الباب الثانى :وسَائل الاتضاع وعلامَاتهواحد وأربعون عَلامة ووَسيلة – حياة التواضع والوداعة – البابا شنودة الثالث

الباب الثانى: وسَائل الاتضاع وعلامَاتهواحد وأربعون عَلامة ووَسيلة

وسَائل الإتضاع وعلاماته

نود أن نذكر الآن منهجاً واسعاً ومختصراً عن تداريب للإتضاع، على أن نرجع بشئ من التفاصيل لهذه النقاط التى سنذكرها:

1 - إن كانت الكبرياء هى فى الاعتداد بالذات وتعظيمها، يكون التواضع فى إنكار الذات.

وتداريب إنكار الذات كثيرة جداً ليس مجالها الآن. وقد وضع السيد الرب إنكار الذات فى مقدمة شروط التلمذة له. فقال "إن أراد احد أن يأتى ورائى، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى" (مت 16: 24). ولاشك أنه بإنكار الذات يصل الإنسان إلى التواضع. لأن الذى ينكر ذاته، لا يمكن أن يبحث لها عن مجد أو عظمة..

+ + +.

2 - وأيضاً: المتواضع المنكر لذاته، لا يدافع عن نفسه:

إنه – فى الأمور التى تمسه وحده – لا يبرر نفسه فى شئ. ويقبل ما يُقال عنه فى صمت. مثلما فعل السيد المسيح له المجد، الذى لم يدافع عن نفسه أمام بيلاطس ولا أمام هيرودس. وكذلك فعل يوسف الصديق الذى لم يدافع عن نفسه (تك39). والقصص كثيرة نتركها إلى موضوع خاص. والمتواضع لا يستثنى قاعدة عدم الدفاع عن النفس، إلا من أجل الغير...

+ + +.

3 - بل المتواضع يلوم نفسه باستمرار:

سواء بينه وبين نفسه، أو أمام الناس، باقتناع وصدق.

حدث مرة أن الباب ثاؤفيلس، زار جبل نتريا الذى كان يسكنه جماعات من المتوحدين. وسأل أبا الجبل عن الفضائل التى اتقنوها.. فأجابه "صدقنى يا أبى لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه فى كل شئ". حقاً إن لوم النفس هو فضيلة المتضعين.

+ + +.

4 - ولوم النفس يوصل إلى انسحاق النفس:

اى إلى انسحاق القلب من الداخل، إلى انسحاق الروح لشعوره فى أعماقه بما فى ذاته من نقائص قد تخفى على الناس ولكنها ليست خافية عليه. وهذا الانسحاق الداخلى يبعد عنه كل ألوان العظمة من الخارج، وفى نفس الوقت يقربه إلى الله كما يقول المزمور "قريب هو الرب من المنكسرى القلوب، ويخلص المنسحقين بالروح" (مز 34: 18). وأيضاً "الذبيحة لله هى روح منكسرة. القلب المنكسر والمتواضع، لا يرذله الله" (مز 51: 17).

+ + +.

5 - ومن مظاهر الانسحاق، الشعور بعدم الاستحقاق:

كما قال الابن الضال وهو راجع إلى أبيه "لست مستحقاً أن أدعى لك ابناً" (لو 15: 21). وكما قال قائد المائة للسيد الرب "يا سيد، لستُ مستحقاً أن تدخل تحت سقف بيتى" (مت 8: 8). وكما قال القديس يوحنا المعمدان عن السيد المسيح: لست مستحقاً أن أحل سيور حذائه "(يو 1: 27).

وهكذا فإن المتواضع يشعر أنه غير مستحق لكل احسانات الله إليه، ولا هو بمستحق لما يناله من الناس من الكرامة. لأنه عارف بنفسه..!

+ + +.

6 - وفى شعوره بعدم الاستحقاق، يحيا حياة الشكر الدائم:

يشكر على كل شئ، لأنه متيقن فى داخله أنه لا يستحق شيئاً.. لذلك كل ما يناله من الله هو بركة، مهما كان قليلاً. لأنه يعرف عن نفسه أنه لا يستحق هذا القليل أيضاً.

كذلك هو يشكر على كل لون من معاملة الناس له. فإن عاملوه بإكرام، يشكرهم لأنهم عاملوه بما لا يستحقه. وإن ظلموه أو أهانوه، يشكر على انه ينال جزاء خطاياه على الأرض!

+ + +.

7 - والمتواضع الحقيقى الذى يشعر بخطيئته، يقبل كل ما يأتى عليه.

ويقول فى نفسه "لو أن الله عاملنى حسب خطاياى، ما كنت استحق أن أعيش". ويرى أن كل الاهانات والمتاعب التى تصيبه، هى أقل من استحقاقه بكثير، يقبلها بشكر...

مثال ذلك داود النبى والملك: لما شتمه شمعى بن جيرا بشتائم مؤلمة، رفض أن يعاقبه أتباعه، وقال: "الله قال لهذا الإنسان اشتم داود" (2 صم 16: 10). واعتبر ما حدث له نتيجة طبيعية لما سبق من خطاياه...

+ + +.

8 - الإنسان المتواضع – فى انسحاقه – يجعل خطيته أمامه فى كل حين.

إنها تذله من الداخل، وتعصر عينيه بالدموع، وتزيد من إنسحاقه، وتذكّره بضعفه. لا ينسى خطاياه مهما غُفرت ومهما محاها له الله! مثلما بكى داود على خطاياه بعد غفرانها، وقال فى المزمور الخمسين "خطيتى أمامى فى كل حين".. ومثلما ذكر بولس الرسول خطاياه. وقال "لست مستحقاً أن أدعى رسولاً، لأنى أضهدت كنيسة الله" (1 كو 15: 9).

+ + +.

9 - المتواضع – مهما بلغ من رفعة – يشعر باستمرار أنه ناقص ومقصّر، وأنه لم يصل بعد إلى ما ينبغى عليه فعل!

القديس بولس الرسول الذى صعد إلى السماء الثالثة (2 كو 12: 2)، والذى تعب أكثر من جميع الرسل (1 كو 15: 10). كان يقول "لست أحسب أننى أدركت أو نلت شيئاً. ولكنى أسعى لعلى أدرك.." (فى 3: 12)، هذا الذى خشى الله عليه من كثرة الاستعلانات (2 كو 12: 7).

والقديس أرسانيوس العظيم، الذى كان يقضى الليل كله فى الصلاة، والذى كان رجل وحدة وصمت أكثر من الجميع، والذى تساقطت رموش عينيه من كثرة البكاء، والذى كان القديسون يطلبون بركته، وقد أتاه البابا ثاوفيلس يطلب كلمة منفعة.. أرسانيوس هذا: ما كان يشعر أنه بدأ الطريق الرهبانى بعد! بل كان يصلى "هبنى يارب أن أبدأ"!

+ + +.

10 - الإنسان المتواضع لا يتحدث عن نفسه حديثاً يجلب المديح.

نفسه هذه التى يلومها باستمرار ويعرف نقائصها، من غير المعقول أن يتحدث عن مواقف عظيمة لها تجلب المديح! إن الفريسى لم يتبرر أمام الله، لما وقف فى الهيكل يتحدث عن فضائله أمام الله فى صلاته! (لو 18: 12).

لذلك فإننى أتعجب من إنسان حديث العهد بالتوبة، يدعوه البعض أن يقف على منبر كنيسة أو جمعية، ليحكى اختباراته للناس حتى ينتفعوا بها روحياً..! فيقف ويحكى كلاماً يُمدح عليه!

+ + +.

11 - إن كان الحديث عن النفس يفسح مجالاً للقدوة، فالإنسان المتواضع لا يجعل نفسه قدوة لغيره.

إنه يقول لنفسه "من أنا حتى أكون قدوة لغيرى؟! أنا الذى وقعت فى كذا وكذا من السقطات!". وإن كانت القدوة فى التوبة والرجوع إلى الله، فأنا لم أتب بعد. ومازلت فى الموازين إلى فوق. فى كل يوم أسقط...

+ + +.

12 - المتواضع يشعر بتفاهة الكبرياء وخطورتها وتفاهة المجد الباطل.

فما قيمة المديح الذى يأتيه من الناس؟! ما بطلانه وما فائدته! بل كم هى أضراره الكثيرة التى تخرب النفس!.. باطلة كل أمجاد الدنيا وتافهة! "الكل باطل وقبض الريح" (جا 1: 14). ليس شئ من هذه الأمجاد ثابتا، ولا دائماً، ولا نافعاً. ولا شئ منها صحب الإنسان فى أبديته، أو يشفع فيه أمام الله...

إن النفس الصغيرة هى التى تفرح بإعجاب الناس ومديحهم.

كلما كبرت النفس ورجعت إلى صورتها الإلهية، لا يبهرها مطلقاً أى شئ من أمجاد العالم ومن مديح الناس... وبخاصة إذا كان ما يقوله الناس عكس ما يعرفه الإنسان عن نفسه، وعكس ما يشعر به فى داخله.

+ + +.

13 - لذلك فالإنسان المتواضع يهرب من محبة المديح والكرامة.

لا يشتهى ذلك ولا يسعى إليه. وإن أتاه المديح، لا يجعله ينحدر من أذنيه إلى قلبه. لا يفرح به فى داخله، بل يدرك تماماً أن غير مستحق له.. ولذلك لا يصدقه، أو على الأقل لا يتأثر به مهما كان صحيحاً...

وربما يتخذ هذا المديح مجالاً لتبكيت نفسه. ويقول فى ذاته: لعلنى قد صرت مرائياً إلى هذا الحد، الذى أظهر فيه للناس بغير حقيقتى!

+ + +.

14 - من صفات المتواضع أنه ينسب كل أعماله الطيبة إلى نعمة الله.

إنه يرجع الفضل إلى الله فى كل خير يفعله. يقول مع القديس بولس الرسول "لا أنا، بل نعمة الله العاملة معى" (1 كو 15: 10) ويتذكر قول الرب "بدونى لا تقدرون أن تعملوا شيئاً" (يو 15: 5). وهكذا يحوّل حديث المديح إلى الله ونعمته وعمله. وإن حورب من الداخل بأنه قد فعل شيئاً، يقول لنفسه "بنعمة الله أنا ما أنا" (1 كو 15: 10).

+ + +.

15 - والمتواضع بقدر إمكانه يخفى بره عن الناس:

يدرّب نفسه على عمل الفضيلة فى الخفاء على قدر ما يستطيع. ويهتم بالفضائل الداخلية أكثر من الفضائل الظاهرة. ويجعل أمامه قول الرب عن الذين يريدون أن يظهروا أعمالهم الحسنة للناس "الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم" (مت 6: 5).

+ + +.

16 - بل يحاول أن يخفى بره حتى عن نفسه:

حسب قول الرب "لا تجعل شمالك تعرف ما تفعله يمينك" (مت 6: 3).

فمثلاُ يعطى دون أن يحصى ما يعطيه.. ويحاول أن ينسى كل ما فعله من خير، حتى لا يكون ظاهراً امامه. وحتى لا يكون فى فكره ولا فى ذاكرته. ولا تحاربه به نفسه. ولا يعتبر ذلك الخير من أعمال قدرته هو. بل الله قد فعل ذلك الخير بواسطته. وكان يمكن أن يعمله بواسطة غيره، وبطريقة أفضل.. ويتذكر نقائصه فى عمل هذا الخير، ويلوم نفسه عليها.

+ + +.

17 - والمتضع يمتدح غيره لا نفسه:

فى كل عمل ناجح يقوم به، يذكر الجانب الذى ساهم به غيره فى إنجاح العمل، وأهمية ما فعله الآخرون ممتدحاً ما قاموا به، ناسياً نفسه.

وفوق الكل يذكر يد الله فى نجاح العمل. وهكذا يختفى لكى يظهر الله، ولكى يظهر غيره من الناس.

وفى كل ما يعمل، يحب الخير فى ذاته، لا فى أجره، ولا فى تقدير الناس له.

+ + +.

18 - على المتضع أن يهرب من العظمة وكل مظاهرها وكل مصادرها.

يهرب من محبة الرئاسة والقيادة، ومن محبة السيطرة والنفوذ، ومحبة العظمة والتعالى على الآخرين، ومحبة التقدم على غيره. فكلها أسباب بؤدى إلى الهلاك. وقد نهانا الرب عنها حينما قال لتلاميذه القديسين:

"أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلطون عليهم.. فلا يكون هكذا فيكم. بل من أراد أن يكون فيكم عظيماً، فليكن لكم خادماً.. ومن أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن لكم عبداً.. كما أن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدِم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 25 - 28).

+ + +.

19 - فإن وضُع إنسان فى مركز كبير، فليسلك فيه ببساطة وإتضاع، ولا يتعالى على غيره.

ما أجمل أن ينسى مركزه، ويتعامل مع الناس فى محبة. بحيث لا يرتفع قلبه، ولا يتعامل مع غيره فى تعال أو فى كبرياء، كأنهم أدنى منه أو أقل. ولا يزدرى بأحد. ولا يستخدم سلطته لإخضاع غيره.

لا يتعامل معهم مثلما كان هامان يتطلب أحتراماً معيناً من مردخاى (إس 3: 6، 5).. بل يتعامل مع الناس مثل داود، الذى كان هو قائد جيش شاول الملك، يختلط مع الشعب فى مودة "وكان جميع اسرائيل ويهوذا يحبون داود، لأنه كان يخرج ويدخل امامهم (1 صم 18: 16).

المتواضع يتعامل مع مرؤوسيه كزميل وصديق ويشعرهم بمحبة.

إن السيد المسيح كان يدعو تلاميذه اخوة. وقد قال لهم "لا أعود أسميكم عبيداً.. لكنى قد سميتكم أحباء" (يو 15: 15). وقيل عنه إنه شابه أخوته فى كل شئ (عب 2: 17).

+ + +.

20 - المتواضع يحتمل الكرامة، فلا يرتفع قلبه بسببها.

ومهما نال من كرامة، لا ينسى أنه إنسان، وأنه تراب ورماد. بل على العكس يتواضع بالأكثر، لكى يقيم توازناً بين داخله وخارجه. وإن وصل إلى مركز رفيع أو نال جاهاً أو مالاً أو سلطاناً، فليذكر قول القديس أنطونيوس الكبير: "إن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة". أما الذى يرتفع قلبه، فإنه يذكرنا بقو الشاعر:

لما صديقى صار من أهل الغنى

أيقنت أنى قد فقدت صديقى

+ + +.

21 - المتواضع يحاول باستمرار أن يتخذ "المتكأ الأخير".

وذلك حسب وصية الرب (لو 14: 7 - 10). وما أجمل قول الشيخ الروحانى فى ذلك "فى كل موضع حللت فيه، كن صغير أخوتك وخديمهم". ليس فقط أن لا تتعالى عليهم، بل أن تكون أصغرهم وخادمهم. وهو فى ذلك يقدّم كل إنسان على نفسه، حسب قول الرسول "مقدمين بعضكم بعضاً فى الكرامة" (رو 12: 10).

وكما أنحنى السيد الرب وغسل أرجل تلاميذه (يو13)، يكون هو أيضاً مستعداً أن ينحنى ويخدم الكل، مهما كانوا أصغر منه.

وهكذا نرى الكهنة والمعلمين فى كنيستنا يدعون أنفسهم خداماً.

وهنا نذكر الصلاة التى صلى بها القديس أوغسطينوس من أجل شعبه قائلاً "أطلب إليك يارب من أجل سادتى، عبيدك". فقال عنهم "سادتى" مع أنهم أولاده ورعيته..

على أننا نريد أن يكون تعبير "خادم" ليس مجرد لفظ او لقب، إنما يستعمله صاحبه بكامل دلالته ومعناه.

+ + +.

22 - الإنسان المتواضع يضع أمامه فضائل القديسين وعلوها، فتصغر أمامه كل أعماله الفاضلة:

فإن حورب بفضيلة اتقنها، يتذكر المستوى العالى الذى وصل إليه القديسون فى هذه الفضيلة بالذات، ويقارن نفسه بهم، فيرى أنه لا شئ، وتصغر نفسه فى عينيه فى كل ما فعله من بر. أما الخطورة فهى أن يقارن الشخص نفسه بالمبتدئين أو بالساقطين والخطاة، فيرى أنه أفضل منهم. كما فعل ذلك الفريسى الذى وقف فى الهيكل يصلى وقال "أشكرك يارب أنى لست مثل سائر الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار" (لو 18: 11).

+ + +.

23 - بل المتواضع يضع أمامه الكمال المطلوب منه، فيرى أنه لم يصل بعد إلى شئ.

يتذكر قول السيد الرب "كونوا أنتم أيضاً كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل" (مت 5: 48). ويرى أن المسافة طويلة بينه وبين هذا الكمال المطلوب، فيتضع قلبه ويشعر أنه لا يزال فى الموازين إلى فوق (مز 62: 9). ويردد نفس العبارات التى وصُف بها بيلشاصر الملك "وزُنت بالموازين، فوجدت ناقصاً" (دا 5: 27). وهكذا يتضع قلبه إن تذكر المطلوب منه.

فإن كانت المحبة هى أول ثمرة من ثمار الروح الكثيرة (غل 5: 23، 22). وللمحبة برنامج طويل ذكره بولس الرسول فى (1 كو13) وللآن لم يدرك بعد أعماق هذه المحبة ولم يستكمل مستلزماتها، فماذا يقول إذن عن باقى ثمار الروح التى ليس لها منها شئ؟!

بل يذكر أيضاً قول الرب "متى فعلتم كل ما أمرتم به، فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا" (لو 17: 10). ويقول: حقاً، إننى لم أصل بعد إلى درجة هؤلاء العبيد البطالين!

+ + +.

24 - الإنسان المتواضع، يتواضع أيضاً من جهة المعرفة والفهم:

يضع أمامه قول الكتاب "لا تكن حكيماً فى عينى نفسك" "وعلى فهمك لا تعتمد" (أم 3: 5، 7). ويبعد عن المعرفة التى تنفخ (1 كو 8: 1). وليذكر قول ماراسحق إن "الذى يفتخر بالمعرفة، يسقط فى البدعة والهرطقة". وقد سقط فيها أريوس ونسطور وأوطاخى. وكانوا من المعتدين بمعرفتهم ومراكزهم، وواثقين فى أنفسهم بعمق علمهم!

+ + +.

25 - المتواضع لا يكون عنيداً، متشبثاً برأيه.

لأنه توجد عجرفة فكرية عند البعض. عظمة فى الاعتداد بالرأى والتشبث به، مهما كان شاذا أو خاطئاً. وعدم قبول معارضة له، أو حتى مناقشته! بحيث يثور هذا الشخص إذا نُسب إلى فكره أى خطأ، ويحتد ويتكلم بخشونة وربما بإهانة. كما لو كانت لفكره عصمة ترفعه فوق المناقشة أو التحليل.

أما المتواضع، فإنه سهل فى التفاهم، يقبل الرأى الآخر مهما كان معارضاً له، ويقبل الحوار والنقاش بطيبة قلب.

+ + +.

26 - الإنسان المتواضع يحب التلمذة، ويقبل التعليم والتوبيخ.

إنه لا يرى مطلقاً أنه قد وصل إلى درجة من المعرفة لا تقبل الزيادة. بل باستمرار يريد أن يعرف ويتعلم ويستزيد. ويعيش طيلة عمره يتتلمذ على الكتب، وعلى الناس، على الآباء والمرشدين، وعلى الطبيعة، وعلى الأحداث.. ولا يظن أنه وصل فى المعرفة إلى المستوى الذى يعطى فيه باستمرار دون أن يأخذ...

وفى اتضاعه يتقبل كل رأى باتضاع، إن كان سليماً. ويشكر عليه، ويعترف أنه قد استفاد. وإن كان الرأى خاطئاً، لا يجرح صاحبه، بل يناقشه فى هدوء واتصاع.

+ + +.

27 - والإنسان المتواضع يكون دائماً بعيداً عن الغضب وثورة الأعصاب.

وكما قال القديس دوروثيئوس فى ذلك "إن المتواضع لا يغضب من أحد، ولا يُغضب أحداً.

فهو لا يغضب من أحد، لأنه باستمرار يأتى بالملامة على نفسه فى كل شئ. وهو لا يُغصب أحداً، لأنه يطلب بركة كل أحد، ولأنه يعتقد فى أعماقه أن كل أحد أفضل منه.

ولذلك نرى أن الإتضاع يرتبط دائماً بالهدوء والوداعة.

حقاً إنه ليس كل هادئ متواضعاً. ولكن كل متواضع لابد أن يكون هادئاً، وأن يكون وديعاً طيب القلب.

+ + +.

28 - والمتواضع بطبعه سهل التعامل مع غيره بسيطاً فى تعامله:

إنه لا يفترض باستمرار أنه على حق، وأن من يعارضه على باطل. ولا مانع لديه من أن يتنازل عن رأيه إن ثبت له أنه خطأ. بل أيضاً يشكر من وجهه إلى أن ذلك خطأ ويفعل ذلك بحب حقيقى.

وفى النقاش لا يقاطع غيره، ولا يسكته لكى يتكلم هو. ولا يسخر من الآراء المعارضة له. ولا يحاول أن يتهكم على غيره. بل قد يثبت له خطأ فكره فى لطف دون أن يجرح مشاعره أو أن يسئ إليه. فهكذا كان يفعل القديس ديديموس الضرير مدير الكلية الإكليريكية فى حبرية البابا أثناسيوس. فاستطاع فى حواره مع الفلاسفة الوثنيين أن يكسب الكثيرين منهم إلى المسيحية. وكانوا جميعهم يحبونه.

+ + +.

29 - أيضاً المتواضع لا يرتفع قلبه مهما نما فى الروح وفى الفضيلة.

ومهما نال أيضاً من مواهب روحية. بل يعتقد باستمرار أن كل الحياة الروحية التى صارت له، هى من عمل النعمة فيه، من عمل الروح القدس معه، عن غير استحقاق منه وأنه بدون الله لا يقدر أن يعمل شيئاً (يو 15: 5). فعليه أن يشكر لا أن يفتخر.

والمتواضع يعرف أنه إذا افتخر بشئ، ستتخلى النعمة عنه، لكى يشعر بضعفه، ويتضع أمام الله. يذكر باستمرار قول الكتاب:

"قبل الكسر الكبرياء. وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم 16: 18).

وهكذا يذكر أنه "تحت الآلام" مثل غيره (يع 5: 17). وأنه ليس أكبر من السقوط، وليس معصوماً منه. فإن الخطية "طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء" (أم 7: 26).

+ + +.

30 - لذلك فهو أمام جميع الخطايا لا يفقد احتراسه، ولا يقلل صلواته.

لا يقول عن بعض الخطايا إنها من النوع الذى يحارب المبتدئين، وليس النامين فى الروح مثله!! وأنه أكبر من مستوى تلك الحروب، او أنه قد داس الشيطان تحت قدميه!!

بل هو – فى كل محاربات الشيطان – يطلب معونة من الله، مصلياً بقوة، مهما بدت الحرب بسيطة. ذلك لأنه لا يعتمد مطلقاً على قوته الخاصة ولا على انتصاراته السابقة.

+ + +.

31 - والإنسان المتواضع لا مانع لديه من أن يستشير.

فالذى يستشير، إنما يشعر أن هناك عند غيره ما ينقصه من معرفة. ولا يظن مطلقاً أنه غير محتاج إلى رأى أو حلول من غيره كما يفعل المتكبرون. بل هو يستشير ويعمل بالمشورة الصالحة، واثقاً أنه – مهما أوتى من علم وخبرة – هناك من هو أعلم منه فى أمور معينة...

وحتى إن لم يستشير، وجاءه رأى صائب تطوع به أحدهم دون طلب منه، يأخذ الفائدة التى فى هذا الرأى، مهما كان صاحب الرأى أصغر منه أو أقل شأناً.

+ + +.

32 - ومن صفات المتواضع الطاعة والاحترام لمن هو أكبر منه.

سواء كان ذلك الكبير أكبر منه سناً، أو أكبر منه مقاماً، أو أكبر منه فى القامة الروحية أو فى العلاقة الاجتماعية.

وعموماً فالمتواضع لا يستصغر أحداّ. فهو يعامل الكل بلطف، حتى الصغار والخدم. ويرفع بذلك من روحهم المعنوية، ويشعرهم بأن نفوسهم كريمة فى عينيه.

+ + +.

33 - الإنسان المتواضع يظهر اتضاعه الروحى فى اتضاع جسده أيضاً.

يظهر اتضاعه فى ملامح وجهه، وفى نبرات صوته، وفى نظرات عينيه. فهو ينظر إلى الناس فى وداعة. ليست له النظارت المتعالية، ولا ينظر إلى الناس من فوق. وصوته هادئ: يتكلم بلطف، لا بسلطان. لا يحتد على أحد، ولا يتكلم بشدة ولا بنبرات متكبرة، ولا بصوت عالِ، ولا باحتقار أو استصغار لأحد فى عدم ردّ.. إنما بلطف يتحدث مع كل أحد.. ويظهر إتضاعه أيضاً فى طريقة مشيه. فلا يمشى فى زهو أو فى خيلاء. وفى جلوسه أيضاً يجلس فى أدب، لا ينتفع فى مظهره...

ويبعد عن العظمة فى مستوى ملابسه وأدواته واثاثاته وحياة الترف. ولا يُشعر الناس فى منظره ومظهره أنه فى متسوى عالِ، أو مستوى أعلى منهم.

ولغته تدل عليه: فهو لا يتغنى بأعمال قام بها، ولا يفتخر. ولا يعقد مقارنات بينه وبين الآخرين، تدل على تفوقه ومقدار ارتفاعه عليهم وادراكه ما لا يدركون.

+ + +.

34 - والمتضع يظهر اتضاعه أيضاً فى أسلوب عبادته وصلواته.

فهو يدخل إلى الكنيسة فى خشوع. حسبما قال داود النبى "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك. وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" (مز 5: 7). ويقف فى مهابة تليق بالصلاة وبالوجود فى حضرة الله. كما قيل عن الشاروبيم والسارافيم إنهم وقوف قدامه: بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم (أش6).

يحفظ حواسه جيداً، ولا ينشغل عن الصلاة بشئ. ولا يزاحم غيره فى وقت التناول من الأسرار المقدسة. بل يتقدم إليها كغير مستحق..

ولا يجلس فى الوقت الذى ينبغى فيه الوقوف. لذلك عند مباركة الطعام فى مائدة بيته لا يصلى وهو جالس... بل هو فى كل مناسبة، يحتفظ بمهابة الصلاة.

كذلك يحتفظ المتواضع بخشوعه فى فترة صومه. لأنها فترة تذلل أمام الله، والتذلل يليق به الاتضاع. ولتذكر فى هذه المناسبة ما قيل عن صوم أهل نينوى إنهم "نادوا بصوم" ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم. وبلغ الأمر ملك نينوى. فقام عن كرسيه، وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح. وجلس على الرماد "(يون 3: 6، 5).

+ + +.

35 - والمتواضع إذا أخطأ، وانكشف له ذلك، فإنه يعترف بخطئه.

ما أصعب الاعتراف بالخطأ على إنسان متكبر! يشعر أن ذلك يقلل من قدره ومن كرامته أمام الآخرين. أما المتواضع، فإنه لا يحاول أن يتهرب من مسئولية أخطائه أو يغطى عليها، أو يبرر بالأعذار. ولا مانع عنده من أن يقول "أخطأت فى هذا الأمر".

يقول "أخطأت" أمام الله، وأمام الناس، وفى أعماق نفسه، بكل إقتناع. إن نفسه ليست معصومة فى نظره.

والمتواضع ليس "باراً فى عينىّ نفسه" (أى 32: 1). فهو بعيد كل البعد عن البر الذاتى ويعرف عن أخطائه أكثر مما يعرفه الناس عنه.

+ + +.

36 - من الوسائل التى تساعد على الإتضاع: حياة التوبة الحقيقية، وما يصحبها من فضائل.

فالإنسان التائب هو إنسان شاعر بثقل خطاياه، وخطيته أمامه فى كل حين (مز50)، يذكرها متذللاً أمام نفسه وأمام الله، شاعراً أنه غير مستحق لشئ. وهو باستمرار يلوم نفسه ويبكتها لى سقطاتها وضعفاتها ونقائصها. وهو فى كل ذلك يطلب صلوات وبركة كل أحد.. لذلك يسلك باتضاع، ولا يتكبر على أحد. لأن تذكار ضعفاته يخزيه من الداخل، ويمنع عنه الكبرياء من الخارج...

وكلما بعُد الإنسان عن مشاعر التوبة وحرارتها ودموعها، أصبح فى خطر أن يفقد إتضاعه.. ولذلك سعيد من يحيا فى التوبة على الدوام. ولا يعتبر أنها مجرد مرحلة من مراحل حياته وقد عبرت. بل هو فى كل يوم من أيام حياته يخطئ. وكما قال القديس يوحنا الرسول "إن قلنا إنه ليس لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1 يو 1: 8).

+ + +.

37 - من وسائل الإتضاع أيضاً: الصمت وعدم إدعاء المعرفة.

إنه يعرف أن "كثرة الكلام لا يخلو من معصية" (أم 10: 19) فيقول فى نفسه "تكفى معاصىّ السابقة". ويردد عبارة القديس أرسانيوس "كثيراً ما تكلمت فندمت". لذلك فهو يفضل الصمت. ويرى أن الاستماع أفضل من التكلم. ففى الاستماع يستفيد معرفة. وفى التكلم يعرض نفسه للخطأ. مردداً عبارة موسى النبى "لست أنا صاحب كلام، منذ أمس ولا أول أمس" (خر 4: 10).

يتذكر قصة القديس الأنبا أنطونيوس، الذى سأل بعض تلاميذه عن آية معينة. فأخذ كل منهم يذكر لها تفسيراً، ما عدا الأنبا يوسف الذى قال "لا أعرف" فقال له القديس الأنبا أنطونيوس "طوباك يا أنبا يوسف، لأنك عرفت الطريق إلى كلمة: لا أعرف".

وبينما يجلس المتضع صامتاً فى وقار يحترمه الناس، نرى الإنسان المتكبر يحشر نفسه فى كل موضوع مهما كان فى غير تخصصه! ويجيب على كل سؤال، سواء كان يعرف أو لا يعرف. أما المتواضع – فإن إضطر إلى الكلام – يجيب فى هدوء عما يوقن به. ولا مانع من أن يقول أحياناً: لا أعرف. أو سأحاول أن أدرس هذا الموضوع.

+ + +.

38 - الإنسان المتواضع يشعر أنه فى حاجة إلى معونة من القديسين:

لذلك فهو فى كثير من الأمور لا يعتمد فقط على صلواته الخاصة. إنما يطلب من القديسة العذراء، ومن الملائكة الأبرار، ومن أرواح الشهداء والقديسين أن يسندوه فى جهاده، وأن يشفعوا فيه أما الله هو وكل الذين له. ويقول للرب فى صلاة الأجبية: أحطنا يارب بملائكتك القديسين، لكى نكون فى معسكرهم محفوظين ومرشدين..

ولا يرتفع قلبه فيقول: لست فى حاجة إلى وساطة من أحد هؤلاء! إن لى صلتى المباشرة بالله! فلماذا أطلب العذراء أو من مارجرجس أو من الملاك ميخائيل؟! متذكراً أن القديس بطرس الرسول – فى ليلة العشاء السرى – طلب من زميله القديس يوحنا الحبيب، الأصغر منه سناً، أن يسأل الرب عمن سيسلمه. وكان كذلك (يو 13: 23 - 25).

بل المتواضع يطلب صلوات كل أحد. وهوذا القديس بولس الرسول يطلب من شعبه فى أفسس أن يصلوا لأجله بكل صلاة وطلبة فى كل وقت، لكى يُعطى كلاماً عند افتتاح فمه ليعلّم بالإنجيل (أف 6: 19، 18).

+ + +.

39 - والإنسان المتواضع لا يطلب أن يكون من أصحاب الرؤى، أو من صانعى المعجزات والعجائب.

إنه لا يشتهى هذه الشهوة ولا يطلبها، لأنه يعرف مقدار ضعفه وهبوط مستواه الروحى. بل القديسون الكبار كانوا يخشون هذا الأمر لئلا يحاربهم الكبرياء والمجد الباطل. ويذكرون قول الرب لتلاميذه عن مثل هذ الأمر "لاتفرحوا بهذا.." (لو 10: 20).. والمتواضع يذكر أن كثير من الذين صنعوا آيات وعجائب لم يدخلوا ملكوت السموات. قوال لهم الرب "أذهبوا عنى" "إنى لم أعرفكم قط" (مت 7: 23، 22).

+ + +.

40 - لذلك فالمتواضع يسعى إلى ثمار الروح (غل 5: 23، 22). وليس إلى مواهب الروح (1 كو12)... والذين فى كبرياء يحبون الرؤى والمناظر، ما أسهل أن يقعوا فى خداع الشياطين.

والشيطان سهل عليه أن يعمل بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم فى الهالكين (2 تس 2: 10، 9) كما سيعمل فى الأيام الأخيرة فى مساندة ضد المسيح المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهاً (2 تس 2: 4). والشيطان أيضاً يستطيع أن يظهر فى شبه ملاك من نور (2 كو 11: 14). وبهذا يرضى محب الرؤى ويخدعه ويضيعه...

وهنا أذكر قصة ذلك الراهب الذى ظهر له الشيطان فى هيئة ملاك وقال له "أنا الملاك جبرائيل، وقد أرسلنى الله إليك". فردّ عليه الراهب فى اتضاع "لعلك أرسلت إلى غيرى وأخطأت الطريق. أما أنا فإنسان خاطئ، لا استحق أن يظهر لى ملاك" فلما سمع الشيطان هذه العبارة المتضعة، انقشع كالدخان اختفى.

+ + +.

41 - الإنسان المتواضع – إذا عمل فى الخدمة – لا يلح على الله أن يمنحه موهبة التكلم بألسنة. ولا يعلن على الناس أن هذه هى علامة الملء!

ولا ينظر باستصغار إلى من لا يتكلم بألسنة على اعتبار أنه لم يصل بعد! ولا ينادى شخصاً آخر، ويقول له: تعالَ لكى أسلمك تدريب الملء، واقفاً أمام الناس كمانح لموهبة الألسنة!

وسَائل وعلامات أخرى

لحيَاة الإتضاع

تجدها فى الأبواب المقبلة، وبخاصة فى علاقة الاتضاع بالفضائل. وأيضاً فى مقاومة الصفات التى يتصف بها المتكبر.

ونذكر من هذين البابين ".

  • علاقة الاتضاع بالإيمان والبساطة والتجرد.
  • وعلاقته بالتعليم والتأديب، وبالانتهار.
  • وعلاقته بالوداعة وبالشجاعة.
  • وبعده عن (الأنا) والاهتمام بالذات.
  • وبعده عن المجد الباطل وكل فروعه.
  • وبعده عن محبة الرئاسة والرعاية.
  • وعن محبة المديح والكرامة.

مع قراءة تفاصيل كل ذلك.



الباب الرابع: الذات سَبب الكبريَاء

الباب الثانى :وسَائل الاتضاع وعلامَاته واحد وأربعون عَلامة ووَسيلة

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات