عيد البشارة – عيد البشارة – البابا شنودة الثالث

عيد البشارة

يأتى عيد البشارة كل عام يوم 29 برمهات، بينه وبين عيد الميلاد الذى يأتى فى 29 كيهك، تسعة أشهر هى فترة الحبل المقدس بالسيد المسيح.

البشارة

بهذا يكون عيد البشارة هو أول الأعياد السيدية.

فيه نذكر بشارة الملاك جبرائيل للسيدة العذراء قائلا لها: "سلام لك أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك. مباركة أنت فى النساء" "ها أنت ستحبلين وتلدين إبناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً، وابن العلى يُدعى. ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لو 1: 26 - 33).

فلما تعجبت العذراء قائلة "كيف يكون هذا، وأنا لست أعرف رجلا؟!"، أجابها الملاك "الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلى تظللك. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لو 1: 35، 34).

وأخبرها الملاك بحبل أليصابات بابن فى شيخوختها. ثم قال "لأنه ليس شئ غير ممكن لدى الله".

واستقبلت العذراء هذه البشارة، أو هذا التكليف، بالخضوع للإرادة الإلهية وقالت "هوذا أنا أمة الرب. ليكن لى كقولك" (لو 1: 38). ومضى من عندها الملاك.. إذ كان قد أدّى رسالته.

بشارات أخرى

سبقت عيد البشارة ولحقته بشارات أخرى:

سبقته بشارة الملاك لزكريا الكاهن بميلاد ابنه يوحنا المعمدان.

ذلك الذى سيكون الملاك الذى يهيئ الطريق قدام السيد المسيح (مر 1: 2). والذى وردت عنه نبوءة ملاخى النبى (ملا 3: 1).

ظهر له ملاك الرب واقفاً عن يمين مذبح البخور، وبشره بأن إمرأته اليصابات ستلد له إبناً وتسميه يوحنا، البخور، وأنه سيكون عظيماً أمام الرب، ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته (لو 1: 8 - 17).

تبعث بشارة الملاك للعذراء، بشارة أخرى ليوسف النجار.

ظهر له ملاك الرب فى حلم قائلاً "يا يوسف بن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذى حُبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد إبناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21، 20). وذكره بنبوءة إشعياء النبى "هوذا العذراء تحبل وتلد إبناً، ويدعون اسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا" (مت 1: 22) (أش 7: 14).

ولما وُلد السيد المسيح، ارسلت بشارة أخرى للرعاة وكل الشعب:

ظهر ملاك الرب لرعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. ومجد الرب أضاء حولهم. وقال لهم الملاك ".. ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: إنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب"...

"وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين: المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وفى الناس المسرة" (لو 2: 8 - 14).

البشارة فرَح

دائماً البشارة تحمل خبراً مفرحاً.

لذلك فإن الإنجيل أيضاً يسمى بشارة. فنقول بشارة متى، بشارة مرقس.. ذلك لأن الإنجيل يحفل أخباراً مفرحة Good News أخباراً عن الخلاص الذى قدمه السيد المسيح لأجل فدائنا. وايضاً لأن الإنجيل يحمل إلينا أخباراً مفرحة عن تعاليم المسيح الجميلة التى تفرح كل قلب محب للفضيلة والقداسة. وذلك لأن الناس الروحانيين يفرحون بكلمة الله كمن وجدوا غنائم عظيمة "(مز119).

وعيد البشار يحمل بشارة بالخلاص.

وهذا واضح من قول الملاك "وتدعو إسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21). إن كلمة (يسوع) معناها مخلص.

ولذلك أيضاً قال الملاك للرعاة ".. إنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب" (لو 2: 11).

وبهذا الخلاص أيضاً سبحت السيدة العذراء فى مقابلتها للقديسة أليصابات قائلة ".. وتبتهج روحى بالله مخلصى" (لو 1: 47).

بشارة الخلاص هذه، لم تكن للقديسة العذراء وحدها، ولا للرعاة وحدهم، وإنما للعالم كله.

ولهذا قال الملاك للرعاة "ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب إنه ولد لكم.. مخلص هو المسيح الرب" (لو 2: 11، 10).

وعن هذا الخلاص الذى للجميع، لما أخذ سمعان الشيخ الطفل يسوع على يديه، بارك الرب قائلا "الآن يارب تطلق عبدك بسلام حسب قولك. لأن عينى قد أبصرتا خلاصك الذى أعددته قدام وجه جميع الشعوب" (لو 2: 28 - 30).

إذن هى بشرى بالخلاص لجميع الشعب، ولجميع الشعوب، وصلت أولاً إلى أذنى القديسة مريم العذراء ثم لآخرين.

بدء الصلح

كانت البشارة بميلاد المسيح هى بدء الصلح بين السماء والأرض:

بدء المصالحة بين الله والناس، بعد خصومة طويلة منذ خطية آدم وحواء.. كان الطريق إلى شجرة الحياة مغلقاً، يحرسه الشاروبيم بسيف من نار (تك 3: 24). وكان قدس الأقداس عليه حجاب، ولا يدخله أحد من الشعب (عب 9: 7، 3).

وفى الفترة السابقة لمجئ السيد المسيح، لم يكن هناك أنبياء، ولا كلام بين الله والناس، ولا ظهورات مقدسة، ولا ملائكة يرسلهم الله إلى الناس.. كانت فترة غربة طويلة تغرب فيها الناس عن الله.

ثم جاءت البشار كبشير صلح بين الله والناس.

وكثرت ظهورات الملائكة مع رسائل مفرحة هى البشارة بالمخلص...

كانت بشارة بخلاص روحى.

بمخلص يخلص الناس من خطاياهم، وليس مخلصاً سياسياً يخلصهم من حكم الرومان. بل هو "خلاص بمغفرة خطاياهم" (لو 1: 77). كما تنبأ بهذا زكريا الكاهن قائلاً عن هذا الخلاص "بأحشاء رحمة إلهنا التى بها افتقدنا.. ليضئ على الجالسين فى الظلمة وظلال الموت" (لو 1: 79، 78).

الخلاص كان سيتم على الصليب، حينما يحمل المسيح خطايانا ويموت عنها. ولكن الخلاص على الصليب ما كان سيتم إلا إذا وُلد المسيح أولاً. وهنا كانت أهمية البشارة بميلاد المسيح الذى سيخلص شعبه من خطاياهم والبشارة بالخلاص من سيطرة الشيطان، والخلاص من حكم الموت، ومن الخصومة التى بين الله والناس...

إذن طريق الخلاص قد بدأ بالبشارة.

ورآه سمعان الشيخ فى ميلاد المسيح. فقال للرب "لأن عينىّ قد أبصرتا خلاصك. أى أبصرتا موكب الخلاص، وموكب الرحلة من الميلاد إلى الجلجثة رآه بروح النبوة...

بشارة حَملها ملائكة

البشارة إلى العذراء حملها رئيس الملائكة جبرائيل، نظرا إلى كرامة القديسة والدة الإله. إلى يوسف النجار، كانت فى حلم حيث ظهر له ملاك الرب وبشره. والبشارة بميلاد يوحنا المعمدان، كانت على يمين مذبح البخور مما يليق بزكريا الكاهن...

البشارة ليوسف كانت بعد الحبل المقدس. أما البشارة للقديسة العذراء، فكانت قبل ذلك. فلماذا؟

ما كان يليق أبداً أن تجد العذراء نفسها حبلى، وهى لا تدرى عن الأمر شيئاً، وإلا ستقع فى رعب عظيم يؤثر أيضاً على دمها ونفسيتها! إنما اللائق أن تعرف السرّ الإلهى أولاً وتستعد له بنفسية مستريحة... وأيضاً كان لابد أن تبشر أولاً لكى تؤخذ موافقتها على تقديم نفسها كوالدة فى سر التجسد الإلهى. فالله لا يرغمها على ذلك.

فلما استجابت العذراء للمشيئة الإلهية بعبارة "ليكن لى كقولك"، حينئذ بدأ الحمل المقدس...

أما يوسف النجار، فلم يكن من اللائق أن يُبشر قبل العذراء، وقبل أخذ موافقتها. وكذلك لمكانة القديسة العذراء.

ليكن لكى كقولك

فى قصة البشارة نتذكر أمرين: الإختبار الإلهى، والإستجابة البشرية.

اختيار الله للعذراء مريم، واستجابتها بقولها "ليكن لى كقولك"..

أما اختيار الله فسببه معرفته بقداسة العذراء، وباحتمالها لهذا المجد العظيم. العذراء التى تربت فى الهيكل منذ طفولتها، فى حياة الصلاة والتأمل، وفى قراءتها للكتاب المقدس وحفظها لكثير من آياته. العذراء الطاهرة المحبة للبتولية..

وأيضاً العذراء المتواضعة التى يمكنها أن تحتمل هذا المجد العظيم دون أن يرتفع قلبها.

لم يكن سهلاً على فتاة أن تصير والدة للإله، إلا إن كانت متواضعة القلب جداً. فاحتمال الكرامة ليس أمراً سهلاً كما قال القديس الأنبا أنطونيوس "إن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة". إنما يحتمل الكرامة قلب متواضع. لذلك انتضر الرب حتى يجد هذا القلب المتواضع الطاهر ليبشره بالتجسد الإلهى.

وهكذا قالت القديسة العذراء فى تسبحتها "تبتهج روحى بالله مخلصى، لأنه نظر إلى اتضاع أمته" (لو 1: 48، 47). وعبارة "أمته" وليس أمه، تدل أيضاً على إتضاعها، وبخاصة بعد ان سمعت القديسة أليصابات تقول لها "من أين لى هذا، أن تأتى أم ربى إلى"؟! (لو 1: 43).

بعبارة (ليكن لى كقولك)، اتحدت مشيئة الله مع مشيئة القديسة العذراء. وبهذه العبارة بدأ الحمل المقدس.

وهكذا حلّ الروح القدس عليها. وقدّس مستودعها، حتى أن القدوس الذى يولد منها لا يرث شيئاً من الخطية الأصلية.

وبعبارة "ليكن لى كقولك" حل الكلمة (اللوجوس) أى الأقنوم الثانى فى بطن القديسة العذراء، واتحد اقنومياً بجسد كونه الروح القدس فيها لينمو نمواً طبيعياً حتى تتم ولادته.

وهكذا حلّ فى بطن العذراء المتواضعة (الكلمة) المتواضع، الذى أخلى ذاته وأخذ شكل العبد (فى 2: 7).

كان يليق أن الإبن المتواضع، يولد من أم متواضعة.

لأنه بدون التواضع، ما كان يمكن أن يتم التجسد الإلهى. وبدون التواضع ما كان يمكن أن يتم الصلب والفداء بعد ذلك.

درس آخر هام، نأخذه من عبارة (ليكن لى كقولك).

بعبارة (ليكن لى كقولك) برهنت العذراء على حياة التسليم:

القديسة العذراء التى أحبت حياة البتولية وأنها "لا تعرف رجلاً، ما كنت تفكر فى يوم من الأيام أن تصير أماً، وكان هذا عجيباً فى عينيها. ولكن لما بشرها الملاك بالمشيئة الإلهية، لم تكن تملك سوى التسليم لإرادة الله، فقالت" ليكن لى كقولك ".

وهكذا فى عيد البشارة نتعلم درساً فى حياة التسليم.

فى قصة البشارة نرى هيبة ملاك الله.

عبارة "لا تخف" أو "لا تخافى" ظاهرة بوضوح.

ففى بشارة الملاك لزكريا الكاهن، قيل "فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سُمعت، وامرأتك أليصابات ستلد لك إبناً" (لو 1: 13، 12).

وفى بشارة الملاك للعذراء قيل "فلما رأته اضطربت من كلامه، وفكّرت ما عسى أن تكون تلك التحية. فقال لها الملاك لا تخافى يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله" (لو 1: 30، 29).

فى قصة البشارة أيضاً، نرى احترام جبرائيل الملاك للقديسة العذراء.

فإنه لما ظهرلها، قال "سلام لك أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك مباركة أنت فى النساء" (لو 1: 28).

ويختلف هذا اللقاء، عن ظهور الملاك لزكريا الكاهن، وظهور الملاك ليوسف فى حلم. ففى كلا الظهورين لا تحية ولا مديح، كما فى الظهور للعذراء.

نلاحظ أن عبارة "مباركة أنت فى النساء" التى قالها الملاك للقديسة العذراء، قالتها لها أيضاً القديسة اليصابات فى لقائهما "(لو 1: 42).

نلاحظ أن تعجب زكريا من أن يكون له ابن، قوبل بعقوبة من الملاك جبرائيل (لو 1: 20)، بينما تعجب العذراء قوبل بالشرح والتوضيح.

لكرامة العذراء من جهة. وأيضاً لأن الميلاد البتولى كان الأول من نوعه وليست له سابقة. أما الميلاد من نساء عواقر وأزواج شيوخ حدث من قبل، كما فى ميلاد اسحق من ابراهيم الشيخ وزوجته سارة (ت 18: 12، 11). فلما تعجبت سارة من أن تلد فى شيخوختها، لم يعاقبها الرب، لأنه لم تكن هناك سابقة لذلك وقتذاك..

وعلى كل أجاب الملاك بقوله "لأنه ليس شئ غير ممكن لدى الله" (لو 1: 37). ليتنا نأخذ أيضاً درساً من عبارة الملاك هذه... درساً يدخل فى قلوبنا الرجاء، مهما كانت بعض الأمور تبدو صعبة أمامنا أو غير ممكنة!.. وهذا المبدأ الروحى واللاهوتى قاله السيد المسيح أيضاً فيما بعد: "عند الناس غير مستطاع. ولكن ليس عند الله. لأن كل شئ مستطاع عند الله" (مر 10: 27).

فى قصة البشارة، يفرحنا أن الذى حمل البشارة ملاك.

المرأة الشونمية، حمل إليها البشرى أن يكون لها إبن، أليشع النبى الذى قال لها "فى هذا الميعاد نحو زمان الحياة تحتضنين إبناً" (2 مل 4: 19). وقد كان. أما هنا، فالذى يحمل البشارة ملاك، بل رئيس ملائكة، من أجل عظمة المولود.

قال الملاك للعذراء عن إبنها: هذا يكون عظيماً "(لو 1: 32).

وقال أيضاً "وابن العلى يُدعى". كما قال لها أيضاً "لذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لو 1: 35، 32). قال هذا قبل أن يشهد بهذه البنوة نثانائيل (يو 1: 49) ولا بطرس (مت 16: 16). وشهد الملاك فى بشارته للعذراء أن إبنها سيكون ملكاً، ويملك إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية (لو 1: 33). ولعل هذا يشبه أيضاً نبوءة دانيال النبى: حينما قال "سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول، وملكوته ما لن ينقرض" (دا 7: 14).

عيد البشارة يعطينا فكرة عن الأعياد فى فترة الصوم.

إنه دائماً يأتى فى الصوم الكبير، لأن شهر برمهات يكون دائماً فى فترة الصوم الكبير. ونحن لا نكسر الصوم الكبير لأى سبب من الأسباب. لذلك نعيد عيد البشارة ونحن صائمون صومنا النباتى، غير أننا نعافى من الانقطاع احتفالاً بهذا العيد السيدى. وايضاً لا تكون فيه مطانيات.

بشرى الخَلاص

فهو عيد ليس لمجرد البشارة بالميلاد، بل البشارة ببدء موكب الخلاص.

نبشر فيه الناس بأن الله قد بدأ فى تنفيذ خطته الإلهية لخلاص البشر. وقد بدأت بذلك عملية التجسد بالحمل المقدس، الذى يؤدى إلى الميلاد، ومنه إلى الصليب والفداء، ثم القيامة والقضاء على حكم الموت.

فيه نبشر كل إنسان بأن خلاصه قريب. والله قرر أن يخلص.

وكما قال فى منح الخلاص لزكا العشار "اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضاً ابن ابراهيم. لأن ابن الإنسان قد جاء لكى يطلب ويخلص ما قد هلك" (لو 19: 14، 9). فالذى خلَص زكا العشار على الرغم من كل شروره، هو قادر أن يخلص أى إنسان خاطئ. والذى جاء يطلب ويخلص ما قد هلك، هو ايضاً مستعد أن يخلص من قد سقط..

ما أجمل أن نقدم بشرى الخلاص لكل إنسان تحت نير.

نقول للذين هم فى تعب وتحت أثقال ضاغطة، هوذا الرب يقول لكم "تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال، وأنا أريحكم" (مت 11: 28).

ونقول لكم أصحاب القلوب الكسيرة: إن الرب جاء من أجلكم ومن أجل راحتكم وانقاذكم. أليس هو القائل "روح السيد الرب علىّ. لأن الرب مسحنى، لأبشر المساكين. أرسلنى لأعصب منكسرى القلوب. لأنادى للمسبين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق.." (أش 61: 1). بهذا نغرس الرجاء والفرح فى قلوب الناس. وحقاً ما أصدق قول الكتاب: "ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات" (رو 10: 15).

يقول الكتاب أيضاً "الخبر الطيب يسمَن العظام" (أم 15: 30).

لتكن إذن فى أفواهكم كلمة طيبة تفرح الناس، وبشرى تملأ قلوبكم رجاء.. قولوا للخاطئ إن التوبة سهلة، ونعمة الله قادرة أن تسهّل لك طريق التوبة. والله يبحث عنك، ولابد سيجدك ويردك إليه. لذلك فإن خلاصك من الخطية ممكن وسهل. وكما قال القديس بولس الرسول: "إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم. فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا" (رو 13: 11). والرب مستعد أن يقبلنا إليه مهما شردنا عنه، كما سبق وقبل الابن الضال (لو15). وكما قبل بطرس الرسول (يو21) على الرغم من أنه أنكره قبلاً، وحلف ولعن وقال: لا أعرف الرجل (مت 26: 74).

بشارات مفرحة مِن السَيد المسيح

كم من بشارات مفرحة قدمها السيد المسيح لأفراد أو للعالم أجمع.

منها بشارة مفرحة فى عبارة (مغفورة لك خطاياك).

قال هذه العبارة للمفلوج الذى دلاّه أصحابه من السقف (مر 2: 5). كل ما كان يرجوه ذلك المفلوج أن ينال شفاء لجسده. ولكن الرب أعطاه أيضاً بشارة بمغفرة خطاياه... ونفس العبارة قالها الرب للمرأة الخاطئة التى بللت قدميه بدموعها فى بيت الفريسى، ومسحتهما بشعر رأسها. بشرّها أيضاً بمغفرة خطاياها، لأنها أحبت كثيراً. وقال لها "مغفورة لك خطاياك" (لو 7: 48). وايضاً "إيمانك قد خلصك" (لو 7: 50).

أجمل بشرى هى البشارة بالمغفرة، وهى كثيرة من فم السيد المسيح.

حتى وهو على الصليب، قال هذه البشرى "يا أبتاه إغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون" (لو 23: 34). ونفس البشارة الجميلة حملها للص اليمين مطمئناً إياه بقوله "اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو 23: 43). إنها أجمل عبارة سمعها اللص طول أيام حياته، وسمعها فى آخر يوم من أيام حياته.

ايضاً ما أجمل قول الرب للمرأة المضبوطة فى ذات الفعل "ولا أنا أدينك. اذهبي بسلام ولا تخطئى أيضاً" (يو 8: 11).

كان بطرس الرسول حزيناً جداً لإنكاره الرب ثلاث مرات. وقد "خرج خارجاً بكى بكاء مراً" (مت 26: 75). ثم إذا به – بعد القيامة – يسمع من السيد الرب تلك البشارة المفرحة "أرعَ غنمى.. أرعَ خرافى" (يو 21: 16، 15).

حقا إن البشرى تجلب فرحاً أكثر، إن كانت غير متوقعة، أو كانت بسخاء أوفر..

قبل الصليب، قدّم الرب لتلاميذه بشارات كثيرة مفرحة.

قال لهم "لا أترككم يتامى. إنى آتي إليكم" (يو 14: 18) "أنتم كذلك عندكم الآن حزن. ولكنى سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم. ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 16: 22). بشرّهم بأنه سيقوم من الموت ويرونه. وبشرهم ببشرى أخرى جميلة وهى "أنا ماضِ لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً، آتى أيضاً وآخذكم إلىّ حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضاً" (يو 14: 3، 2).. ما أحلى هذه البشارة.

وأعطاهم بشارة أخرى عن حلول الروح القدس عليهم.

بشارة بالروح القدس

بكلام مفرح قال فيه "وأنا أطلب من الآب، فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفوه، لأنه ماكث معكم ويكون فيكم" (يو 14: 17، 16). وايضاً "وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى، فهو يعلمكم كل شئ، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو 14: 26) "ومتى جاء ذاك، روح الحق، فإنه يرشدكم إلى جميع الحق.. ويخبركم بأمور آتية" (يو 16: 13).

كان الحديث عن حلول الروح القدس عليهم بشارة طيبة مفرحة، تحمل ما سوف ينالونه من قوة، كما تحمل بدء خدمتهم وكرازتهم. لذلك قال لهم قبل الصعود: "ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم. وحينئذ تكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض" (أع 1: 8).

ليتنا نحن جميعاً نبشر الناس بعمل الروح القدس فيهم.

نبشرهم بشركة الروح القدس (2 كو 13: 14). وبأنهم سيكونون جميعاً "شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4).. طبعاً شركاء فى العمل. إذ يعمل الروح القدس فينا، ويعمل بنا ومعنا. كما قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن شريكه فى الخدمة أبولس "نحن عاملان مع الله" (1 كو 3: 9). وكما نصلى فى أوشية المسافرين قائلين للرب "اشترك فى العمل مع عبيدك، فى كل عمل صالح"...

نعم، نبشر الناس بأنهم قد صاروا هياكل للروح القدس.

وذلك بعد نوالهم سر المسحة المقدسة (1 يو 2: 27، 20) فى سر الميرون المقدس، فسكن الروح القدس فيهم. وهكذا تحققت البشرى التى قالها لنا القديس بولس الرسول "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1 كو 3: 16). "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم، الذى لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم" (1 كو 6: 19).

بشارات أخرى

من أعمق البشارات وأكثرها تأثيراً، قول الرب:

"ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).

إنها بشرى طيبة ومفرحة أن يكون الرب معنا كل الأيام، وأننا لسنا وحدنا. بل يقول لنا "حيثما اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمى، فهناك أكون فى وسطهم" (مت 18: 20). وأيضاً قوله "سلامى أترك لكم. سلامى أنا أعطيكم.. لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع" (يو 14: 27).

ولا ننسى أيضاً البشارة بالحفظ الإلهى:

حيث يقول "وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة" (مت 10: 30) وقوله "وشعره من رؤوسكم لا تهلك" (لو 21: 18). وقد حفظ القديس بولس الرسول هذه البشارة، فقال لرجاله مبشراً "... لأنه لا تسقط شعرة من رأس واحد منكم" (أع 27: 34).

فى هذا الحفظ أيضاً، قدم لنا الإنجيل بشارة أخرى فى قول السيد الرب "ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شيء" (لو 10: 19). وقوله لبولس الرسول "لا تخف.. لأنى أنا معك. ولا يقع بك أحد ليؤذيك" (أع 18: 10، 9).

بشارة خاصة بالأبدية

ما أعجب البشارات التى يقدمها الرب عن الأبدية السعيدة. يقدمها الرب للغالبين، الذين جاهدوا فى حياتهم الروحية وغلبوا.

فيقول: "من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التى فى وسط فردوس الله". "من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني". "من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن المخفى". "من يغلب فسأعطيه سلطاناً على الأمم.. وأعطيه كوكب الصبح" (رؤ28، 26، 2: 17، 11، 7). ويكمل هذه البشارة المفرحة فيقول "من يغلب فذلك سيلبس ثياباً بيضاً، ولن أمحو اسمه من سفر الحياة. وسأعترف باسمه أمام أبى وأمام ملائكته". "من يغلب فسأجعله عموداً فى هيكل إلهي". بل ما أعجب البشرى التى يقول فيها "من يغلب فسأعطيه أن يجلس معى فى عرشى، كما غلبت أنا أيضاً وجلست مع أبي فى عرشه" (رؤ 3: 21، 12، 5).

يقدم لنا الرب بشارة أخرى عن الأبدية فى وصف أورشليم السمائية.

حيث يسكن الله مع شعبه، فى هذه المدينة "النازلة من السماء كعروس مزينة لعريسها". "ولا يكون موت فى ما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فى ما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت" (رؤ 21: 2 - 4) "هذه المدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها، لأن مجد الرب قد أنارها" (رؤ 21: 23). "ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله ينير عليهم، وهم سيملكون إلى الأبد". "وهم سينظرون وجهه، واسمه على جباههم" "حيث شجرة الحياة، وماء الحياة" (رؤ 22: 1 - 5).

هناك البشارة بعشرة الله والملائكة والقديسين. بل من أجمل ما قيل فى البشارة بالأبدية السعيدة قول الرسول عنها:

"ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه" (1 كو 2: 9).

بشارة عجيبة عن الحياة فى الأبدية، تفوق كل تصور، وتجلب الفرح، وتدعو إلى الجهاد الروحى وإلى الإلتصاق بالرب للتمتع بهذه البشارة. ويضيف إليها الرسول بشارة أخرى، يقول فيها إننا سنقوم بأجساد روحانية، أجساد سماوية، حيث نقام فى قوة وفى مجد. وهذا الجسد المائت يلبس عدم موت (1 كو 15: 42 - 53).

ويضيف الرسول بشارة أخرى فيقول بأننا "سنخطف جميعاً فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء. وهكذا نكون كل حين مع الرب. لذلك عزوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام" (اتس 4: 18، 17).

حقاً ما أحلى وما أجمل التأمل فى هذه البشارة الخاصة بالأبدية...

بشارة خاصة بالله

هناك أمور كثيرة فى المسيحية جميلة وعميقة ومؤثرة نبشر الناس بها، ولكن أجمل ما فيها هى الله نفسه وعلاقته بالبشر.

الله محب البشر، صانع الخيرات، ضابط الكل. الذى هو "أبرع جمالاً من بنى البشر" (مز 45: 2) الذى خلق كل شئ جميلاً. وفى محبته لنا، خلقنا كشبهه على صورته ومثاله ومنحنا السلطان على كل ما خلقه على الأرض (تك 1: 26 - 28). ولما أخطأنا إليه، من فرط محبته لنا، فدانا وسهّل لنا طريق التوبة "وهكذا أحب الله العالم، حتى بذل إبنه الوحيد، لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16).

إن البشارة بالمغفرة والفداء من أجمل ما تبشر به المسيحية.

الله الذى قال عنه المرتل "لم يصنع معنا حسب خطايانا. ولم يجازنا حسب آثامنا. لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض، قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا. كما يتراءف الأب على البنين، يتراءف الرب على خائفيه. لأنه يعرف جبلتنا. يذكر أننا تراب نحن" (مز 103: 10 - 14).

إنه الله الحنون الغفور الطيب...

الذى على الرغم من كسرنا لوصاياه، يقول "لأنى أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد" (أر 31: 34) "هل مسرة أسر بموت الشرير.. إلا برجوعه عن طريقه فيحيا؟!" "كل معاصيه التى فعلها لا تُذكر عليه. فى بره الذى عمل يحيا" (حز 18: 22، 23). إنه الله الذى صالح العالم لنفسه "غير حاسب لهم خطاياهم" (2 كو 5: 19).

لما تأمل داود النبى فى صفات الله الجميلة، قال فى مزموره:

"أيها الرب إله الجنود، من مثلك؟!" (مز 89: 8) "يا الله من مثلك؟!" (مز 71: 19).

"من يشبه الرب؟" (مز 89: 6). حقاً، ليس لك شبيه يارب بين جميع الآلهة. كما نقول فى التسبحة وفى (مز 86: 8) "الرب مهوب على كل الآلهة. لأن كل آلهة الأمم شياطين" (مز 96: 5، 4).

إنه الله المعطى دون أن نطلب، والمعطى فوق ما نطلب.. المعطى لطيور السماء قوتها. والمعطى لزنابق جمالاً لم يكن لسليمان فى كل مجده (مت 6: 26 - 29).

فلنبشر الناس، بأن الله هو الراعى الذى يحملنا على منكبيه فرحاً (لو 16: 5).

هو الراعى الذى قال عنه داود النبى "الرب راعىَ، فلا يعوزنى شئ فى مراعِ خضر يربضنى، وإلى ماء الراحة يوردنى. يرد نفسى، يهدينى إلى سبل البر" (مز23). وهو أيضاً الراعى الصالح الذى يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11).. نعم هو الراعى الصالح الذى يبحث عنا إن ضللنا، ولا يستريح حتى يجدنا (لو15).

نبشر الناس بأن الله هو الله الحافظ المنجى المنقذ..

هو الذى إن نسيت الأم رضيعها، فهو لا ينسانا (أش 49: 15). هو الذى قال "لا أهملك ولا أتركك" (يش 1: 5). مهما كانت ضآلتنا فهو يهتم بنا. إنه إله الكل، حتى الضعفاء والصغار والمزدرى وغير الموجود (1 كو 1: 28). هو الجالس فى الأعالي، والناظر إلى المتواضعات. "الغافر خطايانا والمنقذ حياتنا من الفساد" كما نقول فى القداس الإلهى. هو الذى نقول له فى الصلاة الربية "لا تدخلنا فى تجربة. لكن نجنا من الشرير" (مت 6: 13).

بشارة الحب

ليتنا نبشر الناس بإله محب، يربطهم به الحب وليس الرعب.

كانت بشارة السيد المسيح هى بإله هو الآب السماوى الذى يحبهم. وهكذا قال للآب "عرفتهم إسمك وسأعرّفهم، ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به، وأكون أنا فيهم" (يو 17: 26). وهكذا قال للناس إن الوصية الأولى فى الناموس هى هذه "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك.." (مت 22: 38).. وهكذا أيضاً قال القديس يوحنا الرسول "الله محبة. من يثبت فى المحبة، يثبت فى الله، والله فيه" (1 يو 4: 16). وقال أيضاً "لا خوف فى المحبة. بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج" (1 يو 4: 18).

جاء السيد المسيح يبشر الناس ببشارة الحب.

حب الله للناس، وحب الناس لله، وحبهم لبعضهم البعض.

فعن حب الله للناس، قال لهم "هكذا أحب الله العالم، حتى بذل إبنه الوحيد.." (يو 3: 16) وأيضاً "ليس لأحد حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه عن أحبائه" (يو 15: 3). وعن هذا أيضاً قال الرسول إن "الله بيَن محبته لنا. لأننا ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا" (رؤ 5: 8). كما قال إن "محبة الله قد انسكبت فى قلوبنا بالروح القدس" (رو 5: 5).

ومن جهة محبة الناس لله، قال الرب إنها الوصية العظمى فى الناموس (مت 22: 38). وقال القديس يوحنا الحبيب "فى هذا هى المحبة: ليس أننا أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا، وأرسل إبنه كفارة لخطايانا" (1 يو 4: 10).

ومن جهة محبتنا لبعضنا البعض، قال السيد الرب "هذه هى وصيتى أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم" (يو 15: 12). "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذى، إن كان لكم حب بعضاً لبعض" (يو 13: 35).

ليتكم إذن فى محبتكم للناس. تحملون لهم بشارة مفرحة.

احملوا بشارة مفرحة

لتكن فى فم كل واحد منكم كلمة مفرحة يقولها للناس، وبشارة طيبة يحملها إليهم.

احملوا كلمة طيبة لكل من هو فى ضيقة أو مشكلة. كلمة دعاء، أو كلمة نصيحة مفيدة. قولوا للكل إنه يوجد مفتاح لكل باب مغلق، بل قد توجد عدة مفاتيح.. وأن الله عنده حل لكل مشكلة، بل عدة حلول. قولوا إن شاء الله سوف تحل هذه المشكلة. وإن شاء الله سوف تنتهى هذه الضيقة. وذكّروا الناس بقول الكتاب:

"كل الأشياء تعمل معاً للخير، للذين يحبون الله" (رو 8: 28).

لا تكن ملامحكم معبسة. ولا تعطوا الناس فكرة مخيفة عن الله، وفكرة سوداء عن التدين الذى لا تذكرونه إلا بالبكاء والدموع! بحيث كل من يراكم يقول "استر يارب"! ولا يرى إلا لافتة مكتوب عليها "بكآبة الوجه يصلح القلب" (جا 7: 3).. إن كآبة الوجه تكون فى المخدع، وأنت تحاسب نفسك على خطاياك. ولا تكون أمام الناس، وباستمرار!

اجعلوا البشاشة إحدى صفاتكم المحببة، التى تجذب الناس إلى الدين.

بشاشتكم هى بشارة مفرحة، تشعر الناس بأن الدين يحمل سلاماً فى القلب. ويذكرهم بقول الرسول "افرحوا فى الرب كل حين. وأقول أيضاً افرحوا" (فى 4: 4).

لم يكن عمل السيد المسيح فقط، هو الخلاص الذى قدمه بدمه على الصليب. إنما كان يحمل فرحاً لكل من يقابله. ولعل هذا يظهر فى قول الكتاب عنه إنه:

"كان يجول يصنع خيراً.." (أع 10: 38).

كان يوزع الخير على الناس. وكل من تقابل معه نال منه خيراً. أليس هو القائل: تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال، وأنا أريحكم "(مت 11: 28). وأنت أيضاً ليكن لك هذا الأسلوب الذى للسيد المسيح.

إن لم تستطع أن تقدم الخير عملاً، فقدمه قولاً، كبشارة طيبة.

حتى أن الناس يستبشرون بك. كما قال داود النبى عن أخميعص بن صادوق: "هذا رجل صالح، ويأتى ببشارة صالحة" (2 صم 18: 27). لذلك لا تعقد الأمور أمام أحد من الناس، مهما كانت حالته سيئة.. بل فى وسط الظلمة، افتح له طاقة من نور، طاقة رجاء. واحذر من أن تسبب يأساً لأحد. أو تجلب ضيقة لنفسه.

لتكن نفسك من النفوس المريحة. كل من يستمع إليك يستريح.

إن النفوس المريحة تستطيع أن تريح غيرها. ودائماً يلجأ الناس إليها ليستريحوا.. لا بكلام الملق أو مجرد مجاملة، بل بالروح والحق، وبتعليم جميل من الكتاب ومن سير القديسين. بعكس نفوس أخرى تعقد الأمور. ومن يجلس إليها، يخرج وهو يردد المزمور "كثيرون يقولون لنفسى: ليس له خلاص بإلهه.." (مز 3: 2). مثلهم مثل أصحاب أيوب الصديق، الذين قال لهم "معزون متعبون كلكم" (أى 16: 2).

إن مجرد الملامح المريحة، تريح الناس.

كما يطلب المصور من الناس أن يبستموا قبل تصويرهم، لكى تكون ملامحهم مريحة ومقبولة. ومثلما نرى طفلاً مبتسماً، يشع النور من وجهه، فيفرحك وتبتسم أنت أيضاً.. إن الشخص الذى يرى رئيسه ملامحه متجهمة، يهرب من لقائه ولا يتوقع خيراً. أما إن قابله ببشاشة أو بابتسامة، فإنه يرى أن بشاشته تحمل بشارة طيبة.

ليكن كل من يراكم يستبشر خيراً، ويسعد أنه بدأ يومه بوجوهكم البشوشة.

حتى دون أن تقولوا له خبراً طيباً.. إنما مجرد لقياكم يكون فى حد ذاته بشارة مفرحة.. قولوا للناس: إن الله قد خلق الإنسان ليسعد. وحينما خلقه وضعه فى جنة. ويريد له بعد الموت أن يذهب إلى فردوس النعيم. إذن يارب، فليكن لنا كقولك.

القلب المملوء بالرجاء، دائماً توجد فى قلبه بشارة مفرحة.

فالرجاء الذى فى قلبه، ينقله تلقائياً إلى الناس. والفرح الذى فى قلبه، والذى يظهر تلقائياً فى ملامحه، ينتقل أيضاً إلى غيره. وما أجمل ما قاله أحد الآباء للقديس الأنبا أنطونيوس "يكفينى مجرد النظر إلى وجهك يا أبى"..

حتى فى وسط الضيقات، لم يفقد الآباء فرحهم. وفى ذلك يقول بولس الرسول عن نفسه وعن شركائه فى الخدمة "كحزانى، ونحن دائماً فرحون.. كأن لا شئ لنا، ونحن نملك كل شئ.." (2 كو 6: 10).

بشارة مفرحة هى قول الرب "كل شئ مستطاع للمؤمن" (مر 9: 23).

وهكذا قال بولس الرسول "أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى" (فى 4: 13). البشارة المفرحة التى تحملها للخاطئ، ليست فى أن يستهين بحالته. وإنما بأن نقول له إن الله قادر أن يخلصه من خطيته. وعليه أن يبدأ بالتوبة، والنعمة ستساعده...

فى أول سقطة للبشر. وفيما الله يعاقب الإنسان قدم له بشارة مفرحة.

فقال له إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية (تك 3: 15). عجيب هذا: وعد بالخلاص فى نفس لحظة العقوبة. وهكذا جاء السيد المسيح من نسل المرأة، مولوداً من امرأة تحت الناموس، ليفدى الذين تحت الناموس (غل 4: 5، 4) ويسحق رأس الحية.

نعم. هذه هى بشارة الميلاد المفرحة: "ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب" (لو 2: 11).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات