القيامَة تعْلن أنّه قَد مَات الموْت وَانفَتح الطريق إلى الأبَديَّة بأفراحِهَا

القيامَة تعْلن أنّه قَد مَات الموْت وَانفَتح الطريق إلى الأبَديَّة بأفراحِهَا

أهنئكم يا أبنائى وأخوتى الأحباء بعيد القيامة المجيد، راجياً لكم حياة سعيدة مباركة ثابتة فى الله ومحبته. وراجياً للعالم كله سلاماً وهدوءاً وحلاً للمشاكل الإقليمية والمحلية.. وما أجمل أن ننتهز مناسبة هذا العيد، لكى نتأمل فى القيامة: ما هى؟ وما بعدها؟

+ + + + + + + + + + + + + + +.

القيامة هى انتصار على الموت الذى ساد على جميع البشر.

بل هى نهاية للموت كما قال الكتاب "آخر عدو يبطل هو الموت" (1كو15: 26). فيها تهتف قلوب الجميع: لقد مات الموت إلى الأبد. وانفتح أمام البشرية طريق الأبدية السعيدة، بكل ما فيها من أفراح ومتعة روحية...

الموت الذى انتصر على كل إنسان، سوف تنتصر عليه القيامة العامة. ولا يوجد فيما بعد، سيغنى الجميع قائلين: لقد مات الموت.

وما أجمل ما قيل عن ذلك فى سفر الرؤيا "والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد. لأن الأمور الأولى قد مضت" (رؤ21: 24).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وقد يقول البعض إن القيامة هى عودة الإنسان إلى الحياة. وفى الواقع إن هذا التعبير غير دقيق.

فلإنسان يتكون من عنصرين: أحدهما حىَ بطبيعته وهو الروح. والعنصر الآخر قابل للموت والتحلل وهو الجسد. وعندما يموت الإنسان، إنما يموت جسده ويعود إلى التراب كمان كان (جا12: 7). وتعود روحه إلى الله، وتبقى حية فى مكان الانتظار إلى يوم القيامة، حين تعود إلى الجسد المُقام.

ولأن روح الإنسان تبقى حية بعد موته، تكون لنا صلة بأرواح القديسين فى العالم الآخر، نطلب صلواتهم من أجلنا. كما يحدث أحياناً أن الله – تبارك إسمه – يرسل بعض هذه الأرواح إلى عالمنا، لتبليغ رسالة أو لإجراء معجزة.. ولأن روح الإنسان لا تموت بموته، لذلك نقول لله فى صلواتنا ".. ليس موت لعبيدك، بل هو انتقال". ونقصد انتقال الروح إلى العالم الآخر.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

فالقيامة إذن ليست هى عودة الحياة إلى الإنسان كله، إنما هى عودة الحياة إلى الجسد، حينما تعود إليه الروح فى القيامة وتتحد به، فيحيا بحياتها.

القيامة إذن هى قيامة الجسد. أما الروح فلم تمت حتى تقوم.. القيامة هى عودة الاتحاد بين الروح والجسد. فليست هى عودة الحياة بصفة عامة، إنما بأسلوب أدق هى عودة لشركة الحياة بين الروح والجسد. هى عودة لهذا الرباط الطبيعى بين هذين الزوجين اللذين عاشا متحدين طول عمرهما على الأرض. ثم انفصلا وافترقا زماناً طويلاً. وأخيراً عادا إلى ارتباطهما معاً فى وحدة لا انفصال بعدها، برباط أبدى. ولم يعودا بعد إثنين بل واحداً (مت19: 6) (أف5: 31).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

بالقيامة ينتهى تاريخ الموت إلى الأبد، ولا يكون له فيما بعد سلطان على الناس. فأجساد القيامة ستكون أجساداً روحية ولا يقوى عليها الموت.

كما أن الموت كان فى الحياة قبل القيامة، هو عقوبة الخطية منذ أيام أبينا آدم. وبعد القيامة لا تكون هناك خطية، ولا يكون هناك موت.

الأبدية – بعد القيامة – هى موطن الحياة الدائمة. لذلك قيل عن الأبرار إنهم يحيون إلى الأبد، أو تكون لهم الحياة الأبدية (دا12: 2).

وقيل "يمضى الأبرار إلى حياة أبدية" (مت25: 46).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وهناك نوع آخر من الموت سينتهى، هو موت الخطية.

فالخطية تعتبر حالة موت، موت روحى، لأنها انفصال عن الله الذى هو مصدر الحياة الحقيقية (يو1: 4) (يو14: 6).

ولذلك حسناً قال الرب لراعى ساردس المخطئ "إن لك إسماً أنك حى، وأنت ميت" (رؤ3: 1). وقال الأب عن توبة ابنه الخاطئ "ابنى هذا كان ميتاً فعاش" (لو15: 24). فمادامت الخطية هى حالة موت أدبى وروحى، وفى الأبدية لا تكون خطية إذن سوف يزول هذا الموت بعد القيامة، ولا يكون له وجود فى عالم الأبرار...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

والقيامة هى لون من التجلى للطبيعة البشرية. ويشمل ذلك التجلى الجسد والروح كليهما معاً...

فنقوم بأجساد روحانية نورانية سماوية، غير قابلة للفساد (1كو15: 42 - 49). فهى غير قابلة للتحلل ولا للموت. أجساد لا تمرض ولا تتعب، ولا تشكو ألماً ولا وجعاً. ولا تتعبها شهوة ولا غريزة. ولا تثقلها المادة، بل تكون خفيفة فى كل تحركاتها وتنقلاتها.

نقوم أيضاً بأجساد لا عيب فيها ولا نقص. فالأعمى لا يقوم أعمى، بل يعود إليه البصر. والضعيف لا يقوم ضعيفاً، بل يمنحه الله قوة. والمشوّه وغير الجميل، لا يقوم هكذا. بل يلبس فى القيامة جمالاً وبهاءً... ففى القيامة يعوض الله الإنسان عن كل نقص قاسى منه فى هذا العالم الحاضر. ويعطيه أن يقوم بجسد ممجد، "على صورة جسد مجده" (فى3: 21).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وهكذا الروح أيضاً، سوف تتجلى بالنقاء والصفاء والبساطة.

تتجلى بنقاء أكثر مما كان لآدم وحواء قبل السقوط، حينما كانا فى الجنة عريانين ولا يخجلان (تك2: 25) إذ كانا فى براءة عجيبة لا تعرف الخطية. ولكن طبيعتهما مع ذلك كانت تحتمل الخطأ، وفعلاً أخطـأ الإثنان.

أما فى الأبدية فسوف توجد براءة غير قابلة للسقوط. وتزول من الذهن كل معرفة الخطية. بل تنتهى الخطية إلى الأبد.. وهذا هو الذى قصده القديس بولس الرسول بقوله "وأخيراً وضع لى إكليل البر الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً (2تى4: 8).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إذن تجلى الأرواح فى الأبدية هو أن تتكلل بالبر، وتصير كملائكة الله فى السماء (مت22: 30).

براءة كاملة لا تعرف الخطية، ولا تشتهيها، ولا تجول فى ذهنها إطلاقاً. وذلك بأن ينسى الإنسان نسياناً كاملاً كل ما كان فى العالم من خطيئة ومن شر، أثناء حياته فيه. وهكذا يتنقى القلب والفكر تماماً. ويعيش الكل فى حياة روحية، لهم البصيرة الروحية، ولهم الحس الروحى.

وليسوا فقط يتنقون من الخطاً. وإنما أيضاً من الناحية الإيجابية تكون لهم ثمار الروح، التى شرحها الكتاب بقوله "وأما الروح فهو محبة فرح سلام.. لطف صلاح إيمان.." (غل 5: 22 - 23).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

يزول تماماً الصراع الذى كان فى العالم، سواء الذى بين الناس، أو الذى كان بين الروح والجسد.

حينما كان "الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر" (غل5: 17).. إذ يصبح الجسد والروح فى الأبدية، فى خط واحد ومسيرة واحدة، لا تناقض بينهما ولا صراع...

كما تزول الخصومات والمشاكل والمتاعب.. ويعيش الناس فى عالم حب وتفاهم. ويكون للكل لغة واحدة يتفاهمون بها معاً، لعلها لغة الروح. وفى حديثهم وتسبيحهم يكون لهم لسان واحد وفهم واحد...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وتزول الثنائية التى عاش فيها الإنسان بعد الخطيئة.

ثنائية الحق والباطل، والحلال والحرام، والصواب والخطأ.. لأنه سوف لا يكون فى الأبدية بعد القيامة سوى الحق فقط. ولا يكون هناك مجال للاختيار بين طريقين. فليس سوى طريق واحد يسير فيه الجميع ولا يعرفون غيره...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وبعد القيامة يعيش الأبرار فى فرح دائم، نسميه النعيم الأبدى.

فما هى ألوان هذا الفرح الذى يتمتع به الأبرار.

أولا فرح الدخول إلى ملكوت السموات. فرح الانتصار على العالم وعلى الخطية والشيطان. هذا الانتصار الذى يؤهل الروح إلى الدخول فى الملكوت. ذلك لأن ملكوت الله لا يدخله إلا الغالبون والمنتصرون، الذين استطاعوا خلال فترة عمرهم على الأرض، أن ينجحوا فى كل الحروب الروحية، ويظهروا أن محبتهم لله كانت فوق كل أغراء وكل شهوة أخرى. فاجتازوا فترة اختبارهم بسلام.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

يفرحون فى الأبدية أيضاً بعشرة الملائكة والقديسين.

إنها متعة عظيمة بلا شك أن يتعرف الإنسان فى الأبدية على كل الأنبياء والرسل الذين وردت أسماؤهم فى الكتب المقدسة، أن يتعرف على كل الشهداء فى كافة عصور التاريخ، ويتعرف على كل الآباء القديسين، وكل الرعاة الصالحين، وكل الذين أتصفوا بفضائل عميقة ميزت حياة كل منهم عن غيرها. كما يتعرف أيضاً على كل أبطال التاريخ الذين عاشوا حياة صالحة، وكل الشخصيات البارزة التى قرأ عنها من قبل فى الكتب، وكانت مقبولة أمام الله..

معرفة كل هؤلاء وأمثالهم تملأ القلب فرحاً. أما معاشرتهم والحياة معهم والصلة بهم، فهذه متعة أعمق.

هؤلاء الأبرار يمثلون ما يقول عنه الكتاب "كورة الأحياء" (مز27: 13)، أى الذين فى الحياة الحقيقية الدائمة التى لا خوف عليها من موت فيما بعد...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

على أن المتعة فى النعيم الأبدى، لابد أن تتفاوت فى الدرجة.

الكل يكونون فى فرح وفى مجد، ولكن ليس الكل فى درجة واحدة. وكما قال الكتاب عن ذلك "لأن نجماً يمتاز عن نجم فى المجد" (1كو15: 41). إن الله فى الأبدية سيكافئ كل واحد حسب أعماله (رؤ22: 12).

أو كما قيل "لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً" (2كو5: 10). ولا شك أن أعمال الناس تختلف فى الدرجة وفى النوع والعمق ومقدار الروحانية، ومقدار المحبة نحو الله... فعلى حسب جهاد الإنسان على الأرض، تكون مكافأته فى السماء، ويكون نوع إكليله فى الملكوت...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وحتى الأقل درجة فى السماء لا يشعرون بنقص.

لأن الشعور بالنقص يجلب الحزن. والحزن لا يتفق مع النعيم الأبدى..! يمكننا تشبيه الأمر بعدد كبير من الأوانى منها الكبير ومنها الصغير، والكبير جداً. والصغير جداً، والمتوسط. وكلها ممتلئة. أصغر واحدة فيها لا ينقصها شئ...

هكذا الأبرار فى الأبدية. كلهم ممتلئون فرحاً، لا يشعر أحد منهم بنقص. وكل منهم فى مجد، يشعر بالمكافأة. ولكن درجة الواحد غير درجة الآخر.

مثال آخر: لنفرض أن جماعة من الرفاق والأقارب، ذهبوا للقاء إنسان عزيز عليهم جداً قد عاد من غياب طويل فى سفر. الكل يحبونه، والكل مشتاق إليه، والكل فى فرح بعودته. ولكن فرح كل منهم تكون درجته بحسب ما فى قلبه من حب وشوق. وقد تتفاوت درجة حبهم، ولكن الكل يشعر بالفرح.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إننا نفرح بالقيامة، لأنه فرح بالخلود، وبالنعيم. ولكننا لا نستطيع أن نصف تماماً كنه هذا الفرح.

اللغة قاصرة عن التعبير، والفهم أيضاُ قاصر، والخبرة غير موجودة لأن ساعتها لم تأتِ بعد. ويكفينا ما قاله الكتاب عن النعيم الأبدى: "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه" (1كو2: 9).. مهما يخطر على فكرك من أوصاف، لا يمكن أن تعبر عن الحقيقة، لأن ما أعده الله للأبرار "لم يخطر على بال إنسان"...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ولعل فى قمة متع الأبدية: معرفتنا لله.

الآن "تعرف بعض المعرفة" (1كو13: 12). ولكن معرفتنا هذه تعتبر كلا شئ بالنسبة إلى الله غير المحدود. ولذلك قيل فى الإنجيل المقدس "هذه هى الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك.." (يو17: 3).. كل يوم يمرَ علينا فى الأبدية، سنعرف فيه شيئاً جديداً عن الله، يبهر عقولنا ويشبع قلوبنا. ونقف فى دهش وذهول، ونقول: كفانا كفانا. نحتاج إلى زمن حتى نستوعب هذا الذى كشفه الرب لنا عن ذاته.

ثم يوسع الله عقولنا وقلوبنا لنعرف أكثر، على قدر ما تحتمل طبيعتنا البشرية. ومع كل ذلك تبقى طبيعتنا محدودة، تحاول الأقتراب من الله غير المحدود، لتعرف وتبتهج بالمعرفة..

حقاً متى نصير من العارفين بالله؟!.. يقول الكتاب "هذه هى الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك.." (يو17: 3).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

هنا وأقول: إن المتعة فى الأبدية ستكون فى نمو مستمر، وتعدد...

لأنه لو وقف نمو متعتنا، أو تنوعها، قد تتحول مشاعرنا إلى روتين أو إلى جمود.. ولكن مخازن الله مملوءة خيرات، ومنابعه لا تنضب.. وكل متعة سوف نتمتع بها ستكون فى الأبدية مثل نقطة فى محيط..

يكفى الشبع الروحى، والشبع بالله نفسه، هذا الذى سنكون فى دوام الشوق والحرقة إليه. وكما قال السيد المسيح له المجد "طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يُشبعون" (مت 5: 6). ومهما أشبعنا لله، سيبقى شوقنا إليه قائماً.. إلى متى؟ إنها الأبدية...

إن كانت الأبدية هكذا، فما هو استعدادنا لها؟

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ليتنا نضع القيامة الأبدية أمامنا فى كل حين، ونعمل لملاقاتها.

نعمل بالإيمان بالله، وبنقاوة القلب، وبنمو محبتنا لله، وصفاء معاملاتنا مع الناس. ونعمل للأبدية بعمل الخير كل حين، على قدر ما نستطيع من قوة، وعلى قدر ما ننال من النعمة.

لئلا مع وجود الأبدية والنعيم الأبدى، يوجد إنسان محروماً منهما...

آباؤنا الذين التصقت قلوبهم بالأبدية، حسبوا أنفسهم غرباء على الأرض (عب11: 13)، مشتاقين بأستمرار إلى السماء، يعملون من أجل استحقاق الوجود فى عشرة الله والملائكة والقديسين.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

أرجو لكم يا أخوتى جميعاً حياة سعيدة على الأرض، وعملاً دائماً من أجل الأبدية..

وليتنا ننتهز هذه الفرصة لنصلى من أجل عالمنا أن يسوده السلام وتسوده معرفة الله. فى كل مكان..

إلهنا الصالح قادر أن يتولى بعنايته هذا العالم المضطرب، ويمنح معونة وحكمة من عنده... وكل عام وأنتم بخير.



أضف تعليق

القيامَة تَتْبعُهَا الدَينونَة وَسَاعة الحسَاب وَالثواب وَ العقاب

القيامة تعزية ورَمز

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات