الفصل الأول : أهمية الصوم – روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث

مقدمة

موضوع الصوم لازم لكل إنسان. فكل الناس يصومون، من كل دين على وجه الأرض. مما يدل على أن فكرة الصوم كانت راسخة فى عقيدة البشرية قبل ان تتفرق إلى أمم وشعوب، بل إنها ترجع إلى أيام آدم وحواء...

ونحن لا نريد هنا أن نطرق موضوع الصوم من الناحية العقيدية، وإنما من الناحية الروحية.

نريد أن نتحدث عن الفهم الروحى للصوم، والسلوك الروحى أثناء الصوم، لأن كل ما يهمنا هو نموك الروحى فى محبة الله.

ما أكثر المحاضرات التى ألقيناها فى الصوم وعن الصوم، أنتقينا لك منها 15 محاضرة لتكون مادة هذا الكتاب وهى:

🟔محاضرتان عن الصوم فى8 / 8 / 1969، وفى15 / 8 / 1969، ومحاضرة فى الجيزة يوم السبت 8 / 3 / 1970، ومحاضرة فى فبراير1971.

🟔 محاضرتان عن الصوم فى 22 / 2 / 1974، 29 / 11 / 1974.

🟔محاضرتان بعنوان (قدسوا صوماً) فى 18 / 2 / 1977، 30 / 11 / 1979.

🟔محاضرة بعنوان (فترة إلتصاق بالله) فى 4 / 3 / 1977.

🟔 محاضرتان عن الصوم الكبير فى فبراير 1978.

🟔 محاضرة عن الصوم الكبير فى 8 / 2 / 1980.

🟔 ومحاضرة موضوعها (نحن نفرح بالصوم) فى 30 / 5 / 1980.

🟔 ومحاضرة عن (روحانية الصوم) فى 3 / 7 / 1981.

🟔 ومحاضرة ألقيت فى الدير فى 20 / 2 / 1982.

وقد أخرجناها جميعها فى كتاب واحد، نقدمه إليك.

البابا شنودة الثالث.

الفصل الأول: أهمية الصوم

على جبل التجلى

على جبل التجلى، وقف ثلاثة يضيئون بنور مجيد.

وكانوا ثلاثتهم ممن أتقنوا الصوم...

إذ صام كل منهم أربعين يوماً وأربعين ليلة.

إنهم: السيد المسيح له المجد (متى 4: 2)،.

وموسى (خر 40: 28)،.

وإيليا (1 مل 19: 8).

فهل يختفى وراء هذا المنظر البهى معنى هام:

وهو أنه يقهر الجسد فى الصوم، تتجلى الروح، ويتجلى الجسد؟

هل اختار السيد المسيح معه فى التجلى إثنين من الصوامين، ليرينا أن الطبيعة التى ستتجلى فى الأبدية، هى التى قهرت الجسد بالصوم؟

ترى ماذا قيل عن الصوم أيضاً؟ لقد قيل:

الصوم أقدم وصية

الصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية. فقد كانت الوصية التى أعطاها الله لأبينا آدم، هى أن يمتنع عن الأكل من صنف معين بالذات، من شجرة معينة (تك2: 17، 16)، بينما يمكن أن يأكل من باقى الأصناف.

وبهذا وضع الله حدوداً للجسد لا يتعداها.

فهو ليس مطلق الحرية، يأخذ من كل ما يراه، ومن كل ما يهواه... بل هناك ما يجب أن يمتنع عنه، أى أن يضبط إرادته من جهته. وهكذا كان على الإنسان منذ البدء أن يضبط جسده.

فقد تكون الشجرة ((جيدة للأكل، وبهجة للعيون، وشهية للنظر)) (تك 3: 6). ومع ذلك يجب الإمتناع عنها.

وبالامتناع عن الأكل، يرتفع الإنسان فوق مستوى الجسد، ويرتفع أيضاً فوق مستوى المادة. وهذه هى حكمة الصوم.

ولو نجح الإنسان الأول فى هذا الإختبار، وانتصر على رغبة جسده فى الأكل، وانتصر على حواس جسده التى رأت الشجرة فإذا هى شهية للنظر... لو نجح فى تلك التجربة، لكان ذلك برهاناً على أن روحه قد غلبت شهوات جسده، وحينئذ كان يستحق أن يأكل من شجرة الحياة...

ولكنه انهزم أمام الجسد. فأخذ الجسد سلطاناً عليه.

وظل الإنسان يقع فى خطايا عديدة من خطايا الجسد، واحدة تلو الأخرى، حتى أصبحت دينونة له أن يسلك حسب الجسد وليس حسب الروح (رو 8: 1).

وجاء السيد المسيح، ليرد الإنسان إلى رتبته الأولى.

ولما كان الإنسان الأول قد سقط فى خطية الأكل من ثمرة محرمة خاضعاً لجسده، لذلك بدأ المسيح تجاربه بالإنتصار فى هذه النقطة بالذات، بالإنتصار على الأكل عموماً حتى المحلل منه.

بدأ المسيح خدمته بالصوم، ورفض إغراء الشيطان بالأكل لحياة الجسد، أظهر له السيد المسيح أن الإنسان ليس مجرد جسد، إنما فيه عنصر آخر هو الروح. وطعام الروح هو كل كلمة تخرج من فم الله، فقال له:

((ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله)) (متى 4: 4).

ولم تكن هذه قاعدة روحية جديدة، أتى بها العهد الجديد، إنما كانت وصية قديمة، أعطيت للإنسان فى أول شريعة مكتوبة (تث 8: 3).

وهكذا صام الأنبياء

إننا نسمع داود النبى يقول ((أذللت بالصوم نفسى)) (مز 35: 13)، ويقول ((أبكيت بالصوم نفسى)) (مز 69: 10)، ويقول أيضاً ((ركبتاي ارتعشتا من الصوم)) (مز 109: 24). كما أنه صام لما كان إبنه مريضاً وكان يطلب نفسه من الرب. وفى صومه ((بات مضطجعاً على الأرض)) (2 صم 12: 16).

وقد صام دانيال النبى (دا 9: 3). وصام حزقيال النبى أيضاً (حز 4: 9). ونسمع أن نحميا صام لما سمع أن سور أورشليم منهدم وأبوابها محروقة بالنار (نح1: 4، 3). وكذلك صام عزرا الكاتب والكاهن ونادى بصوم لجميع الشعب (عز 8: 21).

وقد قيل عن حنة النبية إنها كانت ((لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات)) (لو 2: 37).

وصام الرسل

فى العهد الجديد، كما صام المسيح، صام رسله أيضاً...

وقد قال السيد المسيح فى ذلك ((حينما يرفع عنهم العريس حينئذ يصومون)) (متى 9: 15)... وقد صاموا فعلاً. وهكذا كان صوم الرسل أقدم وأول صوم صامته الكنيسة المسيحية. وقيل عن بطرس الرسول إنه كان صائماً حتى جاع كثيراً واشتهى أن يأكل (أع 10: 10) فظهرت له الرؤيا الخاصة بقبول الأمم. وهكذا كان إعلان قبول الأمم فى أثناء الصوم... وبولس الرسول كان يخدم الرب ((فى أتعاب فى أسهار فى أصوام)) (2 كو 6: 5)، بل قيل عنه ((فى أصوام مراراً كثيرة)) (2 كو 11: 27). وقيل إنه صام ومعه برنابا (أع 14: 23).

وفى أثناء صوم الرسل، كلمهم الروح القدس...

إذ يقول الكتاب ((وفيما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: افرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذى دعوتهما إليه. فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادى)) (أع13: 3، 2).

وما أجمل ما قاله الرب للرسل عن الصوم وعلاقته بإخراج الشياطين:

((هذا الجنس لا يخرج بشئ، إلا بالصلاة والصوم)) (مت 17: 21). إلى هذه الدرجة بلغت قوة الصوم فى إرعاب الشياطين.

ولم يكن الصوم قاصراً على الأفراد، إنما كان الشعب كله يصوم...

صوم الشعب كله

ويدخل فى العبادة الجماعية (وهو غير الأصوام الخاصة).

فيه تجتمع كل قلوب الشعب معاً، فى تذلل أمام الله.

وكما أعتاد الناس أن يصلوا معاً بروح واحدة، وبنفس واحدة، فى صلاة جماعية يقدمونها لله (أع 4: 24)، وهذه غير الصلوات الخاصة التى فى المخدع المغلق، كذلك فى الصوم:

هناك أصوام جماعية، لها أمثلة كثيرة فى الكتاب المقدس:

يشترك فيها جميع المؤمنين معاً، بروح واحدة، يقدمون صوماً واحداً لله. إنه صوم للكنيسة كلها...

ولعل أبرز مثال له الصوم الذى صامه كل الشعب لما وقع فى ضيقة أيام الملكة أستير حتى يصنع الرب رحمة (إس4: 16، 3). وصام الجميع بالمسوح والرماد والبكاء، وسمع الرب لهم وانقذهم.

وكما صام الشعب كله بنداء عزرا الكاهن على نهر أهوا متذللين أمام الرب (عز8: 23، 21)، كذلك إجتمعوا كلهم بالصوم مع نحميا وعليهم مسوح وتراب (نح 9: 1).

وكذلك صام الشعب أيام يهوشافاط (2 أى 20: 3).

ويحدثنا سفر أرمياء النبى عن صوم الشعب فى أيام يهوياقيم بن يوشيا (أر 36: 9).

وصوم آخر جماعى فى أيام يوئيل النبى (يوئيل 3: 5).

ومن الأصوام الجماعية أيضاً: ((صوم الشهر الرابع، وصوم الخامس، وصوم السابع، وصوم العاشر)) (زك 8: 19).

والصوم معرف فى كل ديانة. وقد صام الأمم...

صوم الأمميين أيضاً

ولعل أبرز مثال له صيام أهل نينوى (يون3). وكيف أن الله قبل صومهم، وغفر لهم خطاياهم.

وكذلك صوم كرنيليوس قائد المائة (أع 10: 30). وكيف قبل الله صومه، وأرسل إليه بطرس الرسول الذى وعظه وعمده.

ويحدثنا العهد القديم عن صوم داريوس الملك أثناء تجربة دانيال النبى، وكيف ((بات صائماً، ولم يؤت قدامه بسراريه)) (دا 6: 18).

الصوم معروف فى كل ديانة، حتى الديانات الوثنية والبدائية. مما يدل على أنه معروف منذ القدم قبل أن يفترق الناس.

والذى يقرأ عن البوذية والبراهيمية والكنفوسيوسية، وعن اليوجا أيضاً، يرى أمثلة قوية عن الصوم، وعن قهر الجسد لكى تأخذ الروح مجالها. والصوم عندهم تدريب للجسد وللروح أيضاً.

وفى حياة المهاتما غاندى الزعيم الروحى الشهير للهند، نرى الصوم من أبرز الممارسات الواضحة فى حياته. وكثيراً ما كان يواجه به المشاكل. وقد صام مرة حتى قال الأطباء إن دمه بدأ يتحلل...

وبالصوم اكتشف اليوجا بعض طاقات الروح...

هذه الطاقة الروحية التى كانت محتجبة وراء الإهتمام بالجسد، وقد عاقها الجسد عن الظهور، ولم يكتشفوها إلا بالصوم...

ويرى الهندوس أن غاية ما يصلون إليه هو حالة (النرفانا) أى إنطلاق الروح من الجسد للإتحاد بالله، لا يمكن أن يدركوها إلا بالنسك الشديد والزهد والصوم...

وهكذا نجد أنه حتى الروح البعيدة عن عمل الروح القدس، التى هى مجرد روح تنطلق من رغبات الجسد ومن سيطرته، بالتدريب، تكون روحاً قوية، تصل إلى بعض طاقاتها الطبيعية، فكم بالحرى الروح التى إلى جوار هذه القوة الطبيعية تكون مشتركة مع روح الله...؟

الصوم هبة

وإن عرفنا فوائد الصوم، نجد أنه هبة من الله.

نعم، ليس الصوم مجرد وصية من الله، إنما هو هبة إلهية. إنه هبة ونعمة وبركة... إن الله الذى خلقنا من جسد ومن روح، إذ يعرف أننا محتاجون إلى الصوم، وأن الصوم يلزم حياتنا الروحية لأجل منفعتها ولأجل نمونا الروحى وأبديتنا، لذلك منحنا أن نعرف الصوم ونمارسه. وأوصانا به كأب حنون وكمعلم حكيم...

والصوم يسبق كل نعمة وخدمة

كل بركة يقدمها لنا الله، نستقبلها بالصوم، لكى نكون فى حالة روحية تليق بتلك البركة.

الأعياد تحمل لنا بركات معينة. لذلك كل عيد يسبقه صوم.

والتناول يحمل لنا بركة خاصة. لذلك نستعد لها بالصوم.

والرسامات الكهنوتية تحمل بركة. لذلك نستقبلها بالصوم. فالأسقف الذى يقوم بالسيامة يكون صائماً، والمرشح لدرجة الكهنوت يكون أيضاً صائماً، وكذلك كل من يشترك فى هذه الصلوات.

واختيار الخدام فى عهد الآباء الرسل كان مصحوباً بالصوم: ((ففيما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس إفرزوا لى برنابا وشاول... فصاموا حينئذ وصلوا، ووضعوا عليهما الأيادى)) (أع13: 3، 2).

والصوم أيضاً يسبق الخدمة

والسيد المسيح قبل أن يبدأ خدمته الجهارية، صام أربعين يوماً، فى فترة خلوة قضاها مع الآب على الجبل.

وفى سيامة كل كاهن جديد، نعطيه بالمثل فترة أربعين يوماً يقضيها فى صوم وفى خلوة، فى أحد الأديرة مثلاً، قبل أن يبدأ خدمته.

وآباؤنا الرسل بدأوا خدمتهم بالصوم: خدمتهم بدأت بحلول الروح القدس. وكان صومهم مصاحباً لخدمتهم، لتكون خدمة روحية مقبولة...

والخادم يصوم، ليكون فى حالة روحية، ولكى ينال معونة من الله، ولكى يحنن قلب الله بالصوم ليشترك معه فى خدمته...

ولعلنا نرى فى حياة يوحنا المعمدان، أنه عاش حياته بالصوم والخلوة فى البرية، قبل أن يبدأ خدمته داعياً الناس إلى التوبة.

وليست الخدمة فقط يسبقها الصوم، بل أيضاً:

أسرار الكنيسة يسبقها الصوم

سر المعمودية، يستقبله المعمد وهو صائم، ويكون إشبينه أيضاً صائماً، والكاهن الذى يجريه يكون صائماً كذلك. الكل فى صوم لاستقبال هذا الميلاد الروحى الجديد. ونفس الكلام نقوله عن:

سر الميرون، سر قبول الروح القدس الذى يلى المعمودية.

سر الأفخارستيا، التناول، يمارسه الكل وهم صائمون.

سر مسحة المرضى، (صلاة القنديل) يكون فيه الكاهن صائماً، ومن يدهنون بزيت هذا السر المقدس يكونون صائمين أيضاً. ولكن يستثنى المرضى العاجزون عن الصوم، الذين يعفون من الصوم حتى فى سر التناول...

وسر الكهنوت كما قلنا، يمارس بالصوم...

لم يبق سوى سر الإعتراف، وسر الزواج.

وما أجمل أن يأتى المعترف ليعترف بخطاياه وهو صائم ومنسحق. ولكن لأن الكنيسة تسعى وراء الخاطئ فى كل وقت، لتقبل توبته فى أى وقت، لذلك لم تشترط الصوم.

أما سر الزواج فقد أعفاه السيد المسيح بقوله ((لا يستطيع بنو العرس أن يصوموا ما دام العريس معهم)) (مر 2: 19). ومع ذلك ففى الكنيسة الناسكة الأولى، حينما كان سر الزواج يمارس بعد رفع بخور باكر، كان العريسان يصومان ويتناولان ويستمران ذلك اليوم فى صوم... حالياً طبعاً لا يحدث هذا...

إن بركات الروح القدس التى ينالها المؤمنون فى الأسرار الكنسية كانت تستقبل بالصوم، إلا فى الحالات الإستثنائية.

وكما عرفت الكنيسة الصوم فى حياة العبادة، وفى حياة الخدمة، كذلك عرفته فى وقت الضيق، وخرجت بقاعدة روحية وهى:

بالصوم يتدخل الله

لقد جرب هذا الأمر نحميا، وعزرا، ودانيال. وجربته الملكة استير من أجل الشعب كله. وجربته الكنيسة فى القرن الرابع فى عمق مشكلة آريوس. وجربته الأجيال كلها. وأصبح عقيدة راسخة فى ضمير الكنيسة، تصليها فى صلاة القسمة فى الصوم الكبير، مؤمنة إيماناً راسخاً أن الصوم يحل المشاكل...

الإنسان الواثق بقوته وذكائه، يعتمد على قوته وذكائه. أما الشاعر بضعفه، فإنه فى مشاكله، يلجأ إلى الله بالصوم.

فى الصوم يتذلل أمام الله، ويطلب رحمته وتدخله قائلاً ((قم أيها الرب الإله...)). وفى ذلك ينصت إلى قول الرب فى المزمور ((من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين، الآن أقوم - يقول الرب - أصنع الخلاص علانية)) (مز11).

الصوم هو فترة صالحة، لإدخال الله فى كل مشكلة. فترة ينادى فيها القلب المنسحق، ويستمع فيها الله.

فترة يقترب فيها الناس إلى الله، ويقترب فيها الله من الناس، يستمع إلى حنينهم وإلى أنينهم، ويعمل...

طالما يكون الناس منصرفين إلى رغباتهم وشهواتهم، ومنشغلين بالجسد والمادة... فإنهم يشعرون أن الله يقف بعيداً... لا لأنه يريد أن يبعد، وإنما لأننا أبعدناه، أو رفضناه، أو رفضتا أن نقترب منه على وجه أصح.

أما فى فترات الصوم الممزوج بالصلاة، فإن الإنسان يقترب إلى الله، ويقول له: إشترك فى العمل مع عبيدك...

إنه صراخ القلب إلى الله، لكى يدخل مع الإنسان فى الحياة.

يمكن أن يكون فى أى وقت. ولكنه فى فترة الصوم يكون أعمق، ويكون أصدق، ويكون أقوى.

فبالصوم الحقيقى يستطيع الإنسان أن يحنن قلب الله...

والذى يدرك فوائد الصوم، وفاعلية الصوم فى حياته، وفى علاقته بالله، إنما يفرح بالصوم.

الفرح بالصوم

إننا لسنا من النوع الذى يصوم، وفى أثناء الصوم يشتهى متى يأتى وقت الإفطار. إنما نحن حينما نكون مفطرين، نشتهى الوقت الذى يعود فيه الصوم من جديد.

الإنسان الروحى يفرح بفترات الصوم، أكثر مما يفرح بالأعياد التى يأكل فيها ويشرب. كثيرون يشتهون الصوم فى فترة الخمسين المقدسة التى تأتى بعد القيامة، والتى لا صوم فيها ولا مطانيات. وفيها يشتاق الكثيرون إلى الصوم اشتياقاً، لذلك يفرحون جداً عندما يحل صوم الرسل، إذ قد حرموا من لذة الصوم خمسين يوماً من قبله.

ومن فرح الروحيين بالصوم، لا يكتفون بالأصوام العامة، إنما يضيفون إليها أصواماً خاصة بهم...

ويلحون على آباء اعترافهم أن يصرحوا لهم بتلك الأصوام الخاصة، مؤيدين طلبهم بأن روحياتهم تكون أقوى فى فترة الصوم، بل أن صحتهم الجسدية أيضاً تكون أقوى، وأجسادهم تكون خفيفة.

إن الذين يطلبون تقصير الأصوام وتقليلها، هؤلاء يشهدون على أنفسهم أنهم لم يشعروا بلذة الصوم أو فائدته...

وسنتحدث بمشيئة الرب فى الفصول المقبلة عن فوائد الصوم، التى من أجلها صار فرحاً للروحين، وصار للرهبان منهج حياة...

منهج حياة

من محبة آبائنا الرهبان للصوم، جعله منهج حياة.

صارت حياتهم كلها صوماً ماعدا أيام الأعياد، ووجدوا فى ذلك لذة روحية، ولم يشعروا بأى تعب جسدى. بل استراحوا للصوم وتعودوه...

وروى أنه لما حل الصوم الكبير فى إحدى البرارى، أرسلوا من ينادى فى البرية لينبه الرهبان إلى حلول هذا الصوم المقدس، فلما سمع أحد الشيوخ من المنادى هذا التنبيه، قال له: ما هو يا إبنى هذا الصوم الذى تقول عنه؟ لست أشعر به لأن أيام حياتى كلها واحدة (لأنها كلها كانت صوماً).

والقديس الأنبا بولا السائح، كان يأكل نصف خبزة يومياً، وفى وقت الغروب، كنظام حياة ثابت.

وبعض الرهبان كان يصوم كل أيامه حتى الغروب، مثل ذلك الراهب القديس الذى قال: مرت علىّ ثلاثون سنة، لم تبصرنى فيها الشمس آكلا...

وبعض الرهبان كانوا يطوون الأيام صوماً. والقديس مقاريوس الإسكندرانى لما زار أديرة القديس باخوميوس. كان يأكل فى يوم واحد من الأسبوع طوال أسابيع الصوم الكبير، وكان يطوى باقى الأيام...

ولم يقتصر صوم أولئك الآباء، على طول فترات الصوم، أو على الأيام، إنما شمل النسك أيضاً نوع طعامهم...

أبا نفر السائح كان يتغذى بالبلح من نخلة فى مكان توحده، والأنبا موسى السائح كان يقتات بحشائش البرية، وكذلك كان الأنبا بيجيمى السائح. وكان يشرب من الندى...

هذا الصوم الدائم كان يجعل حياة الآباء منتظمة.

وفى الواقع أن حالة الرهبان من هذه الناحية مستقرة على وضع ثابت، إستراحت له أجسادهم، واستراحت له ارواحهم... وضع لا تغيير فيه، إعتادوا ونظموا حياتهم تبعاً له.

أما العلمانيون فهم مساكين، أقصد هؤلاء الذين يتنقلون من النقيض إلى النقيض. من صوم يمنعون فيه أنفسهم، إلى فطار يأخذون فيه ما يشتهون. يضبطون أنفسهم فترة، ثم يمنحونها ما تشاء فترة أخرى، ثم يرجعون إلى المنع، ويتأرجحون بين المنع والمنح فترات وفترات. يبنون ثم يهدمون، ثم يعودون إلى بناء يعقبه هدم، إلى غير قيام.

أما الصوم الحقيقى فهو الذى يتدرب فيه الصائم على ضبط النفس ويستمر معه ضبط النفس كمنهج حياة...

فيضبط نفسه فى أيام الفطر كما فى أيام الصوم، على الرغم من اختلاف أنواع الأطعمة ومواعيد الأكل... وهكذا يكون الصوم نافعاً له، ويعتبر بركة لحياته.

وبهذا المعنى لا يكون الصوم عقوبة، بل نعمة.

كانت أكبر عقوبة توقع على أحد الروحيين، أن يأمره أب اعترافه بأن يأكل مبكراً، أو يأكل لحماً أو طعاماً شهياً. وكان أب الإعتراف يفعل هذا إن رأى ابنه الروحى قد بدأ يرتفع قلبه أو يظن فى نفسه أنه قد صار ناسكاً أو زاهداً، فيخفض كبرياءه بالأكل، فتنكسر نفسه، وبذلك يتخلص من أفكار المجد الباطل...

الصوم والإستشهاد

طبيعى أن الذى لا يستطيع الإستغناء عن أكلة، يكون من الصعب عليه أن يستغنى عن الحياة كلها.

أما النفوس القوية التى تتدرب على إحتمال الجوع والعطش، والتى تستطيع أن تخضع أجسادها، وتقهر رغباتها وشهواتها، هذه بتوالى التداريب، وبعدم الإهتمام بالجسد واحتياجاته، يمكنها فى وقت الإستشهاد أن تحتمل متاعب السجون وآلام العذاب، وتستطيع بنعمة الله أن تقدم أجسادهم للموت.

لهذا كان الصوم مدرسة روحية تدرب فيها الشهداء.

ليس من جهة الجسد فقط، وإنما أيضاً من جهة روحانية الصوم، لأنه إذ تكون أيام الصوم مجالاً للعمل الروحى والتوبة والإقتراب إلى الله، تساعد هذه المشاعر على محبة الأبدية وعشرة الله، وبالتالى لا يخاف الإنسان من التقدم إلى الموت، إذ يكون مستعداً للقائه، بل أنه يكون فرحاً بالتخلص من الجسد للإلتقاء بالله، ويقول ((لى اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، فذاك أفضل جداً)) (فى 1: 23).

بالصوم كانت الكنيسة تدرب أولادها على الزهد.

وبالزهد كانت تدربهم على ترك الدنيا والإستشهاد.

فالذين استشهدوا كانوا فى غالبيتهم أهل صوم وصلاة وزهد فى العالم. وكما قال القديس بولس الرسول ((يكون الذين يستعملون العالم، كأنهم لا يستعملونه، لأن هيئة هذا العالم تزول)) (1 كو 7: 31).



الفصل الثانى: الصوم والجسد - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات