الأصحاح الأول – تفسير رسالة يعقوب الرسول – القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدمة رسالة يعقوب

رسائل الكاثوليكون.

تلقب الكنيسة الرسائل السبع (يعقوب، ورسالتي بطرس ورسائل يوحنا الثلاث، يهوذا) بالكاثوليكون أي الجامعة[1]، وذلك لأنها اتسمت بالعموميَّة، فلم تُكتب إلى جماعة معينة أو كنيسة خاصة أو مدينة أو شخص كما هو الحال في رسائل معلمنا بولس الرسول.

وإن كانت الرسالتان الثانية والثالثة من رسائل معلمنا يوحنا الحبيب قد وُجهتا إلى شخصين معينين لكن لصغرهما يمكن اعتبارهما امتدادًا للرسالة الأولى، خاصة وأنهما يحملان نفس الطابع والأسلوب.

هناك تشابه بين الرسائل وبعضها البعض وعلى وجه الخصوص بين:

ا. رسالة بطرس الأولى ويعقوب.

ب. رسالة بطرس الثانية ويهوذا.

ج. بين رسائل يوحنا الثلاث.

تعطي الكنيسة اهتمامًا لهذه الرسائل فتحتم قراءة فصل معين أو أكثر على المؤمنين في أكثر المناسبات وخاصة في الليتورجيات الكنسية...

يقول القديس إيرونيموس عن هذه الرسائل إنها امتازت بالإسهاب مع الإيجاز؛ إسهاب في المعاني مع إيجاز في العبارات مما يجعلها صعبة الإدراك كما ينبغي.

رسالة يعقوب.

كاتب الرسالة.

ورد في العهد الجديد 3 أشخاص باسم يعقوب.

1. يعقوب بن زبدي (مت 10: 2) أحد الإثنى عشر تلميذًا، وأخ يوحنا الإنجيلي. ولا يمكن أن يكون كاتب الرسالة إذ قتله هيرودس أغريباس الأول سنة 44م (أع 12: 1). وحتى ذلك الوقت لم تكن قد تأسست الكنائس المسيحية بشكل يسمح بكتابة رسائل لها، وما كان قد حدث التشتيت الذي ذكره الكاتب، أو ظهرت البدع التي أوردها.

2. يعقوب بن حلفى (مت 10: 3) وتوجد أبحاث كثيرة لتحقيق ما إذا كان هو نفسه يعقوب أخو الرب أم شخص آخر.

3. يعقوب أخو الرب، (غل 1: 19) أي ابن خالته، وقد أجمع الرأي على أنه كاتب الرسالة. وفيما يلي موجز لحياته:

ا. إن لم يكن هو نفسه يعقوب بن حلفي أحد الإثني عشر (مت 10: 3، مر 3: 18، لو 6: 15، أع 1: 13) وشقيق يوسي ويهوذا وسمعان[2]، يرى البعض أنه لم يكن مؤمنًا بالرب أثناء حياة السيد على الأرض، وذلك كقول الإنجيلي: "لأن إخوته أيضًا لم يكونوا يؤمنون به" (يو 7: 5) وقد آمن به بعد القيامة إذ جاء في (أع 1: 14) إن التلاميذ كانوا مجتمعين هم وإخوة يسوع.

ب. يذكر القديس إيرونيموس، كما يؤكد التاريخ، أنه رُسم أسقفًا على أورشليم، وبقى فيها حتى يوم استشهاده، وقد وضع قداسًا مازال الأرمن يُصلون به.

ج. قال عنه إبيفانيوس وأوسابيوس أنه كان نذيرًا للرب من بطن أمه، فكان لا يشرب خمرًا ولا مسكرًا ولا يحلق شعر رأسه ويقتات بالبقول.

د. دُعِيَ يعقوب البار، إذ كان مُحبًا للعبادة ومن كثرة ركوعه للصلاة كانت ركبتاه كركبتي جمل. ويذكر القديس ايرونيموس إن اليهود في بداية الأمر كانوا يهابونه جدًا، ويتهافتون على لمس ثيابه. وفي إحدى المرات جاءوا به إلى جناح الهيكل لكي يشهد ضد المسيح، فقال لهم: "إن يسوع الآن جالس في الأعالي عن يمين الآب... وسيُدين الناس". فلما سمعوه يقول هذا، صرخ البعض قائلين: "أوصنا لابن داود"، فحنق عليه الكتبة والفريسيون وثاروا ضده، وهم يقولون: "لقد ضلّ البار"، ثم طرحوه من فوق إلى أسفل. أما هو إذ وقع انتصب على ركبتيه طالبًا الغفران لهم، فأسرعوا برجمه[3] ثم أتى صباغ وضربه بمدقةٍ على رأسه، فاستشهد في الحال نحو سنة 62م ووُدفن في موضع استشهاده بالقرب من الهيكل[4].

ويقول يوسيفوس المؤرخ: [أن من أسباب خراب أورشليم أن أهلها قتلوا يعقوب البار. فنزل غضب الله عليهم.].

ه. في حوالي سنة 52م رَأسَ المجمع الأول في أورشليم بخصوص إيمان الأمم، وقد أعلن القديس يعقوب قرار المجمع (أع 15).

ز. دعاه الرسول بولس أحد أعمدة الكنيسة، وذكره قبل بطرس ويوحنا (غل 2: 9).

لمن كتبت؟

كُتبت إلى "الإثنى عشر سبطًا الذين في الشتات"، وقد كثرت الآراء في تفسير هذا النص نذكر منها:

1. يرى البعض أنها كتبت إلى الذين كانوا قبلاً يهودًا وقد تشتتوا قبل المسيحية، وقد استخدم الله هذا التشتيت في الكرازة بالمسيحية، إذ آمن بعض منهم عندما جاءوا إلى أورشليم في يوم الخمسين. هؤلاء الذين كانوا قبلاً يهودًا وآمنوا بالمسيح صاروا موضع ضيق واضطهاد من أقربائهم اليهود الذين رفضوا الإيمان بالسيد المسيح.

2. يرى آخرون أن اليهود إذ رأوا بعضًا آمنوا بالسيد المسيح، وإذ كانوا ينتظرون مسيحًا حسب فكرهم، يعطيهم سلطانًا زمنيًا ويجعلهم سادة العالم ويُخضِع الممالك لهم - وللأسف هذه الفكرة الصهيونيّة مازالت في أذهان اليهود، لهذا أثاروا الرومان ضد المسيحيّين، فلجأ المسيحيون إلى الأمم إذ وجدوا بين الوثنيين صدرًا رحبًا أكثر مما لليهود الأشرار.

3. يرى البعض أن ذِكره الإثني عشر سبطًا لا يعني أنهم من أصل يهودي، وإنما إشارة إلى أن الكنيسة – أيًا كان أعضاؤها - صارت الوريثة للأسباط روحيًا، وانتفت صفة "إسرائيل" من اليهود. لهذا فإننا لا نؤمن بأن اليهود هم إسرائيل وإنما يَدَّعون هذا، فقد أنكروا الإيمان، وانتُزِعَت عنهم صفة شعب الله.

زمن كتابتها.

كتبت في أوقات اضطهاد اليهود للكنيسة. فقد أثار أغنياؤهم ورؤساؤهم الاضطهاد (أع 4: 1، 5: 17)، وكان ذلك قبل اضطهاد دومتيان وتراجان. كتبت قبل سقوط أورشليم أي قبل تشتيت اليهود (68 م). ويُرجِّح البعض أنها كتبت حوالي سنة 60 أو 61م، في الوقت الذي انتشرت فيه الضلالات التي فندها الرسول في هذه الرسالة.

غاية الرسالة.

1. تشجيع المسيحيين لاحتمال الضيق الذي يعانون منه من اليهود، والكشف عن مفهوم التجارب على ضوء صليب الرب المتألم.

2. تشجيعهم على الثبات في الإيمان بالرب إيمانًا عمليًا.

3. توضيح مفهوم الإيمان الحي، وارتباطه بالأعمال.

4. إظهار خطورة بعض الخطايا التي يظنها البعض تافهة.

مميزاتها وارتباطها بالأسفار الأخرى.

1. اتبعت الأسلوب العملي بخصوص قداسة الحياة المسيحية.

2. سهولة التعبير وإيضاحه وخصوبة التصوير بإيجاز. وقد جاء بها كثير من التشبيهات مستقاة من فلسطين (1: 11، 3: 11، 12، 5: 7، 17، 18).

3. الحزم في التوبيخ مع فيض من الحنو والحب.

4. تتشابه مع الموعظة على الجبل من جهة كثرة الوصايا العمليّة، حتى ظن البعض أنها تجميع لبعض أقوال الرب يسوع. وقد تحدث كلاهما عن النظرة الروحيّة للناموس في أعماقه، وعن أبوة الله والاختيار بين حب الله وحب العالم.

5. تتشابه في كثير من عباراتها مع يشوع بن سيراخ[5] والحكمة[6] ورسالة بطرس الأولى[7].

6. ارتبطت بالعهد القديم، ففي الحديث عن الصبر أشار إلى الأنبياء وأيوب (يع 5)، وفي الحديث عن الصلاة أشار إلى إيليا... لكنها اتسمت بطابع العهد الجديد مع تكرار كلمة "إخوة"، وذِكْرِه الولادة الجديدة (1: 18)، وعن الناموس الكامل ناموس الحريّة (1: 25)، وأسرار الكنيسة (يع 5)...

هل يوجد تناقض بينها وبين رسائل الرسول بولس؟

ظن البعض بسبب سطحيتهم في تَفهُّم كلمة الله أنه يوجد تناقض في الفكر بين ما ورد في هذه الرسالة وما نادى به الرسول بولس خاصة رسالته إلى أهل رومية، ظانين أن الرسول يعقوب لا يبالي بالإيمان والرسول بولس لا يبالي بالأعمال، لكن من يدرس الرسائل يجد الآتي:

1. عدم وجود تعارض في الفكر بين الرسولين، خاصة وإن كليهما كانا على اتفاق في المجمع الأول الذي رأسه يعقوب البار (أع 15).

2. أن الرسول يعقوب يُحدِّث أناسًا مؤمنين انحرف بعضهم عن السلوك في النور بدعوى أن الإيمان وحده قادر أن يبرر ولا حاجة للأعمال، أما الرسول بولس فهو كرسول للأمم واجه جماعة من الذين كانوا أصلاً يهودًا نادوا بضرورة تهوُّد الأمم واختتانهم جسديًا، متكلين على أعمال الطقس اليهودي في ذاتها[8] إنها تبرر الإنسان. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الذين كانوا أصلاً أممًا اتكلوا على أعمالهم قبل الإيمان لتبريرهم، لهذا لا نعجب إذ ركز يعقوب الرسول على الأعمال، وركز الرسول بولس على الإيمان، رافضًا الاتكال على أعمال الطقس اليهودي في ذاته وأعمال البرّ الذاتي.

3. يتفق الرسول بولس مع الرسول يعقوب في ضرورة الأعمال للتبرير, ولكن أيّة أعمال؟ الأعمال المؤسسة على استحقاقات دم المسيح وليست أعمال البرّ الذاتي, ويؤكد ذلك بقوله: "إن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئا" (1 كو 13: 2). إن الإيمان بدون المحبة ليس بشيء فلا يبرر، وما هي المحبة إلاّ كما عرَّفها الرسول في نفس الأصحاح أنها أعمال محبة عمليّة "تتأتى وترفق. لا تحسد الخ".

ولا غرابة إن رأينا الرسول بولس الذي ركَّز على الإيمان يؤكد أن المحبة أعظم من الإيمان (1 كو 13: 13).

4. لا يقف الرسول بولس عند ضرورة الأعمال، بل يؤكد أن الأعمال الشريرة تهلك الإنسان حتى ولو كان مؤمنًا[9].

5. لا يتجاهل الرسول يعقوب الإيمان (يع 1: 6، 5: 15)، بل كما سنرى يربط الأعمال بالإيمان، والإيمان بالأعمال بلا انفصال ولا تمييز.

قانونيتها.

هُوجمت هذه الرسالة في القرن السادس عشر بسب تركيزها على الأعمال, حتى وُصفت بأنها "رسالة قش". هذه النظرة تختلف تمامًا عن نظرة الكنيسة الأولى التي كانت تتطلع إليها كجزءٍ لا يتجزأ من الكتاب المقدس, تُفهم على ضوء الكتاب كله, بدونها يكون الجانب السلوكي المسيحي غير كامل[10].

فيما يلي بعض الشهادات عن قانونيتها:

أولا: الشهادة الخارجية.

في القرن الثاني الميلادي أشار العلامة أوريجينوس إليها كرسالة للقديس يعقوب، وقد عرفها كسفر قانوني[11].

وُجدت مقتطفات منها، أو تلميحات مقتطفة عنها في القديس إكليمنضس الروماني، والديداكيّة، ورسالة برناباس، وأغناطيوس، وبوليكربس، وهرماس الخ.

رأى البعض أن هذه الرسالة لم تنتشر بسرعة مثل رسائل القديس بولس، خاصة في الغرب، ذلك لأنها كُتبت للمسيحيّين من أصل يهودي الذين في الشرق، ولم تُوجه للكنائس التي من أصل أممي[12].

هذا ويلاحظ أن هذه الرسالة مع رسالتي بطرس والرسالة إلى العبرانيّين، لم تذكر في القانون الموراتوري Muratorian Canon، وذلك ربما يرجع إلى إصابة نص هذا القانون بالتلف.

ثانيًا: الشهادة الذاتية[13].

يقدم الكاتب نفسه بطريقه بسيطة: "يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح" (1: 1)، هذا الوصف البسيط يكشف أن الكاتب معروف، ولما كان اثنان مشهورين بهذا الاسم، هما يعقوب بن زبدي الذي استشهد سنة 44 م بواسطة هيرودس، والآخر يعقوب أخ الرب الذي كان له دوره الحيوي في الكنيسة الأولى، فواضح أن الرسالة هي من وضعه بوحي الروح القدس.

وتظهر أصالة الرسالة وأنها بالفعل من وضع القديس يعقوب من الآتي:

ا. لدى الكاتب خلفيّة يهوديّة، إذ لا يستطيع أحد أن ينكر أن فكر الكاتب قد انسحب من العهد القديم. بجانب الاقتباسات المباشرة (1: 11؛ 2: 8، 11، 23؛ 4: 6) توجد تلميحات بلا حصر من العهد القديم (1: 10، 2: 21، 23، 25؛ 3: 9؛ 4: 6؛ 5: 2، 11، 17، 18 الخ). وعندما أراد تقديم توضيحًا للصلاة والصبر استخدم شخصيّات من العهد القديم. كما ركَّز على الاهتمام بحفظ الناموس (2: 9 - 11).

واضح أن فكر الكاتب يحمل الطابع اليهودي، وأيضًا تعبيراته، مثل استخدامه تعبير "رب الجنود أو الصباؤوت" (5: 4)، "مجمعكم" (2: 2)؛ "إبراهيم أبونا" (2: 21)...

ب. وجود تشابه بين ما جاء في الرسالة، وخطاب القديس يعقوب في سفر الأعمال (ص 15)، كاستخدامه كلمة "إخوتي" (2: 5) (أع 15: 13)، و "خائيرين (السلام)" (1: 1) (أع 15: 23)، وأيضًا "الاسم الحسن الذي دُعي به عليكم" (2: 7) (راجع أع 15: 17)... مع وجود مفردات كثيرة مشتركة.

ج. يرى بعض الدارسين أن التشابه القوي بين ما جاء في هذه الرسالة وأقوال السيد المسيح، مثل الموعظة على الجبل، يؤكد أن الكاتب سجل لنا من وحي ما سمعه بنفسه عن السيد المسيح. فيما يلي أمثلة لهذا التشابه:

1: 2 الفرح وسط الضيقات (مت 5: 10 - 12)؛

1: 4 الحث على الكمال (مت 5: 48)؛

1: 5 طلب العطايا الصالحة (مت 7: 7 الخ)؛

1: 20 الغضب (5: 22)؛

1: 22 عن سامعي الكلمة والعاملين بها (مت 7: 24 الخ)؛

2: 10 حفظ الناموس كله (مت 5: 19)؛

2: 13 بركات الرحمة (مت 5: 7)؛

3: 18 بركات صنع السلام (مت 5: 9)؛

4: 4 محبة العالم عداوة لله (مت 6: 24)؛

4: 10 بركة التواضع (مت 5: 5)؛

4: 11 - 12 الإدانة (مت 7: 1 - 5)؛

5: 2 السوس والصدأ يفسدان الغنى (مت 6: 19)؛

5: 10 الأنبياء كأمثلة لنا (مت 5: 12)؛

5: 12 القسم (مت 5: 33 - 37).

بجانب هذا توجد أيضًا مقارنات بين ما ورد في الرسالة وتعاليم السيد المسيح في مواضع أخرى، مثل:

1: 6 ممارسة الإيمان دون شك (مت 21: 21)؛

2: 8 عظمة وصيّة محبة القريب (مت 22: 39)؛

3: 1 شهوة التعليم (مت 23: 8 - 12)؛

3: 2 خطورة التسرع في الكلام (مت 12: 36 - 37)؛

5: 9 اقتراب مجيء الديان (مت 24: 33).

د. اتفاقه مع شخصيّة يعقوب الواردة في العهد الجديد. في أول تعرُّف عليه نجده غير مؤمن بالسيد المسيح (مر 3: 21، يو 7: 5)، لكنه لم يكن بالشخص الغريب، إنما مع محبته وتقديره لشخص السيد ربما لم يتفق معه في طريقة حياته، ولم يكن قادرًا على إدراك رسالته[14]. قيامة السيد هي التي غيَّرت مفاهيمه، فلا نراه فقط بين تلاميذ السيد (أع 1: 14)، وإنما يُذكر باسمه عند الحديث عن ظهورات القيامة (1 كو 15: 7). ذكره الرسول بولس، ربما لأنه أخبره عنها (غل 1: 19)، وقد حسبه الرسول أحد أعمدة كنيسة أورشليم الثلاثة. وفي الأعمال (ص 15) نجده يرأس مجمع أورشليم الكنسي. هذا كله يتفق مع شخصيّة يعقوب كاتب الرسالة، كشخص معروف يهودي الأصل يهتم بحفظ الناموس، خاصة وإنه يكتب في أورشليم لشعب مسيحي من أصل يهودي.

ه. ظروف الجماعة التي يكتب إليها تشهد بأن الكاتب هو القديس يعقوب كتبها قبل خراب أورشليم، إذ نجده يتحدث عن الأغنياء الذين يضغطون على الفقراء (5: 1 - 6)، هذا يناسب ما قبل الخراب وليس بعده. أيضًا ذِكره للحروب والمنازعات فيما بينهم يناسب حال أورشليم قبل خرابها، هذا وعدم تلميحه عن سادة وعبيد، وعدم ذكره شيئًا عن العبادة الوثنيّة، هذا كله يناسب إنسانًا مسيحيًا من أصل يهودي يعيش مقدسًا للرب في فترة ما قبل خراب أورشليم[15].

اعتراضات على الكاتب والرد عليها.

1. يعترض بعض النقاد الحديثين على أن يعقوب هو كاتب الرسالة بالقول بأن لغة الرسالة اليونانيّة توحي بأن الكاتب لا يمكن أن يكون إنسانًا جليليًا بسيطًا، بسبب غنى اللغة وسموها. يرد على ذلك، أنه بجانب العمل الإلهي "وحي الروح القدس" الذي يتجاهله الدارسون المحدثون، فإنه لا يوجد دليل ينفي أن يعقوب قد تهذب بالثقافة اليونانيّة، خاصة وأن هذه المنطقة كانت مليئة بمدن يونانيّة. وقد عُرف يهود البحر الأبيض المتوسط بتدربهم على الثقافة اليونانيّة (الهيلينيّة) على أعلى مستوى، بدليل قيامهم بالترجمة السبعينيّة للعهد القديم.

2. الاعتراض الثاني: لو أن الكاتب هو يعقوب، لأشار أنه أخ الرب ليعطي للرسالة أهمية أكثر تقديرًا. يرد على ذلك بأن هذا الاعتراض غير مقبول، أولاً لأن القديس في إدراكه لشخص السيد المسيح حسب نفسه "عبدًا"، "وخادمًا" (1: 1). هذا وأن علاقتنا بالسيد المسيح لا تقوم علي معرفة جسديّة بحتة (2 كو 5: 16) وقرابات دمويّة.

3. يتشكك البعض في الكاتب قائلين، بأنه لو كان الكاتب يعقوب أخ الرب لسجل الأحداث الكبرى في حياة السيد المسيح مثل موته وقيامته، خاصة وأنه إذ التقى مع الرسول بولس تحدث في ذلك الأمر. ويرد على ذلك بأن يعقوب نفسه في خطابه الوارد في الأعمال (ص 15) أيضًا لم يذكر هذه الأمور، أولاً لأنه يقصد هدفًا معينًا بذاته وليس عرضًا لأحداث السيد أو لأفكار لاهوتيَّة، ثانيًا لأن هذه الأحداث كانت معروفة تمامًا في الكنيسة ولم تكن تتطلَّب منه تسجيلها، خاصةً وأنه يكتب لهدف سلوكي (مسيحي) محدد.

4. لو أن الكاتب هو القديس يعقوب أخ الرب، لكان قد كتب عن الناموس بطريقة أخرى كما ظن بعض الدارسين، مثل التعرض لمشكلة الختان والطقوس اليهوديّة أكثر من الجانب السلوكي. يرد على ذلك بأن القديس يعقوب كتب الرسالة غالبًا قبل انعقاد مجمع أورشليم المذكور في الأعمال (ص 15)، وبكونه المسئول عن كنيسة أورشليم التي تمثل الكنيسة التي من أصل يهودي لم يُرِدْ أن يدخل في هذا النزاع. خاصةً ويبدو أنه كان يميل إلى ملاطفة اليهود في البداية لا عن اقتناع بأهمية الختان وغيره، وإنما ليكسبهم ولا يعثر الآلاف منهم. فقد كان له دوره في أن يتطهر بولس ويدخل الهيكل حسب الطقس اليهودي حتى لا يعثرهم (أع 21: 17 - 26). ونلاحظ ذات الأمر عندما جاء "قوم من يعقوب" إلى القديس بطرس، فأفرز القديس نفسه من الأمم خوفًا من الذين هم من الختان (غل 2: 11 - 12) الأمر الذي أثار القديس بولس ليقاومه مواجهة.

أقسام الرسالة.

1. الإيمان والتجارب الأصحاح الأول.

2. الإيمان والأعمال الأصحاح الثاني.

3. الإيمان واللسان الأصحاح الثالث.

4. الإيمان والشهوات الأرضية الأصحاح الرابع.

5. الإيمان والانشغال بالغنى الأصحاح الخامس (1 - 11).

6. الإيمان في كل الظروف الأصحاح الخامس (12 - 20).

الأصحاح الأول

الإيمان والتجارب.

يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن الإيمان والتجارب:

1 المقدمة (تحية). ١.

2. التجارب الخارجية. 2 - 4.

كيف نحتمل التجربة؟

أولاً: باقتناء الحكمة السماوية ٥–٧.

ثانيًا: باقتناء التواضع ٨.

ثالثًا: إدراك زوال العالم ٨ – ١٢.

3. التجارب الداخلية ١٣ – ١٥.

4. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح ١٦ – ١٧.

5. موقفنا كأولاد لله:

أولاً: الإسراع في الاستماع ١٨.

ثانيًا: الإبطاء في التكلم ١٩.

ثالثًا: الإبطاء في الغضب ١٩ – ٢٠.

رابعًا: نزع بذور الشر وغرس الكلمة ٢١ – ٢٥.

خامسًا: تلجيم اللسان ٢٦.

سادسًا: الرحمة بالآخرين ٢٦.

سابعًا: حفظ الإنسان من دنس العالم ٢٧.

1. المقدمة (التحية)

"يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح،.

يهدي السلام إلى الإثنى عشر سبطا الذين في الشتات "] ١ [.

لم يذكر الرسول نَسَبُه حسب الجسد للرب يسوع بل يدعو نفسه "عبدًا". والعبد كما نعرف لم يكن له حق أو سلطان حتى على جسده أو إرادته أو زوجته أو أولاده... بل للسيد أن يتصرف كيفما يشاء. هكذا يحب يعقوب الرب إلى درجة العبوديّة، يفرح جدًا أن يترك للمحبوب أن يفعل به ما يريد. هذه عبوديّة، لكنها لا عن قسر وإكراه بل في حب ورضا.

هذه أحاسيس الذين عشقوا الثالوث القدوس، فإذ يرون الآب يفتح لهم أحضانه كبنين، والابن يقبلهم كعروس، والروح القدس هيكلاً له، يرتمون في حضن الثالوث القدوس في تسليم كامل كعبيد، فيقول كل واحد منهم مع الرسول أنه "عبد الله والرب يسوع المسيح".

هذا القول يكشف عن عظمة حب الرسول واعتزازه بالتعبد لله في تواضع حقيقي[16].

2. التجارب الخارجية

"احسبوه كل فرح يا إخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة"] ٢ [.

لم يقل الرسول "يا أولادي" مثل يوحنا الحبيب بل "يا إخوتي". والسبب في هذا أنه يتحدث عن التجارب والآلام، فيريد أن يبث فيهم روح الشجاعة كإخوة، وأنهم ليسوا أطفالاً وأبناء.

وقوله "يا إخوتي" يُذكِّرهم برباطهم معًا في أخوة روحيّة خلال الميلاد الجديد كأبناء لله، مما يجعلهم يتقبلون الآلام بغير تذمر، وفي تسليم وفي فرح، بل في "كل فرح".

وربما قصد بكلمة "كل" هنا أنها النهاية القصوى للفرح، أو عدم تقبُّل شيء غير الفرح، أو كل صنوف الفرح، إذ تحل بهم صنوف متنوعة من التجارب. وكأنه يقول لهم: حينما تحل بكم لا تجربة ولا إاثنتين بل تجارب متنوعة، يليق بكم لا أن تفرحوا بل تفرحوا كل الفرح.

وكلمة "تقعون" في اليونانيّة لا تعني السقوط أو الدخول في تجارب، إنما تعني حلول التجارب واحاطتها بالإنسان من الخارج، كما تحمل معنى المفاجأة في الحلول وعدم توقعها. بهذا فإن الرسول لا يتكلم عن التجارب التي تنبع من داخل النفس، بل التي تحل بنا من الخارج.

فخلال هذا النسب الجديد نتقبل هذه التجارب المتنوعة بكل فرح[17] قائلين: "كحزانى ونحن دائمًا فرحون" (٢ كو 6: 10). لأن هذه الآلام ليست بسبب الخطيّة، بل هي سمة الرب المتألم "مكملين نقائص شدائد المسيح في أجسادنا" (كو 1: ٢٤).

وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [ "لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (٢ كو 1: 5)... إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أن نكون شركاء المسيح، من أجله نتألم! بالإيمان ندرك الميلاد الجديد والقيامة. فالذين يؤمنون بيسوع المُقام حقًا، يلزمهم أن يقدموا أنفسهم للآلام. والذين لهم شركة في آلامه، يقومون معه أيضًا. "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات" (في ٣: 10) [18].].

ويكتب البابا أثناسيوس الرسولي إلى شعبه الذي تحل به التجارب على أيدي الأريوسيين قائلاً: [لنفرح عالمين أن خلاصنا يحدث في وقت الألم. لأن مخلصنا لم يخلصنا بغير ألم، بل تألم من أجلنا مبطلاً الموت، لهذا أخبرنا قائلاً: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو ١٦: ٣٣). وهو لم يقل هذا لكل إنسان بل للذين يخدمونه خدمة صالحة بجهادٍ وإيمانٍ، أي أن الذين يعيشون بالتقوى من جهته يُضطهدون[19].].

"عالمين أن امتحان إيمانكم ينشىء صبرًا"] ٣ [.

سر الفرح أن التجارب مهما اشتدت هي بالنسبة للمؤمن الحقيقي امتحان. هذا الامتحان يُعين الإنسان أن يكون له صبر، إذ يتشبه بالرب يسوع.

ويلاحظ أن الصبر هنا لا يحمل المعنى السلبي الذي فيه يستسلم الإنسان بخنوعٍ أو يخضع للألم بشجاعة بشريّة وكبت على حساب أعصابه، فإن هذا حتمًا يدفع إلى الانفجار. وإنما الصبر هنا يعني الجانب الإيجابي، وهو الصبر المملوء حبًا، حيث يرمي الإنسان بآلامه على الرب المتألم بفرح في حب ورضا، بل يسعى هو بنفسه للألم لأن خلاله يتمثَّل بالرب المتألم.

"وأما الصبر فله عمل تام".

التجربة في ذاتها مرّة، لكن الصبر الذي تنشئه له غاية كاملة وهي: "لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء"] ٤ [.

1. نكون تامين أي ناضجين روحيًا، فكما أنه لا يكفي لزراعة شجرة أن نلقي البذرة ونرويها ونعتني بها، لكن مع اهتمامنا بها يلزم أن نصونها من الرياح في بدايتها، ثم نعرضها لها قليلاً قليلاً حتى تنضج، هكذا لا يكفي أننا نؤمن بالمصلوب، وإنما يلزمنا بعد ولادتنا بالمعموديّة أن نشترك مع الرب في آلامه حتى ينمو فينا الإنسان الجديد، وينضج يومًا فيومًا في رجولة روحيّة.

ويُشبِّهنا القديس يوحنا ذهبي الفم بالطفل الذي يتعلم المشي. فإن المُربية تمد يديها وتمسك بيديه، وتسير به قليلاً قليلاً، وفي خلال سيره تترك يديه إلى حين. قد يبكي، وقد يسقط، لكن قلبها وعينيها وكل أحاسيسها معه! هكذا يمسك الله بيدينا ويترفق بنا، لكن لابد أن يسحب يده قليلاً دون أن يتخلى عنا. يسمح لنا بالتجارب لكي نتدرب في طريق النضوج الروحي.

لذلك كتب العلامة ترتليان إلى المتألمين المسجونين بسبب الإيمان يقول لهم:] أيها الطوباويون، احسبوا كل ما يصيبكم تداريب للتقوية، حتى تنالوا إكليلاً أبديًا ملائكيًا، فتصيروا سكانًا للسماء، ممجدين إلى الأبد... إن سيدكم يسوع المسيح الذي مسحكم بروحه وقادكم إلى حلبة المصارعة (للتدريب) يرى أن هذا مفيد لكم... فيُلزمكم بتداريب قاسية لتنمو روحيًا... فالفضيلة تُبنَي فينا بالجهاد وتزول وتتحطم بالانزلاق في الشهوات[20].].

2. كاملين وغير ناقصين في شيء... أي ليس فقط تامين، ولكن هذا النضوج يشمل كل جوانب الحياة الروحيّة.

حقًا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع ٣: ٢)، لكننا كأولاد لله قدر ما نخضع لمدربنا الرب يسوع، مجاهدين نسمع كلمات الرسول: "بعدما تألمتم يسيرًا هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويُمَكِّنكم" (١ بط ٥: ١٠).

كيف نحتمل التجربة؟

أولاً: باقتناء الحكمة السماوية

"إن كان أحد تعوزه حكمة.

فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير،.

فسيُعطَى له "] ٥ [.

بالحكمة السماوية يقف الإنسان على إرادة الله ويدرك مواعيده للصابرين إلى المنتهى، فيفرح بالتجارب كمن وجد غنيمة. لهذا لا نكف عن طلبها قائلين: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك. فإني أنا عبدك وابن أمتك، إنسان ضعيف، قليل البقاء وناقص الفهم" (حك ٩: ٥ - ٦).

وإنه "يعطي الجميع" أي يهب كل من يطلب، لأنه لا يحابي أحدًا، وهو يعطي بسخاء، أي بفيض، مجانًا بلا قيد ولا شرط. يقدّم ولا يعيّر، لأنه أب، والأب يفرح بعطائه لابنه كل شيء. لكن لماذا لا ننال أحيانًا؟

ليس السبب في الله، بل فينا نحن الذين توقّف فيض عطاياه علينا بسبب عدم إيماننا، لذلك يقول الرسول: "ولكن ليطلب بإيمان". وكما يقول الأب إسحق: [هكذا تستجاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: "كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مر ١١: ٢٤) [21].].

ليطلب الحكمة "غير مرتاب البتة"، أي من غير أن ينقسم قلبه بين التجائه إلى الله واهب الحكمة واعتماده على حكمته الذاتيّة، أو بين محبة الله ومحبة الأمور الزمنيّة.

"لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه"] ٦ [فيكون كالموجة التي تدفعها الريح على الصخر فتصير رذاذًا.

"فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب.

رجل ذو رأيين متقلقل في جميع طرقه "[7 - ٨ [.

وكما يقول القديس يوحنا كاسيان: [قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ الذي يصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب[22]!].

ثانيًا: باقتناء التواضع

تنزع الحكمة السماوية عن الإنسان ذاتيته، فيختبر التواضع الحقيقي. إذ ينحني منسحقًا يلتصق بصليب الرب، فيرتفع مبتهجًا غالبًا بقوة القيامة. لذلك يقول الرسول: "وليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه"] ٩ [.

"وأما الغني فباتضاعه".

يوجه حديثه هنا للغني، دون أن يقول "الأخ" حتى لا يظنوا أنه يداهنهم بسبب غناهم. إنه يجدر به ألاَّ يفتخر بغناه بل بتواضعه. بهذا يقدر أن يحتمل التجربة!

ثالثًا: إدراك زوال العالم

إذ يدرك المؤمن حقيقة غربته على الأرض يرتفع نظره إلى حياة أفضل، محتملاً كل ألمٍ وتجربةٍ بغير تذمر، إذ كل ما في هذا العالم يزول.

"لأنه كزهر العشب يزول.

لأن الشمس أشرقت بالحر،.

فيبَّسَتْ العشب،.

فسقط زهره، وفني جمال منظره.

هكذا يذبل الغني في طرقه "[10 - ١١ [.

تأثر الرسول بالمنظر الساحر الذي في تلك البقاع حيث تغطي أزهار شقائق النعمان منحدرات التلال في الصباح، لكن ما أن تظهر الشمس وتهب الرياح الحارة حتى تجف وتُجمع للوقود. وقد استخدم إشعياء نفس التشبيه (٤٠: ٦٧)، وكذلك أيوب (١٤: ٢).

إن الشمس التي تهب حياة للزرع تُفني جمال زهر العشب، هكذا شمس التجارب التي تُزيد المؤمن بريقًا، تُهلك المتكلين على غناهم فيذبلون في طرقهم.

إذًا ليرفع الأغنياء أنظارهم إلى السماويات، بدلاً من أن ينشغلوا بجمال زهر عشب الغِنَى الذي سرعان ما يذبل، وبهذا تتحول تجاربهم إلى موضوع كل فرح.

"طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة،.

لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة.

الذي وعد به الرب للذين يحبونه "] ١٢ [.

وإذ يرتفع نظرنا إلى السماويات، تاركين الغِنَى الزمني، نشتهي الدخول في مدرسة التجارب العمليّة. وإذ نتخرج فيها نعلن حبنا لله فننال "إكليل الحياة" الذي هو نصيب المحبين. إنها تُخرِّج رجالاً في الروحانيّة، لذا يقول الرسول "طوبى للرجل..." لذلك تاق الآباء إليها:

فيقول الأب تادرس: [يا لنفع التجارب والآلام التي يحسبها البعض شريرة، فلا يحاول القديسون تجنُّبها بل بالحق يطلبونها بكل قوتهم، محتملين إياها بشجاعة، وبهذا يصيرون أحباء لله، ويحصلون على إكليل الحياة الأبديّة... ويتغني الرسول الطوباوي قائلاً: "أُسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (٢ كو ١٢: ١٠) [23].].

ويقول القديس أغسطينوس [إن كنتَ ذهبًا، فلماذا تخاف النار، فإنه في الكور يحترق الزغل وتخرج أنت نقيًا؟ وإن كنت حنطة، فلماذا تهاب الدراس، مع أنك لا تظهر على ما أنت عليه إلاَّ به حيث يُنتزع عنك "التبن" ويظهر أصلك وشرفك؟].

٣. التجارب الداخلية

"لا يقل أحد إذا جُرِّب إني أُجَرَّب من قِبَل الله،.

لأن الله غير مُجرِّب بالشرور،.

وهو لا يُجرِّب أحدًا "] 13 [.

بحثت الفلسفات كثيرًا عن مصدر الشر، فنادى البعض بوجود إلهَيْن، أحدهما علة الخير والآخر علة الشر[24]... وآخرون نادوا أن الله علة الخير والشر.

والشر هنا لا يعني ما قد يحل بنا من تجارب أو كوارث أو ضيقات، بل الخطيّة والظلمة. الأمر الذي لا يتفق مع طبيعة الله كلّي الصلاح الذي فيه كمال مطلق. وهنا يقطع الرسول بأن الله غير مُجرِّب بالشرور وبالتالي لا يُجَرِّب أحدًا.

حقًا قيل عن الله إنه يجلب شرًا[25]، وهذا كقول القديس أغسطينوس من قبيل حب الله أن يحدثنا بلغتنا قدر فهمنا، فهو يجلب التأديب الذي نسميه شرًا لخيرنا. أما الشر أي الخطيّة، فلا يحرضنا الله عليها، بل ولم يخلق فينا عواطف أو دوافع أو طبيعة شريرة، بل كل ما خلقه فينا هو حسن جدًا. ونحن بإرادتنا في شخص آدم انحرفنا عما هو حسن لنشبعه بما هو ليس حسن. فالحواس والعواطف والدوافع كلها بلا استثناء يمكن أن تًوجه كطاقات للخير متى سلمت في يد الله، وكطاقات للشر متى نُزِعَت عنا نعمته[26]...

إذن الله لا يجربنا بالشرور، إنما يسمح لنا بالتجارب الخارجيّة لامتحاننا.

يقول البابا ديونيسيوس الإسكندري:

[ربما تقول: ما هو الفرق بين كون الإنسان يُجَرَّب، وبين سقوطه في تجربة أو دخوله فيها؟ حسنًا متى انهزم إنسان بالشر، ساقطًا بسبب عدم جهاده دون أن يصونه الله بدرعه، نقول أنه دخل في تجربة وسقط فيها وصار أسيرًا تحتها. أما من يثبت ويحتمل فهذا الإنسان يكون مجرَّبًا وليس داخلاً في تجربة أو ساقطًا فيها.

هكذا اقتاد الروح السيد المسيح لا ليدخله في تجربة بل ليجربه الشيطان (مت ٤: ١).

إبراهيم أيضًا لم يُدخله الله في تجربة بل جربه...

والرب جرب (امتحن) تلاميذه...

هكذا عندما يجربنا الشرير يجذبنا إلى الشر لأنه "مُجرِّب بالشرور". أما الله فعندما يجربنا (يمتحنا) يسمح لنا بالتجارب بكونه غير مُجَرِّب بالشرور.

الشيطان يجذبنا بالقوة بقصد إهلاكنا، والله يقودنا بيده ويدربنا لأجل خلاصنا[27]. [.

إذن الشر ليس مصدره الله. فلماذا نسقط في الشر؟

"لكن كل واحد يُجَرِّب إذا انجذب وانخدع من شهوته.

ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطيّة،.

والخطيّة إذا كملت تنتج موتًا "] 14 - 15 [.

ا. الانجذاب والانخداع: يقوم عدو الخير بإثارتنا بمثيرات داخلية وخارجيّة كثيرة بلا حصر، من لذات جسديّة وملذات العالم وكراماته وأحزانه. هذه المثيرات مهما اشتدت ليست لها قوة الإلزام بل الخداع لكي ما يخرج الإنسان من حصانة الله، ويفلت من بين يديه، منجذبًا ومنخدعًا وجاريًا وراء الخطيّة.

يؤكد ربنا يسوع المسيح قائلاً: "خرافي تسمع صوتي... ولا يخطفها أحد من يدي" (يو 10: 27 - 28)، أي لا توجد قوة مهما بلغت يمكن أن تخطف نفس المؤمن الذي يسمع لصوت الرب ويتبعه، أما إن امتنع المؤمن عن الاستماع لصوت الرب وقَبِلَ باختياره الإنصات إلى صوتٍ آخر، للحال ينخدع وينجذب من دائرة الرب إلى دائرة الخطيّة.

من يُقبِل إلى الرب لا يخرجه خارجًا (يو 6: ٣٧)، إذ هو الباب إن دخل به أحد يخلص ويجد مرعى (يو ١٠: ٩)، ولكن إن شاء الخروج عن الرب، فلا يلزمه الرب بالبقاء، عندئذ ينطلق من عناية الله تجاه خداعات العدو.

ب. الحبل: يُشبِّه الرسول الشهوات بامرأة زانية تجذب إليها الإنسان وتخدعه. وإذ يقبلها ويتجاوب معها يتحد بها فتحبل. "ثم الشهوة إذا حبلت..." أي تكون كالجنين الذي ينمو يومًا فيومًا، الذي هو الخطيّة.

ج. الولادة: وإذ يكتمل نمو الجنين تلد ابنًا هو "الموت"، لأن الخطيّة تحمل في طياتها جرثومة الموت.

تحدَّث كثير من الآباء عن هذه المراحل الثلاث. فيطالبوننا أن نصارع الخطيّة في طورها الأول وهي تحاول أن تخدع حيث لا سلطان لها علينا، ويمكننا برشم علامة الصليب وبصرخة خفيفة داخليّة تجاه الرب أن نتخلص منها. أما إذا تركنا الخطيّة لتتعدى الطور الأول إلى الثاني حيث نقبلها ونرضيها. فإن إرضاءنا لها– مهما كان إغراؤها– هو بإرادتنا ونحن مسئولون عنه.

هذا ما يؤكده القديس مرقس الناسك[28] قائلاً يأنه لا يمكن أن تسيطر علينا خطيّة فجأة، لكن إما أننا سبق أن قبلناها بإرادتنا، أو قبلنا خطيّة مشابهة لها أو باعثة لها. فمثلاً لا تسيطر أفكار شهوة على إنسان عفوًا، اللهم إلاَّ إذا كان قد سبق أن ترك لأفكاره العنان بإرادته يتلذذ بها، أو سقط بإرادته في الكبرياء والعجرفة وحب الظهور الذي يُوَلِّد السقوط، أو سقط في الغضب بإرادته حيث تنزع عنه نعمة الله، أو أتخم معدته وتلذذ بالنَّهم.

إذن يليق بنا أن ندرك مراحل الخطيّة الثلاث (الانجذاب لها، التلذذ بها، تنفيذها) حتى نحاربها بالرب يسوع منذ بدايتها. وهذا أكثر أمانًا لنا. وقد تحدث القديس أغسطينوسعن هذه المراحل الثلاث فقال:

[الخطية تكمل على ثلاث مراحل:

ا. إثارتها (الانجذاب لها والانخداع بها[29]).

ب. التلذذ بها (الحبل بها).

ج. إرضاؤها (الولادة).

تحدت الإثارة عن طريق الذاكرة أو الحواس كالنظر أو السمع أو الشم أو التذوق أو اللمس. فإن نتج عن هذا لذة لزم ضبطها. فلو كنا صائمين، فبرؤيتنا الطعام تثور شهوة التذوق، هذه الشهوة تنتج لذة. فعلينا ألاَّ نرضيها بل نضبطها إن كان لعقلنا – الذي يمنعنا من إرضائها – السيادة. أما إذا أرضيناها فستكون الخطيّة قد كملت في القلب فيعلم بها الله ولو لم يعلم بها البشر.

إذن هذه هي خطوات الخطيّة: تتسلل الإثارة بواسطة الحواس الجسدانيّة كما تسللت الحيّة في إثارة حواء، لأنه حيث تسربت الأفكار والتصورات الخاطئة إلى نفوسنا تكون هذه نابعة من الخارج من الحواس الجسديّة. وإن أدركت الروح أي إحساس خفي عن غير طريق هذه الحواس الجسديّة، كان هذا الإحساس مؤقتًا وزائلاً، فتسلل هذه التصورات إلى الفكر في دهاء الحيّة...

وكما أن للخطيّة مراحل ثلاث أي الإثارة واللذة والإرضاء، هكذا تنقسم الخطيّة إلى ثلاثة أنواع:

ا. خطيّة القلب (لم تنفذ عمليًا).

ب. خطيّة بالعمل.

ج. خطيّة كعادة.

وهذه الأصناف الثلاثة تشبه ثلاثة أموات:

ا. الميت الأول كما لو كان في المنزل ولم يُحْمَل بعد، وذلك عند إرضاء الشهوة في القلب (وهو صبية صغيرة).

ب. الميت الثاني كما لو كان قد حُمِل خارج المنزل، وذلك عندما يبلغ الرضا حد التنفيذ (وهو شاب أكبر من الصبية).

ج. الميت الثالث كما لو كان في القبر قد أنتن، وذلك عندما تكون الخطيّة قد بلغت حد العادة (وهو رجل أكبر من الشاب).

ونرى في الإنجيل أن الرب أقام هذه الأنواع الثلاثة من الأموات مستخدمًا عبارات مختلفة عند إقامتهم. ففي الحالة الأولى قال: "طليثا قومي" (مر ٥: 41). وفي الثانية: "أيها الشاب لك أقول قم" (لو٧: ١٤). وأما في الثالثة فقد انزعج بالروح وبكى وبعد ذلك صرخ بصوت عظيم "لعازر هلم خارجًا" (يو ١١: ٣3 - 4٤). [30]].

٤. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح

"لا تضلوا يا إخوتي الأحباء.

كل عطيّة صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق.

نازلة من عند أبي الأنوار "] 16 - ١٧ [.

في كل مرة نصلي نقول: "فلنشكر صانع الخيرات..." لأننا لا نعرف مصدرًا للخيرات غير الله. وهنا يحذرنا الرسول ألاَّ نضل، فنظن أنه يمكن أن يصدر عن الله غير الخير والصلاح، أو نحسب أننا نقدر أن ننال صلاحًا بطريق آخر غير الله. نَسَبُ الشر إلى الله ضلال، لأن الله "أب الأنوار". وطلب الصلاح من غير الله ضلال، لأنه هو "أب" لا يقبل أن يلتجىء أولاده إلى أب غيره!

إذن كل عطيّة صالحة أي لخيرنا، وكل موهبة تامة مُقدَّمة كهبة مجانيّة ليس فيها عيب أو نقصان هي من فوق نازلة، أي يوجد فيض مستمر من السماء تجاه البشر، من الأب نحو أولاده.

يقول الأب شيريمون: [يبدأ الله معنا ما هو صالح، ويستمر معنا فيه، ويكمله معنا. وذلك كقول الرسول "والذي يُقدِّم بذارًا للزارع وخبزًا للأكل سيقدم ويُكَثِّر بذاركم ويُنْمِي غلات برّكم" (٢ كو ٩: ١٠). هذا كله من أجلنا نحن، لكي بتواضع نتبع يومًا فيومًا نعمة الله التي تجذبنا. أما إذا قاوْمنا نعمته برقبة غليظة وآذان غير مختونة (أع ٧: ٥١)، فإننا نستحق كلمات النبي إرميا القائل "هل يسقطون ولا يقومون؟ أو يرتد أحد ولا يرجع؟ فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتدادًا دائمًا، تمسكوا بالمكر، أبوا أن يرجعوا؟" (إر ٨: 4 - 5). [31]].

ويؤكد الرسول أنها من عند "أبي الأنوار. الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران".

وكما يُدْعَى إبليس أب الأشرار (يو ٨: ٤٤)، يُدْعَى الله "أب الأنوار" أي القديسين النوارنيين أو الملائكة. إنه النور الحقيقي وواهب النور. إنه ليس كالشمس المنظورة التي تعكس نورها على الكواكب الأخرى، لكنها تتغير ويأتي اليوم الذي فيه تزول، إنما هو شمس البرّ الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران!

أب ينير أولاده، وأبوته المنيرة ثابتة لا تتناقص، يجذب أولاده ليستنيروا منه. كيف يتم ذلك؟ خلال أشعة محبته المعلنة في عطاياه الزمنيّة والروحيّة يجذب أنظارنا وينير عقولنا، فنراه ونعشقه، وعندئذ لا ننشغل حتى بعطاياه الصالحة ومواهبه التامة، إنما نقول له مع القديس أغسطينوس: [قبل هذه الأعمال الجسديّة أعمالك الروحيّة التي هي سماوية ومتلألئة هكذا... لكنني جُعْتُ إليك، وعشطتُ لك... لك أنت بذاتك أيها الحق "الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران[32]".].

عطيّة واحدة خلال كل عطاياه التي بلا حصر ومواهبه التامة يلزم ألاَّ تفارق ذهننا أبدًا، وهي عطيّة الميلاد الجديد الذي نلناه بالمعموديّة، فصرنا له أولادًا وهو أب لنا، إذ:

"شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه"] ١٨ [.

يا لها أشرف عطيّة أننا بالرب يسوع "كلمة الحق" الذي مات عنا بالجسد وقام وهبنا بروحه القدوس أن نولد لله والكنيسة ولادة جديدة روحيّة بالمعموديّة.

بهذه الولادة يجدر بنا أن نرتبط بالرب يسوع "البكر"، فنصير نحن أيضًا "باكورة من خلائقه".

وكما كان الله يُلزِم عابديه أن يقدموا له البكور وأوائل الثمار مخصصة له، معتبرًا أنهم بذلك قدموا كل الثمار له. هكذا يقبلنا الله كباكورة من خلائقه، محفوظين ومخصصين لله (عب ١٢: 2٣)، وبهذا نرتبط بكنيسة الأبكار مكتوبين في السماوات.

هكذا انتقل بنا يعقوب الرسول الحديث عن التجارب الخارجيّة كمصدر فرح وتطويب للصابرين إلى الجهاد ضد التجارب الداخليّة، أي التحفظ من الخطيّة، ثم عناية الله بنا وتقديم كل إمكانية لنا، معلنًا حبه فيما وهبنا إياه أن نكون أولادًا له. لكن ما موقفنا نحن كأولاد لله؟ هذا يحدثنا عنه الرسول بطريقة عمليّة.

٥. موقفنا كأولاد لله

أولاً: الإسراع في الاستماع

"إذًا يا إخوتي الأحباء.

ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع "] ١٩ [.

يترجم البعض عبارة "إذًا يا إخوتي الأحباء" "أنتم تعرفون هذا. ولكن يا إخوتي الأحباء..." كأن ما قد سبق أن تحدث به هو أمر يعرفه المؤمنون، كتبه الرسول من أجل التذكرة فقط، وإنما يطلب أن نََتَنَبَّه إلى واجبنا العملي والتزامنا كأولاد لله.

وأول واجب نلتزم به هو أننا إذ ولدنا بكلمة الحق بالمعموديّة يليق بنا ألاَّ نفارق "كلمة الحق" بل نسرع دومًا للجلوس عند أقدام ربنا يسوع "كلمة الحق" مع مريم أخت لعازر، مُنْصِتين إلى حديثه العذب المملوء حبًا.

هذا هو واجبنا، وهذا أيضًا هو حقنا، وهذا هو نصيبنا الذي لن يُنْزَع منا إلى الأبد، أن نجلس متواضعين عند أقدام الرب يناجينا ونناجيه. حقًا ما أصعب على الإنسان في وسط دوامة هذه الحياة، أن يهرب! يهرب من أجل نفسه التي هي أغلى ما عنده، لكي يخلع عنه كل اهتمام واضطراب مُنصِتًا بكل جوارحه لعريس نفسه، هذا الذي يبعث صوته في داخل النفس سرورًا وفرحًا وتبتهج عظام الإنسان في تواضع وانسحاق وليس في كبرياء وعجرفة[33].

ثانيًا: مبطئًا في التكلم

إذ يسرع الإنسان للإنصات إلى كلمة الحق يتشرب بروح أبيه الذي لا يشهد للحق بكثرة الكلام بل بالعمل. وبهذا نتفهم الوصيّة "فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت ٥: 16). حسن للإنسان أن يشهد للحق، لكن كثرة الكلام والتسرع فيه يكشفان عن نفسٍ خائرة ضعيفة تخفي ضعفها وراء المظهر، من أجل هذا يوصي الحكيم قائلاً "أرأيت إنسانًا عجولاً في كلامه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به" (أم ٢٩: ٢٠).

ويقول القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك: [كثيرًا ما تكلمت وندمت وأما عن الصمت فما ندمت قط[34].].

وكشف لنا مار إسحق[35] مفهوم الصمت أنه ليس مجرد امتناع عن الكلام بل هو حديث سري مع الرب يسوع، لذلك نصح الراغب في الصمت أن يقتني ثلاث خصال: خوف الله، صلاة دائمة، عدم انشغال القلب بأي أمر.

كما يقول أيضًا: [من يريد أن يلازم السكوت من غير أن يقطع علل الآلام فهو أعمى.].

إذن كما يقول الكتاب "للسكوت وقت وللتكلم وقت" (جا ٣: ٧). بوجد ثلاثة أنواع للسكوت وثلاثة أنواع للكلام:

1. الصمت المقدس، وهو أن يصمت الفم ليتكلم القلب مع الله.

2. الصمت الباطل، وهو أن يصمت الفم دون أن ينشغل القلب بالله.

3. الصمت الشرير، وهو أن يصمت الفم وينشغل الداخل بالشر.

1. الكلام المقدس: وهو الحديث الذي يقول عنه القديس باسيليوس الكبير: [يُظهر رائحة بخور تدبيرنا الداخلي المملوءة حكمة[36].] أي يتكلم الإنسان فيما هو لبنيان نفسه وبنيان الآخرين.

2. الكلام الباطل: وهو الحديث الذي ليس للبنيان وبلا معنى، وهذا نعطي عنه حسابًا (مت ١٢: ٣٦).

3. الكلام الشرير: الذي يهدم النفس ويهدم الآخرين.

من أجل هذا يقول الأب بيمين: [إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد[37].].

ثالثًا: "مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله"] ٢٠ [.

دُعِيَ الله بطويل الأناة وبطيء الغضب، لهذا يجدر بأولاده أن يتشبهوا بأبيهم، فلا يطلبوا الانتقام ولا ينفعلوا، بل في طول أناة يترفقوا بالجميع.

فغضب الإنسان لا يصنع برّ الله، وكما يقول القديس أغسطينوس أن الإنسان مهما ارتكب من خطيّة يستطيع في نفس اللحظة أن يقف نادمًا ويشعر بمحبة الله طويل الأناة، لكن في لحظات الغضب لا يقدر الإنسان أن يقف للصلاة، بهذا يحرم نفسه من برّ الله.

ويقول أيضًا: [لا تظنوا أن الغضب أمر يستهان به، إذ يقول النبي: "تعكرت (ذبلت) من الغضب عيناي" (مز ٦: ٧)، وبالتأكيد لا يقدر مُتَوَعِّك العينين أن يعاين الشمس، وإن حاول رؤيتها تؤذيه ولا تبهجه[38].].

ويوضح لنا يوحنا كاسيان[39] خطورة الغضب فيقول:

[يجب أن نستأصل سم الغضب المميت من أعماق نفوسنا. فطالما بقي الغضب في قلوبنا وأَعْمَى بظلمته المؤذية عين الروح (القلب) لا نستطيع الحصول على التمييز والحكم السليم، ولا نستطيع أن ننال النظرة الداخليّة الصادقة أو المشورة الكاملة، ولا أن نكون شركاء للحياة أو نحتفظ بالبرّ، أو حتى يكون لنا المقدرة على النور الروحي الحقيقي "تعكَّرت من الغضب عيناي" (مز ٦: ٧). ولا نستطيع أن نصير شركاء للحكمة، ولو وُجد حكم جماعي بأننا حكماء، لأن "الغضب يستقر في حضن الجهلاء" (جا 7: 9). ولا نستطيع أن ننال الحياة غير المائتة، لأن الغضب يُهْلِك حتى الحكم (راجع أم ١٥). ولا نقدر أن نحصل على القوة الضابطة للبرّ حتى لو ظن البشر فينا أننا كاملون وقديسون، لأن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله". كما لا نستطيع نوال الوقار والكرامة التي تُعطَى حتى في العالميات، ولو ظنوا بنا أننا نبلاء وذوو شرف، لأن "الرجل الغضوب يُحتقر". ولا يمكن أن تكون لنا مشورة صالحة... "لأن السريع الغضب لا يعمل بالحق" (أم ١٤: ١٧). ولا نستطيع التحرر من أي اضطرابات خطيرة أو نكون بلا خطيّة، ولو لم يسبب لنا أحد اضطرابًا... "لأن الرجل الغضوب يهيج الخصام، والسخوط كثير المعاصي" (أم ٢٩: ٢٢) [40].].

رابعًا: مقتلعًا بذار الشر، غارسًا بذار كلمة الله

"لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر،.

فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة،.

القادرة أن تخلص نفوسكم "] ٢١ [.

إذ يحدث الرسول يعقوب الذين وُلِدوا "بكلمة الحق" لهذا يوجه أنظارهم إلى "كلمة الحق" القادرة أن تأتي فيهم بثمر كثير.

ولكي تمتليء حياتهم بكلمة الحق ويتجاوبوا معها يَلْزم أن تتم في داخل قلوبهم عمليتان متلازمتان، بل هما عمليّة واحدة لها جانبان، وهي عمليّة طَرْح النجاسة وبَذْر كلمة الله. فبالولادة الثانية صرنا أبناء الله وبسِرّ الميرون حل الروح القدس فينا، وصار لنا بالروح القدس أن نُفْرِغ من قلبنا كل ما هو ليس حقًا (النجاسة) ليملك فينا ما هو حق (كلمة الله).

من أجل هذا توصي الكنيسة الإشبين[41]: [ازرعوا فيهم الخصال الجميلة. ازرعوا فيهم الطاعة والمحبة والطهارة. ازرعوا الرحمة والصدقة والعدل. ازرعوا فيهم التقوى والصبر والصلاح...].

إذن لنطرح عنا كل نجاسة، وربما قُصِدَ بها هنا الغضب السابق ذكره. ولا نقف عند طرح كل روح الغضب، بل لنقبل في وداعة كلمة الله المغروسة القادرة. هذه الكلمة هي البذار التي تأتي بثمر كثير.

نلاحظ أن الرسول يُحَدِّث أناسًا مؤمنين ومُعَمَّدين ومع ذلك يقول: "قادرة أن تخلص نفوسكم" ولم يقل "خلصت نفوسكم"، لأن الخلاص أمر مستمر يعيش فيه المؤمن كل أيام غربته، وليس أمرًا حدث وانتهى. وكأن الرسول ينصحنا أن نخضع بروح الوداعة، لا العجرفة، لكلمة الله، لأنه يلزمنا أن نثابر كل أيام غربتنا حتى لا نفقد الطريق.

هذا الخضوع يلزم أن يكون عمليًا وليس مجرد حفظ للكلمة أو استماع نظري لها، إذ يقول الرسول: "ولكن كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط خادعين نفوسكم"] ٢٢ [.

"لأنه ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون" (رو ٢: ١٣). وقد شبه الرب السامعين غير العاملين برجلٍ جاهلٍ يبني بيته على الرمل، فتهب الرياح وتسقط الأمطار فيسقط ويكون سقوطه عظيمًا (مت ٧: ٢٦ - ٢٧)، ويشبهه الرسول بالآتي:

"لأنه إن كان أحدكم سامعًا للكلمة وليس عاملاً،.

فذاك يشبه رجلاً ناظرًا وجه خلقته في مرآة.

فإنه نظر ذاته وللوقت نسي ما هو "] 23 - 24 [.

يشبهه بالرجل الذي ينظر في مرآة، ومن شيمة الرجال ألا يمعنوا النظر فيها، أما أبناء الله فيليق بهم أن يُمْعِنوا النظر في كلمة الله التي هي كالمرآة تكشف لهم ضعفهم ونقائصهم. وهي أيضًا تُذَكِّرهم بخلقتهم الروحيّة الجديدة أي بميلادهم السماوي، وهذا يبعث فيهم روح الجهاد، ويجعلهم يتجاوبون مع الإمكانيات الإلهيّة الموهوبة لهم. لأنه متى أدرك الإنسان مركزه كابن لله لا يكف عن الالتصاق بأبيه ومناجاته متشبثًا بحقوقه للحياة المقدسة.

"ولكن من اطلع على الناموس الكامل، ناموس الحريّة،.

وثبت، وصار ليس سامعًا ناسيًا،.

بل عاملاً بالكلمة،.

فهذا يكون مغبوطًا في عمله "] ٢٥ [.

إذ يُمْعِن النظر في الناموس ناموس الحريّة، أي الإنجيل، الذي حررنا بقوة الدم من سلطان الخطيّة، وَوَهَبْنا حريّة الأبناء، فإنه بهذا تصير كلمة الله بالنسبة له عمليّة، فلا يكون سامعًا ناسيًا بل ثابتة فيه. في أعماق نفسه الداخليّة.

هذا العمل يَهَب لنا عذوبة بالرغم من صعوبة الوصيّة، إذ نحمل نيرها لا بتذمر كعبيد أذلاء، ولا من أجل المنفعة كأجراء، بل نفرح بها كأبناء يتقبلون وصيّة أبيهم، لهذا يكون كل منا "مغبوطًا في عمله". بهذا يقول الإنسان لخالقه: "نيرك هيِّن وحِمْلَك خفيف" رغم ما يجاهد به وثابر فيه ويتحمله ويتخلى عنه من أجل الرب!

خامسًا: "ملجمًا لسانه"

"إن كان أحد فيكم يظن أنه دَيِّنْ وهو لا يلجم لسانه،.

بل يخدع قلبه،.

فديانة هذا باطلة "] ٢٦ [.

الديانة الحقيقيّة هي التي تنبع من الداخل، من القلب، إذ "مَجْد ابنة الملك من الداخل"، و "الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصالحات" (لو ٦: ٤٥). على هذا الأساس ظن البعض أنه لا حاجة لضبط اللسان بدعوى أن القلب طيب والعبادة بالروح... لكن الرب الديان يقول: "من فضلة القلب يتكلم اللسان" (مت ١٢: ٣٤).

ويقول الشيخ الروحاني: [من يحذر بلسانه لن يسلب كنزه منه إلى الأبد. فم الساكت يترجم أسرار الله. ومن يتكلم بسرعة يبعد عن خالقه[42].].

يقول الأب بيمين: [من يضبط فمه فإن أفكاره تموت، كالجرّة التي يوجد فيها حيَّات وعقارب، سِدْ فمها (فوهتها) فإنها تموت[43].].

[وسأل أخ شيخًا: [يا أبي إني أشتهي أن أحفظ قلبي. فقال له الشيخ: كيف يمكنك أن تحفظ قلبك وفمك الذي هو باب القلب مفتوح سايب؟ [44]].

إذن من لا يضبط لسانه يخدع قلبه، فبينما يظن أنه دَيِّن إذ بديانته باطلة.

سادسًا: يرحم إخوته

"الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم"] ٢٧ [.

لم يقل الرسول "الديانة الطاهرة... هي الإيمان" إنما كشف عن الجانب العملي ليس تجاهلاً أو استهتارًا بالإيمان، لكن تأكيدًا للأعمال المرتبطة بالإيمان. فإذ يقيم الآب نفسه أبًا للأيتام وقاضيًا للأرامل (مز ٦٨: ٥) لهذا فإن من كانت ديانته طاهرة يلزمه أن يتمثل بأبيه.

والجميل في الكنيسة الأولى أنها اهتمت بالأرامل، إذ أعطت للأرامل اللواتي ينذرن أنفسهن للخدمة مكانة خاصة تلي مكانة العذارى مباشرة، حتى أن القديس يوحنا الذهبي الفم عندما أرسل إلى أرملة شابة يعزيها في زوجها هنأها أنها صارت "أرملة[45]".

وقد اهتمت الكنيسة بتحويل طاقات هؤلاء الأرامل إلى العبادة أو الخدمة التي تتناسب معهن، الأمر الذي جعل كثيرًا من القديسين كتبوا بفيض عن "الترمل وشروطه وقوانينهن ونظامهن[46]".

سابعًا: "وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم"] ٢٧ [.

بدأ أولاً بالترفق بالمتألمين أي اليتامى والأرامل، لأنه بدون رحمة بالآخرين كيف نستعين برحمة الله لكي تحفظنا من دنس العالم وشهواته؟ إذن لنرحم فيما هو قليل ليرحمنا الله في الكثير.

وإذ يحفظ الإنسان نفسه بلا دنس، لا يعطي لإبليس أي حق للملكيّة في داخله، بهذا تبقى النفس مقدسة للرب وحده.



أضف تعليق

الأصحاح الثاني - تفسير رسالة يعقوب الرسول - القمص تادرس يعقوب ملطي