الأَصْحَاحُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ – إنجيل متى – مارمرقس مصر الجديدة

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 47- تفسير إنجيل متى – كهنة و خدام كنيسة مارمرقس مصر الجديدة.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأَصْحَاحُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ

الفصـح العشـاء الرّبّانى القبض على المسيح ومحاكمته.

  1. الفصح والصليب (ع 1 - 2):

الأعداد 1-2

ع1 - 2:

1 - ولما أكمل يسوع هذه الأقوال كلها قال لتلاميذه: 2 - "تعلمون إنه بعد يومين يكون الفصح، وابن الإنسان يُسَلَّمُ ليصلب.".

"هذه الأقوال": وهى حـديثه وإجابته عـلى تلاميـذه عند جبـل الزيتون، حيث أعـلن علامات خـراب أورشـليم ونهاية العالم. ثم كلامه عن الاسـتعداد والأمانة وعمـل الرحمـة، وهو المذكور فى ص 24 و25.

"بعد يومين": لأن هذا الكلام كان فى يوم الثلاثاء ليلا، أى ليلة الأربعاء، فبعد يومين، أى يوم الجمعة، عيد الفصح.

"الفصح": معناه عبور، وهو أعظم أعياد اليهود، بدأ فى مصر عندما ذبح كل رب أسرة خروف ولطّخ بابه بالدم، فعبر الملاك المهلك عنهم وقتل أبكار المصريين، فسمحوا لهم بالخروج من مصر وتحرروا من عبوديتهم (خر 12).

بعد أن أعد المسيح قلوب تلاميذه لقبول آلامه وموته من أجلهم، ثم قيامته ليقيمهم من خطاياهم، وبعد أن دخل أورشليم وتحدث عن الاستعداد للأبدية، ينبههم إلى اقتراب الفصح بعد يومين بالتحديد. وذبْح هذا الخروف كان مرتبطا بتحررهم من عبودية مصر، ولكنه فى الحقيقة كان رمزا لموت المسيح على الصليب ليحرر العالم من عبودية الخطية، لذا قال لهم أنه قد جاء الوقت ليُصلَب ويموت من أجلهم.

ويبدو أن الأمر كان صعبا على استيعابهم، فلم يدركوا أنه سيتم فعلا بعد يومين، وكان هذا بنعمة الله، حتى يحتملوا الساعات الصعبة المقبلة.

الله يريد أن يحميك من الشر إن تمسكت به وآمنت بقوته، فلا يستطيع إبليس أن يؤذيك، بل يحوّل الله كل الضيقات لمنفعتك ونموّك الروحى.

  1. التشاور للقبض على يسوع (ع 3 - 5):

الأعداد 3-5

ع3 - 5:

3 - حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذى يدعى قَيَافَا. 4 - وتشاوروا لكى يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه. 5 - ولكنهم قالوا ليس فى العيد، لئلا يكون شغب فى الشعب.

"رؤساء الكهنة": الرئيس الحالى والرؤساء السابقين، لأن الرومان كانوا يعزلون الرئيس ويقيمون غيره، بالإضافة إلى رؤساء فرق الكهنة الأربعة وعشرين.

"الكتبة": المسئولون عن نسخ الكتب المقدسة ومعرفتها وتعليمها للشعب.

"شيوخ الشعب": الرؤساء المعتبَرين أعضاء المجمع، وهو السنهدريم (ص 5: 21 - 22).

"دار رئيس الكهنة": اجتمع مجمع السنهدريم فى دار قَيَافَا رئيس الكهنة، حتى لا يشعر الشعب بسبب اجتماعهم إذا اجتمعوا فى الهيكل.

ازداد حقد قادة اليهود الدينيين المتمثلين فى رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ المعتبَرين عندهم، لأن الجموع تبعته وتركتهم، منجذبين إلى كلامه ومعجزاته، فاجتمعوا فى دار رئيس الكهنة قَيَافَا، حتى يُعِدُّوا مؤامرة للتخلّص منه، واتفقت مشورتهم الشريرة على التحايل للقبض عليه بطريقة ماكرة، حتى لا يثيروا الشعب الذى يحبه، وقرروا أيضا ألا يكون هذا فى يوم عظيم مثل عيد الفصح، لأن تجمع الشعب قد يعطلهم عن إتمام مقاصدهم الشريرة. ولكنهم عدلوا عن فكرتهم هذه عندما أظهر لهم يهوذا الإسخريوطى استعداده لتسليمه لهم خفية، وكان هذا بسماح من الله حتى يتمَّم الفداء يوم عيد الفصح، لأنه كان رمزا له، ولكيما يشاهد ذلك الجموع الكثيرة المحتشدة من اليهود فى هذا العيد، والتى كانت تصل إلى ثلاثة ملايين، ليُنشَر خبر موت المسيح وقيامته، أى بشرى الخلاص.

إنك بخطاياك تسـىء إلى المسيح وتسبب القبض عليه وصلبه، والكنيسة تذكـرك بهـذا فى صوم يوم الأربعاء من كل أسبوع، حتى تتوب وترفض الاشتراك مع هؤلاء الأشرار فى القبض على يسوع.

(3) ساكبة الطيب (ع 6 - 13):

6 - وفيما كان يسوع فى بيت عَنْيَا، فى بيت سِمعان الأبرص. 7 - تقدمت إليه امرأة معها قارورة طيب كثير الثمن، فسكبته على رأسه وهو متكئ. 8 - فلما رأى تلاميذه ذلك اغتاظوا، قائلين: "لماذا هـذا الإتلاف؟ 9 - لأنه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير، وَيُعْطَى للفقـراء." 10 - فعلم يسوع وقال لهم: "لماذا تزعجون المـرأة؟ فإنها قد عملت بى عملا حسـنا. 11 - لأن الفقراء معكم فى كل حين، وأما أنا فلست معكم فى كل حين. 12 - فإنها، إذ سـكبت هذا الطيب على جسدى، إنما فعلت ذلك لأجل تكفينى. 13 - الحق أقول لكم، حيثما يُكْرَزْ بهذا الإنجيل فى كل العالم، يُخْبَرْ أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها.".

الأعداد 6-7

ع6 - 7:

جاء المسيح إلى بيت عَنْيَا (ص 21: 17) للمرة الأخيرة فى حياته على الأرض، ودخل بيت رجل يسمى سِمعان، كان مشهورا بـ "الأبرص"، لعل المسيح كان قد شفاه من بَرَصِهِ، فاهتم بطلب زيارته له فى بيته.

وجاءت امرأة تحب المسيح، وتريد التعبير عن حبها له، فاشترت زجاجة عطر غالى الثمن، وسكبته على رأسه، وهذه المرأة هى مريم أخت لعازر، كما ذكر يوحنا البشير (12: 3)، لأنها عُرفت بمحبتها للمسيح، وتسكن فى نفس القرية، وكانت حريصة على سماع كلامه. ولم يذكر متى ومرقس البشيران اسمها خوفا عليها من اضطهاد اليهود، أما يوحنا فقد كتب إنجيله بعد خراب أورشليم بزمن طويل، ولم يعد هناك خوف منهم.

أرادت هذه المرأة أن تعبّر عن حبها للمسيح، فهى تمثّل الكنيسة الشاكرة لمسيحها على عطاياه ومعجزاته ورعايته لها. وهى تعلن عن وجود مؤمنين قليلين امتلأت قلوبهم بالحب وسط أشرار كثيرين سينادون بعد أيام بصلبه.

"قارورة طيب": إناء صغير ثمين توضع فيه الأطياب الغالية، له رقبة طويلة تُسَدُّ فوهتها بمادة ثابتة، فلا يمكن فتحه إلا بكسر هذه الرقبة.

"على رأسه": كانت العادة سكب الطيب على الرأس إكراما للشخصيات المحبوبة وذات المقام الكبير، وقد ذكر مرقس أيضا ذلك (14: 3). أما يوحنا فقد ذكر أنها سكبته على قدميه دليلا على اتضاعها (ويُفهم ضمنا أنها سكبت جزءا منه على رأسه كالعادة المتبعة).

"متكئ": كانت العادة فى الولائم الجلوس على سرير وليس كرسى، والاستناد بالذراع الأيسر على المائدة، أما الرِّجلان فتمتدان على السرير وتتجه القدمان إلى الخلف، ويأكل بيده اليمنى وهو متكئ برأسه على يده اليسرى، وهذا يمكِّن مريم من الوصول إلى رأسه بسهولة.

وقد ذكر مرقس مثل متى هذه الحادثة دون الاهتمام بالترتيب الزمنى للأحداث، أما يوحنا فذكرها فى وقتها وهو قبل الفصح بستة أيام (12: 1)، أى قبل دخول المسيح أسبوع آلامه لخلاص البشرية التى ظهرت محبتها له فى شخص مريم، قبل احتمال الآلام من الجموع فى أورشليم. أما متى ومرقس فذكرا الحادثة قبل الفصح بيومين، حين تشاور يهوذا الإسخريوطى على تسليم المسيح لليهود، ليعلنا أنه إن كان التلميذ قد خان، فيوجد من البشر من يحب المسيح مثل مريم.

وهذه الحادثة مختلفة عن حادثة سكب المرأة الخاطئة للطيب أثناء كرازة المسيح فى الجليل، والتى تمت فى بيت شخص فرّيسىّ يدعى سِمعان أيضا، وذكرها القديس لوقا فى (7: 37 - 38).

انتهز اليوم فرصـة لتقدم محبتك للمسيح فى صـلوات وتسابيح، فقد تكون هذه آخر فرصـة فى حياتك.

الأعداد 8-9

ع8 - 9:

رأى التلاميـذ وكل المجتمعين فى بيت سِـمعان هذا الحب العظيم المقـدم للمسيح، وبدلا من أن يشعروا بتقصيرهم فى تقديم المحبة له مثل مريم، أخذوا يلومونها. والحقيقة أن الذى أعلن هـذا اللوم هو يهوذا الإسخريوطى وليس التلاميذ، لأن الصندوق كان معه وكان سارقا له (يو 12: 4 - 6)، وأثار بكلامه باقى التلاميذ وكذا المجتمعين فى البيت، فاعتبروا محبتها عدم حكمة، بل إتلاف، إذ الأجدر فى نظرهم أنه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير، وَيُعْطَى (ثمنه) للفقراء، وليس سكبه على المسيح.

وهكذا يغطون تقصيرهم فى تقديم المحبة بحجج تبدو منطقية، وهى الاهتمام بالفقراء، مع أن الغرض شرير، لأن يهوذا كان يريد أن يوضع المال فى الصندوق ليسرق منه جزءا كبيرا.

"كثير": يذكر مرقس (14: 5) ويوحنا (12: 5) الثمن، وهو يقدر بثلاثمائة دينارا، وهو مبلغ كبير جدا.

لا تلم من يقضون وقتا طويلا فى الصلاة، أو زيارة الأماكن المقدسة، أو فى قضاء خلوات روحية، بل على العكس، اقتدِ بهم، فهى رسالة لك حتى تقدم محبة مثلهم لله.

الأعداد 10-11

ع10 - 11:

صمتت مريم، ولكن المسيح دافع عنها مؤكدا عظمة محبتها، ولم يرفض تقديم المحبة للفقراء كما علّمهم فى الأصحاح السابق، ولكن الفقراء موجودون دائما، أما هو، فقد أوشكت أيامه على الأرض أن تنتهى.

ونلاحظ رقة مشاعر المسيح، أنه، رغم علمه بشر يهوذا، وأن الدافع لكلامه هو محبة المال وليس محبة الفقراء، لم يلمه أو يعاتب الحاضرين، بل مدح مريم، وأيدهم فى تقديم المحبة للفقراء طوال عمرهم. وترك فرصة ليهوذا حتى يتوب ويخجل من شره الدفين، ولكنه، للأسف، لم يبالِ، وصمم على خيانة المسيح وبيعه لليهود.

العدد 12

ع12:

ثم أضاف مدحا ثانيا للمرأة، وهو أن حبها هذا طيب مسكوب على جسده الذى سـيموت على الصليب، فهو بمثابة عطـور لتكفين الجسد، مؤكـدا أهمية تقديم المحبة. وكانت العادة عند اليهود وضع الأطياب على أجساد المنتقلين، تكريما لهم، وما زالت هذه العادة عند شعوب كثيرة.

العدد 13

ع13:

يضيف المسيح أن هذا الحب العظيم سيُكتب فى الإنجيل الذى يُبَشَّرُ به العالم كله، تعليما لكل أولاده عن أهمية تقديم الحب الخالص له كشكر وتجاوب مع محبته؛ وهذا يُظهر ألوهية المسيح الذى علم أن الإنجيل سينتشر فى العالم كله، وستُكتب فيه هذه الحادثة.

ثق أن محبتك التى تقدمها للمسيح ستٌعلَن أمام كل البشرية فى يوم الدينونة، وتظل معلنة إلى الأبد. فليكن هذا مشجعا على تقديم العبادة المستمرة لله، وصنع الرحمة مع كل محتاج مهما كلفك هذا من جهد ومال.

  1. خيانة يهوذا (ع 14 - 16):

الأعداد 14-16

(ع 14 - 16):

14 - حينئذ ذهب واحد من الاثنى عشر، الذى يدعى يهوذا الإسخريوطى، إلى رؤساء الكهنة. 15 - وقال: "ماذا تريدون أن تعطونى، وأنا أسلمه إليكم؟" فجعلوا له ثلاثين من الفضة. 16 - ومن ذلك الوقت، كان يطلب فرصة ليسلمه.

"رؤساء الكهنة": لعله مجمع السنهدريم المجتمع فى بيت رئيس الكهنة (ع3).

"ثلاثين من الفضة": أى ثلاثين شاقل فضة (تساوى 360 جراما)، وهو ثمن بخس لا وجه لمقارنته بما قدمته مريم فى الطيب المسكوب على رأس المسيح. وكان هذا المبلغ هو ثمن بيع العبد!!

كان يهـوذا الإسخريوطى حامـلا لصندوق المال الذى يُنفق منـه على احتياجات المسيح وتلاميذه، وكان بعض المحبين يضعون تقدماتهم فيه، ولكنه للأسف كان سارقا للصندوق، أى كان محبا للمال، ولم تجذبه محبة المسيح وكل التعاليم والمعجزات التى شاهدها. وعندما خابت آماله فى أن يصير المسيح ملكا أرضيا، ويملك هو معه ويحقق أطماعه المادية، باع أغلى شخصية أمامه، وهى المسيح، ليقتنى المال الذى صار عبدا له، وانتهز فرصة شر رؤساء اليهود ومحاولتهم التخلص منه، فذهب إليهم معلنا استعداده أن يسلمه لهم مقابل مقدار من المال، ففرحوا جدا، إذ يستطيعون بهذا القبض عليه بحيلة، ولا يحدث شغب فى الشعب. فعرضوا عليه ثمنا ضئيلا جدا، وهو ثلاثين من الفضة، فقبله لأنه محب للمال، فهو أغلى شىء فى نظره.

عجيب أن المرأة تحب المسيح وتسكب الطيب عليه، أما التلميذ فيتذمر، بل يتطاول ويبيعه بثمن عبد!! فلا تنزعج إذا خانك إنسان، فقد فعلوا هكذا بسيدك يسوع المسيح. فاحتمل من أجله، وهو يسندك ويعوضك، وصَلِّ لأجل الخائن لعله يتوب.

(5) تقديم الفصح (ع 17 - 25):

17 - وفى أول أيام الفطير، تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين له: "أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح؟" 18 - فقال: "اذهبوا إلى المدينة، إلى فلان وقولوا له، المعلم يقول إن وقتى قريب، عندك أصنع الفصح مع تلاميذى." 19 - ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع، وأعدوا الفصح. 20 - ولما كان المساء، اتكأ مع الاثنى عشر. 21 - وفيما هم يأكلون قال: "الحق أقول لكم، إن واحدا منكم يسلمنى." 22 - فحزنوا جدا، وابتدأ كل واحد منهم يقول له: "هل أنا هو يا رب؟" 23 - فأجاب وقال: "الذى يغمس يده معى فى الصَّحْفَةِ هو يسلمنى. 24 - إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن، ويـل لذلك الرجـل الذى به يُسَلَّمُ ابن الإنسان، كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد." 25 - فأجاب يهوذا مسلمه وقال: "هل أنا هو يا سيدى؟" قال له: "أنت قلت.".

الأعداد 17-19

ع17 - 19:

"أول أيام الفطير": "أول" حسب الترجمة اليونانية "بروتو" أى قبل، وهى نفس الكلمة المذكورة فى (يو 1: 15)، عندما تكلم يوحنا المعمدان عن المسيح أنه كان قبله. ومعنى هذا أن المسيح عمل الفصح قبل الفصح اليهودى بيوم، والذى يسمى "عيد الفصح" أو "عيد الفطير"، لأنه يؤكل مع الفصـح فطـير بحسب الشـريعة (خر 12: 8 و11). وفى نفس وقـت تقـديم اليهود فصحهم، كان المسيح يُصلب، لأنه هو الفصح الحقيقى المرموز إليه بالخروف المذبوح الذى يقدمه اليهود.

اقترب عيد الفصح، وكان كل يهودى يعمل الفصح داخل بيته مع أسرته. ولكن، واضح من سؤال التلاميذ للمسيح عن المكان الذى يختاره ليعمل الفصح فيه، أنه لم يكن له بيت خاص.

وقدم المسيح مفهوما جديدا للأسرة، ليس فقط المرتبطة جسديا، ولكن المرتبطة روحيا. فاجتمع الاثنا عشر ومعهم المسيح، رب الأسرة، أو رأس الجسد الذى هو الكنيسة. فقد أرسلهم إلى شخص معيّن، يقول التقليد إنه مرقس الرسول، حيث عمل الفصح فى بيته، فأعد أهل البيت الفصح مع التلاميذ بحسب الشريعة اليهودية، وهو رمز للمسيح المصلوب الذى سيقدم نفسه عن العالم كله فى اليوم التالى، أى الجمعة العظيمة.

"وقتى قريب": أى اقترب من وقت آلامه وصلبه الذى سيتم بعد يوم.

"أعدوا الفصح": الخروف المذبوح والأعشاب المرة، والأطباق وكؤوس الخمر... إلخ مما يلزم الفصح حسب الشريعة.

الأعداد 20-21

ع20 - 21:

"المساء": من الساعة الثالثة إلى الخامسة مساءً، وهو ميعاد أكل الفصح حسب الشريعة (خر 12: 6).

فيما كان المسيح يأكل الفصح مع تلاميذه، وبينهم يهوذا الإسخريوطى الخائن الذى سيسلمه لليهود، كان يسوع يحمل قلب الأب نحوه، مهتما بخلاصه، وبرفق قال لتلاميذه أن أحدهم سيسلمه لليهود، ولم يذكر اسمه لعل قلبه ينخسه ويتوب.

وقد حدثت يوم الخميس مجموعة أحداث، وهى:

(1) إعداد الفصح.

(2) خلاف بين التلاميذ حول من هو الأعظم فيهم (لو 22: 24).

(3) أكل الفصح.

(4) غسل أرجل التلاميذ أثناء أكل الفصح.

(5) إعلان المسيح أن أحد تلاميذه سيسلمه.

(6) العشاء الربانى وتأسيس سر الأفخارستيا.

(7) المسيح يخبر تلاميذه أنهم سيتركوه وبطرس سينكره.

(8) خطاب المسيح الوداعى وصلاته المذكوران فى (يو 14 – 17).

(9) الترنم والخروج من المدينة.

(10) صلاة المسيح فى جَثْسَيْمَانِى.

(11) القبض على المسيح.

إن الله يرسل لك تنبيهات ورسائل كثيرة برفق، لعلك تتوب. فلا تهمل محبته الرقيقة، فتخسر حياتك بعيدا عنه مثل يهوذا.

الأعداد 22-23

ع22 - 23:

تأثر التلاميذ بخبر أن أحدهم سيخونه، وحتى لا يتركهم المسيح يتشككون فى أنفسهم، أعطى علامة لمن سيسلمه، وحتى ينبّه يهوذا مرة ثانية لعله يتوب. وكانت العلامة أن يمد الخائن يده فى الصَّحْفَةِ التى يأكل فيها المسيح ويأكل منها. ولكن، للأسف، لم ينتبه يهوذا وأكل من الطبق. ومن حزن التلاميذ، لم ينتبهوا لهذه العلامة، فلم يكلموا يهوذا.

وكان من عادة اليهود أن رئيس المتكأ يقدم اللقمة للشخص العظيم الجالس على المائدة، فهكذا كانت العلامة إكراما ومحبة ليهوذا مقدمة من المسيح، لعلها تخجله وتنخس قلبه فيتوب عن شره، فقد مد يهوذا يده فى طبق المسيح، فمد المسيح يده وأعطاه اللقمة.

وواضح أن اللقمة من طعام الفصح، وبعدها خرج يهوذا ولم يأكل من العشاء الربانى.

العدد 24

ع24:

نبّه المسيح يهوذا للمرة الثالثة، معلنا الويل لهذا الخائن، فعذابه الأبدى سيكون شديدا، بل يا ليته لم يولد، حتى لا يصنع هذه الخيانة العظيمة. وقد أوضح المسيح أنه ينبغى أن يسَلّم لليهود ويمـوت بإرادته بواسـطة أحـد أحبائه الذى يخونه (مز 41: 9)، حتى يطمئن تلاميذه أنه يفعل هذا لخلاصهم وخلاص البشرية كلها، ولكنه هنا فقط ينبّه يهوذا ويعطيه فرصة للتوبة ومراجعة نفسه.

العدد 25

ع25:

تجاسر يهوذا (ليس عن توبة بل عن رياء) وسـأل المسيح: "هل أنا هو (الذى يسلمك) يا سيدى؟" فـرد عليه المسيح، كتنبيه رابـع له: "أنت قلت." وهو تعبير يهودى معناه الموافقـة. ولم ينتبه يهوذا، لأن محبـة المـال كانت قد أعمت عينيه، وكذا لم ينتبه ويفهم التلاميذ، لدهشتهم أن يكون أحدهم هو مسلّمه، ولانغماسهم فى الحزن على ما سيتم لمعلمهم.

أسرع اليوم للتوبة والاعتراف ما دام لك فرصة، قبل أن يأتى يوم تفقد فيه إحساسك بالتوبة مهما كانت التحذيرات الإلهية لك.

(6) سر الشكر (ع 26 - 30):

26 - وفيما هم يأكلون، أخذ يسوع الخبز، وبارك وكَسَّرَ، وأعطى التلاميذ، وقال: "خـذوا، كلوا، هـذا هـو جسـدى." 27 - وأخـذ الكأس، وشكر، وأعطاهم قائلا: "اشربوا منها كلكم. 28 - لأن هـذا هـو دمى الذى للعهد الجديد، الذى يسـفك من أجـل كثيرين لمغفـرة الخطايا. 29 - وأقول لكم، إنى من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا، إلى ذلك اليوم، حينما أشربه معكم جديدا فى ملكوت أبى." 30 - ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون.

الأعداد 26-28

ع26 - 28:

بعد أن انتهى المسيح من أكل الفصح مع تلاميذه، أسس سر الشكر، أى أعطاهم جسده ودمه الأقدسين، فأخذ خبزا وباركه وحوّله إلى جسده، وأعطاهم ليأكلوا، معلنا أن هذا هو جسده الحقيقى. وكذلك الكأس أيضا، حوّل الخمر التى فيها إلى دمه، معلنا أنه سيُسفَك من أجل البشرية كلها على الصليب.

وهكذا أعطى كنيسته أعظم الأسرار، وهو سر التناول، لنتحد به على مر الأزمنة، فلا نرى فقط المسيح كما رآه أهـل زمانه، بل نلمسه ويدخـل فينا، ويتحـد بنا فيحيـا فينا ونحن فيه، ونتحد أيضا مع بعضنا البعض بتناول كل واحد من جسده ودمه، فنصير كلنا أعضاء فى جسده الذى هو الكنيسة.

"فيما هم يأكلون": أى بعد انتهائهم من أكل الفصح مباشرة، أسس سر الأفخارستيا (الشكر)، لأن الفصح رمز له.

"الخبز": وهو خبز مختمر، لأننا قبل الفصح بيوم. ولذا فالكنيسة تقدم على المذبح خبزا مختمرا وليس فطـيرا، لأن المسيح حمـل خطايانا التى يشـير إليها الخمـير، ومـات عـلى الصليب، فمحا عنا كل عقاب.

"التلاميذ": يمثلون كنيسة العهد الجديد كلها، ولذا ففى طقس القداس، يقسم الكاهن جسد المسيح إلى 12 جزءا يمثلون الاثنى عشر تلميذا حول الجزء الأوسط المسمى الجزء السيدى، أى الأسباديكون، أى المسيح وسط شعبه، أو المسيح رأس الكنيسة.

"دمى": الذى ترمز إليه دماء الحيوانات فى العهد القديم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عب 9: 22).

"العهد الجديد": كان الدم يستخدم قديما لتثبيت العهود بسفك دم الحيوانات، كما حدث مع إبراهيم (تك 15: 9 - 19).

"كثيرين": إعلان أن فداء المسيح للعالم كله، وكل من يؤمن به ويتناول من هذا الدم، ينال الخلاص من خطاياه.

"مغفرة الخطايا": تأكيد أن سر الشكر يغفر الخطايا، مشتركا بهذا مع سر التوبة والاعتراف.

العدد 29

ع29:

يعلن المسيح حقيقة جديدة لتلاميذه ولكل المؤمنين به، وهو أنه لن يعمل سر الشكر ثانية على الأرض، أى لن يحوّل نتاج الكرمة، وهو الخمر، إلى دمه، حتى يشربه مع أولاده فى الملكوت الأبدى، ولكن بشكل جديد يناسب وجودهم فى الروح، أى يمتد حبنا واتحادنا ونمونا فى معرفة المسيح بالملكوت الأبدى، ليس بتناول خبز وخمر يتحولان إلى جسده ودمه، ولكن نتحد به بطريقة روحية تناسب حالتنا الروحية فى السماء.

"اليوم": يوم اجتماعى معكم فى الملكوت الأبدى.

العدد 30

ع30:

"سبحوا": كان اليهود معتادين أن يسبحوا بالمزمورين 115 و116 فى نهاية أكلهم الفصح. وبعد تسبيحهم، حدثهم المسيح حديثا طويلا، ثم صلى صلاته الشفاعية (يو 14 - 17).

قدموا صلوات وتسابيح تليق بسر الشكر، كما يحدث فى القداس الإلهى أثناء توزيع الأسرار المقدسة، وخرج معهم إلى جبل الزيتون المجاور لأورشليم، حيث اعتاد أن يقضى معهم فترات خلوة هادئة، وذلك ليودعهم الوداع الأخير قبل أن يموت.

لم يكتف المسيح بعظات وتوصيات لك، بل يعطيك القوة لتنفيذها، وهى جسده ودمه اللذان تتناولهما ويتحدان بك، فيعملا فيك لتنفيذ كلامه، فتصير أصعب الوصايا سهلة بقوته.

فاحرص على التناول بمداومة من الأسرار المقدسة، لأنها أكبر قوة فى العالم تحفظك من حروب إبليس وتنميك فى معرفة الله كل يوم.

(7) التلاميذ يشكّون فى المسيح (ع 31 - 35):

31 - حينئذ قال لهم يسوع: "كلكم تشكّون فىَّ فى هذه الليلة، لأنه مكتوب أنى أضرب الراعى، فتتبدد خراف الرعية. 32 - ولكن بعد قيامى، أسبقكم إلى الجليل." 33 - فأجاب بطرس وقال له: "وإن شك فيك الجميع، فأنا لا أشك أبدا." 34 - قال له يسوع: "الحق أقول لك، إنك فى هذه الليلة، قبل أن يصيح ديك، تنكرنى ثلاث مرات." 35 - قال له بطرس: "ولو اضطررت أن أموت معك، لا أنكرك." هكذا قال أيضا جميع التلاميذ.

العدد 31

ع31:

فيما كان المسيح سائرا مع تلاميذه إلى جبل الزيتون، أخبرهم بحقيقة مُرّة، وهى شكهم فيه أنه هو المسيح المخلّص، إذ كانوا ما زالوا يفكرون فيه كملك أرضى، فعندما يروه يُقبَض عليه، يشكون فيه. وهذا إتمام لنبوات العهد القديم، أن يضرب الشيطان الراعى بالقبض عليه وصلبه، فتتبدد رعيته (زك 13: 7).

ولكن، إذ ضرب الشيطان المسيح بصلبه، حوّل المسيح هذه الضربة على الشيطان فقيده بصليبه، وجمع كل أولاده ليخلّصهم ويفديهم.

"الراعى": هو المسيح.

"الرعية": هم تلاميذ المسيح.

العدد 32

ع32:

رغم الحقيقة المُرّة، وهى شك تلاميذ المسيح المقرّبين إليه فيه، فهو سيتمم خلاصهم على الصليب، ويموت، ويقوم من الأموات، ويظهر لهم فى الجليل حيث تعوّد أن يسير معهم فى الحقول من مدينة إلى أخرى. فهو يشجعهم مرة أخرى بأنه سيقوم، ولكنهم للأسف لم يستوعبوا كلامه؛ وكرر المسيح أنه سيظهر لهم فى الجليل عند ظهوره بعد قيامته للمجدلية (ص 28: 7، 10).

الله الحنون يحبك رغم ضعف إيمانك، ويشجعك بكلامه وعطاياه. فاثبت أثناء الضيقة، واثقا أنه سيسندك ويظهر فى حياتك واضحا.

الأعداد 33-34

ع33 - 34:

اندفع بطرس بعاطفة بشرية، يعلن إيمانه بالمسيح وثباته فيه مهما كانت الظروف، وحتى لو شك فيه الجميع. فأوضح له المسيح أنه، لضعفه، لن يحتمل مواجهة الموقف الصعب، وهو القبض عليه لقتله. وحينئذ، أى فى هذه الليلة، قبل أن يصيح ديك، سينكره، ليس فقط مرة واحدة، بل ثلاث مرات، تأكيدا لضعفه البشرى.

فكلام بطرس يُظهر محبته للمسيح، ولكن، فى نفس الوقت، يُظهر خطأه فى الاندفاع والكبرياء بشعوره أنه أفضل من غيره فى ثبات إيمانه.

العدد 35

ع35:

أكد بطرس تمسكه بالمسيح ولو إلى الموت، وكذلك أيضا جميع التلاميذ. ولم يجيبهم المسيح، حتى يتبيّنوا بأنفسهم مدى ضعفهم، إذ ساعة الضيقة، عند القبض عليه، هرب الكل وتركوه (ع56).

اطلب معونة الروح القدس فتسندك وقت الضيقة حتى تتمسك بإيمانك، فصعب عليك أن تواجه الضيقة وحدك.

(8) الصلاة فى جَثْسَيْمَانِى (ع 36 - 46):

36 - حينئذ، جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جَثْسَيْمَانِى، فقال للتلاميذ: "اجلسوا ههنا، حتى أمضى وأصَلّى هناك." 37 - ثم أخذ معه بطرس وابنى زَبَْدِى، وابتدأ يحزن ويكتئب. 38 - فقال لهم: "نفسى حزينة جدا حتى الموت، اُمكثوا ههنا واسهروا معى." 39 - ثم تقدم قليلا، وَخَرَّ على وجهه، وكان يصَلّى قائلا: "يا أبتـاه، إن أمكن، فَلْتَعْبُرْ عنى هذه الكأس. ولكن، ليس كما أريـد أنا، بل كما تريد أنت." 40 - ثم جاء إلى التلاميذ، فوجدهم نياما، فقال لبطرس: "أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة؟ 41 - اسهروا وصَلّوا لئلا تدخلوا فى تجربة. أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف." 42 - فمضى أيضا ثانية، وصَلّى قائلا: "يا أبتاه، إن لم يمكن أن تَعْبُرَ عنى هذه الكأس إلا أن أشـربها، فلتكن مشيئتك." 43 - ثم جـاء فوجـدهم أيضـا نياما، إذ كانت أعينهم ثقيلة. 44 - فتركهم، ومضى أيضا وصَلّى ثالثة، قائلا ذلك الكلام بعينه. 45 - ثم جاء إلى تلاميذه، وقال لهم: "نامـوا الآن واسـتريحوا، هوذا الساعة قد اقتربت، وابن الإنسان يسلم إلى أيـدى الخطـاة. 46 - قوموا ننطلق، هوذا الذى يسلمنى قد اقترب.".

الأعداد 36-38

ع36 - 38:

"ضيعة": حقل أو مكان فيه زراعات، ويبدو أن صاحبها كان يعرف المسيح، فاعتاد أن يذهب هناك مع تلاميذه.

"ههنا": غالبا عند مدخل البستان.

"تلاميذه": يقصد الثمانية تلاميذ، لأن يهوذا قد تركهم. والثلاثة، أى بطرس ويعقوب ويوحنا، سيدخلون معه فى البستان.

"حتى الموت": شـدة الحـزن يمكن أن تؤدى إلى الموت، فهو يعبّر عن صعوبـة الأحـزان التى يشعر بها.

وصل المسيح مع تلاميذه إلى جبل الزيتون فى بستان، يبدو أنه قد تعوّد أن يختلى معهم فيه، ويسمى بستان جَثْسَيْمَانِى، ومعناه "معصرة الزيت"، وهو قريب من أورشليم، وترك تلاميذه ليختلوا أو يصلّوا، وتقدم معه الثلاثة المقربون، بطرس ويعقوب ويوحنا ابنى زَبَْدِى، ليصلّوا على انفراد، فقد كان لهؤلاء الثلاثة قامة روحية، فيستطيع أن يكشف لهم ما فى نفسه، فقال لهم: "نفسى حزينة جدا حتى الموت.".

وهذا الحزن كان لأنه، البار، سـيحمل خطايا العالم كله، فكيف يتفق البر مع الخطيـة؟! كم هو مؤلـم للنفس والروح، بالإضـافة لحـزنه على اليهـود الذين سـيرفضونه، ويصلبونه، وهو يطلب خلاصهم.

وطلب من تلاميذه الثلاثة أن يصلّوا، بل يستمروا فى الصلاة بسهر ويقظة.

تأثر التلاميذ، وإن كانوا لم يفهموا بالضبط كل أبعاد هذا الحزن، لأن الروح القدس لم يكن قد حلّ عليهم بعد ليفهموا الخلاص المقدَّم لهم.

هذا يؤكد ناسوت المسيح، إذ احتاج نفسيا لأصدقائه المقرّبين، وهم التلاميذ، أن يصلّوا معه فى البستان، والثلاثة تلاميذ على وجه الخصوص يكونون أقرب إليه فى عمق البستان.

العدد 39

ع39:

بعد ذلك، ترك التلاميذ الثلاثة وتقدَّم وحده ليصلّى، وقد ابتعد عن تلاميذه حتى لا يزعجهم إذا رأوا شدة حزنه. وكان يشعر بصعوبة كأس الآلام، ليس فقط الجسدية فى الصلب والموت، بل بالأحرى النفسية عندما يتركه الجميع، والأكثر منها الروحية بحمله خطايا العالم وهو البار القدّوس. وهذا تأكيد لناسوته الذى يتألم جسديا ونفسيا، ولكى يُظهر مدى طاعته وخضوعه لإرادة اللاهوت الذى فيه، فيتحدث مع الآب قائلا لتكن لا إرادتى بل إرادتك.

"خَرَّ على وجهه": وهنـا، يعلمنـا طقس الصـلاة والمطانيات، أى السجود والتذلل أمـام الله فى الضيقات، ليسندنا بنعمته.

"أبتاه": إعلان عن أهمية الشعور بأبوة الله فى الصلاة، حتى تسندنا فى ضيقاتنا.

"الكأس": الآلام التى سيقابلها.

من حقك أن تصرخ نحو الله فى كل ضيقاتك، وتطلب ما تحتاجه، ولكن تلحقها سريعا بصلاة "لتكن مشيئتك"، فتُسلّم حياتك له، وتتركه، وهو الآب الحنون، يختار لك ما يناسبك، ويسندك فى ضيقاتك.

الأعداد 40-41

ع40 - 41:

"التلاميذ": أى الثلاثة، بطرس ويعقوب ويوحنا.

"ساعة واحدة": فترة قصيرة، وليس بالتحديد ساعة زمنية.

بعد أن صلّى وحده، عاد إلى تلاميذه الثلاثة، فوجدهم نياما من التعب والحزن، فأيقظهم ليصلّوا بعد أن عاتبهم برفق لنومهم، موجها كلامه لبطرس: "أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة؟".

وأعلن أهمية الصلاة مع اليقظة الروحية، حتى لا يسقطنا إبليس فى تجارب وخطايا. وأكّد أيضا أن الروح، إذا كان نشيطا ويهتم بالصلاة، يمكن أن يسند الجسد الضعيف المائل للكسل والراحة. فهو، برفق، يشجعهم أن أرواحهم يمكن أن تكون نشيطة، فتسند جسدهم الضعيف من التعب والحزن.

أكمل صـلواتك وقراءاتك ليلا مهما كنت مرهقا، فالله يفـرح بمحبتك مهمـا كان تركيزك فيها ضعيفا.

الأعداد 42-44

ع42 - 44:

عاد المسيح ليصلّى وحده بنفس الكلام، ورجع إلى تلاميذه فوجدهم نياما مرة ثانية. وهذا يؤكد أنهم فى ساعة الضيقة لم يستطيعوا الوقوف معه؛ وكم زاد هذا من أحزانه. ولكنه لم يكِلّ، بل ذهب للمرة الثالثة يصلّى بنفس المعنى.

ثابر فى صلواتك وعلاقتك بالله، وتمسك بمبادئك مهما تخلى عنك من حولك أو حتى قاوموك، فالمسيح يعلمك أهمية اللجاجة فى الصلاة، خاصة فى وقت الضيقات.

الأعداد 45-46

ع45 - 46:

عندما عاد إليهم، عاتبهم باستنكار للمرة الثالثة، ليس فقط الثلاثة، بل كل التلاميذ، قائلا: "ناموا الآن واستريحوا." فبدأوا ينتبهون؛ حينئذ قال لهم أن ساعة القبض عليه وبداية دخوله فى آلام الصلب قد أتت، وناداهم للاستيقاظ بسرعة، لأن يهوذا الذى سيسلمه لليهود قد اقترب مع جند الهيكل للقبض عليه.

يلاحظ: أن جند الهيكل هؤلاء كانوا من اليهود وليسوا من الرومان، فهم شعبة من الحراس عينهم الكهنة للمحافظة على نظام الهيكل، إذ لم يكن مسموحا فى الشريعة بدخول الجند الرومان للهيكل حتى لا يتنجس.

(9) القبض على المسيح (ع 47 - 56):

47 - وفيما هو يتكلم، إذا يهوذا، أحد الاثنى عشر، قد جاء ومعه جمع كثير بسيوف وَعِصِىٍّ من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. 48 - والذى أسلمه، أعطاهم علامة قائلا: "الذى أقبّله هو هو، أمسِكوه." 49 - فللوقت، تقدم إلى يسوع وقال: "السلام يا سيدى." وقبّله. 50 - فقال له يسوع: "يا صاحب، لماذا جئت؟" حينئذ، تقدموا وألقوا الأيادى على يسوع وأمسَكوه. 51 - وإذا واحد من الذين مع يسوع، مد يده واستل سيفه، وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه. 52 - فقال له يسوع: "رد سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف، بالسيف يهلِكون. 53 - أتظن أنى لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبى، فيقدم لى أكثر من اثنى عشر جيشا من الملائكة. 54 - فكيف تكمل الكتب إنه هكذا ينبغى أن يكون؟" 55 - فى تلك الساعة، قال يسوع للجموع: "كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذونى. كل يوم كنت أجلس معكم أعلم فى الهيكل، ولم تمسكونى. 56 - وأما هذا كله فقد كان، لكى تكمل كتب الأنبياء." حينئذ، تركه التلاميذ كلهم وهربوا.

الأعداد 47-49

ع47 - 49:

"أحد الاثنى عشر": إظهارا لخيانته، إذ هو من المقرّبين، فكيف يخون سيده؟!

"جمع": يشمل جند الهيكل اليهود وجند الرومان المكلفين بحراسة الهيكل من الخارج، وجند رئيس الكهنة، وبعض التابعين للكهنة الذين يقاومون المسيح.

"كثير": حضر عدد كبير لضمان القبض على المسيح، لئلا يقاوم تلاميذه ومحبوه ذلك.

"شيوخ الشعب": بعض أعضاء مجلس السنهدريم.

"قبّله": استخدم يهوذا تعبير المحبة وهو القبلة برياء، ليتمم خيانته بالقبض على المسيح.

فيما كان المسيح يوقظ تلاميذه، أقبل تلميذه يهوذا الإسخريوطى ومعه عدد كبير من الجنود مسلحين بسيوف وَعِصِىٍّ، وأعطى السلام للمسيح وقبّله، وكانت هذه هى العلامة المتفق عليها، أى القبض على من يقبّله، وذلك للتأكيد، فالمسيح معروف عند الجموع، ولكن حتى لا يخطئ رجال رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ويقبضوا على آخر يشبهه.

العدد 50

ع50:

عاتب المسيح يهوذا ونبهه، فقد يتوب، سائلا إياه: "يا صاحب، لماذا جئت؟" لعله يخجل مما يصنعه (وهو خيانة المسيح وتسليمه لليهود)، ولكنه للأسف استمر فى شره، وأمر الجمع الذين معه فقبضوا على المسيح.

لا تتهاون بفرص التوبة المتوالية التى يسمح بها الله لك، حتى لا يكون لك مصير يهوذا فى النهاية.

الأعداد 51-52

ع51 - 52:

"واحد": هو بطرس (يو 18: 10 - 11)، ولم يذكره متى خوفا عليه من اضطهاد اليهود، أما يوحنا فذكره لأنه كتب إنجيله بعد خراب أورشليم، ولم يعد هناك خوف بعد انكسار قوة اليهود.

"قطع أذنه": بطرس صياد سمك، وليس له خبرة فى استخدام السيف، فلم يستطع أن يصيب إلا أذن هذا العبد فقطعها.

"مكانه": أى غِمْدِهِ (جرابه).

اضطرب بطرس عندما رأى معلمه وحبيبه يُقبض عليه، فاندفع وأخذ سيفا، لأنه كان مع التلاميذ سيفان كما ذُكر فى (لو 22: 38). وفى محاولة للدفاع عن المسيح، قطع أذن عبد رئيس الكهنة المسمى مَلْخُسَ (يو 18: 10)، لكن المسيح أمره أن يعيد سيفه إلى غِمْدِهِ، وأعلن أن من يحيا بالعنف سيقاسى من العنف.

وقد أراد المسيح أن ينزع الشر من قلب بطرس وكل تلاميذه نحو من يعاديهم، فقد جاء ليثَبّت المحبة فى قلوب أولاده حتى نحو الأعداء، وليؤكد أن المحبة أقوى من العنف. وقد استطاع بموته، المزمع أن يتم، أن يدوس الموت، ويخلّص أولاده من خطاياهم، ويقيّد إبليس ثم يقوم منتصرا، معلنا نصرة الحب وقوته.

الأعداد 53-54

ع53 - 54:

"أتظن": بمعنى: هل تشك فى قدرتى بعد أن رأيت معجزاتى الكثيرة؟

"اثنى عشر جيشا من الملائكة": أى بدلا من الاثنى عشر تلميذا الضعفاء.

نبه المسيح بطرس وكل التلاميذ إلى قوته العظيمة، فجند السماء كلهم تحت طاعته، أى الملائكة الذين كل ملاك فيهم له قوة أكثر من جميع البشر، يستطيع أن يطلب أكثر من اثنى عشر جيشا منهم، ويقصد عددا وفيرا جدا. ولكنه، بإرادته، يسلّم نفسه ويموت ليخلّص أولاده، كما كتبت النبوات عنه فى العهد القديم، مثل (إش 53: 7).

العدد 55

ع55:

عاتب المسيح أيضا الجمع على خروجهم بالليل ومعهم سيوف وعصى للقبض عليه، كأنهم يقبضون على لص هارب، مع أنه كان معهم كل يوم يعظ فى الهيكل وسط الجموع، وذلك ليُظهر خداعهم وضعفهم، فقد أتوا للقبض عليه بعيدا عن الجموع حتى لا يقاومهم أحد؛ ولعله بهذا العتاب أراد أن يعطيهم فرصة للتوبة أيضا.

"كل يوم": أى أيام كثيرة، كان يعلّم فيها جهارا فى الهيكل.

"أجلس": أى أعلّم فى هدوء، ولا أصنع شغبا مما يفعله المجرمون.

"أعلم فى الهيكل": أى جهارا بوضوح أمام الكل، فلا يحتاج الأمر أن تأتوا ليلا كأنى هارب من العدالة.

"لم تمسكونى": لأنه ليس لديكم أية تهم علىَّ، ولخوفكم من الشعب الذى يعتبرنى معلما عظيما.

العدد 56

ع56:

أكد المسيح أن ما يفعلونه هو إتمام لنبوات الأنبياء، وعندما قبضوا عليه، خاف التلاميذ كلهم وهربوا، حتى لا يُقبَض عليهم، فقد ضاع ملجأهم وقوتهم، إذ كانوا يظنون أنه يحميهم من بطش الرومان واليهود (إش 63: 3 و5). وطبعا، ترْكهم للمسيح سبب له ألما نفسيا، لتراجعهم عن وعودهم ألا يتركوه حتى ولو إلى الموت. لكن، بمحبته، التمس لهم العذر، إذ سامحهم على ضعفهم بعد قيامته.

لا تنزعج إذا تركك الأحباء ساعة الضيقة، فالله لن يتركك. ولا تغضب منهم، بل التمس لهم العذر، وهو الضعف البشرى.

(10) المحاكمة الدينية (ع 57 - 68):

57 - والذين أمسكوا يسوع، مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة، حيث اجتمع الكتبة والشيوخ. 58 - وأما بطرس، فتبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة، فدخل إلى داخل وجلس بين الخدام لينظر النهاية. 59 - وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكى يقتلوه، 60 - فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون، لم يجدوا. ولكن، أخيرا تقدم شاهدا زور، 61 - وقالا: "هذا قال إنى أقدر أن أنقض هيكل الله، وفى ثلاثة أيام أبنيه." 62 - فقام رئيس الكهنة وقال له: "أما تجيب بشىء، ماذا يشهد به هذان عليك؟" 63 - وأما يسوع فكان ساكتا. فأجاب رئيس الكهنة وقال له: "أستحلفك بالله الحى أن تقول لنا، هل أنت المسيح ابن الله؟" 64 - قال له يسوع: "أنت قلت. وأيضا أقول لكم، من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة، وآتيا على سحاب السماء." 65 - فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه، قائلا: "قد جدّف. ما حاجتنا بعد إلى شهود، ها قد سمعتم تجديفه. 66 - ماذا ترون؟" فأجابوا وقالوا: "إنه مستوجب الموت." 67 - حينئذ بصقوا فى وجهه ولكموه، وآخرون لطموه، 68 - قائلين: "تنبأ لنا أيها المسيح، من ضربك؟".

العدد 57

ع57:

تم اقتياد يسوع إلى دار قيافا رئيس الكهنة، حيث اجتمع الكتبة والشيوخ تمهيدا لمحاكمته (اُنظر تفسير ع66).

العدد 58

ع58:

رغم ضعف التلاميذ وهروبهم، فإن محبة بطرس قد دفعته لأن يتبع الجمع الذى قبض على المسيح، ويدخل ويجلس فى الساحة الخارجية لبيت رئيس الكهنة، ليعلم ماذا يصنعون بمعلمه.

وكذلك تبعه يوحنا تلميذه الذى استطاع أن يدخل داخل البيت، إذ كانت له علاقة برئيس الكهنة (يو 18: 15)، ولكنهما، رغم محبتهما، لم يستطيعا أن يدافعا عنه لضعفهما البشرى.

الأعداد 59-61

ع59 - 61:

عجز اليهود طوال حياة المسيح أن يجدوا خطأ واحدا فيه، رغم محاولاتهم الكثيرة لاصطياده بكلمة. وفى هذه المحاكمة، كانوا مصرين أن يجدوا فيه أى خطأ، ولو بشهادة زور. فجمعوا كثيرين ليلفقوا له التهم الباطلة، ولكنهم لم يتفقوا، وظهر كذبهم أمام الحاضرين، فلم يستطيعوا الاستناد على كل الشهادات الزور.

ثم قـام فى النهاية رجـلان، يشهدان على المسيح شـهادة زور، وهى قولـه أنه يستطيع هدم هيكل سليمان ثم يبنيه فى ثلاثة أيام. وهذا لم يحدث، بل إنه قال لتلاميذه: "انقضوا هذا الهيكل، وفى ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19). وكان المسـيح يقصـد هيكل جسـده، أى أنهم يصلبونه، ويقـوم فى اليوم الثالث. ولم يستطيعا إثبات شـهادتهما، فصـار المجمع كله فى حيرة، وعجز عن اتهام المسيح.

وقد فهم الكهنة كلام المسيح أنه قاله عن جسده وليس عن الهيكل، بدليل كلامهم مع بيلاطس بعد موت المسيح، عندما قالوا: "تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي، إنى بعد ثلاثة أيام أقوم" (ص 27: 63).

"شاهدا زور": لأن عدد اثنين هو أقل عدد لاعتماد الشهادة بحسب الشريعة.

العدد 62

ع62:

احتار رئيس الكهنة، إذ لم يجد أية تهمة على المسيح، فسأله لماذا لا يجيب على الشهادة التى قدمها الشاهدان، لعله يجد فى إجابته أى خطأ يدينه عليه.

العدد 63

ع63:

"استحلفك": أى القسم بالله كما تنص الشريعة لتأكيد الكلام.

كان المسيح صامتا، ولم يرد على كل الاتهامات الباطلة، لأنه يعرف كراهيتهم ومقاومتهم له، وأنهم لا يريدون أن يعرفوا الحق.

وفى حيرة وضيق، سـأله رئيس الكهنة هل هو المسيا المنتظر، أى المسيح ابن الله؟ وللأسف، لم يكن يقصد أن يفهم، لأن النبوات التى يعرفها فى الكتب المقدسة تؤكد أنه هو، ولكنه كان يريد أن يمسك أى خطأ عليه، مثل الادعاء أنه المسيح وهو مجرد رجل عادى.

العدد 64

ع64:

رد عليه المسيح قائلا: "أنت قلت"، أى الموافقة. وقد أجاب بهذا ليُنهى حيرتهم، ويعطيهم فرصة ودليلا ليصلبوه ويقتلوه، فهو يسلّم نفسه بإرادته لأجل خلاصنا.

بل أعلن بوضوح لاهوته قائلا أنه سيجلس عن يمين العظمة الإلهية، أى فى كمال القوة والمجد الإلهى، ويظل فى مجده حتى مجيئه الثانى على سحاب السماء ليدين العالم حسبما ذكرت النبوات (مز 110: 1)، وكما أعلن بنفسه فى حديثه عن الدينونة (ص 24: 30).

"من الآن": أى بعد ساعات، سيتمم الفداء على الصليب، ويرتفع إلى مجده فى السماء.

"ابن الإنسان": أى الذى ترونه فىَّ من صورة الضعف كإنسان، سيتحوّل بعد ساعات إلى مجده السماوى، وهو الذى سيدينكم. فإن كنتم تحاكموننى الآن، فأنا سـأحاكمكم حكما أبديا فى اليوم الأخير.

العدد 65

ع65:

أخيرا وجد رئيس الكهنة سببا للحكم عليه بالموت، فمزق ثيابه تعبيرا عن ضيقه لهذا التجديف. وكان هذا التمزيق معناه نهاية الكهنوت اليهودى، ليبدأ الكهنوت المسيحى بالمسيح رئيس الكهنة الذى قدّم نفسه ذبيحة على الصليب، مخلّصا لكل المؤمنين به.

وهذا يُظهر مدى شر رئيس الكهنة، الذى لم يفحص هل هو المسيح ابن الله أم لا، بل اعتبر كلامه تجديفا، واتخذها فرصة للحكم عليه، وهيَّج المجمع لإصدار حكم الموت على المسيح.

العدد 66

ع66:

طلب رئيس الكهنة من المجمع أن يحكموا على المسيح، فأصدروا حكمهم عليه بالموت باعتباره مجدفا، والشريعة تقضى برجم المجدف، ولكنهم لم يرجموه خوفا من الشعب، بل طلبوا تأييد السلطة المدنية لحكم الموت، ونالوا ذلك عن طريق بيلاطس الذى أمر بصلبه، لأن الرومان يحكمون بالصلب على المجرمين.

وجدير بالذكر أنه قد تمت محاكمة المسيح ست مرات:

الأولى: فى بيت حَنَّانَ حما قَيَافَا ورئيس الكهنة السابق (يو 18: 19 - 24).

الثانية: المذكورة فى (ع57)، وكانت فى بيت قَيَافَا رئيس الكهنة الحالى، حيث اجتمع الكهنة والكتبة وشـيوخ الشعب، ليحاكموه ويمسكوا أخطاء عليه بحسب ناموسـهم، فتكون لهم حجة فى قتله.

وحوكم المحاكمة الثالثة فى صباح يوم الجمعة (ص 27: 1 - 2)، أمام مجمع السنهدريم، لأنه لا يصح بحسب الشريعة إصدار الحكم ليلا، فاعتمدوا حكم قَيَافَا فى صباح الجمعة (يو 18: 28).

ثم تمت محاكمته مدنيا ثلاث مرات أخرى، اثنتين أمام بيلاطس (ص 27: 2 - 24؛ مر 15: 1 - 15)، وواحدة أمام هيرودس (لو 23: 6 - 12).

الأعداد 67-68

ع67 - 68:

بدأ الاستهزاء بالمسيح وتعذيبه، فبصق جنود رؤساء الكهنة عليه ولكموه، وغطوا وجهه ثم لطموه، قائلين: "تنبـأ لنا أيها المسيح من ضربك." أى أنه يدّعى النبوة وهو رجل ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

† احتمل المسيح كل العذاب الجسدى والنفسى فى صمت من أجل محبته لنا. فتذكّر أن خطاياك هى التى سـببت لفاديـك كل هذه الإهانات، حتى ترفضها فى خـزى وخجل، فتتوب، ويغفر لك الله.

(11) إنكار بطرس (ع 69 - 75):

69 - أما بطرس، فكان جالسا خارجا فى الدار. فجاءت إليه جارية، قائلة: "وأنت كنت مع يسوع الجليلى." 70 - فأنكر قدام الجميع، قائلا: "لست أدرى ما تقولين!" 71 - ثم، إذ خرج إلى الدهليز، رأته أخرى، فقالت للذين هناك: "وهذا كان مع يسوع الناصرى." 72 - فأنكر أيضا بِقَسَمٍ: "إنى لست أعرف الرجل." 73 - وبعد قليـل، جـاء القيام وقالوا لبطرس: "حقا أنت أيضـا منهم، فإن لغتك تظهرك." 74 - فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف: "إنى لا أعرف الرجل." وللوقت صاح الديك. 75 - فتذكر بطرس كلام يسوع الذى قال له، إنك قبل أن يصيح الديك تنكرنى ثلاث مرات؛ فخرج إلى خارج وبكى بكاء مرا.

الأعداد 69-70

ع69 - 70:

فيما كان بطرس جالسا فى الساحة الخارجية لبيت رئيس الكهنة، رأته جارية فقالت للجالسين أنه من تلاميذ المسيح، وقد رأته معه وسط الجموع عندما كان يعلّم ويصنع معجزات. أما بطرس فأنكر ذلك، معلنا أنه لا يعلم شيئا عن المسيح، قائلا: "لست أدرى ما تقولين!"، وذلك ليحمى نفسه من بطشهم والقبض عليه. وقد صاح الديك هنا لأول مرة (مر 14: 68)، وكان ذلك نحو منتصف الليل، فى بداية محاكمة المسيح فى بيت قيافا، والتى استمرت حوالى ثلاث ساعات، وهذا هو الإنكار الأول.

الأعداد 71-72

ع71 - 72:

خاف بطرس وقام من مكانه، ووقف فى دهليز، أى ممر خارج البيت، فرأته جارية أخرى، لعلها سمعت كلام الجارية الأولى، وقالت للواقفين أنه من تابعى يسوع. أما بطرس فأنكر، بل أخذ يقسم أنه لا يعرفه، وهذا هو الإنكار الثانى. وقد بدأت المرارة داخل قلبه بعد سماعه صياح الديك، فهو يتمزق بين خوفه من اليهود وضيقه من نفسه لإنكاره المسيح.

العدد 73

ع73:

ثم جاءت مجموعة من الرجال الواقفين فى الساحة الخارجية، ورأوه يتكلم مع الجارية، فشهدوا أنه من تلاميذ المسيح، والدليل لغته التى ينطقها، فهى مثل أهل الجليل، فطريقة النطق تختلف من منطقة إلى أخرى.

ويُفهم من باقى الأناجيل أن كثيرين عرفوه وأعلنوا أنه من تلاميذ يسوع، أى حاصروه بالاتهامات، أما هو فرد عليهم بالإنكار.

العدد 74

ع74:

أخذ بطرس ينكر ويحلف مؤكدا أنه لا يعرفه، بل لعن المسيح لتأكيد إنكاره، حتى ينجى نفسه من أيديهم.

وبهذا، أنكر المسيح لثالث مرة. وهنا، صاح الديك صياحه الثانى، وكان ذلك فى الهزيع الثانى، أى حوالى الساعة الثالثة صباحا.

إن الخوف يُفقد الإنسان اتزانه، فيسقط بسهولة فى خطايا كثيرة... تمسّك بالله واطلب معونته، فتهرب من الخوف وكل الخطايا التابعة له.

العدد 75

ع75:

عندما صاح الديك، تذكر بطرس تنبيه المسيح له، أنه سينكره، فأفاق لنفسه، وخرج من دار رئيس الكهنة، وقد شعر بخيانته للمسيح حبيبه ومعلمه، وقدم توبة من القلب فى دموع كثيرة.

فرغم أن المسيح لم يكن قد قام من الأموات وأظهر قوته، ولكن الحب حرك بطرس، فندم لأنه جحد محبة سيده.

إن أخطأت، فالحب هو المحرك الأول لحياة التوبة. تذكر محبة الله لك وعنايته بك، وموته على الصليب عنك، وجسده المقسوم ودمه المسفوك الذى تناولته من المذبح، حتى تعود بالتوبة، ولا تتمادى فى خطاياك مهما كانت الإغراءات والدوافع المحيطة بك، فليس شىء أغلى من الحب فى العالم كله.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

تفاسير إنجيل متى - الأَصْحَاحُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ
تفاسير إنجيل متى - الأَصْحَاحُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