الباب الأول : حَياة الأتضاع – حياة التواضع والوداعة – البابا شنودة الثالث

قصة هذا الكتاب

فكرت فى هذا الكتاب فى أواخر الخمسينات، منذ أكثر من أربعين عاماً، قبل أن أنزل إلى عمل الأسقفة. وقرأت له كل ما استطعت قراءته من كتب الآباء، وترجمت الكثير منها، وأعددت كارتات عديدة لكافة نقاط الموضوع. ثم أعلنت عنه فى الستينات بعد أن صرت أسقفاً.

الفكرة بدأت فى حياتى الرهبانية، والتفكير فى النشر كان فى حياتى الرعوية.

وواجهتنى مشكلة أساسية، وهو أن التواضع والوداعة فى المفهوم الرهبانى أصعب من احتمال العلمانيين الذين سيُنشر الكتاب بينهم...

فكيف أوفق بين المثالية فى عمقها، وبين الإمكانية العملية للناس فى التنفيذ؟!

ومع ذلك فحياة التواضع والوداعة مُطالب بها الكل. الراهب الذى مات عن العالم وعن كل ما فيه من كرامة، وكذلك الذى يعيش فى العالم، ويجاهد أن يكون له مركز، وطموح، وتدرج فى الترقى.. وفى نفس الوقت يود أن يمارس هذه الفضيلة التى اتصف بها السيد المسيح نفسه، وأوصانا أن نتعلمها منه (مت 11: 29). ودعا إليها الجموع فى أول عظته على الجبل (مت 5: 5، 3).

وظللت أتصفح أوراقى العديدة الخاصة بالموضوع، والتى ملأت حقيبة بأكملها. وأخذت أصوغ الفكر بحيث يكون مقبولاً وممكناً، مع الاحتفاظ بمثاليته. وتخليصه بقدر الإمكان من الدرجات التى لا تقوى عليها سوى الرهبنة.

وحان الوقت أن أنشر عن حياة التواضع والوداعة فى 34 مقالاً فى جريدة وطنى (من منتصف عام 2000 م).

إننا لا نستطيع أن نحجب المثالية عن الناس، وإنما نعرضها بأسلوب ممكن التنفيذ. وليأخذ كل إنسان منها حسب طاقته. حسب قامته الروحية، ودرجة نموه، وحسب مقدار ما يعطيه الله من النعمة ومن قدرة على شركة الروح القدس (2 كو 13: 14).

إنهما كتابان كنت مشتاقاً إلى إصدارهما، مهما كان اشتياق البعض إلى عكسهما: كتاب مخافة الله، وكتاب التواضع والوداعة.

كتاب (المخافة) بينما يشتاق الناس أن أحدثهم عن محبة الله أكثر من مخافته. وقد تكلمت كثيراً عن المحبة، ونشرت فيها كتاباً باعتبارها قمة الفضائل. ولكن كان لابد أن أنشر أيضاً عن مخافة الله، لأنها نقطة البدء فى الحياة الروحية، كما يقول الكتاب "بدء الحكمة مخافة الله" (أم 9: 10).

وقد كان. وصدر كتاب مخافة الله، وتقبله الناس، وأعيد طبعه...

وهأنذا أصدر لكم كتاب التواضع والوداعة اللازمين للحياة الروحية. وبدونهما لا تثبت أية فضيلة، بل تصير طعاماً للمجد الباطل.

وقد وضعته لكم فى سبعة أبواب تحدثت فيها عن أهمية التواضع، وبعض أقوال الآباء فيه. عن تواضع الله ووداعته. وعن خطورة الكبرياء التى هى أول خطية عرفها العالم، وبها سقط الشيطان والإنسان. وعن البر الذاتى، والعظمة، ومحبة المديح والكرامة.

وكل ذلك مع تداريب كثيرة عن اقتناء التواضع والوداعة، وتفاصيل صفات كل منهما، وكيفية أقتنائهما.

واترك الكتاب بين يديك، فيه العديد من التفاصيل.

وليساعدك الرب على اقتناء هاتين الفضيلتين، بنعمته وروحه القدوس.

أبريل 2001.

البابا شنودة الثالث.

الباب الأول: حَياة الأتضاع

مَاهو الاتضاع؟

مَركزه بَين الفضائل.

تطويب الأتضاع.

أمثلة عليه.

اتضاع الله.

حث عَلىَ الاتضاع.

أود أن أبدأ معكم اليوم سلسلة عن موضوع هام هو التواضع والوداعة: ما هو التواضع وما معناه؟ وماذا قال الآباء فى مدحه وتطويبه؟ بل ماذا قال الكتاب المقدس؟ وما مركز التواضع بين الفضائل؟ وما علاقته بالمواهب العليا؟ وما علاقته بالنعمة والتجاوب؟ وكيف يكون الإنسان متضعاً؟...

هذا كله وغيره، هو ما نود أن نحدثك عنه بمشيئة الله فى هذا الكتاب، لكى تدرك ما هى هذه الفضيلة الكبرى، وما تحويه داخلها من فضائل متعددة: -.

الاتضاع بين الفضائل:

الإتضاع هو الأساس الذى تبنى عليه جميع الفضائل.

وهو السور الذى يحمى جميع الفضائل وجميع المواهب.

ومن هنا يمكن أن نعتبره الفضيلة الأولى فى الحياة الروحية. الأولى من حيث ترتيب البناء الروحى، الذى نجلس فى قمته المحبة من نحو الله والناس. هو إذن نقطة البدء. ورب المجد فى العظة على الجبل، بدأ التطويبات بقوله "طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السموات" (مت 5: 3). ثم طوّب الودعاء (مت 5: 5).

+ + +.

إن كل فضيلة خالية من الإتضاع، عرضة أن يختطفها شيطان المجد الباطل، ويبددها الزهو والفخر والإعجاب بالنفس.

لذلك إذا منحتك النعمة أن تسلك حسناً فى إحدى الفضائل، اطلب من الرب أن يمنحك اتضاعاً حتى تنسى أنك سالك فى فضيلة، أو حتى تدرك أنها لا شئ إذا قورنت بفضائل القديسين... كذلك إن منحك الله موهبة من المواهب السامية، ابتهل إليه أن يعطيك معها إتضاع قلب، أو أن يأخذها منك، لئلا تقع بسببها فى الكبرياء وتهلك..

وحسناً، يعمل الله، إذ يعطى مواهبه للمتواضعين..

لأنه يعرف أنها لا تؤذيهم. وقد اختار للتجسد الإلهى فتاة متواضعة تنسحق أمام ذلك المجد العظيم.. وهكذا نظر إلى إتضاع أمته "(لو 1: 48). وهذه التى تستمر فى إتضاعها مهما كانت جميع الأجيال تطوبها (لو 1: 48). ويقول الكتاب إن الله يكشف أسراره للمتضعين، وأنه يعطيهم نعمة (يع 4: 6) (1 بط 5: 5) (أم 3: 34). هؤلاء الذين كلما زادهم اله مجداً، زادوا هم اتضاعاً وانسحاق نفس قدامه.

+ + +.

والاتضاع ليس فقط فضلة قائمة بذاتها، إنما هو أيضاً متداخل فى باقى الفضائل.

إنه كالخيط الذى يدخل فى كل حبات المسبحة.. بحيث لا يكون قيام لأية حبة منها، ما لم يدخل هذا الخيط فيها.. فكل فضيلة لا إتضاع فيها، لا تعتبر فضيلة، ولا يقبلها الله لذلك قلنا إن الإتضاع أساس لكل الفضائل. كما قلنا أيضاً إنه سور لها يحميها من المجد الباطل.

تطويب التواضع:

إن السيد المسيح الذى تتكامل فيه جميع الفضائل، حينما أراد أن يوجه تلاميذه القديسين إلى الاقتداء به، قال لهم:

"تعلموا منى فإنى وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29).

قال هذا على الرغم من أن كل فضيلة يمكننا أن نتعلمها منه.. كان يمكن أن يقول: تعلموا منى الحكمة، المحبة، الحنو، الهدوء، الخدمة، التعليم، قوة الشخصية.. فلماذا إذن ركز على التواضع والوداعة؟.. أليس من اجل الأهمية القصوى لهاتين الفضيلتين؟

وهكذا نرى التواضع بارزاً فى أقوال الآباء وفى حياتهم...

قال ماراسحق "اريد أن أتكلم عن التواضع ولكننى خائف، كمن يريد أن يتكلم عن الله. ذلك لأن التواضع هو الحلة التى لبسها اللاهوت لما ظهر بيننا.. ولهذا فإن الشياطين حينما ترى شخصاً متواضعاً، تخاف. لأنها ترى فيه صورة خالقه الذى قهرها...

حقا، ما أعجب هذا الكلام عن التواضع!

+ + +.

التواضع يستطيع أن يقهر الشياطين:

وهذا واضح جداً فى قصة أبا مقار الكبير، الذى ظهر له الشيطان وقال له: "ويلاه منك يا مقاره. أى شئ أنت تفعله، ونحن لا نفعله؟! أنت تصوم، ونحن لا نأكل. أنت تسهر، ونحن لا ننام. أنت تسكن البرارى والقفار، ونحن كذلك. ولكن شئ واحد تغلبنا". فسأله القديس عن هذا الشئ، فأجاب "بتواضعك وحده تغلبنا". وهذا واضح طبعاً. لأن الشيطان لا يستطيع أن يكون متواضعاً. فهو باستمرار متكبر وعنيد. لذلك يقدر المتواضع أن يقهره. فهو يملك التواضع الذى لم يقدر أن يملكه الشيطان.

+ + +.

