الأَصْحَاحُ الأَوَّلُ – سفر رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي – مارمرقس مصر الجديدة

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 73- تفسير سفر رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي – كهنة و خدام كنيسة مارمرقس مصر الجديدة.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

رُؤْيَا يُوحَنَّا اللاَّهُوتِىِّ.

.

مقدمـة

أولا: كاتبها:

هو يوحنا الحبيب تلميذ المسيح، أحد الإثنى عشر تلميذًا بدليل:

  1. إجماع القديسين والمؤرخين فى القرون الأولى.
  2. ذكر اسمه أربع مرات فى السفر.
  3. بشَّر فى كنائس آسيا الصغرى التى أُرسِلَت إليها الرسائل السبع فى السِفْر.
  4. نفاه الإمبراطور دوميتيان إلى جزيرة بطمس.
  5. التشابه فى أسلوب وألفاظ السفر مع إنجيل يوحنا ورسائله.

ثانيا: لمن كتبت:

إلى الكنائس السبع فى آسيا الصغرى، أى تركيا الحالية، وهى أهم الكنائس فيها وليس كلها، والمقصود بعدد سبعة هو الكمال فهذه الكنائس تمثل العالم كله فى حالاته الروحية المختلفة لذا فالرؤيا موجهة للعالم كله.

ثالثًا: زمن كتابتها:

عام 95م فى أواخر حياة القديس.

رابعًا: مكان كتابتها:

جزيرة بطمس، وهى جزيرة محيطها نحو 25 ميلاً وتقع جنوب غرب تركيا وأهم معالمها هى المغارة التى عاش فيها القديس يوحنا الحبيب.

خامسًا: أغراضها:

  1. محاسبة النفس لمعرفة أسباب الضعف الروحى والتوبة والرجوع إلى الله.
  2. جمال السماء فنتشجع فى الجهاد الروحى لنتمتع بالوجود مع الله وأمجاد السماء.
  3. النصرة، فمهما قابلنا من ضيقات لا ننزعج عالمين أنها مؤقتة وقوة الشيطان وكل حروبه ستنتهى وكل مباهج العالم ستزول، فلا نتعلق بها ونثق فى قوة الله التى تسندنا لننتصر فى النهاية ونصل إلى السماء.

سادسًا: أقسامها:

أ - الكنائس السبع (ص1 - 3).

  1. المقدمة والمسيح وسط الكنائس (ص1).
  2. الرسائل إلى الكنائس السبع (ص2، 3).

ب - الرؤى النبوية (ص4 - 20).

  1. الله وسط عرشه (ص4).
  2. السفر وختومه السبعة وختم عبيد الله (ص5 - 7).
  3. الأبواق السبعة وظهور النبيين (ص8 - 11).
  4. المرأة المتسربلة بالشمس والتنين (ص12).
  5. الوحش البحرى والبرى (ص13).
  6. المسيح وسط المؤمنين وإعلان سقوط بابل (ص14).
  7. الجامات السبع (ص15، 16).
  8. دينونة وخراب بابل (ص17 - 19).
  9. تقييد الشيطان والملك الألفى ثم حلّ الشيطان ودينونته (ص20).

ملحوظة: الرؤى المذكورة متداخلة فى الزمن وليست متعاقبة.

ج - مجد أورشليم السمائية (ص21، 22).

رُؤْيَا يُوحَنَّا اللاَّهُوتِىِّ.

.

الأَصْحَاحُ الأَوَّلُ

مقدمة الرؤيا وظهور الله وسط كنيسته.

(1) المقدمة (ع 1 - 3):

1إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِى أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِىَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ، مُرْسِلاً بِيَدِ مَلاَكِهِ، لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا، 2الَّذِى شَهِدَ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَبِشَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، بِكُلِّ مَا رَآهُ. 3طُوبَى لِلَّذِى يَقْرَأُ، وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا، لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ.

العدد 1

ع1:

إعلان: رؤيا أو كشف لسرّ أو إظهار لإرادة الله.

يسوع المسيح: أى أن الرب يسوع هو مصدر هذا الإعلان وليس غيره.

أعطاه الله إياه: الآب يحب البشر وأرسل ابنه لفدائهم، وهو له كل ما للآب كالإعلان للبشر ودينونتهم أيضًا.

عن قريب: ليس مقصودًا زمنًا بعينه كما فهم البعض؛ "فيوم واحد كألف سنة فى عينيه" (2بط3: 8).

بيد ملاكه: وهو وسيلة الإبلاغ، وفى الواقع هم أكثر من ملاك تبادلوا الإعلانات خلال السفر.

يبدأ القديس يوحنا فى نقل رؤياه لنا بتأكيد أن ما رآه هو رؤيا نبوية رآها وهو مستيقظ وليس حلمًا أثناء نومه، ويؤكد أن مصدر هذه الرؤيا هو الرب يسوع وغرضها "أن يرى عبيده" أى أن يُبلِّغ الله إرادته لأبنائه الأحباء واستخدم الله أحد خدامه (الملائكة) لإبلاغ القديس يوحنا بهذا الإعلان.

العدد 2

ع2:

الكلام هنا يعود كله على القديس يوحنا الذى شهد للمسيح بكرازته وإنجيله ورسائله الثلاث بالإضافة إلى ما رآه ودوَّنه فى هذا السفر أيضًا.

العدد 3

ع3:

طوبى: أى يا سعادة.

يحث القديس يوحنا ويشجع المؤمنين للقراءة والإستماع لمضمون هذه النبوة والتأمل وتذكر معانيها بحفظها فى القلب والعمل بها، وفى تشجيعه يُذكِّر المؤمنين بما قاله سابقًا بأن الوقت قريب.

 ليتك تظهر للآخرين أهمية كلام الله فى الكتاب المقدس وأهمية حضور الكنيسة والتمتع بتعاليمها وأسرارها، لأن زحام الحياة المادية يشغلهم عنها؛ وثق أنك عندما تشجع الآخرين تنتعش أنت أولاً وتتشجع ويزداد ارتباطك بالكنيسة.

(2) مخاطبة السبع كنائس (ع 4 - 8):

4يُوحَنَّا، إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِى فِى أَسِيَّا: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ، مِنَ الْكَائِنِ وَالَّذِى كَانَ وَالَّذِى يَأْتِى، وَمِنَ السَّبْعَةِ الأَرْوَاحِ الَّتِى أَمَامَ عَرْشِهِ، 5 وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ. الَّذِى أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، 6 وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً لِلَّهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، آمِينَ.

7هُوَذَا يَأْتِى مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. نَعَمْ، آمِينَ. 8«أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. » يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِى كَانَ وَالَّذِى يَأْتِى، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ.

العدد 4

ع4:

السبع كنائس: هى أشهر الكنائس التى أُنشِأَت واستقرت فى ذلك الزمان فى منطقة تركيا الحالية وسيأتى ذكرها بالتفصيل فى الأصحاحات التالية، وترمز أيضًا للكنيسة كلها فى كل زمان ومكان.

الكائن والذى كان: أُستُخدِمَ هذا التعبير لأول مرة فى إعلان الله عن ذاته لموسى النبى فى (خر3: 14) عندما قال "أهيه.. الذى أهيه" ولأن هذا التعبير يرمز للذات الإلهية فهو إعلان عن الله الآب.

السبعة أرواح: وهذا الإعلان من الروح القدس الواحد أيضًا، أما تعبير سبعة فلا يعنى التعدد بل يعنى كمال تنوع مواهب وعطايا الروح القدس.

يبدأ القديس يوحنا حديثه للسبعة كنائس بالتحية المسيحية المعتادة "النعمة والسلام" وهى طلبة وصلاة أكثر منها تحية، ويوضح أن مصدر كل نعمة وسلام هو الله الآب الأبدى الأزلى والروح القدس.

العدد 5

ع5:

من يسوع المسيح: أى أنه مصدر للنعمة والسلام أيضًا كما الآب والروح القدس (أى الثالوث الأقدس كله).

الشاهد الأمين: أى بحياته على الأرض، كان المسيح شاهدًا للآب بأمانة (يو18: 37) وشهد بقيامته على لاهوته الذى لا يغلبه الموت.

البكر من الأموات: أى أول من أقام نفسه بنفسه وقيامته كانت بلا موت ثانٍ.

هذا العدد استكمال لما جاء فى العدد السابق فى أن المسيح هو مصدر النعمة والسلام، ولكن يوحنا يستطرد هنا فى إبراز بعض صفات المسيح فى أنه بحياته وموته وقيامته صار شاهدًا أمينًا لكل ما تكلم به عن نفسه وعن أبيه وعن الروح القدس. ومن صفاته أيضًا أنه فوق كل رياسة وسلطان (ملوك الأرض)، والذى عبَّر عن حبه، بتجسده وفدائه لنا بدمه الأقدس الذى فيه مغفرة خطايانا وننال قوته فى أسرار الكنيسة التى أولها الغسل بماء المعمودية. وكلمة بكر أيضًا تعنى أنه بكر لكل البشر الذين يدخلهم معه إلى الفردوس والملكوت فهو "بكر بين إخوة كثيرين" (رو8: 29).

العدد 6

ع6:

وجعلنا - المسيح - ملوكًا روحيين نملك على إرادتنا التى كانت سابقًا مغلوبة، وكهنة نقدم لـه أنفسنا ذبائح حية مرضية أمامه بالجهاد فى الوصية وتقديم ذبائح الصلاة والتسبيح أيضًا لله صاحب كل مجد وكرامة وسلطان.

 ليتنا نراجع أنفسنا قبل كل تصرف، هل يصح أن يصدر هذا الأمر من ملك أو كاهن؟!

العدد 7

ع7:

مع السـحاب: يرمـز السحاب إلى مجد الله (مت24: 30)، وكذلك إلى مخافته (مز97: 2، 3)، ولهذا ففى القداس الإلهى عندما نتذكر مجئ السيد المسيح نقول عنه "المخوف المملوء مجدًا".

كل عين: تعبير ينقلنا من حدود المكان المادى إلى المقاييس الروحية الغير مدركة للبشر، فمهما كان مكان الإنسان فى الكرة الأرضية، سوف يرى هذا المجئ المهوب.

هنا إشارة إلى مجئ المسيح الثانى الذى ذكر في ووصف لحال منتظرى مجيئه، وهم فريقان..

الأول: وهم الأبرار الذين تتعلق قلوبهم بمجيئه وتنتظره وسيكون مجيئه لهم هو سر سعادتهم وبداية ميراثهم الأبدى.

أما الفريق الثانى: هم الذين "طعنوه... وينوح" أى اليهود اللذين صلبوه وطعنوه ورفضوه، وكذلك كل العالم الذى لازال يرفضه أو صار مسيحيًا بالاسم، والنوح هنا هو تعبير عن الحزن والرهبة والندم الذى لا ينفع صاحبه فى ذلك الوقت.

العدد 8

ع8:

من أقوى الآيات التى تثبت لاهوت المسيح...

الألف والياء: تشبيه جاء فى صورة الكناية ويزداد وضوحًا فى الجملة اللاحقة "البداية والنهاية" فكما أن لحروف اللغة حرف أول وأخير هكذا الله هو أول ومصدر كل شئ ونهاية وآخر كل شئ، فلا شئ قبله ولا شئ بعده، وهو ما نُعَبِّر عنه لاهوتيًا بأزلية وأبدية الله.

الكائن والذى كان: تعبير يدل على الذات الإلهية "أقنوم الآب" كما فى (خر3: 14) عندما أعلن الله عن ذاته لموسى بنفس الكلمات، وهنا يستخدم نفس التعبير عن المسيح "الابن" أيضًا، لأنه قال بعد ذلك "الذى يأتى" وهو ما يخص المسيح فقط.

القادر على كل شئ: إثبات لاهوته بكونه الخالق وضابط الكل.

يوضح المتكلم أنه هو المسيح الأزلى الأبدى والذى تجسد فى ملء الزمان والقادر على كل شئ أى هو الله.

 أخى الحبيب: إن مشهد مجئ المسيح الثانى لمشهد رهيب ومرهوب، جعله أباؤنا القديسون أمام أعينهم فاستقامت حياتهم، وتجاهله آخرون، فغُلِبوا من شهواتهم ولكل منهم مصير يختلف تمامًا عن الآخر. سؤال يا صديقى أوجّهه لنفسى معك... أين نقف نحن؟

(3) حال يوحنا ودعوته للرؤيا (ع 9 - 11):

9أَنَا يُوحَنَّا، أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِى الضِّيقَةِ، وَفِى مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ. كُنْتُ فِى الْجَزِيرَةِ الَّتِى تُدْعَى بَطْمُسَ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. 10كُنْتُ فِى الرُّوحِ فِى يَوْمِ الرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِى صَوْتًا عَظِيمًا كَصَوْتِ بُوقٍ، 11قَائِلاً: «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ. وَالَّذِى تَرَاهُ اكْتُبْ فِى كِتَابٍ، وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِى فِى أَسِيَّا: إِلَى أَفَسُسَ، وَإِلَى سِمِيرْنَا، وَإِلَى بَرْغَامُسَ، وَإِلَى ثَِيَاتِيرَا، وَإِلَى سَارْدِسَ، وَإِلَى فِيلاَدَلْفِيَا، وَإِلَى لاَوُدِكِيَّةَ. ».

العدد 9

ع9:

أنا يوحنا.. أخوكم: يعلن القديس يوحنا عن اسمه هنا وهو شئ ضرورى لكسب الثقة وتأكيد أنه مصدر كل أقواله الآتية، وأضاف كلمة أخوكم مع كونه من الرسل الاثنى عشر الأطهار فى نوع من اتضاع الأب مع أبنائه عند تبسطه معهم.

شريككم فى الضيقة: كانت الكنيسة قد بدأت رحلة آلامها بالاضطهاد الرومانى واستشهاد الكثيرين أى كانت فى ضيقة شديدة، وكان يوحنا فى ضيقة من نوع آخر إذ تم نفيه إلى "جزيرة بطمس" اليونانية فى عهد الإمبراطور "دومتيانس"، وأراد القديس أن يشعر أولاده بالمساندة القلبية لهم ويشجعهم، فهو يحتمل مثلهم الضيقة وليزيد من رجائهم يذكرهم أيضًا أنهم شركاء جميعًا فى مجد "ملكوت يسوع المسيح".

من أجل شهادة: أى سبب هذه الضيقة هو شهادتنا وكرازتنا باسم المسيح ولهذا فالضيقة هى سبب فخرنا فى الوقت نفسه.

يكرر كاتب السفر أنه يوحنا لأهمية معرفة مصدر كل كلمة تُذكَر فيه، ويوضح أيضًا أنه يشارك الكنيسة فى زمانه وفى كل زمان فى الضيقات التى تمر بها، إذ كان منفيًا فى جزيرة بطمس من أجل المسيح.

العدد 10

ع10:

كنت فى الروح: وهى الحالة التى تلقّى فيها القديس يوحنا الرؤيا وتشابه ما أعلنه بولس فى (2كو12: 2) عن رؤياه أيضًا وما أعلنه بطرس كذلك في.

وهى حالة فوق كل حس مادى معروف إذ يخضع فيها الإنسان بالكلية للروح القدس فيكون كما فى غيبة فيرى ويسمع ما لا يراه ويسمعه سواه.

يوم الرب: أى حدث هذا يوم أحد. وبدأ كل شئ عندما سمع صوتًا قويًا كصوت البوق آتيا من خلفه، والبوق يعنى الإنذار أو التحذير من خطر مقبل..

يبين القديس يوحنا أن الرؤيا كانت فى يوم الأحد وكان فى حالة روحية كأنه متغيب عما حوله من ماديات رغم أنه مستيقظ، وسمع صوتًا قويًا ينبهه كصوت البوق.

العدد 11

ع11:

أنا هو الألف والياء: بدأ صاحب الصوت بتعريف نفسه ليوحنا بأحد صفاته التى تظهر لاهوته وهى الأزلية والأبدية (راجع شرح ع8).

الذى تراه... أكتب: بعد التعريف أتى الأمر المباشر من صاحب الصوت - الله الابن - إلى القديس يوحنا فى تكليف محدد بأن يكتب كل ما سوف يراه فى كتاب ويرسل هذا الكتاب إلى السبع كنائس والتى سبق ذكرها فى (ع4) وإن كان هنا أضاف صاحب الصوت أسماءها والتى سوف يأتى الحديث عنها بالتفصيل فى الأصحاحين التاليين.

أعلن صاحب الصوت أنه هو الله وأمره أن يكتب كل ما يراه ويرسله إلى كنائس آسيا الصغرى السبعة.

 إذا كنت غافلا عن بعض الأمور الضرورية لخلاصك وألقيتها وراء ظهرك ثم نبهك الله إليها عن طريق أحد المحيطين بك، مثل الكلام عن الصلاة أو الصوم أو الصدقة، فلا تهمل الكلام لأنه كلام الله مرسل إليك شخصيًا وحدِّد سريعًا ما ستبدأ به.

(4) شخص المتكلم: (ع 12 - 20):

12فَالْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الصَّوْتَ الَّذِى تَكَلَّمَ مَعِى. وَلَمَّا الْتَفَتُّ، رَأَيْتُ سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ، 13 وَفِى وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقًا عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. 14 وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ. 15 وَرِجْلاَهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِى، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِى أَتُونٍ. وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. 16 وَمَعَهُ فِى يَدِهِ الْيُمْنَى سَبْعَةُ كَوَاكِبَ، وَسَيْفٌ مَاضٍ ذُو حَدَّيْنِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ، وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِىَ تُضِىءُ فِى قُوَّتِهَا. 17فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَىَّ، قَائِلاً لِى: «لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، 18 وَالْحَىُّ وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَىٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، آمِينَ. وَلِى مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ. 19فَاكْتُبْ مَا رَأَيْتَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ، وَمَا هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذَا. 20سِرَّ السَّبْعَةِ الْكَوَاكِبِ الَّتِى رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِى، وَالسَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ: السَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ هِىَ مَلاَئِكَةُ السَّبْعِ الْكَنَائِسِ، وَالْمَنَايِرُ السَّبْعُ الَّتِى رَأَيْتَهَا، هِىَ السَّبْعُ الْكَنَائِسِ.

العدد 12

ع12:

التفت يوحنا الرسول إلى الخلف نحو مصدر صوت المتحدث فرأى سبع مناير من ذهب، والمنارة الذهب كانت معروفة لليهود إذ كانت من مشتملات خيمة الاجتماع وأمر الله بصنعها لتضئ القدس (خر25: 31)، ولكن هنا يوضح لنا القديس يوحنا أنها ترمز للكنائس السبع (ع20)، فالكنيسة فى نظر الله هى المنارة التى تضئ للعالم فى ظلامه، وهى من ذهب لأنه يرمز لنقاوة المؤمنين الذين هم جسد المسيح نفسه، والذهب يرمز أيضًا للمُلك أى سلطان الكنيسة على العالم.

العدد 13

ع13:

يصف يوحنا المسيح الذى ظهر لـه ويسرد فى هذا العدد والأعداد التالية صفاته وهى:

1 - ابن إنسان: لقب أطلقه المسيح على نفسه أثناء تجسده وهو لقب يدل على ناسوته الكامل، يلاحظ أيضًا أن دانيال فى رؤياه للمسيح ذكر هذا اللقب ذاته (دا7: 13).

2 - متسربلا بثوب إلى الرجلين: كثياب رئيس الكهنة وهى ثانى صفة يقدمها لنا يوحنا للمسيح فى رؤياه، فهو أولاً ابن الإنسان المتجسد وثانيًا رئيس كهنتنا (عب5: 5)، أما المنطقة الذهب فتشير إلى ملكه وسلطانه الدائم.

العدد 14

ع14:

يستمر القديس يوحنا فى وصف منظر المسيح، ويُلاحظ هنا أن هيئة المسيح تخالف شكله المعتاد لنا والراسخ فى أذهاننا أثناء تجسده، لأن التركيز هنا على صفاته ولاهوته بالأكثر.

3 - رأسه وشعره فأبيضان: اللون الأبيض دائمًا يرمز للطهارة والنقاء والقداسة، وعندما يوصف الشعر بالبياض فهو إشارة إلى حكمة الشيوخ ويرمز أيضًا لقدم وأزلية المسيح.

4 - عيناه كلهيب نار: أى نفاذ بصيرته فهو وحده العالم بخفايا قلوب الناس وفاحصها، وتعنى أيضًا عدل الله وحزمه وعدم تهاونه مع الخطية أو الأشرار.

العدد 15

ع15:

5 - رجـلاه شبه النحاس النقى: ذكر دانيـال فى رؤياه "رجلاه نحاس مصقول" (دا10: 6) والنحاس النقى أو المصقول هو نحاس أضيف لـه القليل من الذهب أو الفضة لتزيده لمعانًا، فرجلاه يشيران إلى القوة والصلابة واتحاد اللاهوت بالناسوت فى طبيعة المسيح الواحدة.

وكذلك يمكن القول أن كلمة رجلاه تمثلان صفتى العدل والرحمة فى حكم الله ودينونته للبشرية.

6 - صوته كصوت مياه كثيرة: أى صوته عميق مرهوب وهو كالمياه التى تحمل الخير والخصب والبركات لكل من تصل إليه.

العدد 16

ع16:

7 - يده اليمنى: ترمز للقوة والرعاية والقيادة.

السبعة كواكب: أى السبعة أساقفة المسئولون عن الكنائس السبع.. (ع20).

8 - سيف.. ذو حدين: أى كلماته الخارجة من فمه ولها قوة السيف النافذ إلى أعماق النفس والروح (عب4: 12). والحدان يرمزان أيضًا للعهد القديم والجديد.

يستكمل القديس يوحنا وصف السيد فيراه ممسكًا بالسبعة أساقفة فى يمينه إظهارًا لسلطانه وقوته عليهم من جهة، وتمتعهم بحمايته وإرشاده من جهة أخرى. ويمكن القول أيضًا أنهم أدوات فى يد الله لإعلان مشيئته وإرادته للكنيسة.

وكلماته حاسمة ونافذة سواء كانت فى العهد القديم أو العهد الجديد (حدى السيف).

9 - وجهه المضئ كالشمس: فيرمز إلى جمال وبهاء وجهه وإلى مجد لاهوته الذى لا يدنى منه.

العدد 17

ع17:

من شدة بهاء وجمال وعظمة المنظر الذى لا يُعَبَّر عنه سقط يوحنا خائفًا - كميت - عند الرجلين ولكن المسيح فى حنانه لمسه بيده الطاهرة، وبصوته الهادئ المطمئن شجعه قائلاً لا تخف؛ ثم يعلن المسيح عن لاهوته بقوله "الأول والآخر" أى أنا الإله الأزلى الأبدى كما جاء فى ع8.

 إلهى الحبيب: كم كان رهيبًا وعجيبًا وسمائيًا هذا الذى رآه القديس يوحنا حتى سقط كميـت وهكذا شاركه كل من إشعياء وحزقيال عندما شاهدوك فى رؤياهم (إش6: 5)، (حز10) ولكنى أشتكى نفسى إليك يا سيدى فلازلت لا أشعر بمهابتك ومخافتك عندما أقف أمامك، فكثيرًا ما يغلبنى الكسل والتراخى فى صلاتى لأنى أنسى مجد من أقف أمامه... أرجوك يا إلهى إغفر لى واغرس مخافتك فى لحمى وفى قلبى.

العدد 18

ع18:

يعلن المسيح عن نفسه بوضوح أكثر ليوحنا ولنا نحن أيضًا فيقول عن نفسه:

الحى: تأتى فى زمن الإستمرار، أى كنت حيًا ولا زلت حيًا ومصدر الحياة ومانحها ويلاحظ أن هذا اللقب من صفات الله ذاته (مت16: 16، رو9: 26).

كنت ميتًا: أى جزت الموت وذقته بالجسد، وهذا ما يعلمه يوحنا جيدًا عن شخص المسيح.

إلى الأبد: تأكيد على أبدية الله.

لى مفاتيح الهاوية والموت: الهاوية هى مكان انتظار الأشرار بعد موتهم (الجحيم)، والمفاتيح تعنى سلطان المسيح المطلق على هذه النفوس وعلى المكان نفسه، ويمكن أن نفهم قول المسيح هنا بجانب إعلان سلطانه، أنه يشجع أبناءه ويبعد عنهم شبح الخوف من الجحيم إذ انتصر وفتح أبوابه مرة وأخرج كل النفوس التى كانت تنتظر فداءه، وبالتالى تعتبر هذه الآية من أقوى الآيات التى تعبر عن لاهوت المسيح وتثبته بلا أدنى شك، فهو الأزلى الأبدى (ع17) وكان متجسدًا ومات وقام وله سلطان على الهاوية كما سبق وشرحنا، وهى أمور لا يمكن أن تنطبق إلاّ على الله وحده...، فالمسيح هو إذًا الله ذاته.

العدد 19

ع19:

أكتب ما رأيت: أى ما رآه يوحنا من بدء الإعلان وصفات المسيح فى الأصحاح الأول.

وما هو كائن: فى الزمن الحاضر وهى الأحداث المتعلقة بالسبعة كنائس وتشغل الأصحاحين الثانى والثالث.

وما هو عتيد أن يكون: أى النبوات التالية والمستقبلية والتى ستحدث على مر الأزمان حتى النهاية والأبدية وتشغل من الأصحاح الرابع حتى نهاية السفر.

العدد 20

ع20:

فى نهاية الأصحاح يوضح القديس يوحنا ما لا يستطيع الإنسان إدراكه بمفرده فيوضح لنا أن السبعة كواكب هى أساقفة السبع كنائس وأن المناير السبع هى السبع كنائس نفسها.

ملاك: إستخدم الوحى الإلهى كلمة ملاك للتعبير عن أساقفة الكنائس. وكلمة ملاك فى أصلها ومعناها هى الخادم المرسل من قبل الله لإبلاغ رسالة للبشر... وهكذا نتعلم أن الله يصف وكلاء أسراره بالملائكة لجلال وأهمية عمل الكهنوت فى كنيسته.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

تفاسير سفر الرؤيا - الأَصْحَاحُ الأَوَّلُ
تفاسير سفر الرؤيا - الأَصْحَاحُ الأَوَّلُ