قاموس القديسين و الشخصيات حرف د

هذا الفصل هو جزء من كتاب: قاموس القديسين و الشخصيات التاريخية. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.


د

دابامون الشهيدة

هروب ورشنوفة من الأسقفية

كان إنسان يدعى ورشنوفة طُلب للأسقفية فهرب إلى طحمون، فاستضافه أخوان.

في تلك الليلة ظهر له ملاك الرب قائلاً: "لماذا أنت نائم والجهاد قائم والأكاليل معدة؟ قم انطلق إلى الوالي واعترف بالسيد المسيح لتأخذ إكليل الشهادة". ولما استيقظ قص الرؤيا على الأخوين، فاتفقوا جميعًا على نيل الشهادة، وذهبوا إلى الوالي واعترفوا أمامه باسم السيد المسيح.

رفقة دابامون للقديس ورشنوفة واستشهادها

ألقاهم الوالي في السجن، ثم أخذهم معه من بنشليل إلى سنهور، وعرض عليهم التبخير للأوثان فأبوا. فعذبهم وكان الرب يرسل ملاكه ويعزيهم، ومن هناك توجه بهم إلى صا، حيث أعلمه كهنة الأصنام عن امرأة بناحية دجوة تدعى دابامون تقاوم الآلهة الوثنية.

كانت هذه المرأة صالحة محسنة ولها ابنة تدعى يونا وكانتا تنسجان الأقمشة وترسمان عليها الرسوم الجميلة وتتصدقان بما يفضل عنهما. أرسل إليها الوالي سيافًا يدعى أولوجي، هذا إذ رأى منها حُسن السيرة ومنظرها الملائكي امتنع عن قتلها، وأخذها معه إلى الوالي، وهناك اجتمعت بالقديس ورشنوفة ورافقته. فعذبها الوالي كثيرًا وأمر بعصرها بالهنبازين، وكان الرب يقويها ويعيدها صحيحة.

في أثناء ذلك اعترف أولوجي - السياف الذي أحضرها - بالسيد المسيح، فقطعوا رأسه ونال إكليل الشهادة.

أما الوالي فلما تعب من تعذيب القديسة دابامون أمر أن تُضرب رقبتها خارج المدينة. فخرجوا بها والنساء حولها باكيات، أما هي فكانت فرحة مسرورة، فقطعوا رأسها ونالت إكليل الشهادة.

السنكسار، 10 بؤونة.

داتيفوس وساتورنينوس ورفقاؤهم االشهداء

في شمال أفريقيا

استشهدت هذه المجموعة من الرجال والنساء والأطفال سنة 304م إبان الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور دقلديانوس. فعلى الرغم من الأوامر الإمبراطورية بمنع الاجتماعات الدينية، اجتمعت هذا المجموعة من المؤمنين في بلدة أبيتينا Abitina في شمال أفريقيا ليحتفلوا بسرّ الأفخارستيا في بيت شخص يدعى فيلكس أوكتافيوس. وبينما هم يؤدون الشعائر إذا بهم يفاجئون برجال الدولة يحاصرونهم ويقبضون عليهم، فساروا في الطريق يرنمون التراتيل والألحان الكنسية بفرحٍ، وعلى رأسهم داتيفوس وكان عضوًا بمجلس شيوخ قرطاجنة، والقس ساتورنينوس وأسرته: ساتورنينوس الصغير وفيلكس اللذان كانا قارئين في الكنيسة، وماري التي كرست حياتها لله، والصبي الصغير هيلاريون. اعترفوا كلهم بإيمانهم المسيحي وقيدوا بالغلال الحديدية، وأرسلوا إلى قرطاجنة.

محاكمتهم

قُدموا للمحاكمة أمام أنيولينُس Anulinus بتهمة عقد اجتماع والاحتفال بالعشاء الرباني مخالفين الأمر الإمبراطوري. وتناولهم التعذيب الواحد بعد الآخر بقصد معرفة زعيمهم، فكان كل واحدٍ منهم يحاول أن يلصق التهمة بنفسه. وكانت إجاباتهم اعترافات صريحة بأنهم اشتركوا في العشاء الرباني بمحض إرادتهم لأنهم مسيحيون، وقد عذبوا بشدة حتى أن بعضهم مات تحت التعذيب والبعض ماتوا جوعًا في السجن.

الشابة فكتوريا

قد أظهرت النساء شجاعة بالغة مثل الرجال، ومن بينهن شابة اسمها فكتوريا آمنت بالمسيح، وهي صغيرة وكرست نفسها لله. وحين أراد والداها تزويجها من رجلٍ وثنيٍ هربت يوم زفافها من النافذة وذهبت إلى الكنيسة. وقد حاول أخوها أن يحولها عن مسيحيتها مرات كثيرة إلا أنها ظلت ثابتة ومتماسكة، فادعى أنها مختلة العقل وأن المسيحيين أقنعوها بتبعيتهم عن طريق الخداع، فكانت إجاباتها وقوة منطقها أبلغ رد على هذا الادعاء، ورفضت العودة مع أخيها.

الصبي الصغير هيلاريون

كان آخر المُعذَّبين الصبي الصغير هيلاريون ابن القس ساتورنينوس، وكان قد شهد أباه وأحد اخوته يعذبان، وأخًا ثانيًا يضرب حتى الموت، وشقيقته العذراء تساق إلى للسجن في انتظار الاستشهاد.

رأى أنيولينوس أن يخلي الصبي من المسئولية بطريقة ملتوية، غير أن رد الصبي كان حاسمًا، إذ قال له: "إني مسيحي، وقد اشتركت في الاجتماع بمحض إرادتي مع أبي واخوتي". فأمر الوالي بإيداعه في السجن مع الباقين ممن حُكِم عليهم بالموت. وهنا دوى صوت الصبي في ساحة المحكمة وهو يصيح: "لك الشكر يا رب".

Butler, February 11.

داديثو الفارسي

كان كاثوليكوس Catholics الكنيسة الفارسية في سيلوكية Seleucia - Ctesiphan (420 / 421 - 456 م).

أثناء اضطهاد الملك باهرام الخامس BahramV بذلت الحكومة الفارسية كل الجهود لكي تعين الكاثوليكوس. أخيرًا سُمح للكنيسة الفارسية أن تختار داديثو كاثوليكوس في عام 420 / 421. لكن وُجدت مقاومة لهذا الاختيار ولأسبقية كرسي سيلوكية كتسيفان تحت قيادة باتاي Batai of Hormizdardasir. بذل هؤلاء المقاومون جهودًا بين رجال الكنائس لتشويه سمعة داديثو، وبين رجال الدولة الفارسيين لإلقائه في السجن.

ألقى داديثو في السجن، وإذ أطلق منه عقد أغلب أساقفة فارس مجمعًا عام 424م كنوعٍ من إعادة السلطة الكنسية التي حاولت الحكومة تحطيمها، دُعي مجمع داديثو. عُقد المجمع كطلب أسقف بيت لابات Bet Lapat حضره داديثو، وذلك في ماركابتا Markabta of Tayyaye.

فحص المجمع أولوية أسقف سيلوكية كتسيفان في المجامع الأولى وكرموا داديثو الذي عاد إلى كرسيه في مركز كاثوليكوس، كما لُقب بطريركًا.

Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, 1998.

دارياو خريسانثوس الشهيدان

قبوله الإيمان في روما

كان خريسانثوس ابنًا لأحد الأشراف ويدعى بوليميوس Polemius، أتى من الإسكندرية مع أبيه إلى روما في زمن حكم الإمبراطور نوماريون Numerian.

قبل خريسانثوس الإيمان المسيحي في روما وتعمد على يد كاهن يدعى كاربوفوروس Carpophorus.

حزن أبوه حين علم بهذا، وإذ أراد إثنائه عن هذا الطريق فكر في حيلة. أحضر له أبوه خمس نساء لإغرائه أملاً أن يفقد عفته وبذلك يتحول عن المسيحية، ولكن الحيلة فشلت. فزوجه أبوه من بنت غير مؤمنة اسمها داريا، واستطاع خريسانثوس أن يحولها إلى المسيحية، واتفقا أن يحيا معًا على حياة البتولية.

كرازته واستشهاده مع زوجته

استطاع الزوجان أن يحولا كثيرين في روما إلى المسيحية، فقُبض عليهما وأمر الحاكم كلوديوس جنوده أن يجبروا خريسانثوس على التبخير للأوثان. عذبه الجنود لإجباره على التبخير ولكنه رفض، وكان ثباته في الإيمان رغم التعذيب سببًا في إيمان كلوديوس مع زوجته هيلاريا وابنيهما، وأيضًا الجنود الواقفين. وبأمر من الإمبراطور ذُبِحوا جميعًا.

أما داريا فساقوها إلى بيت للدعارة، ولكن الرب حفظها حين سمح بهروب أسدٍ من حبسه ودخوله إلى هذا البيت. وللتخلص من الوحش لم يجدوا وسيلة سوى حرق البيت بالكامل، وبهذا نجت داريا من الفساد وهربت. أخيرًا أحضروا خريسانثوس وزوجته أمام الإمبراطور شخصيًا، فحكم عليهما بالموت، ودُفِنا أحياء وبهذا نالا إكليل الشهادة.

Butler, October 25.

داسيه الجندي الشهيد

كان هذا الجندي من أهل تنده، وعذبه أريانوس والي أنصنا من أجل إيمانه بالسيد المسيح. وأخيرًا ضرب عنقه، فنال إكليل الاستشهاد.

السنكسار، 2 توت.

داسيوس الشهيد

وجد أربعة شهداء معروفون باسم داسيوس، أهمهم جندي روماني من مدينة دوروستورم Durostorum للدولة ببلغاريا، وقع عليه الاختيار في سنة 303م أثناء الاحتفالات السنوية التي تُدعى Feast of Saturnalia بتقديم البخور لتماثيل الإمبراطور، كجزءٍ من طقس الاحتفال. رفض داسيوس الطلب قائلاً: "إنني سأموت في كل الأحوال، فالأفضل لي أن أموت في الإيمان المسيحي". حاول القائد إقناعه بضرورة التبخير مذكرًا إياه بالتزامه كجندي روماني بطاعة رؤسائه، ولكن داسيوس ظل صامدًا ومصممًا على رفضه، فقُطعت رأسه وبهذا نال إكليل الشهادة.

Butler, November 20.

داكيانوس الشهيد

احد شهداء قرطاجنة التسعة والأربعين الذين استشهدوا سنة 304م، وذلك تحت حكم الوالي أنولينوس Anulinus أثناء الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور دقلديانوس.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 777.

داكيوس وبقطر وإيريني ورفقاؤهم الشهداء

كان الشهداء بقطر وداكيوس وإيريني العذراء ومن معهم من رجال ونساء وعذارى في زمان الملك قسطنطين الكبير.

ولما ملك يوليانوس الجاحد قتل عددًا كبيرًا من المسيحيين ومنهم هؤلاء الشهداء. وقد وردت أسماءهم تحت اسم "الشهيد بقطر".

السنكسار، 4 برمودة.

داماسوس الأول أسقف روما

نشأته

وُلد داماسوس في روما، ويبدو أن والده أنطونيوس كان من أصل أسباني وكان قسًا في روما. وقد خدم ابنه داماسوس شماسًا تحت رعاية سلفه الأسقف ليبريوس Liberius (352 - 366م).

إلى فترةٍ كان داماسوس يسند فيلكس الذي يبدو أنه كان أريوسيًا، وكان مقاومًا للأسقف وإن كان فيلكس اصطلح مع ليبريوس قبل نياحته بمدة قصيرة.

اختياره لأسقفية روما

لم يتزوج داماسوس، وفي سن الستين اختير أسقفًا لروما.

بعد نياحته الأسقف ليباريوس في سبتمبر 366م بسبعة أيام أعلن فريق فيلكس داماسوس أسقفًا على روما، وذلك في لوسينا Lucina، بالرغم من معارضة البعض الذين كانوا يبغضون ترشيح أي شخصٍ آخر غير الشماس يورسينوس Ursinus (Ursicinus) لهذا المنصب. فقد اجتمع فريق ليباريوس في بازليكا جوليان واختاروا يورسينوس.

يجد المؤرخون صعوبة في التحقق من الصراع الذي قام بين الفريقين، لأن أغلب التفاصيل مستقاة من أعداء داماسوس.

حدث اضطراب شديد في روما وعنف، حيث قُتل أكثر من مائة شخص. فقامت السلطات الإمبراطورية بنفي يورسينوس. لكن سمحت له بالعودة في السنة التالية (367م)، فتجدد العنف. أُستبعد يورسينوس للمرة الثانية وسُمح له ولأتباعه أن يستقروا في شمال إيطاليا.

حاولت نفس المجموعة مضايقة داماسوس حتى اتهموه بالزنا، فاضطر أن يقف أمام الإمبراطور جراتيان Gratian ومجمع الأساقفة للدفاع عن نفسه، وظهرت براءته، لكن استمرت المقاومة عنيفة ضده إلى حوالي عشرة سنوات.

مقاومته للبدع

قاوم بعض البدع والهرطقات التي ظهرت في زمانه.

كان يمثل قوة في مقاومة الأريوسية، وقد تمتع بمساندة صديقه الحميم البابا السكندري بطرس في لصق وصمة الأريوسية بميليتوس أسقف أنطاكية ويوسابيوس القيصري، اللذين كان يساندهما القديس باسيليوس الكبير، وفي إدانة أبوليناريوس الذي أنكر أن للسيد المسيح نفسًا بشرية (سوزمين 6: 25). وفي عام 380 أعلن الإمبراطور ثيؤدوسيوس الأول أن المسيحية كما يشهد بها داماسوس وبطرس هي ديانة الدولة.

استبعد أسقفين أريوسيين في Illyricum عام 369م، أما جهوده ضد أكسينتيوسAuxentius أسقف ميلان فباءت بالفشل حتى مات الأسقف واحتل القديس أمبروسيوس مكانه عام 374م.

أدان أتباع لوسيفر الثائر Lucifer of Cagliari، وقاوم الذين أنكروا لاهوت الروح القدس.

أسقفية روما

بذل داماسوس جهودًا في تدعيم مركز أسقفية روما. وهو أول من استخدم تعبير "الكرسي الرسولي" لروما باستمرار. يعتبر البعض أن جهوده لها أهميتها في ظهور فكرة "الباباوية الرومانية" مع جهود أنوسنت الأول ولاون الأول.

علاقته بسكرتيره الخاص القديس جيروم

بدأت مراسلاته مع صديقه الحميم وسكرتيره القديس جيروم عام 376م، ولم تتوقف حتى نياحته عام 384م.

شجع سكرتيره على دراساته الإنجيلية. إذ قام القديس جيروم بترجمة عظتين لأوريجينوس عن سفر نشيد الأناشيد وجَّه المقدمة إلى الأسقف داماسوس. وأيضًا وجَّه إليه مقدمات ترجمة الفولجاتا للعهد الجديد.

توجد ست رسائل للقديس جيروم موجهة إليه. فقد بعث إليه الأسقف داماسوس عدة أسئلة كتابية خاصة بالعبارات الصعبة في الكتاب المقدس (رسالة 35). وقدم القديس جيروم إجابات على ثلاثة أسئلة وأشار إلى البابا أن يرجع إلى كتابات ترتليان ونوفاتيان وأوريجينوس بخصوص سؤالين آخرين.

كما اشتاق القديس جيروم أن يقدم له ترجمته لعمل القديس ديديموس الضرير عن الروح القدس، لكن الموت أوقف رغبته.

جاء في رسائل القديس جيروم له:

[مع أن عظمتك ترعبني، فإن حنوّك يجتذبني.

أطلب من الكاهن حفظ الذبيحة، ومن الراعي الحماية اللازمة للقطيع.] (رسالة 2: 15 عام 376 أو 377م).

أعماله

أرسل مندوبيه لحضور المجمع المسكوني الثاني الذي عقد سنة 381م في القسطنطينية. ويقول عنه القديس جيروم أنه: "كان قدوة في حياته، وكان مستعدًا للوعظ دائمًا دفاعًا عن الإيمان المستقيم".

من أعماله أيضًا اهتمامه بأجساد القديسين والشهداء ومقابرهم.

علاقته بالقديس باسيليوس الكبير

كانت علاقته بالقديس باسيليوس سيئة بسبب سوء الفهم بينهما بخصوص التعبيرات اللاهوتية الخاصة بالثالوث القدوس. هذا بجانب مساندة داماسوس لمطالب بولينوس أسقف إنطاكية ضد ميليتوس الأسقف المحبوب لدى باسيليوس. بعد نياحة القديس باسيليوس (379) وميليتوس (381) استمر داماسوس في مساندة بولينوس ضد فلفيان Flavianus خلف ميليتوس، ولم يصطلح مع الأخير إلا مؤخرًا (سقراط15: 5).

رسائله وأعماله الكتابية

توجد مجموعة من رسائله، وإن كان البعض يشك في أصالة بعضها.

تُسمى رسالته الرابعة "طومس داماسوس" وهي عبارة عن ملخص للأخطاء الخاصة بعقيدة الثالوث القدوس وشخص السيد المسيح، سجلها مجمع روماني في عام 382م وأرسلت إلى بولينوس أسقف أنطاكية.

ربما وضع داماسوس الثلاثة أجزاء الأولى من Decretum Gelasianum عن الروح القدس وتقنين الكتاب المقدس والكرسي الروماني كمصدر سلطة. لكن العمل ككل هو نتاج جنوب الغال في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس.

ينسب القديس جيروم في رسالته 22: 22 لداماسوس أعمالاً عن البتولية وهى حاليًا مفقودة. كما كتب عنه: "ذاك الرجل المشهور، المعلم البتول للكنيسة البتول".

في العصور الوسطى نُسب إليه خطأ أنه واضع Liber pontificalis.

وأخيرًا تنيح بسلام سنة 384م وله من العمر 80 سنة.

Butler, December 11.

Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, 1998.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

دانيال الشهيد

كان كاهنًا استشهد في فارس Persia يوم 21 فبراير في السنة الخامسة الثلاثين من حُكم سابور Sapor التي هي سنة 344م، واستشهدت معه عذراء اسمها كالديي Chaldee التي تعني وردة Rose. وكان استشهاده بعد خمسة أيام من التعذيب وثلاثة شهور من الاستجواب والتحقيق.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 785.

دانيال العمودي القديس

كثيرون يبرزون في سيرة القديس دانيال العمودي (409 - 493) وغيره مثل القديس سمعان العمودي تحدى المؤمن الحيّ حتى للطبيعة. فقد عاش هذا القديس عيشة غريبة، على عمود إلى سنوات، وتعرض أن يتجمد، ولمحبة الإمبراطور له وخوفه عليه بنى له موضعًا على عمود، وتعرض للعواصف!

كتابة سيرة أمثال هذا العظيم في القديسين تكشف عن أعماق الحب الإلهي الفائق الذي ابتلع قلبه وشغل فكره وكرّس كل طاقته لحساب ملكوت الله.

ليس من العجيب وأنه وهو يعشق الوحدة يحب الناس ويطلب خلاصهم ويهتم بالحديث معهم لأجل بنيانهم. ومع رفضه الهدايا حتى من العظماء كان محبًا للعطاء، ويبعث هذه الروح في كل المستمعين إليه.

رهبنته

يُعتَبَر القديس دانيال العمودي أشهر القديسين "العموديين" بعد القديس سمعان العمودي.

وُلد بمدينة ماراثا Maratha بالقرب من ساموساطا Samosata بمنطقة الميصة Mespotamia) ما بين النهرين). وكان أبواه قد نذراه لله قبل ميلاده، وفي سن الثانية عشر ذهب إلى دير قريب من بلدته وصار راهبًا بعد عدة سنوات.

كان رئيس الدير ذاهبًا إلى إنطاكية فأخذه معه، وفي طريقهم مرّوا على تيلانيس Telanissae، فذهبا لزيارة القديس سمعان العمودي، الذي سمح لدانيال بالصعود إليه على عموده وباركه وتنبأ له أنه سيحتمل الكثير من أجل السيد المسيح.

توحده

بعد فترة تنيح رئيس الدير فأراد الرهبان إقامة دانيال مكانه، لكنه رفض وعاد مرة أخرى لزيارة القديس سمعان، ومكث في دير قريب منه 14 يومًا. ثم توجه لزيارة الأراضي المقدسة، ولكن منعته الحرب من ذلك، فذهب إلى القسطنطينية حيث أمضى سبعة أيام بكنيسة خارج أسوارها، ثم أعد لنفسه مكانًا للتوحد مكث فيه تسع سنوات تحت رعاية البطريرك أناطوليوس.

سكناه على عمود

أراد أن يتمثل بالقديس سمعان الذي كان قد حصل على ثوبه من تلميذه بعد نياحته سنة 459م، فاختار موضع على بحر الباسفور وعلى بعد عدة أميال من المدينة، وصعد أعلى عمود قمته متسعة. وفي إحدى الليالي كاد يتجمد على عموده من شدة البرد. بنى له الإمبراطور مسكنًا مُغَطَى مبني على عمودين، عاش فيه إلى أن بلغ من العمر الرابعة والثمانين لم يترك فيه عموده بالرغم من شدة الريح والبرد الذي كانت تتعرض له البلاد من حين إلى آخر. وحتى حين رسمه القديس جيناديوس Gennadius بطريرك القسطنطينية كاهنًا بالرغم من رفضه للكهنوت، وقف البطريرك أسفل العمود يتلو صلواته ثم صعد ليضع يده على رأس القديس ويناوله من الأسرار.

حريق هائل في القسطنطينية

يُحكى أن حريقًا هائلاً شب في مدينة القسطنطينية سنة 465م كان قد تنبأ به القديس دانيال، حتى أنه طلب من البطريرك والإمبراطور أن يأمرا الشعب بإقامة صلوات خاصة مرتين في الأسبوع لهذا الغرض، ولكن أحدًا لم يستمع إليه. وحين شب الحريق وتذكر الناس نبوءته، أسرعوا إليه طالبين صلواته، فكان يمد يديه نحو السماء طالبًا الرحمة والمعونة لهم.

عجائبه

كان الإمبراطور لاون يحترمه جدًا ويزوره كثيرًا، كما كان الناس يُحضرون إليه المرضى، فكان كثير ممن يُسمح لهم بالصعود إلى عموده ينالون الشفاء حين يضع القديس يده عليهم أو يدهنهم بالزيت المقدس.

كما تنبأ القديس عن هزيمة باسيليسكس Basiliscus الذي حاول اغتصاب المُلك.

ومن محبة القديس نزل من على عموده للمرة الأولى والأخيرة بإلحاح من البطريرك حتى يحاول إقناع باسيليسكس بترك طموحه في الحُكم حقنًا للدماء. ولما رفض مقابلته نفض القديس قدميه على باب قصره شهادة عليه. وفي هذه الرحلة كانت الجموع تحمله على كرسي فوق أكتافهم بسبب آلام قدميه وبسبب عدم قدرته على المشي وعدم ممارسته لمدة طويلة.

نياحته

أخيرًا حين بلغ الرابعة والثمانين من عمره ودَّع أصدقاءه وتلاميذه واستودعهم وصاياه. وبعد صلوات قداسه الأخير فوق العمود تنيح بسلام سنة 493م، وبحضور الإمبراطور دُفن القديس أسفل العمود الذي عاش فوقه ثلاث وثلاثين سنة.

صلاته قبل بدء حياته على العمود

أمجدك يا يسوع المسيح إلهي من أجل كل البركات التي غمرتني بها، والنعمة التي وهبتني لكن أحتضن هذا الطريق من الحياة.

أنت تعلم أنه بصعودي على هذا العمود أتكئ عليك وحدك، ولك وحدك أترقب لنوال السعادة.

اقبل أمري هذا: وقوني لكي أتمم هذا التدريب المؤلم، وهب لي نعمتك لكي أتممه في القداسة.

وصيته الوداعية

تمسكوا بالتواضع، اسلكوا بالطاعة، مارسوا إضافة الغرباء، احفظوا الأصوام، اسهروا، أحبوا الفقراء، وفوق الكل تمسكوا بالحب الذي هو الوصية العظيمة والأولى.

احذروا حبائل الهراطقة، لا تنفصلوا عن الكنيسة أمكم.

إن فعلتم هذه الأمور يصير بركم كاملا.

Butler, December 11.

دانيال قمص شيهيت القديس

تحمل سيرة هذا القديس شهادة حيّة عن حيوية الرهبنة القبطية ومجدها في القرن السادس.

كان هذا القديس أبًا طاهرًا كاملاً، خدم بلاده أعظم خدمة بأن قدم للكنيسة أساقفة أعلام من خلال برامج الدراسة التي كانت تُقَدم في الأديرة بهدف إعداد الرهبان لحسن تأدية رسالتهم، والذي كان هذا القديس أحد القائمين بالتعليم فيها مع غيره من الشيوخ الرهبان الذين اشتهروا بالعلم والتقوى. ليس ذلك فحسب بل أن رعايته شملت المتبتلات أيضًا فرعاهن أحسن رعاية.

أسره

وُلد سنة 485م، وارتحل إلى برية شيهيت وهو صبي. وقع تحت الأسر ثلاث مرّات في رهبنته المبكرة، ربما بسبب شغفه نحو الدخول إلى البرّية الداخلية.

في المرة الثالثة صرع أسيره بحجر فأرداه قتيلاً وهرب. لكنه ظل تحت عذاب الضمير طوال حياته. طلب من البابا تيموثاوس الثالث (518 - 536م) عقوبة. وإذ حاول أن يقنعه بأن ذلك كان دفاعًا عن النفس، لأنه كان مرّ النفس جدًا، ولكنه لم يقتنع، فرحل إلى روما والقسطنطينية ثم أفسس وأورشليم وإنطاكية يسأل أساقفة هذه البلاد. وأخيرًا إذ لم يسترح سلّم نفسه للقضاء بالإسكندرية، لكن القاضي أخلى سبيله متمنيًا لو قتل سبعة من هؤلاء البرابرة العنفاء.

مع الشريفة أناسطاسية

لما شاع صيته أتت إليه الشريفة أناسطاسية إحدى الشماسات اللواتي هربن مع القديس أنبا ساويرس الأنطاكي إلى مصر سنة 518م. وكانت غنية جدًا. جاءت متخفية في زي الرجال وأعلمته بحقيقة أمرها، كما أنبأته بأنها هربت من وجه إمبراطور القسطنطينية الذي أراد الزواج منها. فترهبت ومكثت في مغارة بقربه مدة ثمانية وعشرين عامًا ولم يعلم بأمرها أحد. وكان أحد تلاميذ القمص دانيال يحمل إليها الخبز والماء مرة أسبوعيًا ويتركهما عند باب مغارتها. وكانت كلما ساورتها الهواجس والهموم وصفت جميع ما خالجها من مشاعر بكتابته على حجر وتتركه عند باب المغارة، فيأخذه التلميذ إلى القديس دانيال الذي يكتب لها بدوره الرد ويرسله مع التلميذ. وكان القديس يختار رسوله ممن يجهلون اليونانية التي تكتب بها القديسة أناسطاسية، فتظل اعترافاتها سرًا مكتومًا.

مع أولوجيوس قاطع الأحجار

في حوالي عام 525م، حدث ذات يوم أن ذهب القمص دانيال إلى المدينة ليبيع السلال التي صنعها بيديه، فأبصر إنسانًا اسمه أولوجيوس كان يقطع حجارة كل يوم بقيراط ذهب، فيقتات منه باليسير ويطعم الفقراء بالباقي ولم يكن يدخر شيئًا. فلما أبصر القديس ذلك استحسن سيرته وطلب من الله أن يعطيه مالاً ليزداد في عمل الخير والرحمة، وسمع له الله.

وجد أولوجيوس كنزًا أثناء عمله في الحجارة وأخذه ومضى إلى القسطنطينية، وسعى بماله حتى صار وزيرًا وترك عمل الخير. فلما سمع بخبره القديس دانيال قصد القسطنطينية، وعرف سيرته وما صار إليه من عدم الخير. حاول القديس الالتقاء به لكن الجند منعوه. ثم رأى رؤيا كأن السيد المسيح جالس يحكم بين الناس، وكأنه أمر بتعليق القديس دانيال وطالبه بنفس أولوجيوس. ولما استيقظ من نومه عاد إلى ديره وسأل الله عن أولوجيوس أن يعيده إلى ما كان عليه. فظهر له ملاك الرب ونهاه أن يتعرض لحكم الله في خلقه.

بعد هذا حدثت مؤامرة ضد يوستنيان سنة 532م، اشترك فيها أولوجيوس، وإذ أراد الإمبراطور البطش به هرب من القسطنطينية إلى مصر لينجو بنفسه. عاد إلى بلده يقطع الحجارة كما كان أولاً. فاجتمع به الأنبا دانيال وقصَّ عليه ما حل به بسببه، فعزاه وسنده ورده إلى محبة الفقراء.

القديسة أناسيمون

كشف القديس دانيال عن شخصية القديسة أناسيمون الملكة التي تخفّت في شخصية هبيلة لتعيش محتقرة في إحدى أديرة البنات بمصر. كما كشف عن شخصية قديس عظيم يُسمى مرقس كان يتسوّل أمام دار البطريركية.

اللص التائب

أراد لص أن يسرق أموال دير للراهبات، فتقمص شخصية أنبا دانيال، ودخل الدير ليلاًَ. سألته الراهبات أن يصلّي من أجل راهبة عمياء، وإذ لم يكن مسيحيًا قال لهن أن يغسلن وجهها بالماء الذي غسلن به قدميه. وإذ انفتحت عيناها تأثر اللص جدًا، وخرج إلى القديس أنبا دانيال الذي استقبله ببشاشة وأعلمه أنه كان معه بالروح حين دخل دير الراهبات. آمن اللص بالمسيحية وتتلمذ على يدي أنبا دانيال.

تعرضه للاضطهاد

تعرض القديس للضرب حتى كاد يفارق الحياة، وذلك لأنه شجب طومس لاون وعقيدة مجمع خلقيدونية أمام مندوب الملك يوستنيان. اضطر إلى الهروب إلى مدينة تامبولا (حاليًا مركز شبراخيت) حيث أقام بجوارها ديرًا مكث فيه حتى مات يوستنيان عام 565م.

مع أندرونيكس وزوجته أثناسيا

كانا من أثرياء إنطاكية، مات أولادهما جميعًا فجأة فدخلا في حزنٍٍ شديدٍ. لكنهما عادا إلى حياة التسليم للَّه، وقرّرا الرهبنة.

جاء الزوج إلى القديس أنبا دانيال الذي نصحه أن يستودع زوجته في إحدى أديرة الراهبات ثم يعود إليه. تتلمذ على يدي أنبا دانيال لمدة 12 عامًا. وإذ أراد زيارة الأماكن المقدسة التقى براهبٍ يود الذهاب إلى أورشليم، فتحدثا معًا في الطريق، وتعاهدا أن يعيشا معًا عند عودتهما. وبالفعل سكنا في الدير الثامن عشر بالإسكندرية (اوكتوكا يديكاثون). وبقيا هناك 12 عامًا، وكان القديس دانيال يفتقدهما.

أخيرًا تنيح الراهب واكتشف أندرونيكوس أن الراهب هو زوجته أثناسيا، فأقام في قلايتها.

اهتمامه بالرهبان والراهبات

عاش القديس دانيال قمص شيهيت أربعين سنة ونصف في الصحاري مداومًا على الصلاة والصوم، مهتمًا بالرهبان والراهبات الخاضعين لرئاسته. وقد نال هذا القديس أحزانًا كثيرةً في سبيل الإيمان، وأظهر الله على يديه آيات كثيرة، وعرف زمان انتقاله من هذا العالم، فجمع الرهبان وأوصاهم وثبتهم وعزاهم ثم تنيّح بسلام في الثامن من شهر بشنس.

القمص تادرس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والروحانية، 1987م، ص70.

داود المقاري القس

✥ خدمته في السودان:

نشأ وديع سعيد في أسيوط من عائلة حريصة على العقيدة الأرثوذكسية، مجاهدة في تدعيمها ضد التعاليم الغربية التي كان الأمريكيون يعملون على نشرها، وكانوا قد اتخذوا من أسيوط مركزًا لنشاطهم.

أكمل دراسته الابتدائية والثانوية فالتحق بوظيفة في وزارة الصحة، ثم سافر إلى السودان سنة 1914م للعمل، وهناك ساهم في بناء الكنيسة القبطية وفي مدارس التربية الكنسية والاجتماعات المسائية.

✥ بتوليته وخدمته بالقاهرة:

لما عاد إلى القاهرة سنة 1921م انتظم ضمن خدام كنيسة مار جرجس بالقللي. ومع استمراره في وظيفته الحكومية إلا أنه انضم أيضًا إلى جمعية أبناء الكنيسة. وإذ فضَّل التبتل خصص له زملاؤه في هذه الجمعية غرفة كأنها قلاية، ذلك أنه كان مشتاقًا إلى دخول دير القديس مقاريوس الكبير. كان بمثابة العمود الفقري للجمعية، فقد ألَّف هو وزملاؤه فرقة شمامسة للخدمة في كنائس مختلفة كل أسبوع وكانت تختار لهذه الخدمة الكنائس القائمة في الأحياء الفقيرة أو البعيدة.

إلى جانب هذه الخدمة أصدرت الجمعية مجموعة من الكتب الهامة مثل كتاب الخولاجي، وصلوات الإجبية بالقبطي والعربي، والأناجيل الأربعة، وأسفار موسى الخمسة بالقبطية. ثم رأى وديع سعيد أن يُخرِج للأقباط تقويمًا يتضمن تعاليمهم وأعيادهم إلى جانب الأعياد العامة.

✥ رهبنته:

كان خلال عمله البنَّاء للكنيسة مازال موظفًا في وزارة الصحة حتى وصل إلى وظيفة مدير مكتب وكيل الوزارة، كما كان قد حصل على الجزء الأول من الدكتوراه في القانون، إلا أنه قرر ترك كل ذلك، فاستقال ودخل الدير.

✥ خدمة مستمرة:

نتيجة لبعض الدعايات المغرضة صدر أمر بإخراج الراهب داود من الدير، فرجع إلى العالم ولكن بالزي الرهباني. عاد ليخدم بأكثر نشاط وبأكثر روحانية، وكأن قلبه لم ينكسر. فقد ساهم في بناء كنيسة السيدة العذراء بروض الفرج، وبنى ملجأ للأولاد سماه "بيت النعمة" ملاصقًا للكنيسة، وبنى بعد ذلك مدرسة إلى جوار الملجأ لتكون المنشأتان في كنف الكنيسة. وإلى جانب الأبنية أصدر مجلة أسبوعية باسم الأنوار سنة 1946م، وبعد إصدارها بعدة شهور بدأ يصدرها شهريًا بالإنجليزية. إذ كان قد تفاهم مع هيئة اسمها "الجمعية الأفريقية الآسيوية المركزية" استهدافًا لنشر الثقافة القبطية خارج مصر، فكان في هذا المجال أيضًا سباقًا.

بعد هذا الجهاد المستمر بلا هوادة، وبعد أن تاجر بوزناته إلى أقصى طاقته انتقل إلى فردوس النعيم.

السنكسار الأمين، 19 كيهك.

داود بن غبريال الراهب الشهيد

عاش في أواسط القرن الرابع عشر راهب اسمه داود بن غبريال البرجي، نجح بعض الأشرار في استدراجه خارج الدير ثم احتاطوا به وساقوه إلى الوالي. وحاولوا بمعاضدة الوالي أن يدفعوه إلى إنكار السيد المسيح، فلما فشلوا تمامًا صدر الأمر بقطع رأسه سنة 1099ش (1383م)، فنال إكليل الاستشهاد المُعد له من سيده.

السنكسار الأمين، 20 برمودة.

داوساس ورفقاؤه الشهداء

رسامته أسقفًا

أحد شهداء فارس Persia الذين استشهدوا سنة 361م.

كان ضمن الأسرى الذين حملهم سابور Sapor حين استولى على فينيقية Phoenicia عاصمة زابدين Zabdienne سنة 360م. وحين مرض الأسقف هليودورُس Heliodorus أثناء الرحلة إلى فارس، وضع يديه على رأس داوساس وسامه أسققًا وسلَّمه المذبح المتنقل ومسئولية كل الذين نجوا من الهلاك، فقد رأى أن رسامة أسقف بيد أسقفٍ واحدٍ في مثل تلك الحالة الضرورية كافيًا.

القبض عليه

كان الأسرى يحتفلون بسرّ الإفخارستيا يومًا بعد يوم مما أثار غضب المجوس، فرفعوا تقريرًا إلى الملك متهمين المسيحيين بالاجتماع لكي يلعنوا الملك. أصدر سابور أوامره بالقبض على داوساس وكل المجتمعين معه واستجوابهم. وكلَّف قوة مكونة من 100 فارسًا و200 جنديًا برئاسة القائد أدارفارس Adarphares بتنفيذ هذا الأمر. وحين اجتمع داوساس وماريابُس Mariabus الأسقف المساعد والكهنة والشمامسة والشعب للاحتفال أعلمهم القائد برغبة الملك أن يذهبوا إلى مدينة صافت Saphet تحت جبل ناصبدين Nasebden في مقاطعة دافِن Daven، فأطاعوا ولكن حين وصلوا إلى أبواب المدينة أمر أدارفارس بالقبض عليهم وأخبرهم بأن الملك سمع أنهم يلعنوه، ولذلك فعليهم إما أن يعبدوا النار أو يأمر بقتلهم.

حين سمع داوساس ذلك صرخ نحو أدارفارس قائلاً: "إن دم المسيحيين في الشرق مازال يقطر من بين أصابعكم. وسوف ترون أيضًا دماء المسيحيين في الغرب تراق"، ثم التفت إلى قطيعه وقال: "تشجعوا، وافتكروا أننا سوف نُعتَق من نير العبودية لنعود إلى بلدنا".

قُتلوا الأسرى خمسين خمسين حتى وصل العدد إلى 265 شهيدًا بينما أنكر الإيمان 25 منهم. كان الشماس إبِدجيسو (عبد يسوع) Ebed - Jesu أحد الذين نُفِّذ فيهم الحكم وتُرِك ليموت، ولكن اعتنى به أحد الرجال في المنطقة حتى استعاد قوته، ودفن داوساس وماريابُس وبعض الكهنة معًا في مغارة أسفل الجبل وأغلقوا مدخلها بالحجارة.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 790.

دجنيانوس الوالي القديس

مع الأنبا ثيئودورس أسقف القيروان

هو والي القيروان، قَبَض على الأنبا ثيئودورس أسقف القيروان بشمال أفريقيا بناء على أوامر الإمبراطور دقلديانوس.

أمر بجلده بالسياط حتى سال دمه غزيرًا وأنهكت قواه. لكن ما أن تمالك الأسقف نفسه حتى زحف على الأرض تجاه المذبح الوثني الذي كان مقامًا في ساحة المحكمة، فظن الناس أن إيمان الأسقف قد ضعف، وأنه مزمع أن يقرب للأوثان. لكن ما أن وصل إليه حتى دفعه بكل ما تبقى فيه من قوة فانقلب إلى الأرض. ثار القاضي وأمر بسلخ جلده وصب خل على جسمه، لكنه في كل ذلك ظل ثابتًا، فأمر القاضي بقطع لسانه لكن افتقده السيد المسيح في السجن وشفى كل جراحاته وأعاد إليه لسانه.

كانت هذه الأعاجيب سببًا في إيمان لوكيوس حارس السجن، أما دجنيانوس فملكت عليه الدهشة، فأفرج عن الأسقف.

عماده

اعتمد لوكيوس على يد الأنبا ثيئودورس وحاول اجتذاب الوالي والقاضي إلى الإيمان، فأفلح مع ديجنيانوس وفشل مع القاضي. وغادر لوكيوس وديجنيانوس البلاد وذهبا إلى جزيرة قبرص وهناك كُشف أمرهما. فذهب لوكيوس وأعلن إيمانه أمام والي الجزيرة وقطعت رأسه بالسيف. أما ديجنيانوس فقضي بقية حياته في سيرة مقدسة.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 121.

دراكونتيوس

كان شاعرًا ومحاميًّا لاتينيًّا (حوالي 450 - 496م)؛ تدرب على الخطابة في قرطاجنة. بعد هجوم الفاندال Vandals سُجن، لأنه وضع شعرًا يمتدح فيه الإمبراطور الروماني.

بجانب أشعاره الدنيوية والتي تضم رموزًا أسطورية وضع شعرًا عن الكفاية Satisfactia فيه يقدم اعترافًا بالذنب، طالبًا الصفح من الملك الفندالي.

كما وضع De laudibus Dei شعرًا في مدح الله، عُرف في العصور الوسطى باسم Hexameron أو حديث عن الخليقة.

Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, 1998.

دروسيس ويؤنَا الشهيدتان

تضرعها إلى الإله المجهول

كانت دروسيس ابنة للملك الوثني أدريانوس، الذي لشدة محبته لها بنى مقصورة خاصة تختلي فيها. ومع كونها أميرة وثنية إلا أنها كانت تفكر في نهاية هذه الحياة. تضرعت إلى الإله المجهول أن يبين لها الطريق الذي يجب أن تسلكه، فسمعت ذات مرة صوتًا يقول لها: "استحضري العذراء يؤنَّا وهي تعلمك طريق الرب".

ابتهجت الأميرة، وأرسلت لساعتها إلى الشابة المشار إليها فجاءتها من غير تردد، وأخذت يؤنَّا تُعلم الأميرة عن السيد المسيح وعن سبب تجسده وحلوله في بطن العذراء القديسة مريم، فآمنت دروسيس بالسيد المسيح.

اعتادت القديستان على التعبد ليلاً ونهارًا وعلى الصوم والصلاة، فرأتا ذات ليلة السيد المسيح يضع يده على رأسيهما ويباركهما بينما كانت السيدة العذراء واقفة إلى جانبه.

استشهادهما

كان أدريانوس قد ذهب للحرب، فلما عاد خُطِبت ابنته للزواج وأراد أبوها أن يأخذها معه للتبخير إلى الآلهة فرفضت معلنة أنها لن تسجد إلا للرب يسوع رب السماء والأرض. دُهِش الملك واستفهم عمن علمها، وحينما عرف أنها يؤنَّا هي السبب أصدر أمره بحرقهما معًا، فأخرجوهما خارج المدينة يتبعهما كثيرون وهم يبكون عليهما ويأسفون على شبابهما، وحاول البعض منهم إقناعهما بالتبخير للأوثان فرفضتا رفضًا قاطعًا.

حفر الجنود الحفرة وأوقدوا فيها النار، فأمسكت دروسيس بيد يؤنَّا وقفزتا معًا في وسط الحفرة ثم اتجهتا نحو الشرق وصليتا، فلما خمدت النار تقدم بعض المؤمنين لأخذ الجسدين فوجدوهما ملتصقين ببعضهما ولم تتغير ثيابهما ولا حليهما، فوضعوهما في مكان أمين ثم بنوا كنيسة كبرى على اسميهما.

السنكسار الأمين، 18 هاتور.

دِسيدراتُس الأسقف القديس

عاش في القرن الثاني عشر وكان الأسقف الثاني عشر لبيسانكون Besancon، وتُعِّيد له الكنيسة في السابع والعشرين من شهر يوليو.

كان والداه من أصل شريف، وبإعلان إلهي وُعِدا بابن يستحق الجلوس على كرسي الأسقفية بسبب فضائله. وبالفعل عاش دِسيدراتُس حياة نقية مقدسة، حتى أنه بعد نياحة الأسقف فرونيميوس Fronimius أجمع الإكليروس والشعب على اختياره أسقفًا.

في الحال بدأ الأسقف دِسيدراتُس يعمل على غرس كلمة الله في قلوب المؤمنين وعقولهم ويشفي المرضى ويزور الأسرى والمسجونين ويفتقد الأرامل والمحتاجين، ويرعى الشعب الذي ائتمنه عليه الرب، وقد ترك تلاميذ كثيرين، كان بعضهم كهنة.

وبعد نياحته دُفِن القديس دِسيدراتُس في كنيسة Lyon le Saunier.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 817.

دلفينوس الأسقف

هو أسقف مدينة بوردو Bordeaux، وقد تنيح سنة 403م.

تأتي شهرته وقداسته بسبب رسائله المتبادلة مع القديس أمبروسيوس، وأيضًا بسبب تأثيره على القديس بولينوس Paulinus الذي صار مسيحيًا وتعمّد على يديه.

Butler, December 24.

دَلماتيوس العابد القديس

يجب أن نميزه عن دلماتيوس الراهب بالقسطنطينية، وقد صار أسقفًا علىCyzicus، هذا الذي اشترك في مجمع أفسس.

كان دلماتيوس راهبًا ورئيس دير بجوار القسطنطينية في وقت مجمع أفسس؛ وكانت له شهرته لتقواه وقوة شخصيته وغيرته المتقدة.

نشأته

خدم في الفريق الثانى للحراسة الإمبراطورية في عهد ثيؤدوسيوس الكبير، وكان متزوجًا ولديه أبناء، وكان يتسم بالحياة الروحية السامية.

إذ شعر بشوقٍ شديدٍ للحياة الرهبانية فاتح زوجته في الأمر فوجد لديها قبولاً. ترك لها الأولاد وأخذ معه ابنه فوستوس Faustus، وانطلق إلى الأب اسحق الذي عاش في البرية منذ طفولته.

سامه الأب اسحق قبل نياحته ايغومينوس، ليشرف على الدير تحت رعاية البطريرك اتيكيوس Atticus. وكان يلجأ إليه آباء المجامع وبطاركة وأباطرة. كانوا يخاطبونه كرئيس لجميع أديرة القسطنطينية، وليس من المعروف إن كان قد نال قوة هذا اللقب رسميًا أم من أجل تكريمهم له.

قرارات مجمع أفسس

كان معاصرًا لمجمع أفسس الذي انعقد يوم الأحد 13 بؤونة سنة 147ش الموافق 7 يونيو سنة 431م، والذي قرر فيه الآباء المائتان المجتمعون إدانة نسطور الهرطوقي وخلعه من رئاسته لكرسي القسطنطينية.

ولما رأى الآباء أن كانديديان مندوب الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير في المجمع، والذي كان مواليًا لنسطور، يعمل بكل الطرق الممكنة لعدم وصول القرارات والأحكام إلى الإمبراطور في القسطنطينية، فكروا في طريقة لتوصيل قراراتهم للإمبراطور.

أحضروا شخصًا ارتدى ملابس شحاذ وأمسك في يده عكازًا مفرغًا وضعت بداخله قرارات المجمع. استطاع بهذه الحيلة أن يفلت من الحصار الشديد الذي فرضه كانديديان على المدينة كلها، وأن يصل إلى دَلماتيوس العابد الذي كان الإمبراطور يجلّه كثيرًا لقداسته وتقواه ويزوره للتبرك منه في مغارته التي لم يغادرها منذ ثمان وأربعين سنة إلا من أجل الدفاع عن الإيمان.

اجتمع دلماتيوس برؤساء الأديرة وأخذوا معهم عددًا ضخمًا من الرهبان حيث اجتمعوا كفريقين، يحملون الشموع ويرددون الألحان، كل فريق على حدة، في منظرٍ بديعٍ. التقى الإمبراطور برؤساء الأديرة بينما كان الرهبان يرتلون التسابيح، وعرض دلماتيوس الأمر على الإمبراطور، وتحقق الأمر.

طلب رؤساء الأديرة من الشعب أن يذهب إلى كنيسة ليسمعوا خطاب المجمع ورسالة الإمبراطور. هناك وقف الكاهن دلماتيوس وطمأن الشعب بأن الإمبراطور قد دعا الفريقين للحضور إلى القسطنطينية وأنه سيستمع إليهما.

بطاركة عظماء لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية (ج 2)، صفحة 100.

دميان الشهيد

استشهد هذا القديس بمدينة إنطاكية، وقد احتمل عذابات شديدة حتى أسلم نفسه بيد الرب.

السنكسار، 23 مسرى.

دميان وقزمان واخوتهما وأمهم الشهداء

نشأتهم

عاش القديسون قزمان ودميان واخوتهما انثيموس ولاونديوس وابرابيوس وأمهم ثاؤذوتي في مدينة أجاس وهي ميناء بمقاطعة كيليكية بمنطقة أرابيا بآسيا الصغرى، في نهاية القرن الثالث الميلادي.

لا نعرف شيئا عن الوالد، أما الأم ثأوذوتي أو ثيؤدوره وتعني "عطية الله"، فكانت تتقي الله، مُحبة للغرباء، رحومة. ترمّلت وأولادها بعد أطفال، فربّتهم وعلّمتهم مخافة الرب ومحبة الفضيلة.

طبيبان مؤمنان

كانت هذه الأسرة غنية جدًا. تعلّم قزمان ودميان صناعة الطب، وكانا يعالجان المرضى بلا أجر، أما اخوتهما فمضوا إلى البرية وترهّبوا.

مع مهارة الصبيان قزمان ودميان كانا يهتمان في عملهما بالإيمان بالله طبيب النفوس والأجساد. وكان الله يهبهما نعمة خاصة، فيشفيان المرضي بقوة فائقة للطبيعة مع استخدامهما للأدوية. كانا شعارهما في حياتهما اليومية وعملهما "إن أكلتم أو شربتم أو فعلتم أي شيء فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1كو31: 10).

الطبيبان بلا فضة

دفعهما نجاحهما في عملهما خلال نعمة الله بالأكثر إلى ممارسة حياة الكفاف مع الصلاة والأمانة، فكانا يخشيان تعلق نفسيهما بمحبة الفضة فيسقطان في شرور كثيرة. اشتهرا بلقب الطبيبين بلا فضة، ودعاهما الوثنيون مبغضي الفضة.

أمانتهما في عملهما وحياتهما التقوية مع اتكالهما علي الرب جذب كثير من المرضى الوثنيين إلي الإيمان المسيحي.

جاء في التسبحة خاصة بالشهيدين التي كانت تُنشد في الغرب:

"كانا الدارسين فن الطب يهبان خلال العطية الإلهية جميع المتعبين الصحة مجانًا،

يهبان الشفاء للمرضي والحزانى،

يقدمان لمن يشكو ما ينتظره منهما بلا مقابل.

يهبان النظر للعميان، والشفاء للعرج والمساعدة للصُم.

قيل عنهما أنهما كانا يهتمان بعلاج الإنسان والحيوان،

إذ كانا يترفقان ببني البشر كما بالحيوانات ".

شفاء بالاديا

أنفقت بالاديا كل ما لديها على أطباء كثيرين حتى افتقرت. وأخيرًا سمعت عن هذين القديسين فلجأت إليهما. صليا من أجلها وقدما لها الدواء، وإذ شفيت قدمت هدية بسيطة للقديس دميان فرفضها بشدة، إذ كانت محتاجة.

شهادة القديسين للسيد المسيح

لما ارتد دقلديانوس عن الإيمان وأمر بعبادة الأوثان، استدعاهما ليسياس الحاكم ودخل معهما في حوار عن كرازتهما بالإيمان بالسيد المسيح وهما طبيبان. أجابا أنهما اختارا مهنة الطب لا لمكسبٍ ماديٍ بل لمنفعة الجميع، وأن ربنا يسوع المسيح يهبهما قوة الشفاء، لذلك آمن كثيرون به.

ثار الحاكم عليهما جدًا وإذ استعلم منهما عن مكان اخوتهما، استحضرهم ومعهم أمهم، وأمرهم أن يبخروا للأوثان فلم يطيعوه. حاول الحاكم أن يغريهم بوعود زمنية باطلة، وإذ لم يستجيبوا بدأ يهددهم بالاتهام أنهم يعصون أمر الإمبراطور.

أجابه الاخوة المباركون أنهم مسيحيون، ومن أجل إيمانهم يُضطهدون، وأنهم منذ زمن طويل يشتهون احتمال الآلام حتى الموت، بل وكانوا يتعجلون هذا الأمر إذ يريدون الالتقاء بالسيد المسيح. فأمر أن يُعصر الخمسة في المعصرة. كان القديسان يشجعان اخوتهم الصغار علي التمسك بالإيمان، وإذ رأي الحاكم ثباتهم أمر بطرحهم في البحر وهم مقيّدون بالسلاسل، لكن الرب تمجد فيهم، فأرسل ملاكه وحطّم السلاسل وأنقذهم حيث دفعتهم الأمواج إلي الشاطئ سالمين.

شفاء الحاكم

إذ سمع ليسياس بما حدث معهم استدعاهم وصار يلعنهم ويلعن اسم الله القدوس بآلهته الوثنية، لكن ملاكًا لطمه فدخلت فيه أرواح شريرة كانت تعذبه.

اشتدت الآلام فاستدعي القديسين وطلب العفو منهما. تحنّنا عليه وصليا من أجله أن يغفر له السيد المسيح، فشُفي للحال.

عودة للعذابات

سرعان ما عاد الحاكم إلي عنفه وقسوته، فأمر بتعليق القديسين قزمان ودميان علي صليبين ورجمهما بالحجارة، فكانت الحجارة لا تكاد تمس جسديهما حتى ترتد بقوة علي الراجمين. أما اخوتهما فقُيدا وأُلقيا بين الصليبين ليُرموا بالسهام، فكانت السهام ترتد علي ضاربيها. أخيرًا اضطر الكل أن يهربوا.

أمر الحاكم بحل وثاقهم وإلقائهم في أتون النار ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ ثم طرحهم في مستوقد حمام. وأخيرًا وضعهم على أسرّة من الحديد محمّاة، فأقامهم الرب أحياء بغير فساد.

ولما تعب الوالي من تعذيبهم أرسلهم إلى الملك فعذبهم هو أيضًا. وكانت أمهم تُعزيهم وتُصبّرهم. انتهرها الملك فوبّخته على قسوته وعلى عبادة الأوثان، فأمر بقطع رأسها ونالت إكليل الحياة، وبقى جسدها مطروحًا لم يجسر أحد أن يدفنه. فصرخ القديس دميان في الحاضرين قائلاً: "يا أهل المدينة أليس فيكم أحد ذو رحمة، فيستر جسد هذه العجوز الأرملة ويدفنها؟" عند ذلك تقدم بقطر بن رومانوس وأخذه وكفنه ثم دفنه.

لما علم الملك بما عمله بقطر أمر بنفيه إلى ديار مصر، وهناك نال إكليل الشهادة. وفي الغد أمر الملك بقطع رؤوس القديسين قزمان ودميان واخوتهما فنالوا إكليل الحياة في ملكوت السموات.

وبعد أن انقضى زمان الاضطهاد، بُنيت لهم كنائس عديدة، أظهر الرب فيها آيات وعجائب كثيرة.

تُعيد لهم الكنيسة الغربية في 27 سبتمبر، وفي الخميس الرابع من الصوم الكبير. وتعيد لهم الكنيسة القبطية في يوم 22 هاتور و22 بؤونة من كل عام.

صلوات هؤلاء القديسين تكون معنا جميعًا. آمين.

القمص بيشوي عبد المسيح: القديسان قزمان ودميان.

دميانة الشهيدة والأربعون عذارى الشهيدات

نشأتها

وُلدت من أبوين مسيحيين تقيين في أواخر القرن الثالث، كان أبوها مرقس واليًا على البرلس والزعفران بوادي السيسبان. إذ بلغت العام الأول من عمرها تعمدت في دير الميمة جنوب مدينة الزعفران، وأقام والدها مأدبة فاخرة للفقراء والمحتاجين لمدة ثلاثة أيام، بعد فترة انتقلت والدتها.

أمير يطلب يدها

تقدم أحد الأمراء إلى والدها يطلب يدها، وكانت معروفة بتقواها ومحبتها للعبادة مع جمالها وغناها وأدبها. عرض الوالد الأمر عليها، فأجابته: "لماذا تريد زواجي وأنا أود أن أعيش معك؟ هل تريدني أن أتركك؟"

تعجب والدها لإجابتها هذه، فأرجأ الحديث عن الزواج. لاحظ على ابنته أنها عشقت الكتاب المقدس وارتوت به، وكانت تلجأ إلى حجرتها الخاصة تسكب دموع الحب الغزيرة أمام الله مخلصها، كما لاحظ تعلقها الشديد بالكنيسة مع كثرة أصوامها وصلواتها، وحضور كثير من الفتيات صديقاتها إليها يقضين وقتهن معها في حياة نسكية تتسم بكثرة الصلوات مع التسابيح المستمرة.

بناء قصر لها

في سن الثامنة عشر كشفت عن عزمها على حياة البتولية، فرحب والدها بهذا الاتجاه. ولتحقيق هذه الرغبة بنى لها قصرًا في جهة الزعفران بناءً على طلبها، لتنفرد فيه للعبادة، واجتمع حولها أربعون من العذارى اللواتي نذرن البتولية.

فرحت البتول الطاهرة دميانة لمحبة والدها لها التي فاقت المحبة العاطفية المجردة، إذ قدم ابنته الوحيدة ذبيحة حب لله.

عاشت القديسة مع صاحباتها حياة نُسكية رائعة. امتزج الصوم بالصلاة مع التسبيح الذي حوَّل القصر إلى سماء يُسمع فيها صوت التهليل المستمر.

سقوط والدها

في أثناء الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس ضعف أبوها مرقس وبخر للأوثان. فما أن سمعت دميانة هذا الخبر حتى خرجت من عزلتها لتقابل والدها. طلبت القديسة دميانة من صديقاتها العذارى أن يصمن ويُصلين لأجل خلاص والدها حتى يرجع عن ضلاله.

التقت القديسة بوالدها، وفي شجاعةٍ وبحزمٍ قالت له: "كنت أود أن أسمع خبر موتك عن أن تترك الإله الحقيقي". كما قالت له: "اعلم يا والدي أنك إذا تماديت في هذا الطغيان لست أعرفك وسأكون بريئة منك هنا وأمام عرش الديان حيث لا يكون لك نصيب في الميراث الأبدي الذي أعده الله لمحبيه وحافظي عهده". صارت تبكته بمرارة عن جحده لمسيحه مهما كانت الظروف. وسألته ألا يخاف الموت، بل يخاف من يُهلك النفس والجسد معًا، وألا يجامل الإمبراطور على حساب إيمانه وأبديته.

مع حزمها الشديد وصراحتها الكاملة كانت دموع محبتها تنهار بلا توقف، وهي تقول له: "إن أصررت على جحدك للإله الحقيقي، فأنت لست بأبي ولا أنا ابنتك!"

قيام مرقس من السقوط

ألّهبت هذه الكلمات والدموع قلب مرقس، فبكى بكاءً مرًا وندم على ما ارتكبه. في توبة صادقة بروح التواضع المملوء رجاءً قال لها: "مباركة هي هذه الساعة التي رأيتك فيها يا ابنتي. فقد انتشلتيني من الهوة العميقة التي ترديت فيها. وتجددت حياتي استعدادًا لملاقاة ربى العظيم الذي أؤمن أنه يقبلني إليه".

وبروح الرجاء شكر الله الذي أيقظ قلبه قائلاً: "أشكرك يا إلهي لأنك نزعت ظلمة الكفر عن قلبي. الفخ انكسر ونحن نجونا..." فتركها للوقت وذهب إلى إنطاكية لمقابلة دقلديانوس وجهر أمامه بالإيمان، وندم عما أتاه من تبخير للأصنام.

تعجّب الإمبراطور لتحوّل هذا الوالي المتسم بالطاعة، والذي ترك إيمانه وبخر للأوثان أنه يجاهر بإيمانه بكل قوة. وبخ مرقس الإمبراطور على جحده الإيمان، وحثه على الرجوع إلى الإيمان الحيّ. لم يتسرع الإمبراطور في معاقبته بل استخدم محاولات كثيرة لجذبه إليه، وإذ لم يتراجع مرقس ثارت ثائرة الطاغية، وأمر بقطع رأسه. وكان ذلك في الخامس من أبيب، في عيد الرسل.

انتشر الخبر في كل الولاية وتهلل قلب ابنته القديسة دميانة، فقد نجا والدها من الهلاك الأبدي ليُشارك مسيحه أمجاده. وفي نفس الوقت حزن الإمبراطور على مرقس، إذ كان موضع اعتزازه وتقديره.

بعد أيام علم دقلديانوس أن ابنته دميانة هي السبب في رجوع مرقس إلى الإيمان المسيحي، فأرسل إليها بعض الجنود، ومعهم آلات التعذيب، للانتقام منها ومن العذارى اللواتي يعشن معها. شاهدت القديسة الجند قد عسكروا حول القصر وأعدوا آلات التعذيب، فجمعت العذارى وبروح النصرة أعلنت أن الإمبراطور قد أعد كل شيء ليُرعبهم، لكن وقت الإكليل قد حضر، فمن أرادت التمتع به فلِتنتظر، وأما الخائفة فلتهرب من الباب الخلفي. فلم يوجد بينهن عذراء واحدة تخشى الموت. بفرحٍ شديدٍ قُلن أنهم متمسكات بمسيحهن ولن يهربن.

شركة آلام مع المسيح

التقى القائد بالقديسة وأخبرها بأن الإمبراطور يدعوها للسجود للآلهة ويقدم لها كنوزًا كثيرة ويُقيمها أميرة عظيمة. أما هي فأجابته: "أما تستحي أن تدعو الأصنام آلهة، فليس إله سوى رب السماء والأرض. وأنا ومن معي مستعدات أن نموت من أجل اسمه".

اغتاظ القائد وأمر أربعة جنود بوضعها داخل الهنبازين لكي تُعصر. وكانت العذارى يبكين وهنّ ينظرن إليها تُعصر. أُلقيت في السجن وهي أشبه بميتة، فحضر رئيس الملائكة ميخائيل في منتصف الليل ومسح كل جراحاتها.

في الصباح دخل الجند السجن لينقلوا خبر موتها للقائد، فكانت دهشتهم أنهم لم يجدوا أثرًا للجراحات في جسمها. أعلنوا ذلك للقائد، فثار جدًا وهو يقول: "دميانة ساحرة! لابد من إبطال سحرها!"

إذ رأتها الجماهير صرخوا قائلين: "إننا نؤمن بإله دميانة"، وأمر القائد بقتلهم.

ازداد القائد حنقًا ووضع في قلبه أن ينتقم من القديسة بمضاعفة العذابات، حاسبًا أنها قد ضلَّلت الكثيرين.

أمر بتمشيط جسمها بأمشاط حديدية، وتدليكه بالخل والجير، أما هي فكانت متهللة. إذ حسبت نفسها غير أهلٍ لمشاركة السيد المسيح آلامه.

أُلقيت في السجن، وفي اليوم الثاني ذهب القائد بنفسه إلى السجن حاسبًا أنه سيجدها جثة هامدة، لكنه انهار حين وجدها سليمة تمامًا، فقد ظهر لها رئيس الملائكة ميخائيل وشفاها.

في ثورة عارمة بدأ يُعذبها بطرق كثيرة ككسر جمجمتها وقلع عينيها وسلخ جلدها، لكن حمامة بيضاء نزلت من السماء وحلّقت فوقها فصارت القديسة معافاة.

كلما حاول القائد تعذيبها كان الرب يتمجد فيها. أخيرًا أمر بضربها بالسيف هي ومن معها من العذارى، فنلن جميعًا أكاليل الشهادة. وقبل أن يهوي السيف على رقبة القديسة دميانة قالت: "إني أعترف بالسيد المسيح، وعلى اسمه أموت، وبه أحيا إلى الأبد". وكان ذلك في 13 طوبة.

مازال جسد الشهيدة دميانة في كنيستها التي شيدتها لها الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين، والكائنة قرب بلقاس في شمال الدلتا. قام البابا الكسندروس بتدشينها في اليوم الثاني عشر من شهر بشنس.

ملحق بالكنيسة دير القديسة دميانة، كما بنيت كنائس كثيرة باسمها في القطر المصري.

مكتبة المحبة: سيرة الشهيدة دميانة.

دميانوس البابا الخامس والثلاثون

كان متضلّعًا في العلوم الدينية والمدنية. انتظم في سلك الرهبنة منذ صباه في دير أبى يحنس تحت إرشاد أب قديس، ولبث عابدًا مجاهدًا 16 سنة ثم رسم شماسًا.

تشبّعت نفس دميانوس بتعاليم أبيه الروحي، ومن ثم اندفع إلى الجهاد ليل نهار لاكتساب المعرفة حتى أصبح مقتدرًا بالقول والفعل، متشحًا بالنعمة الإلهية.

في دير باتيرون

ترك دير القديس يؤانس القصير وقصد إلى دير معروف باسم باتيرون (أي الآباء) غربي مدينة الإسكندرية وهناك زاد نسكه. ولما جلس البابا بطرس الرابع والثلاثون على كرسي الكرازة المرقسية استحضره وجعله سكرتيرًا له يشاطره أعباء الرعاية، فترك حياة العزلة ليعيش في الإسكندرية مع باباه.

باباويته

لما تنيح البابا بطرس اتفق رأي الإكليروس والشعب على اختياره خلفًا له. ولكن العقبات التي كان يقيمها القابضون على الحكم إذ ذاك حالت دون رسامته، فلم يتمكن الأساقفة من وضع اليد عليه إلا بعد مضي سنتين كاملتين على انتقال سلفه العظيم، فاعتلى كرسي البطريركية في 2 أبيب سنة 285 ش (26 يونية سنة 569م).

حفظ الإيمان المستقيم

في زمن رعويته قاوم المبتدعين، ومنهم أتباع الأسقف ميلتيوس الليكوبولي (الأسيوطي) وكتب رسائل كثيرة يوضّح فيها العقيدة والتعاليم الأرثوذكسية السليمة. وإذ حاول اتباع ميلتيوس إفساد فكر الرهبان أمر بطردهم من الأديرة. كتب أيضًا رسالة إلى بطرس البطريرك الأنطاكي الذي خلف الأنبا ثيئوفانيوس، ردًا على رسالته التي أرسلها للبابا دميانوس بعد رسامته على كرسي إنطاكية.

ففي البداية فرح البابا دميانوس بالرسالة، لكنه إذ فحص ما ورد فيها وجد فيها عثرة في الاعتراف بالثالوث القدوس، ومؤدى كلامه أنه لا داعي لذكر التعليم بالثالوث القدوس بالمرة. أراد البابا أن يكسب البطريرك الأنطاكي بكل رفق حتى لا يخسر الاتحاد بين الكرسيين. وكتب إليه مقالاً يذكر فيه اعتراف المجامع المسكونية والآباء القديسين بالثالوث القدوس. وإذ لم يقبل البطريرك بطرس ذلك اضطر البابا دميانوس أن يبعث إليه رسالة شديدة اللهجة. بعدها عقد مجمعًا حكم على بدعته بالحرم وعليه بالقطع، مما سبب خلافًا بين الكنيستين ذام قرابة عشرين عاما حتى مات بطرس المخالف.

اهتم البابا بوضع ميامر ومقالات، وجاءت كتاباته تمتاز بسلاسة المنطق وبالغيرة المتقدة، فاجتذبت عددًا وفيرًا من المبتدعين إلى العقيدة الأرثوذكسية.

استولى الملكيون على جميع كنائس الإسكندرية، إذ كان بطريرك الملكيين قد مات عام 569م، وخلفه بطريرك آخر اسمه يوحنا، كان في الأصل من قادة الجيش، تمت رسامته في القسطنطينية ثم أرسل إلى مصر ليستولي على إيراد الكنائس. غير أن هذا البطريرك كان محبًا للسلام والهدوء فلم يستخدم القوة في إلزام الأقباط على ترك عقيدتهم، بل ترك لهم الحرية الكاملة. انزوى البابا داميانوس في قلايته بدير النطرون ولم يدخل في مناوشات مع البطريرك الدخيل.

لقد داوم البابا دميانوس على تعليم شعبه وتثبيته على الإيمان الأرثوذكسي، كما داوم على الأصوام والصلوات مدى حياته. وهذا الجهاد المقترن بالتقشف لم يكن ليؤثر فيه لولا ما صادفه من ضيق وتعب، فمرض بضعة أيام انتقل بعدها إلى المساكن النورانية سنة 605م، وكانت مدة رئاسته ستًا وثلاثين سنة.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثاني صفحة 163.

دهوم وابنتها وحفيدتها الشهيدات

استدعاؤها

بعد أن استشهد الزوج أرسل الملك اليهودي يستدعي الزوجة دهوم بنت أذمع من نجران؛ وطلب منها الحضور لتجحد مسيحها وإلا تموت.

لقاء مع النجرانيات

إذ جاءها الرسول نزلت مع ابنتها وحفيدتها من المنزل متجهة نحو الملك. اجتمع حولها كثير من النساء المسيحيات واليهوديات والوثنيات. التقين بهن، وقد ظهرت علامات الفرح والبهجة على وجهها. وفي حديث طويل معهن قالت لهن:

"أيتها النساء النجرانيات، أنتن تعلمن إني مسيحية. وتعلمن جنسي وعشيرتي، فلديّ من الذهب والفضة الكثير، وأيضًا العبيد والإماء، ولا يعوزني شيء.

لقد قُتل زوجي من أجل المسيح، فإن شئتُ أن أصير لرجلٍ فإن كثيرين يطلبونني. لديّ أربعين ألف دينارًا في خزينتي غير ما تركه لي زوجي مع حُليّ وجواهر وحجارة كريمة...

إنني اليوم أتمتع بالفرح كأيام عرسي الأول، وقد زينت بناتي الثلاث للسيد المسيح عِوض زواجهن...

لقد دخلت مرفوعة الجبين في زفافي الأول.

والآن اذهب إلى المسيح ربي وإلهي وإله بناتي مرفوعة الجبين ".

محاكمتها

إذ التقت بالملك اليهودي طلب منها أن تقول بأن المسيح إنسان وأن تبصق على الصليب وتمضي إلى بيتها هي ومن معها.

دُهشت الحفيدة لكلمات الملك، وكانت في التاسعة من عمرها. وإذ سمعت ذلك بصقت على الملك وقالت: "يعلم الله أن جدتي أشرف منك ومن أمك، وعشيرتي أنبل من عشيرتك يا أيها القاتل ربّك!"

مذبحة قاسية

إذ سمع الملك ذلك أمر بإلقاء الجدة على الأرض وذبح الحفيدة على وجهها حتى يسيل دم الحفيدة في فم الجدة، ثم ذُبحت والدتها آمة على صدر أمها وسال دمها في فمها.

أقامها الملك، وفي سخرية قال لها: "كيف تتذوقين دم حفيدتك وابنتك؟"

أجابته دهوم: "إني أتذوقه كقربانٍ طاهرٍ لا عيب فيه". فأمر الملك بقطع رقبتها وكان ذلك في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 523م.

دوروتاها أودوروثي العذراء والشهيدة

البتول عروس المسيح

دورثي Dorothy أو Dorothea، هي عذراء في قيصرية كبادوكيا عُرفت بتقواها. كان والدها من أشراف روما، وأحد قضاتها، يُدعى تادوروس واسم زوجته تاودورا. إذ اشتد الاضطهاد جدًا على المسيحيين هربا إلى كبادوكيا واستوطنا في مدينة قيصارية. وهناك رزقا بدوروتاها وتعزّيا بها جدًا. فقد تسامت جدًا في الفضيلة، وخاصة في التواضع والوداعة والعفة. كما زينها الله بعقل ثاقب حتى صارت فريدة في عصرها. وقد طلب كثيرون يدها لكنها رفضت، إذ كان قلبها ملتهبًا بحب عريسها السماوي. وقد وضعت في قلبها أن تحفظ بتوليتها. أُعجب الكل بها فدعوها "عروس المسيح".

مع الحاكم سوبريكيوس

كان لها شهرتها، حتى أنه إذ جاء الحاكم فابريكيوس Fabricius أو سوبريكيوس Sopricius أو إبريكيوس Apricius إلى قيصرية تحدث البعض معه عن جمالها البارع وعقلها الثاقب وقالوا له أنها تصد المسيحيين عن عبادة آلهة الملك. أرسل إليها سوبريكيوس يستدعيها، وإذ تحدث معها في المحفل شعر الكل بوقارها.

سألها الحاكم: "لماذا لا تعبدين الآلهة كما أمر الملك؟"

أجابته: "لست أعرف إله غير خالق السماء والأرض بقوة كلمته..."

دُهش لحكمتها لكنه بدأ يهددها ويتوعدها إن لم تسجد للأوثان كأمر قيصر. أجابته إنها لا تخشى العذاب ولا الموت، بل تتوق في أعماقها إلى بذل دمها من أجل من بذل دمه الكريم لأجلها... وتحدثت عن شخص المسيح وكشفت عن شوقها نحو الأبدية.

عرض عليها الزواج منها وألا تتعرض للعذابات، فرفضت وأكدت له إنها عروس المسيح. ضاق ذرعًا أمام حكمتها وشجاعتها فأمر بسجنها.

استدعى الحاكم أختين ارتدّتا عن الإيمان، ونالتا هبات كثيرة، وأراد منهما أن تحاولا إغراء دوروتاها بالزواج، وأن تجحد مسيحها وتقدم ذبائح للأوثان، فتنالا منه ومن قيصر مكافأة عظيمة فوافقتا على ذلك.

إنقاذ كرستينا وكالستينا

كأمر الحاكم اقتيدت دوروتاها إلى منزل هاتين الأختين كرستينا وكالستينا وتُسلم إليهما. حاولا إغرائها، أما هي فبدأت تحدثهما عن بركات الإيمان بالرب يسوع والشهادة له حتى انسحقتا في داخلهما، لكن اليأس كان قد تسرب إلى قلبيهما بسبب جحودهما الإيمان. أما هي فكشفت لهما بأن اليأس أبشع من إنكار الإيمان، وأن كلمة الله نزل من السماء ليضم إليه الجميع، فهو طبيب البشر من كل أمراضهم.

ركعت الأختان عند قدمي القديسة وطلبتا الصلاة من أجلهما لكي يغفر لهما الرب خطاياهما، وكانتا تبكيان بدموع غزيرة.

وإذ جاء رسول الحاكم ذهب الثلاثة معًا وكانت المفاجأة عِوض إنكار دوروتاها للإيمان أن اعترفت الأختان بالإيمان علانية أمام الحاكم وأمام محفل غفير، وأنهما قد ارتكبتا جرمًا عظيمًا بجحد الإيمان.

لم يحتمل الحاكم الموقف، فمزق ثيابه وأمر بأن توثق الأختان ظهرًا لظهر وتلقيان في خلقين مملوء زيتًا مغليًا. فكانتا تشكران الله وتطلبان منه السماح عمّا سبق ففعلاه. تقدمت نحوهما دوروتاها وخاطبتهما قائلة: "تقدماني يا أختي وتيقنا أن خطيتكما خطية الجحود قد غفرت لكما."

أمر الحاكم بإلقائها هي أيضًا بعد نياحة الأختين غير أن الله حفظها سالمة لتشهد لمسيحها، فآمن كثيرون به.

تعرّضت لعذابات كثيرة، وكانت نعمة الله تعمل فيها فكانت متهللة ومبتهجة. سألها الحاكم عن علّة سرورها، فأجابته بأنها متهللة لأن الله استخدمها لتقوية الأختين اللتين سبق أن أسرهما الشيطان بواسطته.

أمر الحاكم بقطع عنقها، فهتفت قائلة: "أشكرك يا محب النفوس ومخلصها، لأنك تدعوني إلى فردوسك السماوي"، ثم خرجت من المحفل.

مع الشاب الشريف ثاوفيلس

دنا الشاب الشريف المحامي ثاوفيلس من العذراء وفى تهكم قال لها: "إلى أين تمضين يا دوروتاها؟" أجابته: "إني ماضية بسرور إلى بستان عريسي". وفى شيء من السخرية قال لها: "أسألك يا عروس المسيح أن ترسلي لي قليلاً من الفاكهة وورود بستان عريسك". قالت له: "اعلم يقينًا أنه سيتم هذا الأمر كما طلبت". وإذ بلغت ساحة الاستشهاد تقدم إليها طفل جميل المنظر وقدم لها صحفة فيها ثلاث ثمرات وثلاثة ورود بأوراقها الخضراء مع أن الوقت كان شتاء. أما هي فقالت له: "أهدِ هذه من قبلي إلى ثاوفيلس وقل له أن هذه الفواكه والزهور من بستان عريسي يسوع"، ثم ذهب الطفل وتقدمت للسياف لتتمتع بإكليل الشهادة في حوالي سنة 303م.

في بيت المحامي ثاؤفيلس

إذ كان ثاؤفيلس في منزله مع بعض أصدقائه يسرد عليهم ما فعله وكيف سخر بدوروتاها وإذا بالطفل المذكور يدخل إليهم ويقدم له الفاكهة والورود وهو يقول له: "هذه هدية لك من أختي دوروتاها اجتنيت من بستان عريسها". قال هذا واختفى في الحال. جثا ثاوفيلس على الأرض مندهشًا وشكر الله على عمله معه، واعترف أمام الحاضرين بأن السيد المسيح هو إلهه ومخلص العالم، ثم هتف قائلاً: "مبارك يا يسوع إلهي عريس دوروتاها، وطوبى للذين يؤمنون بك يا يسوع الإله، والذين يموتون من أجل الإيمان بك".

خرج أحد الحاضرين وأخبر الحاكم بكل ما حدث فلم يصدق ذلك حتى استدعى ثاوفيلس الذي اعترف بالإيمان وتعرض لعذابات شديدة، وأخيرًا نال إكليل الشهادة.

قيل أن جسدها حُمل إلى روما وحُفظ في كنيسة عبر نهر التيبر تحمل اسمها. من المألوف رسم القديسة تحمل تفاحًا وورود وفي الاحتفال بعيدها يُمارس طقس خاص بمباركة الورود والتفاح.

Butler, February 6.

دوروثيا القديسة

قرار بالهروب إلى عزلة الصحراء

كانت من عائلة من الإسكندرية جمعت بين الشرف والغنى، فتربّت تربية مسيحية مليئة بالمحبة ونالت نصيبًا وافرًا من التعليم العالي. ولأنها كانت جميلة جذابة داخلها القلق من أن تمتلئ غرورًا أو أن تتسبب في عثرة الرجال، فقررت الهروب من العالم والعيشة في عزلة الصحراء مع ربها.

أمام الإمبراطور مكسيميانوس

فوجئت قبل البدء في تنفيذ قرارها بدعوة من الإمبراطور مكسيميانوس، وما أن وقعت عيناه عليها حتى جُنَّ حبًا بها، وبالطبع لم يخطر على باله أن هناك شابة ترفض الزواج منه، ففاتحها لفوره برغبته. وأصيب بذهول عنيف أمام ثورة غضبها ضد طلبه وداخله الشك في أن هذه الحدة لا يمكن أن تنشأ إلا من دافع ديني، فتحرى عن الأمر واكتشف أنها بالفعل مسيحية.

ضاعف هذا الاكتشاف من رغبته في التغلب عليها، فأرسل إليها مندوبيه المرة تلو المرة يفهمونها بالأدب تارة وبالتهجم أخرى أنه ليس أمامها غير الاختيار بين عرض الإمبراطور والموت بأقسى أنواع التعذيب. ولم تكن لديها غير إجابة واحدة من البداية إلى النهاية: "إن جسدي هو هيكل للروح القدس والله ساكن فيه، ولن أدنسه إطلاقًا بالارتباط مع عابد الوثن، حتى إن كان الإمبراطور نفسه، فاذهبوا وقولوا لسيدكم أن يكف عن التحدث عن الملذات وهو يسفك دماء المسيحيين أنهارًا".

الهروب إلى عزلة الصحراء

انتهزت دوروثيا ظلام الليل لتنفيذ قرارها فخرجت ملقية همها على الله حارسها، وصحبتها بعض خادماتها المخلصات بمحض إرادتهن وسرن بأسرع ما يمكن نحو الصحراء ليعشن في سكونها تحت ظل القدير.

انتقامًا لكبريائه المجروح أصدر مكسيميانوس أمره بالقبض على عدد من عذارى الإسكندرية والإتيان بهن إلى ساحة المحاكمة، وهناك أعطاهن الاختيار بين عيشة الملذات العالمية أو التعذيب حتى الموت، فكان ردهن إجماعيًا: "الموت بأية صورة هو ما نفضله على حياة الخطية"، فنلن جميعًا أكاليل الشهادة.

أما دوروثيا وزميلاتها فعشن في الصحراء حيث قضت القديسة سنوات طويلة في عشرة حلوة مع ربها، اجتذبت عددًا وفيرًا من العذارى عشن معها واتخذنها أمًا لهن.

السنكسار الأمين، 22 أمشير.

دوروثيوس أسقف تسالونيك

أسقف تسالونيك (515 - 520م)

في 28 إبريل سنة 515م كتب إلى هورميسداس Hormisdas أسقف روما يحثه على العمل من أجل سلام الكنيسة.

كان يعلن رغبته أن يرى أن كلاً من النسطورية والأوطاخية مُدانة في كل مكان.

يرى البعض أنه أراد ممارسة حقه كأسقف للعاصمة تسالونيك، فدخل في النزاع الذي حدث في نيوكوبوليسس Nicopolis بسبب "طبيعة / طبيعتا السيد المسيح". قيل أنه حرّض الإمبراطور في مقاومته لأسقفها يوحنا الذي تشدد في الالتزام بالطبيعة. اشتكاه البعض لدى أسقف روما هورميسداس Hormisdas، فبعث مندوبين هما Ennodius وPeregrinus لتقديم تقرير لدى الإمبراطور إن قاوم دوروثيوس. رفض الإمبراطور أنسطاسيوس الرسالة من المندوبين وكتب إلى أسقف روما في 11 يوليو 517م أنه يمكنه أن يقبل إهانات لكنه لن يقبل أوامر صادرة إليه.

تغير الموقف بموت الإمبراطور بعد عام، وكتب جوستين الأول التراثي Justin 1 the Thracian إلى أسقف روما يعبر عن رغبته ورغبة أساقفة الشرق إلى إعادة السلام بين الشرق والغرب.

أرسل أسقف روما حسب مشورة الملك Theodoric مندوبين للقسطنطينية إلى جرمانوس أسقف Capua والأسقف يوحنا Blandus الكاهن وغيرهم وقد كتب إليهم لكي يطلبوا من دوروثيوس الأسقف وAbettor أرستيدس Aristiides الكاهن أن يحضروا إلى روما لفحص إيمانهم لنزع كل تشكك من جهتهم.

قبل وصول المندوبين بيومين قام دوروثيوس بتعميد 2000 شخصًا وتناولهم.

عند وصول مندوبو روما ثارت تسالونيك ويبدو أنه قام البعض بقتل الأسقف يوحنا الذي استضاف المندوبين في بيته. بلغت هذه الأحداث القسطنطينية ووعد الإمبراطور باستدعاء الأسقف دوروثيوس. أرسل أسقف روما إلى مندوبيه طالبًا أنهم يجب أن يروا الأسقف معزولاً وألا يحل محله أرستيدس.

التقى الأسقف بالإمبراطور في Heraclea وقد طلب منه أن يرسل مندوبين إلى روما لإراحة أسقف روما. كتب الأسقف رسالة إلى روما يوضح أنه أراد أن يفدي بنفسه الأسقف يوحنا عندما ثارت الجماهير ضده. ردّ عليه أسقف روما بأن هذه الجريمة صارت معروفة في العالم كله ويحتاج الأمر إلى توضيح الموقف.

دوروثيؤس الأنطاكي

تحدث عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري إذ تعرف عليه ككاهنٍ جليل، كان عالمًا فاضلاً، سامه كيرلس أسقف إنطاكية حوالي عام 290م.

بسبب غيرته علي التمتع بالإلهيات درس العبرية بجانب معرفته لليونانية.

ولد خِصيًا (ربما من أسرة لها مكانتها في القصر، من خصيان الملك). أُعجب به الإمبراطور فقربه منه وجعله مديرًا لأعمال الصباغة الأرجوانية في صور.

سمعه يوسابيوس يفسر الكتب المقدسة بحكمة في الكنيسة، لكنه لم يشر إلي أي عمل كتابي له، كما لم يربطه بمدرسة إنطاكية.

كان معاصرًا للوسيان Lucian وكانا وراء ظهور مدرسة إنطاكية فيما بعد التي تبنت التفسير الحرفي للكتاب المقدس مقابل تبني مدرسة الإسكندرية التفسير الرمزي له.

H. Wace & Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

دوروثيؤس الشهيد

كان كاهنًا في صور Tyre، ويقال أنه كان أسقفًا للمدينة.

عندما أثار الإمبراطور دقلديانوس الاضطهاد ضد المسيحيين، عانى كثيرًا في مدينته ثم نُفي فترة، عاد بعدها إلى مقر كرسيه.

في هذه الأثناء حضر المجمع المسكوني بنيقية سنة 325م. ولما ملك يوليانوس الجاحد وجدد الاضطهاد على المسيحيين نُفي مرة أخرى إلى أُديسّوبوليس في تراقيا Odyssopolis in Thrace وهي حاليًا ميناء فارنا ببلغاريا.

لم يُترك في سلام في منفاه، فقُبض عليه وضُرب بشدة حتى استشهد وله من العمر 107 سنة، وكان استشهاده حوالي سنة 362م.

Butler, June 5.

دوروثيؤس الأب

عاش الأب دوروثيئوس في نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع، وقد قضى شبابه المبكر مجتهدًا في دراسته للعلوم الزمنية. وفى نهاية تعليمه عاش قليلاً في بلدته مسقط رأسه، التي لا تبعد كثيرًا عن دير الأب سيريد Serid، ربما في اسكالون أو غزة، وقد كان غنيًا جدًا.

كوَّن بسرعة علاقة مع الأب العظيم برصنوفيوس والناسك يوحنا، وبفضل تعاليمهما زهد كل شيء واختار الرهبنة في دير الأب سيريد، حيث أدّباه هناك، وكان تحت إرشادهما، وبالأخص الناسك يوحنا، حتى أكمل دراسته الرهبانية.

أطاع دوروثيؤس أباه الذي أوكل إليه العمل في مكان الضيافة (خدمة الغرباء)، ثم عاد فأوكل إليه الخدمة في مكان المرضى.

وبعد نياحة الأب سيريد والناسك يوحنا، حيث كان الأب العظيم برصنوفيوس معلم الجميع حبس نفسه في قلايته حبسًا مطلقًا (لا يقابل أحدًا). ترك الطوباوى دوروثيؤس دير الأب سيريد وصار أبًا لأحد الأديرة الأخرى.

ربما ترجع عظاته التي قدمها لتلاميذه إلى هذه الفترة، وهى 21 عظة في مجموعها، بخلاف القليل من الرسائل. وهذا هو كل ما تُرك لنا من كتابات هذا الأب.

أما تاريخه فغير معروف.

من كتاباته

بالسقوط غطت البشرية الضمير ودفنته، وصارت هناك حاجة إلى الناموس المكتوب بواسطة الأنبياء، يعلن عن مجيء ربنا يسوع المسيح نفسه، حتى يكشف الضمير ويقيمه، ويعيد إشعال هذه الشرارة المدفونة، ويحفظ وصايا المسيح المقدسة.

يقول يوحنا: "المحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج" (1يو8: 4)، فلماذا يقول النبي الطوباوي داود "اتقوا (خافوا) الرب يا قديسيه" (مز93: 4)؟ هذا يكشف عن نوعين من الخوف: النوع الأول أولي، والنوع الثاني خوف كامل. الأول يخص المبتدئين، والثاني يخص القديسين الكاملين الذين بلغوا إلى قامة الحب الكامل. فمن يطيع إرادة الله بسبب خوفه من العذاب يكون خوفه مبتدئًا. وأما الذي ينفذ إرادة الله بسبب حبه للََّه لكي يرضيه فقد بلغ بهذا الحب إلى الخوف الكامل. وبواسطة هذا الخوف (الكامل) يخاف لئلا يفقد تلك البهجة التي يتمتع بها بوجوده مع الله، ويخشى لئلا يخسرها. هذا هو الخوف الكامل، المولود من الحب، الذي يطرد الخوف البدائي إلى الخارج.

الفيلوكاليا، ج 1، ترجمة القمص تادرس يعقوب ملطي.

دوروثيئوس وبطرس وجورجونيوس الشهداء

حين كان الإمبراطور دقلديانوس مقيمًا في نيقوميدية بآسيا الصغرى بلغه أن بعض أهل بيته قد صاروا مسيحيين. فأتى بأوثانه وأمر الجميع بتقديم القرابين لها، فرفض المسيحيون بشدة وكان أولهم بطرس، والذي وردت سيرته تحت "بطرس ورفقاؤه".

دوريثيؤس التبايسي القديس

كان في سموٍ روحيٍ عظيمٍ، فقد عاش في كهف بالصحراء الشرقية مدة ستين عامًا. كانت حياته مملوءة بالجهاد الروحي وكان طعامه بسيطًا، فقد عاش على الخبز الجاف، وكان يتجول على شاطئ البحر وقت الظهيرة في الحر اللافح ليجمع الأحجار ويبني القلالي للرهبان الذين لا يقدرون على تشييدها.

سُئل ذات مرة: "لماذا تتعب هكذا في هذه السن وأنت بهذا الجهد تقتل جسدك في هذا الحر الشديد؟" فأجاب قائلاً: "إنني أقتل جسدي لئلا يقتلني".

كان يتناول رغيفًا صغيرًا فقط كل يوم مع قليل من الخضروات ويشرب الماء بقدرٍ. ولم يُشاهَد يمد رجليه للراحة نهارًا، ولم ينم على سرير من جريد أو على أي شيء آخر. وكان يقضي الليل في جدل الخوص وعمل السلال ليستطيع أن يحصل على قوت يومه من الخبز. وكان يغالب النعاس قائلاً: "إن استطعت أن تجعل الملائكة تنام فإنك تقدر أن تقنعني بذلك!"

زاره بالاديوس في مغارته وقضى بعض الوقت في صحبته. وذات يوم أرسله ليستقي لهما ماء، فلما توجه بالاديوس إلى عين الماء وجد بها ثعبانًا. عاد بالمياه إلى القديس قائلاً: "إننا سنموت إن شربنا منها". فابتسم القديس وقال: "لو أن الشيطان جعل في كل مصادر المياه حيات وثعابين وزواحف سامة هل كنت تستغني عن الماء تمامًا؟" ولما قال هذه الكلمات رسم علامة الصليب على المياه وشرب منها وأضاف قائلاً: "حيث علامة الصليب فلا ضرر من الشيطان".

بستان القديسين، صفحة 11.

دوروثيوس النسطوري

مساندته للنسطورية

أسقف مارتيلنوبوليس Martianopolis في موسيا سكوندا Moesia Secunda ومطران. وكان غيورًا في مساندته لتعاليم نسطور، وعدو صلد ضد لقب ثيؤتوكوس. كان يكرز في القسطنطينية قبل المجمع المسكوني الثالث بأفسس بمدة ليست طويلة معلنًا أن من يقول بأن مريم والدة الله يكون محرومًا.

حضر مجمع أفسس عام 431م ووقع على الالتماس المقدم للإمبراطور ضد الفريق المسيطر على المجمع، محذرًا كهنة وشعب هيرابوليس Hierapolis والقسطنطينية ضد أخطاء كيرلس السكندري وحروماته. عُزل من منصبه وحُرم بواسطة القديس كيرلس وأصدقائه، وقد ثبت هذا العزل بقرار إمبراطوري، وطلب منه بواسطة مجمع مكسيمانوس بالقسطنطينية أن يترك كرسيه.

كان له أثره العظيم على شعبه فرفضوا خلفه Secundianus وطردوه من المدينة عندما طُرد دوروثيؤس بواسطة الإمبراطور إلى قيصرية كبادوكية.

كتاباته

توجد رسالتان وجههما ليوحنا أسقف إنطاكية يعبّر فيهما عن قلقه وضيقه عندما يسمع التعبيرات التي ينطق بها كيرلس السكندري، ورسالة ثالثة وجهها إلى الكسندر هيرابوليس وثيؤدوريت يقترح عليهما إرسال التماس للإمبراطور.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

دوسيثوس الهرطوقي أو دونيثوس الغنوصي

تحدث عنه كثير من الكتاب المسيحيين الأوائل، لذا رأيت الإشارة إليه للتعرف على شخصيته، وإن كانت جماعته المدعوة "الدوسيثيون" Dositheans لم تنتشر خارج السامرة، لكن كان لها اعتبارها في هذه المنطقة.

من رجال القرن الأول الميلادي. وهو مؤسس فرقة غنوصية هرطوقية في فلسطين. يوجد خلط بين شخصيته والفرقة التي أوجدها. وربما يوجد أكثر من شخص يحمل نفس الاسم، وأكثر من فرقة دينية تتبع أشخاصا بذات الاسم. فحتى القرن الثاني الميلادي كان يُظن أن دونيثوس أو دوسيثوس معلم لسيمون الساحر وتلميذ له (أع 8: 9 - 24)، وأنه مؤسس حركة غنوصية. مارس النسك وركز على حفظ السبت والتطهيرات بالطقوس.

يُعتَبر أتباعه فرقة يهودية أكثر منها مسيحية، إذ ينظر إلى دوسيثوس أنه منافس للسيد المسيح، وليس تلميذًا له، وإن كان من الصعب التعرف على حقائق دقيقة وصادقة عن تاريخه وشخصيته.

ذُكر اسمه واسم فرقته في قائمة الهراطقة التي سجلها هجيسيبوس Hegesippus، وجاء اسمه بعد سيمون الساحر وكلوبيوس Cleobius.

جاء الحديث عنه في شيء من التفصيل في الكتابات الإكليمنضية: المعـارف (8: 2) والعظات الإكليمنضية (24: 2)، ربما نقلت ذلك عن مقال القديس يوستين الشهيد عن الهرطقات. ففي المعارف نراه معلمًا لسيمون الساحر وأكبر منه، وأنه ظهر كنبي أقامه يهوه مثل موسى. أما العظات الإكليمنضية فجعلت من سيمون ودوسيثوس زميلين، تلميذين ليوحنا المعمدان، وقد أظهر لهما الكتاب عداءً في مواضع كثيرة. عند موت يوحنا المعمدان كان سيمون في مصر يتعلم السحر فأقيم دوسيثوس رئيسًا، وإذ عاد سيمون من مصر رأى أنه من الحكمة قبول هذا الوضع.

صار سيمون الساحر تلميذًا لدوسيثوس، قيل أنه طلب منه أن يضربه بعصا، وإذ ضربه عبرت العصا من جسده كأن جسده هواء وذلك بفعل سحره. وإذ رأى أوسيثوس ذلك دُهش وترك الرئاسة لسيمون حتى مات سيمون.

في موضع آخر من العظات الإكليمنضية (54: 1) يظهر دوسيثوس كمؤسس لفئة الصدوقيين التي ظهرت في أيام يوحنا المعمدان.

أشار أيضًا هيبوليتس الروماني إلى فرقة الدوسيثيين، فبدأ بهم في مقاله عن الهراطقة. نسب إليه هبيوليتس بجانب تأسيسه لفئة الصدوقيين رفضه للوحي للأنبياء، الأمر الذي يرفضه اليهود. لذا اعتبره هيبوليتس أنه ترك اليهود وانتسب للسامريين. وقد أشار كل من القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (ضد الهراطقة 13) والمدعو ترتليان والقديس جيروم إلى مقال القديس هيبوليتس.

أشار العلامة أوريجينوس إلى دوسيثوس عدة مرات، وأشار إلى كتبه أنها كانت متداولة في أيامه بين تلاميذه الذين كانوا يعتقدون بأن معلمهم لم يمت حقيقة. يرى أوريجينوس أنه قد صار لدوسيثوس 30 تلميذًا، وهو يشك إن كانوا ثلاثين من الدوسيثوسين أو من السيمونيين (ضد صلسس 11: 6؛ 57: 1).

جاء في كتابه "عن المبادئ" بأن دوسيثوس نادى بأن يبقى الإنسان على حاله إلى نهاية السبت كما بدأه. فإن بدأ السبت نائمًا يبقى هكذا طول اليوم، وإن كان جالسًا فلا يقوم. قال بأن هذه الفئة كانت قائمة في أيامه، وهي تحفظ السبت والختان والطقوس اليهودية، وتمتنع عن أكل المنتجات الحيوانية، وكثيرون منهم لا يمارسون العلاقات الجسدية إما نهائيًا أو بعد إنجاب الأطفال. وإن كانت كل هذه الأمور غير أكيدة.

قيل أن تعليم الصدوقيين بإنكار قيامة الجسد مأخوذة عن دوسيثوس.

يروي القديس أبيفانيوس عن دوسيثوس أنه دخل مغارة وامتنع عن الطعام حتى مات.

يوجد عمل باسم إعلان دونيثوس أُكتشف بين مخطوطات نجع حمادي، وإن كان لا يعرف بعد بالتأكيد واضعه.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

دولاجي الأم الشهيدة

تُعتبر هذه الشهيدة بكر شهداء إسنا وشفيعة المدينة، ويعتبرها البعض شفيعة الصعيد كله.

في زمن الاضطهاد الذي أثاره الطاغية دقلديانوس كانت منطقة إسنا بالصعيد الأعلى غنية بقديسيها من إكليروس وعلمانيين، متبتلين ومتزوجين. وقد سبق لنا الحديث عنها أثناء حديثنا عن القديس أمونيوس أسقف إسنا. وقام أريانوس والي أنصنا برحلة تجول في بلاد الصعيد ليرى مدى تنفيذ مراسيم سيده الإمبراطور، ولكي يشبع شهوة قلبه الداخلية في تعذيب المسيحيين وقتلهم، وقد تردد علي هذه المدينة علي الأقل ثلاث مرات.

الزيارة الأولي: قدمت المدينة باكورة شهدائها القديسة الأم دولاجي وأولادها.

الزيارة الثانية: قدمت المدينة بعض أراخنة الشعب.

الزيارة الثالثة: استشهدت الرشيدة وكل أهل المدينة، أما الثلاثة فلاحين فاستشهدوا إما في هذه الزيارة أو في زيارة لاحقة أثناء عودة أريانا وجنوده من جنوب إسنا.

لقاء مع الصبية القديسين

لم نسمع شيئًا عن زوج القديسة الأم دولاجي، ولا نعرف حتى اسمه، إذ يبدو أنها كانت أرملة.

يذكر التاريخ أنها كانت غنية وزعت ما لديها علي الفقراء والمساكين. وحالما دخل أريانوس والي أنصنا مدينة إسنا قابله أربعة صبية أشقاء وهم صوروس وهرمان وأبانوفا وشنطاس، كانوا يسوقون دابة محملة بالبطيخ. فأوقفهم وأمرهم أن يسيروا معه للسجود للأوثان، لكن الصبية الشجعان أبوا وأعلنوا مسيحيتهم.

حاول معهم بالإغراء فلم يفلح، فأخذ الوالي يتوعدهم بأنه سيلحق بهم التعذيب حتى الموت، وإذ لاحظ إصرارهم على التمسك بالإيمان أمهلهم لكي يتراجعوا عن إصرارهم.

الأم دولاجي تشجع أولادها

طار الخبر إلى أمهم التقية والشجاعة دولاجي، والتي تُحسب مفخرة من مفاخر الشهداء. هّبت مسرعة إلى مكانهم. وأمام الوالي كانت تشجعهم وتقويهم، فامتلأ أريانوس غيظًا، وأمر بحبسهم جميعًا، تمهيدًا لمحاكمتهم.

الأم تُعد أولادها للاستشهاد

في داخل السجن أخذت الأم دولاجي تصلّي مع أولادها. كانت تطلب عونًا إلهيًا ليثبت هؤلاء الأولاد الصغار. استطاعت الأم بأحاديثها العذبة أن ترفع قلوب أولادها إلى السماء، وأن يشتهوا نوال أكاليل المجد.

وفي الليل ظهرت لهم السيدة العذراء، وكانت تشجعهم وتخبرهم بأن السيد المسيح قد أعدّ لهم مكانًا أبديًا في السموات. وقد كانت الرؤيا مشجعة لهم ومقوية لإيمانهم.

محاكمتهم

في الصباح استدعاهم الوالي، وحاول معهم مرة أخرى أن يبخروا للآلهة، فإذا بالأم دولاجي تصرخ معلنة إيمانها المسيحي هي وأولادها، قائلة: "إني مسيحية مؤمنة بالسيد المسيح الذي خلق السموات والأرض والبحار والأنهار وكل ما فيها". وكان من خلفها أبناؤها الذين كانوا يهتفون "نحن مسيحيون" وأنهم يرفضون عبادة الآلهة الكاذبة.

أُلقيت الأم وأولادها في السجن لتنفيذ حكم الإعدام.

استشهادهم

امتلأ أريانوس غضبًا وأمر بقطع رؤوسهم، على أن يُذبح أولادها على ركبتيها الواحد تلو الآخر، وفيما كانوا يفعلون ذلك كانت ترتل وتصلي، وأخيرًا قطعوا رأسها.

مازالت أجسادهم الطاهرة بالكنيسة التي تحمل اسمهم بمدينة إسنا حتى الآن.

تحتفل الكنيسة بعيد استشهادهم في السادس من شهر بشنس.

ظلت كنيسة السيدة الأم دولاجي تحت مستوى الأرض مدة حتى قام المرحوم الأميرلاى أبادير أديب ببناء كنيسة في نفس المكان على سطح الأرض.

طلعت أيوب أرمانيوس: الأم دولاجي، 1991.

دولاس تاتيان الشهيد

في سيسيليا

حوالي سنة 310م أصدر حاكم سيسيليا، ويدعى مكسيموس، مرسومًا يتعلق بالالتزام بممارسة العبادة الوثنية. وكان أول المقبوض عليهم رجل مسيحي معروف تم اعتقاله بسبب إيمانه. وعندما سُئل عن اسمه أجاب: "اسمي تاتيوس ولكنهم يسمونني دولاس (التي تعني باليونانية خادم يسوع)".

فرحه بالآلام

أمر مكسيموس تاتيان بتقديم الطاعة للآلهة الوثنية ولكنه رفض. فحكم مكسيموس عليه بالجلد، فكان يترنم فرحًا معترفًا بصوتٍ عالِ باسم السيد المسيح. وأخذ يوبخ الحاكم ومن معه لعبادتهم أوثان من حجارةٍ وخشبٍ مصنوعةٍ بأيدي الناس، قليلة الحيلة، عاجزة عن أن تدافع عن نفسها.

أمر الحاكم بزيادة تعذيبه ثم حرقه على شواية، ولكن حتى هذه العذابات لم ترهبه.

وفي اليوم التالي عندما ذهب إلى المحاكمة بدأ مرة أخرى يسخر من الآلهة، فصاروا يعذبوه بوضع حديد ساخن على رأسه ثم تعليقه وحرق جسمه مرة أخرى. وكان مكسيموس عائدًا في ذلك اليوم إلى طرسوس وقد أعطى أوامره أن يتبعه المسيحيون وكانوا مربوطين في سلاسل، ولكن دولاس تنيح بعد بداية الرحلة بقليل من كثرة ما عاناه من تعذيب.

وُضِع جسمه في خندق حيث تم اكتشافه بواسطة أحد كلاب الرعي، وحصل المسيحيون على رفاته حيث دُفنت بكرامةٍ ووقارٍ.

Butler, June 15.

دولسيديوس الأسقف القديس

أسقف آجن Agen

هو ثالث أسقف لآجن Agen في مقاطعة بوردو Bordeaux، وهو من المعترفين، وقد جلس على كرسي الأسقفية خلفًا للقديس فوباديوس Phoebadius في بداية القرن الخامس الميلادي، وتُعيِّد له الكنيسة الغربية في السابع عشر من أكتوبر.

نشأته

أما عن حياته، فيقال أنه سليل عائلة ملكية، انجذب بسيرة القديس فوباديوس أسقف آجن، فترك كل ممتلكاته العالمية وذهب ليتتلمذ عليه. فَعلَّمه الأسقف العلوم اللاهوتية والدينية ورسمه شماسًا.

اشتهر الأسقف دولسيديوس بغيرته الشديدة في الدفاع عن الإيمان المستقيم ضد كل الهرطقات المعاصرة وبالذات الأريوسية، وكان محبًا للفقراء وعطوفًا عليهم حتى أنه لم يكن يترك شيئًا لنفسه. وقد تنيح بشيخوخة صالحة، وفيما بعد نُقِلت رفاته إلى تشامبيري Chamberet في منطقة ليموزين Limosin.

A Dictionary of Christian Biography,Vol. I، page 910.

دوماديوس السرياني الشهيد

قبوله الإيمان

تربى هذا القديس في بلاد الفرس وتعلّم التنجيم، وكان يشتهي أن يصير مسيحيًا. اتفق أن وجد راهبًا فارسيًا في السوق اسمه أوغالس فعرف منه طريق الله وابتهج جدًا حتى أنه كان يعظ أهل بيته ويعلّمهم ما يسهِّل لهم طريق الإيمان، ثم اعتمد.

رهبنته

ترهّب وصار يعمل أعمالاً عظيمة، فحسده بعض الاخوة. فلما شعر بذلك مضي من عندهم وأتى إلى دير القديس سرجيوس، فأقام هناك عند رجل متوحد عشرة سنوات لم يأكل في أثنائها شيئا مطبوخًا.

بساطته ونقاوته

سيم شماسًا، وفيما هو يخدم مع القديس المتوحد في الهيكل رأى حمامة بيضاء حسنة المنظر جدًا أتت وحلّت فوق المذبح فظن أنها حمامة جسدانية. فكان يُشير إليها برأسه ويده ليطردها خوفًا منه على الكأس. وبعد انتهاء القداس سأله القس عن سبب انزعاجه وقت القداس فعرَّفه بما رآه، فقال له القس: "إذا رأيتها مرة أخرى فقل لي". ففي اليوم التالي صعد إلى المذبح للخدمة كالعادة وعند حلول الوقت الذي رأى فيه الحمامة قال للقس: "يا أبي هوذا الحمامة"، فالتفت الشيخ ولكنه لم ينظر شيئًا، فانطرح على وجهه أمام الرب ببكاء وصلاة ليلاً ونهارًا وظل على هذه الحال زمانًا حتى استحق أن يرى تلك الحمامة وعلم أنها رمز الروح القدس، فلم يقل للقديس دوماديوس شيئًا لئلا يدخله الكبرياء، ولكنه أعلم الأب الأسقف بأمره فرسمه قسًا.

ذاع خبر قداسته حتى بلغ مسامع بطريرك ذلك المكان فأراد زيارته. ولما علم القديس بذلك هرب من هناك وأتى إلى كنيسة القديس قزمان حيث أقام بقربها يأكل نبات الأرض زمانًا.

استشهاده

أجرى الله على يديه عجائب كثيرة. ولما خرج الملك يوليانوس لمحاربة الفرس اجتاز بمغارة القديس فأعلموه بأمره، فأمر برجمه هو وتلميذه بالحجارة حتى صارت فوق المغارة كَتَلٍّ عظيمٍ. وبعد سنين أظهر الله جسده فبُنيت له كنيسة وقد أظهر الله عجائبه فيها.

السنكسار، 25 ابيب.

دوماديوس ومكسيموس القديسان

شابان صغيرا السن أدركا غنى الملكوت وعشقا شخص السيد المسيح، فتركا عظمة المُلك والجاه ووفرة الغنى والكرامة وعمدا إلى سكنى البراري والقفار.

انفتاح قلبيهما على السماء حوَّل القفر إلى فردوس، وسلكا بسيرة ملائكية أدهشت القديس مقاريوس الذي كان يستصحب بعض زائريه إلى مغارتهما، ويقول لهم: "هلموا نعاين مكان شهادة الغرباء الصغار". كان يحسبهما شهيدين بدون سفك دم.

نشأتهما

كان هذان القديسان أخوين، وكان أبوهما فالنتيانوس القيصر الروماني (364 - 375) رجلاً خائف الرب وناصرًا للمسيحية، ربَّى ولديه وأختهما الصغيرة في مخافة الرب.

لما كبر مكسيموس ودوماديوس اشتاقا إلى حياة الرهبنة. فطلبا من أبيهما أن يسمح لهما بالذهاب إلى مدينة نيقية ليُصليا في مكان اجتماع المجمع المقدس المسكوني الأول الذي انعقد سنة 325م. فرح أبوهما وأرسل معهما حاشية من الجند والخدم كعادة أولاد الملوك. ولما وصلا أمرا الجند أن يرجعوا إلى أبيهما ويقولوا له أنهما يريدان أن يمكثا هناك أيامًا. ثم كشفا أفكارهما لأحد الرهبان القديسين يُدعى حنا فشجعهما، ولما طلبا أن يبقيا معه اعتذر خوفًا من أبيهما وأوصاهما بالسفر إلى سوريا ليتتلمذا على يديّ القديس المتوحد الأنبا أغابيوس وهو طرسوسي من كيليكية، وكان ذا شهرة كبيرة.

رهبنتهما

توجها إلى الأنبا أغابيوس فقبلهما وألبسهما إسكيم الرهبنة. ولما قرب زمان نياحته سألاه ماذا يفعلان بعده. أما هو فقال لهما: "رأيت نفسي في هذه الليلة واقفًا علي صخرة جنوب مسكننا، ورأيت راهبًا واقفًا أمامي وعلي رأسه غطاء عليه صلبان. وكان في يده عصا من جريد وصليب. لما رأيته خفت، ولكنه اقترب مني وسلّم عليّ، وقال لي:" هل تعرفني؟ "قفلت له:" لا يا أبي القديس ". قال لي:" أنا مقاريوس المصري أتيت لأدعو أولادك لآخذهم إلى مصر ". فقلت له:" ألا تأخذني معهم أيضًا يا أبي؟ "فقال لي:" لا، ولكني أعلمك أنك بعد ثلاثة أيام ستتنيح وتذهب إلى السيد. وسيرسل الملك رُسلا وراء ولديه ليأخذهما إلى القسطنطينية، فاحذر ذلك ومًرهما أن ينزلا إلى مصر ليسكنا بالقرب مني. لأن السيد قد عينهما لي أولادًا، وها أنا قلت لك ". ولما قال ذلك اختفي عنيِ". ثم قال لهما: "إنني كنت اشتهي أن أنظر هذا القديس بالجسد ولكنني قد رأيته بالروح، فبعد نياحتي امضيا إليه بسلام".

أنعم الله عليهما بنعمة شفاء المرضى، وشاع ذكرهما في تلك البلاد خصوصًا بين التجار والمسافرين، وتعلّما صناعة قلوع المراكب فكانا يقتاتان بثمن ما يبيعانه ويتصدقان على الفقراء والمساكين بما يفضل عنهما.

لقاء والدتهما والأميرة أختهما بالقديسين

في إحدى المرات كان نائب الملك في الميناء مع الجند يفتش السفن الداخلة، فلاحظ اسميّ القدّيسين على إحدى السفن. استفسر من صاحب المركب عن سبب ذلك. فقال له: "هذان اسمان لأخوين راهبين كتبتُهما على قلع مركبي تبَرُّكا لكي يُنجّي الله تجارتي". ثم بيّن له أوصافهما بقوله أن أحدهما قد تكاملت لحيته والآخر لم يلتحِِ بعد، فعرفهما، وأخذ الرجل وأحضره أمام الملك ثيؤدوسيوس الذي كان رئيسا لجنود الملك فالنتينوس، وتعين ملكًا بعد وفاته.

قدم الملك ثلاث قطع ذهبية لكل بحار. وصرفهم بسلام. ثم أرسل مندوبًا من قبله اسمه ماركيلوس إلى سوريا ليتأكد من الخبر قبل إذاعته في القصر. وبعد بضعة أيام عاد المندوب مؤكدًا الخبر، وكان فرح عظيم في القصر. ذهبت إليهما والدتهما والأميرة أختهما، فلما تقابلتا بالقديسين وتعرفت عليهما بكتا كثيرًا جدًا، ورغبت أمهما أن يعودا معها فلم يقبلا، وطيّبا قلب والدتهما وأختهما.

ترشيح القديس مكسيموس بطريركًا للقسطنطينية

بعد ذلك بقليل تنيّح بطريرك القسطنطينية فاتجهت الأنظار إلى القديس مكسيموس ليخلفه ورحّب الملك ثيؤدوسيوس بذلك، وأرسل نائبه ومعه بعض الجنود لاستدعائه، كما كتب إلى والي سوريا بذلك.

تسرّب الخبر إلى الأخوين عن طريق زوجة الوالي التي كانت تحبهما كقديسين. ولما علما بذلك هربا واختفيا عند راعي غنم أيامًا كثيرة، ثم غيّرا ثيابهما ولبسا ثيابًا مدنية وتنكّرا حتى لا ينكشف أمرهما وصلّيا طالبين مشورة الله للوصول للأنبا مقاريوس.

لقاؤهما مع أنبا مقاريوس

سارا نحو تسعة أيام حتى أعياهما التعب وهما يسيران على شاطئ البحر. افتقدهما الرب برحمته ووجدا نفسيهما في شيهيت حيث القديس مقاريوس وعَرَّفاه أنهما يريدان السُكنى عنده. ولما رآهما من أبناء النعمة ظن أنهما لا يستطيعان الإقامة في البرية لشظف العيشة فيها. فأجاباه قائلين: "إن كنّا لا نقدر يا أبانا فإننا نمضي إلى موضع آخر". عاونهما في بناء مغارة لهما ثم علَّمهما ضفر الخوص، وعرّفهما بمن يبيع لهما عمل أيديهما ويأتيهما بالخبز.

أقاما على هذه الحال ثلاث سنوات لم يجتمعا بأحد سوى أنهما كانا يدخلان الكنيسة لتناول الأسرار الإلهية وهما صامتين. فتعجب القديس مقاريوس لانقطاعهما عنه كل هذه المدة وصلى طالبًا من الله أن يكشف له أمرهما، وجاء إلى مغارتهما حيث بات تلك الليلة. فلما استيقظ في نصف الليل كعادته للصلاة رأى القديسين قائمين يُصليان، وشُعاع من النور صاعدًا من فم القديس مكسيموس إلى السماء، والشياطين حول القديس دوماديوس مثل الذباب، وملاك الرب يطردهم عنه بسيفٍ من نار. فلما كان الغد ألبسهما الإسكيم المقدس وانصرف قائلاً: "صلّيا عني"، فضربا له مطانية وهما صامتين.

نصائحهما

روي كاتب السيرة، الراهب بيشوي شماس الكنيسة التي بناها القديس مقاريوس الكبير نفسه، وهي أول كنيسة في الاسقيط:

[حدث مرة حينما كنت معهما أن قلت لهما: لو كنتما في القسطنطينية يا أبوي فبالتأكد كنا نجدكما قد توليتما الملك ". فأدارا وجهيهما وقالا بوداعة:" أين إذن روحك أيها الأخ حتى بدرت منك هذه الكلمة؟ إنها بلا شك في المكان الذي ذكرته. لقد قلنا لك عدة مرات أيها الأخ بيشوي أنك سواء كنت جالسًا معنا أو في مسكنك يجب أن تذكر دائمًا اسم الخلاص الذي لسيدنا يسوع المسيح بلا انقطاع، لأنه بالحقيقة لو كان هذا الاسم القدوس في قلبك لما قلت هذه الكلمة التي تكلمت بها الآن.

من الآن فصاعدًا انتبه بالتأكيد إلى نفسك، ولا تهمل الاسم القدوس، اسم سيدنا يسوع المسيح، بل تمسك به بكل قلبك باستمرار حتى في الآلام، لأننا لو أهملناه نموت حتما في خطايانا ".

ومن أقوالهما:

"فلنفرغ من الدالة والمزاح والكلمات الباطلة التي تجعل الراهب يخسر كل الثمار حسب الطريقة التي تعلمناها، إذ كنا لا نزال بعد في سوريا حينما كان الناس يحاولون إسعادنا دون أن يتركوننا نفكر في خطايانا. لكن الغربة والسكوت بفهم واحتمال الشدائد هذه هي خصائص الراهب.

فالشدة تولد الصلاة في طهارة، والصلاة تولد مخافة الرب والمحبة، وهذا ما ينمي الإنسان، لأنه لا جاه ولا غنى ولا قوة يتقبلها الله ما لم يكن المسيح يسكن فينا ".]

نياحتهما

بدأ القديس مكسيموس يمرض بحمى عنيفة، فلما طال عليه المرض طلب إلى أخيه الأصغر أن يذهب إلى القديس مقاريوس يرجوه الحضور. فلما أتى إليه وجده محمومًا فعزاه وطيّب قلبه.

يقول كاتب السيرة: [اجتمعنا حول القديس مكسيموس لننظره فسمعناه يقول وقد خُطف عقله: "يا رب أرسل لي نورك ليضئ قدامي في هذا الطريق التي لا أعرفها. يا إلهي وخالقي خلصني من قوات الظلمة المجتمعين في الهواء، وأصلح خطواتي في هذا الطريق لأبلغ إليك باستقامة. وكن لي نعمة وقوة يا إلهي وسيدي، لأنك أنت رب النور ومخلص العالم". ثم صمت قليلاً، وتطلع القديس مقاريوس وإذا جماعة من الأنبياء والرسل والقديسين ويوحنا المعمدان وقسطنطين الملك جميعهم كانوا قائمين حول القديس إلى أن سلّم روحه الطاهرة بمجدٍ وكرامةٍ. فبكى القديس مقاريوس وقال: "طوباك يا مكسيموس".

أما القديس دوماديوس فكان يبكي بكاء مرًا، وسأل القديس مقاريوس أن يطلب عنه إلى السيد المسيح لكي يُلحقه بأخيه. وبعد ثلاثة أيام مرض بحمى شديدة هو الآخر وقيل للقديس مقاريوس عن ذلك فذهب إليه لزيارته. وفيما هو في الطريق وقف فترة طويلة ينظر نحو المغارة ثم التفت ناحية المشرق، فظن من معه أنه كان يصلي ولكنه كان يتأمل خورس القديسين الذين كانوا يتقدمون روح القديس دوماديوس. نظر الأب مقاريوس نحو السماء وهو يبكي ويقرع صدره قائلاً: "الويل لي لأني لم أعد راهبًا بالكلية". ثم قال لهم: "لقد تنيح القديس دوماديوس".

كانت نياحة القديس مكسيموس يوم 14 طوبة ولحقه أخوه القديس دوماديوس في 17 طوبة.

قال الأب مقاريوس أن الطغمات الذين جاءوا ليأخذوا نفس دوماديوس هم الذين جاءوا لأخذ روح أخيه. وبنى القديس مقاريوس كنيسة في موضع سُكناهما وهي أول كنيسة بنيت في البرية. كما كان القديسان مكسيموس ودوماديوس أول من تنيح من الرهبان في الإسقيط، وكانت نياحتهما بعد سنة 380م.

الشماس يوسف حبيب: القديسان مكسيموس ودوماديوس، 1969.

باقات عطرة من سير الأبرار والقديسين، صفحة 177.

دومِتيوس الفارسي الشهيد

كان في الأصل وثنيًا وتحوّل إلى المسيحية، وصار راهبًا في نصيبين بالميصة (ما بين النهرين) Nisibis in Mesopotamia. رُسم شماسًا وذهب ليعيش متوحدًا في مغارة، واستطاع أن يقود كثيرين من الوثنيين في المنطقة إلى الإيمان المسيحي.

بلغ شهرة واسعة حتى كان المرضى يأتون إليه من المناطق المحيطة طلبًا للشفاء ولنوال بركته. أثارت شعبيته الإمبراطور يوليانوس الجاحد. فكان رد دومِتيوس: "إذا كان هذا الجمع من البسطاء قد أتوا إليّ فلست أستطيع أن أردهم". أثار هذا الرد يوليانوس فأمر برجمه حتى الموت، فنال إكليل الشهادة حوالي سنة 362م.

Butler, August 7.

دومنينا وثيؤنيلا الشهيدتان

في مدينة سيلسيا

في مدينة سيلسيا ألقى الوالي ليسياس القبض على القديسة دومنينا وصديقتها ثيؤنيلا التي كان معها ابنها وهو طفل صغير.

هدّد الوالي القديسة دومنينا بالعذابات الشديدة إن لم تقدم ذبائح للأوثان. أما هي فقالت له:

"إلهي لا يطلب مثل هذه الذبائح، إنما بالأحرى يُسر بالصدقة وقداسة الحياة...

أما آلهتكم فهي أصنام داخلها أرواح شريرة، وهي تُسر بهذه الذبائح.

اعلم أيها الوالي أن هذه الذبائح حسب إيماننا هي نجاسة وهلاك أبدي ".

نيرانك تهبني حياة أبدية

أمر الوالي بربطها وضربها بالسياط حتى تناثر لحمها وسال دمها. وجد الوالي مسرته في تعذيبها، أما هي فكانت ترفع قلبها للصلاة حتى يهبها الرب قوة الاحتمال.

إذ لاحظ الوالي صبرها على الآلام اتهمها كالعادة بأنها ساحرة، وأمر بتعذيبها بالكيّ بالنار. أما هي فقالت له:

"نيرانك لا تقدر أن تحرقني، بل أنظر إلى نفسك يا من تحرقه جهالة الوثنية.

نيرانك تهبني حياة أبدية ".

أمر الوالي بوضع خطاطيف محمّاة بالنار في جنبيها، وكان الرب يسندها.

أمر أيضًا بتعذيب صديقتها بالحرق بالنار كما هدّدها بقتل ابنها، أما هي فتمسكت بذاك الذي أحبها.

أخيرًا أمر الوالي بقطع رؤوس الثلاثة، فانطلقت نفوسهم إلى الراحة الأبدية.

دومنينُس الشهيد

جار جالريوس

استشهد في تسالونيك Thessalonica أثناء حكم جالريوس Galerius الذي كان يبني لنفسه قصرًا في تلك المدينة، واغتم حين وجد أن في المدينة مازال يوجد رجل مسيحي يعترف جهارًا بمسيحيته وأن هذا المسيحي هو جاره المباشر.

اعترافه بمسيحيته

أُحضِر دومنينُس أمام جالريوس لمحاكمته، وحين اعترف القديس بمسيحيته أمر بقطع لسانه. وحين أصر دومنينُس على الثبات أمر جالريوس بإخراجه خارج المدينة حيث كسروا رجليه وتركوه. ومكث الشهيد على تلك الحال سبعة أيام بدون طعام وهو يشكر الله، إلى أن أسلم الروح.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 876.

دوميتيللا ونيريوس وأخيليوس الشهداء

يتحدث القديس غريغوريوس في إحدى عظاته عن هؤلاء الشهداء قائلاً: "هؤلاء القديسين الذين نجتمع من أجلهم اليوم احتقََروا العالم وداسوا عليه بأقدامهم، في الوقت الذي كان أمامهم بريق السلام والغنى والثروة".

راجع حرف "أ" الشهيد أخيلاوس.

دوميكيوس الشهيد

زحف جيش يوليانوس لمقابلة الفرس

كان سابور أرساكيس الثاني ملك الفرس مسالمًا للدولة الرومانية وكان يدفع الجزية للإمبراطور قسطنطين، لكنه انقض على الإمبراطور يوليانوس الكافر وأعدّ جيشًا لمحاربة الرومان. قدم يوليانوس الذبائح لأوثانه في مدينة كاسيوس التي تبعد عن إنطاكية ستة أميال حيث يوجد الصنم أبوللون، وتوجّه الإمبراطور الجاحد مصحوبًا بالعرافين والسحرة وزحف الجيش الروماني لمقابلة الفرس.

تهديد القديس دوميكيوس

عند مروره على مكان منعزل شاهد تجمهرًا لعديدٍ من الرجال والنساء والأطفال، لأن كثيرين من المرضى كانوا ينالون الشفاء بصلوات القديس دوميكيوس خادم الله. فلما سأل عن هذه الجماهير أجابوه قائلين: "إن راهبًا يصنع المعجزات ويشفي المرضى وأن الجماهير التي تراها هم جموع المسيحيين الذين أتوا لينالوا بركته ويشفوا من أسقامهم".

استشاط يوليانوس غضبًا وأرسل إلى القديس دوميكيوس جنديًا يخاطبه بلهجة التهديد قائلاً: "إذا كنت تقيم في هذه المغارة لتنال رضى الله فلماذا تتوخى رضى الناس؟ ولماذا لا تختفي عنهم؟" فأجابه القديس قائلاً: "لقد سلّمت نفسي وجسدي في يد الله إله السموات والأرض الرب يسوع المسيح، وقضيت عدة سنين معتزلاً في هذه المغارة. أما هذه الجماهير الذين يأتون عندي بإيمان قوي فلا أستطيع أن أطردهم".

لما سمع الإمبراطور إجابته هذه أمر جنده أن يسدوا باب المغارة بالبناء، وكان القديس داخلها حيث أسلم الروح فيها، ونال إكليل الشهادة في سنة 362م.

السنكسار، 27 برمهات.

دومينيكا العذراء الشهيدة

كانت تعيش في زمن الإمبراطور دقلديانوس. اتُهِمت بأنها كانت تحطم الأوثان، فحُكِم عليها بأن تُلقى للوحوش، ولما فعلوا ذلك لم تضرها الوحوش، فقطعوا رأسها نحو سنة 303م، ونالت إكليل الشهادة.

دوناتُس أسقف أريزو

هو ثاني أسقف لمدينة أريزو في تُسكاني Arezzo in Tuscany. ويقال أنه استشهد من أجل الإيمان في عهد الإمبراطور يوليانوس الجاحد.

Butler, August 7.

دوناتس أسقف قرطاجنة

قائد حركة انشقاق

نشأ في نوميديا Numidia في شمال غرب أفريقيا، بجوار الجزائر.

إذ كان بعد شماسًا في عهد مينسيورس Mensurius أسقف قرطاجنة الذي طلب منه القنصل أنيلينوس Anulinus الكتب المقدسة فسلمه كتب مزورة، قاد دوناتس حركة انشقاق في قرطاجنة كمقاوم للكهنة الذين سلموا الكتب المقدسة للسلطات أثناء الاضطهاد العظيم (303 - 305م). وذلك قبل اختيار كاسليان Caecilian أسقفًا، وإليه يُنسب الدوناتستيون.

سيم دوناتس أسقفًا منافسًا لكاسليان في قرطاجنة عام 313م.

شرح قضيته في إيطاليا بعد سنوات قليلة من سيامته، لكن قسطنطين دانه عام 316، وفي عام 317 نُفي هو وأتباعه وعانى شعبه من الضغط الشديد عليهم.

وفي عام 321 أصدر قسطنطين أمرًا بعودة المنفيين من الدوناتست، وبقي أغلبهم في سلام حتى عام 346.

يرى القديس جيروم أن دوناتس قد نجح في خداع كل أفريقيا اللاتينية تقريبًا (منطقة شمال غرب أفريقيا). لكنه عاد ففشل إذ تشامخ، وفي عام 346 أُرسل مندوب إمبريالي إلى شمال أفريقيا لينظر في طلبه أن يكون الأسقف الوحيد لقرطاجنة فهاجمه الحكام الدوناستيين، ونُفي دوناتس وقادة حركته. ومات في بلاد الغال عام 355م.

أفكاره

لم يبق شيء من كتاباته، لذا يصعب تحديد أفكاره.

أعتقد بضرورة مكافأة الأبرار وعقاب الظالمين فورًا، وأن كنيسته لا تضم سوى الأبرار، ولا خلاص للذين خارجها. كما رفض تمامًا أي تدخل من الدولة، إذ يقول: "ماذا يمكن للإمبراطور أن يفعل بالكنيسة؟"

بعد قرن من سيامته أسقفًا دُعي الخطيب والمصلح الديني الذي طهّر كنيسة قرطاجنة من الخطأ.

الدوناتستية

هي حركة انشقاق حدثت في شمال أفريقيا بعد الاضطهاد العظيم في 303 - 305م، شقت الكنيسة في القرن الرابع وبداية القرن الخامس.

بدأت هذه الحركة تنهار بعد سنة 411م عندما أعلنت الحكومة الإمبريالية بأن الكنيسة الحقيقية في شمال أفريقيا هي التي تحت قيادة القديس أغسطينوس. ولكن بقيت هذه الحركة حتى دخول الإسلام هناك في القرن السابع.

أما علة ظهور هذه الحركة فهي أن بعض الكهنة سلموا الكتب المقدسة للسلطات أثناء الاضطهاد فنُظر إليهم كخونة. كان الدوناتست متشددين جدًا في هذا الأمر، وحسبوا كل كاهن فعل هذا لن يعود لعمله الكهنوتي مهما قدم من توبة. وإذ وجدوا معارضة من الكنيسة لتشددهم حسبوا أنفسهم الكنيسة الحقيقية في شمال أفريقيا التي تهتم بالطهارة والقداسة والكمال التي تقف أمام الكنيسة الرسمية. حسبوا أن كل سرّ يقيمه كاهن ساقط في خطيةٍ باطل، ومن سامه كاهن أو أسقف من الخونة تُحسب سيامته باطلة، ولذا وجب إعادة معمودية من نالوا العماد من كاهن خاطئ أو كاهن سيم بيد أسقف خاطئٍ أو خائنٍ.

حسبوا أنفسهم شعب الله المتألم الذي عينّه الله للاستشهاد واحتمال الآلام من أجل الحفاظ على كمال المجتمع المسيحي.

بلاشك ظهور هذه الحركة أوجد مدافعين ولاهوتيين من بينهم، يقوم تعليمهم على الفصل بين المخلصين والهالكين، يقطن الأولون مدينة الله والآخرون مدينة إبليس. وكان لهذا أثره العظيم على لاهوتيات القديس أغسطينوس في حديثه عن طبيعة المدينتين وفي حديثه عن "مدينة الله".

يرى بعض الدارسين أثر هذه الحركة على المسيحية الغربية، خاصة في ظهور حركة البروتستانت التي تركز على التزام الفرد وعلى الكمال والقداسة والاستعداد للبذل حتى الموت.

Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, 1998.

دوناتيان وروجاتيان الشهيدان

في السجن

عاش دوناتيان في نانتس Nantes ببريطانيا في عهد الإمبراطور مكسيميانوس، وكان هذا الشاب ينتمي إلى عائلة مشهورة كما كان مسيحيًا غيورًا.

عند بداية الاضطهادات تأثر أخوه الأكبر روجاتيان به واشتهى أن ينال العماد ليصير مسيحيًا مثله، لكنه لم يستطع أن يتعمد بسبب اختفاء الأسقف.

أصدر الإمبراطور مرسومًا يقضي بموت كل من يرفض تقديم الولاء والطاعة للآلهة جوبيتر وأبوللو. وحين وصل الحاكم إلى نانتس قدموا إليه دوناتيان بتهمة المجاهرة بالمسيحية والتبشير بها، فوضعه في السجن، ثم لحق به أخوه روجاتيان الذي اعترف بإيمانه الجديد بكل شجاعة بالرغم من التهديدات.

معمودية الدم

كان روجاتيان حزينًا لأنه لم يتعمّد، وكان يصلي أن يمنحه الله هذه النعمة، وبتدبير الله نال معمودية الدم.

قضى الأخوان الليلة سويًا في صلوات حارة، وقُدِما في الصباح إلى الحاكم حيث اعترفا برغبتهما في تحمل الألم من أجل المسيح مهما كانت أنواع التعذيب، فأمر الحاكم بتعذيبهما بالنار والرماح.

أخيرًا قطعوا رأسيهما فنالا إكليل الشهادة، ووضعت رفاتهما في كنيسة بُنيت على اسميهما.

Butler, May 24.

دوناتيلا وماكسيما وسيكوندا الشهيدات

بجوار مدينة ثيوبربو Thuburbo

أثناء الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس ومكسيميانوس، حلّ أنيولينوس والي أفريقيا بمدينة ثيوبربو Thuburbo (بشمال أفريقيا) وأرسل ضابطين لدعوة جميع المسيحيين إلى ضيعة بجوار مدينة ثيوبربو ليقدموا القرابين للآلهة. تجمع أمامه جمهور كبير، وللأسف بدأوا ينهارون وينكرون إيمانهم. وكان بينهم امرأة تعسة أضافت إلى خطية جحودها خطية الخيانة، وذلك حين تقدمت قائلة "لقد جئنا لنعبد الآلهة عدا فتاتين هما ماكسيما ودوناتيلا".

أمام الوالي

قُدمت الفتاتان أمام الوالي، ودار حوار معهما. كانت ماكسيما فتاة في الرابعة عشر من عمرها وحين قال لها الوالي في أثناء المحاكمة أنها إن ما لم تُضحِ للآلهة سيكون اليوم خاتمة حياتها. أجابته الفتاة: "ألا فلتُضحِ لها أنت لأنك شبيه بها".

وجاء دور دوناتيلا فلم تكن إجابتها أقل قوة من إجابات أختها.

أمر الوالي أن تساقا إلى المدينة على أن يُمنع عنهما الطعام والشراب، وفي طريقهما إلى ثيوبربو انضمت إليهما صديقة تدعى سيكوندا في الثانية عشر من عمرها، كانت قد نذرت أن تظل عذراء طوال حياتها.

سيكوندا تصحبهما

كانت سيكوندا تطل من شرفة قصر أبويها الثريين حين شاهدت ماكسيما ودوناتيلا، فقفزت إليهما وتوسلت إليهما أن تصحبهما، فحاولتا أن تثنياها عن عزمها لأنها وحيدة أبويها لكنها أبت قائلة أنها لا تخشى قصاص الأرض وأنها تشتاق إلى عريسها الروحي الذي يُقوي أضعف الناس ويعزيهم.

تعذيبهن

بعد أكثر من محاكمة أمر الوالي بأن تُجلد الفتيات، ثم أمر بأن ترقدن على ظهورهن الممزقة فوق قطع الزجاج والخزف. وتوالت أنواع التعذيب، منها وضع الفحم المشتعل على شعورهن ورؤوسهن. أخيرًا أقرّ الوالي بأنهن أرهقْنَه دون جدوى، فأمر بأن يُطلق عليهن دب جائع، وكان كل ما فعله الدب أنه ظل يلعق قدمي ماكسيما. حينئذ أمر الوالي بقطع رؤوسهن وكان ذلك في الثلاثين من شهر يوليو سنة 304م.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 167.

دونيثوس الغنوصي

راجع: دوسيثوس الهرطوقي.

ديانوس أسقف قيصرية كبادوكية

أسقف قيصرية كبادوكية لأكثر من عشرين عامًا، وهو رجل تقي بالرغم من التشكك إلى حد ما في أرثوذكسيته.

علاقته بالقديس باسيليوس الكبير

بالتأكيد هو الأسقف الذي قام بتعميد القديس باسيليوس الكبير عند عودته من أثنيا، وأقامه قارئا (باسيليوس عن الروح القدس 29).

يتحدث عنه القديس باسيليوس بأسلوب يحمل احترامًا عظيمًا ووقارًا مع مشاعر حب من نحوه. يصفه بأنه معروف بفضائله واخلاصه، وسخائه، وجاذبيته بروح الصداقة العجيبة، إنه وقور في شخصه وفي سلوكه (رسالة 51).

ضعفه اللاهوتي

عاش في فترة الصراعات الفكرية اللاهوتية، لكنه كان ضعيفا من الجانب اللاهوتي؛ لم يكن من السهل أن يأخذ قرارًا لاهوتيًا حازمًا. فمن أجل سلامه الداخلي كان يتحاشى الحوارات اللاهوتية.

كان يميل إلى الجانب القوي، لذا كثيرًا ما كان يميل الفريق النصف أريوسي في الكنيسة.

يرى Tillemont أنه هو دانيوس Danius الذي كان على رأس قائمة الأساقفة، والذي كان له دوره الفعال في مجمع انعقد بأنطاكية في الشهور الأولى من عام 340م الذي يثبت عزل القديس أثناسيوس، وإحلاله بجورج أسقف كبادوكية.

اشترك أيضًا في مجمع إنطاكية سنة 341، وكان حاضرًا في سارديكا Sardica عام 347م، وكما يقول القديس هيلاري أنه اشترك في إيقاع الحرمان على يوليوس الروماني Julius of Rome وأثناسيوس الإسكندري.

Rimini، وقد حزن باسيليوس جدًا إذ وقعّ ديانوس على وثيقة هرطوقية تحت الضغط.

لم يستطع القديس باسيليوس أن يكون في شركة مع شخص يخالفه في إيمانه فهرب إلى نزيانزا Nazianzaum. قيل أنه حرم أسقفه، وإن كان قد أنكر هو ذلك (باسيليوس رسالة 51).

حزن ديانوس على فقدانه مشيره الصغير والبليغ باسيليوس خاصة بعد أن قام الإمبراطور يوليانوس ليعيد إحياء الوثنية. شعر بحاجته إلى باسيليوس، بعد سنتين استدعاه وأخبره بأنه وقع على قانون الإيمان Rimini في بساطة قلب، ورغبة في إقامة نوعٍ من السلام في الكنيسة، وأنه لم يكن يقصد قط مناقضة قانون الإيمان النيقوى.

اقتنع القديس باسيليوس وقبل اعتذاره وعاد إلى مركزه الأول كمشير للأسقف حتى موته غالبًا في عام 362م.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

ديدرا وابناها الشهداء

أباهور الجندي

كان أباهور جنديًا في الجيش، وحين كان في الإسكندرية واعترف أمام الوالي بالسيد المسيح أمر بقطع يده اليمنى، ثم ربطه في أحد الثيران ليجري به في شوارع المدينة فيُسحل. بعد ذلك وضع صفائح محماة على جسمه، وقطع يده الأخرى، ثم سكب في حلقه رصاصًا ساخنًا، لكنه تحمَّل كل ذلك بصبرٍ وهو يصلي.

استشهاد ديدرا وأباهور وبيشاي

سمعت والدته ديدرا بما حدث مع ابنها، فاشتاقت أن تراه. قضت طول الليلة تصلي لأجله كي يسنده الرب في وسط آلامه. وفي صباح اليوم التالي ذهبت ديدرا إلى ساحة التعذيب مرفوعة الرأس واثقة في الله أنه سيتدخل ويهبها قوة الاحتمال.

سمع الوالي بحضورها فظن أنها إذ ترى ابنها يتعذب تحثه على العبادة للأوثان. لكنه أُصيب بخيبة أمل إذ رآها تحثه على احتمال الآلام وتشجعه على الثبات في إيمانه. بل وقفت الأم تشهد علانية عن إيمانها بالسيد المسيح.

طلب منها الوالي أن تسجد للأوثان فرفضت، فوضع في جنبيها خطاطيف من الحديد المحمى، وظلت تتعذب في صمت حتى أسلمت الروح.

أخيرًا استدار الوالي إلى ابنها أباهور وكان لا يزال صامدًا فانقض عليه في غيظ وطعنه بحربة في صدره فأسلم الروح.

ثم جاء أخوه بيشاي فعذَّبه الوالي ثم قطع رأسه، فحمل بعض المؤمنين الأجساد الثلاثة ودفنوها معًا.

موسوعة تاريخ الأقباط: الجزء 11 الكتاب الرابع، صفحة 134.

ديديموس الشهيد

شاب مسيحي ذهب لإنقاذ ثيؤدوره من بيت الدعارة التي وُضِعت فيه بسبب إيمانها المسيحي أثناء الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور دقلديانوس.

قد وردت سيرته في حرف "ث" تحت "ثيؤدوره وديديموس الشهيدان".

ديديموس الضرير القديس

مدير مدرسة الإسكندرية

وُلد القديس ديديموس حوالي عام 313م، وفقد بصره في الرابعة من عمره. فلم يتعلم القراءة في مدرسة، وإنما بسبب ولَعِه بالتعلم اخترع الحروف البارزة بالنحت ليقرأها بإصبعه. بهذا سبق برايل بخمسة عشر قرنًا في استخدام الحروف البارزة للعميان.

حفظ الكتاب المقدس والتعاليم الكنسية عن ظهر قلب، كما نبغ في النحو والبيان والفلسفة والمنطق والرياضة والموسيقى. شهد عنه القديس جيروم: "تعلم الهندسة أيضًا التي تحتاج إلى النظر أكثر من غيرها فكان أعجوبة كل ناظر إليه، وذاع اسمه في كل مكان".

بعد نياحة مقاريوس مدير مدرسة الإسكندرية لم يتردد القديس أثناسيوس في تسليمه مسئولية التعليم بإقامته مديرا للمدرسة (346 - 398م).

تتلمذ على يديه أو على كتاباته كثيرون منهم القديسين غريغوريوس النزينزي وجيروم وروفينوس وبالاديوس. أشار إليه القديس جيروم كمعلمٍ له، ومدح تعليمه وشهد لأثره على الفكر اللاهوتي في الغرب والشرق كما دعاه روفينوس "النبي" و "الرجل الرسولي".

مع القديس أنبا أنطونيوس

كان صديقًا حميمًا للقديس أنبا أنطونيوس. إذ شرعا ذات يوم يتحدثان في الكتب المقدسة سأله أنبا أنطونيوس ثلاث مرات: "ألعلّك لا تحزن لأنك كفيف البصر؟" أخيرًا أجابه القديس أنه يحزن على ذلك جدًا، فأجابه القديس: "إني متعجب لحزنك على فقدانك ما تشترك فيه مع أحقر الحيوانات كواسطة للإحساس إذ ليس لديها ما تحس به غير البصر (المحسوس)، ولا تفرح متعزيًا لأن الله وهبك بصيرة أخرى لا يهبها تقدس اسمه إلا لمحبيه. أعطاك عينين كأعين الملائكة تُبصر بهما الروحيات، بل وبهما تدرك الله نفسه، ويسطع نوره أمامك، فيزيل كل ظلام في قلبك…" فتعزى القديس بهذا القول كل أيام حياته.

وقد نقل ذات الفكر القديس جيروم عندما بعث رسالة تعزية لراهبٍ ضريرٍ.

نسكه

اجتذب القديس ديديموس معاصريه لا بعلمه فحسب وإنما بنسكه أيضًا، فغالبًا ما عاش كمتوحدٍ.

زاره القديس أنبا أنطونيوس عدة مرات، كما زاره القديس بالاديوس أربع مرات في فترة عشر سنين، وقد روى عنه قصتين:

1. مرة إذ طلب مني أن أصلي في قلايته ولم أُلبِّ طلبه روى لي هذه القصة: دخل أنطونيوس هذه القلاية للمرة الثالثة لزيارتي، وإذ سألته أن يصلي ركع في الحال ليصلي ولم يضطرني إلى تكرار الطلب، مقدمًا لي مثلاً في الطاعة. والآن إن كنت تود أن تقتفى آثاره، كما يبدو عليك، إذ تعيش في خلوة بعيدًا عن الأهل طالبًا الفضيلة، فأبعد عنك روح المقاومة.

2. أخبرني أيضًا الآتي: ذات يوم بينما كنت أفكر في حياة الشقي يوليانوس الإمبراطور، وفى كونه مُضطهِدًا، اضطربت للغاية حتى إني لم أذق خبزًا إلى ساعة متأخرة في المساء، وإذا بي أرى خيولاً بيضاء تجري، وكان راكبوها يهتفون قائلين: قولوا لديديموس أن يوليانوس قد مات اليوم الساعة السابعة. قمْ وكلْ، وأرسل إلى أثناسيوس الأسقف لكي يعرف هو أيضًا ما قد حدث. واستطرد يقول: "وقد دونت الساعة واليوم والشهر، واتضح لي ما قيل أنه صحيح.

دفاعه عن أوريجينوس

نشر دفاعًا عن كتاب "عن المبادئ De Principiis"، لأوريجينوس. فيه أظهر خطأ الذين يتهمونه بالضلال، معتبرًا إيّاها مجرد أوهام لا قيمة لها، إذ يقول: "الذين يتهمون أوريجينوس بالهرطقة هم عديمو الفهم، ليس لهم قدرة على إدراك الأفكار العالية والحكمة الغامضة التي امتاز بها ذلك الرجل العظيم الذي يعد من النوابغ المشهورين".

ضد آريوس

قال سقراط المؤرخ: "كان ديديموس عند الناس حصنًا منيعًا وسندًا قويًا للديانة المسيحية حتى قبل أن يتولى رئاسة المدرسة اللاهوتية، ويُحسب خصمًا عنيدًا كسر شوكة اتباع آريوس وأذلهم في مناظرته معهم".

كتاباته

أعماله التفسيرية: يقول بالاديوس أنه فسر العهدين القديم والجديد كلمة كلمة. وذكر جيروم أنه وضع تعليقات على أسفار المزامير وأيوب وإشعياء وزكريا الخ. وأشار كاسيدوروس Casiodorus أن له تعليقات على سفر الأمثال. وفى بردي الطور بمصر التي اكتشفت عام 1941م وُجدت مقتطفات مطوّلة لتفاسيره على التكوين وأيوب وزكريا.

عن الثالوث: يقع هذا العمل في ثلاثة كتب، وضعها ما بين عام 381 و392، لا تزال موجودة، لأنها لم تحمل اتجاهًا أوريجانيًا.

عن الروح القدس: الأصل اليوناني مفقود، لكن الترجمة اللاتينية للقديس جيروم موجودة.

ضد اتباع ماني: يتكون هذا العمل من 18 فصلاً صغيرًا، موجود باليونانية.

أعمال أخرى: في عمله "عن الثالوث" أشار القديس إلى عمل آخر من وضعه يُسمى "الكلمة الأول". كما يشير إلى مقاله Sanctorum Voluman في عمله عن "الروح القدس 5: 12. وجاء في سقراط أن ديديموس خصص عملاً للدفاع عن كتاب أوريجينوس" عن المبادئ ". ويشير الأب يوحنا الدمشقي إلي عملين آخرين للقديس هما" عن الفلسفة "و" التجسد ". كما حفظت له بعض الأعمال تحت أسماء آباء آخرين.

الثالوث

من يتصل بالروح القدس يتقابل حالاً مع الآب والابن. ومن يشترك في مجد الآب يكون له هذا المجد من الابن بالروح القدس. فقد اتضح أنه في كل شيء توجد عملية واحدة بذاتها للآب والابن والروح القدس. (عن الروح القدس 17)

لاهوتي الروح القدس

لم يكتفِ بتخصيص الكتاب الثاني من "الثالوث" للحديث عن الروح القدس، وإنما وضع كتابًا خاصًا عن الروح القدس، وقد لُقب بلاهوتي الروح القدس. أكد مرارًا وتكرارًا أنه الخالق وليس مخلوقًا. كما تحدث عن انبثاقه من الآب وحده.

ينبثق الروح القدس من الآب ويستقر إلهيًا في الابن. (عن الروح القدس 1: 3)

من المستحيل لأي واحد أن يطلب نعمة الله إن لم يكن لديه الروح القدس الذي فيه يتضح أن كل عطايا الله متضمنة فيه. (عن الروح القدس 9).

يجددنا الروح القدس في المعمودية بكونه الله، وبالاتحاد مع الآب والابن يردنا من حالة التشويه إلى حالة الجمال الطاهر. وهكذا يملأنا بنعمته فلا نعود نستطيع أن نفتح مجالاً لأي شيء لا يتأهل مع محبتنا. إنه يحررنا من الخطية والموت وأمور الأرض، ويجعلنا بشرًا روحيين شركاء في المجد الإلهي، أبناء الله الآب وورثة له. يُشكّلنا علي صورة ابن الله، ويجعلنا شركاء معه في الميراث واخوته، نحن الذين نتمجد معه ونملك معه. يهبنا السماء عوض الأرض، ويمنحنا الفردوس بيدٍ سخيةٍ، ويجعلنا أكثر كرامة من الملائكة، ويطفئ بمياه جرن المعمودية الإلهية نيران جهنم التي لا تًطفأ. (عن الثالوث 12: 2).

القمص تادرس يعقوب ملطي: آباء مدرسة الإسكندرية الأولون.

ديديموس الكاهن الشهيد

كتب الملك منشورًا وأرسله إلى أرمانيوس والي الإسكندرية وإلى الحكام المعينين في كل مدينة بأن يهدموا كنائس المسيحيين ويبنوا هياكل للأوثان مكانها وأن يبخر الجميع للآلهة ويعبدوها، وأن من يمتنع يُعَذب ويُقتَل.

حين وصل المنشور إلى الحاكم قبض على الكهنة في كل مدينة وأمرهم بعبادة الآلهة النجسة، ثم أرسله إلى كل ولاة الأقاليم. ولما وصل المنشور إلى أريانا والي أنصنا، جلس على منصة الحكم أمام الشعب وأمر بإحضار المسيحيين، فأحضروا إليه برشنوفي القارئ من بلدة جبليل، هيراقليد الجندي من أعمل الجنوب، ونويي Naui من مقاطعة هنيس Hnes، وبانا Pana من ننهاتي Nenhati، وبابيل Pabil من شنوتي Chounti، وطلبوا منهم أن يذبحوا، لكنهم رفضوا بشدة، فعذبوهم والقوهم في السجن.

رؤيا في الليل

كان هناك كاهن يدعى ديديموس من تارشيبي Tarchebi من مقاطعة بتينتو Pteneto. كان شابًا يخاف الرب منذ طفولته، يحيا ساهرًا في تعاليم السيد المسيح، حكيمًا وبارًا محبًا للصدقة. وحدث في الليل وهو نائم أن وقف رجل مضيء أمامه وقال له: "السلام لك أيها الأب ديديموس النبيل. لماذا تبقى هكذا لا تبالي من يوم إلى يوم؟ قم واذهب إلى أتريب، فالمعركة قائمة وسوف تأخذ الإكليل مجانًا، لأن إكليلك مُعد في السماوات. قم ولا تضيع وقتًا". ثم صعد الرجل المضيء إلى السماوات بمجدٍ عظيمٍ.

في أتريب

قام ديديموس مبكرًا جدًا بدون علم أهله ومضى إلى أتريب وتقدم إلى الوالي وقال: "أنا مسيحي وأقول ذلك بحرية. لا يوجد سوى الله الواحد يسوع المسيح ربنا ليس إله آخر سواه".

اغتاظ الوالي من كلامه وأمر بوضعه فوق آلة التعذيب إلى أن يسيل دمه على الأرض مثل الماء، ثم يسخنوا رصاصًا حتى يغلي وأن يسكبوه عليه. وكان ديديموس أثناء ذلك يصلي ويطلب إلى الرب ألا يتركه. فأرسل الرب ملاكه إليه ليشجعه ولمس جسمه وشفاه، وكان يشعر أن الرصاص مثل ماء بارد، فآمنت الجموع الواقفة.

أمر الوالي أن يجره الجنود على بطنه وأن يمدوه على آلة التعذيب ثم يتولى ضربه أربعة أربعة حتى تعب الجنود، وكان دمه يسيل على الأرض. وصرخ ديديموس للرب حتى ينقذه، فلمس رئيس الملائكة ميخائيل جسمه وعاد صحيحًا في الحال، حتى اعتقد الوالي أن القديس ساحر وأمر بإلقائه في السجن.

بعد أربعة أيام جلس الوالي على منصة الحكم وأمر بإحضار المسيحيين المسجونين، وكان من بينهم ديديموس الكاهن، وكان الرجال والنساء يأتون إلى القديس ويحنون رؤوسهم أمامه قائلين: "السلام يا بطل المسيح، باركنا يا أبانا القديس".

ولما رآهم الحاكم استشاط غضبًا لكنه خاف من الشعب، وحاول إقناع القديس بأن يذبح للآلهة ولكنه فشل. فأمر بأن يعدوا مقعدًا من الحديد ويجلسوا عليه القديس ثم أحضر مشاعل نار وأمر أن يضعوها تحته ويتركوها لمدة ثلاث ساعات. فرفع القديس عينيه نحو السماء وصلى وفي الحال كف بصر الجلادين وصرخوا في وجه الوالي وكل أهل المدينة قائلين: "إننا لا نرى بعد"، فصاح الجمع على الفور: "لا يوجد إله إلا إله المسيحيين، يسوع المسيح الذي يُعطي القوة لمختاريه". ولما سمع الوالي التفت إلى القديس وقال له: "أستحلفك بالمسيح الذي باسمه تصنع السحر، مُر أن يرى هؤلاء الجلادون"، فصلى القديس مرة أخرى وفي الحال أبصروا ومجدوا إله القديس.

لما حار الوالي في أمره كتب تقريرًا بخصوصه وأرسله مقيدًا إلى كلكيانوس حاكم الإسكندرية، وفي الطريق ظهر له السيد المسيح وشجعه وقواه ثم أعطاه السلام وصعد إلى السماوات.

في الإسكندرية

في الإسكندرية أمر الحاكم بنزع أظافر يديه ورجليه، ثم أحضروا خلاً ورمادًا ساخنًا وسكبوها على جراحاته، ولم يكد القديس ينطق اسم السيد المسيح حتى وافاه ملاك الرب ولمس يديه ورجليه فشُفي. ولما اتهمه الحاكم بأنه يصنع هذا بقوة السحر ردَّ عليه القديس قائلاً: "بما أنك تجدف على اسم يسوع المسيح فليحكم عليك إلهي أن تكون أخرسًا"، وفي الحال انعقدت شفتاه ولم يستطع الكلام، ولما رأى الجمع ذلك صرخوا جميعًا: "لا يوجد إله آخر غيرك يا إله القديس ديديموس".

حينئذ رجا الحاكم القديس يوليوس الأقفهصي لكي يشفع لدى القديس ديديموس لكي يشفيه. فذهب يوليوس يترجاه من أجل الحاكم فقال له الشهيد: "بصلوات القديسين لن يتكلم قبل أن يأخذ حبرًا وورق بردي ويكتب أمام كل هذا الجمع: لا يوجد إله آخر غير الآب والابن والروح القدس الإله الواحد". نفذ الحاكم ذلك في الحال وكتب كما قال القديس فانفتح فمه وانحلّت عقدة لسانه. وتقدم يوليوس إلى الشهيد يطلب منه خدمة يصنعها له، فطلب إليه أن يعتني بجسده بعد استشهاده، فوعده يوليوس أن يفعل ذلك.

أخيرًا أمر الحاكم أن يأخذوا ديديموس ويعلقوه في مشنقة ورأسه إلى أسفل ثم أحضر زيتًا مغليًا وسكبه عليه، وكان جمع كثير يصرخ: "مبارك أنت أيها الرب الإله القادر على كل شيء"، كما آمن نحو ألف مدني وخمسمائة جندي وصرخوا قائلين: "نحن مسيحيون ونقول ذلك بحرية". ثم حكم عليه بقطع رأسه مع ستة مسيحيين آخرين من نفس مقاطعته. أمر الحاكم بأن يحفروا حفرة كبيرة ويملأوها بالنار يلقوا فيها الأهالي والجنود القديسين الذين اعترفوا بالسيد المسيح.

رفع ديديموس عينيه نحو السماء وصلى ثم مدَّ عنقه فقطعوا رأسه في اليوم الثامن من شهر توت في الساعة الثالثة من النهار، وكفنه القديس يوليوس ووضعه على مركب وحمل الجسد إلى قريته تارشيبي حيث استقبله الشعب وأدخلوه بالتراتيل والمزامير، وأمضوا سبعة أيام يحتفلون به.

الشهيدان أنبا صرابامون وأنبا ديديموس، صفحة 17.

ديديموس الناسك القديس

جاء في كتاب "مشاهير الآباء" للقديس جيروم: "رأينا هذا القديس وكان متقدمًا جدًا في الأيام. وكان ناسكًا عظيمًا وحكيمًا. وقد اعتاد أن يقتل العقارب وكل الزواحف السامة بقدميه، وهو عمل لم يتجاسر أحد أن يصنعه".

ديسقورس الأول البابا الخامس والعشرون

تلقبه الكنيسة "بطل الأرثوذكسية". كان شيخًا وقورًا، جمع بين الروحانية والعمق الدراسي اللاهوتي والشجاعة المسيحية والصلابة في الحق والرغبة في التضحية حتى الموت من أجل الإيمان.

حدث بعد وفاة الملك ثيؤدوسيوس الصغير سنة 450م، الذي تلقبه الكنيسة بالملك الأرثوذكسي، أن اعتلى عرش المملكة الملك مرقيان وزوجته الملكة بولشريا. وفي هذا الوقت الذي احتدم فيه الجدل اللاهوتي حول طبيعة السيد المسيح كانت المؤامرات تحاك ضد كنيسة الإسكندرية وأساقفتها العظام، بِسَعيّ من لاون أسقف روما لدى الملك مرقيان وزوجته.

عودة الجِدال اللاهوتي حول شخص المسيح

إدانة نسطور في المجمع المسكوني الثالث في أفسس عام 431م ألهبت الجدال بين مساندي اللاهوت الإسكندري ومساندي اللاهوت الأنطاكي. أدان يوحنا الأنطاكي ومعاونوه القديس كيرلس ومعاونيه. وفي سنة 433م أعلن نص "إعادة الاتحاد" أو "رمز الاتحاد"، لكن هذا البيان لم يقدم إرضاءً شاملاً، إذ لم يقتنع به أي طرف من الطرفين الرئيسيين بطريقة كاملة. الآن، تغيرت الظروف وعاد الجدال بشكل أكثر حدة أدى إلى انشقاق مرّ في الكنيسة في مجمع خلقيدونية سنة 451م.

في سنة 435م، في الرُها انتخب أسقف جديد هو هيبا، تحول إلى تلميذ غيور لثيؤدور المؤبسستى (الميصة) القائد الأنطاكي، فبدأ الجِدال العقيدي من جديد يرتكز على كتابات ثيؤدور. وفي سنة 433م احتل دومنيوس الأسقفية عِوض يوحنا الأنطاكي، وكان ضعيف الشخصية متذبذبًا، يأخذ قراراته الحسّاسة خلال إرشاد ثيؤدورت أسقف قورش. وفي سنة 444م تنيح القديس كيرلس وخلفه رئيس الشمامسة ديسقورس الذي صحبه في مجمع أفسس. وفي القسطنطينية مات برولكس وخلفه فلفيان (فلابيانوس، فلافيانوس 446م) وهو إنسان خجول بلا قُدرة على الكلام. ويبدو أنه كان يؤمن بـ "الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة من طبيعتين"، لكن ثيؤدورت أسقف قورش غيَّر ذهنه.

القديس ديسقورس وثيؤدورت أسقف قورش

أرسل القديس ديسقورس بعد سيامته رسائل لاخوته الأساقفة حسب التقليد الكنسي، علامة الشركة الرسولية. أرسل ثيؤدورت أسقف قورش - الذي كان يناضل ضد القديس كيرلس لصالح نسطور - ردًا على البطريرك الجديد بخطاب مملوء تملقًا، يمتدحه فيه من أجل تواضعه ورقته. لكن ثيؤدورت - بعد ذلك - أعلن عداوته للقديس ديسقورس، لأن الأخير أرسل إلى دومنيوس أسقف إنطاكية يلومه فيه برقة وصراحة على تشجيعه للثنائية النسطورية من جهة شخص المسيح، واستهانته بمجمع أفسس، وإعلانه أن نسطور ليس هرطوقيًا. لقد أجاب دومنيوس برسالة رقيقة جاء فيها أنه سُرّ بخطابه بسبب محبته وصراحته.

القديس ديسقورس وأوطيخا

كان أوطيخا أرشمندريت ورئيس دير بالقسطنطينية، حيث كان حوالي 300 راهبًا يعيشون تحت قيادته. وهو ناسك شيخ، وُهب البلاغة لكنه لم يكن لاهوتيًا حقيقيًا. لعب دورًا خطيرًا في الانشقاق الكنسي في القرن الخامس. كان لأوطيخا شهرة فائقة في كرسي القسطنطينية، وفي الأوساط الديرية، وفي البلاط الإمبراطوري، وعلى مستوى الشعب. هذا يرجع إلى ذكائه وبلاغته مع حياته النسكية وعلاقته الوطيدة بالقصر الإمبراطوري، خاصة خلال قريبه خريسافيوس كبير الحجاب.

كصديق للقديس كيرلس تقبل منه صورة من قرارات مجمع أفسس سنة 431م، وكان يعززها على الدوام. لقد قبل صيغة اللاهوت الإسكندري من جهة السيد المسيح: "طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد" دون التمتع بأساس لاهوتي سليم. في الواقع لم يكن يمثل اللاهوت الإسكندري أو الأنطاكي، إنما غيرته الشديدة ضد النسطورية التي كانت قد انتشرت في تلك المنطقة ودفاعه عن صيغة الإسكندرية قادته إلى هرطقة أخرى، إذ زاغ بقوله إن ناسوت المسيح ليس مساويًا لنا. نادى بوجود طبيعتين قبل الاتحاد، ولكن طبيعة واحدة فقط بعده، لأن الطبيعة الإلهية قد ابتلعت الناسوتية، وفُقدت الأخيرة تمامًا.

لاهوتيات أوطيخا

ليس بالصعب على أي دارس أن يكتشف شخصية أوطيخا ولاهوتياته من مجرد قراءة إجاباته أثناء مناقشته في مجمعيّ أفسس سنة 448، 449م. لم يكن بالشخص اللاهوتي، ولا مُدركًَا لنظام اللاهوت الإسكندري، إنما تارة يستخدم عبارات أرثوذكسية تضاد أفكاره الرئيسية. ربما لأنه كان متزعزعًا في معرفته اللاهوتية، أو عن خداع، أو ربما لحذره لئلا يفقد شهرته أو مركزه أو كهنوته.

بعد المجمع المحلى بالقسطنطينية عام 448م أرسل "اعتراف إيمانه" للإمبراطور، إن كان بحق هذا الاعتراف يمثل رأيه فلا يكون حاملاً للهرطقة الأوطاخية، إذ يقول:

[نُعلن أن يسوع المسيح ربنا مولود من الله الآب بلا بداية...، الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من العذراء مريم...، أخذ نفسًا وجسدًا، إله كامل وإنسان كامل، واحد مع (مساوٍ) الآب في جوهره من جهة اللاهوت... وواحد معنا من جهة الناسوت.

نعترف بهذا أنه "من from طبيعتين بعد الاتحاد...

نؤكد أنه مسيح واحد، ابن واحد، رب واحد، أقنوم واحد، شخص واحد. لذلك لا نرفض تأكيد أنه طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد الذي صار إنسانًا، إذ هو واحد من اثنين، كائن واحد بعينه ربنا يسوع المسيح.]

إدانة أوطيخا

حدث صراع بين أوطيخا والقائد الأنطاكي ثيؤدوريت أسقف قورش، الذي لأجل محبته وولائه لنسطور قدم لصديقه معانٍ يقصدها هو وليس نسطور. من ناحية أخرى بسبب كراهيته المُرة للقديس كيرلس وكتاباته، خاصة الاثني عشر حرمانًا اتهم القديس كيرلس بالأبولينارية، ونشر هجومًا مطوّلاً ضد القديس كيرلس وأوطيخا [دون ذكر اسمه] دعاه "إرانستس" أو "الشحاذ"، ينقسم هذا الهجوم إلى ثلاثة أقسام:

1. القسم الأول أراد إثبات أن الطبيعة الإلهية لا تتغير. ولإثبات هذا دحض اصطلاح القديس كيرلس "ثيؤتوكوس" وأيضًا "تبادل الألقاب والخواص Communicato idiomatum".

2. القسم الثاني يظهر أن الطبيعتين توجدان في المسيح بغير اختلاط، رافضًا اتحاد الطبيعتين.

3. القسم الثالث خصصه لإظهار أن الله الكلمة بلا انفعالات. لقد هاجم الحرمان الرابع للقديس كيرلس الذي فيه يقول بأنه يستحيل التفريق بين شخصين وأقنومين، كما جاء في عبارات العهد الجديد.

القديس كيرلس نفسه أكد الثلاث نقاط: عدم تغير اللاهوت، عدم اختلاط الطبيعتين، عدم انفعال اللوغوس، لكن الكتاب هاجم اللاهوت الكيرلسي، خاصة دعوة القديسة مريم "ثيؤتوكوس"، والمناداة بطبيعة المسيح الواحدة، وتبادل الألقاب والخواص.

عُقد مجمع القسطنطينية من 8 إلى 22 نوفمبر سنة 448م لإدانة أوطيخا، حيث قدم يوسابيوس عريضَة اتهام ضده يتهم فيه أنه يفتري على الكُتّاب الأرثوذكس متمسكًا بآراء هرطوقية، طالبًا من فلافيان أن يستدعى أوطيخا ليدافع عن نفسه. رفض أوطيخا الظهور أمام المجمع حتى الجلسة السابعة، مقدمًا أعذارًا كثيرة مثل شيخوخته ومرضه وأن التقليد النسكي يمنعه عن مغادرة الدير.

مناقشات الجلسات الست غير معروف منها سوى بعض عبارات حيث نسب بعض الأساقفة الحاضرين للقديس كيرلس أنه قال بالطبيعتين بعد الاتحاد.

أمام المجمع أعلن أوطيخا أنه قبل تعليم نيقية وأفسس وأنه يؤكد أن [بعد أن صار المسيح إنسانًا، أي بعد أن ولد يسوع المسيح ربنا، يُعبد الله الكلمة بكونه طبيعة واحدة، أي الله الذي صار متجسدًا.]

لقد أنكر أنه قال بأن جسد يسوع نزل من السماء، بل ضحك عند سماعه هذا الاتهام ضده.

لقد كرر أن المسيح أخذ جسده من العذراء مريم، وأضاف أنه قد تم تجسد كامل، لكنه رفض القول بأن جسده واحد معنا (أي مساوٍ لنا).

أصر يوسابيوس أن يجيب على سؤالين:

1. هل كان المسيح واحدًا معنا (مساوٍ لناحسب الجسد)؟

2. هل يحمل فيه طبيعتين بعد الاتحاد؟

من جهة السؤال الأول، أجاب: [إلى اليوم لم أتحدث عن جسد ربنا أنه واحد مع جسدنا (مساوٍ لجسدنا)، لكنني أعترف أن العذراء واحدة معنا في جوهرنا، وأن الله تجسد منها]. وإذ علّق باسيليوس أسقف سلوكية قائلاً ما دامت الأم واحدة معنا، إذن فهو نفسه إذ يُدعى ابن الإنسان يلزم أن يكون واحدًا معنا، أجاب: [كما تقول أوافقك على كل شيء].

بخصوص السؤال الثاني أجاب: [إنني أقرأ الطوباوي كيرلس والآباء القديسين والقديس أثناسيوس، فقد تحدثوا عن "من طبيعتين" إذ يشيرون إلى ما قبل الاتحاد، أما بعد الاتحاد والتجسد، فهم لا يؤكدون الطبيعتين بل طبيعة واحدة.]

قال باسيليوس أسقف سلوكية بأنه إذ لم يقل بالطبيعتين فهو ينادى بالاختلاط والامتزاج.

أصدر فلافيان القرار بأن أوطيخا يتبع فالنتينوس وأبوليناريوس، وأن المجمع يحرمه ويعزله عن إدارة ديره وممارسة الكهنوت.

التجاء أوطيخا إلى الإمبراطور والأساقفة

إدانة أوطيخا سببت متاعب كثيرة في القسطنطينية. مساعدوه، خاصة في الأوساط الديرية، اتهموا فلافيانوس ومساعديه بالنسطورية.

حرم فلافيانوس القادة في الأديرة بينما لجأ أوطيخا إلى روما والإسكندرية وأورشليم وتسالونيك، وأيضًا قدم شكوى إلى الإمبراطور خلال صديقه خريستوفيوس كبير الحجاب، يقول فيها بأن الذين حاكموه أرادوا إلزامه بالثنائية النسطورية وأن سجلات المجمع قد زُوِّرت.

كتب لاون أسقف روما إلى أوطيخا يمتدحه على غيرته في الدفاع ضد الثنائية النسطورية، وفي نفس الوقت كتب إلى فلافيانوس يطلب منه الترفق بأوطيخا. لكنه غيَّر رأيه ربما عندما سمع أن الإمبراطور كتب إلى القديس ديسقورس بابا الإسكندرية يدعوه لعقد مجمع لمناقشة الأمر. لاون الذي لم تكن لديه معرفة صادقة لطبيعة الصراع بين لاهوت الإسكندرية ولاهوت إنطاكية أرسل طومسه (رسالة) إلى القسطنطينية في 13 يونيو 449م، لا من أجل مصالحة الطرفين وإنما بغية تشويه اللاهوتيين الإسكندريين.

مجمع أفسس الثاني لسنة 449م

إذ اقتنع الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني بعقد مجمع طلب من ديسقورس أن يمارس سلطته في المجمع كرئيس، وطلب من يوبيناليوس أسقف أورشليم وتلاسيوس أسقف قيصرية كبادوكية أن يكونا رئيسين شريكين معه.

قبل مناقشة قرارات المجمع أود أن أشير إلى أن الخلقيدونيين يقولون إنه إن كان مجمع خلقيدونية سنة 451م قد سبب شقاقًا في الكنيسة، فإنهم يرون أن ما حدث كان رد فعل لمجمع أفسس عام 449م، الذي دعاه لاون أسقف روما بالمجمع اللصوصي، ويتهم المؤرخون واللاهوتيون القديس ديسقورس بالعنف، وأنه قاد المجمع لصالح اللاهوت الإسكندري.

هل كان القديس ديسقورس عنيفًا؟

يقدم المطران غريغوريوس بولس بهنام بعد نشره رسالة الإمبراطورين ثيؤدوسيوس الثاني وفالانتينوس، مترجمة من السريانية إلى العربية، الملاحظات التالية:

1. لم يعقد المجمع (أفسس الثاني) بناء على طلب البابا ديسقورس، ولم توجد بينه وبين الأباطرة رسائل مسبقة في هذا الشأن. هذا يعنى أن القديس ديسقورس لم يكن يبغي نفعًا شخصيًا خطط له.

2. لم يصف الخطاب الإمبراطوري القديس ديسقورس بألقاب تكريم أكثر من غيره. هذا يعنى عدم وجود اتفاقات مسبقة بين الإمبراطور والقديس ديسقورس.

3. تكشف الرسائل الملوكية عن وجود اضطرابات لاهوتية متزايدة في إيبارشية القسطنطينية. كان طلب الإمبراطور من القديس ديسقورس هو الإسراع لوضع حد للمتاعب اللاهوتية. هذا ومما يجب مراعاته أن ديسقورس لم يعلن عن صيغة إيمان جديدة، بل كان يسعى للمحافظة على الصيغة التقليدية للإيمان الكنسي.

4. أُخذت القرارات بالتصويت، ولم نسمع أن أسقفًا من الحاضرين احتج أو انسحب من المجمع (غير فلابيانوس ويوسابيوس عند إصدار الحكم).

5. في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها يوبيناليوس الأورشليمي، وصف لاون أسقف روما بـ "القديس"، "محب الله"، وأعطى لدومنوس أسقف إنطاكية لقب "محب الله"... هذه الألقاب تكشف عن روح المجمع.

6. عندما سأل لاون أسقف روما إمبراطور الغرب فالنتينوس وأمه وأخته بولشاريا للتوسط لدى ثيؤدوسيوس الثاني ليعقد مجمعًا آخر أرسل الأخير رسالة يمتدح فيها مجمع أفسس بأن خوف الرب كان يحكمه، وأن أعضاءه تمسكوا بالإيمان الحق وقوانين الآباء، وأنه قد فحص الأمر بنفسه وهو راضٍ.

7. في الرسالة الملوكية في افتتاح المجمع أعلن الإمبراطور منعه ثيؤدورت أسقف قورش من الحضور بسبب الآلام التي يعانيها المؤمنون، حتى الذين في القرى، من النساطرة. في الواقع لم يكن ديسقورس عنيفًا بل النساطرة كما شهد الإمبراطور نفسه بذلك.

وإنني أود أن أضيف ملاحظات أخرى:

8. لم ينطق القديس ديسقورس حتى اللحظة الأخيرة من انعقاد المجمع بكلمة ضد روما، بينما لاون في رسائله يشير إلى بابانا بأنه "السفاح المصري" و "معلم أخطاء الشيطان" والباذل بقوة جهده لبث التجاديف وسط اخوته. وسنرى كيف أن أناطوليوس أسقف القسطنطينية وغيره قد رفضوا نَسْب الهرطقة للبابا الإسكندري.

9. يعتمد الخلقيدونيون عادة على أعمال مجمع خلقيدونية في اتهام القديس ديسقورس بالعنف. وسنناقش هذه الاتهامات فيما بعد، لكنني أشير هنا إلى أنه من الطبيعي أن ينسب النساطرة العنف للبابا الإسكندري ليخفوا سلوكهم العنيف في مجمع القسطنطينية كما شهد الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني وأيضًا سلوكهم القاسي مع أوطيخا وأعوانه، وقد كتب أوطيخا في التماسه للأساقفة أنه [أكد أثناء محاكمته رغبته في إتباعه ما قد صمموا عليه، ولكن فلابيانوس رفض الالتماس، كما اعترض على العنف الذي استخدم ضده في المجمع وما بعد المجمع بواسطة العامة]. ونحن نعلم أن فلابيانوس قد حرم كثيرًا من قادة الرهبان لأنهم سندوا أوطيخا ضد الثنائية النسطورية.

10. اعتاد بعض الدارسين أن ينسبوا العنف إلى لاهوتي الإسكندرية وآبائها، حتى بالنسبة للقديسين أثناسيوس وكيرلس.

قرارات المجمع

1. إعادة اعتبار أوطيخا

لم يكن خطأ ديسقورس أن المجمع أعاد اعتبار أوطيخا، وذلك للأسباب الآتية:

أ. كتب لاون أسقف روما إلى بولشاريا قائلاً بأن أوطيخا انزلق في الهرطقة عن جهل منه، إن تاب فليعامل حسنًا.

ب. أعلن أوطيخا عبارات أرثوذكسية مثل قوله: [فإنه هو نفسه، كلمة الله، نزل من السماء بلا جسد، صار جسدًا من ذات جسد العذراء دون أن يتغير أو يتحول، بطريقة هو نفسه يعلمها ويريدها. وهو الإله الكامل قبل الدهور هو بعينه صار إنسانًا كاملاً لأجلنا ولأجل خلاصنا.]

يؤكد أوطيخا أنه متمسك بإيمان نيقية وأفسس وبعبارات كيرلس، كما حرم ماني وفلانتينوس وأبوليناريوس ونسطور مع القائلين بأن جسد المسيح نزل من السماء...

2. إدانة فلابيانوس ودومنوس الخ.

لا تزال محاضر الجلسات موجودة بالنص السرياني، نلاحظ فيها أن الاتهام الرئيسي ضد هؤلاء هو اتجاهاتهم النسطورية التي انتشرت في هذه المنطقة. يقول شادويك: [قام المجمع بعزل القيادات النسطورية.]

3. حذف طومس لاون

اعتبر الأسقف الروماني أن هذا الحذف بمثابة استخفاف بالسلطة البطرسية لذا وصف المجمع "باللصوصي". وجدير بالملاحظة أن هذا الطومس لم يُكتب كمستند للمجمع، بل كان في الأصل رسالة موجهة للإمبراطور، أرسلت منه صورة إلى المجمع سلمت بأيدي النواب. يقول المتروبوليت ميثودويوس باكسيوم: [في الحقيقة إن تسليم الرسالة للمجمع كان كافيًا. لقد كان ممثلو روما حاضرين وكانوا قادرين على تقديم وجهة نظره. إلى يومنا هذا يمكن تسليم رسائل دورية لمجامع دون وجود التزام بقراءتها.]

لاون أسقف روما ومجمع خلقيدونية

عاد مندوبو روما إلى أسقفهم يعلنون فشلهم في حماية فلابيانوس وجماعته. كتب لاون إلى ثيؤدوسيوس الثاني ضد القديس ديسقورس كما كتب إلى كنيسة القسطنطينية، وأخيرًا سأل فالانتينيان الثالث خلال زوجته أفدوكسيا وأمه غالا بلاسيديا أن يكتب إلى أخيه ثيؤدوسيوس بخصوص ديسقورس ومجمع أفسس لسنة 449م، غير أن ثيؤدوسيوس رفض الطلب ممتدحًا القديس ديسقورس ومجمع أفسس.

ومع ذلك فقد حقق لاون بغيته إذ جاءت الأحداث تخدمه:

1. تقبّل لاون التماسات من معارضي مجمع أفسس (449م) مثل فلابيانوس وغيره.

2. موت فلابيانوس، الذي يحتمل أن يكون قد حدث بعد إدانته بمدة ليست طويلة، وجد فيه لاون فرصة للتعاطف معه (بعد موته)، خاصة في القسطنطينية. فقد فسرت هذه الوفاة فيما بعد من مقاومي مجمع 449م بأنها تمت بسبب أتعاب جسدية لحقت به في المجمع.

3. في 28 يوليو سنة 450م مات ثيؤدوسيوس واحتلت بولشاريا أخته ورجلها مرقيان المُلك وأعلنا أنهما إمبراطوران في 28 أغسطس 450م.

4. يقرر شادويك أن أناطوليوس، خلف فلابيانوس، إذ أراد تأكيد مركز القسطنطينية الثاني وجد أن الفرصة ذهبية لحث روما على قبول ذلك.

عقد الملك مرقيان مجمعًا في قصره بالقسطنطينية من أجل موضوع الساعة، وهو طبيعة السيد المسيح، دعا إليه أساقفة كثيرين معظمهم من النساطرة. وكان البابا ديسقورس ضمن المدعوين، واندهش لكثرة الأساقفة المجتمعين بلا سبب. كان لا يدري أن هناك مؤامرة مبيتة ضده، لكنه لم يرهب الموقف، ولما تساءل عن السبب في عقد المجمع، أجابه أحد الأساقفة بأن الملك يهدف إلى توضيح الإيمان. فقال البابا ديسقورس في جرأة: "إن الإيمان هو في غاية الكمال، ولا يعوزه شيء من الإيضاح، وهو مقرر ومثبت من الآباء أمثال أثناسيوس وكيرلس وغيرهما".

حاول البعض أن يستميلوه لكي يوافق على طومس لاون أسقف روما الذي يثبت الطبيعتين في شخص المسيح بعد الاتحاد، فرد قائلاً: "إن اعتقاد البيعة ينبغي ألا يٌزاد عليه أو ينقص منه. فالمسيح واحد بالطبع والجوهر والعقل والمشيئة كما علّم الآباء". ثم أخذ يشرح لهم المعتقد السليم، وحدث أن أحد الأساقفة المجتمعين في قصر الملك أخذ يوجه الكلام إلى البابا ديسقورس طالبًا أن يذعن لرغبة الملك ولا يخالفه لكي يبقى في منصبه، فما كان من ديسقورس إلا أن قال له: "إن الملك لا يلزمه البحث في هذه الأمور الدقيقة بل ينبغي عليه أن ينشغل بأمور مملكته وتدبيرها، ويدع الكهنة يبحثون موضوع الإيمان المستقيم، فإنهم يعرفون الكتب. وخير له أن لا يميل عن الهوى ولا يتبع غير الحق!"

دٌهش الجميع من جرأته، وهنا قالت الملكة بولشريا: "يا ديسقورس لقد كان في زمان والدتي أفدوكسيا إنسان عنيد مثلك (تقصد القديس يوحنا ذهبي الفم) وأنت تعلم أنه لم يرَ من جراء مخالفته خيرًا. وأنا أرى أن حالك سيكون مثله". فأجابها بكل جرأة: "وأنتِ تعرفين ما جرى لوالدتك نتيجة اضطهادها لهذا القديس وكيف ابتلاها الله بالمرض الشديد الذي لم تعرف له دواء ولا علاجًا حتى مضت إلى قبره وبكت عليه واستغفرت الرب فعوفيت. وهأنذا بين يديك فافعلي ما تريدين، وستربحين ما ربحته أمك".

كانت نتيجة هذه الإجابة الصريحة الشجاعة أن تهجمت هذه الملكة الشريرة ومدت يدها وصفعته صفعة شديدة اقتلعت ضرسين من أضراسه نظرًا لشيخوخته. وما لبث أن انهال عليه بعض رجال القصر وأوسعوه ضربًا، وإمعانًا في الاستهزاء به نتفوا لحيته! أما هو فبقى صامتًا محتملاً ويقول: "من أجلك نُمات كل النهار". ثم جمع الأب الضرسين مع شعر لحيته، وأرسلهما إلى شعبه بالإسكندرية مع رسالة يقول فيها: "هذه ثمرة جهادي لأجل الإيمان. اعلموا أنه قد نالتني آلام كثيرة في سبيل المحافظة على إيمان آبائي القديسين".

القديس ديسقورس ومجمع خلقيدونية

ما لبث أن عُقد مجمع بأمر الملك في مدينة خلقيدونية سنة 451م، استخدم الضغط والإرهاب ضد الأساقفة، واتبع سبل المؤامرات الدنيئة، فكانت النتيجة أن صدر حكم المجمع على البابا ديسقورس غيابيًا، بعد أن حيل بينه وبين حضور المجمع، وذلك بعد أن كتب هو على قرار المجمع بخصوص الإيمان حرمًا لكل من يتعدى حدود الإيمان المستقيم.

بالرغم من الاعتقاد بأن مجمع خلقيدونية عُقد لإدانة أوطيخا، فقد كان في الواقع موجهًا ضد البابا ديسقورس الإسكندري، وليس ضد الراهب الشيخ، إذ كان أوطيخا غير حاضر في المجمع وكان قد نفي في شمال سوريا قبل عقد المجمع.

في الواقع أدين ديسقورس لا لهرطقة عقيدية وإنما لظروف سياسية لعبت الدور الرئيسي في المجمع.

يقول الأستاذ اليونانى الأب رومانيدس: [لقد حُسب ديسقورس أرثوذكسيًا تمامًا في إيمانه في نظر بعض الآباء القادة في مجمع خلقيدون مثل أولئك الذين مثّلوا أناتوليوس بطريرك القسطنطينية.]

ويقول الأب ميثوديوس مطران أكسيوم: [المعلومات التي لدينا لا تصور ديسقورس كهرطوقى، فمن المعلومات التي بين أيدينا واضح أنه كان إنسانًا صالحًا، بل والأسقف لاون نفسه حاول أن يكسبه إلى جانبه... هكذا في خطاب بعث به الإمبراطور ثيؤدوسيوس إلى ديسقورس دعاه فيه إنسانًا تشع منه نعمة الله، وديعًا، أرثوذكسي الإيمان.

في أثناء المجمع أعلن ديسقورس إيمانه مرات عديدة، ولم يُدن لأنه هرطوقي، وإنما لأنه رفض رئيس الأساقفة لاون في الشركة، ولأنه امتنع عن حضور المجمع رغم دعوته ثلاث مرات.

الأدلة كافية لكي نتطلع إلى أسباب أخرى لإدانة ديسقورس. فإن روما كانت في ضجر بسبب الحيوية غير الطبيعية لكنيسة الإسكندرية وبطريركها النشيط.]

صادق الملك على قرار المجمع وأصدر أمره بنفي البابا ديسقورس إلى جزيرة غاغرا بآسيا الصغرى. وبقى في منفاه مدة خمس سنوات صرفها في هداية الضالين وشفاء المرضى، وانتقل إلى عالم المجد سنة 457م.

القمص تادرس يعقوب ملطي: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت، 1986، ص 118 - 153.

ديسقورس الثاني البابا الحادي والثلاثون

اختياره بابا الإسكندرية

كان سكرتيرًا لسلفه البابا يؤانس الثاني وابن عم البابا تيموثاوس الأول، وقد اشتهر بالاستقامة والولاء التام للإيمان الأرثوذكسي، حتى عدّه الشعب رجلاً كاملاً ومحاميًا مناضلاً وأحبه ووثق به، فقُدِّم بطريركّا بإرشاد الروح القدس سنة 517م.

طلب القيصر نفسه تعيينه، ومع محبة الشعب لديسقورس رفضوا تدخل الأباطرة في اختيار البابا، مما سبب تأخير سيامته.

الشركة مع القديس ساويرس بطريرك إنطاكية

ما أن اعتلى الكرسي المرقسي حتى جدد الشركة مع القديس ساويرس بطريرك إنطاكية وغيره من الأساقفة الأرثوذكسيين، ضمنها القول عن الثالوث القدوس المساوي في الجوهر والألوهية، ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتحد بجسدٍ بشريٍ كاملٍ في كل شيء بنفس عاقلة ناطقة، وأنه صار معه بالاتحاد ابنًا واحدًا، ربًا واحدًا لا يفترق إلى اثنين، وأن الثالوث واحد قبل الاتحاد وبعده لم تدخل عليه زيادة بالتجسد. وقد ردوا عليه برسائل مؤيدة للإيمان القويم والناطقة بإخلاصهم له وبفرحهم لنواله هذه الكرامة السامية، فرد عليهم برسالة مملوءة بالمحبة والإخلاص.

علاقته بالإمبراطور أنستاسيوس

حدث أن أثار بعض المصريين فتنة في الإسكندرية أغضبت الإمبراطور أنستاسيوس، فخافوا سوء العاقبة ورجوا من باباهم، الذي كان الإمبراطور يعرفه شخصيًا ويحبه، أن يشفع فيهم لكي يدفع عنهم أذى الإمبراطور، فأعلن اغتباطه بخدمتهم وقصد إلى الإمبراطور لساعته. وقد نجح في مهمته إذ أعلن الإمبراطور صفحه عن المشاغبين.

أُهين في شوارع القسطنطينية ومع هذا لم يفتح فاه، محتملاً بصبرٍ.

كانت أيام البابا ديسقورس الثاني قصيرة، فلم تتجاوز باباويته السنتين انضم بعدها إلى أسلافه، تاركًا شعبه يبكيه ويتألم من أن راعيًا روحيًا مثله انتقل إلى عالم النور بهذه السرعة.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثاني صفحة 124.

ديسقورس الشهيد

استشهد القديس ديسقورس في زمان العرب. وكان من مدينة الإسكندرية، وحدث له ما دعاه إلى خروجه من دين آبائه ودخوله في الإسلام. ومكث كذلك مدة من الزمان، وكانت له أخت متزوجة بمدينة الفيوم، وإذ علمت ما صار إليه أرسلت له قائلة: "لقد كنت أشتهي أن يأتيني خبر موتك وأنت مسيحي، فكنت أفرح بذلك ولا يأتيني خبرك بأنك قد تركت المسيح إلهك". وختمت كلامها بقولها: "واعلم أن هذا الكتاب آخر صلة بيني وبينك، فمن الآن لا تعود تريني وجهك ولا تكاتبني".

فلما قرأ كتاب أخته بكى بكاءً مرًا ولطم على وجهه ونتف لحيته. ثم قام مسرعًا وشد وسطه بزنار وصلى متضرعًا بحرارة ورشم نفسه بعلامة الصليب، وخرج يسير في المدينة وأبصره الناس على هذه الحال فاقتادوه إلى الوالي.

قال له الوالي: لقد تركت دين النصارى ودخلت في ديننا، فما الذي جرى؟

أجابه قائلاً: أنا وُلدت مسيحيًا وأموت مسيحيًا ولا أعرف دينًا غير هذا.

هدده الوالي كثيرًا وضربه ضربًا موجعًا فلم يرجع عن رأيه. فأودعه في السجن وأرسل إلى الحاكم يعرض عليه أمره. فأمره أن يعرض عليه الخروج من دين النصارى والدخول إلى دين الحاكم فإن أطاع يعفو عنه وإلا يحرقه. فأخرجه من الحبس وعرض عليه الجحود فأبى قائلاً: لقد قلت سابقًا وُلدت مسيحيًا وأموت مسيحيًا. فأمر بحرقه، فحفروا له ظاهر المدينة حفرة كبيرة وملأوها بالحطب وأوقدوها، ولما علا لهيبها طرحوه فيها بعد أن ضربه أهل البلد ضربًا كثيرًا وطعنوه بالسكاكين، فنال إكليل الشهادة في ملكوت السموات.

السنكسار، 6 برمهات.

ديسقورس الطيبي

تحدث عنه القديس جيروم قائلاً بأنه قديس من طيبة، وكان أبًا لمائة راهبٍ. وكان كلما تقدم بعضهم للتناول من الأسرار المقدسة كان يقول لهم: "لعل أحدهم قد جاءت إلى قلبه أفكار شهوة النساء أثناء الليل، أو" الاحتلام "الغير مرتبط بالأفكار. وهو أمر غير إرادي، وليس نتيجة للرغبة الجنسية، لأنه أمر طبيعي نتيجة لما في الجسد من مواد. يقصد أنه قد يكون بسبب زيادة السائل المنوي، ويخرج من الجسد بشكل تلقائي وطبيعي فلا يُخطئ المرء.

ويضيف القديس بقوله: "أما الحلم الفاسد فهو يأتي من فكر شرير، ويسبب نفس الشيء.

وقال أيضًا القديس ديسقورس: "يجب على الراهب أن يسود على قانون الطبيعة، وألا يكون في جسده أية عدم نقاوة، مهما كانت قليلة؛ بل يُخضع جسده بالصوم حتى لا تزيد هذه المادة (السائل المنوي) في الجسد".

"ولا يليق بالراهب أن يقترب مما يثير الجسد، بل يتفوّق في ذلك على أهل العالم، سواء لحفظ الصحة أو لفوائد أخرى. وينبغي على الراهب أيضًا أن يُراعي سلامة عقله ونفسه وروحه".

ديسقورس وسكلابيوس أخوه الشهيدان

كانا ابنيّ رجل من ذوي اليسار تقي محب لله من أبناء أخميم، يُدعى أمونيوس. لم يكونا قد بلغا الخامسة والعشرين من عمرهما، إذ أرادا أن يعيشا متعبدين لله، متمثلين بالقديس يوحنا المعمدان وإيليا النبي، باعا كل ما ورثاه من والدهما وقدماه للمساكين والأرامل والأيتام، وأخذا القليل لما يكفي حاجتهما الملحة.

في البرية

بعد نياحة أبيهما مضيا إلى جبل أخميم. التقيا بمعلم كاهن يدعى الأنبا موساس، كان يسكن في البرية متعبدًا عند عين ماء نابعة في وسط صخرة مع بعض النساك. ذهبا بناء على رؤية ظهرت لهما وفي نفس الوقت ظهرت للأنبا موساس توصيه بهما.

أخبرهما الأنبا موساس بأن الأول سيسام قسًا والثاني شماسًا، وأنهما سينالا إكليل الشهادة مع جموع غفيرة من بلدهما.

إذ جاءت ساعة انتقال الأنبا موساس في السابع من شهر بؤونة أبصر القديسان وباقي اخوتهما بعضًا من الملائكة يحملون روح القديس موساس إلى العُلا وهم يسبحون أمامه. دُفن القديس بجوار العين التي في الوادي وظل الأخوان يمارسان حياة الصلاة والنسك بلا فتور.

سيامتهما

في أحد الأيام أراد القديسان ديسقورس وسلكلابيوس النزول إلى أخميم ليبتاعا ما يحتاجان إليه، فأمسكهما أهل المدينة، ومضيا بهما إلى الأنبا قامسطاكلا أسقف أخميم، فسام الأول قسًا والثاني شماسًا بغير إرادتهما. سمع الأسقف أثناء السيامة صوتًا صارخًا في المذبح يقول في كل مرة: "مستحق، مستحق، مستحق".

إذ سيم الاثنان بغير إرادتهما سمعا بالليل صوتًا من السماء يخبرهما بأن اضطهادًا سيحل بالمدينة وأن الشعب محتاج إلى مساندتهما.

بنالوجيوس وإلى أخميم

اشتهر بنالوجيوس والي أخميم ببغضه للمسيحيين، فقبض على الأسقف والكهنة وكان يضربهم بالمقارع. وإذ علم القديسان بذلك أرسلا إليه قائلين: "كف عن اضطهاد المسيحيين لئلا يحل عليك غضب الله". فعزّ على الوالي أن يخاطباه هكذا، فهدد بأنه سيذهب إليهما في اليوم التالي ويعذبهما. وإذ ابتعد عن المدينة قليلاً ألقاه حصانه على الأرض ورقد عليه فمات في الحال.

علمت كل المدينة بما حدث للوالي، فخاف الكل الرب، خاصة الجند.

أقام القديسان في جبل أخميم قرابة خمسة وأربعين عامًا في فرحٍ وتهليلٍ مع الاخوة النساك. وكان القديسان ينزلان أثناء المحن والضيقات لمساندة المؤمنين.

نزولهما إلى أخميم

ظهر لهما رئيس الملائكة ميخائيل بينما كانا يصليان تحت صخرة في الجبل، وعرّفهما بالاضطهاد المزمع أن يحل بمدينة أخميم، وطلب إليهما أن ينزلا إلى المدينة ليثبّتا الشعب، كما أنبأهما بأنهما سينالا إكليل الشهادة.

نزلا إلى المدينة فوجدا أريانا الوالي قد وصل إليها ونصب محكمة وبدأ يحاكم المسيحيين ويعذبهم.

ثار أريانا الذي بدأ حملته باضطهاد المسيحيين بأخميم، وقد وجد مسرته في منشور دقلديانوس ضد الكنيسة، إذ وجد ذلك تجاوبًا مع أعماقه. عندما بلغ المدينة وقرأ منشور الإمبراطور هتف الشعب كله الذي جاء لاستقباله ضد الإمبراطور. حاول أريانا أن يؤكد لهم ضرورة تنفيذ الأوامر فهزءوا به وتركوه.

صمم أريانا أن يقضى على كل المسيحيين في أخميم، فطلب الكهنة الوثنيين بالمدينة ليذهبوا معه إلى هيكل الوثن بامين ناجوس. كم كانت ثورته حينما علم كاهن الوثن العظيم ويدعى أبسكنده قد قبل الإيمان المسيحي ومعه مجموعة من كهنة الأوثان. حسب هذا كله إهانة للإمبراطور وله شخصيًا فأراد الانتقام.

أطاع القديسان أمر رئيس الملائكة ميخائيل ونزلا إلى أخميم ومعهما الاخوة النساك. كانوا في طريقهم إلى أخميم كمن يصعدون إلى أورشليم. فكانوا يترنمون بالمزامير قائلين: "فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب. ننطلق وأقدامنا قيام في ديار أورشليم. أورشليم المبينة كالمدينة المحيطة بها سور. هناك صعدت القبائل، قبائل الرب. اشكروا اسم الرب".

إذ وصل هذا الفريق الملائكي المسبِّح وجدوا الشعب قد اجتمع بفرح ليعيدوا عيد الميلاد المجيد بغير خوفٍ، وقد استعدوا جميعهم للاستشهاد على اسم السيد المسيح. وكان من بينهم كاهن الوثن العظيم أبسكنده والكهنة وجمع كبير من الوثنيين الذين آمنوا. جاءوا جميعهم وظلوا يصرخون في انتظار ساعة الاستشهاد قائلين: "يا رب خلصنا. يا رب نجنا. مبارك الآتي باسم الرب".

تحدث القديس ديسقورس مع الشعب عن الأكاليل السماوية المجيدة التي تنتظرهم بعد الاستشهاد، وأن آلام هذا العالم لا تقارن بالمجد العتيد.

تحدث أيضًا معهم أبسكنده وكهنة الوثن الذين آمنوا وكان عددهم سبعين.

الاحتفال بعيد الميلاد المجيد

أقيم قداس عيد الميلاد المجيد وكان يحتفل به الأنبا أباديون أسقف أنصنا الذي صحبه معه أريانا، وكان أسقف أخميم أوضاكيوس قد تنيح قبل ذلك بقليل. وكان القداس غير عادي، فقد أرادت السماء أن تسند كنيسة المسيح المجاهدة. فعندما جاء وقت الترنم بالتسبحة السمائية "قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت" إذا بالشعب يسمع أصوات الملائكة تترنم معهم. وفجأة ظهر السيد المسيح على المذبح وحوله الملائكة.

كان الشعب يصلى بأصوات مدوّية عالية وفي حماس شديد. وإذ انتهى القداس الإلهي كان أريانا خارج الكنيسة يطلب مقابلة الأراخنة. صار يبكتهم على عدم طاعتهم لأوامر الإمبراطور، أما هم فبشجاعة أعلنوا أن الشعب كله قد جاء لتقديم الصلوات للسيد المسيح الذي وُلد في بيت لحم من أجلهم.

ضرب الوالي عنقيّ اثنين من الشعب لكي يرهب الكل، فإذا بالكل يعلنون استعدادهم للاستشهاد من أجل المسيح.

مذبحة أهالي أخميم

قتل الوالي الكاهن الوثني أبسكندة وكهنته والوثنيين الذين قبلوا الإيمان بالمسيح. وأمر بأن يوثق الأسقف أباديون (ابنوديون) والرهبان لمحاكمتهم. أما الكهنة والشمامسة والأراخنة فتقدموا بفرحٍ لنوال أكاليل الاستشهاد. ثم جاء دور جميع الشعب، فكان الجنود يضربونهم بالسيوف ويقطعون أحيانًا بعض أعضاء جسمهم لتعذيبهم.

وبينما كان الجند في وحشية يقتلون إذ بالجماهير قادمة من الكنائس القريبة تطلب الاستشهاد.

إذ رأى الوالي الجماهير الغفيرة قادمة خاف فطلب من الجنود أن يستقبلوهم ويدخلوا بهم إلى الكنيسة ويقتلوهم هناك.

استشهاد ديسقورس وسكلابيوس

كانا يثبتان الناس على الإيمان المسيحي ويعلّمان الشعب، ثم أعلنا إيمانهما أمام الوالي وأخبراه عن قصة رؤية الملاك الذي أُرسل لهما لتثبيت إيمان المسيحيين في أخميم. فلما سمع أريانا ذلك قال: "ما هذه الخرافات، هلم بخِّرا الآن لئلا تعاقبا لجحودكما". حينئذ أجاباه: "نحن لا نضحي للآلهة، ونحن لا ننسى الذين استشهدوا في هذا اليوم، فقد كنّا نرى أرواحهم صاعدة أمامنا إلى السماء، ونحن مستعدون كذلك أن نموت مثلهم. ومهما أردت أن تفعل فاصنع بنا لنلحق باخوتنا". فغضب الوالي وأمر جنوده أن يضربوا القديسين ومن معهم بالدبابيس، وعذبوهم بأنواع عذابات مختلفة، وقيدوهم ووضعوهم في حبس، وكان يحرسهم أربعون جنديًا على رأسهم أقلوديوس وفليمون.

في منتصف الليل ظهر ملاك الرب إلى ديسقورس وقال له: "قم صلِ فإن أقلوديوس وفليمون وجنودهما سوف يسبقونك، ويصيرون تقدمة لله في هذه المدينة". فظن القديس أن أحد الاخوة هو الذي يكلمه، فقال له: "كيف أقدر القيام الآن؟" أجابه الملاك: "قم صلِ لأن الرب يحل المقيدين". وللوقت انحلّت القيود التي كان مقيدًا بها وكذا قيود جميع المعترفين. فقاموا جميعًا وسبحوا الله ومجدوا اسمه، وكان نور سماوي يشرق من مكان الحبس ويضيء على أقلوديوس وفليمون.

لما شاهد الجنود هذا كله دخلوا واعترفوا أمام أريانا. وبعد أن عذبهم أمر بطرحهم في النار ومعهم أقلوديوس وفليمون. وكان ذلك في اليوم الأخير من شهر كيهك، أما القديسان ديسقورس وسكلابيوس فأكملا شهادتهما في اليوم التالي (أول طوبة).

فاج الصياد وابنه الطفل زكريا

انفتحت عينا الطفل الصغير زكريا بن فاج الصياد، فرأى جماعة من النورانيين يحيطون بكومة نار كانت قد أُعدت، وطرح فيها أقلوديوس وفليمون والأربعون جنديًا. رأى هؤلاء النورانيين يمدون أيديهم لتأخذ نفوس الذين في النار وتضع عليها أكاليل نورانية.

صار الطفل يصرخ طالبًا من أبيه أن ينظر إلى النورانيين. وإذ سمعت الجموع ذلك اندفعت نحو الطفل الصغير يسألونه عمّا يراه. إذ رأى الوالي اندفاع الجماهير نحو الطفل وعرف السبب أمر باستدعائه وقطع لسانه، فحمله أبوه بنفسه على ذراعه وهم يقطعون لسانه. لكن سرعان ما ظهر رئيس الملائكة ميخائيل وشفاه، فصار الطفل يتكلم متهللاً.

أسرع الأب يخبر الوالي بعمل الله مع ابنه، فأمر بحرقهما معًا، ونالا إكليل الشهادة.

اندفعت الجماهير الوثنية نحو الوالي تعلن إيمانها بالسيد المسيح، وكان عددهم حوالي 640 شخصًا نالوا جميعًا إكليل الشهادة.

أُولاجيوس رئيس الجند

قبل استشهاد ديسقورس ومن معه، أمر الوالي بتقييدهم ووضعهم في حبس تحت حراسة أولاجيوس رئيس الجنود الذي كان معه عدد كبير من الجنود.

لاحظ أولاجيوس عمل الله الفائق مع هؤلاء القديسين وكان يخشاهم. وفي الهزيع الثالث من الليل نزل رئيس الملائكة ميخائيل وحل أربطة المأسورين. وأمر الملاك ديسقورس والمأسورين أن يصلوا من أجل أولاجيوس وجنوده الذين سيسبقوهم في الاستشهاد. صلّى الجميع من أجلهم وظلّوا يسبحون الله حتى الصباح الباكر.

في الصباح رأى أولاجيوس ما حدث، وأوصاه ديسقورس أن يحتمل هو ومن معه الأتعاب التي ستحل بهم كشركة مع المسيح في آلامه وصلبه.

جلس الوالي في مكان الحكم، وتقدم أولاجيوس وشهد بإيمانه أمام الوالي، في نفس الوقت طلب الوالي إحضار ديسقورس ومن معه.

إذ أعلن الكل إيمانهم بالسيد المسيح أمر الوالي بحرق أولاجيوس وجنوده، وكان عددهم مائتين وثمانية وأربعين شخصًا، وتمت شهادتهم في أول طوبة.

بعد أن تم استشهاد أولاجيوس ومن معه أشار مرافقو الوالي عليه أن يسرع بالحكم في قضية ديسقورس وسكلابيوس ومن معهما. فأمر الوالي بقلع عينيّ ديسقورس. ولكن ميخائيل رئيس الملائكة سرعان ما تناول حدقتيّ العينين من يديّ الجندي وأرجعهما إلى عينيّ القديس فأبصر في الحال. لذلك أمر الوالي بأن تقطع رأس ديسقورس وأن يقطع سكلابيوس أخوه من وسطه نصفين، وأن تشق أجسام الأربعة وعشرين راهبًا الذين كانوا معهما. فتم ذلك واستشهد هؤلاء الأبطال ولبسوا الأكاليل النورانية. وكان ذلك في الساعة السادسة من النهار في اليوم الأول من شهر طوبة.

ديسيدورس الكاهن

صديق القديس جيروم، كتب هو وريباريوس Riparius إلى القديس جيروم بخصوص فيجلانتوس Vigilantuis، فكتب لهما مقالاً ضده. كما قدم له مقدمة في سفر التكوين.

جاء في كتاب Smith and Waces: Dictionary of Christian Biography. ثلاثة أشخاص يحملون نفس الاسم.

ديماس أو ديسماس اللص اليمين

أكد لنا السيد المسيح وهو على الصليب أن هذا اللص الذي عُلق على يمينه قد اغتصب الملكوت. لقد بدأ بمعايرة السيد المسيح، لكنه بالتوبة أدرك خطاياه وحاجته إلى السيد كمخلص له.

لقد تمتع بالوعد الإلهي "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 39 - 43). وصار هذا الوعد سرّ بركة للمؤمنين عبر الأجيال.

لا يُعرف عنه شيئًا

أسم "ديسماس" مشتق من اليونانية وتعنى "مائت" كما جاء في "إنجيل نيقوديموس" المزور. وجاء في "إنجيل الطفولة" المزور بأن ديماس هو تيطس أحد المشتركين في العصابات التي تعرضت للعائلة المقدسة في طريقتها إلى مصر ولكن إذ تعرض لها تركها.

تُستخدم كلماته "اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك" في القداس البيزنطي كنصٍ هامٍ وأساسيٍ.

كان ينظر إلى ديماس اللص في العصور الوسطى بأوربا كشفيع المسجونين واللصوص، وفي الليتورجية الرومانية يُعيد له في 25 مارس.

Farmer: Oxford Dictionary of Saints.

ديمترياس الشريفة البتول

تنتسب ديمترياس إلى عائلة شريفة بروما، وقد نذرت حياتها للبتولية. كانت جدتها من والدتها تقية جدًا امتدحها القديس جيروم، وكان لهما ثلاثة أبناء، جميعهم قناصلة. لقد اشتاقت ديمترياس إلي البتولية، وكانت تخشى معارضة والديها؛ لكنهما وافقا بكل سرور وفرح. وكان تكريس حياتهما علة بهجة لجميع الكنائس.

كان القديس جيروم يشجعها على الدراسة مع الحياة التعبدية التقوية. وسألها أن تهتم باختيار أصدقائها أو الجماعة التي تعيش في وسطهم. فضّل لها حياة الشركة عن حياة الوحدة، وان تشهد للحياة الإنجيلية في وسطهم، وذلك كما سبق فأرشد أوستخيوم Eustochium قبلها بحوالي ثلاثين عامًا.

روى لنا القديس جيروم في رسالته إليها (رسالة رقم 130) عن حياتها في روما وفي أفريقيا. قدم لها في الرسالة الأُسس التي تلتزم بها في حياتها الجديدة. وجاءت الرسالة توضح الحياة النسكية مع الدراسة والصلاة والطاعة والفقر الاختياري من أجل السيد المسيح والجهاد المستمر.

في عام 414م بعث القديس جيروم إليها رسالة جاء فيها:

[في كل المواضيع التي كتبت عنها منذ صباي حتى اليوم سواء بقلمي أو خلال السكرتاريين لم أجد موضوعًا أصعب مما يشغلني الآن. فإنني أكتب إلى ديمترياس عذراء المسيح والسيدة التي من جهة مولدها وغناها لا يوجد لها مثيل في العالم الروماني.

إن كنت أستخدم لغة مناسبة لوصف فضائلها أظن إنني أتملقها. وإن أحجمت عن بعض التفاصيل في هذا الأمر لكي تظهر مقبولة، فإنني بهذا التحفظ لا أكون عادلاً في تقديم ما تستحقه، إذن ماذا أفعل؟

جدتها ووالدتها كلاهما كانتا سيدتين مرموقتين وصاحبتي سلطان لتأمرا، وإيمان لتطلبا وتثابرا حتى تنالا ما تريدان...]

عندما تحدث عن بتوليتها وطهارتها تطلع إلى الهيكل الجديد المجيد. يقول القديس جيروم عن هيكل نفسها أنه وجد نفسه في ذلك الموضع المقدس حيث قدس الأقداس ومذبح البخور.

[اخترت أن أعبر من ذاك المذبح (الوارد في حزقيال) إلى هذا (الذي في أعماق ديمترياس البتول)... إني أعلم أن الأسقف Pontifex بكلماته غطى رأسها المقدسة بحجاب العروس البتول، وهو يتلو العبارة المقدسة المهيبة للرسول: "أريد أن أقدمكم جميعًا كعروس طاهرة للمسيح" (2كو3: 6).

لقد وقفت كملكة عن يمينه، ثيابها موشى بالذهب ورداءها من شغل الإبرة، (مز 44: 9، 13، 14). هكذا كان معطفها كثير الألوان يحوي فضائل متنوعة، هذا الذي لبسه يوسف، ومثله كانت ثياب بنات الملك...

لقد غرست الجدة والأم وأنا سقيت ولكن الرب هو الذي يُنمّي (1كو 3: 6)...

يليق بي أن أذكر Olybrius والد بتولتنا هذا الذي جاء موته في غير وقته خسارة لروما مما يحزننا. إني أخشى أن أتحدث أكثر عنه لئلا أزيد ألم والدتك المقدسة، ولئلا ذكرى فضائله تصير تجديدًا لحزنها. لقد كان أبًا ملتزمًا، وزوجًا محبًا، وسيدًا مترفقًا، ومواطنًا له شعبيته. صار قنصلاً وهو ولد، وبشخصيته الصالحة صار مشهورًا كعضو مجلس الشيوخ.

كان سعيدًا في موته، إذ أنقذه من رؤية خراب مدينته (حيث سقطت روما سنة 410م)، وأكثر سعادة بنسله، فإن الاسم المميز الذي للجدة ديمترياس صار الآن أكثر شهرة خلال ابنته ديمترياس التي نذرت نفسها للطهارة الدائمة!...

إني بالأحرى أمدح عذراءنا إذ رذلت كل هذا، وقررت أن تتطلع إلى نفسها لا كسيدة غنية وذات مكانة عظيمة بل ببساطة كأية سيدة عادية. قوة عقلها يفوق كل تفكير. مع أن لديها الحرير والجواهر بفيض في مخازنها، ومحاطة بحشود من الخصيان والخادمات والخدم الكثير...

يُقام أمامها في البيت ولائم شهية بفيضٍ كل يوم، إلا أنها فضلت الصوم القاسي والثياب الخشنة والحياة القاسية عن كل هذه الأمور. إذ قرأت كلمات الرب: "الذين يلبسون الثياب الناعمة في قصور الملوك" (مت 11: 14؛ لو 1: 17). كانت مملوءة إعجابًا بإيليا النبي ويوحنا المعمدان...

كانت معجبة أيضًا بغيرة حنّة بنت فنوئيل التي استمرت تخدم الرب في الهيكل بالصلوات والأصوام إلى سن متقدم (لو 2: 36 - 37)...

لقد أبغضت كل مظاهرها العظيمة وصرخت للرب مثل إستير: "أنت تعلم إني أبغض علامات مركزي العظيم أي التاج الذي لبسته كملكة، وإني أحسبه كخرقة الطامث" (إس 14: 16).]

تحدث بعد ذلك عن رحيلها من روما إلى أفريقيا عندما سقطت روما، فقال: [كل كنيسة في أفريقيا رقصت طربًا. فإن الأخبار لم تصل فقط إلى المدن الكبرى والقرى بل وإلى الأكواخ المتناثرة. كل جزيرة بين أفريقيا وإيطاليا امتلأت بالأخبار السارة التي انتشرت على مستوى متسع جدًا.]

أما عن نصائحه لها فقال:

[أظن أنه لا حاجة لي أن أُحذرك من الطمع، فإن هذا هو طريق أسرتك أن لهم غنى ويحتقرونه.]

[سعيدة هي النفس، وسعيدة هي العذراء التي لا يوجد في قلبها موضع لحب غير حب المسيح. فإنه فيه الحكمة والطهارة والصبر والعدل وكل فضيلة أخرى.]

[حبِّ الكتب المقدسة، فتحبك الحكمة.

حبِّ الحكمة، فتحفظك في آمان.

كرِّمي الحكمة، فتحتضنك.

لتكن الجواهر التي على صدركِ وفي أذنيكِ هي جواهر الحكمة.

لا يعرف لسانكِ شيئًا سوى المسيح.

لا يخرج صوت من بين شفتيك غير مقدس، ولتكن كلماتك دائمًا تنضح بالعذوبة كما كانت جدتك وأمك مثالين لكِ. امتثلي بهما فإنهما نموذجان للفضيلة.]

ديمتريوس الأول الكرام البابا الثاني عشر

نشأته

نشأ ديمتريوس بين الحقول يعتني بالكروم التي كانت لأبيه ثم آلت إليه. ولما بلغ سن الزواج أراد أبواه أن يزوجاه، فخضع لإرادتهما في الظاهر إذ لم يشأ أن يعارضهما، ولكنه تعهد مع زوجته، وهي ابنة عمه على أن يحفظ كل منهما بتوليته، فوافقته زوجته على هذا العهد، إذ كانت بدورها قد نذرت البتولية. قيل أن ملاك الرب كان يظللهما أثناء نومهما.

انتخابه للكرسي المرقسي

لما اقتربت نياحة القديس يوليانوس البابا الحادي عشر، ظهر له ملاك الرب في رؤيا وأعلمه عن هذا القديس وأنه هو الذي سيصير بطريركًا بعده. وأعطاه علامة بقوله له: "إن الذي سيأتيك بعنقود عنب سيخلفك". وحدث في الغد أن وجد القديس ديمتريوس عنقودًا من العنب في غير أوانه، فحمله إلى القديس يوليانوس بقصد نيل بركته. فأمسكه الأب البطريرك من يده وقال للحاضرين: "هذا بطريرككم من بعدي"، وقص على من كان عنده من الأساقفة والكهنة الرؤيا التي رآها. فلما انتقل البابا السكندري إلى مساكن النور اتفقت كلمة الإكليروس والشعب على انتخاب ديمتريوس راعيًا لهم عملاً بوصية باباهم الراحل. وهكذا أصبح الكرام الخليفة الثاني عشر للقديس مرقس بالرغم من طلبه إعفاء هؤلاء من هذه المسئولية واحتجاجه بعدم علمه وبزواجه.

إعلان بتوليته

احتجّ بعض الشعب على رسامته بحجة أنه رجل متزوج. ومع أن الرهبنة لم تكن قد قامت بعد، إلا أن فريق من الشعب رأى وجوب حصر الكرسي المرقسي في المتبتلين. ولم يبرر الأنبا ديمتريوس نفسه أمام هذه المجموعة من الناس إذ اعتقد بأن عهده مع زوجته سرّ يجب الاحتفاظ به، وظل على كتمانه إلى أن ظهر له ملاك الرب في حلم ذات ليلة وأعلمه بوجوب إعلان حقيقة أمره جهارًا حتى تهدأ القلوب المضطربة. ففي اليوم التالي طلب الأنبا ديمتريوس من الشعب عدم الخروج من الكنيسة بعد انتهاء الصلاة، ثم أخذ جمرًا ووضعه في إزار زوجته وفي بلينه وطاف الاثنان الكنيسة ولم تحترق ثيابهما. فتعجب الشعب من هذه المعجزة، ثم عرّفهم بعهده مع زوجته وأن كلا منهما بتول بالرغم أنهما زوجان أمام أعين الناس. فزال من الشعب الشك وهدأت قلوب المتذمرين وتيقنوا طهارة هذا الأب وبتوليته.

علمه

كان ديمتريوس ككرامٍ رجلاً بسيطًا لم يتلقَ من العلم إلا بالقدر الذي يمكنه من القراءة والكتابة فقط. فلما أصبح بطريركًا قرّر أن يدأب على تحصيل العلوم الدينية والمدنية ليكون أهلاً للكرسي الذي ذاع صيته بفضل العلماء من أبنائه.

قيل أنه في البداية لم يكن قادرًا على تحصيل العلم، وكان المعلم يجلس عند قدميه. صرخ إلى الرب لكي ينير عقله، ولفرط تواضعه صار يجلس عند قدميّ مرتل الكنيسة الذي كان يتلقى العلم منه. ذات ليلة ظهرت له السيدة العذراء وقدمت له دواة ملآنة ماءً فشربها، ومنذ ذلك الحين أنار الله فكره.

كان أيضًا يتلقى العلم على يد أساتذة مدرسة الإسكندرية. ولرغبته الأكيدة في أن يستكمل ما فاته من علم في صغره استطاع أن يعوض السنين التي مرت به، فحصل على علمٍ غزيرٍ في وقتٍ قصيرٍ.

تمكن بما حصل عليه من علم أن يضع الحساب المعروف بالأبقطي، وهو الخاص بتحديد موعد عيد القيامة، والذي مازال معمولاً به إلى الآن في الكنائس الشرقية.

لقد كان المسيحيون قبل ذلك يصومون بعد عيد الغطاس مباشرة الأربعين المقدسة إقتداء بالسيد المسيح الذي صام بعد عماده، ثم يصومون أسبوع الآلام منفصلاً ليكون الفصح المسيحي في الأحد الذي يلي فصح الإسرائيليين. وكان أيضًا من المسيحيين من كان يحتفل بالفصح المسيحي يوم 14 نيسان، أي أنهم كانوا يعيّدون مع اليهود، غير ملتفتين إلى أن فصح المسيحيين بقيامة السيد المسيح كان بعد الفصح الموسوي. لذلك اهتم البابا ديمتريوس بوضع قواعد ثابتة للأصوام والأعياد المسيحية، وضم الأربعين المقدسة إلى أسبوع الآلام. وكتب بذلك إلى كل من أغابيانوس أسقف أورشليم ومكسيموس بطريرك إنطاكية وبطريرك روما وغيرهم، فاستحسنوه وعملوا بقواعده إلى اليوم، ماعدا كنيسة رومه فإنها عدلت عن ذلك واتبعت منذ القرن السادس عشر التقويم الغريغوري.

لباباوات الكنيسة القبطية إذن الفضل الأول في تعيين يوم الفصح المسيحي، فإنهم كانوا يبعثون برسائلهم الفصحية إلى أنحاء المعمورة ليحتفل المسيحيون بعيد الفصح في يومٍ واحدٍ ليكون السرور عامًا.

تقواه

لعظم تقواه كان مطلعًا بالروح على أعمال المتقدمين للتناول من الأسرار الإلهية، فكان يمنعهم من التناول حتى يقدموا توبة صادقة.

اضطهاد الكنيسة

انقضت السنوات الأولى من باباويته في هدوءٍ وسلامٍ، إلا أن عدو الخير أثار الإمبراطور الروماني سبتيميوس ساويرس ضد مسيحي مصر، ومن ثم أعلن هذا الإمبراطور اضطهاده لهم. وفي هذا الاضطهاد استشهد عدد كبير من المؤمنين من بينهم ليونيداس والد أوريجينوس. كذلك اقتحم والي الإسكندرية كنيسة القديس مرقس وسلب كل ما فيها من آنية، ثم قبض على الأنبا ديمتريوس ونفاه إلى أوسيم حيث بقي إلى أن انتهى زمن الاضطهاد.

أعماله

1. بعد عودته من منفاه وجد أن إكليمنضس مدير مدرسة الإسكندرية قد تنيح، فأقام أوريجينوس المشهود له بالشجاعة والغيرة والشغف بالعلم مكانه، وكان عمره حينذاك لم يتجاوز الثامنة عشر.

2. ظهرت في عهده بدعة تفشَّت في بلاد العرب، تتلخص في أن النفس تموت بموت الجسد. وكانت الصلة بين هذه البلاد ومصر متينة، إذ كان مسيحيّوها وقتذاك خاضعين للكرسي السكندري. لذلك أرسل لهم البابا ديمتريوس أوريجينوس لإقناعهم بفساد هذه البدعة. وقد نجح المعلم الكبير في نقض البدعة من أساسها ثم عاد إلى الإسكندرية ليعاود نشاطه في مدرستها.

نياحته

لم يفتر أيام رئاسته عن تعليم وتثبيت المؤمنين في الإيمان الصحيح. ولما كبر وضعف كان يُحمل على محَفّة إلى الكنيسة ليُعلم الشعب. وبلغ من العمر مائة وخمس سنين، منها حوالي 32 سنة في الرئاسة. ثم تنيح بسلام قبل أن تندلع نار الاضطهاد التي أوقدها الإمبراطور مكسيميانوس بقسوةٍ وعنفٍ، فاستودع روحه في يدي الآب والسلام مخيّم على ربوع مصر.

القس منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية.

ديمتريوس الثاني البابا المائة والحادي عشر

باباويته

ظل الكرسي الباباوي شاغرًا بعد نياحة البابا كيرلس الرابع ما يزيد عن ستة عشر شهرًا، وبعدها اجتمعت كلمة الأساقفة والأراخنة على اختيار القمص ميخائيل عبد السيد رئيس دير أنبا مقار وتمت رسامته في 15 يونيو سنة 1862م باسم ديمتريوس الثاني، وكان ذلك في أيام سعيد باشا.

بعد تقليده زار جناب الخديوي ومعه رجال الدولة، فقال له سعيد باشا عند أول لقاء معه: "لا تفعل مثل سلفك، كل ما يلزمك قل لي عليه، وأنا مستعد لتأديته لك". وفي أيامه توفي سعيد باشا. وجاء بعده إسماعيل باشا الذي في أيامه نال الأقباط ما لم ينالوه في أيام غيره، حيث أنعم على المدارس القبطية وعلى البطريركية بأوقاف كثيرة. كما أصدر أمرًا بإجراء امتحان المدارس القبطية بعد امتحان المدارس الأميرية، وان يُقام احتفال لخريجي المدارس القبطية يحضره كبار القوم والأمراء، الأمر الذي صارت تفتخر به المدارس القبطية. كما قام إسماعيل باشا بترقية مجموعة من الأقباط وتنصيبهم في وظائف أميرية كبرى.

اهتمامه بالمدارس

أهم أعماله أنه قام بتكميل بناء الكنيسة المرقسية الكبرى بالأزبكية، كما اهتم بإدارة المدارس القبطية وتقدمها. ولما زار السلطان عبد العزيز بك مصر سنة 1863م دعا إسماعيل باشا العلماء والوزراء والقادة الدينين ليحظوا بمقابلته. وكانت العادة في ذلك العهد أن من يُدع للمثول بين يدي السلطان يقّبل طرف ثيابه، فلما جاء دور البابا ديمتريوس قبَّل البابا صدر السلطان بدلاً من تقبيل يديه أو ثيابه، فانزعج السلطان ودُهش الحاضرين وحسبوا ذلك جسارة من البابا. ولما سئل عن معنى التقبيل الغريب الذي لم يسبقه إليه غيره أجاب: "إنما أنا اقَّبل يد ملك الملوك وسلطان السلاطين لأنه ورد في الكتاب المقدس أن قلب الملك في يد الرب" (أم 21: 1). وقام القمص سلامة المرافق للبابا بترجمة ذلك إلى التركية. فلما سمع السلطان عبد العزيز الترجمة ابتسم مسرورًا وأنعم بألف فدان من أملاك الحكومة للمدارس القبطية ثم زادها الخديوي إسماعيل خمسمائة فدان أخرى في مديرية الشرقية.

حرصه على الإيمان

عندما علم البابا بنشاط الإرساليات الأجنبية في الصعيد، طاف في مركب بخاري أعدّها له الخديوي إسماعيل على مدن وقرى الصعيد حتى إسنا، ونجح في إقناع الكثيرين بالرجوع إلى كنيستهم القبطية الأرثوذكسية، وهكذا كان التعاون بين الحكومة والكنيسة لنبذ الحركات والبدع الأجنبية.

نياحته

تنيح البابا ديمتريوس الثاني في 18 يناير سنة 1870م ودُفن بجوار البابا كيرلس الرابع في المقبرة التي بكنيسة الشهيد إسطفانوس بالأزبكية.

من أشهر الأساقفة المعاصرين له الأنبا يوساب الأبَحْ أسقف جرجا وأخميم، والأنبا صرابامون أسقف المنوفية الشهير بأبي طرحة.

منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية.

ديمتريوس الشهيد

اهتمامه بالإيمان المستقيم

كان ديمتريوس شابًا مسيحيًا تقيًا من أهل مدينة تسالونيكي في زمن الملك مكسيميانوس. وقد حصل على علوم كثيرة، وبالأكثر علوم الكنيسة الأرثوذكسية. وكان يعلم دائمًا وينذر باسم السيد المسيح، فردّ كثيرين إلى الإيمان به.

قوة علامة الصليب

وشوا به لدى الملك مكسيميانوس فأمر بإحضاره. واتفق عند حضوره أن كان عند الملك رجل مصارع قوي الجسم ضخم التكوين فاق أهل زمانه بقوته، وكان الملك يحبه ويفتخر به حتى خصص أموالاً طائلة جائزة لمن يغلبه. وقد ألزموا رجلاً مسيحيًا يسمى نسطور من الحاضرين في ذلك الوقت أن ينازله، فطلب إلى القديس ديمتريوس أن يصلي من أجله ويصلب بيده المقدسة على جسمه. فصلى عليه القديس ورسمه بعلامة الصليب المقدس الذي لا يُغلب كل من اعتمد عليه، ومن ثم تقدم لمصارعة ذلك القوي الذي يعتز به الملك. ولما صارعه أُعطيَ قوة فانتصر على رجل الملك.

استشهاده

اغتم الملك وخجل وتعجب كيف تغلّب نسطور عليه، وسأل الجند عن ذلك فاعلموه أن رجلاً يدعى ديمتريوس صلّى عليه وصلّب على وجهه.

غضب الملك على نسطور، وأمر بضربه إلى أن يبخر لآلهته ويسجد لها. ولما لم يطعه أمر بطعنه بالحراب حتى يتمزق جسمه ويموت. فأعلموا القديس ديمتريوس بذلك، قاصدين تخويفه لعله ينثني عن الإيمان بالمسيح ويسجد للأصنام. فقال لهم: اعملوا ما شئتم فإنني لا اسجد ولا أبخر إلا لربي يسوع الإله الحق. فضربه الجند بالحراب إلى أن اسلم روحه الطاهرة بيد الرب.

لما طُرح جثمانه المقدس أخذه بعض المسيحيين ووضعوه في جرن من الرخام. وظل مخفيًا إلى أن انقضى زمن الاضطهاد، فأظهره الذي كان موضوعًا عنده. وبُنيت له كنيسة كبيرة بتسالونيكي ووضعوا جسده فيها. وكانت تجرى باسمه عجائب كثيرة ويسيل منه كل يوم دهن طيب فيه شفاء لمن يأخذه بإيمان وخاصة في يوم عيده، فإنه في ذلك اليوم يسيل منه أكثر من كل يوم آخر، إذ يسيل من حيطان الكنيسة ومن الأعمدة، ومع كثرة المجتمعين فإنهم جميعًا يحصلون عليه بما يمسحونه من على الحيطان ويضعونه في أوعيتهم.

السنكسار، 29 بابه.

ديموفيلس بطريرك القسطنطينية

أسقف أريوسي

سيّم أسقفًا على القسطنطينية عام 370م، وأُستبعد عام 380، ومات عام 386. كان قبلاً أسقفًا على بيريه Berea، ينتسب إلى عائلة تقية في تسالونيكي. وبموت أودوكسيوس Eudoxius عام 370م اختاره الأريوسيون على أسقفية القسطنطينية (سقراط 4: 14؛ سوزومين 6: 13).

انقسم الشعب، فقد اختار الأرثوذكس أفجاريوس (أوغريس) أسقفًا لهم، وقام بسيامته اوستاثيوس Eustathius أسقف إنطاكية المستبعد، الأمر الذي أشعل قلوب الأريوسيين ضدهم.

استبعد الإمبراطور فالنس الأريوسى كلا من أوستاثيوس وأوغريس واضطهد الشعب الأرثوذكسي بمرارة.

سيامة أسقف سيزيوس Cyzicus

بعد سيامته ذهب ديموفيلس فورًا إلى Cyzicus مع دوروثيؤس أو ثيؤدورس أسقف هرقليا Heraclea لاختيار أسقف أريوسي حيث كان الكرسي خاليًا منذ استبعاد أونوميوس Eunomius. لكن شعب الإيبارشية رفضوا تحقيق ذلك حتى يعلن الأسقفان حرمان أوتيوس Aetius وأونوميوس وأتباعهما. بعد ذلك سمح الشعب لهما بسيامة أسقف اختاره الشعب بنفسه، وكان مستقيم الرأي.

طرده

في عام 380م تغيرت الأحوال وملك ثيؤدوسيوس الأول، فطلب من البطريرك أن يعلن قبوله للإيمان النيقوي حتى يثبته على كرسيه. وإذ رفض ديموفيلس طرده من الكنائس، وصار يتعبد خارج الأسوار.

أعيدت الكنائس في القسطنطينية إلى الأرثوذكس بعد أن كانت في أيدي الأريوسيين لمدة أربعين عامًا. واهتزت الأريوسية في البلاد الأخرى أيضًا.

يقول Philostorguis (التاريخ الكنسي 19: 9) أن ديموفيلس عاد إلى بلده بيريه، ربما بعد فترة نفيه، إذ مثَّل الجانب الأريوسى في مجمع عُقد بالقسطنطينية عام 383م.

ويقول نفس الكاتب بأن ديموفيلس أثار نوعًا من البلبلة في الكنائس. ففي عظة ألقاها بالقسطنطينية قال أن الطبيعة البشرية للمخلص قد ذابت تمامًا في الطبيعة الإلهية، وذلك كمن يسكب كوب لبن في البحر.

ديميدس الشهيد

كان هذا القديس من أهل درشابه مركز زفتى، وكان محبًا للكنيسة عطوفًا على المساكين مفتقدًا للمرضى. فظهر له إنسان نوراني وأمره أن يمضي وينال إكليل الشهادة ووعده بجوائز سمائية. ففرح جدًا وترك أبويه، وخرج من المدينة، وصلى إلى الرب لكي يعينه على احتمال العذاب من أجل اسمه.

أتى إلى مدينة أتريب واعترف بالسيد المسيح، فعُذب عذابًا شديدًا، ثم أرسلوه إلى لوكيانوس والي الإسكندرية. وفي المركب ظهر له السيد المسيح وعزاه وقواه ووعده بالراحة الأبدية، فابتهجت نفسه جدًا. أما لوكيانوس فقد عذبه بعذابات متنوعة ثم أمر بأخذ رأسه، فنال إكليل الاستشهاد. أتى أهل بلده وأخذوا جسده وأكرموه كرامة عظيمة.

السنكسار، 8 توت.

دينة وبولس ولنجينوس الشهداء

تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديسين بولس ولنجينوس ودينة الشهداء في الرابع والعشرين من شهر بابه.

السنكسار، 24 بابه.

دينيس

الاسم الفرنسي لديونيسيوس؛ أول أسقف لباريس والقديس الحامي لفرنسا. وهو من رجال منتصف القرن الثالث.

قدم لنا القديس غريغوريوس أسقف تور تقريرًا عن استشهاده في أيام ديسيوس (249 - 251م).

ولد في إيطاليا وذهب سنة 250م في مهمة تبشيرية إلى بلاد الغال (فرنسا) Gaul. كان يصاحبه في هذه الرحلة روستيكوس الكاهن وإيليوثيروس الشماس، وكانت خدمتهم وكرازتهم قوية وفعالة حتى قُبض عليهم وحُبسوا مدة طويلة وأخيرًا استشهدوا بقطع رؤوسهم حوالي سنة 258م. وقد بُنيت كنيسة فوق قبرهم تكريمًا لهم.

في عام 475م بُنيت باسيليكا تكريمًا لاسمه، وفي حوالي عام 624م أُلحق بها دير القديس دينيس بواسطة الملك Dagobert I. في منتصف القرن التاسع رأوا أنه هو ديونسيوس الأريوباغي Dionusius the Areopagite.

Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, 1998.

Butler, October 9.

ديؤدور أسقف طرسوس

يعتبر ديؤدورس الطرسوسى أحد مشاهير مدرسة إنطاكية التي تبنت التفسير الحرفي أو التاريخي للكتاب المقدس في مقابل التفسير الرمزي أو الروحي لمدرسة الإسكندرية.

ثقافته

نشأ في أسرة من الأشراف في إنطاكية حيث قضى أغلب حياته فيها حتى سُيم أسقفًا على طرسوس حوالي عام 379م. درس الفلسفة والعلوم الزمنية في أثينا وهناك غالبًا ما التصق بباسيليوس ويوليانوس Julian الذي صار فيما بعد إمبراطورًا.

عند عودته إلى وطنه ومعه صديقه فلفيانوس، الذي صار فيما بعد أسقفا على إنطاكية وهو أيضًا من أسرة نبيلة، اتجه الاثنان إلى الحياة الدينية.

مقاومته للأريوسية والوثنية

قبل أن يُسام كاهنًا في إنطاكية في عهد قسطنطيوس كرّس ديؤدور وصديقه فلافيانوس حياتهما للدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الأريوسيين. كانا يجمعان العلمانيين (إن صح التعبير) الأرثوذكس معًا بالليل حول مقابر الشهداء يسبحون المزامير والتسابيح التي وضعاها لإلهاب قلوبهم بالغيرة الروحية. هذه الاجتماعات سندت الشعب في إيمانهم ومواجهتهم للاضطهادات.

صار لهما ثقلاً في إنطاكية، ففي عام 350م إذ هددا الأسقف ليونتيوس Leontius بالانسحاب من الشركة اضطر أن يوقف آتيوس Aetius عن الشماسية.

وعندما أراد يوليانوس أن يحيي الوثنية (361 - 363) هاجماه بقوة بالقلم واللسان. وتحول ديؤدور من صداقة الدراسة مع يوليانوس إلى عداوة شديدة معه.

وعندما اضطهد الإمبراطور الأريوسي فالنس Valens الكنيسة عاد ديؤدور لاستلام القيادة في الدفاع عن الإيمان النيقوي، وكان في ذلك الوقت كاهنًا في إنطاكية.

صار ديؤدور السند القوى لميليتوس أسقف إنطاكية (عام 360) والذي حارب من أجل تثبيت الإيمان النيقوي. وفي فترات طرد الأسقف المتكررة عُهد إليه مع فلافيان بإلقاء العظات، فسند ديؤدور الشعب ضد تيارات الانحراف عن الإيمان المستقيم.

وفي الوقت الذي فيه منع فالنس الأريوسي المؤمنين أن يلتقوا معًا داخل أسوار المدينة، جمع ديؤدور شعبه في كنيسة بالمدينة القديمة جنوب أورونت Orontes. كانت الجماهير الغفيرة تقتات بطعام التعليم السليم. وعندما طُرد شعبه بالقوة من الكنيسة اجتمع بهم في إستاد gymnasium، وكان ينتقل بهم من بيتٍ إلى بيتٍ.

تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن عظاته هذه بأنها قيثارة تنشد سيموفونية رائعة، وبوق يحمل القوة التي بها حطّم يشوع أسوار أريحا، إذ حطم حصون المقاومين الهراطقة.

كان أيضا يقيم اجتماعات خاصة في بيته، يشرح فيها الإيمان المستقيم ويفند البدع والهرطقات.

اضطهاده

أثار نشاطه القيادي العجيب ضده الاضطهاد، فكان معرضًا للخطر أكثر من مرة، واضطر أن يهرب.

مرة إذ طرد من إنطاكية اصطحب أباه الروحي ميليتوس في منفاه بجيتاسا Getasa بأرمينيا، حيث التقى بالقديس باسيليوس الكبير عام 372.

في رسالة القديس باسيليوس الكبير (رسالة 185) إليه تحدث عن بهجته بالكتب التي أرسلها إليه. وقال عنها أنها مختصرة ومملوءة بالأفكار ومرتبة حسنًا في عرض اعتراضات المقاومين والرد عليهم كما قال:

[منهجها البسيط الطبيعي يبدو لي أنه يناسب عمل المسيحي الذي يكتب لا للدعاية عن نفسه بل للصالح العام...

إني أعرف أن ذكاءك معروف تمامًا...

أكتب هكذا لأؤكد أنك لم ترسل عملك لمن يتملقك بل لمن يشاركك تعبك كأخ حقيقي.]

منهجه التفسيري

كأحد مشاهير مدرسة إنطاكية في تفسير الكتاب المقدس كان يرفض التفسير الرمزي لمدرسة الإسكندرية، كما يرفض المبالغة في التفسير الحرفي.

سيامته أسقفًا

إذ عاد الأسقف ميليتوس إلى إنطاكية عام 378 أقام ديؤدور أسقفًا على طرسوس ومطرانًا على ولاية كيليكية.

اشترك في مجمع إنطاكية عام 379 الذي فشل في علاج الانقسام الأنطاكي، كما اشترك في المجمع المسكوني الثاني عام 381 بالقسطنطينية.

في 30 يوليو 381 أصدر الإمبراطور ثيؤدوسيوس منشورًا حيث أشار إلى ديؤدور كأحد الأساقفة الأرثوذكس الشرقيين الذي له شركة في الإيمان الأرثوذكسي.

إذ تنيح ميليتيوس أثناء عقد المجمع اتحد ديؤدور مع أكاكيوس أسقف Beroea في سيامة فلافيانوس أسقفًا لأنطاكية.

ديؤدور والنسطورية

يقول بعض المؤرخين القدامى أن ديؤدور مات شبعان أيامًا ومجدًا، تكرمه كل الكنيسة ويمتدحه رؤساؤها مثل باسيليوس الكبير وميليتس ودومنيس الأنطاكي حتى العظيم كيرلس الكبير. لكن هذا المجد العظيم انهار في القرن التالي بظهور النسطورية التي تنسب حقيقة إلى تلميذه ثيؤدور المؤبستي (أسقف ما بين النهرين أو الميصة) أستاذ نسطور.

مهد ديؤدور الطريق لظهور النسطورية.

ديؤدورة الشهيدة

هي والدة الشهيدين أباهور وأنبا بيشاي. ذلك أن أباهور كان من جند إنطاكية أتى إلى الإسكندرية واعترف أمام واليها بالسيد المسيح، فأمر بقطع يديه، وأن يربط في مؤخرة ثور يجره في المدينة. ثم ألقاه في حفرة مملوءة بالأفاعي فلم تؤذه. وكان في كل ذلك يستغيث بالسيد المسيح، فكان يشفيه ويقويه. وفيما هو على هذه الحال أتت أمه ورأته ففرحت بجهاده. أعلموا الوالي بها فاستحضرها وهددها فلم تَخَف. فأمر أن يضعوا خطاطيف من الحديد محماة في جنبيها، وكانت في أثناء ذلك ترتل للرب وتقدسه لأنها استحقت أن تتألم من أجل اسمه إلى أن أسلمت روحها ونالت إكليل الشهادة.

وضعوا القديس أباهور في قزان زيت وقطران يغلي، فكان يسبح الله حتى أسلم الروح ونال إكليل الشهادة. أما أخوه فقد استشهد في اليوم الأول من النسي.

السنكسار، 29 بؤونه.

ديوكليس القديس

كان عالمًا متفقهًا في قواعد اللغة القبطية والفلسفة. امتلأ بنعمة الله، ففي سن الثامنة والعشرين سكن في مغارة متعبدًا خمسة وثلاثين عامًا متواصلة.

من أقواله: "إن العقل الذي يبتعد عن التأمل في الله إما أن يصبح شيطانًا أو حيوانًا"، وكان يعني أن العقل الذي لا يتأمل باستمرار في الإلهيات يسلم لشيطان الشهوة، أو تتولد فيه الشهوات البهيمية.

لما سُئل: "وكيف يمكن للعقل أن يكون مع الله بدون انقطاع؟" أجاب بقوله: "إنه الذهن الذي يحيا في خوف الله سواء في الفكر أو في الفعل، وتحت كل الظروف، هو دائمًا مع الله".

بستان القديسين، صفحة 50.

ديونيزيا الشهيدة

في زمن الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور ديسيوس، وفي سنة 250م في مدينة ترواس بآسيا الصغرى، قُدم للوالي ثلاثة من المسيحيين كان أكبرهم شخص يدعى نيخوماكس Nichomacus فاعترف بإيمانه في بادئ الأمر ورفض أن يقدم قربانًا للآلهة. بدأوا يعذبونه، فلما برح به الألم صاح: "ما كنت مسيحيًا قط، سوف أقدم القرابين للآلهة"، فأنزلوه من آلة التعذيب. ولم يكد يضع لحم الضحية على شفتيه حتى قضى نحبه ومات جاحدًا.

كانت هناك فتاة مسيحية في نحو السادسة عشرة تدعى ديونيزيا، إذ روعها هذا المنظر صاحت: "أيها البائس المسكين، من أجل لحظات قصيرة نلت آلامًا أبدية لا توصف". سيقت أمام الوالي ولما سألها عما إذا كانت مسيحية أجابت: "نعم ولهذا فقد تملكني الأسى على ذلك المسكين الذي لم يستطع أن يتحمل قليلاً فيجد راحة أبدية". فأمرها أن تحذو حذوه، وإلا فإنها ستعذب ثم تحرق حية.

في اليوم التالي جيء بأندراوس وبولس رفيقي نيخوماكس أمام القاضي. ورأى الوالي أن يسلمهما للجمهور ليرجمهما حتى الموت، فأُوثقت أقدامهما معًا وأُخذا خارج المدينة. وحدث أن رأتهما ديونيزيا، وكانت في طريقها إلى حيث تتلقى الحكم النهائي عليها. فأفلتت من حارسها وألقت بنفسها على أندراوس وبولس قائلة: "لأمت معكما على الأرض، حتى أحيا معكما في السماء". ولم يشأ الوالي أن يجيبها إلى ما طلبت، وأمر بأن تبتر رأسها.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 164.

ديونيسة الشماسة

تُعيد الكنيسة القبطية في 13 برمودة بتذكار القديسة ديونيسة الشماسة التي أقامها الآباء الرسل.

السنكسار، 13 برمودة.

ديونيسيوس أسقف روما

أسقف روما من حوالي سنة 260 إلى حوالي عام 268م.

نتيجة للاضطهاد الروماني، ظل كرسي روما شاغرًا ما يقرب من العام، بعد استشهاد سيكستوس الثاني Sixtus II أسقف روما، إلى أن رسم القديس ديونيسيوس.

كانت هناك مراسلات متبادلة مع سميه القديس ديوناسيوس السكندري بخصوص معمودية الهراطقة. أرسل إلى القديس ديوناسيوس السكندري يسأله عن بعض آرائه التي كتبها في الرد على هرطقة سابيليوس، فأجابه بخطاب طويل يرد فيه على كل أسئلته.

من أعماله أنه كان يرسل مساعدات للمسيحيين المحتاجين في البلاد الأخرى، وبالأخص كنيسة قيصرية كبادوكيا، حين كانت تحت هجوم البرابرة، وقد أشار القديس باسيليوس الكبير إلى محبة هذا القديس. وكانت فترة جلوسه على كرسيه فترة سلام من جهة الاضطهاد الروماني للمسيحيين.

وجه إليه مع مكسيموس السكندري خطابًا من مجمع إنطاكية يعلن عزل بولس الساموساطي حوالي عام 268، ولم يُعرف أن كان قد استلم هذا الخطاب أم تنيح قبل استلامه.

أعاد النظام والترتيب إلى كنيسته روما التي عانت من اضطهاد الإمبراطور فاليريان، إلى أن تنيح في حوالي سنة 268م.

Butler, December 26.

ديونيسيوس الأريوباغي القديس

تحت اسم "ديونسيوس الأريوباغى" حدث لبس إلى عدة قرون بين ثلاثة شخصيات كثيرًا ما كان البعض يظنون أنهم شخصية واحدة، وهم ديونسيوس الذي آمن على يدي بولس الرسول (أع 17: 34) وواضع الكتب التي نسبها لديونسيوس الأريوباغي، ودينيس الكارز في فرنسا.

الرسول بولس في أثنيا

بينما كان بولس الرسول في أثينا منتظرًا سيلا وتيموثاوس "احتدت روحه فيه إذ رأى المدينة مملوءة أصنامًا" (أع 16: 17). فكان يذهب إلى مجمع اليهود والسوق ليتكلم مع الناس هناك، فقابله قوم من الفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين "فأخذوه وذهبوا به إلى أريوس باغوس قائلين:" هل يمكننا أن نعرف ما هو هذا التعليم الجديد الذي تتكلم به؟ "(أع17: 19)

كان أريوس باغوس – أو جبل الإله مارس – هو مكان تجمع أهل أثينا وزوارها لمناقشة كل ما هو جديد عليهم، وهناك كلمهم بولس الرسول وأعلمهم عن "الإله المجهول" (أع 17: 23). وكان من الذين آمنوا وتبعوا بولس امرأة تدعى دامَرِس Damaris ورجل يدعى ديونيسيوس عضو في مجمع أثينا. ولأن مكان انعقاد المجمع هو أريوس باغوس، لذلك كان يُلَقّب "ديونيسيوس الأريوباغي" (أع 17: 34).

من أصل سريانى؛ وُلد هذا القديس في القرن الأول الميلادي حوالي سنة 8م من أبوين وثنيين، وكان أبوه سقراط حاكم المنطقة، وقد نذر ابنه لبيت الأصنام. تعلم الطفل في أثينا الفلسفة والحكمة ثم سافر إلى مصر حيث تعلم الحساب والفلك. رجع إلى أثينا وصار قاضيها.

أحداث الصلب

حدث وهو يحكم بين أهل المدينة أن حدثت زلزلة عظيمة والشمس أظلمت تمامًا من الساعة الثانية عشر ظهرًا حتى الثالثة عصرًا، فابتدأ ديونيسيوس يبحث في كتب الفلك فلم يجد تفسيرًا لما حدث سوى أن قال لأهل مدينته: "إما أن إله الطبيعة يتألم أو أن عناصر الطبيعة تتحلل"، ثم قام وكتب يوم وساعة هذا الحادث العجيب. وبعد أربعة عشر سنة من تلك الحادثة زار بولس الرسول أثينا، فذهبوا به إلى أريوس باغوس ليناقشوه في تعليمه الجديد. تكلم أمام ديونيسيوس وذكر حادثة الصلب وموت المسيح على الصليب وكسوف الشمس وتساقط الأصنام، فسأل ديونيسيوس بولس الرسول عن الوقت الذي صار فيه هذا الأمر، ولما راجع الكتاب الذي دون فيه تاريخ حادثة كسوف الشمس وجده مطابق مع كلام الرسول، فصرخ قائلاً: "أؤمن بالإله الحي الذي يكرز به بولس".

ديونيسيوس الأسقف

تعمَّد ديونيسيوس واستقال من منصبه وتبع بولس الرسول في مهامه التبشيرية، فأقامه الرسول أسقفًا على أثينا بعد ثلاث سنوات من تعميده، وقد تتلمذ أيضًا ديونيسيوس على يد الرسول يوحنا اللاهوتي. أقام ديونيسيوس في أسقفيته خمسين عامًا.

حاول التوفيق بين اللاهوت المسيحي والفلسفة الأفلاطونية الحديثة.

كتب كتبًا في اللاهوت والدرجات الكهنوتية. وأخيرًا أمر الوالي بقطع رأسه لكثرة من آمنوا على يديه، فنال إكليل الشهادة وله من العمر مائة واثنان من الأعوام.

يقول عنه يوسابيوس أنه أول أسقف لأثينا، ويدعوه القديس صفرونيوس الأورشليمي "الشهيد"، والبعض يقول أنه استشهد بالحرق حيًا في زمن الإمبراطور دوميتيان.

كتاباته

يرى كثير من الدارسين أن أحد الكُتاب المسيحيين باليونانية في القرن الخامس / السادس، ناسبًا كتاباته لديونسيوس الأريوباغي لكي يعطيها نوعًا من القوة والسلطة الرسولية. وقد نجح في ذلك، فتأثر بهذه الكتابات بعض اللاهوتيين والشعراء المسيحيين والمتصوفين (الباطينيين) في الشرق والغرب مثل مكسيموس المعترف وغريغوريوس الكبير واندراوس الكريتي وغيرهم.

في العصور الوسطى ظهرت شكوك نحو أصالة هذه الكتابات لكن حتى القرن التاسع عشر لم يبلغ الدارسون إلى قرار نهائي في هذا الشأن.

العناصر الواردة في كتاباته

1. اهتم كتاب "الأسماء الإلهية" بالحديث عن طبيعة الله وسماته، بكونه الأصل الأول الذي ليس فيه ما هو بشرى، ولا يمكن للبشر إدراكه إلا خلال إعلانه عن نفسه بواسطة انبثاقاته (الطغمات السماوية).

2. يصف كتاب "الطغمات السمائية" الطغمات التسع التي تتوسط بين الله والإنسان. قسم الطغمات إلى ثلاثة مجموعات، كل مجموعة تضم ثلاث رتب.

يرى الكاتب أن العالم الحاضر والشر لا وجود حقيقي لهما. فالشر ليس إلا غياب للخير.

3. يظهر كتاب "الرئاسات الكنسية". وهى امتداد للانبثاقات السماوية عاملة في البشر على الأرض خلال الثلاث درجات الكهنوتية (الأسقف والكاهن والشماس). وأنهم يمارسون ثلاثة أسرار: العماد والافخارستيا والتثبيت. وذلك في حياة الثلاث جماعات: الرهبان والعلمانيين والموعوظين. أما ثمر هذا العمل فثلاثي وهو: التطهير من الخطية، واستنارة النفس والجسد، والاتحاد السري مع الله.

4. يصف كتاب "اللاهوت المستيكي" (الباطني) صعود النفس حتى تبلغ فيضًا من المعرفة والإدراك واتحادًا مع الله أو تألها. التأمل مع الصلاة هو أمر رئيسي وجوهري لتحقيق ذلك، حيث يحملان الإنسان إلى خارجه ليدخلا به إلى رؤية الله في دهشٍ.

5. يوجد أيضًا عشرة رسائل للمدعو ديونيسيوس تعالج جوانب مختلفة لهذا التعليم.

أول من استخدم هذه الكتابات ربما القديس سويرس الأنطاكي (حوالي سنة 513م).

Butler, October 9.

مار دينيسيوس الأريوباغي، للقمص بيشوي عبد المسيح.

ديونيسيوس المفسر

من رجال القرن السادس. كان راهبًا من إقليم سكيثياScythia الرومانية. عاش في روما في بدء القرن السادس. دعي نفسه ديونيسيوس الصغير ربما كنوع من التواضع وإنكار الذات.

قام بترجمة كتابات مسيحية يونانية كثيرة إلى اللاتينية، وساهم في عمل الحسابات الخاصة بالليتورجيات الكنسية Calendrical calculations وتجميع القوانين الكنسية. وإن كان قد أخطأ في حساباته الخاصة بميلاد السيد المسيح.

Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, 1998.

ديونيسيوس بن صليبا

نشأته

وُلد هذا النابغة والعلامة الفريد في عصره يعقوب بن صليبا في ملاطيا بأرمينيا، وترهب بدير مار برسوم القريب من بلده.

سيامته أسقفًا

إذ ظهرت مواهب علمه وتقواه اختاره البطريرك الأنطاكي أثناسيوس أسقفًا على مرعش Maras باسم "ديوناسيوس بن صليبا" سنة 1154م. وفي نفس العام عقد البطريرك مجمعًا في دير مار برسوم وألحق منبج Mabbug إلى أسقفية مرعش.

كانت هذه الإيبارشية مملوءة بالاضطرابات التي انتهت بسجن الأسقف بواسطة الأرمن الذين يشاركونه عقيدته.

شاهد الأسقف المعارك بين الصليبيين والعرب للسيطرة على الرُها وبقية شمال الميصة (ما بين النهرين).

هرب من الأرمن وانعزل في دير كالستورا Kalistura، ومن هناك ذهب إلى Melitene.

وفي عام 1166 نقله البطريرك ميخائيل الكبير إلى أسقفية أمد إلى يوم نياحته سنة 1171.

مؤلفاته

كان أشهر أساقفة زمانه علمًا وفضلاً، فبالرغم من الاضطرابات والمتاعب الشديدة التي أحاطت به وضع مؤلفات عدة:

1. كتب تعليقات على اللاهوتين الأولين، لم يبق منها سوى "القرون" أو "فصل غنوسي" لأوغريس البنطي Kephalia Gnostica.

2. اهتم بالليتورجيا، فوضع شرحًا للقداس الإلهي، وتفسيرًا يحوى تاريخ التسابيح وتجميعًا لها.

3. كتب تعليقًا على أرسطو وبورفيري الذي كرّس كل طاقاته لمهاجمة الكتاب المقدس والمسيحية.

4. كان مجادلاً، فوضع مقالات ضد اليهود والأرمن والمسلمين والنساطرة.

5. اهتم بالجانب الإيجابي البنّاء لاهوتيًا، فكتب في "علم اللاهوت". عالج هذا العمل الضخم مواضيع الثالوث القدوس والتجسد والخلائق الروحية والعاقلة.

6. كتب عن الأسرار، خاصة الميرون ودرجات الكهنوت والاعتراف والتوبة.

كتب ثلاثة نصوص للقداس الإلهي، فاتحة الأول "اللهم يا من ارتضى بالمحبة" والثاني "أعطنا حبًا واتفاقًا وأمنًا كاملاً"، والثالث "أيها الرب الإله الذي هو الحب الحقيقي الكامل".

له ثلاث صلوات تستخدمها الكنيسة السريانية تتلى إحداها في خميس العهد، والأخرى يوم سبت النور، والثالثة في القداس السنوي وهى عبارة عن قسمة خاصة بالتجسد الإلهي، تُرجمت إلى القبطية فالعربية، تستخدمها الكنيسة القبطية خاصة في عيد القيامة والخماسين المقدسة وهى تبدأ: "هكذا تألم كلمة الله بالجسد".

7. كتب مجلدًا ضخمًا عن "العناية الإلهية" ضد فلسفة يوحنا أسقف Mardin الخاصة والمصيرية بسبب دين ديوناسيوس.

8. وضع تفسيرًا لقانون الإيمان النيقوي لكنه لم يكمل.

9. لعل من أهم أعماله تفاسيره للكتاب المقدس. فيعتبر من أضخم تفاسير الكتاب المقدس كله، وهو من القلائل في غرب سوريا الذين ساهموا في هذا المجال. اعتمد في تفاسيره على القديس يوحنا الذهبي الفم والقديس كيرلس وموسى بركيفا (ابن الحجر) ويوحنا أسقف دارا.

نشرت أجزاء من تفاسيره وهى الأناجيل والرؤيا وجزء من تفسير سفر الجامعة، والآن تُعدّ النشر طبعة هامة لتفسير التكوين.

الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة للأسقف اسيذورس، ج 2 جيل 11، رأس 5.

Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, 1998.

ديونيسيوس أسقف ميلان

مساندة القديس أثناسيوس

القديس ديونيسيوس أسقف ميلان، خلف القديس بروتاسيوس كأسقف للمدينة سنة 351م. وهو من الأساقفة القليلين الذين ساندوا القديس أثناسيوس في كفاحه ضد الأريوسية، في وقت كان يقف فيه وحيدًا ضد العالم.

يعتبر هذا الأسقف من أبطال الأرثوذكسية، وقد وجد نفسه سنة 355م مستدعى إلى مجمع طلب الإمبراطور الأريوسي قنسطنطيوس عقده في قصره بميلان، وذلك لإعلان الحرم على أثناسيوس. وبالرغم من توقيع معظم الأساقفة الحاضرين على قرار الحرم، إلا أن ثلاثة أساقفة - من بينهم هذا القديس - رفضوا التوقيع. فنفوا جميعًا، وكان نصيب ديونيسيوس النفي إلى كبادوكيا حيث تنيح حوالي سنة 360م قبل قرار الإمبراطور يوليانوس بعودة المنفيين إلى كنائسهم.

بعد نياحته أرسل القديس باسيليوس رفاته من كبادوكيا إلى ميلان، ومازالت الرسالة التي أرسلها باسيليوس إلى القديس أمبروسيوس بخصوص هذا الموضوع موجودة إلى الآن.

Butler, May 25.

ديونيسيوس أسقف كورنثوس

الأسقف المعلم

هو أسقف مدينة كورنثوس في زمن الإمبراطور ماركوس أوريليوس. وقد كان أحد قادة الكنيسة الرئيسيين في القرن الثاني الميلادي. فبجانب تعليم شعبه وإرشادهم كتب رسائل إلى كنائس عدة مثل أثينا ونيقوميديا وروما، وقد أورد المؤرخ يوسابيوس القيصري في كتابه: "تاريخ الكنيسة" مقتطفات من هذه الرسائل. ومن رسائله نفهم أنهم كانوا يقرأون مثل هذه الرسائل في الكنيسة بعد قراءة الأسفار المقدسة وبعد التناول من الأسرار.

بذل القديس ديونيسيوس جهدًا كبيرًا في الرد على الهرطقات التي ظهرت في القرون الأولى، والتي نشأت أساسًا من المبادئ الخاطئة للفلسفات الوثنية. وبينما يذكر التاريخ أنه تنيح بسلام حوالي سنة 180م إلا أن اليونانيين يعتبرونه من الشهداء بسبب ما عاناه من تعب من أجل الإيمان.

كتاباته

قدم لنا الكثير من الرسائل التي كشفت عن قلبه المتسع بالحب للجميع. من بينها ثمان رسائل ذكرهم يوسابيوس القيصري، سبع منها موجهة إلى كنائس مختلفة والثامنة إلى سيدة مسيحية. يذكر لنا يوسابيوس (23: 4) أن ديونيسيوس قام بواجباته الرعوية بدون ملل، وأنه خدم رعيته والكنائس البعيدة بالرسائل العمومية التي أعدها لجميع الكنائس.

ركزت هذه الرسائل بوجه عام على معالجة الهرطقات، وتفسير الكتاب المقدس والحديث عن الزواج والعفة.

في رسالته إلي الأكيديمونيين قدم تعليمًا قويمًا في السلام والاتحاد. كأسقف كورنثوس ربما كانت لاكيديمون وأثينا تبعه.

وفي رسالته إلي الأثينيين حضّ علي الإيمان وتطبيق الإنجيل ووصم الذين يهملون هذا بالإلحاد.

وفي رسالته إلي أهل نيقوميدية حارب هرطقة مرقيون.

وكتب إلي الكنيسة التي في غورتينه Gortyna وسائر الإيبارشيات التي في جزيرة كريت مرحبًا بأسقفهم فيلبس من أجل أعمالها المشرفة والصامدة أمام الهرطقات.

كتب إلى الكنيسة التي في أماستريس Amstris وكنائس بونط موضحًا أن بخليدس Bachylides والبيستوس Elpistos ألحا عليه بالكتابة، ويضيف تفسيرًا لبعض فقرات من الكتاب المقدس مع نصائح عن الزواج والعفة.

كتب إلي كنيسة غنوسوس، Gnossosمطالبًا أسقفها بنتوس ألا يثقل كاهل الاخوة بالبتولية.

كتب إلى سوتير أسقف روما يذكره بتقديره لرسالة إكليمنضس الروماني مشيرًا إلى قراءتها في كنيسة كورنثوس.

كتب رسالة إلى خريسوفوره Chrysophora المسيحية الأمينة مقدمًا لها غذاءً روحيًا.

يبدو أن اتباع مرقيون وموتنانيوس دسّوا بعض العبارات في رسائله. يقول:

"لأن الاخوة أرادوا أن أكتب رسائل فقد كتبت.

وقد ملأ أعوان الشيطان هذه الرسائل بالزوان، مقتطفين منها بعض أمور ومضيفين أخري.

ويا للويلات التي حُفظت لهم.

إذن فلا غرابة إن كان البعض قد حاولوا إفساد كتابات الرب أيضًا طالما كانوا قد تآمروا ضد الكتابات التي هي أقل أهمية. "

إذ بعث برسائل رعوية إلي كنائس ليست تحت إشرافه هذا يكشف أولاً عن شخصه كأسقف له شهرته وشعبيته على مستوى خارج ايبارشيته، ومن جانب آخر إلى علاقات الحب المتبادلة، فلا ينشغل الأسقف بسلطان، ه إنما يطلب بنيان الكنيسة الجامعة ونقاوة إيمانها.

ظهر هذا الحب مما كتبه إلى أهل رومية كرسالة شكر من أجل المعونة المالية التي أرسلتها كعادتها، إذ اعتادت روما أن تبعث معونات مالية للكنائس الفقيرة ولتحرير المسيحيين المحكوم عليهم بالعمل في المناجم. هذه العادة استمرت بل وتزايدت في أيام سوتير أسقف روما كأب محب لأولاده.

ويلاحظ في اغلب الرسائل يشير ديونيسيوس إلى أسقف كل موضع بكل تقدير وتكريم سواء المعاصرين أو الذين استشهدوا أو انتقلوا من العالم. غير أن الرسائل، بما فيها الرسالة إلى روما، لم توجه إلى الأسقف بل إلى الكنيسة ككل.

كتبها ديونيسيوس شخصيًا، لكنه أشار بأن بعض الاخوة طلبوا منه ذلك.

نياحته

تعتبره الكنيسة اليونانية شهيدًا، بينما ترى كنيسة روما أنه معترف. غالبًا ما انتقل قبل الحوار الخاص بعيد الفصح المسيحي عام 198م حيث كان بالماسPalamas of Pontus لايزال حيًا وأما كورنثوس فكان أسقفها هو باخيليوس Baccchylus.

يُقال أن دير القديس دينيس بفرنسا يضم رفات ديونيسيوس أسقف كورنثوس، التي أحضرت من اليونان إلى روما، وسُلمت للدير في عام 1215 بواسطة البابا إينوسنت الثالث.

يوسابيوس القيصري: التاريخ الكنسي 4: 23.

Butler, April 8.

ديونيسيوس الأسقف الشهيد

كان هذا القديس أسقفا على كورنثوس واستشهد في أيام دقلديانوس ومكسيميانوس، بعد أن نال عذابات كثيرة في سبيل الإيمان بالسيد المسيح له المجد. وأخيرًا ضُرب عنقه بالسيف، فنال إكليل المجد الأبدي.

السنكسار، 23 بابه.

ديونيسيوس البابا الرابع عشر

لقبه القديس أثناسيوس "معلم الكنيسة الجامعة" كما دُعي "ديونيسيوس الكبير" بسبب ما عاناه من ضيقات محتملاً ذلك في شجاعة وثبات، ولغيرته على الكنيسة، لا على المستوى المحلي فحسب بل على مستوى الإبيارشيات الأخرى. بحق يعتبر "أحد أعظم شخصيات التاريخ الكنسي الهامة والجميلة".

تحوله للمسيحية

وُلد بالإسكندرية مع نهاية القرن الثاني حوالي عام 190م، من أبوين وثنيين غنيين ذي جاه. كان من مذهب الصائبة يعبد الكواكب، محبًا للقراءة، يعمل كطبيبٍ ناجحٍ.

قادته قراءته المستمرة إلى قبول الإيمان المسيحي، فقد قيل أن أرملة عجوز مرّت به معها بعض كتابات الرسول بولس تريد بيعها. فاشتراها منها وأخذ يدرسها ويفحصها. فأُعجب بها جدًا وحسبها أفضل ما قرأه من كتب الفلاسفة. وإذ طلب من السيدة أن تأتيه ببقية الأوراق ويدفع لها ما تريد أحضرت له ثلاث رسائل أخرى. وإذ شعرت الأرملة أن نعمة الله قد عملت في قلبه قالت له: "إن شئت أيها الفيلسوف أن تطّلع على كثير من مثل هذه الأقوال عليك بالذهاب إلى الكنيسة لتجد من يعطيها لك مجانًا. فمضى إلى الكنيسة حيث التقى بشماس يدعى أوغسطين الذي دفع له رسائل معلمنا بولس الرسول كاملة، فقرأها وقبل الإيمان المسيحي.

مضى ديونيسيوس إلى البابا ديمتريوس ونال منه سرّ العماد، ثم التحق بالمدرسة اللاهوتية، حيث تتلمذ على يدي العلامة أوريجينوس. وصار أحد كواكبها اللامعين. سيم ديونيسيوس شماسًا بواسطة البابا ديمتريوس، كما سيم قسًا بواسطة البابا ياروكلاس (هيراقليس).

خلف ديونيسيوس هيراقليس في رئاسة المدرسة لحوالي 16 أو 17 عامًا، كما خلفه أيضًا في البابوية.

أخبرنا عن نفسه أنه اعتاد أن يقرأ حتى كتب الهراطقة، وأنه قد تشجّع على ذلك بواسطة رؤيا إلهية، ففي رسالته الثالثة عن المعمودية التي كتبها إلى القس الروماني فليمون قرر أن الله أعلن ذاته له، قائلاً له: "اقرأ كل ما يمكن أن تصل إليه يدك، فإنك قادر أن تصحح كل شيء وتمتحنه، فإن هذه العطية هي سبب إيمانك منذ البداية". وقد أهلته قراءاته المكثفة في كتب الهراطقة على مهاجمتهم من خلال أعمالهم.

بابا الإسكندرية

1. في عام 247م اُختير القديس ديونيسيوس بابا للإسكندرية، حيث كانت رسالته صعبة ألا وهى الحفاظ على الكنيسة وسط موجات مستمرة من الاضطهادات، نذكر منها (دون التزام بالترتيب الزمني):

في عام 250م بدأ اضطهاد ديسيوس Decius للكنيسة. وقد قدم البابا لمسات سريعة لشهداء الإسكندرية في ذلك الوقت في رسالته إلى دومثيوس وديديموس ورسالته إلى فابيوس أسقف إنطاكية، ذكر شهداء من رجال ونساء، صغار وكبار، عذارى وأمهات، جُلدوا وماتوا بالنار والسيف.

لم يستشهد البابا نفسه، وقد حسب نفسه ضمن الذين رغم معرفتهم للرب زمانًا طويلاً لم يعد بعد أهلاً لذلك، وإن كان في اعتقاده أن السيد المسيح قد حفظه لزمن أخر مناسب.

بقيَ البابا في داره أربعة أيام ينتظر، بينما كان رجال الوالي يبحثون عنه في كل موضع غير متوقعين أن يجدوه في داره. أخيرًا هرب، فعرّض نفسه مثل القديس كبريانوس للاتهام بالجبن. وقد اقتطف المؤرخ يوسابيوس رسالة القديس ديونيسيوس إلى أحد أساقفة الأقاليم يدعى جرمانيوس يدافع فيها عن نفسه: قائلاً:

"أتحدث كمن هو في حضرة الله، إنه يعلم أني لا أكذب.

إنني لم أهرب بدافع من نفسي، أو بدون إرشاد إلهي.

وحتى قبل هذا وفى نفس الساعة التي بدأ فيها اضطهاد ديسيوس، أرسل سابينوس جنديًا يبحث عني. وكنت في الدار أربعة أيام أنتظر قدومه، لكنه تجوّل يبحث في كل موضع، في الطرق والأنهار والحقول، إذ ظن أني مختبئ فيها أو أتي في الطريق إليها.

فقد انطمست بصيرته ولم يجد البيت، ولا تصور أني أبقى في البيت في الوقت الذي فيه يجري البحث عني.

فقط بعد أربعة أيام أمرني الله أن أغادر الدار مع كثير من الاخوة.

أما كون هذا قد تم بعناية إلهية فواضح مما حدث بعد ذلك إذ ربما كنت نافعًا لبعض الأشخاص ".

أخيرًا قبض الجند عليه مع من كانوا معه وأرسلوه إلى السجن في Taposrls، لكن استطاع شماس يدعى تيموثاوس أن يفلت من أيدي الجند، هذا التقى بشخصٍ مسيحيٍ في الطريق كان ذاهبًا إلى وليمة عرس. أخبره بما حلّ بالبابا، وإذ سمع الحاضرون انطلق الكل إلى السجن، فهرب الجند تاركين الأبواب مفتوحة. وإذ دخلوا السجن وجدوا البابا نائمًا. طلبوا منه مغادرة السجن فرفض حتى اضطر الشعب أن يحمله من يديه ورجليه ويدفعونه دفعًا، فذهب معهم إلى داره.

2. في عام 257م حدث أيضًا اضطهاد أثاره الإمبراطور فاليريان فاستدعاه الوالي إميلينوس Aemilianus ومع الكاهن مكسيموس والشمامسة فوستوس ويوسابيوس وشيريمون. وإذ طلب الوالي من البابا أن يترك عمله أجاب: "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس"، فنفاه إلى قرية صحراوية تسمى خفرو Cephrs، هناك استطاع أن يبشر بين الوثنيين بالرغم مما عاناه من اضطهادات. فاضطر الوالي أن ينفيه إلى صحراء ليبيا في Collutho. لم يقف عمله هناك على عقد اجتماعات، والكرازة بالمسيحية بين الوثنيين، بل أجهد نفسه في خدمة كنيسته بالإسكندرية (بالرسائل) ليحفظ الخدمة.

3. حدثت أيضًا اضطرابات جديدة، إذ هوجمت مدينة الإسكندرية من الجنوب بواسطة قبائل بربرية.

كذلك أعلن والي مصر إميلينوس في الإسكندرية نفسه إمبراطورًا. فنشبت حرب مدنية انتهت بأسره بواسطة القائد الروماني ثيؤدوتيوس الذي أرسل المتمرد مقيدًا إلى روما. خلال هذه الحرب دُمرت المدينة، وحلّت مجاعة، وانتشرت الأوبئة. تحدث البابا عن هذه الاضطرابات في رسالته الفصحية الدورية عام 263م جاء فيها:

"قد يبدو أن الوقت غير مناسب للعيد...

فنحن لا نرى إلا الدموع، الكل ينوح، والعويل يسمع كل يوم في المدينة بسبب كثرة الموتى...

بعد هذا حلّت الحرب وحدثت المجاعة.

تحملنا هذين الأمرين سويّا مع الوثنيين... لكننا فرحنا بسلام المسيح الذي وُهب لنا نحن وحدنا.

كان أكثر الأخوة أسخياء جدًا في محبتهم الزائدة وعطفهم، فازدادت رابطتهم مع بعضهم البعض، فكانوا يفتقدون المرضى بغير تخوّف، ويخدمونهم بصفة مستمرة. يخدمونهم في المسيح.

أما الوثنيون فكانوا ينفرون من المرضى ويطرحونهم في الشوارع بين أموات وأحياء! "

4. في نهاية كل اضطهاد كان البابا ديونيسيوس يواجه مشكلة المرتدّين. كان يضمهم، بل غالبًا ما كان يمنع إعادة معمودية حتى الهراطقة أو المنشقين الراجعين (مع أن الكنيسة فيما بعد لم تستقر على ذلك).

5 - مركز ديونيسيوس العظيم مع قدرته وعلمه واعتداله الممتاز جعله موضع التماس أن يتدخل غالبًا في كل الصراعات الهامة التي ثارت في الكنيسة في أيامه. ففي الانقسام الخاص بنوفاتيوس الذي سيم على كرسي رومًا بطريقة غير شرعية، التجأت جميع الأطراف إليه، كما انشغل بهرطقة نيبوس أسقف أرسينو بالفيوم، وسابليوس أسقف بتولمايس (المدن الخمس الغربية) وبولس السموسطائي.

وساطته بين كبريانوس واسطفانوس

كان القديس ديونيسيوس رجلاً كنسيًا هامًا، له عمله حتى خارج نطاق إيبارشيته. كمثال توسط في النزاع الحاد الذي قام بين كبريانوس أسقف قرطاجنة وإسطفانوس أسقف روما، وذلك بخصوص معمودية الهراطقة. فبالنسبة لكبريانوس معمودية الهراطقة والمنشقين باطلة، لأنهم خارج الكنيسة، ولا خلاص خارج الكنيسة، فإنه لا يستطيع أحد أن يتخذ الله أبًا له إن لم تكن الكنيسة هي أمه. فالتائب، في الحقيقة، لا تُعاد معموديته، إنما يُحسب أنه يتقبل المعمودية للمرة الأولى، أما معموديته السابقة فهي باطلة كأن لم تكن. أما إسطفانوس أسقف رومية فقد رأى أن كل معمودية تتم باسم الثالوث القدوس صحيحة حتى إن تمت بيد هراطقة، فلا تُعاد معمودية الراجعين إلى الكنيسة من الهراطقة إنما يُكتفي بوضع الأيدي والصلاة عليهم.

وقد ساعد على اشتعال النار ظهور بدعتين:

1. بدعة نوفاسيتوس الأسقف الروماني الدخيل القائل بعدم قبول توبة جاحدي الإيمان ووجوب إعادة الذين تعمدوا بيد هراطقة بل وعماد الأرثوذكس الذين تساهلوا في قبول الهراطقة التائبين... وكان لذلك رد فعل عكسي في روما، الأمر الذي سبب وجود فريقين في روما فكتب كهنة روما إلى كبريانوس يسألونه فأجابهم: "إن المعمّدين بيد هراطقة هم وحدهم يجب إعادة معموديتهم، أما الذين قبلوا الإيمان من الكنيسة الأرثوذكسية فعمادهم صحيح. كما قال:" وأما مسألة جاحدي الإيمان التائبين فلا يخص كنيسة روما منفردة، إنما يلزم أن تحكم فيها الكنائس مجتمعه ".

2. بدعة فيلكينوس الذي علّم بالصفح عن الذين جحدوا الإيمان بمجرد شفاعة المعترفين عنهم، الأمر الذي أدى إلى رخاوة زائدة.

وفى عام 253م إذ سيم إسطفانوس أسقفًا على روما شدّد في منع إعادة معمودية الهراطقة وخاطب فرميليانوس أسقف قيصرية بذلك. وإذ لم يستجب الأخير لطلبه عقد مجمعًا عام 254م قطع فيه فرميليانوس ومن وافقه من أساقفة كيليكية وغلاطية.

لما هدد كبريانوس بالقطع لأنه كان متشددًا في ضرورة إعادة معمودية الهراطقة والمنشقين عقد كبريانوس مجمعًا عام 255م حكم بضرورة عماد الهراطقة ومن تعمد على أيديهم... وأرسل قرار المجمع لإسطفانوس، جاء فيه: "كل رئيس روحي حرّ في سياسة كنيسته، لأنه يقدم حسابًا عن أعماله للرب". أما إسطفانوس فكتب إلى أعضاء المجمع يهددهم بالقطع إن لم يذعنوا لإرادته. كتب كبريانوس رسالة إلى بومبيوس أحد أساقفة أفريقيا ضد إسطفانوس، جاء فيها: "لا تجد مثل هذا القرار في الإنجيل أو في الرسائل أو في أعمال الرسل..."

بعث أساقفة أفريقيا رسالة أخوية إلى الأسقف إسطفانوس يدعوه للاتحاد معهم، فلم يقابل حاملي الرسالة ولا سمح لهما بمأوى، وبعث إليهم رسالة يلقب فيها كبريانوس "الرسول الغاش والنبي الكذاب". فرد كبريانوس برسالة أخوية إلى أساقفة أفريقيا يقول فيها عن إسطفانوس "صديق الهراطقة وعدو المسيحيين"، كما قال: "إن هذا الأسقف الضال إسطفانوس دل برسالته على جهله وغباوته".

وكاد الشقاق يتزايد ويستفحل لولا تدخل البابا ديونيسيوس الذي كتب رسالة إلى الأسقف إسطفانوس يظهر كيف اتحدت الكنائس في الشرق وأن الكل بفرح متفقون في الرأي، طالبًا منه ألا يسبب شقاقًا.

وقد رأى البعض مثل Wand أن ديونيسيوس قد شارك إسطفانوس رأيه لكنه لم يشاركه عنفه وحدته، فحاول التوسط بين الطرفين. إن كان قد قرر ألا يعيد معمودية الهراطقة والمنشقين لكنه لم يقطع علاقته بالكنائس التي تعيد المعمودية، حاسبًا أن الأمر يترك لكل كنيسة.

وفى كتاب "الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة" للأسقف إسيذورس قصة تظهر تخوّف ديونيسيوس من إعادة المعمودية خاصة إن كان الشخص قد أعتاد على التناول من الأسرار الإلهية في الكنيسة الأرثوذكسية. فإنه بعد نياحة الأسقف إسطفانوس واجه البابا ديونيسيوس مشكلة وهي أن مؤمنًا من الإسكندرية جاءه يبكي بمرارة متوسلاً إليه أن يعيد معموديته، لأنه كان قد تعمّد بيد هراطقة منذ زمن طويل واعتاد التناول من الأسرار المقدسة في الكنيسة بعد توبته. لكنه كان قلقًا للغاية. أما القديس ديونيسيوس فلم يجسر أن يعمّده لأنه كان يشترك في التناول في الكنيسة. لكنه تحت ضغط القلق الشديد والبكاء المستمر كتب إلى أخيه سكستوس أسقف روما يطلب رأيه.

على أي الحالات يليق بنا أن ندرك بأن الكنيسة في الشرق والغرب استقرت على رأى القديس كبريانوس، أي اعتبار معمودية الهراطقة والمنشقين غير قائمة.

مع نيبوس أسقف أرسينو

في رحلته الرعوية لمدن إيبارشيته التقي البابا بنيبوس أسقف أرسينو بالفيوم، الذي استخدم سفر رؤيا يوحنا في تأكيد آرائه في الملكوت الألفي المادي بطريقة يهودية، فيه يأتي السيد المسيح على الأرض ليملك كأحد الملوك. في كتاب له يرفض فيه التفسير الرمزي لأوريجينوس A Refutation of the Allegorists. دعا البابا مجمعًا محليًا في أرسينو وأوضح للأسقف وأتباعه كيف أن ملكوت الله روحي، وأن المؤمنين لا يترجون أي ملكوت زمني أو ملذات أرضية، وكان يتحدث معهم بروح الحب في وداعة فاقتنعوا بكلماته.

وإذ عاد إلى الإسكندرية كتب البابا كتابين عن "المواعيد" جاء فيهما:

"إنه ليسعدني أن أصف ما رأيته من إخلاص أبنائي أهالي أرسينو ومحبتهم وذكائهم.

فقد تبادلنا الآراء بصبرٍ وجلدٍ، ولم ندع صغيرة أو كبيرة إلا وبحثناها بحثًا مستفيضًا.

ومما يسرني أن أبنائي حين وقفوا على ما هم فيه من خطأ أعلنوا ذلك جهارًا في غير حياء ولا تردد.

وفى طليعة المعترفين بخطئهم كوراسيوس الكاهن الذي أقام المثل الحي الدال على إخلاصه للحق.

كما يسرني ما بدا من أبنائي أهل أرسينو إذ نسبوا نقضي للبدعة الألفية إلى إخلاصي الأبوي ".

وبعد تفسيره الإصحاح العشرين من سفر الرؤيا أشار إلى مواعيد الله لشعبه، ثم ذيل الرسالة بمدحه للأسقف نيبوس قائلاً: "إنني أحب نيبوس وأمتدحه، لأنه يسعى بكل جهده للوقوف على الحقيقة. وأمتدحه أيضًا للترانيم الروحية التي وضعها ليترنم بها الشعب في حفلاته. غير أن محبتي للحق تفوق محبتي لنيبوس، لذلك بادرت إلى دحض بدعته لإرشاده وإنارته".

حقًا كم كان تاريخ الكنيسة قد تغير لو أن كل الصراعات عولجت هكذا بالروح الهادئ اللطيف؟!

مع الهرطوقي سابيفيوس

جاء إلى مصر رجل من روما ينشر بدعة تسمى "مؤلمي الآب"، يعتقد أصحابها بأن الله أقنوم واحد، وهو الذي كفّر عن خطايا البشر... بهذا يكون الآب قد تألم...

قاوم البابا هذا الضلال، وأرسل منشورًا إلى الأسقفين أمونيوس وأفراندر، كما حرّم سابيليوس في مجمع عقده عام 261م بعد أن فنّد تعاليمه الفاسدة. التجأ أتباعه إلى الأسقف الروماني ديونيسيوس الذي كان شابًا قليل الخبرة، فعقد مجمعًا حرّم فيه بابا الإسكندرية وأرسل إليه يخبره بالحكم ويسأله إن لديه ما يدافع به عن نفسه. لكن بابا الإسكندرية بحكمته بعث برسالة أوضح فيها ما عسر عن فهم الأسقف الروماني، فاستراح الأخير إليها. وقضت الرسالة على ما يسميه المؤرخين "نزاع الديونيسيين"، وشعر الروماني بتسرعه فاحترم الإسكندري، ووقف بجانبه في دحض بدعة بولس السومسطائي أسقف إنطاكية.

كتاباته

كتب الكثير، لكن للأسف لم يبقَ إلا شذرات حُفظت خلال كتابات يوسابيوس وأثناسيوس وغيرهما. وكما يقول Neale: "فقدان كتابات ديونيسيوس هي إحدى الخسائر العظمى التي لحقت بالتاريخ الكنسي".

يتجه في كتاباته إلى الجانب العملي مع أسئلة خاصة بالتعاليم. رسائله تظهر أنه قام بدور إيجابي في المناقشات العقيدية في عصره.

1. عن الطبيعة.

2. عن المواعيد.

3. تفنيد ودفاع.

4. رسائله.

القمص تادرس يعقوب ملطي: آباء مدرسة الإسكندرية الأولون.

ديونيسيوس الشهيد

هو أحد الفتية السبعة القديسين الذين استشهدوا سنة 252م في أفسس، وكانت أسماؤهم: مكسيموس ومالخوس ومرتينيانوس وديونيسيوس ويوحنا وسرابيون وقسطنطين. وكانوا من جند الملك ديسيوس وقد عيّنهم لمراقبة الخزينة الملوكية. ولما أثار عبادة الأوثان وشى بهم بعضهم لديه، فالتجأوا إلى كهف خوفًا من الوقوع في خطر الضعف البشري فينكروا السيد المسيح. علم الملك بذلك وأمر بسد باب الكهف عليهم.

كان واحدًا من الجند مؤمنًا بالسيد المسيح، فنقش سيرتهم على لوح من نحاس وتركه داخل الكهف. وهكذا أسلم هؤلاء القديسون أرواحهم الطاهرة.

أراد الله أن يكرمهم كعبيده الأمناء فأوحى إلى أسقف تلك المدينة عن مكانهم فذهب وفتح باب الكهف فوجد أجسادهم سليمة وعرف من اللوح النحاسي أنه قد مضى عليهم نحو مائتي سنة. وكان ذلك في عهد الملك ثيؤدوسيوس الصغير، كما عرفوا أنهم كانوا في أيام ديسيوس الملك من بعض قطع النقود التي وجدوها معهم وعليها صورته.

السنكسار، 20 مسرى.

ديونيسيوس، روستيكوس وإيليوثيريوس الشهداء

راجع دينيس Denis.

ديونيسيوس ورفقاؤه الشهداء

في قيصرية، في عهد الإمبراطور دقلديانوس، قُدمت للرب باقة يانعة من مختلف الأجناس تضم ثمانية من الشبان: ديونيسيوس من طرابلس في فينيقية، تيمولاوس من ولاية بنطس، روميلوس من ديوسبوليس، بيسيس وإسكندر من مصر، إسكندر من غزة، ويبدو أن الاثنين الباقيين كانا من قيصرية فلسطين.

أوثقت أيديهم خلف ظهورهم ونزلوا في ملعب قيصرية مسرعين لحماسهم الشديد للاستشهاد، وأعلنوا على الملأ بأنهم مسيحيون، وأنهم يرحبون بكل أنواع التعذيب، فطُرحوا في السجن.

بعد أيام قليلة انضم إليهم اثنان آخران هما أغابيوس الذي كان قد احتمل أهوالاً مروعة في محاكمات سابقة، وديونيسيوس الذي ضُبط وهو يمدهم بضرورات الحياة. وانتهى أمر هؤلاء جميعًا بقطع رؤوسهم معًا.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 178.

المحتويات



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ذ

قاموس القديسين و الشخصيات حرف خ

قاموس القديسين و الشخصيات حرف د
قاموس القديسين و الشخصيات حرف د

المحتويات