وتظهر قيمة التواضع فى حياة القديس الأنبا أنطونيوس:

أبصر هذا القديس العظيم فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض كلها. فألقى نفسه أمام الله صارخاً: "يارب، من يفلت منها؟". فأتاه صوت من السماء يقول "المتضعون يفلتون منها". وهنا لعل البعض يسأل: "ولماذا المتضع بالذات هو الذى يفلت من فخاخ الشياطين؟". ونجيبه:

المتضع إذ يشعر بضعفه، يعتمد على قوة الله.

فتسنده قوة الله، وتحميه من فخاخ الشياطين.

وذلك على عكس (الحكيم) المعتمد على حكمته. وعكس (القوى) المعتمد على قوته، و(البار) الواثق ببره.. أما المتواضع المتأكد تماماً والمعترف، إنه لا قوة له ولا حكمة ولا برَ، فإن الله يسند ضعفه ويحارب عنه. وهذا هو أخشى ما يخشاه الشيطان..

+ + +.

ولذلك فإن إخراج الشياطين يحتاج قبل كل شئ إلى إتضاع. وإن كان الرب قد قال "هذا الجنس لا يخرج بشئ إلا بالصلاة والصوم" (مت 17: 21)... فذلك لأن الصلاة والصوم يظهر فيهما الإتضاع بكل وضوح. فالذى يصلى، يعترف ضمناً أنه ليست له قوة ذاتية، لذلك يطلب القوة من فوق بالصلاة. وكذلك فإن الصوم الحقيقى هو الذى ينسحق فيه الإنسان ويتذلل أمام الله بالاتضاع، ويشعر بضعفه...

+ + +.

والشياطين كانت بالإتضاع، تهرب أمام القديس أنطونيوس.

القديس أنطونيوس أبو الرهبنة كلها، عندما كان الشياطين يحاربونه بعنف، كان يرد عليهم باتضاع قائلاً: "أيها الأقوياء، ماذا تريدون منى أنا الضعيف؟ أنا عاجز عن مقاتلة أصغركم". وكان يصلى إلى الله ويقول "إنقذنى يا رب من هؤلاء الذين يظنون أننى شئ، وأنا تراب ورماد". فعندما كان الشياطين يسمعون هذه الصلاة الممتلئة إتضاعاً، كانوا ينقشعون كالدخان. حقاً لقد أتقن القديسون الإتضاع بمثل هذه الصورة العجيبة...

ولم يتضعوا فقط أمام الله والناس، بل حتى أمام الشياطين. وهزموهم باتضاعهم.

كما رأينا فى سيرة القديس الأنبا أنطونيوس، وفى سيرة القديس مقاريوس الكبير، وكما نرى فى سير باقى القديسين.

+ + +.

ولعل عظمة الاتضاع تظهر جلية. عندما نتأمل بشاعة الرذيلة المضادة له، أعنى الكبرياء والعظمة:

الكبرياء أحدرت من السماء ملاكاً بهياً، وحوَلته إلى شيطان.

حقاً، إن أول خطية عرفها العالم هى الكبرياء، التى سقط بها الشيطان. وقصة سقوطه سجلها اشعياء النبى، فى قوله الوحى الإلهى لهذا الملاك الساقط: "وأنت قلت فى قلبك أصعد إلى السموات. وأرفع كرسىّ فوق كواكب الله.. أصير مثل العلىّ. لكنك إنحدرت إلى الهاوية، إلى أسفل الجب" (إش 14: 14، 13).

+ + +.

وبنفس سقطة الكبرياء، أغوى أبوينا الأولين.

كما قال فى قلبه "أصير مثل العلىّ" هكذا قال لأبوينا الأولين "تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر" (تك 3: 5). من هنا يبدو أن الكبريا لا تكتفى مطلقاً، بل تريد أن تعلو باستمرار، مهما كانت درجتها عالية... حتى إن كان الواحد ملاكاً فى درجة الكاروب، مملوءاً حكمة وكامل الجمال (حز 28: 12، 14)، أو كان صورة الله فى شبهه (تك 1: 27، 26). يريد أيضاً أن يعلو ويرتفع. ولكنه فى هذه الكبرياء يهبط إلى أسفل حسبما قال الرب.

+ + +.

"كل من يرفع نفسه يتضع. ومن يضع نفسه يرتفع" (لو 14: 11).

الملاك لما أراد أن يرتفع، انحدر إلى الهاوية إلى أسافل الجب، وفقد مكانته كملاك، وصار شيطاناً.. والإنسان – وهو صورة الله – لما أراد أن يرتفع، فقد صورته الإلهية، وطُرد من الجنة، وعانى ما عانى.. ولعل أصعب شئ يتعرض له المتكبر، أن الله نفسه يقف ضده. لذلك ما أخطر قول الكتاب:

"يقاوم الله المستكبرين" (يع 4: 6).

فى نفس الوقت الذى أشفق فيه الله على الخطاة والعشارين، وقادهم إلى التوبة، يقول الرسول إن الله يقاوم المتسكبرين... وهؤلاء الذين يقاومهم الله، ما مصيرهم؟! فهل تريد أن تعرض نفسك إلى مقاومة الله نفسه لك؟!.. يعزينا النصف الثانى من نفس الآية، حيث يقول: "وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة".

+ + +.

ليتنا نخاف من قول الوحى الإلهى فى سفر اشعياء.

"إن لرب الجنود يوماً على كل متعظم وعال، وعلى كل مرتفع فيوضع... وعلى كل أرز لبنان العالى، وعلى كل بلوط باشان... وعلى كل الجبال العالية – وعلى كل التلال المرتفعة.. فيخفض تشامخ الإنسان، وتوضع رفعة الناس. ويسمو الرب وحده فى ذلك اليوم" (إش 2: 12 - 17).

ما هو الاتضَاع؟

بعض أقوال الآبَاء عنه..

ما هو التواضع؟

ليس التواضع أن تنزل من علوك، أو تتنازل عن مستوى غيرك.

ليس التواضع أن تشعر أنك على الرغم من عظمتك، فإنك تتصاغر أو تخفى هذه العظمة. فشعورك أنك كبير أو عظيم، فيه شئ من الكبرياء. وشعورك أنك فى علو تنزل منه، ليس من التواضع فى شئ. وشعورك بأنك تخفى عظمتك، فيه إحساس بالعظمة، إحساس بعظمة تخفيها عن الناس. ولكنها واضحة أمام عينيك...

إن الله هو وحده العالى، وهو وحده الذى يتنازل من علوه. هو الخالق. أما الباقون فهم تراب ورماد...

إنما التواضع بالحقيقة – كما قال الآباء. فهو معرفة الإنسان لنفسه.

فتعرف من أنت؟ إنك من تراب الأرض. بل التراب أقدم منك. كان قبل أن تكون. خلقه الله أولاً، ثم خلقك من تراب.

+ + +.

أتذكر أننى ناجيت هذا التراب ذات مرة، فى أبيات قلت فيها:

يا ثرى الأرض يا جدى وجدَ الناس طرا.

أنت أصلى أنت يا أقدم من آدم عمرا.

ومصيرى أنت فى القبر إذا وسُدت قبرا.

بل أنك يا أخى – إذا فكرت فى الأمر باتضاع. تجد أن هذا التراب لم يغضب الله، كما اغضبته انت بخطاياك.

+ + +.

إعرف أنك لست فقط تراباً. بل أنت أيضاً خاطئ وضعيف.

على أن تكون هذه المعرفة يقينية، بشعور حقيقى غير زائف داخل نفسك.. حتى وأنت فى عمق قوتك، تدرك أن هذه القوة ليست منك. بل هى منحة سماوية لك من الله الذى يسند ضعفك. ولو تخلت عنك نعمته لحظة واحدة، لكنت تسقط كما سبق لك أن سقطت.

+ + +.

نقل ذلك، لأن كثيرين لهم مظهرية الإتضاع، بينما قلوبهم فى الداخل ليست متضعة...

كثيرون يتحدثون بألفاظ متضعة.. وهذه الألفاظ ربما تزيدهم علواً فى نظر الناس. وهم يعرفون ذلك وربما يريدون! وقد يقول الشخص منهم إنه خاطئ وضعيف. ولكن إن قال له أحد إنه خاطئ وضعيف، يثور ويغضب. ولا يحسبه من أحبائه، بل يتغير قلبه من نحوه..!

إذن التواضع الحقيقى، هو تواضع من داخل النفس أولاً...

باقتناع قلب. لا عن تظاهر أو رياء. وليس لأن هذا هو الثوب الذى ترتديه لتبدو أمام الناس باراً. إنما لأنك تدرك تماماً عن نفسك ببراهن وأدلة عملية أنك خاطئ وضعيف بحسب خبرات حياتك من قبل.

+ + +.

ولا يقتصر الأمر على معرفتك لنفسك أنك هكذا، إنما أيضاً:

تعامل نفسك حسب ما تعرفه عنها من خطأ ونقص وضعف:

تعرف عن نفسك أنك خاطئ، وتعامل نفسك كخاطئ. وإن عاملك الناس كخاطئ تقبل ذلك، ولا تغضب ولا تتذمر، ولا ترد بالمثل، شاعراً أنك تستحق ذلك. وإن لم يعاملوك بحسب خطاياك بسبب أنهم لا يعرفونك، فعليك أن تنسحق من الداخل، وتشكر الله بقلبك على معاملة أنت لا تستحقها منهم، ولا منه لأنه سترك ولم يكشفك لهم...

+ + +.

إن كان الأمر هكذا، فالمتواضع لا يجرؤ مطلقاً على أن يمدح نفسه.

إنه لا يرى فقط انه خاطئ وضعيف، بل أنه أكثر الناس خطأ وضعفاً، على الأقل بالنسبة إلى الإمكانيات التى اتيحت له ولم يستغلها. لذلك فهو لا يرى مطلقاً أنه أفضل من أحد، وإن بدا أنه الأفضل فى نقطة معينة، فهو الأضعف فى نقاط أخرى كثيرة يعرفها عن نفسه. ولهذا فهو لا يدين أحداً.

+ + +.

بل إنه باستمرار يتخذ المتكأ الأخير، حسب وصية الرب (لو 14: 10).

وليس المقصود هو المتكأ الأخير من جهة المكان، إنما من جهة المكانة. وكما قال الشيخ الروحانى: "فى أى موضع حللت فيه، كن صغير أخوتك وخديمهم. وقيل" كن آخر المتكلمين، ولا تقطع كلمة من يتكلم لكى تتحدث أنت ".." وحاول أن تتعلم، لا أن تعلّم غيرك وتظهر معارفك ".

+ + +.

والإنسان المتضع يجب أن يعمل الفضيلة فى الخفاء.

وذلك حسبما أمر الرب (مت6). ولذلك لا يوافق الاتضاع مطلقاً، أن يتحدث أحد عما يقوم به من أعمال فاضلة، أو ما يحدث له من رفعة.

إن بولس الرسول الذى صعد إلى السماء الثالثة، وسمع كلمات لا ينُطق بها، لم يقل إن ذلك قد حدث له، إنما قال "أعرف إنسان فى المسيح يسوع.. أفى الجسد لست اعلم، أم خارج الجسد لست أعلم، الله يعلم.. أختطف هذا إلى السماء الثالثة.. أختطف إلى الفردوس. وسمع كلمات لا يُنطق بها" (2 كو 12: 2 - 4).

إن الفضيلة فى المتضع، مثل كنز مخفى فى حقل.

وما أكثر القصص التى يحكيها لنا تاريخ القديسين عن أولئك المتواضعين الذين أخفوا فضائلهم، وأخفوا معرفتهم، بل أخفوا ذواتهم أيضاً. وعاشوا مجهولين من الناس، ويكفى أنهم كانوا معروفين عند الله. وكان ينطبق عليهم قول الرب فى سفر النشيد "اختى العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم" (نش 4: 12)... كالقديسة العذراء مريم: كانت كنزاً للرؤى والاستعلانات. ومع ذلك ظلت صامتة "تحفظ كل تكل الأمور، متأملة بها فى قلبها" (لو 2: 51).

تطويب الآباء والقديسين للتواضع

بعض أقوال الآباء:

* لما سئل القديس مقاريوس "أى الفضائل أعظم؟" أجاب "كما أن التكبر أسقط ملاكاً من علوه وأسقط الإنسان الأول، كذلك الإتضاع يرفع صاحبه من الأعماق". أليس المقيم المسكين من التراب ليجلس رؤساء شعبه "(مز113)" أنزل الأعزاء عن الكراسى ورفع المتضعين "(لو 1: 52).

* قال القديس أغسطينوس: المتواضعون كالصخرة، تنزل إلى أسفل، ولكنها ثابتة وراسخة.. أما المتكبرون فإنهم كالدخان يعلو إلى فوق ويتسع. وفيما هو يعلو ويتسع، يضمحل ويتبدد...

+ + +.

* وقد قدّم القديسون مثالاً أخر عن التواضع والكبرياء، فقالوا:

إن غصن الشجرة المحمل بالثمار، يكون منحنياً من ثقل ما يحمل. أما الغصن الفارغ فيكون مرتفعاً!

وهناك تشبيه آخر وهو الأساس والبناء: فالأساس يعمل فى إختفاء، وهو غير ظاهر، تحت الأرض لا يراه أحد. ولكنه يحمل البناء كله فى إنكار ذات.. وفى نفس الوقت يقدّم البناء فى الكرامة. فيمدح الناس البناء لأنه ظاهر أمامهم. ويندر أن يفكر أحد فى مدح الأساس المخفى.

+ + +.

* قال الأنبا موسى: تواضع القلب يتقدم الفضال كلها. كما أن الكبرياء أساس الشرور كلها.

+ + +.

* وقال مار اسحق: الذى يعرف خطاياه، خير له من نفعه الخليقة كلها بمنظره والذى يتنهد كل يوم على نفسه بسبب خطاياه، خير من أن يقيم الموتى.. والذى استحق يبصر خطاياه، خير له من أن يبصر الملائكة.

+ + +.

* وقال أحد القديسين: تشبه بالعشار لئلا تُدان مع الفريسى.

وقال قديس آخر: إنى أفضل أن اكون مهزوماً باتضاع، على أن أكون منتصراً بافتخار.

* وفى إحدى المرات قال أخ للقديس تيموثاوس "إنى أرى فكرى مع الله دائماً". فأجابه: الأفضل من ذلك ان ترى نفسك تحت كل الخليقة.

+ + +.

* قال شيخ: الإتضاع خلّص كثيرين بلا تعب. وتعب الإنسان بدون إتضاع يذهب باطلاً. لأن كثيرين تعبوا فاستكبروا وهلكوا.

* وقال آخر: إن نزل الإتضاع إلى الجحيم، فإنه يصعد حتى إلى السماء. وإن صعد العظمة إلى السماء، فإنها تنزل إلى الجحيم.

+ + +.

* وقال أنبا بيمن: "كما ان الأرض لا تسقط لأنها كائنة إلى أسفل، هكذا من يضع نفسه لا يسقط".

+ + +.

* قال مار أوغريس: إن الشياطين تخاف من المتواضع لأنهم يعرفون أنه قد صار مسكناً للرب ". وقال أيضاً" كما أن كثرة الأثمار تضع أغصان الأشجار، كذلك كثرة الفضائل تضع قلب الإنسان ".

+ + +.

* سئل شيخ: "كيف أنه يوجد أناس يقولون إننا نرى ملائكة؟" فأجاب: طوباه الذى يرى خطاياه كل حين.

+ + +.

* قال سمعان العمودى "الإتضاع هو مسكن الروح وموضع راحته. والمتواضع لا يسقط ابداً. إذ كيف يسقط، وضميره وفكره تحت جميع الناس؟!.. سقوط عظيم هو الكبرياء. وعلو عظيم هو الإتضاع. فلنعّود نفوسنا من الآن ان نتمسك بالإتضاع ونجعله لنا عادة، حتى إن كان قلبنا لا يشاء.

+ + +.

* قال القديس درووثيئوس: فى الواقع لا يوجد أقوى من التواضع، لأنه لا شئ يمكن أن يقهره.

+ + +.

* قال ماراسحق: الشجرة الكثيرة الأثمار، تنحنى أغصانها من كثرة أثمارها، ولا تتحرك من كل ريح. والشجرة العادمة الثمر تتشامخ أغصانها، ومع كل ريح تتحرك.

وقال أيضاً: مقبول عند الله سقوط باتضاع وندامة، أكثر من القيام بافتخار.

+ + +.

* وقا أحد الآباء: لما اشتهى الإنسان الأول مجد الألوهية – حسب قول الشيطان – تصيران مثل الله (تك 3: 5)، حينئذ فقد الإنسان مجد البشرية كما خُلقت على صورة الله (تك 1: 27).

+ + +.

* فى إحدى المرات قال القديس يوحنا القصير للأخوة "من الذى باع يوسف الصديق؟ فقالوا له" أخواته ". فقال" ليس أخواته الذين باعوه، لأن تواضعه هو الذى باعه، لأنه كان قادراً أن يقول للذى إشتراه إنه اخوهم، ولكنه سكت وباتضاعه بيع، وصار مدبر لمملكة مصر ".

+ + +.

* قال القديس برصنوفيوس: إن هذه الفضائل الثلاث الآتية جليلة جداً. ومن يقتنيها يستطيع أن يسكن فى وسط الناس وفى البرارى وحيثما أراد. وهى: أن يلوم الإنسان نفسه، ويقطع هواه، ويصير تحت كل الخليقة.

* وقال أيضاً: إن المتضع كائن فى أسفل. والذى هو فى أسفل، لايسقط. اما المتعالى فهو الذى يسقط بسرعة.

+ + +.

* وقال مار اسحق: من سعى وراء الكرامة، هربت منه. ومن هرب منها بمعرفة، سعت إليه.

* وقال أيضاً: كلما يحقّر المتواضع نفسه ويرذل ذاته، كلما تتوافر كرامته عند سائر الخليقة.

* وقال أيضاً: المتواضع لا يبغضه أحد، ولا يحزنه بكلمة، ولا يزدرى به. لأن سيده جعله محبوباً عند الكل. كل احد يحبه. وكل موضع يوجد فيه، فمثل ملاك الله ينظرون إليه، ويفرزون له الكرامة.

يتكلم الحكيم أو المتفلسف ويسكتونه. ويعطون فرصة للمتواضع أن يتكلم. وآذان الجميع منصتة إلى منطق فمه، يفتشون على معنى فهمه. وكلامه حلو فى مسامع الحكماء أشهى من الشهد لذوق آكله.

إن كان الإتضاع يعلى شأن الأمى والذى لا علم له، فالقوم الأجلاء الأماثل، كم كرامة تظن الإتضاع يسببها لهم!

+ + +.

* سئل القديس يوحنا الأسيوطى "من هو الإنسان الكامل فى المعرفة؟" فأجاب: هو الذى يحسب جميع الناس أفضل منه.

* وقال أيضاً "إن عاملنا أنفسنا كخطاة، لا ندان كخطاة".

+ + +.

* وقال أحد الآباء: إن قال أحد لرفيقه "اغفر لى" وهو متضع فى قلبه، فإن الشياطين تحترق.

+ + +.

* وقال القديس أوغسطينوس: على قدر ضخامة البناء الذى يُشيد، ينبغى أن يكون عمق الأساس الذى يُحفر إلى أسفل. وكلما يرتفع البناء، هكذا ينبغى أن ينخفض الأساس. فإذا كانت القمة عالية جداً، وهى رؤية الله وملكوته وسمائه، يجب إذن أن نعمّق الأساس، ننزل إلى تحت بالإتضاع. وهكذا ترى البناء أولاً تحت، قبل أن يكون فوق. والقمة لا ترتفع إلا بعد الإتضاع.

* وقال أيضاً: إن الاتضاع هو الفضيلة المعتبرة بوجه خاص فى مدينة الله، إذ كانت بوجه خاص من مميزات المسيح ملكها. وهو أوصى بها سكانها أثناء غربتهم الحالية على الأرض. وبنفس الوضع تكون الكبرياء التى هى الرذيلة المضادة لهذه الفضيلة، وهى المسيطرة بوجه خاص على الشيطان مقاوم المسيح، هى المميزة لمدينة الشيطان.

+ + +.

* وقال القديس بلاديوس عن إيمان أحد كهنة الأوثان:

"وذهب وصار راهباً. ومن بداية حياته تمسك جداً بالإتضاع. وكان يقول: إن التواضع يستطيع أن يبطل كل قوة المعاند. كما سمعت من الشياطين الذين كانوا يقولون: كلما نثير الرهبان يتحولون إلى التواضع، ويعتذرون بعضهم لبعض. وهكذا يبطلون كل قوتنا".

+ + +.

* وقال الشيخ الروحانى: ذخرة المتضع داخله، أى الرب.

وقال أيضاً: من لا يحبك أيها المتضع الطيب، إلا المفتخر والمتقمقم الذى أنت غريب عن عمله؟! تأملوا أولئك الجبابرة آباءنا: كيف طرقوا لنا الطريق، إذ لبسوا التواضع الذي هو رداء المسيح. وبه رفضوا الشيطان وربطوه بقيود الظلمة.

+ + +.

* أنبا تادرا الذى كان بقيود صلاته يربط الشياطين خارج قلايته، كان يجعل نفسه آخر جميع الناس. ومن الخدمة الكريمة كان يهرب.

* حقاً إن مسكن الله هو نفس المتواضع، كما قال القديس مارأوغريس: "يطأطئ المتواضع رأسه بروح منسحقة، ويصير مسكناً للثالوث القدوس".

* وقال القديس سمعان العمودى: الاتضاع هو مسكن الروح وموضع راحته.

* وقال مارافرام: نجاح عظيم وشرف مجيد هو الإتضاع، وليست فيه سقطة.

+ + +.

* وقال مار اسحق: الإتضاع يتقدم النعمة. والعظمة تتقدم التأديب.

أما عبارته الأولى، فتوافق قول القديس يعقوب الرسول "يقاوم الله المستكبرين. أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع 4: 6). ذلك لأن المتواضعين إذا عملت فيهم النعمة ونجحوا، لا ترتفع قلوبهم بسبب نجاحهم، بل يقول كل منهم مع القديس بولس الرسول "لكن لا أنا، بل نعمة الله التى هى معى" (1 كو 15: 10). ويذكرون باستمرار قول الرب "بدونى لا تقدرون أن تعملوا شيئاً" (يو 15: 5). بعكس ذلك المتكبر: فإنه كلما عملت فيه النعمة عملاً، ينسبه إلى نفسه فيزداد كبرياء!

+ + +.

أما قول ماراسحق "إن العظمة تتقدم التأديب، فلعله أعتمد فيها على ما قيل فى سفر الأمثال:

"قبل الكسر الكبرياء. وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم 16: 18).

وذلك لأن المتكبر حينما ينتفخ قلبه، تتخلى عنه النعمة فيسقط، حتى يشعر بضعفه فيتضع، ولا يعود ينسب كل نجاح إلى قدرته وكفاءته وذكائه.. ناسياً عمل الله فيه! وأيضاً يسقط هذا المتكبر، لأن الله يقاوم المستكبرين كما قال الرسول (يع 4: 6). ولأن المستكبرين لا يضعون الله أمامهم، ولا يعطون مجداً لله، كما فعل هيرودس الملك "فضربه ملاك الرب وصار يأكله الدود ومات" (أع 12: 23). هكذا تكون نهاية المتكبرين.

+ + +.

وللقديس أوغسطينوس تأملات فى بعض المزامير الخاصة بالإتضاع:

* مثل "قريب هو الرب من المنكسرى القلوب، ويخلص المنسحقى الروح" (مز 34: 18). وأيضاً "الرب عالِ ويعاين المتواضعين" (مز 38: 6)، وكذلك "من مثل الرب إلهنا الساكن فى الأعالى والناظر إلى المتواضعات فى السماء وعلى الأرض. المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة ليجلسه مع رؤساء شعبه" (مز 113: 5 - 8).

+ + +.

* فيقول القديس أوغسطينوس: سرّ عظيم يا أخوتى: الله هو فوق الكل. ترفع نفسك فلا تلمسه. تضع ذاتك فينزل إليك..

إن الله يسكن فى الأعالى فى السماء. هل تريد أن يقترب إليك؟ إتضع.

لأنه على قدر ما ترتفع نفسك، على قدر ما يرتفع هو عنك. أنت تعلم أن الله عالِ. فإن جعلت ذاتك عالياً مثله، فسيبعد عنك...

الله عالِ، ويعاين الأشياء المتواضعة فى السماء وعلى الأرض. فهل هذه الأشياء المتواضعة التى يعاينها، هى ذات مسكنه العالى، لأنه هكذا يرفع المتواضعين. لذلك فهو يسكن فى أولئك الذين يرفعهم إلى الأعالى، ويجعلهم سموات لنفسه.. إنه الرب العالى الساكن فى قديسيه.

فإن كان الرب إلهنا يعاين متواضعات أخرى فى السماء غير التى يعاينها على الأرض، فإنى أفترض أنه يعاين فى السموات المتواضعين الذين دعاهم والذين يسكن فيهم. بينما على الأرض يعاين الذين يدعوهم لكى يسكن فيهم.

+ + +.

قال القديس دوروثيئوس:

الذى يبنى بيته، لابد أن يضع ملاطاً (مونة) على كل حجر. لأنه إن وضع حجراً على حجر بدون ملاط، فإن الحجارة تسقط والبيت ينهار. فإن كانت الحجارة فى بناء النفس هى الفضائل، فإن الملاط يكون هو التواضع. حيث أنه يؤخذ من الأرض، وهو تحت قدمى كل أحد.. وكل فضيلة تمارس بدون تواضع، ليست هى فضيلة ".

وصدق القديس دوروثيئوس. لأن الآباء قد قالوا: كل فضيلة يعملها الإنسان بدون إتضاع، تكون طعاماً لشيطان المجد الباطل.

+ + +.

* وفى ذلك قال مار اسحق أيضاً: كما ان الملح يصلح لجميع المآكل، هكذا هو الإتضاع لكل الفضائل. لأن بدونه باطل هو كل عمل وكل فضيلة.

* قال القديس باسيليوس الكبير:

التواضع هو الكنز الذى يحفظ جميع الفضائل...

+ + +.

* وقال القديس مارأوغريس:

"التواضع هو عطية من الثالوث القدوس. هو طريق الملائكة، ونار على الشياطين.. وهو غنى لا يُسرق".

* ويتفق مار اسحق مع مار أوغريس فى أن الإتضاع عطية من الله "التواضع هو موهبة عظيمة. هل يمكن أن يكون إنسان هكذا" مرذولاً فى عينى نفسه؟! هل يستطيع الطبع أن يغيّر ذاته هكذا؟! لأجل هذا لا تشك أن التواضع قوة سريّة، حيث لا يتحايل إنسان أن يكون هكذا، بغير تغصب من كل قلبه.

+ + +.

* وقال القديس أو غسطينوس:

.. فلنتمسك بالإتضاع. إن لم يكن لنا حتى الآن، فلنتعلمه. وإن كان لنا، فلا نفقده.. ولنقبل فى هذا العالم وصية الاتضاع، لكى نستحق فى العالم الآخر أن نقبل الرفعة التى وُعد بها المتضعين.

+ + +.

* وقال مارو أوغريس:

الإتضاع سياج يحفظ الصاعد.. وهكذا إذا ارتفعت إلى علو الفضائل، فأنت تحتاج إلى تحفظ كثير. لأن الذى على الأرض إن سقط، فإنه يقوم سريعاً. وأما الذى يسقط من العلو فإنه يعذب إلى الموت.

+ + +.

* قال مارافرام السريانى:

فليؤدبك رسم الذى يكنس بيته: إذا يطأطئ إلى الأرض وينظفه. فكم بالأكثر يحتاج الإنسان أن يطأطئ باهتمام كثير ويتضح من أجل تنظيف النفس، ولا يترك فيها الأشياء التى يمقتها الله.

وقال أيضاً: فى النفس المتواضعة يسكن الآب والابن والروح القدس.. وفى الكبرياء يسكن القائل "لأصعدن إلى السماء وأجلس فى الجبل الشامخ، وأرتقى فوق الغيوم، وأصير مثل العلى" (أش14).

+ + +.

* وقال مار اسحق:

* الذى يتكلم على المتواضع بالازدراء والاستهزاء، لا يحسبونه من الأحياء، بل كإنسان قد أطلق لسانه على الله.

* وقال أيضاً: حتى الشياطين – مع جميع شرورها وافتخار قلوبها – إذا دنت من المتواضع، صارت مثل التراب، وبطُل شرها جميعه وكل حيلها وأعمالها.

* وقال أيضاً: من ذا الذى لا يستحى من رؤية المتواضع؟!

* قبل أن يظهر مجد التواضع، كان منظره المملوء قدساً محتقراً من كل أحد. أما وقد ظهرت عظمة الإتضاع فى العالم كله، فإن كل أحد يوقر ويكرم هذا الشبه.

حث على الاتضاع

* فى إحدى المرات سأل أحد الأخوة القديس الأنبا باخوميوس أب الشركة قائلاً: قل لنا عن منظر من المناظر التى تراها لنستفيد منه ".

فأجابه القديس: إن من كان مثلى خاطئاً لا يُعطى مناظر. ولكن إن شئت أن ترى منظراً بهياً يفيدك بالحق، فإنى أدلك عليه وهو: إذا رأيت إنساناً متواضعاً بقلبه طاهراً، فهذا أعظم من سائر المناظر. لأنك بواسطته تشاهد الله الذى لا يُرى. فعن أفضل من هذا المنظر لا تسأل (يقصد أنه يرى فى هذا الإنسان صورة الله المتواضع).

+ + +.

* قال القديس أوغسطينوس:

أنت تريد أن تحصل على كل شئ. اطلب ذلك عن طريق الإتضاع:

لما قالت المرأة الكنعانية "نعم يارب، ولكن الكلاب تأكل من الفتات الساقط من مائدة أسيادها" سمعت قوله "يا إمرأة عظيم هو إيمانك" (مت 15: 27 - 28).

وأيضاً لما قال قائد المائة "لست مستحقاً أن تدخل تحت سقف بيتى" قال الرب "الحق لم أجد ولا فى إسرائيل إيماناً عظيماً مثل هذا" (لو 7: 6 - 9).

فلنتمسك بالاتضاع: إن لم يكن لنا حتى الآن، فلنتعلمه. وإن كان لنا فلا نفقده.

+ + +.

* قال أنبا ابراكسيوس:

إن شجرة الإتضاع التى ترتفع إلى العلاء هى التواضع.

وقال أيضاً: تشبه بالعشار، فلا تدان مع الفريسى.

* وقال الأنبا أنطونيوس:

احب الاتضاع، فهو يغطى جميع الخطايا.

+ + +.

* وقال الأنبا برصنوفيوس:

اقتنِ الاتضاع، فإنه يكسر جميع فخاخ العدو.

+ + +.

* وقال الأنبا اشعياء:

أحب الاتضاع، فهو يحفظك من الخطية.

+ + +.

* وقال الأنبا باخوميوس:

اسلك طريق الاتضاع، لأن الله لا يرد المتواضع خائباً. لكنه يُسقط المتكبر، وتكون سقطته شنيعة.

احذر من تكبر القلب، لأنه أشنع الرذائل كلها.

* وقال أيضاً: كن متواضعاً لتكون فرحاً. لأن الفرح يتمشى مع الإتضاع. كن متضعاً ليحرسك الرب ويقويك. فإنه يقول إنه ينظر إلى المتواضعين. كن وديعاً، لكى يملأك الرب حكمة ومعرفة وفهماً. لأنه مكتوب أنه يهدى الودعاء بالحكم، ويعلم المتواضعين طرقه.

+ + +.

* وقال أنبا يوحنا القصير:

يجب قبل كل شئ أن نقوم بالتواضع. لأن هذه هى الوصية الأولى التى قال ربنا عنها "طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السموات" (مت 5: 3).

+ + +.

* وقال الشيخ الروحانى:

تسربل يا أخى بالتواضع فى كل وقت، لأنه يُلبس نفسك المسيح معطيه.

+ + +.

* وقال مار اسحق:

حب الاتضاع فى كل تدابيرك، لتخلص من الفخاخ التى لا تُدرك، الموجودة فى كل حين خارج السبل التى يسلك فيها المتضعون.

* وقال أيضاً: لا تلتمس أن تُكرم وأنت مملوء من الداخل جراحات. ابغض الكرامة فتكرم. ولا تحبها لئلا تُهان.

من عدا وراء الكرامة هربت منه. ومن هرب منها بمعرفة قصدته، وأنذرت كافة الناس باتضاعه.

* وقال أيضاً: تواضع فى علوك، ولا تتعاظم فى حقارتك.. ضع ذاتك، وصغّر قدرك عند جميع الناس. فتعلو على الرؤساء فى هذا العالم.

كن أمياً فى حكمتك. ولا تتظاهر بالحكمة وأنت أمى.

* وقال كذلك: أيها الإنسان الشقى: إن أردت أن تجد الحياة، تمسك بالإيمان والتواضع، لكى تجد بهما رحمة ومعونة وصوتاً من الله فى قلبك.. وإن أردت أن تقتنى هذين.. تمسك من مبدأ أمرك بالبساطة. واسلك قدام الله بسذاجة وليس بمعرفة.

+ + +.

* وقال الشيخ الروحانى:

يقول النبى: الويل للحكيم فى عينى نفسه.. فكن مثل عبد عند مواليه، وليس مثل أخر عند أخوته..

كن الأول فى الأعمال التى يترفع عن عملها غيرك. وكن آخر من يرتب الأمور ويدبرها.

البس التواضع فى كل حين، وهو يجعلك مسكناً لله.

* وقال أيضاً: كما ينبغى للشاب الصوم والنسك، هكذا ينبغى للشيوخ الاتضاع والتنازل. لأجل أنه دائماً يلصق بهم الظن والمجد الباطل. وإلى جهاد النفس يحتاجون أكثر من جهاد الجسد.

* وقال أيضاً: الكنز المخفى فى الأرض لا ينقص، ولا يُخاف عليه من السارقين. وكنز المعرفة داخل القلب، ما تسلبه أفكار المجد الباطل.

+ + +.

* وقال مار افرآم:

كما أن الجسد يحتاج إلى ثوب، سواء كان الجو دافئاً أو بارداً.. كذلك النفس على الدوام تحتاج إلى رداء الإتضاع.

قنية نفيسة هى تواضع العقل.. اختر أن تمشى عارياً حافياً، من أن تتعرى منه. فإن الذين يحبون التواضع، يسترهم الرب.

* وقال أيضاً: إذا شاهدت نفسك مكللاً بالفضائل وعالياً فيها، فحينئذ تحتاج بالأكثر إلى تواضع العقل، لكى تضع أساساً سليماً لعملك، ويثبت البناء مصاناً غير متزعزع.

* لا تعظّم شأن نفسك، لأنه ربما توافيك محنة فتوبخ الظانين فيك حسناً. حب التواضع فإنه سور لا يُنقب قدام وجه العدو، وصخرة مصادمة تكسر حيل الشيطان.

+ + +.

* قال القديس مقاريوس الكبير:

الصوم بدون صلاة واتضاع، يشبه نسراً مكسور الجناحين.

+ + +.

* وقال ما راسحق:

إذا سلكت فى عمل الفضيلة حسناً، لم تحسّ مذاقه معونتها، فلا تعجب من ذلك. لأنه إن لم يتضع الإنسان، لن يأخذ مكافأة عمله. المكافأة ليست تُعطى للعمل، بل الاتضاع. الذى فقد الاتضاع، فقد ضيّع تعبه وعمله.

وقال أيضاً: إن عبرت على جميع منازل الفضيلة، فإنك لن تصادف راحة من تعبك، ولا انعتاقاً من حيل أعدائك، إلى أن تصل إلى منزل الإتضاع.

+ + +.

* وقال القديس الأنبا أنطونيوس:

"إن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله. وإن ذكرنا خطايانا، لا يذكرها لنا الله".

لذلك احذر من أن ننسى خطاياك، لئلا تنتفخ وتظن فى نفسك الظنون، أو تصير باراً فى عينى نفسك.

وإن حوربت بالبر الذاتي والكرامة، فقل لنفسك: أنا لا استحق شيئاً بسبب خطاياى... وإن كان الله من فرط محبته ورحمته قد ستر خطاياى على الناس، لكننى أعرفها جيداً ولا أنساها، لئلا أتكبر باطلاً.

+ + +.

* وقال القديس أوغسطينوس:

اتضع فى إلهك المتضع، لكيما ترتفع فى إلهك الممجد.

إحذر من التواضع الزائف

ليس التواضع مجرد كلمة، إنما هو حياة لها قواعها الروحية، ولها ارتباط بعدد كبير من الفضائل تكون سبباً للإتضاع أو يكون الاتضاع سبباً لها.. وعلينا أن نتأمل كل هذا، ونعرف الوسائل التى توصلنا إلى التواضع ونمارسها.

وأولاً نعرف التواضع الحقيقى، ونبعد عن التواضع الزائف:

فكثيرون يستخدمون ألفاظ التواضع، وهم بعيدون كل البعد عن روح الإتضاع. وقد يقولون إنهم خطاة ضعفاء، ولا يحتملون إطلاقاٌ أن يقال لهم مثل هذا. وقد ينحنون برؤوسهم أمام غيرهم. وقلوبهم لا تنحنى أبداً ولا أفكارهم.

+ + +.

عجبت ذات مرة حينما قرأت إفتتاحية إحدى المجلات القبطية. وكان الكاتب يتحدث تواضع السيد المسيح أثناء عماده، وكيف أنه إنحنى أمام المعمدان الذى هو أقل منه بما لا يقال. وذلك لكى يكمل كل برّ.

وإذا بالكاتب يختم مقاله بعبارة "اعطنا يارب نحن أيضاً أن ننحنى أمام من هم أقل منا، لكى نكمل كل برّ! مادام هو فى أعماقه يعتقد أنهم أقل منه، فهل يُحسب إنحناؤه اتضاعاً!! بينما القلب مرتفع عليه من الداخل ينظر إليهم فى استصغار..؟!

+ + +.

وهناك قصة رواها يوحنا كاسيان عن القديس سرابيون الكبير:

وكيف أن أحد الرهبان الجائلين قد زاره. فلما دعاه القديس إلى أن يبدأ الصلاة أو التأمل فى الكتاب، قال إنه غير مستحق. ولما دعاه إلى الجلوس على الحصير بدلاً من جلوسه على التراب، قال أيضاً إنه غير مستحق. ثم نصحه القديس أن يثبت فى قلايته، ولا يجول هنا وهناك، حينئذ لم يحتمل، وأحمرّ وجهه مثل السبع. فقال له القديس سرابيون.

ليس التواضع يا ابنى، أن تلوم نفسك ملامة باطلة..! إنما التواضع هو فى احتمالك الملامة التى تأتيك من الآخرين ".

لعل حكمة القديس تظهر فى أن البعض قد يصف نفسه بأوصاف متضعة، هو لا يعتقدها فى نفسه. أو أنه يصف نفسه بالخطية والضعف، لكى يقول الناس عنه إنه متواضع، فيكسب بذلك مدح الآخرين!! ولو قيلت عنه هذه الصفات لغضب. ولو عرف أن الناس سيصدقون ما يقول عن نفسه من عيب، ما كان يقول ذلك مطلقاً.

أما أنت فليكن لك التواضع الحقيقى باقتناع داخلى صادق أنك كذلك: فيك ما تصف به نفسك من نقص.

+ + +.

قال ماراسحق محذراً من اتخاذ ألفاظ الاتضاع وسيلة للكبرياء:

"إن حقّرت نفسك لكى تكرم، الرب يفضحك..".

"وإن أنت امتهنت ذاتك لأجل الحق، فإن الرب يتقدم إلى براياه فيمدحونك، ويفتحون قدامك باب مجده الذى يتكلم به منذ الأزل، ويمجدونك كالبارى لأنك بالحقيقة تكون على صورته ومثاله".

تواضع الله

أكلمكم اليوم عن أعظم مثل للتواضع، أو هو المثل الحقيقى للتواضع، وأعنى به تواضع الله تبارك اسمه. وكيف ذلك؟

إن الله هو الوحيد الذى يمكن أن يتواضع بحق.

لأنه هو الوحيد العالى جداً، الذى يتنازل من علوه...

أما الإنسان الذى هو تراب ورماد (تك 18: 27)، والذى كان عدماً قبل أن يكون تراباً. الإنسان الذى كله خطية وإثم، ما هو معنى التواضع بالنسبة إليه؟ ليس هو فى علو لكى ينزل منه، وليس فى كمال حتى يخفيه.. إنما التواضع بالنسبة إليه، هو أن يعرف أصله ويعرف ضعفه، ويعرف خطيته. وكما قال أحد الآباء:

تواضع الإنسان هو أن يعرف نفسه...

أما الله فهو الكامل فى عظمته، الكامل فى قداسته وفى قدرته، غير المحدود فى كماله.. فهو الوحيد الذى تليق به صفة التواضع. فكيف إذن ظهر تواضع الله، على قدر ما نفهم تواضعه؟ ونقصد تواضع الله بصفة عامة، وتواضع كل أقنوم على حده:

+ + +.

* كان الله متواضعاً فى خلقه للكائنات. فلم يشأ أن ينفرد وحده بصفة الوجود فمنح الوجود لغيره..

كان وحده منذ الأزل.. ولم يرد – فى تواضعه – أن يظل وحده. فأشرك معه فى الوجود ما لم يكن...

كثير من الناس – إن وجُد أحد منهم فى عظمة أو فى منصب – يجمع كل السلطة فى يده، ولا يُشرك معه أحداً فى عمل أو تصرف..! أما الله، فلم يفعل هكذا، ولم يشأ أن ينفرد. ومنح العدم وجوداً. ومنح البعض منه حياة، بل أيضاً منحه قوة وسلطة!!

+ + +.

* ومنح البعض من مخلوقاته طبيعة سامية جداً.

مثال ذلك الملائكة "المقتدرون قوة" كما وصفهم المرتل فى المزمور (مز 103: 20). بل أن واحداً منهم – سطانائيل - الذى صار شيطاناً فيما بعد، قال عنه الرب فى سفر حزقيال النبى "أنت خاتم الكمال. ملآن حكمة، وكامل الجمال.. أنت الكاروب المنبسط المظلل.. أنت كامل فى طرقك، من يوم خلُقت حتى وجُد فيك إثم" (حز 28: 12 - 15).

+ + +.

* ومن تواضع الله أن الكائنات التى تمردت عليه، لا يزال يبقيها حتى الآن، ويسمح أن يكون لها سلطان وقدرة!!

خذوا مثالاً ذلك الشيطان: تمرد على الله، وأراد أن يصير مثل العلىّ (أش 14: 14). واسقط معه عدداً كبيراً من القوات السمائية، قيل إنهم ملائكته (رؤ 12: 7). وكان بإمكان الله أن يفنيه. ولكن من تواضع الله أنه لم يقضِ على هذا العدو المقاوم، بل استبقاه. وترك له سلطاناً، كما قيل عن الأشرار "هذه ساعتكم وسلطان الظلام" (لو 22: 53). والأكثر من هذا إنه صارت له قوة أن يصنع آيات وعجائب، كما قيل عن ضد المسيح فى أيام الارتداد الأخير إن "مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات عجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم فى الهالكين" (2 تس 2: 10، 9).

وكلما أتأمل كيف أن فى العالم أناساً يشتمون الله، ويجدفون عليه ليل نهار، وأناساً ينكرون وجود الله، ولا يعترفون به، وأناساً يعصون الله ويحرضون على عصيانه.. ومع ذلك يحتمل الله كل هذا السبّ والتجديف والعصيان، دون أن يفنى مقاوميه.. أدرك فى أعماقى مقدار التواضع العجيب الذى يتصف به الله...

+ + +.

* ومن تواضع الله، إنه يبعد عن مظاهر العظمة التى تجلب المديح وتبهر الناس. ومثال ذلك ندرة استخدامه للمعجزات!

بإمكان الله أن يبهر الناس كل يوم وكل ساعة وكل لحظة بالمعجزات والآيات والعجائب، وبالرؤى والاستعلانات والظهورات المقدسة.. فيجعلهم يلهجون بمجده، ويسجدون أمام قدرته، وعلى الأقل يعترفون بوجوده. ولكنه مع ذلك لم يفعل! ويقتصر اجتراح المعجزات على الضرورات النادرة..! إنه يريد أن يجذب الناس إليه بالحب والاقتناع، وليس بالعجائب والمعجزات والعظمة...

+ + +.

* الله أيضاً فى تواضعه، يسمح لأقل الناس أن يخاطبه!

عجيب أن يجد "التراب والرماد" فرصته ليتحدث مع الله، والله الذى تقف أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم والسارافيم، وكل الجمع غير المحصى الذى للقوات السمائية بكل توقير وخشية...

قد يجد الإنسان صعوبة فى كثير من الأحيان، أن يتحدث مع تراب مثله، إن كان ذلك التراب له منصب عالِ أو مركز كبير! أما الله فيمكنك أن تكلمه وأن تتفاهم معه. بل من الجائز أن تكلمه، وقد كسرت وصاياه منذ دقائق أو لحظات!

+ + +.

وفى تواضع الله، سمح أن يتحدث حتى مع أشر الخطاة!

تنازل وتكلم مع قايين، أول قاتل على وجه الأرض. ولما قال له قايين "إنك قد طردتنى اليوم عن وجه الأرض.. فيكون كل من وجدنى يقتلنى"، أجابه فى عدل وعطف "كل من قتل قايين، سبعة أضعاف ينتقم منه" (تك15، 4: 14).

+ + +.

وتنازل الله، فأرسل ملاكاً يتكلم مع بلعام.. وذلك الإنسان المضلّ الذى أعثر الشعب وألقى معثرة أمامه وجعله يخطئ (رؤ 2: 14)... سمح الله بتواضعه أن ينطق الروح القدس على فمه بنبوءات تُعد من أشهر النبوءات عن التجسد (عد 24: 17).. حتى أن هذا المضل قال عن نفسه "وحى بلعام بن بعور، وحى الرجل المفتوح العينين، وحى الذى يسمع أقوال الله، الذى يرى رؤى الله، مطروحاً وهو مكشوف العينين" (عدد 24: 4، 3). وقال إنه "يعرف معرفة العلى" (عد 24: 16)!

+ + +.

والله فى تواضعه، يأخذ موقف من يستشير أنبيائه:

فعندما رأى أن "صراخ سادوم وعمورة قد كثر، وخطيئتهم قد عظمت جداً" (تك 18: 20)، وأراد أن يهلكهم، قال "هل أخفى عن ابراهيم ما أنا فاعله؟! (تك 18: 17). ومن هو ابراهيم هذا الذى تريد يا رب أن تخبره قبل أن تُجرى مشيئتك؟ أليس هو حفنة من تراب ورماد؟ كلا، يقول الرب، بل" ابراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، وتتبارك به جميع أمم الأرض "(تك 18: 18).

ويعرض الرب على ابراهيم، ويعطيه الفرصة والحرية أن يجادله، وأن يقول له "عسى أن يكون خمسون باراً فى المدينة.. حاشا لك أن تفعل هذا الأمر، أن تبيد البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم! حاشا لك. أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً؟! (تك 18: 24 - 25). وتستمر المناقشة، ويقبل الرب الحوار، بل يقبل بتواضعه الجرأة فى الحوار!

+ + +.

ويتكرر الأمر مع موسى النبى عندما أراد الرب أن يفنى ذلك الشعب، الذى صنع عجلاً من ذهب وعبده (خر32).

كان الرب قد قرر إفناء ذلك الشعب الخائن. ولكنه نادى موسى أولاً. وقال له "قد فسد شعبك الذى أصعدته من أرض مصر. زاغوا سريعاً عن الطريق الذى أوصيتهم به. صنعوا عجلاً مسبوكاً وسجدوا له، وذبحوا له، وقالوا هذه آلهتك يا اسرائيل التى أصعدتك من أرض مصر.. فالآن اتركنى ليحمى غضبى عليه وأفنيهم.." (خر 32: 7 - 10).

عجيب هو تواضع الرب فى قوله لعبده موسى "أتركنى..".

من هو هذا موسى يا رب الذى تطلب إليه أن يتركك لتنفذ مشيئتك؟! على أن موسى هذا لم يتركه ليغضب ويُفنى. بل قال له "والآن إن غفرت خطيتهم. وإلا فامحنى من كتابك الذى كتبت" (خر 32: 32)!! وسمع الرب لموسى، ولم يفنهم.

يذكرنى هذا الموقف بقصة الرب مع يعقوب وهو يصارعه: إذ قال الرب ليعقوب "اطلقنى، فإنه قد طلع الفجر" فقال يعقوب "لا أطلقك حتى تباركنى" (تك 32: 26).

+ + +.

ونلاحظ فى تواضع الرب مع ابراهيم وموسى نقطة هامة وهى:

* إن الله سمح لهم فى حوارهما معه بألفاظ تبدو شديدة.

ابراهيم يقول للرب "حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر.. أديّان الأرض كلها لا يصنع عدلاً؟!" (تك18). وموسى يقول للرب "ارجع يارب عن حمو غضبك واندم على الشر" "لماذا يتكلم المصريون قائلين: أخرجهم بخبث، ليقتلهم فى الجبال، ويفنيهم عن وجه الأرض!" (خر 32: 12).

* إن الرب فى تواضعه يسمح لنا أن نناقشه، بل يطلب منا ذلك بقوله: "هلم نتحاجج، يقول الرب" (أش 1: 18).

هناك أناس لا يقبلون أن يناقشهم أحد فيما يصدرونه من أوامر ومن قرارات. يعتبرون ذلك كبرياء ممن يناقشهم، وتجاوزاً لحدوده. وإقلالاً من كرامتهم وهيبتهم. أما الله فإنه فى تواضعه يقبل الحوار والنقاش:

+ + +.

أيوب الصديق يقول للرب "لا تستذنبنى. فهمنى لماذا تخاصمنى؟ أحسن عندك أن تظلم، أن ترذل عمل يديك؟!" (أى 1: 3، 2).

وأرميا النبى يقول له "أبرّ أنت يا رب من أن أخاصمك،. ولكنى أكلمك من جهة أحكامك: لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كل الغادرين غدراً" (أر 12: 1).

وداود النبى يعاتبه قائلاً "لماذا تقف بعيداً؟ لماذا تختفى فى أزمنة الضيق؟!" (مز 10: 1).

والرب يسمع كل هذا، بتواضعه وسعة صدر، ولا يغضب.

+ + +.

ومن تواضع الرب إنه يرفع شأن أولاده. وقد يعطيهم ألقابه.

يقول لعبده موسى "أنظر. قد جعلتك إلهاً لفرعون (أى سيداً له). وهرون أخوك يكون نبيك" (خر 7: 1). ولما اعتذر موسى عن ارساليته، بحجة أنه ثقيل الفم واللسان، منحه هرون أخاه، وقال له "تكلّمه وتضع الكلمات فى فمه، وأنا أكون مع فمك ومع فمه.. هو يكلم الشعب عنك، وهو يكون لك فماً، وأنت تكون له إلهاً (أى توحى إليه) [خر 4: 15 - 17].

+ + +.

وعندما أراد الله أن يكون لموسى سبعون شيخاً يساعدونه، قال له: "إجمع إلىّ سبعين رجلاً من شيوخ اسرائيل الذين تعلم أنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه.. فأنزل أنا وأتكلم معك.. وآخذ من الروح الذى عليك، وأضع عليهم" (عد 11: 17، 16).. وفعل الله هكذا (عد 11: 25). كان يمكنه أن يمنحهم الروح مباشرة. ولكنه أخذ من الروح الذى على موسى ووضع على السبعين. فلما حلّ عليهم الروح تنبأوا (عد 11: 25). من تواضع الله، أراد أن يشعر أولئك الشيوخ أنهم من أتباع موسى، قد أخذوا من الروح الذى عليه...

وبنفس الوضع رفع الرب من شأن يوسف الصديق، وجعله أباً لفرعون، وسيداً لكل بيته "(تك 45: 8).

+ + +.

* والشريعة التى هى شريعة الله، تسمى شريعة موسى.

وهكذا فإن داود الملك قال قبل وفاته لابنه سليمان "احفظ شعائر الرب إلهك.. كما هو مكتوب فى شريعة موسى، لكى تفلح فى كل ما تفعل.." (1 مل 2: 3). وسميت أيضاً "شريعة موسى" فى سفر نحميا (نح 8: 1). وفى سفر دانيال النبى (دا 9: 11). إنها شريعة الله. ولكن من تواضعه سميت شريعة موسى.

+ + +.

وأسفار الأنبياء أيضاً سميت بأسمائهم، مع أنها كتب الله.

ولكن الله – من تواضعه – سمح أن تُطلق عليها أسماؤهم. فيقال سفر صموئيل النبى وسفر اشعياء، وارميا، وحزقيال، ودانيال، وملاخى.

وربنا يسوع المسيح يقول للكتبة والفريسين "إن موسى – من أجل قساوة قلوبكم – أذن لكم بالطلاق" (مت 19: 8)... مع أن الإذن صدر من الله.. ولكن لا مانع أن يُنسب إلى موسى تواضعاً من الله، ورغبة منه فى أن يرفع من شأن أولاده...

+ + +.

وبعد، يعوزنا فى الحديث عن تواضع الله، أن نتحدث عن تواضع أقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس.

تواضع الابن، وتواضع الروح القدس

تواضع الابن

1 - أول شئ نذكره فى تواضعه هو تجسده:

وفى ذلك يقول القديس بولس الرسول عن السيد المسيح إنه "لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله. لكنه أخلى نفسه، آخذا صورة عبد، صائراً فى شبه الناس. وإذ وجُد فى الهيئة كإنسان، وضع نفسه.." (فى 2: 6 - 8)... أى أنه أخلى نفسه من كل مظاهر العظمة والكرامة اللائقة بلاهوته، متخذاً صورة العبد. أى تواضع يمكن أن يُوجد أكثر من هذا؟!

وفى هذا التواضع حكمة التدبير الإلهى: فمادامت الخطية الأولى التى دخلت إلى العالم كانت هى الكبرياء، سواء بالنسبة إلى الشيطان أو الإنسان، لذلك كان يليق بالمخلص أن يقهرها بالاتضاع...

وهكذا كان تجسده هو أعظم عمل فى الإتضاع. وبه أخزى الرب تلك الكبرياء التى أغوى بها الشيطان أبوينا الأولين، بأن يصيرا مثل الله (تك 3: 5). وردّاً على أن يصير الإنسان مثل الله، صار الله فى الهيئة كإنسان بتواضعه.

+ + +.

2 - ومن اتضاع الرب أيضاً أنه وُلد فى مزود بقر.

فى مكان حقير، ومن أم فقيرة، خُطبت إلى نجار فقير. ومن قرية كانت "الصغرى فى يهوذا" هى بيت لحم (مت 2: 6، 5). ولم يخجل من أن يُدعى ناصرياً، بينما يُقال فى استعجاب "أمن الناصرة يمكن أن يكون شئ صالح؟! (يو 1: 36).

+ + +.

3 - وفى تواضعه عاش بعيداً عن المظاهر والألقاب:

رضى أن يهرب من سيف هيرودس إلى مصر، بينما كان يمكنه أن يبيد هيرودس. عاش ثلاثين سنة بعيداً عن الأضواء.

ومع أنه أقنوم الحكمة والمعرفة، "المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 3)، رضى أن يُقال عنه "وأما يسوع فكان يتقدم فى الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52).

وطوال فترة كرازته عاش "وليس له أين يسند رأسه" (لو 9: 58). بلا أية وظيفة رسمية فى المجتمع، يتبعه تلاميذ بسطاء، غالبيتهم من الصيادين والجهلة. ولما ذهب إلى أورشليم، ذهب إليها راكباً على أتان وجحش ابن اتان "(مت 21: 5).

+ + +.

4 - وعاش أيضاً خاضعاً للناموس، ودعا إلى حفظه.

أليس هو القائل "لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس والأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإنى الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 18، 17).

وفى خضوعه للناموس أختتن فى اليوم الثامن (لو 2: 21). وفى يوم الأربعين لولادته "صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب، كما هو مكتوب فى ناموس الرب" "ولكى يقدموا ذبيحة كما قيل فى ناموس الرب، زوج يمام أو فرخى حمام" (لو 2: 23، 22).

وحسب الناموس لم يبدأ خدمته الرعوية إلا فى الثلاثين من عمره.

حسب السن الناضجة المفروضة فى أى إنسان. مع أنه قيل عنه وهو فى الثانية عشرة من عمره، وجدوه فى الهيكل "جالساً فى وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم. وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه ومن أجوبته" (لو 2: 47، 46).

+ + +.

5 - ومن تواضعه أنه تقدم ليعتمد من يوحنا المعمدان.

كانت تلك معمودية التوبة. وما كان هو محتاجاً إليها وهو القدوس (لو 1: 35) الذى فى تجسده شابهنا فى كل شئ ما عدا الخطية. وقد قبل المعمودية من أحد خدامه، أعنى يوحنا الذى حاول أن يعتذر عن ذلك قائلاً له "أنا المحتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتى إلىّ! فأجابه فى اتضاع" اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر "(مت 3: 15، 14). يقصد برّ الناموس، وقد خضع له تواضعاً...

+ + +.

6 - ومن تواضعه سمح للشيطان أن يجربه!

وليست تجربة واحدة بل ثلاث مرات على الجبل. وبلغ من عمق اتضاعه وإخلائه لذاته، أن الشيطان "أخذه إلى جبل عالِ جداً، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها. وقال له" أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لى "(مت 4: 9، 8). ويالجرأة الشرير ووقاحتته فى استغلاله لتواضع الرب. لذلك بعد أن ردّ الرب عليه بما هو مكتوب، أنتهره قائلاً" اذهب يا شيطان ". فذهب. ولكن القديس لوقا يقول فى ذلك" ولما أكمل أبليس كل تجربة، فارقه إلى حين "(لو 4: 13). أى رجع بعدها!

+ + +.

7 - وفى اتضاع الابن الوحيد، اللوجوس عاش فى حياة الطاعة:

قال عنه القديس بولس الرسول إنه "وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب" (فى 2: 8). وهو قال عن نفسه لتلاميذه "لى طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم.. طعامى أن اعمل مشيئة الذى أرسلنى، وأتمم عمله" (يو 4: 24، 22). وقال لليهود "الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً، إلا ما ينظر الآب يعمله.." (يو 5: 19). وقال للآب "لتكن لا مشيئتى بل مشيئتك". وقال "ليس كما اريد أنا، بل كما تريد أنت" (مت 26: 39).

+ + +.

وطاعته لم تكن للآب السماوى فقط، بل أيضاً لأمه مريم.

قيل فى طفولته، بالنسبة إلى علاقته بمريم العذراء ويوسف النجار: "وكان خاضعاً لهما" (لو 2: 54). أنه درس لنا، هذا الذى كانت الملائكة خاضعة له "(مر 1: 13) (1 بط 3: 22).

+ + +.

8 - ومن تواضعه: أنه كان يجلس مع العشارين والخطاة:

هؤلاء الذين كان الكتبة والفريسيون يحتقرونهم ويترفعون عن مخالطتهم. ولكن الرب اختار واحداً من هؤلاء (متى) ليكون له تلميذاً. وبهذه المناسبة اتكأ فى وليمة أعدها أولئك العشارون، حتى أنتقده الفريسيون (مت 19: 9 - 11). فأجاب الرب فى اتضاعه "أنى أريد رحمة لا ذبيحة. لأنى لم آتِ لادعوا ابراراً بل خطاة إلى التوبة" (مت 9: 13).

وهكذا أيضاً دعا زكا العشار ودخل إلى بيته.

ومن تواضعه أنه إتكأ فى بيوت أعدائه من الفريسيين، كزيارته لبيت سمعان الفريسى وسماحه للمرأة الخاطئة أن تلمسه وتمسح قدميه بشعرها، مما أثار شك ذلك الفريسى (لو7).

+ + +.

9 - ومن تواضع الرب أنه كان يسلك ببساطة مع الكل.

كان يسلك ببساطة مع الأطفال، ومع النساء، ومع عامة الشعب: يكلمهم ببساطة، بلا تعال ولا ترفع، كواحد من البشر.

وكان يدعو نفسه ابن الإنسان، أو ابن البشر، فى كثير من المناسبات. وقد قيل عنه فى وداعته إنه كان "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (مت 12: 20، 19).

+ + +.

10 - ومن تواضعه أنه رفض عمل المعجزات للمظهرية الفرجة.

مثل رفضه تحويل الحجارة إلى خبز، ورفضه أن يلقى نفسه من جناح الهيكل، فتحمله الملائكة على أجنحتها (مت4).

ولما طلب منه اليهود أن يروا آية منه كموضوع للفرجة Showy قال لهم "جيل شرير وفاسق، يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبى. لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالِ، هكذا يكون ابن الإنسان فى قلب الأرض.." (مت 12: 39). موجهاً أنظارهم إلى موته، لا إلى معجزاته.

+ + +.

11 - ومن تواضعه أنه مجّد تلاميذه:

فقال للآب عنهم "المجد الذى أعطيتنى، قد أعطيتهم" (يو 17: 22). بل قال لهم أكثر من هذا "الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بى، فالأعمال التى أنا أعملها، يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها.." (يو 14: 12). وقال عنه القديس بولس الرسول "الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم.. فهؤلاء مجدهم أيضاً" (رو 8: 30، 29).

أعطاهم أيضاً أن تبنى كنائسه ومذابحه بأسمائهم، وأن ترسل لهم الأيقونات وتوقد أمام أيقوناتهم الشموع، وتُرتل لهم المدائح والذكصولوجيات...

+ + +.

12 - ومن تواضعه أن نعمته تعمل فى الناس باختفاء.

عملهم هم هو الذى يظهر. أما نعمة الرب العاملة فيهم، فلا يراها أحد. وقد كشف هذا الأمر القديس بولس الرسول حينما قال: "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا. ونعمته المعطاة لى لم تكن باطلة، بل أنا تعبت أكثر من جميعهم. ولكن لا أنا، بل نعمة الله التى معى" (1 كو 15: 10).

+ + +.

13 - ومن تواضعه أنه احتمل ظلم الأشرار، وقبلَ الإهانات فى صمت.

شُتم ولطم، وأهين، وجلد، وأتهم ظلماً. وقبل كل ذلك دون أن يدافع عن نفسه.. ودون أن يرد عليهم شرهم. وقد قيل عنه "ظُلم. أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاه تساق إلى الذبح" (أش 53: 7). وصُلب بين لصين "وأحصى مع أثمة" (أش 53: 12).

+ + +.

14 - وفى اتضاعه حمل خطايا العالم:

"هذا الذى لم يعرف خطية، جُعل خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21). حَمل خطايا العالم كله. "كلنا كغنم ضللنا. مِلنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضُع عليه إثم جميعنا. ونحن حسبناه مصاباً ومضروباً من الله" (أش 53: 6، 4). وهكذا صُلب كفاعل إثم وهو البار. ورضى أن يكون أمام الآب ذبيحة خطية.

+ + +.

15 - ومن تواضعه أنه جعل صلبه واضحاً أمام الناس كلهم. بينما قيامته الممجدة لم يظهرها إلا لأفراد قلائل!

وكان يمكن أن تكون تلك القيامة واضحة للكل، بطريقة مبهرة ترد إليه اعتباره أمام اليهود. ولكنه فى اتضاعه لم يفعل ذلك. وترك لتلاميذه أن يبشروا بقيامته وسط شكوك أثارها اليهود...

+ + +.

16 - لهذا كله، دعانا أن نتعلم منه الإتضاع:

وقال "تعلموا منى، فإنى وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). فجعل أهم ما نتعلمه منه هو الإتضاع. وفى عظته على الجبل، أعطى الطوبى الأولى للمسكنة بالروح. ثم أعطى الطوبى للودعاء (مت5).

تواضع الروح القدس:

17 - من تواضع الروح القدس أنه يعمل كل شئ فى بناء الكنيسة فى سرية واختفاء. فتسمى أعماله هذه بالأسرار الكنسية.

يلد الإنسان الجديد فى المعمودية، ويمنحه المغفرة والبنوة دون أن يظهر. وكذلك فى سر الميرون يسكن فى المؤمن دون أن يظهر. وبالمثل يغفر الخطايا من فم الكاهن دون أن يظهر. وهكذا فى باقى أسرار الكنيسة.

+ + +.

18 - ومن تواضع الروح القدس إنه يتكلم من أفواه الرسل، وينطق فى الأنبياء دون أن يظهر أيضاً.

كما قال السيد المسيح لتلاميذه ".. لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم هو الذى يتكلم فيكم" (مت 10: 20). ولكن الظاهر طبعاً أمام الناس أن الرسل يتكلمون. أما عمل الروح فهو فى الخفاء.

كذلك قيل عن النبوءات "لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 21). ولكن عمل الروح القدس لا يراه أحد. بل يسمعون النبوة من إنسان.

+ + +.

19 - بنفس الاتضاع القوة التى يمنحها الروح القدس للخدّام.

كما قال السيد المسيح لتلاميذه القديسين "لكنكم ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم. وحينئذ تكونون لى شهوداً.." (أع 1: 8). والناس كانوا يرون قوة شهادة الرسل ويمدحونهم ويتأثرون بهم. أما عمل الروح القدس فيهم، فكان فى اختفاء، لا يرونه.

+ + +.

20 - وفى اتضاع أيضاً كان الروح القدس يمنح المواهب.

والناس يرون أصحاب المواهب، يعجبون بهم ويمتدحونهم. بينما من جهة هذه المواهب كلها يقول الكتاب "لكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 11). ولكن الظاهر هو أصحاب المواهب. أما الروح فعمله فى اختفاء...

+ + +.

21 - وهكذا كان الروح القدس يعمل فى الكنيسة، والذى يظهر كان هو عمل الكنيسة. أما الروح فكان يعمل العمل كله فى سرية واختفاء.

اقرأ التاريخ كله، وما يحمله من تمجيد لأبطال الإيمان وللكارزين، وآباء الرهبنة، ومعلمى البيعة، بل لقديسى التوبة أيضاً. نرى أن التاريخ يمجدهم ويرفع شأنهم. بينما يرجع الفضل كله إلى عمل الروح فيهم – ذلك الذى عمله الروح تواضعاً فى اختفاء...

+ + +.

22 - ومن تواضع الروح أنه يرضى أن يسكن فى أجسادنا البشرية.

كما يقول الرسول "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل الروح القدس الذى فيكم..".

(1 كو 6: 19) وأيضاً "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1 كو 3: 16).

من نحن التراب والرماد؟ وما هى أجسادنا؟ حتى يسكن فيها روح الله؟! أليس هذا تواضعاً منه؟!

+ + +.

23 - ومن تواضع الروح القدس أنه يحتملنا:

يحتملنا ونحن نحزن الروح (أف 4: 30)، ونطفئ الروح (1 تس 5: 19)، ونقاوم الروح (أع 7: 51) بل نرفض الشركة مع الروح بخطايانا!

فليرحمنا الله، وليجدد روحه فينا.



الباب الثالث : العظمَة والكبرياء

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات