الفصل الثالث نصوص كتابية وتفسيرها السليم – لماذا نرفض المطهر – البابا شنودة الثالث

الفصل الثالث نصوص كتابية وتفسيرها السليم

يَخلُص كَما بَنار (1 كو 3: 15)

هذه الآية من أهم الآيات الكتابية التى يعتمد عليها الكاثوليك، فى محاولة لإثبات المطهر، ولذلك سنوليها أهتماماً خاصاً يناسب تركيزهم عليها. وقبل كل شئ أحب أن أقول:

  1. هذه الآية ذكرت فى أثناء الحديث عن الخدمة والخدام، وليس فى مجال الحديث عن الدينونة والعقاب. ولهذا الأمر أهميته:

من أجل هذا، ولكى لا نفصل الآية عن المناسبة التى قيلت فيها، نقول إن بولس كان يتكلم عن خدمته هو وأبولوس، وأن الواحد منها غرس الآخر سقى، ولكن الله كان ينمى. وإن كل واحد سيأخذ اجرته حسب تعبه. مشبهاً الخدمة بعمل الفلاحة قائلاً ((نحن عاملان مع الله، وأنتم فلاحة الله، بناء الله)) (1 كو 3: 5 - 9).

ثم أنتقل فى تشبيه الخدمة بالبناء ((أنتم بناء الله)) إلى قوله ((حسب النعمة المعطاة لى – كبناء حكيم – وضعت أساساً، وآخر يبنى عليه. ولكن فلينتظر كل واحد كيف يبنى عليه. فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساساً غير الذى وضع، الذى هو يسوع المسيح)) (1 كو11، 10).

  1. هنا بولس الرسول كبناء حكيم، كخادم يعرف أصول الخدمة، أو كما تقول إحدى الترجمات، كاستاذ أو معلم حكيم فى البناء as a wise master builder وضع الأساس الذى هو الإيمان بالمسيح، وسيترك البناء لباقى الخدام، لباقى البنائين، ويرى كيف يبنون عليه.

ولذلك يقول فى رسالته لأهل كورنثوس ((إن كان لكم ربوات من المرشدين فى المسيح، لكن ليس آباء كثيرون، لأنى أنا ولدتكم فى المسيح)) (1كو 4: 15).

أنا ولدتكم ووضعت الأساس الذى هو الايمان. وبقى الأمر متروكاً لهؤلاء المرشدين الكثيرين كيف سيبنون عليه: ذهباً وفضة... أم عشباً وقشاً. وكل واحد من هؤلاء المرشدين له طريقته.

بولس بشر أهل كورنثوس، ولكنه سوف لا يبقى فى كورنثوس باقى حياته لأن له خدمة واسعة فى أماكن متعددة. يكفى أنه وضع الأساس، وسيترك باقى الخدام يبنون عليه.

كما قال أيضاً عن تشبيه الكرازة بعمل الفلاحة ((أنا غرست، وأبولس سقى)) (ع6). غرست، أى وضعت الأساس. وأبولس سقى، أى بدأ العناية بهذا الشئ المغروس. فما الذى حدث بعد هذا؟ حدث أنقسام يهدد العمل كله. وقال البعض أنا لبولس وآخر أنا لأبولس (ع4، 3). فما الذى سيحدث فى البناء فيما بعد؟ ما مصير العمل الكرازى؟ يقول:

((ولكن إن كان أحد يبنى على هذا الأساس ذهباً فضة حجارة كريمة، خشباً عشباً قشاً، فعمل كل واحد سيصير ظاهراً، لأن اليوم سيبينه. لأنه بنار يستعلن. وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، إن بقى عمل أحد قد بناه، فسيأخذ أجرة. إن احترق عمل أحد، فسيخسر. أما هو فسيخلص، ولكن كما بنار)) (1 كو 3: 12 - 15).

  1. نلاحظ هنا إنه يتكلم عن العمل، وليس عن الأشخاص.
  2. وهو يتكلم عن خدمة الخدام وليس عن عامة الناس...

إنه يكلم الخدام، المبشرين، الوعاظ، الرعاة، المعلمين، خدام الكلمة، وليس كل أحد... هؤلاء الذين يبنون الملكوت، ويقومون بالعمل الكرازى، كيف سيبنون. وهل عملهم سيبقى أم يحترق. وما الذى سوف يضعونه على أساس الإيمان: هل سيضعون ذهباً فضة حجارة كريمة، من الأمور التى تبقى ولكنها تتنوع فى مدى قيمتها، أم سيضعون خشباً عشباً قشاً، من الأمور التى تحترق، ولكنها أيضاً تتنوع فى سرعة أحتراقها. والبعض يمكن أنقاذه إذا تداركوا الأمر بسرعة والبعض من الصعب أنقاذه كالقش...

بولس الرسول تهمه الخدمة، يهمه العمل، وعن هذا يتحدث:

فيقول عمل كل واحد سيصير ظاهراً، لأن اليوم سيبين هذا العمل. هذا العمل سوف يستعلن بنار. وستمتحن النار عمل كل واحد. هل يبقى العمل، أم أن العمل يحترق.

إذن النار هنا للعمل، وليس للأشخاص.

فكلامه صريح ((ستمتحن النار عمل كل واحد))... لكى يبينه: هل هو ذهب، فضة، حجر كريم، أم هو خشب، عشب، قش... لم يقل إن الأشخاص سيحترقون بنار، إنما قال إن عملهم سيحترق.

  1. الذى سيجوز فى النار هو العمل، وليس الشخص:

ليس الخادم، إنما خدمته، من أى نوع هى؟ هل ستبقى أم تحترق؟ وعلينا أن نضرب أمثلة للأعمال التى تحترق، والأعمال التى تبقى. الخدمة التى لها ثمر فى الكنيسة، والتى لا ثمر لها...

  1. فالعمل الذى يشبه الذهب والفضة والحجر الكريم هو عمل من يخدم بطريقة روحية عميقة لبناء النفوس:

بحيث يكون الهدف الوحيد هو الله وملكوته. بأسلوب روحى مقنع ومؤثر، يجذب النفوس إلى الله، مع جهد وتعب فى التربية الروحية، وحل كل المشاكل التى تصادف المجاهدين فى طريقهم، ومعرفة الحروب الروحية وطريقة الإنتصار عليها. وحث الناس على الثبات، وتشجيعهم وتقويتهم والصلاة من أجلهم كالرعاة والمرشدين الذين قال عنهم الرسول ((اطيعوا مرشديكم وأخضعوا، لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم، كأنهم سوف يعطون حساباً...)) (عب 13: 17). وكما قال الرسول عن نفسه ((فى تعب وكد، فى أسهار مراراً كثيرة، فى جوع وعطش، فى أصوام مراراً كثيرة، فى برد وعرى، عدا ما هو دون ذلك، التراكم علىَّ كل يوم، الأهتمام بجميع الكنائس. من يضعف وأنا لا أضعف. من يعثر وأنا لا ألتهب)) (2 كو 11: 27 - 29). ((لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل أحد)) ((لست أحتسب لشئ، ولا نفسى ثمينة عندى، حتى أتمم سعيى والخدمة التى أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة الله)) (أع 20: 24، 31).

هذا هو البناء الذهب الذى لا يتزعزع. هذا هو العمل الروحى القوى الذى لا يحترق.

لأنه تعليم بطريقة جادة روحية باذلة من أجل خلاص النفس وربطها فى ثبات بالله. إنه بناء وطيد. يسقط المطر، وتجئ الأنهار، وتهب الرياح، وتقع على هذا البناء فلا يسقط. تمتحن النار هذا العمل، فلا يحترق. إنه كالذهب لا تحرقه النار، بل تزيده توهجاً ولمعاناً... إنه عمل يبقى. يبقى فى النفوس، ويبقى إلى اليوم الأخير. والخادم الذى يأخذ أجرته، ويأخذها حسب تعبه (1 كو 3: 14، 8).

والنار هنا ربما تكون التجارب أو الاختبارات الروحية أو الحروب أو الضيقات...

التى يتعرض لها كل عمل روحى، أو تتعرض لها الكنيسة كلها، فيظهر من فيها هو الذهب، ومن فيها هو القش. من يثبت، ومن لا يثبت. من يحترق بسرعة كالقش، ومن يحترق ببطئ كالخشب، ومن لا يحترق على الإطلاق كالذهب والأحجار الكريمة.

فإذا أخذت النار للإختبار، فإن كلمة اليوم تعنى اليوم الذى يحل فيه امتحان هذا التعليم الذى علم به الخادم ومدى ثباته فى أنفس سامعيه. أما إذا كان المقصود باليوم الأخير (1 كو 4: 5)، فتكون النار هى نار العدل الإلهى، الذى ((سينير خفايا الظلام، ويظهر آراء القلوب)).. إنها نار أخرى.. فكلمة نار لها معانِ عديدة، ورموز عديدة فى الكتاب...

قلنا إن هناك من يخدم بإسلوب روحى عميق. ولكن ليس الجميع يخدمون كذلك...

  1. فهناك من يخدم بإسلوب تطغى فيه المعرفة لا الروح، كما لو كان يخرج علماء لا عابدين...

كما لو كان يعدّ تلاميذه ليكونوا دوائر معارف، لا أن يكونوا اشخاصاً روحيين. يعطيهم علماً دينياً لا تداريب روحية فيه. يخلط الدين بالفلسفة، ويحوله إلى مجرد فكر. لا فرق عنده بين تدريس رحلات بولس الرسول، وبين اكتشافات كولومبس، أو حروب نابليون... كلها فروع من المعرفة.

وهذا الأسلوب تحاشاه القديس بولس الرسول تماماً...

وقال ((وأنا لما أتيت إليكم أيها الأخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة... وكلامى وكرازتى لم يكون بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة. لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس، بل بقوة الله)) ((لا بحكمة كلام لئلا يتعطل صليب المسيح)) (1 كو 2: 4، 1) (1 كو 1: 17).

  1. هذا العمل الكرازى الذى هو بالفلسفة وحكمة الناس، يمكن أن يحترق. وكذلك الذى هدفه الفصاحة والبلاغة وتنميق الألفاظ والسجع وموسيقى العبارات.

كلها خدمة قد تعجب البعض، وقد تبهرهم الفصاحة، أو السجع، أو المنطق والعقل. وربما فى نفس الوقت لا تترك أثراً روحياً فى نفوسهم. قد تستبقى ألفاظاً مأثورة فى ذاكرتهم، ولكنها لا تحدث تغييراً فى حياتهم. وإذا صادفتهم نار التجارب والامتحانات الروحية، لا يثبتون أمامها. ويجد الخادم أو المعلم أو الراعى أن عمله قد أحترق.

وإن أحترق عمل يخسر (1 كو 3: 15)، يخسر تعبه ويخسر مخدوميه، ويخسر مكافأته وجهده وتعليمه، وكرازته وخدمته، إذ لم تات بثمر روحى... ولكنه يخلص كما بنار...

  1. وبنفس الوضع نتحدث عمن تتحول خدمته إلى مجرد أنشطة، وعمل كثير وأهتما بأمور كثيرة، وبموضوعات جانبية عديدة، دون التركيز على العمل الروحى. وهكذا يحترق عمله كخادم. ولكنه من أجل تعبه وغيرته، ونيته الطيبة، يخلص كما بنار...

يخلص كما بنار

أى يخلص بصعوبة بجهد، كمن يمر فى نار وينتشله الله منها قبل أن يحترق. عمله قد أحترق ولكن الله – من فرط رأفاته – لم يسمح أن هذا الخادم نفسه يحترق، متذكراً تعبه وجهده ورغبته فى خلاص الناس. غير أن اسلوبه فى الخدمة لم يكن سليماً...

  1. والنار هنا ليست نار مطهر. لأنه لم يقل يخلص فى نار، أو فى النار، وإنما كما بنار...

فالنار هنا لم تكن له، وإنما كانت لعمله. كما قال الرسول ((ستمتحن النار عمل كل واحد ما هو)) (ع13). وقد أمتحنت النار عمله فوجدته خشباً أو عشباً أو قشاً. وكان ممكناً أن يهلك هو أيضاً، لأنه لم يخدم بطريقة سليمة، لأن كلامه لم يكن ((روحاً وحياة)) (يو 6: 63). ولكنه خلص، بصعوبة... ((كما بنار)). ولم يقل خلص فى النار.

  1. كلمة (نار) هنا استخدمت بطريقة مجازية، وليست حرفية.

ولنا مثال عن شخص ((خلص كما بنار)) هو يهوشع الكاهن:

قال زكريا النبى ((وأرانى يهوشع الكاهن العظيم قائماً قدام ملاك الرب والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فقال الرب للشيطان: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب الذى أختار أورشليم أفليس هذا شعلة منتشلة من النار؟!)).

فما معنى عبارة ((شعلة متشلة من النار))؟!

معناها مثلاً: أفترض أن قطعة خشب وقعت فى النار، واشتعلت النار. ولكن رحمة الله تدخلت، وأنتشلتها – وهى مشتعلة – من النار، قبل أن تحترق، ومنحتها حياة... هكذا كان يهوشع الكاهن، وهو لابس ثياباً قذرة أمام الملاك. فنزعوا عنه الثياب القذرة، وألبسوه ثياباً مزخرفة وعمامة طاهرة.

ولم تكن النار التى أنتشل منها يهوشع، ناراً مطهرية. إذ كان حياً على الأرض ولم يمت بعد. ولكنها الإثم الذى تعرض له، أو تعرضت له الأمة كلها ممثلة فى شخصه (زك 3: 9، 4).

وبنفس المعنى نفهم عبارة ((يخلص كما بنار)) أو عبارة ((يخلص كمن يمر فى نار))... لا فرق. والمعنى أنه يخلص بصعوبة، لأنه قصّر فى تعليم الشعب، فاحترق عمله الكرازى والرعوى...

  1. وعبارة ((يخلص كما بنار)) تذكرنا فى معناها بقول القديس بطرس الرسول ((إن كان البار بالجهد يخلص...)) (1 بط 4: 18).

وطبعاً عبارة ((يخلص)) هنا، لها عبارة مقدّرة، أى يخلص إذا تاب... إذا أنسحق قلبه بسبب ضياع خدمته وتعبه، وندم على أنه خدم بأسلوب خاطئ...

+ + + + + + +.

  1. وهناك آية وردت فى رسالة القديس يهوذا الرسول، تشبه تماماً ما حدث ليهوشع الكاهن، وتفسر أيضاً معنى ((يخلص كما بنار))... قال:

((ارحموا البعض مميزين. وخلصوا البعض بالخوف، مختطفين من النار)) (يه23، 22).

فكر إنسان محاط بالإثم، أو معرض للضياع والهلاك، يكون محتاجاً إلى من يختطفه من هذه النار، إذ هو عاجز أن يخرج منها بمفرده. وكذلك الخدام والرعاة، هم أيضاً معرضون للضياع والهلاك بسبب المسئولية الملقاة عليهم فى خلاص النفوس وبناء الملكوت. وبعضهم يخلص بصعوبة، بسبب ضعفات الخدمة، وأخطاء الخدمة، وعثرات الخدمة. ولكن الله يخلص مثل هذا الخادم – كما بنار – من أجل إيمانه وتعبه وغيرته، حتى إن فشلت خدمته...

ليس المطهر

هذا الإقتباس الذى أستدل به أخوتنا الكاثوليك من (1 كو3)، ليس هو عن المطهر اطلاقاً. وما كان بولس يتحدث عن المطهر، وإنما عن الخدمة... وقد شرحنا هذا الأمر بالتفصيل.

نضيف هنا بضعة أثباتات للدلالة على أن حديث الرسول لا يمكن أن ينطبق على مفهوم المطهر عند الكاثوليك.

  1. هنا الكل يتعرض للنار، بينما المطهر لنوعية من الناس!

النار هنا يتعرض لها الذهب، كما يتعرض لها القش. وتتعرض لها الأحجار الكريمة، كما يتعرض لها العشب. وهذا ضد المعتقد الكاثوليكى فى المطهر. فلو طبقنا المثل حسب تفسيرهم، فإن الذهب يرمز إلى القديسين الكبار الذين يذهبون تواً إلى الفردوس، ولا يمكن ان يمروا على نار المطهر! بل لهم (زوائد) تصلح لإعانة الذين فى المطهر!! وكذلك الفضة والأحجار الكريمة...

  1. هنا النار للامتحان، وليست للتعذيب كنار المطهر. لاختبار العمل، وليس لتعذيب الشخص...

إذ يقول الرسول ((وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو)) (ع13) لبيان معدن العمل... تعلنه، وبينه. بينما نار المطهر – حسب المعتقد الكاثوليكى – هى للعقوبة، وللتكفير عن الذنب، ولإيفاء العدل الإلهى...! وكل هذه أمور لا علاقة لها إطلاقاً بهذا الإمتحان أو الاختبار الذى يذكره الرسول...

  1. والنار هنا تحرق البعض وتبيده، بينما نار المطهر المفروض فيها أنها تطهر...!

النار فى هذا المثل تحرق القش والعشب والخشب... بينما المفروض فى نار المطهر أنها تطهر الإنسان وتنقيه، وتعده لحياة أفضل بالدخول إلى الفردوس، لا أن تحرقه وتبيده...! وواضح جداً أن المثل هنا لا ينطبق، لأنه لا يؤدى إلى الغاية المرجوة من المطهر.

فالقش لا يمكن أن يتطهر ويتحول إلى ذهب أو فضة. والعشب لا يمكن أن يتطهر ثم يدخل إلى الملكوت... هنا كما نرى صورة غير المطهر تماماً. الناس الذين كالذهب والفضة والحجارة الكريمة، لا يحتاجون إلى تطهير. والذين كالخشب والعشب والقش لا يتطهرون ويدخلون الملكوت، بل يحترقون...

  1. هنا النار للخسارة بالنسبة إلى الخشب والعشب والقش، بعكس النار فى المطهر!

يقول الرسول ((إن أحترق عمل أحد، فسيخسر)) [ع15]. وفى المطهر لا حريق ولا خسارة – حسب المعتقد الكاثوليكى – وإنما سداد لديون، وإعداد لأبدية سعيدة، وإعانة من الكنيسة ومن صلوات القديسين، وانتفاع بالذبيحة التى تقدم عن تلك النفوس... أين الحريق والخسارة.

  1. نار المطهر لها تأثير واحد، بعكس النار فى هذا المثل.

النار هنا: تأثيرها على الذهب، غير تأثيرها على القش، وعلى باقى ما تعرض لها... تحرق القش ولا تحرق الذهب. أما النار المطهر، فعملها واحد فى كل النفوس، حسب اعتقاد أخوتنا. الكاثوليك. إذن المثل لا ينطبق. لأنه هنا يوجد عمل يبقى فى النار، ويأخذ صاحبه أجرة أى مكافأة. بينما عمل آخر يحترق، وصاحبه يخسر...

  1. لا يجوز يا أخوتى أن نأخذ عبارة قيلت فى مناسبة، فنفصلها عن هذه المناسبة، وعن كل ما قيل قبلها من كلام، ونفرض عليها معنى من عندياتنا لا تحتمله.

وإذا وقفت أمامنا كلمة (نار) لابد أن نفحص ما المقصود بها: هل هى نار الاختبار والامتحان، كما فى (1كو 3: 13)؟ أم هى نار التعذيب كالبحيرة المتقدة بالنار والكبريت (رؤ 20: 10)؟ أمهى نار الإثم وما يتبعه من هلاك، التى تعرض لها يهوشع الكاهن (زك 3: 2). أم هى نار بمعنى صعوبة، كما فى (1 كو 3: 15). أم هى نار المطهر التى لا أعرف لها شاهد من الكتاب...

  1. كذلك عقائد الدين، لابد أن تسندها آيات صريحة وواضحة، وتعليم كتابى لا يحتمل اللبس والتأويل. ولا يمكن أن تؤخذ عن طريق الإستنتاج أو التفسير الشخصى.
  2. + + +.

ولا في الدهر الآتى ((متى 12: 32))

محاولة أخرى يستخدمها أخوتنا الكاثوليك لاثبات المطهر، هى قوله عن الذى يجدف على الروح القدس إنه ((لا يغفر له فى هذا العالم، ولا فى الدهر الآتى)) (متى 12: 32).

ويستنتجون من هذا وجود مغفرة فى الدهر الآتى، ويقولون إن هذه المغفرة تتم فى المطهر!!

و ورد حول هذه الآية فى ملحق الترجمة اليسوعية للكتاب المقدس (طبعة سنة 1951 ص 488).

وفى هذا القول إشارة إلى أن من الخطايا ما يغفر فى الدهر الآتى، وهو برهان قاطع على وجود المطهر. وذلك أن الخطية لا تغفر فى السماء، حيث لا يدخل أدنى دنس، ولا فى جهنم حيث لا يُرجى خلاص. فلابد إذن من مكان آخر بين السماء والجحيم يتطهر فيه الإنسان من الخطايا العرضية التى لا تستوجب جهنم، ولا يدخل صاحبها السماء ما لم يتطهر منها.

نلاحظ أن الرب قال ((فى الدهر الآتى))، ولم يقل فى المطهر. كلمة الدهر تدل على زمان، وليس على مكان.

اما المغفرة فى هذا الدهر فتتضح من قول الرب ((كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً فى السماء. وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً فى السماء)). (متى 18: 18). وقوله ((من غفرتم خطاياه غفرت له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت)) (يو 20: 23). وفى العلاقات الشخصية ((اغفروا يغفر لكم)) (لو 6: 37).

ولكن ما معنى المغفرة فى الدهر الآتى:

لا يعنى المطهر إطلاقاً، فالسيد لم يذكر كلمة مطهر فى كلامه. ولم يوجد أحد من الآباء الأولى، فسّر هذه الآية على أنها مغفرة فى المطهر، فلم تكن عقيدة المطهر الكاثوليكية قد ظهرت بعد...

فلذلك كل تفاسير الآباء الأول لا تسند عقيدة المطهر.

لا فى هذه الآية، ولا فى كل الآيات الأخرى التى يحاول الكاثوليك الاعتماد عليها... وكذلك كل ما ورد فى التقاليد القديمة.

وإنما المغفرة فى الدهر الآتى تفسر على أمرين.

  1. اولهما حالة إنسان لم تتح له فرصة لنوال مغفرة على الأرض:

كإنسان كان فى غربة، ولم يجد كاهناً يعترف عليه وينال منه حلاً. ولكنه كان تائباً. هذا ينال المغفرة فى الدهر الآتى، أو تعلن له تلك المغفرة التى لم يسمع ألفاظها بأذنيه، وإن كان أحسها فى قلبه.

أو سائح من السواح hermit - anchorite - كان يعيش فى وحدة لا يرى فيها وجه إنسان، لمدة سنوات طويلة. ولم يسمع كلمة مغفرة من الكنيسة على الأرض. وأنتقل من هذا العالم. هذا ينال المغفرة أو تعلن له فى الدهر الآتى.

أو إنسان اساء إلى شخص، وندم على ذلك، وعزم من كل قلبه أن يذهب إليه ويصالحه ويعتذر إليه، ويسمع منه أنه قد غفر له اساءته. ولكنه مات قبل ذلك أثناء غربة أو سفر. هذا ينال هذه المغفرة فى الدهر الآتى.

  1. النوع الثانى إنسان حُرم من الكهنوت ظلماً، ومات محروماً. هذا ينال المغفرة فى الدهر الآتى.

وما أسهل أن يقع هذا الظلم، من أشخاص أو حتى من مجامع. ويحدث إما أن الكنيسة تراجع نفسها فى الأمر وتحالل الشخص بعد موته، بعد سنوات أو فى دهر آت. وإما أن الله الذى يحكم للمظلومين، ويغفر لهذا الشخص فى الدهر الآتى، ما دام قد حُرم ظلماً...

  1. وعلى العموم فإن المغفرة فى الدهر الآتى لا تكون بمطهر.

تكون مغفرة من مراحم الله، التى تقبل التوبة، والتى ترفع ظلماً قد وفع، والتى تعرف ظروف الإنسان، كالغربة مثلاً، أو السياحة فى الجبال. فيغفر الرب بتحويل خطية هذا التائب إلى دم المسيح، دون أن يدخله إلى مطهر، أو يعرضه لعذاب... فالمغفرة والتعذيب لا يتفقان!

  1. أما من يجدف على الروح القدس، فلا يغفر له فى هذا الدهر، ولا فى الدهر الآتى.

وهكذا نكون قد قدمنا تفسيراً لهذه الآية، بدون التعرض إطلاقاً لموضوع المطهر الذى لم يتعرض له الرب نفسه.

ولا يجوز تحميل آيات الكتاب فوق ما تعنى،.

ولا أن يفرض عليها تفسير شخصى، ما كان صاحبه ليفرضه لو عاش فى القرن الحادى أو الثانى عشر، قبل مجمع ليون ومجمع فلورنسا.

+ + +.

الذينَ تحت الأرض (فى 2: 10)

يعتمد أخوتنا الكاثوليك أيضاً فى محاولة أخرى لإثبات المطهر، من قول القديس بولس الرسول: ((ولى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض)) (فى 2: 10).

من الذين تحت الأرض؟

  1. يقول أخوتنا الكاثوليك: هم النفوس المعتقلة إلى حين، فى ذلك المكان الواقع فى باطن الأرض، والذى أعده الله لتطهير الذين ينتقلون فى عالمنا إلى العالم الآخر، ولا تخلو نفوسهم من بعض الشوائب والعيوب، التى تحرمهم مؤقتاً من دخول السماء.
  2. ولقد رجعت إلى تفسير القديس يوحنا ذهبى الفم، فوجدته يقول:

((إن كل ركبة ما فى السماء: تعنى الملائكة والقديسين.

ومن على الأرض: تعنى الأحياء المؤمنين الذين على الأرض.

ومن تحت الأرض: أى الشياطين، وهم يخضعون للسيد المسيح شاءوا أم أبوا...)).

ولذلك قال القديس بطرس الرسول ((... يسوع المسيح، الذى هو فى يمين الله. إذ قد مضى إلى السماء، وملائكة وسلاطين وقوات مُخضعة له)) (1 بط 3: 22). وليس غريباً أن يركع الشياطين. فقد قال معلمنا القديس يعقوب الرسول إن ((الشياطين يؤمنون ويقشعرون)) (يع 2: 19). وليس غريباً – حينما يكون الرب فى مجده – أن الشيطان يركع له ويهرب ويجرى. وكذلك كل أتباعه...

  1. إنما هناك فرق بين سجود الأبرار للرب، وسجود الأشرار:
  2. الأبرار – ملائكة وقديسين – يسجدون للرب فى حب.

    والأشرار – بشراً وشياطين – يسجدون للرب فى رعب.

يسجدون فى خوف. ألم يخف منه الشياطين، وصرخوا قائلين ((ما لنا ولك يا يسوع إبن الله. أجئت إلى هنا قبل الوقت لتهلكنا)) (متى 8: 29). وكما صرخ الشيطان مرة وقال له ((ما لنا ولك يا يسوع الناصرى. أتيت لتهلكنا. أنا أعرفك من أنت قدوس الله)) (مر 1: 24) (لو 34: 4: 41).

  1. على أن غالبية المفسرين يقولون إن عبارة ((من فى السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض))، إنما هى رمز للخليقة كلها.

فالخليقة كلها تسبح الله، كما ننشد نحن كل يوم فى صلاة التسبحة Psalmody عن المزمور 148 وفيه ((سبحوا الرب من السموات، سبحوه فى الأعالى. سبحوه يا جميع ملائكته... سبحيه يا أيتها الشمس وأيها القمر... سبحى الرب من الأرض أيتها التنانين وكل اللجج... الجبال وكل الآكام... الوحوش وكل البهائم... الدبابات والطيور...)) (مز148).

ويذكرنا هذا بتسبحة الخليقة كلها فى سفر الرؤيا:

يقول القديس يوحنا الرائى ((وكل خليقة مما فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض، وما على البحر، كل ما فيها سمعتها قائلة: للجالس على العرش وللحمل البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين)) (رؤ 5: 13).

نعم كل الخليقة، بما فى ذلك من تحت الأرض، تسبح الله وتعطيه الكرامة...

أما أن نقول إن عبارة (ومن تحت الأرض) تعنى الأبرار والصديقين، الذين لهم هفوات، ولذلك فإن الله يخسف به الأرض، ويعذبهم تحت الأرض فى نار وعقوبات، ثم يرفعهم إلى السماء، بعد أن تكون كرامتهم قد نزلت إلى الأرض... فهذا كلام غير مقبول ولا معقول، ولا يتفق مع معاملة الله للأبرار والصديقين...

قصة المكابيين

دليل آخر يقدمه أخوتنا الكاثوليك لإثبات المطهر، يأخذونه من سفر المكابيين الثانى، الإصحاح الثانى عشر. وقد ورد فيه عن حروب يهوذا المكابى:

((وفى الغد جاء يهوذا ومن معه، على ما تقتضيه العادة، ليحملوا جثث القتلى، ويدفنوهم مع ذى قرابتهم فى مقابر آبائهم. فوجدوا تحت ثياب كل واحد من القتلى أنواطاً من اصنام يمنياً مما تحرمه الشريعة على اليهود. فتبين للجميع أن ذلك كان سبب قتلهم. فسبحوا كلهم الرب الديان العادل الذى يكشف الخبايا. ثم أنثنوا يصلون ويبتهلون أن تمحى تلك الخطية المجترمة كل المحو)).

((وكان يهوذا النبيل يعظ القوم أن ينزهوا أنفسهم عن الخطيئة. ثم جمع من كل واحد تقدمة، فبلغ المجموع ألفى درهم من الفضة. فأرسلها إلى أورشليم ليقدم بها ذبيحة عن الخطية)).

((وكان ذلك من أحسن الصنيع وأتقاد لاعتقاده فى قيامة الموتى. لأنه لو لم يكن مترجياً قيامة الذين سقطوا، لكانت صلاته من أجل الموتى باطلاً وعبثاً. ولاعتباره أن الذين رقدوا بالتقوى قد أدخر لهم ثواب جميل. وهو رأى مقدس تقوى. ولهذا قدم الكفارة عن الموتى ليحلوا من الخطية)) (2 مك 12: 36 - 46).

ونحن نتفق مع الكاثوليك فى أن هذه القصة تدل على الإيمان بالقيامة، وعلى الاعتقاد بالصلاة عن الموتى، وتقديم الذبائح عنهم.

ولكن لا علاقة لهذه القصة بالمطهر فى كثير أو قليل. كثير أو قليل.

ولا يوجد فى النص أية اشارة إلى المطهر، ولا إلى غفران الخطية عن طريق المطهر. إنما هى عن أناس آمنوا بالقيامة، وصلّوا من أجل موتاهم، وجمعوا تبرعات وأرسلوها إلى أورشليم لتقديم ذبائح عنهم. ولا أزيد من هذا....

وتحميل النص فوق ما يطيق، هو مجرد محاولة لاستنتاج شخصى لا يوحد ما يسنده أو يؤيده.

الصَديق يَسقط سَبع مَرات

من الآيات التى يستخدمها بعض الكاثوليك فى محاولة لإثبات المطهر، قول الكتاب فى سفر الأمثال:

((الصديق يسقط سبع مرات ويقوم)) (أم 24: 16).

صدقونى لقد تعجبت جداً، حينما قرأت فى كتاب (المطهر) للأب لويس برسوم مجرد استخدام هذه الآية، وأيضاً تحليله لها بقوله:

((إن السقوط الذى تذكره الآية، هو السقوط فى بعض الهفوات... والنقائص الصغيرة... التى تعيب ولا شك الإنسان الصديق... إلا أنها لا تفقده برارته (بره))).

((الآن لنفترض أن الموت قد داهم هذا الصديق، قبل أن يكفر عن كل سقطاته السبع التى أرتكبها فى يومه... فماذا يكون مصيره؟ ترى أيزج به الله فى جهنم النار؟! كلا بالطبع، لأنه بار وصديق، وواضح أن سقطاته غير قاتلة. فماذا إذن؟ أيعفو عنه، ويدخله من فوره السماء والحياة الأبدية؟! الجواب كذلك كلا. لأن عدالة الله تطالب بحقها كاملاً لآخر فلس)) ثم يقول:

((وبالتالى، فلا مناص من الإلقاء به فى سجن مؤقت، حتى يؤدى ما بقى عليه من دين! وهذا السجن المؤقت هو المطهر))!

الرد:

تصوروا يا أخوتى أن الصديق البار، الذى لا يزال محتفظاً ببره، لابد أن يلقى فى النار، ويكابد عذاب المطهر، ويدخل سجناً مؤقتاً، من أجل بعض هفوات، لابد أن يكفر عنها، يؤدى ما بقى عليه من دين!!

هل هذه هى البشارة المفرحة التى نادى بها الإنجيل؟

هل هذه هى بشرى الملاك وقت ميلاد المسيح ((ها أنا أبشركم بفرح عظيم، يكون لكم ولجميع الشعب، أنه قد ولد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب)) (لو 2: 11، 10).

وإذا كان الصديق البار، سيدخل النار من أجل هفوات، إن دهمه الموت فجأة، إذن فجميع الناس سيذهبون إلى النار!!

أنستطيع أن نقول إن هذه هى عقيدة المسيحية؟! أين إذن عقيدة الخلاص الذى قدمه المسيح؟! وأين الكفارة والفداء؟ وما عمل الدم الكريم المسفوك على الصليب؟ هل كل هذا ينسى تماماً، ولا يبقى سوى أن الإنسان لابد أن يكفر بنفسه عن أعماله، ولابد أن يدخل النار، حتى عن الهفوات!!!

إن هذا المطهر ليس فقط يعطى أسوأ صورة للحياة بعد الموت.

بل آسف إن قلت: إنه يسئ إلى صورة الله نفسه.

الله الحنون العطوف الطيب، الذى قال عنه الرسول ((الله محبة)) (1 يو 4: 7)... ((الله الذى أحبنا حتى أرسل إبنه كفارة عن خطايانا)) (1 يو 4: 10). ((الله الذى أعطانا المحبة التى تطرح الخوف إلى خارج)) (1 يو 4: 18). الله الذى يقول حتى فى العهد القديم ((هل مسرة اسرّ بموت الشرير – يقول السيد الرب – إلا برجوعه عن طرقه فيحيا)) (حز 18: 23).

الله المحب هذا، يصورونه لنا بأنه يفاجئ بالموت إنساناً باراً وصديقاً، ليلقيه فى نار المطهر، من أجل هفوات!!!

((أبهتى أيتها السموات من هذا، واقشعرى وتحيرى جداً)) (ار 2: 12).

من المستحيل أن تكون هذه المسيحية التى بشر بها المسيح، وبشر بها الرسل والآباء... المسيحية التى قال فيها السيد الرب ((ما جئت لأدين العالم، بل لأخلص العالم)) (يو 12: 47). والتى قال فيها للمرأة المضبوطة فى ذات الفعل ((ولا أنا أدينك. اذهبى ولا تخطئى أيضاً)) (يو 8: 11).

هل كل ذلك دفاع عن العدل الألهى؟! اطمئنوا، العدل الإلهى قد وفى حقه على الصليب... ومادام الإنسان قد تاب، تنتقل خطاياه إلى حساب المسيح، فيمحوها بدمه، ولا تبقى عليه دينونة بعد.

إن الله ليس مخيفاً بهذه الصورة، التى يقدمها هذا الأب الكاثوليكى للناس... وعدله ليس سيفاً نارياً مسلطاً على رقاب الناس، يهددهم بالنار وبالعذاب والعقوبات، حتى على الهفوات.

وصفات الله لا تتعارض مع بعضها البعض، ولا تنفصل عن بعضها البعض. فهو عادل، وهو أيضاً رحيم، والصفتان غير منفصلتين، بحيث يقول:

عدل الله، عدل رحيم.

كما أن رحمته رحمة عادلة، استوفت عدلها على الصليب.

العجيب أن هذه الآية التى أستخدمها المؤلف، لا تقول فقط إن الصديق يسقط سبع مرات، بل تقول ((ويقوم)). وقد أغفل المؤلف كلمة ((ويقوم)).

فهو يسقط، لأن كل إنسان معرض للسقوط.

ولكنه فى كل مرة يسقط، يقوم مباشرة، لأنه صديق.

وفى قيامه من سقطته، ينال المغفرة بالتوبة (أع 3: 19).

ولا يبقى عليه دين، لأن الله نقل عنه خطيئته، فلا يموت (1 صم 12: 13)... نقلها إلى حساب الحمل الذى يحمل خطايا العالم كله... فهو لا يكفر عن خطاياه السبع، لأن الكفارة موجودة هناك على الجلجثة، تستطيع أن تمحو خطايا الكل...

+ + +.

هل يعقل أن إنساناً باراً وصديقاً، أنتقل من عالمنا، ونحن نصلى عليه فى الجناز، ونبكى بدموع، ونطلب صلواته وشفاعاته، بينما هو فى نفس الوقت معذب فى نار المطهر، ليوفى العدل الإلهى عن هفوات وسهوات، شاء الله أن يفاجئه بالموت، قبل أن يقدم عنها توبة، لكى يستحق بذلك العذاب تحت الأرض فى سجن المطهر؟!!! أحقاً أنه إله الحب والبذل الذى عرفناه وأحببناه؟!

وهذا البار الصديق أما نفعته الصلاة على الراقدين فى شئ؟!

وإن كانت هذه الصلاة لا تشفع حتى فى هفوات وسهوات الأبرار والصديقين فما لزومها إذن؟! وما نفعها لغيرهم ممن لم يصلوا إلى مستواهم براً وصديقية؟! أما يكون هذا التفسير المطهرى هجوماً على هذه الصلاة، يشجع أخوتنا البروتستانت على إنكارها، ويصبح عثرة لهم.

رحمة بطقوس الكنيسة أيها الأخوة. رحمة بصلواتها.

ولا تبنوا عقيدة بهدم عقيدة أو عقائد أخرى...

+ + +.

كل هذه التفسيرات الخاطئة فى موضع المطهر كانت عثرة لأخوتنا البروتستانت.

فثاروا على الأعمال جملة، وعلى كل أنواع الإماتة. بل حتى على بعض ثمار التوبة من إنسحاق وحزن ودموع وإذلال للنفس، وصاروا يدعون التائبين الى حياة الفرح مباشرة، معتمدين على قول المرتل فى المزمور الخمسين ((أردد لى بهجة خلاصك)) (ع12) ومع أننا لا نوافق على بهجة الخلاص بدون الندم والانسحاق للنفس وإذلالها، إلا أننى أقول:

إن هذا الإتجاه البروتستانتى، هو رد فعل للمطهر و(للغفرانات).

+ + +.

حَتى يوفي الفلَس الأخير (متى 5: 26)

يحاول أخوتنا الكاثوليك إثبات عقيدة المطهر من قول السيد المسيح فى العظة على الجبل فى موضوع الصلح: ((كن سريعاً فى مراضاة خصمك، مادمت معه فى الطريق، لئلا يسلمك الخصم إلى القاضى. ويسلمك القاضى إلى الشرطى، فتلقى فى السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفى الفلس الأخير)) (متى 5: 26، 25).

فيقولون إن السجن هو المطهر، يلقى فيه الإنسان، ولا يخرج منه حتى يوفى كل ما عليه من عقوبات...

الرد:

  1. يمكن أخذ كلام الرب بطريقة حرفية عن المعاملات مع الناس:

فهو كان يتكلم عن الصلح بين الناس. فقال ((إن قدمت قربانك على المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك قربانك قدام المذبح، واذهب اولاً اصطلح مع أخيك...)) (متى 5: 24، 23)). ونحن نأخذ هذه الآيات بمعناها الحرفى عن الصلح... ثم يقول الرب بعدها مباشرة ((كن مراضياً لخصمك سريعاً...)) فلماذا لا تؤخذ هذه الآيات أيضاً كذلك بالمعنى الحرفى؟

  1. ولكنها حتى لو أخذت بالمعنى المجازى، فلا علاقة لها بالمطهر:

القديس أوغسطينوس فى تفسيره للعظة على الجبل، قال إن خصمك هو ضميرك، ويجب أن ترضى ضميرك سريعاً... وكل الآباء – الذين سلكوا طريقة التفسير المجازى – قالوا إن القاضى هو الله. والسجن هو جهنم. والشرطى هو الملاك الموكل بالهاوية وعبارة ((حتى توفى الفلس الأخير)) هى تعبير يدل على الاستحالة، يوضع إلها جوارها ((ولن توفى))... هنا ونقول:

  1. مستحيل على الإنسان أن يوفى العدل الإلهى، مهما قضى فى السجن:

هذه قاعدة إيمانية. وبسببها تجسد الإبن الكلمة، لكى يوفى عنها. ولذلك ناب عن البشرية فى دفع ثمن الخطية ووفاء العدل الإلهى. وسواء كانت الخطية كبيرة أم صغيرة، خشبة أم قذى (متى 7: 3)، بعوضة أم جمل (متى 23: 24). فإنه ينطبق على النوعين قول الرب ((وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامحهما جميعاً)) (لو 7: 42).

  1. القاضى هو الله الديان العادل. وقضاؤه يكون فى يوم الدينونة الرهيب.

وحينئذ يكون الإلقاء فى السجن، هو الإلقاء فى جهنم، التى لا خروج منها إطلاقاً. وهنا يكون الخصم، هو العدالة الإلهية، أو هو وصايا الله. وهنا يقف أمامنا سؤال هام وهو:

  1. كيف يمكن للإنسان وهو فى السجن أن يوفى؟!

إن كنت قد ظلمت إنساناً، أو كنت فى عداوة مع إنسان، كيف تصالحه وأنت فى السجن؟! زكا استطاع ذلك وهو على الأرض، بقوله ((ها أنا يا رب، أعطى نصف أموالى للمساكين. وإن كنت قد وشيت بأحد، أرد أربعة أضعاف)) (لو 19: 8). أما لو كان زكا قد ذهب إلى (المطهر)، فكيف كان يمكنه أن يرد الأربعة أضعاف؟!

  1. أم هل يظن أخوتنا الكاثوليك أن العذاب هو الذى يوفى؟!

وفى هذه الحالة تكون عقوبة جهنم قد حلت محلها عقوبة المطهر، ولو بطريقة جزئية، وتكون كفارة المسيح بلا معنى ولا هدف. ولا يكون هناك فداء. لأن الفداء معناه أن نفساً تبذل ذاتها من أجل نفس أخرى. وهنا كل نفس توفى بذاتها ما عليها!! وكيف توفى والعقوبة غير محدودة؟! إننا لا نستطيع أن نوفى العدل الإلهى، ولا فى أقل خطية.

مشكلة الأخوة الكاثوليك، أنهم يظنون أن عبارة ((حتى يوفى الفلس الأخير)) تعنى أنه يمكن الخروج من السجن بعد وفاء الفلس الأخير!!

  1. ولكن تعبير حتى توفى الفلس الأخير، يعنى الاستحالة، مثل أى سؤال تعجيزى لا يمكن الإجابة عليه. وسنضرب لهذا التعبير أمثلة:
  1. مثل قول العذارى الحكيمات للعذارى الجاهلات ((اذهبن إلى الباعة وابتعن لكن)) (متى 25: 9). وكان من المستحيل أن يبتعن.
  2. ومثل قول القديس بولس الرسول ((فإنى كنت أود لو أكون أنا نفسى محروماً من المسيح، لأجل أخوتى أنسبائى حسب الجسد)) (رو 9: 3). وطبعاً مستحيل أن يكون محروماً عن المسيح. ومستحيل أيضاً أن يكون حرمانه من المسيح سبباً فى خلاص أخوته وأنسبائه. ولكنه تعبير تفهم منه الاستحالة.
  3. ومثال آخر وهو قول الرسول فى إثبات القيامة ((إن كان الموتى لا يقومون، فلماذا يعتمدون لأجل الأموات)) (1 كو 15: 29). طبعاً لأنهم يؤمنون بالقيامة، وإن كان من الاستحالة أن تفيدهم هذه المعمودية! كما أن هؤلاء الذين يعتمدون لأجل موتاهم، سبق لهم أن تعمدوا. فمعموديتهم هنا مرتين، أمر غر جائز...
  4. وهنا بالمثل يقول: حتى توفى الفلس الأخير، أقول لك من المستحيل أن توفى. فمن الخير لك التوبة وأنت فى حياتك على الأرض، والصلح مع أخيك ههنا، قبل أن تلقى بسبب ذلك فى السجن الذى لن تخرج منه...

معنى كلمة (حتى):

  1. عبارة حتى لا تعنى زمناً محدداً، ينتهى الأمر بعده. وهذا واضح عند أخوتنا الكاثوليك الذين يؤمنون مثلنا بدوام بتولية القديسة العذراء مريم. وعلى هذا الأساس يفهمون عبارة (حتى) فى قول الكتاب عن العذراء.
  2. ((ولم يعرفها حتى ولدت إبنها البكر)) (متى 1: 25).

ومعروف طبعاً أنه لم يعرفها بعد ولادة إبنها البكر... ولا داعى لأن نشرح هذه العبارة شرحاً مستفيضاً، فليس هذا مكانه. والكاثوليك يرون أن أستخدام كلمة (حتى) هنا، لا يعنى أن ما بعدها عكس ما قبلها.

  1. ميكال زوجة الملك داود، لما أستهزأت به حينما رقص أمام تابوت العهد، قال الكتاب عنها:
  2. ((ولم يكن لميكال بنت شاول ولد حتى ماتت)) (إلى يوم مماتها) (2 صم 6: 23).

وطبعاً ولا بعد موتها كان لها ولد.

  1. ومن الأمثلة الهامة جداً ((لاهوتياً)) ما قيل عن رب المجد:
  2. ((قال الرب لربى: أجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك)) (مز 110: 1).

وطبيعى أنه ظل جالساً عن يمين الآب، حتى بعد أن وضع أعداءه موطئاً لقدميه.

كل هذه الأمثلة عن معنى كلمة (حتى) واستخدامها فى الكتاب، يعرفها أخوتنا الكاثوليك جيداً، ويستخدمونها فى إثبات دوام بتولية العذراء... فلماذا يقفون الآن من كلمة (حتى) موقفاً مغايراً؟!. نقطة إعتراض أخرى نحب أن نقولها هنا:

  1. كيف توفى الروح فى (المطهر) كل ديونها حتى الفلس الأخير، بينما الجسد ليس معها:

شريكها الأثيم، الذى كان يشترك معها فى غالبية خطاياها، بل كان يدفعها إلى الخطية دفعاً لتشترك هى معه ((والجسد يشتهى ضد الروح)) (غل 5: 17). كيف يفلت هذا الشريك المخالف، وتقف الروح وحدها كى توفى الكل ((حتى الفلس الأخير))؟!؟! وهل نستطيع أن نوفى الفلس الأخير، بينما الجسد لم يعاقب. والمعروف فى عقيدة المطهر أنه للأرواح فقط، التى لا تموت بموت الجسد.

إذن المقصود بالسجن فى جهنم بعد الدينونة، وليس المطهر بعد الموت.

وحتى يوفى الفلس الأخير، يفهم أنه بعدها ((ولن يوفى))... أى يبقى فى جهنم إلى الأبد.



الفصل الرابع: إعتراضَاتِ فى مَناقشة المطْهَر

الفصل الثانى:رفض المطهر من الناحية اللاهوتية

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات