابط.

إن الصائم الذى يضبط نفسه، لا يحتاج إلى ريجيم.

والصوم كعلاج روحى، أسمى من العلاج الجسدى، لأنه فى نفس الوقت يعالج الروح والجسد والنفس معاً...

ليت الإنسان يصوم بهدف روحى، من أجل محبته لله، وسينصلح جسده تلقائياً أثناء صومه. فهذا أفضل من أن يصوم بأمر الطبيب لكى ينقص وزنه...

حقاً إنها لمأساة، أن الإنسان يقضى جزءاً كبيراً من عمره، يربى أنسجة لجسمه، ويكدس فى هذا الجسم دهوناً وشحوماً... ثم يقضى جزءاً آخر من عمره فى التخلص من هذه الكتل التى تعب كثيراً فى تكوينها واقتنائها...!

ولو كان معتدلاً، ولو عرف من البدء قيمة الصوم ونفعه، ما احتاج إلى كل هذا الجهد فى البناء والهدم...

لعل هذا يذكرنى بالتى تظل تأكل إلى أن يفقد جسدها رونقه. ثم ينصحها الأطباء أن تصوم وتقلل الأكل وتتبع الرجيم. وهكذا تقلل الأكل، ليس من أجل الله، وإنما من أجل جمال الجسد... فهى لا تأكل، وفى نفس الوقت لا تأخذ بركة الصوم، لأنها ليست محبة فى الله تفعل هذا...!

أما كان الأجدر بكل هؤلاء أن يصوموا، فتستفيد أجسادهم صحياً، ولا تفقد رونقها، وفى نفس الوقت تسموا الروح وتقترب إلى الله.

صوموا إذن لأجل الله، قبل أن يرغمكم العالم على الصوم بدون نفع روحى.

ولعل من فوائد الصوم أيضاً، وبخاصة فترات الإنقطاع والجوع، أن:

4 - الصوم يساعد على علاج كثير من الأمراض.

ومن أهم الكتب التى قرأتها فى هذا المجال، كتاب ترجم إلى العربية سنة 1930 بإسم (التطبيب بالصوم) للعالم الروسى ألكسى سوفوربن.

وقد ذكر هذا العالم أن الصوم يساعد على طرد السموم من الجسم (التكسينات Toxins)، التى على الرغم من أن كثيراً منها يتخلص منه الجسم بعمليات الإخراج المختلفة، إلا أن جزءاً قد يتبقى يصلح الصوم لطرده...

ويقول هذا العالم أيضاً إن الجسم فى صومه، إذ لا يجد ما يكفيه من غذاء، تتحلل بعض أنسجته، وأولها الدهون والشحوم والأنسجة المصابة والمتقيحة، وهكذا يتخلص منها الجسد.

وقد وجد هذا العالم أن الصوم الإنقطاعى الطويل المدى، بنظام خاص، يعالج كثيراً من الأمراض. وإني أعرض بحثه للدراسة كرأى لعالم إختبر ما ورد فى كتابه...

هل هناك فوائد أخرى يقدمها الصوم للجسد؟ نعم:

5 - الصوم يجعل الجسد خفيفاً ونشيطاً.

آباؤنا الذين أتقنوا الصوم، كانت أجسادهم خفيفة، وأرواحهم منطلقة. كانت حركاتهم نشطة، وقلوبهم قوية، وكانوا يقدرون على المشى فى اليوم عشرات الكيلومترات دون تعب. يتحركون فى البرية كالأيائل. ولم تثقل أذهانهم بل كانت صافية جداً. وهكذا منحهم الصوم نشاطاً للجسد وللروح وللذهن. وقد وجدوا فى الصوم راحتهم، ووجدوا فيه لذتهم، فصارت حياتهم كلها صوماً.

6 - لا يقل أحد إذن إن الصوم أو الطعام النباتى يضعف الصحة، لأنه فى الواقع يقويها.

فليس الصوم مجرد علاج للروح، إنما هو علاج للجسد أيضاً. ولم نسمع أبداً أن الطعام النباتى قد أضعف أحداً...

إن دانيال والثلاثة فتية لم يأكلوا لحماً من مائدة الملك، واكتفوا بأكل البقول فصارت صحتهم أفضل من غيرهم (دا 1: 15).

والآباء السواح، وآباء الرهبنة الكبار، كانوا متشددين جداً فى صومهم، ولم نسمع أبداً أن الصوم أضعف صحتهم، بل كانت قوية حتى فى سن الشيخوخة.

وأبونا آدم لم يقل أحد إنه مرض وضعف بسبب الطعام النباتى، وكذلك أمنا حواء، وكل الآباء قبل فلك نوح... فاطمئنوا إذن على صحتكم الجسدية...

الذى يتعب الجسد ليس هو الصوم، بل الأكل.

تتعب الجسد كثرة الأكل، والتخمة، وعدم الضوابط فى الطعام، وكثرة الأخلاط غير المتجانسة فى الطعام، ودخول أكل جديد على أكل لم يهضم داخل الجسد. كما يتعب الجسد أيضاً الطاقات الحرارية الزائدة التى تأتى من أغذية فوق حاجة الإنسان. وما أكثر الأمراض التى سببها الأكل.

لذلك يجب أن تتحرروا من فكرة أن الصوم يتعب الصحة.

إنها فكرة خاطئة، ربما نبتت أولاً من حنو الأمهات الزائد على صحة أبنائهن، حينما كانت الأم تفرح إذ ترى إبنها سميناً وممتلئ الجسم، وتظن أن هذه هى الصحة! بينما قد يكون السمين أضعف صحة من الرفيع.

حنو الأمهات الخاطئ كان يمنع الأبناء من الصوم، أو كان يخيفهم من الصوم. ونقول إنه حنو خاطئ، لأنه لا يهتم بروح الإبن كما يهتم بجسده، كما لو كانت أولئك الأمهات أمهات لأجساد أبنائهن فقط. وفى إشفاق الأم على جسد إبنها كانت تهتم بغذاء هذا الجسد، دون أن تلتفت إلى غذاء روحه!

ومع ذلك سمعنا عن أطفال قديسين كانوا يصومون.

ولعل من أمثلة هؤلاء القديس مرقس المتوحد بجبل أنطونيوس الذى بدأ صومه منذ طفولته المبكرة، واستمر معه الصوم كمنهج حياة.

وكذلك القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين الذى كان فى طفولته يعطى طعامه للرعاة ويظل منتصباً فى الصلاة وهو صائم حتى الغروب وهو بعد فى التاسعة من عمره.

كان الصوم للكل كباراً وصغاراً، منحهم جميعاً صحة وقوة.

وقد خلص أجسادهم من الدهن والماء الزائدين.

وهكذا حفظت لنا كثير من أجساد القديسين دون أن تتعفن. بسبب البركة التى حفظ بها الرب هذه الأجساد مكافأة على قداستها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى لأن هذه الأجساد كانت بعيدة عن أسباب التعفن، بسبب قلة ما فيها من رطوبة ومن دهن.

قد تحفظ اللحوم فترة طويلة بلا تعفن، إذا شوّحوها (قددوها) أى عرضوها للحرارة التى تطرد ما فيها من ماء وتذيب ما فيها من دهن، فتصبح فى جفاف يساعد على حفظها. إلى حد ما، هكذا كانت أجساد القديسين بالصوم، بلا دهن، بلا ماء زائد، فلم يجد التلف طريقاً إليها...

ولكن لماذا نركز على الجسد؟ هل الصوم فضيلة للجسد فقط؟

الصوم ليس مجرد فضيلة للجسد

الصوم ليس مجرد فضيلة للجسد بعيداً عن الروح. فكل عمل لا تشترك فيه الروح لا يعتبر فضيلة على الإطلاق. فما هو عمل الجسد فى الصوم؟ وما هو عمل الروح؟

الصوم الحقيقى هو عمل روحى داخل القلب أولاً.

وعمل الجسد فى الصوم، هو تمهيد لعمل الروح،.

أو هو تعبير عن مشاعر الروح.

الروح تسمو فوق مستوى المادة والطعام، وفوق مستوى الجسد، فتقود الجسد معها فى موكب نصرتها، وفى رغباتها الروحية. ويعبر الجسد عن هذا بممارسة الصوم.

إن قصرنا تعريفنا للصوم على إنه إذلال للجسد بالجوع والإمتناع عما يشتهيه، نكون قد أخذنا من الصوم سلبياته، وتركنا عمله الإيجابى الروحى.

الصوم ليس جوعاً للجسد، بل هو غذاء للروح.

ليس الصوم تعذيباً للجسد، أو استشهاداً للجسد، أو صليباً له، كما يظن البعض. إنما الصوم هو تسامى الجسد ليصل إلى المستوى الذى يتعاون فيه مع الروح. ونحن فى الصوم لا نقصد أن نعذب الجسد، إنما نقصد ألا نسلك حسب الجسد، فيكون الصائم إنساناً روحياً وليس إنساناً جسدانياً.

الصوم هو روح زاهدة، تشرك الجسد معها فى الزهد.

والصوم ليس هو الجسد الجائع، بل الجسد الزاهد.

وليس الصوم هو جوع الجسد، إنما بالأكثر هو تسامى الجسد وطهارة الجسد. ليس هو حالة الجسد الذى يجوع ويشتهى أن يأكل، بل الجسد الذى يتخلص من شهوة الأكل. ويفقد الأكل قيمته فى نظره...

الصوم فترة ترتفع فيها الروح، وتجذب الجسد معها.

تخلصه من أحماله وأثقاله، وتجذبه معها إلى فوق، لكى يعمل معها عمل الرب بلا عائق. والجسد الروحى يكون سعيداً بهذا.

الصوم هو فترة روحية، يقضيها الجسد والروح معاً فى عمل روحى. يشترك الجسد مع الروح فى عمل واحد هو عمل الروح. يشترك معها فى الصلاة والتأمل والتسبيح والعشرة الإلهية.

نصلى ليس فقط بجسد صائم، إنما أيضاً بنفس صائمة.

بفكر صائم وقلب صائم عن الشهوات والرغبات، وبروح صائمة عن محبة العالم، فهى ميتة عنه، وكلها حياة مع الله، تتغذى به وبمحبته.

الصوم بهذا الشكل هو الوسيلة الصالحة للعمل الروحى. هو الجو الروحى الذى يحيا فيه الإنسان جميعه، بقلبه ونفسه وروحه وفكره وحواسه وعواطفه.

الصوم هو تعبير الجسد عن زهده فى المادة والماديات، واشتياقه إلى الحياة مع الله. وهذا الزهد دليل على اشتراك الجسد فى عمل الروح. وفى صفاتها الروحية. وبه يصبح الجسد روحياً فى منهجه، وتكون له صورة الروح.

فى الصوم لا يهتم الإنسان بما للجسد. لا تهتم الروح بهذا، ولا يهتم الجسد به أيضاً فى حالته الروحية.

لا تهتموا بما للجسد

فى حديث الرب عن الغذاء الروحى، نسمعه يقول:

اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقى للحياة الأبدية (يو 6: 27). وبعد هذا يحدثهم عن الخبز النازل من السماء، الخبز الحقيقى، خبز الله، خبز الحياة (يو6: 32 - 35). إنه هنا يوجه إلى الروح وغذائها، ويقود تفكيرنا فى اتجاه روحى، حتى لا ننشغل بالجسد وطعامه.

وحينما ذكر عبارة ((ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)) (مت 4: 4). إنما أراد بهذا أنه ينبغى للإنسان ألا يحيا جسدانياً يعتمد على الخبز كطعام له، ناسياً الروح وطعامها. وعن طعام الروح هذا قال لتلاميذه ((لى طعام لآكل لستم تعرفونه)) (يو 4: 32). وهنا يخطر على فكرنا سؤال هو:

هل كان المسيح على الجبل صائماً أم يتغذى؟

والجواب هو: كان صائماً، وكان أيضاً يتغذى.

كان صائماً من جهة الجسد. وكان يتغذى من جهة الروح. كان له طعام آخر لا يعرفه الناس. وبهذا الطعام إستطاعت الروح أن تحمل الجسد الصائم طوال الأربعين يوماً، التى لم يهتم فيها الرب بطعام الجسد، أو ترك الجسد يتغذى بطعام الروح….

أنه يعطينا درساً أن نهتم بما للروح، وليس بما للجسد. وفى هذا المجال نضع أمامنا كلام الوحي الإلهى على فم معلمنا القديس بولس الرسول إذ:

يشرح موضوع الإهتمام بما للجسد وما للروح.

فيقول "إذن لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم فى المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح". وهذا ما نريد أن نسلك فيه فى الصوم وفى كل حياتنا.

ويتابع الرسول شرحه فيقول "فإن الذين هم فى الجسد، فبما للجسد يهتمون. ولكن الذين هم فى الروح، فبما للروح يهتمون" (رو 8: 5).

فهل أنت تهتم بما للروح أم بما للجسد؟

هل يهمك نموك الروحي، أم رفاهية جسدك؟ هل تهمك صحتك الروحية، ام كل اهتمامك فى صحة الجسد؟ لا شك أنك إن اهتممت بصحة الروح، فسيمنحك الرب صحة الجسد أيضاً فى فترة الصوم كما شرحنا قبلاً.

ولكن الخطورة فى الاهتمام بالجسد هى تلك العبارات الصعبة:

لأن اهتمام الجسد هو موت،.

لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله.

(رو8: 6، 7).

من يستطيع أن يحتمل هذا الكلام، ويظل سالكاً حسب الجسد؟!

هوذا الرسول يقول أيضاً "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" (رو8: 8). "فإذن أيها الأخوة نحن مديونون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد….

"لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون".

"أما إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 8: 12، 13).

حسن قول الرسول هذا. فنحن في الصوم لا نميت الجسد، إنما نميت أعمال الجسد، نميتها بالروح لنحيا. نحن لا نعذب الجسد، إنما لا نسلك حسب الجسد... لا نعطى للجسد شهوات ورغبات، إنما نعطيه تسامياً، وارتفاعاً عن المادة، وتسليم ذاته للروح. لأن الرسول يقول ((ولكن اهتمام الجسد هو حياة وسلام)) (رو 8: 6).

هذا هو الصوم. لذلك أمام عبارات الرسول نسأل:

هل أنت فى الصوم تهتم بما للروح؟

هذا ما نود أن نخصص له الفصول المقبلة، لكو يكون صومنا روحانياً ومقبولاً أمام الله. ولكى لا نركز اهتمامنا فى الجانب الجسدى من الصوم، ونغفل العمل الروحى، ولكى نفهم الصوم بطريقة روحية، ويكون لنا فيه منهج روحى لنفعنا...

وإن كان الصوم ليس هو مجرد جوع للجسد، إنما هو بالأحرى غذاء للروح. فلنبحث عن أغذية الروح ما هى؟ وهل تنالها أثناء الصوم أم لا؟

روحانية -الصوم -قداسة البابا شنودة الثالث 1
.



الفصل الثالث: قدسوا صوماً - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

الفصل الأول : أهمية الصوم - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات