الفصل الرابع عمل الروح القدس – سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الرابع عمل الروح القدس

«ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله. لأن مَن مِن الناس يعرف أمور الانسان إلا روح الانسان الذى فيه. هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذى من الله لتعرف الأشياء الموهوبه لنا من الله. التى نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمه إنسانيه بل بما يعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات ولكن الإنسان الطبيعى لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهاله ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً. وأما الروحى فيحكم فى كل شئ وهو لا يحكم فيه من أحد. لأنه من عرف فكر الرب فيعمله. وأما نحن فلنا فكر المسيح» 1كو 2: 9 - 16.

أولاً: فهم الانجيل:

إن بداية طريق الحياة ودائماً تدبير الفكر وفقاً لكلمة الله وأن يحيا الانسان فى حياة التجرد وأن يملأ الانسان نفسه بالله حتى يقتنى منه الكمال. فإذا شغلت ذاتك بدراسة كلمة الله فإن هذا سوف يساعدك للنمو فى حياة التجرد. وإذا إقتنيت حياة التجرد فإن هذا سوف يساعدك على النمو فى دراسة كلمة الله. وهكذا فإن كليهما يؤثر فى الآخر لبناء حياة الفضيلة فى النفس.

مار اسحق السريانى.

إذا أردت أن تدفع عن نفسك بعيداً الانحرافات الخاطئه التى دخلت إلى النفس فلا شئ يساعد الانسان على ذلك أكثر من محبة دراسة الكتاب المقدس وفهم الافكار العميقه التى تحويه. وحينما تنشغل بنور حكمة الكلمة الخبأه فإن الانسان سوف يترك العالم خلفه، وسوف ينسى كل ما فى العالم بقد ما يستنير من نور الكلمه التى يقتنيها. بل حتى لو أن العقل لم يدرك سوى المعانى السطحيه للكتاب المقدس ولم يستطع أن يخترق المعانى العميقه التى فيه فإنه سوف ينشغل بالحماس لفهم أفكار الكلمة بخصوص المعجزات وحدها وسوف يمنع الفكر من الجرى وراء الأمور الجسديه والعالميه.

مار اسحق السريانى.

قبل أن يمتلئ الانسان من الروح القدس المعزى فهو محتاج إلى الكتاب المقدس لكى يحفر الصلاح فى ذاكرته وأن يحفظ جهاده دائماً نحو الصلاح الذى يتجدد باستمرار بالقراءه فى الكتاب المقدس وأن يحفظ نفسه من الطرق الشريره الخبيثه لأنه لم يقتن بعد قوة الروح التى تقاوم الاخطاء وتحفظ النفس من الأفكار. وحينما تخترق قوة الروح قوى النفس التى تعمل فى الانسان فعندئذ يحل قانون الكتاب المقدس ووصايا الروح فى جذور قلب الانسان وسوف يتعلم الانسان فى الخفاء من الروح ولن يحتاج إلى تعليم الحواس وسيكون للقلب تعاليمه الخاصه. ولكن ربما يخطئ ذلك الانسان ولكنه للحال سوف يرجع ويتبع التعليم. ولكن حينما يأتى التعليم من الروح القدس فإن تذكار التعليم سوف يحفظ ولا يمس.

مار اسحق السريانى.

لا تقترب إلى أسرار الكلمة التى يحويها الكتاب المقدس بدون الصلاه وطلب معونة الله. كأن تقول: يا رب إفتح قلبى لآخذ القوة التى تحويها كلمات الكتاب المقدس. إن الصلاة هى بمثابة المفتاح للمعانى الحقيقية التى قيلت فى الكتاب المقدس.

مار اسحق السريانى.

إن الطريق الصحيح لفهم الكتاب المقدس وطلب معانيه هو الكتاب المقدس نفسه. وقد وجدنا فى سفر الامثال لسليمان الحكيم مثل هذه التوجيهات لأختيار كلمة الله. فقد قال الحكيم سليمان «ألم أكتب لك أموراً شريفه من جهة مؤامرة ومعرفة. لأعلمك قط كلام الحق لترد جواب الحق للذين ارسلوك» أم 20: 21 - 22.

ولذلك يجب على الانسان أن يفكر فى المعانى الالهيه ثلاث مرات فى نفسه حتى يتعلم الانسان البسيط المعانى الواضحه لقصص الكتاب المقدس. ولكن إذا تقدم الانسان وإبتدأ يتأمل أكثر من هذا فإنه سوف يتعلم الكثير من الكتاب المقدس. وهؤلاء الكاملين يشبهون الذين تحدث عنهم بولس الرسول قائلاً «لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون. بل نتكلم بحكمة الله فى سر الحكمه المكتوبه التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا» 1كو 2: 6 - 7.

ومثل هؤلاء الناس يجب أن يتعلموا روح الناموس «فإننا نعلم أن الناموس روحى وأما أنا فجسدى مبيع تحت الخطيه» رو 7: 14 لأن «الناموس إذ له ظل الخيرات العتيده» عب 10: 1 ولذلك يتعلم هؤلاء الكاملين روح الكتاب المقدس. وكما أن الكيان البشرى يتكون من جسد ونفس وروح هكذا أيضاً أسرار الكتاب المقدس فإن الله منحها الغنى الجزيل من أجل خلاص الانسان.

العلامة أوريجانوس.

إن الله الملك قد أرسل الكتاب المقدس كرسالة للبشر لكى يدعوهم أن يطلبوا الله ويؤمنوا به وأن يسألوا ويأخذوا المواهب السمائية من الله الكائن لأنه مكتوب «قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينه لكى تصيروا بها شركاء الطبيعة الالهيه» 2بط 1: 4.

ولكن إذا لم يتقدم الانسان ليطلب ويأخذ فإنه لن يستفيد شيئاً من قراءة الكتاب المقدس ولكنه سوف يخضع للموت لأنه لم يرغب أن يأخذ من الملك السمائى موهبة الحياة التى بدونها يصير مستحيلاً أن يأخذ الحياه غير الفاسده الذى هو المسيح.

القديس مكاريوس.

عمل الروح القدس:

1 - طبيعة الروح القدس:

لقد مجد الابن [المسيح] الخليقه ورفعها فى الروح القدس وتبناها لكى يقدمها للآب. ولكن الروح القدس الذى وحد الخليقه مع الابن الكلمه لن ينفصل عن العالم المخلوق مثل الذى منح التبنى للعالم المخلوق فلم يعودوا غرباء عن البنوه. فإذا ما نحن أخذنا هذا التبنى فإننا سوف نتحد مع الابن الكلمه الذى يعطى الخليقه نعمة مشاركة الطبيعة الإلهية.

القديس أثناسيوس الرسولى.

إن كل ما هو للآب هو للابن أيضاً. والاشياء الموهوبه لنا من الابن هى خلال الروح القدس وهى نِعَم من الآب. وحينما يسكن فينا الروح القدس. فإن الكلمة [المسيح] الذى يعطينا الروح القدس سيكون فينا أيضاً. والابن الكلمة هو واحد مع الآب.

القديس أثناسيوس الرسولى.

لأن الروح القدس هو صانع كل الأشياء وهو الذى يملأ الكل بشخصه. وهو الذى يحتوى كل الأشياء ويملأ كل العالم بكيانه. ولكن لا يمكن للعالم إدراك قوة الروح القدس. ولكن الروح القدس هو الذى يمنح الصلاح للاشرار [إذا تابوا] لأن الروح القدس هو البر بالطبيعة وهو يقدس من ليس مقدساً. وهو غير محدود ولكنه يسكن فى المحدود. ويعطى شركة لمن ليس له شركة. ويملأ غير الممتلئ. وهو غير المحوى الذى يحتويه البشر. وهو الميراث الذى يمجد الانسان. وهو واحد مع الآب ومع الابن. وهو نار مثل الله لكى يعلن لنا ما أخذناه. وبسبب تجسد الابن الكلمه فإن الروح الخالق عن طريق المعموديه يخلقنا من جديد. والروح القدس هو الذى يعرف كل شئ ويعلمنا كل شئ. وهو يَهب حيث يريد ويرغب. وهو يرشد ويتحدث. ويبعدنا عن الغضب والسقوط. وهو يكشف لنا نفسه. وهو النور والحياه الذى يشرق ويشتعل فينا. والروح القدس هذا هو الذى يكملنا عن طريق الشركة فى سر العماد. وهو يفعل كل الأشياء التى يفعلها الله. ويجعل كل الأشياء طاهرة ونقيه. والروح القدس هو القوه الذاتيه غير المتغيره الضابط للكل وهو الذى يسمو فوق كل ذكاء وطهاره وخشوع.

القديس اغريغوريوس النازيانزى.

حينما تحصل المخلوقات العاقله على وجودها وكيانها من الله الآب وتحصل على عقلها من الكلمة وعلى قداستها من الروح القدس، عندئذ تستطيع هذه النفوس أن تأخذ إمكانيات المسيح فى البر. لأن هذه النفوس تكون قد تقدست بالروح القدس. والذين تقدموا خلال التقديس فإنهم ينالون الحكمه خلال قوة عمل روح الله. لأن الذين ربطهم الروح القدس مع الله فإنهم لن ينفصلوا عنه قط. لأن عمل الحكمه [المسيح] هو لكى يعلمهم ويقودهم إلى حياة الكمال عن طريق تقويتهم وإزدياد تقديسهم من الروح القدس. وخلال التقديس فقط فإنهم يستطيعون أن يصلوا إلى الله.

العلامة أوريجانوس.

إن الروح القدس هو الذى يكمل المخلوقات العاقله ويتمم تفوقهم ويجعلهم على شبه الله ولن يعودوا يحيون بعد حسب الجسد «لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله» رو 8: 14 وسوف يدعون أبناء الله «لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة إبنه» رو 8: 29 وعندئذ يصير ذلك الانسان إنساناً روحياً.

القديس باسيليوس الكبير.

كما أن قوة البصر هى فى العين السليمه هكذا عمل الروح القدس هو فى النفس التى تطهرت. وهكذا يصلى بولس الرسول لأجل أهل أفسس حتى تستنير عيونهم بروح الحكمة «ذاكراً إياكم فى صلواتى كى يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمه والاعلان فى معرفته مستنيره عيون اذهانكم» أفسس 1: 16 - 18.

القديس باسيليوس الكبير.

إنه يستحيل علينا أن نحمل صورة الله غير المنظور بغير إستنارة الروح. ويتعذر علينا أيضاً أن نثبت أنظارنا على الصورة الالهيه عن طريق إستنارة الروح. لأن سلامة الرؤية هو ضرورى مثل ضروريته لرؤية الأشياء الحسيه. وهكذا فإنه من المناسب والملائم أن تحل إشراقة المجد الالهى عن طريق إستنارة الروح للتعبير عن الصوره الالهيه وعندئذ سوف ينقاد اليه [إلى المسيح] كل من ختم ونقش عليه صورته وشبهه.

القديس باسيليوس الكبير.

لا يمكن أن يعطينا الروح القدس أى نعمة منفصلاً عن كيان الله لأن موسى النبى يقول بصراحه أن الله بعد أن أوجد الانسان نفخ فيه روح حياة. ويقول الرب يسوع إقبلوا الروح القدس. وموسى قال «نفخة حياة» لأن الطبيعة الالهيه هى الحياة الحقيقيه. لأن فيه نحن نوجد ونحيا ونتحرك. ويقول المخلص أن الروح القدس هو الذى يشهد له ويذكرنا بكل ما قاله وباختصار فإن الروح القدس هو الذى يقدم لنا المسيح. والروح القدس هو الذى يعيد طبيعتنا إلى حالتها الأولى حيث يعيد صياغتنا لنرجع إلى الصوره الأصليه خلال التقديس. وحينما يشكلنا الروح خلال التقديس فإننا نصير على صورة الله. وهكذا يقول الرسول بولس أنه. يتمخض من أجل أولاده إلى أن يتصور المسيح فيهم. والمسيح يتصور فينا خلال الروح القدس الذى يعيد خلقتنا ثانيه على صورة الله. الروح القدس هو الله الذى يعيد صياغتنا لنكون على صورته ليس خلال أى نعمة ماديه ولكن خلال منحنا ذاته [أى الروح القدس] لنكون شركاء الطبيعة الالهيه لأولئك الذين يستحقون ذلك.

القديس كيرلس الاسكندرى.

إن الروح القدس لا يعيدنا إلى صورة الله مثل من يرسم اى صورة مرئيه مرة اخرى. ولكن لأن الروح القدس هو الله وهو منبثق من الآب فهو نفسه يطبع فينا الصورة الالهيه بطريقة غير منظوره. وهو يطبع تلك الصوره فى قلوب أولئك الذين يأخذونه مثل الختم فى الشمع. وخلال الشركة والتشابه معه فإنه يشكل طبيعتنا بالتمام حسب صورة الأصل الجميله، ويعيد صياغه الانسان مرة أخرى لتكون على صورة الله. كيف يكون إذن هو الخالق؟ لأن فيه تتحول طبيعتنا لتكون على صورة الله لكى نصبح شركاء مع الله.

القديس كيرلس الاسكندرى.

قال أحد الأباء[16]:

1 - أنت ترى إذن أن أولئك الذين لا يمتلكون الروح هم أولئك الغير مؤمنين. لأن المسيح «لم يفعل خطيه ولا وجد فى فمه مكر» 1بط 2: 22 لأنه إذا قال أنه يعطى الروح القدس لأولئك الذين يؤمنون به فإن أولئك الذين لا يمتلكون الروح القدس هم غير المؤمنين بقلوبهم.

2 - إن التبنى خلال التجديد هو عمل الروح القدس الذى يجعلنا آلهه عن طريق التدبير والنعمه حتى ندعى وارثين لله ووارثين مع المسيح. حيث نرى الله ونرى المسيح نفسه يحيا فينا وفقاً لقدرته الالهيه ويتحرك حولنا بطريقه واعيه.

3 - فى الواقع إن تعليم الروح القدس ينبع فينا كل المعرفه وكل الفطنه والحكمه والمعرفه الخفيه وقوة المعجزات ونعمة النبوه والتحدث بألسنه كثيره وتفاسيرها وحماية. وقيادة المدن المختلفة والناس وإدراك الخيرات العتيده ونوال ملكوت السموات، والتبنى الالهى وأن نلبس المسيح ونعرف أسراره الخاصه بعمل الخلاص. ونستطيع أن نقول باختصار أن غير المؤمنين لا يستطيعون أن ينالوا كل ذلك. ولكننا نحن بعد نوال نعمة الايمان نستطيع أن نعرف ونفكر ونقول بأن كل هذا يأتى من تعليم الروح القدس.

4 - فى حالة الزيجه الروحيه مع المسيح فإن المسيحين يلتهبون بالروح القدس، ويصيرون مشتعلين مثل النار فى نفوسهم، ويحمل الانسان المسيحى نار الروح القدس أيضاً فى جسده. وعندئذ يصير الله ضرورياً للنفس مثل ضرورة النفس للجسد.

5 - إنك لن تستطيع أن تدرك الله ما لم يكشف لك خلال الروح القدس. لأن الروح يعلمنا كل شئ ويشرق فينا بالنور الذى يفوق الوصف. وسوف يكشف لك الطريق العقلى والحقائق الواضحه على قدر ما تستطيع أن ترى، وعلى قدر ما تستطيع أن تقبل. ووفقاً لقياس طهارة نفسك فإنك سوف تصير على شبه الله حينما تسلك بالتمام حسب كلامه، ليس فقط فى ضبط النفس والشجاعة ولكن أيضاً فى محبته لبنى البشر، وكذلك فى تحمل التجارب بصبر، وفى محبتك لأعدائك. عندئذ فإن الخالق سوف يرسل لك روحه القدوس. أنا لا أتحدث إلا عن نفسك أنت وعن الروح الذى يأتيك من الله ويسكن فيك بالتمام. وهو سوف يشرق فيك ويرسل نوره ويجددك بالتمام. وأنت الفاسد يحولك إلى غير فاسد. وسوف يصنع فيك منزلاً جديداً بدلاً من ذلك المهجور أعنى منزل نفسك. وسوف يجعل جسدك كله جسداً غير فاسد. وسوف يجعلك الهاً بالنعمه مشابهاً لمثالك.

يا للعجب يا للسر الفائق غير المعروف للكل. أما الذين هم مسجونون للشهوات. أنا أعنى أولئك الذين لم يحصلوا على طهارة القلب، أولئك الذين لم يطلبوا القلب الملتهب بالروح القدس، أولئك الذين لا يؤمنون أن الله يعطى الروح القدس للذين يطلبونه بالحق. لأولئك غير المؤمنين فإن الروح القدس لن يأتى اليهم. ولأنهم لم يولدوا من الله فهم يعيشون دون أن يحصلوا على الروح القدس، ولم تفتح عيونهم بعد ولم يروا النور الالهى. ففى جرن المعموديه يشرق الروح القدس ويحتضن أولئك المستحقين الذين هم بداخل المعموديه. ولكن ما هو هذا الاستحقاق؟! لأن الروح القدس هو الله فإنه يصبغ بالتمام أولئك الذين يأخذونه فى داخلهم ويجعلهم جدداً بالتمام. فهو يجددهم بطريقه عجيبه. وهكذا فإن الروح القدس غير الفاسد يعطى عدم فساد. ولأن الروح القدس خالد فهو يعطى الخلود. ولأنه النور الذى لا ينطفئ قط فإنه يحول الذين يأتون اليه إلى نور ويحل فيهم. ولأنه هو الحياه فإنه يمنح الحياه للكل. ولأنه من نفس طبيعة المسيح وجوهره وله نفس المجد الذى للمسيح وهو أيضاً متحد معه فإنه يحول الذين يحل فيهم لكى يكونوا مشابهين للمسيح. والروح القدس هو المحسن الينا. وهو يريد أن يكون كل منا مثله تماماً.

فإذا فهمت ذلك فأسرع لكى تأخذ الروح الذى يأتى من الله وهو مقدس لكى تصير وارثاً لملكوت السموات للأبد.

هكذا فإنه يجب على كل أحد أن يغصب نفسه لكى يطلب الرب لكى يجعله مستحقاً أن يأخذ ويجد الكنز السمائى للروح القدس لكى يكون قادراً بسهوله وبسرعه أن يكمل وصايا الرب بلا لوم وبكل كمال بعد أن كان قبلاً لا يستطيع أن يتممها بنجاح بغض النظر عن المحاولات التى يكون قد حاولها من قبل. ولكن الانسان الذى قد وجد الرب الذى هو الكنز الحقيقى عن طريق الروح بإيمان وصبر عظيم فإنه سوف يحصل على ثمار الروح القدس وسوف يكمل عندئذ كل البر وكل وصايا الرب التى أمره الروح القدس أن يفعلها بطهاره وبكمال وبلا لوم. هكذا أيضاً مع أولئك الأغنياء بالروح القدس فإنهم يمتلكون بالحقيقه زمالة الروح القدس فى أنفسهم. وحينما يتحدثون بكلام الحق فى أحاديثهم ومنافشاتهم لكى يعلموا الآخرين فإنهم يتحدثون من نفس الكنز المختبئ فيهم. ومن ذلك الكنز المختبئ فيهم فإنهم يعلمون الآخرين الذين يصغون إلى أحاديثهم. وهم لا يخافون من أن ينقص كنزهم الذى يمتلكونه فى أنفسهم، ذاك الكنز السمائى للبر الذى منه يطعم أولئك الجياع الطعام الروحى.

القديس مكاريوس.

2 - الحلاوة والعذوبه:

قال أحد الأباء[17]:

لو أننا رغبنا فى القداسه بشوق فإن الروح القدس سوف يبدأ فى منح النفس ضميراً واعياً لكى يتذوق حلاوة الله. وسوف يعرف العقل ما هى المكافأة الأخيرة التى تحتويها الحياة الروحيه. ولكنه بعد ذلك سوف يخبئ هذه المكافأة الثمينه الممنوحه. ولو أننا أحرزنا كل الفضائل فإننا سوف نحسب أنفسنا كلا شئ لأننا لم ننل بعد الحب الألهى فى شكله الأخير.

والنفس سوف تجاهد فى كل ذلك لانها مازالت محتاجه إلى الحب الالهى ولأنها مازالت تحت المستوى العالى للحياه الروحيه فهى لا تستطيع أن تتذوق عمل ذلك الحب ولذلك كان عليها من الضرورى أن تغصب ذاتها على العمل حتى تستطيع أن تختبر الحب الألهى الكامل والواعى. لأنه لا يستطيع أى أحد يحرز بينما مازال هو فى الجسد ما عدا أولئك القديسين الذين يجاهدون حتى الاستشهاد ويعترفون بإيمانهم بالرغم من كل الاضطهادات. لأن الذى وصل إلى درجة الاستشهاد هذه فإنه يكون قد تحول بالتمام ولم يعد يحس بسهولة بأى رغبة جسديه أو ماديه.

وهكذا فإن أولئك الذين تقدموا نحو الكمال قد صاروا قادرين أن يختبروا ذلك الحب باستمرار. ولكن لا يستطيع أى أحد أن يختبر ذلك الكمال ما لم يخلع ذلك المائت [2كو 5: 4].

من ذا الذى يستطيع أن يصف حلاوة الشهد لأولئك الذين لم يتذوقوه؟ إنه بالمقارنه يصير أصعب أن تشرح ذلك الحب الالهى لأولئك الذين لم يتذوقوه. هذه العذوبه الالهيه وذاك النبع الحى للفرح الذى ينبع من الصلاة الطاهرة الحقيقية التى للقلب حيث يقول الرب يسوع المسيح «الماء الذى أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبديه» يو 4: 14 هذه الحلاوه الروحيه هى فى نفس الوقت شعاع من النور وجمال غير مدرك وهى الرغبة القصوى للمعرفه الالهيه وهى سر مشاركة الطبيعة الالهيه. وهى تبقى غير معبر عنها حتى بعد التعبير عن جزء منها وغير معروفه حتى بعد معرفة جزء منها وغير مدركه حتى بعد إدراك جزء منها.

وهذا ما قاله القديس باسيليوس الكبير [إن جمال الله لا يمكن التعبير عنه أو وصفه لأنه يشرق مثل النور. ولا تستطيع أى كلمه أن تصفه ولا أى أذن أن تستلمه. وإذا ما نحن وصفنا نور الفجر أو وضوح نور القمر أو إشراق أشعة الشمس فإنه ليس شئ من كل هذا يمكن مقارنته مع مجد النور الحقيقى. ولن تصير هذه التشبيهات أكثر من عمق الليل وإضطراب الظلام بمقارنته مع وضوح نور النهار].

وحينما تدرك العين الجسديه هذا الجمال غير المرئى وحينما تتقبل النفس والفكر ذلك النور الالهى فإن الانسان سوف يصرخ لأن الحياة الأرضية قد خدعته وسيقول « ويلى لغربتى فى ماشك لسكنى فى خيام قيدار» مز 120: 5.

إن الذين لديهم الفهم الروحى للتأمل فى الجمال الالهى يصلون من أجل رؤية الجمال الالهى وإستمراره حتى الأبديه.

رهبان منطقة كالستوس.

إنك تقول أنك تخاف من عدم القدره على نوال الحب الروحى ولكنك. بالتأكيد لا تقدر أن تفكر أنك تستطيع أن تفعل أى شئ. نحن نصلى لا لنحصل على حلاوة الروح ولكننا نصلى لأن هذا هو واجبنا فى الصلاة لخدمة الله. أيضاً فإن الحلاوة الروحيه لازمه مع الخدمه الحقيقيه.

إن الأمر الضرورى فى الصلاة هو أن نشعر بوقوفنا أمام الله فى خشوع ورهبه وبفكر ثابت متحد مع القلب. وهذا الخشوع هو الذى يولد إنسحاق القلب أمام الله. وهذا الاحساس بالخوف والنوح أمام عين الله هو الذى يقود إلى القلب المنسحق والمتواضع الذى هو من ضروريات الصلاة القلبيه الداخليه ولتذوق كل صلاة أخرى. وعندئذ نستطيع أن نحكم ما إذا كانت صلواتنا رفعت كما يجب أم لا؟ فالعلامه على الصلاه المقبوله هى وجود الانسحاق والاتضاع. أما إذا كان الانسحاق والاتضاع غير موجودين فإن الصلاة لا تكون مقبوله ويجب أن نرجع ثانيه لنتعلم الصلاة.

فإذا كان ينقصنا هذا الانسحاق والتذلل فإن هناك كبرياءاً روحياً يقودنا إلى الخداع الضار المؤذى وعندئذ سوف تتبدد الحلاوة والدفء ويبقى فقط تذكارها وسوف يخيل للروح أنها تمتلك الانسحاق والاتضاع. ولذلك عليك أن تخاف من هذا وعليك أن تضاعف وتزيد فى قلبك خوف الله والاتضاع والسجود المنسحق أمام الله وأن تسير دائماً فى حضرة الله لأن هذا هو جوهر الموضوع.

القديس ثيوفان الناسك.

قيادة الروح القدس:

1 - الافراز:

إن الافراز فى المبتدئين هو المعرفه الحقيقيه وفى النفوس المتوسطه هو الحواس الروحيه التى بلا خطأ التى تميز بين الخير الحقيقى وبين الشر. وفى الكاملين هى المعرفه التى يمتلكونها عن طريق الاستناره الالهيه والتى يستنير بنورها كل ما هو مظلم فى الآخرين.

وبصفة عامه فإن الافراز هو الفهم الأكيد للاراده الالهيه فى كل مناسبه وفى كل مكان وفى كل أمر. وهى توجد فقط فى أولئك الأتقياء فى قلوبهم وفى أجسادهم وفى أفواههم.

يوحنا الدرجى.

وهنا مشتملات الافراز:

1 - الطاعه

13 - العمل اليدوى الشاق

2 - الصوم

14 - انسحاق النفس

3 - لبس المسوح

15 - التذلل

4 - الرماد

16 - نسيان أخطاء الآخرين

5 - الدموع

17 - المحبة الأخويه

6 - الاعتراف

18 - الوداعة

7 - الصمت

19 - بساطة الايمان

8 - الاتضاع

20 - التحرر من الاهتمامات العالميه

9 - السهر

21 - الانفصال عن الأقارب [للرهبان]

10 - الشجاعة

22 - التجرد

11 - احتمال البرد

23 - البساطة البريئه

12 - الألم

24 - قبول الاهانات

إن الافراز هو نظام جيد للمتقدمين ودليل تقدمهم هو عدم وجود المجد الباطل والتحرر من الغضب والرجاء الصالح والصمت والتذكار الدائم فى الدينونة والشفقه وأضافة الآخرين والاعتدال فى تأنيب الآخرين والصلاة التى بلا ألم وإهمال الذات.

يوحنا الدرجى.

إن العقل الروحى مرتبط دائماً بالفهم الروحى. وسواء كان هذا الفهم الروحى فينا أم لا فإننا يجب ألا نكف عن طلبه. وعندما يأتى الينا هذا الفهم الروحى فإن الحواس الخارجيه سوف تكف عن عملها الطبيعى، وكما قال أحد الأباء: عندئذ سوف نحصل على الحواس الروحيه.

يوحنا الدرجى.

كما قد يحدث أننا نلتقط ضفدعة حينما نرفع المياه من البئر هكذا أيضاً كثيراً ما نخطئ ونسقط فى الرذيله حينما نريد أن ننال الفضيله وكثيراً ما تشتبك الرذيله مع الفضيله دون أن ندرى، مثلما يحدث أن تشتبك الشراهه مع إضافة الغرباء، والشهوه مع الحب، والمكر مع الحكمه، والخبث مع الشكر، وكثيراً ما يختلط النفاق والتسويف والكسل والعناد وتصلب الرأى وعدم الطاعه مع الوداعه. وكثيراً ما يختلط إحتقار الأوامر مع الصمت، والغرور مع الفرح، والتراخى مع الرجاء، والحكم القاسى مع المحبه، واليأس والكسل مع الهدوء، والمراره مع الطهاره، والشهره مع الاتضاع. وفوق كل هذا يجب أن نشفى من السم الذى يتبع المجد الباطل.

يوحنا الدرجى.

إن الرذيله أو الشهوه لم توجد أصلاً فى طبيعتنا، لأن الله لم يخلق الشهوات، ولكنه أوجد فينا طبائع كثيره من الفضائل من بينها الرحمة والشفقه للجميع. حتى للوثنيين، والحب حتى للحيوانات الخرساء، والبكاء على ضياع أى أحد، والايمان الذى ينبع من داخلنا، والرجاء وطلب الأفضل. والحب هو الفضيله الطبيعية التى فينا التى هى «تكميل الناموس» رو 13: 10 والذى يعتذر عن نوال الفضائل بسبب عدم قدرته فإنه سوف يخجل ويخزى.

يوحنا الدرجى.

فى كل فهمك وطرق حياتك وسلوكك فى امورك الخارجية أو الروحية إجعل هذا هو قانونك وإسأل نفسك دائماً هل أنا أصنع هذا الأمر وفقاً لمشيئة الله أم لا؟ وعلى سبيل المثال اقتن الاتضاع فى عمل الأشياء سواء كانت أشياء بسيطة أم عظيمة لأن النمو فى الاتضاع هو إكمال لارادة الرب خصوصاً بالنسبة لنا نحن الذين مازلنا صغاراً فى الحياة الروحيه. أما المتوسطون فى حياتهم الروحية فإن الأختبار هو توقف الاضطراب الداخلى. أما الكاملون فالاختبار هو زيادة النور الالهى فيهم.

يوحنا الدرجى.

إن الذين يريدون ان يتدربوا على تنفيذ مشيئة الرب يجب أولاً أن يقمعوا إرادتهم الخاصه، وعندئذ يصلون إلى الله بإيمان وبساطة مخلصه، ثم سؤال الأباء والأخوة بإتضاع قلبى وبدون أى أفكار شك وعندئذ يقبلون نصيحتهم كما لو كانت من فم الله، حتى لو كانت نصيحتهم هى عكس رغبتهم، وحتى لو كان هؤلاء الذين ينصحونهم أشخاصاً غير روحيين. لأن الله ليس بظالم وسوف لا يطرح نفوسهم البريئه المتواضعه التى تخضع لنصيحة وحكم الآخرين، حتى لو كان أولئك الذين يسألونهم مثل الحيوانات المتوحشه. لأن الله هو الذى يتحدث بطريقة غير مرئيه على أفواه الذين ينصحونهم.

وهكذا فإن الذين يسلكون بهذه القاعده بدون أى شك فإنهم يمتلئون بإتضاع عظيم لأنه إذا عبر أى أحد عن ضيقته عن طريق الحان العود فإنه سوف يتعزى «أميل أذنى إلى مثل وأوضح بعود لغزى» مز 49: 4 فكم وكم يكون تعليم ونصيحة العقل الناطق والنفس الناطقة التى هى أكثر قدره من الجماد.

يوحنا الدرجى.

الافراز هو نور فى الظلمة، وهو رجوع الانحراف إلى الطريق، وإشراق النور فى الذين إظلم نورهم. الإنسان الحكيم يجد فى الافراز صحه حيث يتبدد المرض.

يوحنا الدرجى.

إن الله ليس هو خالق الشر وسبب وجوده. والذين يقولون بأن الشهوات هى جزء من طبيعة النفس فإنهم مخدوعون ولا يعلمون أننا بذلك نكون قد حولنا أصلنا الطبيعى إلى شهوات. وعلى سبيل المثال فإن الطبيعة قد أوجدت فينا الاحتياج إلى النسل ولكننا قد حولنا هذا الاحتياج إلى شهوة الزنا. وقد أوجدت فينا الطبيعه الغضب ضد الخطيه ولكننا إستخدمنا ذلك ضد أخوتنا. والطبيعة أوجدت فينا المنافسه من أجل الحصول على الفضيله ولكننا نجرى وراء الشر. إنها طبيعة النفس أن تشتاق إلى المجد ولكن هذا المجد هو المجد الالهى الذى فى الأعالى. إنها الطبيعة التى تعلمنا الجهاد ولكن الجهاد ضد الشياطين. إن الفرح أيضاً هو جزء من طبيعتنا ولكن الفرح فى الرب وفى سلام أخوتنا. إن الطبيعة أوجدت فينا أيضاً الغضب ولكن لكى نستخدمه ضد الشياطين أعداء نفوسنا. لقد منحنا الله الرغبة فى السرور ولكن ليس للخلاعه والفجور.

يوحنا الدرجى.

إن النفس العمّاله تجعل الشياطين يقومون ضد بعضهم بعضاً. وعلى قدر ما تزداد التجارب فينا على قدر ما تزيد أكاليلنا. والذى لا تحاربه الشياطين فإنه لن يكلل قط. ولكن المجاهد الذى لا يفشل ولا ييأس بل يتغلب على أخطائه العارضه فإن الملائكه سوف تمجده كبطل.

يوحنا الدرجى.

إن الشيطان عدونا لديه عاده خبيثه قديمه وهى تشكيل وتنويع خططه فى الهجوم على أولئك الذين بدأوا فى الجهاد الروحى. فهو يغير طريقة هجومه باستخدام أسلحة متنوعه ضدهم وذلك عن طريق تغيير نفسه فى نوايا الناس.

والطريقة الأولى لهجوم العدو لأولئك الكسالى فى ارادتهم والضعفاء فى أفكارهم هى عن طريق التجارب الشهوانية الشديده والعنيفه. وإن الشيطان يفعل ذلك لكى يخيفهم من طريق الجهاد الروحى ليجعل الطريق صعباً وشاقاً لهم وليجعلهم يقولون: إذا كانت بداية الطريق هكذا صعبة وقاسية فهل يستطيع أى أحد أن يحتمل إلى النهاية جميع التجارب التى تأتى عليه. والوسيلة الثانية للهجوم الشيطانى على أولئك الذين يرى الشيطان أنهم مملوءون من الشجاعة ويحتقرون الموت ويؤدون أعمالهم بكل حماس هى أنه لا يذهب أولاً لكى يقابلهم ولا يدخل معهم فى معارك لمعرفتهم الشديده بأن المجاهد الحماس ليس سهلاً أن يهزم. ولكن حينما يتركون أفكارهم هذه ويعتمدون على ذواتهم فإنهم يبدأون فى الهزيمة عن طريق خداع الفكر الذى ينبع من أنفسهم، وعندئذ يبدأون فى الهلاك عن طريق إنحراف أفكارهم التى تأتى من الكسل ثم يبردون فى أفكارهم وقلوبهم وعندئذ يهاجمهم الشيطان بدون أى شفقه.

أما الطريقة الثالثة لهجوم العدو فهى هذه: حينما يرى أن الأنسان قد نال قوه من الله مكافأة على حماسه ودعوته لله بإيمان فإنه يحاول أن يجد طرقاً أخرى لكى يجعل الملاك الذى يساعد ذلك المجاهد ينسحب ويتركه. ولذلك يبدأ يزرع فيه أفكار الكبرياء لكى يجعله يظن أنه بقوته الخاصه جعل نفسه آمنا من خصمه وعدوه.

أما الوسيله الرابعة التى يستخدمها عدونا فهى الهجوم الدائم على الانسان خلال إحتياجات الطبيعه [الجوع والغريزه الجنسيه] ولكن طالما يدرك ذلك الانسان ضعفه وشعوره الحقيقى فإنه للحال يحفظ نفسه من الكسل ويصير واعياً. ولكن لا يستطيع أى أحد أن يدرك ضعفه إلا إذا سمح له الله بالتجارب البسيطه الجسديه أو النفسيه أن تحاربه، وعندئذ ينال التحرر من تلك التجارب، لأنه سوف يرى بوضوح حقارة مجهوده وما وصل اليه. وسوف يكتشف أن حرصه وزهده وحراسته لنفسه التى خلالها يجد الأمان لن تفيده، وأن خلاصه لن يأتى من كل جهاده الذاتى، وسوف يدرك أنه لا شئ بامكانياته الشخصيه ولكنه سوف يخلص بمعونة الله فقط.

مار اسحق السريانى.

كما تعيق السحب وصول نور الشمس إلى الأرض هكذا النفس التى إنحرفت لمدة من الزمن عن العزاء الروحى فإن الظلمه الداخليه عندئذ تملأ النفس، وعندئذ يظلم نور النعمه بسبب سحاب الشهوات التى تغطى النفس. وبسبب إنعدام الفرح فى داخلك فإن العقل يكون قد غطى بظلمه غير مألوفه، وعندئذ لا تضطرب أفكارك، ولكن أصبر وتأنى وإقرأ كتب الأباء المعلمين وأغصب نفسك على الصلاة وإنتظر المعونه وهى ستأتى سريعاً. وكما أن الأرض تمتلئ من أشعة الشمس التى تبدد كل السحب، هكذا الصلاة تبدد كل سحب الشهوات التى فى النفس وتضئ العقل بنور التعزيه والفرح.

مار اسحق السريانى.

2 - الأحلام:

قال أحد الأباء[19]:

إن الأحلام التى تظهر للنفس خلال محبة الله هى بلا خطأ وهى معيار لسلامة النفس. وهذه الاحلام لا تتغير من شكل لآخر. وهى لا تزعج حواسنا الداخلية وليس لها صدى مع أى سخريه ولا تتحول فجأه إلى تهديد. ولكن بهدوء عظيم تقترب تلك الاحلام إلى النفس وتملأها بالبهجه الروحيه. والنتيجه أنه بعد يقظه الجسد فإنه النفس تستحق الفرح المعطى لها عن طريق الأحلام.

أما الخيالات الشيطانية فإنها على العكس من ذلك لا تبقى فى نفس الشكل ولا تدوم على نفس الصوره لمدة طويله. لأن الشياطين لا يمتلكون أى صوره من صور الحياه لأنهم قد ورثوا الخداع. ولا يمكن أن ترضى الاحلام الشيطانيه نفوسنا لمده طويله لأنهم يصيحون ويهددون وهم غالباً ما يحولون ذواتهم إلى شكل جنود وأحياناً يزعجون النفس بصراخهم. ولكن حينما يتنقى العقل فإنه يدرك خداع الشياطين بمعرفة حقيقتهم حيث تتحدى وتثير فى النفوس الغضب.

ولكن قد يحدث أن الاحلام الجيده لا تجلب فرحاً للنفس ولكن تزرع فى النفس حزناً مقبولاً ودموعاً غير مصحوبه باليأس ولكن هذا يحدث فقط للنفوس التى تقدمت جداً فى التواضع.

وبعد أن ميزنا بين الاحلام الجيده والرديئه كما سمعنا ذلك من الذين لهم خبره. ولكن فى طلبنا للطهاره فإن القانون الآمن هو ألا نثق فى أى شئ يظهر لنا فى الاحلام. لأن الاحلام ليست أكثر من خيالات تعكس أفكارنا. المنحرفة أو هى إنعكاس لخبث الشياطين.

وحتى لو أن الله فى صلاحه أرسل لنا بعض الرؤى ونحن قد رفضناها وفقاً لهذا القانون فإن الرب يسوع الحبيب لن يغضب منا وهو يعرف أننا نسلك فى طريق رفض جميع الأحلام بسبب حيل الشياطين. وأيضاً التمييز بين الأحلام كثيراً ما نخطئ فيه.

3 - القلب:

القلب هو الإنسان وهو الروح الداخلى. فى القلب توجد اليقظه والضمير وفكر الله وإتكال الانسان الكامل على الله وكل الكنوز الأبديه التى للحياه الروحيه.

ولكن أين يوجد القلب؟ حيث يوجد الحزن والفرح وكل الأحاسيس والانفعالات يوجد القلب. قف فى القلب بكل إنتباه، ولتقف فى القلب بإحساس وجود الله فيه ولكن كيف يوجد الله فى القلب؟ لا تفحص ذلك ولكن أطلب وتوسل إلى الله أن يمنحك فى الوقت المناسب أن يسكب حبه فيك بالنعمة التى يعطيها لك.

القديس ثيوفان الناسك.

إن نعمة الله تنقش فى القلب قانون الروح، ولذلك نحن لا نضع ثقتنا فقط فى الكتاب المقدس المكتوب ولكن أيضاً فى النعمه الالهيه المكتوبه فى ألواح قلوبنا «لا فى ألواح حجريه بل فى ألواح قلب لحميه» 2كو 3: 3. وهذا هو قانون الروح والأسرار السمائيه، لأن القلب يقود ويسود على كل أعضاء الجسد. وحينما تنسكب النعمه على القلب فإنها تسيطر على كل الأعضاء والأفكار، لأنه فى القلب يسكن الفكر وأيضاً كل أفكار النفس وكل رجائها وهكذا تخترق النعمه كل أعضاء الجسد.

من عظات القديس مقاريوس.

نحن نخضع لتأثيرات القلب العميقه، ولذلك نحن نصل إلى معانى الكتاب المقدس ليس بقراءة النصوص ولكن بممارسة ما فيها. ولذلك فإن عقلنا سوف يصل إلى الصلاه غير الفاسده حيث لا ينطق بأى كلمه ولكن بعمل القلب الملتهب الذى ينتج من نشوة القلب عن طريق فطنة الروح التى لا يمكن تعليلها. وعندئذ يعال العقل من النعمه بدون أى مساعده من الحواس أو أى شئ مادى ملموس. وعندئذ يصرخ الانسان وينسحق لله بأنات لا ينطق بها.

القديس يوحنا كاسيان.

قال أحد الأباء[20]:

حينما نقرأ فى كتابات الأباء القديسين عن مكان القلب حيث يتحد به العقل فى الصلاة، فإننا يجب أن نفهم أن المقصود من ذلك هو العمل الروحى للقلب الذى أوجده الله الخالق فى الجزء العلوى من القلب. وهذا العمل الروحى للقلب هو الذى يميز القلب البشرى عن قلب الحيوانات. لأن الحيوانات لها عمل الرغبة والارادة والغضب مثل الانسان تماماً. أما العمل الروحى فى القلب فهو يختلف عن ذلك تماماً وهو يختلف عن العقل لأنه عمل الحب نحو الله ونحو الآخرين وفى شعور التوبه والاتضاع والوداعه وانسحاق الروح والحزن العميق على خطايانا. فهذه الاحاسيس الروحيه غير موجوده نهائياً لدى الحيوانات. ومعنى اتحاد العقل مع القلب هو إتحاد الافكار الروحيه النابعه من العقل مع الأحاسيس الروحيه التى للقلب.

4 - العنايه الالهيه:

تأكد أن الله الذى يحميك هو دائماً معك. وهو مرافق لكل الخليقه. وإنك تحت قيادة ذاك الذى يرفع أحد يديه ويعطى أمراً فيطاع وهو الذى يعطى حركة لكل الأشياء. ولذلك قف فى الصلاه بثبات وكن فرحاً لأنه لا يستطيع أن يتحرك ضدك الشياطين ولا الحيوانات المتوحشه ولا الناس الأشرار ولن يقدروا أن يحطموك ما لم يسمح الله الحاكم بذلك ويعطيهم حداً لا يتخطونه. لذلك قل لنفسك: إنه يوجد من يحمينى ويحرسنى. ولا يمكن لأى خليقه أن تقوم ضدى ما لم تأخذ تصريحاً بذلك من فوق. وإذا كانت هذه هى إرادة سيدى أن يسمح للأشرار بأن يحكموا الخليقه فإننى سوف أقبل ذلك بدون أى حزن لأننى أريد أن أكمل إرادة الرب.

وبهذه الطريقه فإنك سوف تمتلئ بالفرح وسط التجارب والالام. وتأكد أن يد الله هى التى تحكمك ولذلك قوِ قلبك بأن تثق فى الرب.

مار اسحق السريانى.

إرفع عينيك دائماً للرب. لأن رعاية الله وحمايته تغطى كل البشر ولكنها غير مرئيه ولكنها تظهر فقط لأولئك الذين ينقون ذواتهم من الخطيه ويفكرون فى الله ولا يذكرون سواه. وقد يسمح الله لهم بدخول التجارب ولكنهم يدركون أيضاً رعاية الله كما لو كانوا يرونها بالعين الماديه وفقاً لمقياس معين، حيث تقود رعاية الله كل أحد للشجاعة فى وقت التجارب مثل يعقوب ويشوع والثلاثة فتيه وبطرس وكل القديسين حيث أن رعاية الله قد ظهرت لهم فى صور بشريه لكى تقويهم وتثبتهم فى البر.

مار اسحق السريانى.

على قدر ما يرفض الانسان كل معونة بشرية وكل أمل بشرى ويتبع الله بالايمان وبالقلب النقى فإن النعمه سوف تتبعه وتظهر قوتها فى مساعدته بكافة الطرق. وتظهر النعمه أولاً فى قوة الأِشياء المنظوره وهى تساعد. الانسان برعايته لكى يختبر رعاية الله التى ترعاه. وبعد أن يختبر الانسان رعاية الله فى الأمور الجسديه المنظوره فإن سوف يحصل بعد ذلك على المعونه فى الأمور الخفيه.

لأن النعمة تجعل الضيقات كأنها لا شئ ولذلك يسهل على الانسان (عن طريق النعمه) أن يتعرف على معنى وهدف الضيقات والعلاقة المتبادلة بين الضيقات وخداعاتها. وكيف تقوم التجارب من واحد لآخر وتؤذى النفس. وأن النعمه تضع أمام عينى الانسان خزى حيل الشياطين، وأن تعرف ذلك الانسان ما يجهله من التجارب. والنعمة تقود الإنسان أن يطلب من الله الخالق عن طريق الصلاة من أجل كل شئ سواء كان عظيماً أو بسيطاً.

مار اسحق السريانى.

5 - بناء جسد المسيح:

قال أحد الأباء[21]:

إن البشر من رجال ونساء وأولاد ينقسمون إلى أجناس وأمم ولغات وأسلوب حياة وعمل ومعرفة وشرف وحظ. ولكن الكنيسة تعيد خلقتهم فى الروح وتتعامل معهم بطرقه الهيه. وكلهم يأخذون من الكنيسة طبيعة متماثله ولا يمكن أن تقهر بل الكل يتحد ولا ينفصل أى أحد عن تلك العلاقه. والكل يتحدث مع الآخر ببساطه وبقوة إيمان غير منقسم. لأن المسيح هو الكل فى الكل يحوى الكل فى نفسه. ولا يصير عداوه بين أحد وآخر ولا يشعر أى أحد أنه غريب عن الجماعه حيث يظهر كل أحد محبته وسلامه للآخرين.


[16] – الأب سمعان اللاهوتى.

[17] – الأب ديداخوس Diadochus.

[19] - الأب ديداخوس.

[20] - الأب أغناطيوس الروسى.

[21] - الأب مكسيموس المعترف.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات