أسرار الكنيسة السبعة – الباب الثالث – القس أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: أسرار الكنيسة السبعة – القس أنطونيوس فكري.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصح الجديد

إذا كان هناك خروج جديد فلا بد أن يكون هناك فصح (عبور) جديد . فالفصح هو سبب الخروج من مصر. وبالفصح نجا اليهود من ملاك الموت المهلك ومن عبودية فرعون. وبعد هذا العبور صارت ليلة الفصح لها توقير شديد عند اليهود ويحتفلون بها كأكثر الأعياد أهمية. وفى الفصح يصعدون إلى أورشليم كما صعد الرب يسوع مع أمه العذراء والقديس يوسف النجار

(لو2 : 41) . ولكن فى عشاء المسيح الأخير لم يتكلم المسيح عن الخروج من مصر وألامهم فى مصر كما تعود اليهود، لكنه تحدث عن ألامه هو . لم يشرح معنى الفصح القديم بل أعطى تلاميذه جسده ودمه ليأكلوا ويشربوا فلماذا؟ … السبب فى الأمال اليهودية فى فصح جديد وعبور جديد. ولم يكن العشاء الأخير فصحا عاديا بل أسس المسيح فصحا جديدا إنتظره اليهود طويلا.

كيف كان الفصح أيام المسيح

إحتفل اليهود بالفصح كل أيامهم كيوم تذكار (12 : 14) . ونجد فى (خر12) ليس فقط قصة الخروج من مصر، ولكن أيضا طريقة حفظ هذه الذكرى، وطقوس الإحتفال بها. وكان اليهود كلهم يحفظون عن ظهر قلب هذه الطقوس السنوية. ومن المهم فهم طقس الفصح اليهودى ليلة عمله فى مصر، أيضا كيف كانوا يعملونه أيام المسيح لنفهم ماذا عمل المسيح ليلة خميس العهد.

الخطوة الأولى :- إختيار خروف ذكر بلا عيب عمره سنة ليقدم ذبيحة عن العائلة.

الخطوة الثانية :- ذبح الخروف فى الليلة 14 من شهر نيسان وهذه تأتى خلال شهور الربيع مارس وأبريل. ولا يكسر منه عظم = لئلا يتشوه كماله فهو يرمز للمسيح الذى بلا عيب. وتقديم الخروف كان عملا كهنوتيا، فالكهنة فقط هم من يقدمون الدم كذبيحة. أما فى وقت الخروج فكان رأس العائلة هو كاهن العائلة ويقوم بهذا العمل الكهنوتى ليقدم فدية عن عائلته أى يفديهم من الموت (ويسمى هذا العصر عصر الأباء البطاركة) . وبعد السقوط فى موضوع العجل الذهبى والوثنية أُخِذ هذا الحق من الشعب وصار الكهنوت لسبط لاوى، فهم وحدهم رفضوا السقوط فى وثنية العجل الذهبى ووقفوا بجانب الله فكانوا أبرارا فى نظر الله.

الخطوة الثالثة :- رش دم الخروف على قوائم البيت حيث يأكلون الفصح كعلامة مرئية خارجية على أنهم أتموا الذبيحة فلا يمسهم الملاك المهلك. {أما بعد تحديد الكهنوت فى سبط لاوى ونسل هارون كانوا يذبحون الفصح ويجمعون دمه فى وعاء مقدس من الفضة (2مل12 : 14) ويحمله الكهنة ليسكبونه على المذبح}. وكان رش الدم عن طريق زوفا وهو نبات كالسلك ولكنه قوى وقادر على إمتصاص السوائل. ولاحظ أن كل هذا الخشب والدم والزوفا سنجدهم فى فصح المسيح الأخير الذى شمل الصليب. ولاحظ قوة ذبيحة الفصح فى أنها تُنجى من الموت.

الخطوة الرابعة :- الأكل من لحم الخروف وبهذا يتم الطقس. والنفس التى لا تأكل تقطع من شعبها (من الله ومن وسط الشعب فيخرجونه خارج الجماعة   راجع مثلا عد9 : 13). ومن لا يأكل يموت بكره حتى لو رش الدم، فالفصح يكمل بالأكل من الخروف. والكتاب يذكر 5 مرات وجوب الأكل من خروف الفصح مع فطير كتذكار لخروجهم السريع من مصر والخبز لم يختمر، وأعشاب مرة (كالجرجير والشيكوريا مثلا) رمزا لمعاناتهم أثناء عبوديتهم فى مصر. وفى كلام الكثيرين من الوعاظ يكثر الكلام عن فاعلية الدم المرشوش، وقليلين هم الذين يتكلمون عن أكل لحم الخروف مع أن له نفس الأهمية. وكان يمنع طبيخ (سلق) لحم الخروف فى الماء، فقط يشوى بالنار[ فدرجة حرارة الماء لن تزيد عن 100 درجة وهذه لا تقارن بدرجة حرارة النار نفسها، فإذا كانت الحرارة تشير للألام التى تحملها المسيح، نجد أنه وبنفس الفكر رفض شرب الخل مع المر المخدر للألام، فهو أراد أن يتحمل كأس الألام لآخرها، وبهذا يصبح الماء كأنه عامل ملطف للألام وهذه رفضها المسيح ] . ولا يقطع الخروف إلى أجزاء ثم يشوى، لكن يشوى بكامله بوضع سيخين من الخشب ويؤكل فى تلك الليلة ولا يتبقى منه جزء للصباح. وكان الربيين يسمونه ذبيحة سلامة للخلاص من الموت. ولا يأكل منه سوى الإسرائيليين الذين هم فى عهد مع الله. أما الأجانب فلا يأكلون إلا لو إختتنوا أولا.

الخطوة الخامسة :- حفظ اليوم كيوم تذكار، فى كل يوم 14 نيسان من السنة (خر13 : 1 – 10 + تث16 : 1) . فمن أول يوم لم يكن الفصح فريضة تؤدى فى مصر وتنتهى بل هو يوم تذكار سنوى وإحتفال سنوى .

كان هذا هو طقس الفصح القديم عند الخروج من مصر حسب الكتاب المقدس. ولكن طقوس الفصح أيام المسيح نجد أنها إختلفت بعض الشئ عن الفصح الأول. ونجد التفاصيل فى التقاليد اليهودية.

الفصح أيام المسيح

كان يتفق فى بعض النقاط مع الفصح الأول ويختلف فى أخرى. فهم مثلا أهملوا رش الدم على الأبواب، ولكن إحتفظوا بأكل لحم الخروف. أيضا أضافوا للطقس شرب بعض كئوس النبيذ. لذلكلزم أن ننظر لطقس الفصح من خلال كتابات أحبار اليهود التى شرحوا فيها طريقة الإحتفال بالفصح.

ونجد أن هناك 4 فروق أساسية مع الفصح الأول يجب الإلتفات إليها :-

1) الإحتفال بذبيحة الفصح فى الهيكل :- إختلف مكان تقديم الذبيحة، فالفصح الأول كانوا يعملونه فى بيوتهم، وصاروا بعد ذلك يذبحونه فى الهيكل، وتؤكل لحوم الخراف فى أورشليم. وفى الفصح الأول كان رب الأسرة هو من يقدم الدم، وفى أيام المسيح كان الكهنة وحدهم هم الذين يسكبون الدم عند المذبح فى الهيكل (تث16 : 5 – 7) وهذا ما نص عليه موسى، ونرى فى هذا النص أن الفصح هو “ذبيحة فصح للرب” كما قيل أيضا فى (خر12 : 27) ، وكل الذبائح بما فيها الفصح تقدم عند المذبح فى هيكل أورشليم. لذلك فى أعياد الفصح كانت أورشليم تمتلئ بملايين اليهود. قال يوسيفوس المؤرخ وهو كان أيضا كاهن يهودى فهو شاهد عيان …أن فى المتوسط كان كل 10 أفراد (وقد يصل العدد إلى 20) يقدمون خروفا، فلا يحق لأحد أن يحتفل بالفصح بمفرده. وقال يوسيفوس أنه أحصى عدد الذبائح التى قدمت فكانت 256500 خروفا. فيكون عدد الحاضرين أكثر من 2700000 . وتصور كمية الدم المسفوك. لم يكن يهودى فى عصر الهيكل لا يفهم أن :-

الفصح هو ذبيحة وهو أيضا ليؤكل.

وهكذا لا يكفى سفك دم المسيح على الصليب فالمسيح وضع شرطا أن نأكل.

وحيث أنه لا ذبائح دموية إلا فى الهيكل فبعد تدمير الهيكل سنة 70م لم تقدم ذبائح دموية فلا يوجد هيكل. وصارت العبادة فى المجامع. وفيها يفسر الربيين الناموس مع بعض الترانيم. وطبعا صار اليهود يعيدون الفصح بعيدا عن الهيكل، وإذ لا هيكل صاروا يعملونه فى بيوتهم ويسمون طقس الفصح الآن (seder). ويمكننا تشبيه الوضع أيام الهيكل بالعبادة فى الكنائس التقليدية التى تؤمن بذبيحة الإفخارستيا. والعبادة اليهودية الآن تشبه العبادة فى الكنائس البروتستانتية حيث لا ذبائح فاليهود فى مجامعهم الآن لا يقدمون ذبائح دموية. وفى أيام المسيح كان لا بد من تقديم ذبائح يقدمها كاهن وليس علمانى. ولهذا قلنا أن المسيح رئيس كهنتنا، فهو قدم ذبيحة نفسه.

2) صلب الخروف :- سجل التقليد اليهودى أنهم كانوا يدخلون سيخين من الخشب أحدهم عبر ذراعى الخروف. والآخر يدخل من فمه ويخرج من مؤخرته، وعلى هذا السيخ يثبتون رجليه وبهذا فهم كانوا يصلبون الخروف بعد ذبحه ثم يسلخونه، وبعد ذلك يشوونه. وفى حوار للقديس يوستين الشهيد مع الرابى تريفو اليهودى فى منتصف القرن الثانى ذكر موضوع صلب خروف الفصح هكذا. وهذا تماما ما عمله اليهود مع المسيح فصحنا الحقيقى. وهذا ما تنبأ به المسيح وأخبر به تلاميذه أنه “ينبغى أن يذهب لأورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ والكهنة ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل” (مت16 : 21) . ويضيف “إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى” (مت16 : 24) . وفى (مت20 : 19 + 26 : 2) يتنبأ المسيح صراحة بأن اليهود “سيسلمونه للأمم ليهزأوا به وليصلب”.

3) الإشتراك فى خروف الفصح الأول :- الإختلاف الثالث أن الفصح أيام المسيح لم يكن فقط كتذكار لما حدث مع الأباء بل إعتبروه إشتراكا فى الخلاص الذى حصل عليه أباءهم. وقالت تعاليم المشناة اليهودية أنه “على كل شخص أن يعتبر نفسه كأنه كان محبوسا فى مصر وخرج وتحرر منها، فيسأله إبنه الأكبر عن معنى الفصح فيشرح من أول إختيار إبراهيم فى أور. ثم ما حدث فى مصر وأن الله أخرجهم من الحزن إلى فرح وأعياد نحتفل بها، ومن العبودية إلى الحرية والمجد، ومن الظلمة إلى النور، وأن الله أعطانا فداء. ويتكلم الأب ويشرح كأنه إختبر وتعايش مع هذه الأحداث”. فكانوا فى أيام المسيح كأنهم يشتركون فى الفصح الأول أو كأنهم يستحضرون ليلة الفصح ويشتركون فيها، فلم تصبح مجرد ذكرى، بل أن هذا الخلاص هو لهم كما كان لأبائهم. وتقول المشناة أنهم يسبحون “هلليلويا” لأنهم هم أنفسهم قد خلصوا وتم فداءهم. وهم يتكلمون عن هذه الليلة كما لو كانوا قد إشتركوا مع الأباء أنفسهم وإختبروا ما حدث، فالخلاص كان لهم كما كان لأبائهم، ويكون هذا الإشتراك بعمل الفصح.

4) فصح المسيح :- ربطت تقاليد اليهود بين عيد الفصح ومجئ المسيح وبزوغ فجر عصر الخلاص. فقال أحدهم “فى هذه الليلة تم فداء إسرائيل، وأيضا فى هذه الليلة (ليلة فصح) سيتم فداء إسرائيل” . فهم يتوقعون الفداء الآتى أن يكون ليلة الإحتفال بالفصح. وهم بنوا هذا الرأى على قول الكتاب “أنها ليلة تحفظ للرب” (خر12 : 42) وفى الإنجليزيةnight to be observed of all children of Israel in their generations. وتعنى ليلة مراقبة ونوبات حراسة ويجب الإنتباه فيها فى كل أجيال إسرائيل. فالفصح الأول كان ليلة راقبوا فيها مجئ الملاك المهلك. وفى تقاليد اليهود الأخيرة قالوا أن الفصح صار ليلة يراقبون فيها مجئ المسيح وفدائه المنتظر. وجاء هذا فى كتابات المسيحيين الأوائل، فقال القديس جيروم “أن اليهود ينتظرون مجئ المسيح الفادى فى منتصف ليلة الفصح كما حدث فى مصر بحسب    تقاليدهم”. وقال أحد الربيين أن الفصح كان رجوعا وذكرى للفصح الأول فى مصر، ونبوة وإنتظارا لفداء جديد، كان الفداء فى مصر نموذجا أوليا له.

يسوع المسيح والفصح الجديد

بوضع كل الحقائق السابقة أمام أعيننا، فقد حدد المسيح ميعادا للفصح مباشرة قبل خروجه الذى كان مزمعا أن يتممه فى أورشليم (حديث موسى وإيليا مع المسيح على جبل التجلى  لو9 : 31). والعشاء الأخير لم يكن تذكارا لفداء تم فى مصر بل تأسيسا لفصح جديد. فالمسيح حفظ الفصح القديم ونفذ توقعات اليهود بفصح جديد وفداء جديد هو فصح وفداء المسيا. وكان العشاء الأخير مشابها للفصح القديم فى بعض النقاط، ولكن يختلف عنه أيضا فى أخرى :-

التشابه :-

  • قدمه فى ليلة الفصح (هذا رأى المؤلف).
  • قدمه فى المساء كما فى (تث16 : 6) .
  • قدمه فى أورشليم.
  • تقديم كأس خمر بدلا من الماء المعتاد فى الأيام العادية مع الطعام.
  • شرح المسيح معنى الفصح الجديد كما كان يفعل رب العائلة. لكنه تكلم عن ألامه وموته هو.
  • إنتهى الفصح الجديد كما كان ينتهى الفصح القديم بترنيم المزامير (كانوا يستخدمون مز118 ويسمونه الهلليل الكبير) .

الإختلافات بين عشاء المسيح (الفصح الجديد) والفصح اليهودى

  • كان الفصح إحتفال عائلى، الأب مع أبنائه، لكن المسيح إحتفل مع تلاميذه. فهو جعلهم من عائلته بل جسده من لحمه ومن عظامه. وكان المسيح يتصرف كأنه هو المضيف والقائد للـ 12 تلميذا فهو صار رأس الجسد.
  • فى فصح اليهود كان الكلام حول خروج أبرام من أور وعهد الله معه، ثم خروج الشعب من مصر ودخول أرض الميعاد. أما فى العشاء الأخير تكلم المسيح عن العهد الجديد (إر31 : 31) الذى سيحدث فى زمن الخلاص (1كو11 : 25 + إر31 : 31 – 33) .
  • فصح اليهود كان حول خروف مذبوح (لحمه ودمه المسكوب) . ونلاحظ تشديد المشناة على أهمية أن يأتى مقدم خروف الفصح إلى الهيكل، فتقول يجب أن يؤتى بجسد خروف الفصح إلى الهيكل أمام الرب، ونلاحظ ذكر المشناة عبارة جسد الخروف، ويأتى المسيح ليلة العشاء الربانى ولا يتكلم ويشرح قصة جسد الخروف بل يشرح ما يقدمه لتلاميذه ولكنيسته كلها من بعد ذلك، ويقول “خذوا كلوا هذا هو جسدى”. وكان الدم يسكب فى الهيكل ثم يأتى اليهودى بالخروف إلى منزله. والمسيح حول الكلام إلى جسده ودمه. (كان اليهودى يأتى بالخروف إلى الهيكل ويذبحه، ولكن الكهنة هم الذين يجمعون الدم ويسكبونه عند المذبح، وخلال هذا كان اللاويين يرنمون).
  • المسيح أشار لدمه المسفوك لغفران الخطايا بدلا من سفك دم الخروف حول المذبح.

وبهذا قدم المسيح نفسه وكأنه يقول “أنا خروف الفصح الجديد … أنا الذبيحة الجديدة” إذاً المسيح حفظ الفصح القديم ولكنه غيره قاصدا إلى فصح جديد وفداء جديد وخلاص جديد، محققا بهذا ما توقعه اليهود أن الفداء الجديد يحدث من موسى الجديد ليلة الفصح القديم. وطلب المسيح من تلاميذه تكرار هذا الفصح الجديد للأبد. وبهذا كان المسيح يستعيد الكهنوت لكل الأسباط  كما كان فى القديم، فلم يعد الكهنوت من نسل شخص معين أو سبط معين. ففى أيام الخيمة وبعدها الهيكل كان لا يمكن أن يسكب الدم سوى الكهنة. والفصح اليهودى توقف سنة 70م ، لكن الفصح المسيحى مستمر للأبد.

ولاحظ أن ذبيحة الفصح كانت لا تنتهى بذبح الخروف وإنما بأكله.

لذلك طلب المسيح أن يأكلوا جسده. وقال أن دمه سيسفك وأعطاه لهم ليشربونه لتكون لهم حياته حياة أبدية لهم، لمن يأكل من جسده ويشرب من دمه.

هل قصد المسيح المعنى الرمزى أو كان كلامه حرفى (حقيقى)

  • المسيح لم يقل هذا يمثل جسدى. بل قال “جسدى مأكل حق” فلقد قام المسيح إذاً بعمل معجزى بتحويل الخبز إلى جسده كما حول الماء من قبل إلى خمر. ولكن بقيت الصورة أمام أعيننا صورة خبز وخمر.
  • فى الفصح القديم كان لا بد من أكل اللحم لتكمل ذبيحة الفصح. فهل مجرد رمز للخروف كان يكفى ويفى بالغرض … من المؤكد لا. وراجع 1كو5 : 7 – 8 ، 1كو10 : 16

❖     1كو5 : 7 – 8 المسيح هو الفصح الجديد الذى يقدم ذبيحة.

❖     1كو10 : 16 الإفخارستيا هى شركة حقيقية فى الجسد والدم.

إذاً المسيح قدم نفسه ذبيحة فصح جديدة وعلى المسيحيين أن يكرروا هذه الذبيحة. وذبيحة الفصح تؤكل حقيقة وليس رمزيا. وقول المسيح هنا “إصنعوا هذا لذكرى” هو تكرار بنفس المعنى لقول الله فى العهد القديم “ويكون لكم هذا اليوم تذكارا فتعيدونه عيدا للرب. فى أجيالكم تعيدونه فريضة أبدية” (خر12 : 14) . وكلمة ذكرى هى نفسها كلمة تذكار. فكما كان اليهود يكررون ما حدث ليلة الفصح ويقدمون الخروف ذبيحة ويأكلونه، ولا يكتفون بذبحه، كان المسيح يقصد هذا تماما أن نقدم ذبيحة الإفخارستيا ذبيحة عقلية وحية (خروف قائم كأنه مذبوح رؤ5 : 6). ونأكل من جسد الرب ونشرب من دمه تحت أعراض الخبز والخمر.

وكما كان اليهودى الذى لا يتمم هذا الطقس تماما تقطع تلك النفس (من الله ومن وسط الشعب – وراجع على سبيل المثال عد9 : 13) . هكذا وبنفس المعنى يقول المسيح “إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” (يو6 : 53). وكان طلب الله من اليهود قديما أن تكون ذبيحة الفصح أبدية لكنها توقفت سنة 70م. لكن الذى توقف هو الرمز بعد أن أتى المرموز إليه أى الإفخارستيا التى يجب أن تقدمها الكنيسة حتى نهاية الزمان.

ولاحظ أن المسيح لم يتمم فداءه على الصليب فقط، بل إهتم بأن يأكل تلاميذه من جسده لتكون لهم حياة وقال لذلك أنه إشتهى هذا الفصح “شهوة إشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم” (لو22 : 15) . وقطعا فالمسيح ما كان يشتهى لحم خروف مشوى وهو فى قمة حزنه وماضيا إلى ألام لن نفهم مدى عمقها ورعبها فهى ألام جسدية وهذه أخفها، وألام نفسية حزنا على العالم وخيانة الجميع له وعلى الخطية التى فى العالم، وعلى ألام روحية من حمله لكل خطايا العالم وهو القدوس البار الذى بلا خطية، وموته ونلاحظ أن الموت نجاسة، وبحسب الناموس من يتلامس مع ميت يتنجس (راجع لا22 : 4 – 6 + عد5 : 2 ، 9 : 6   فالخطية = موت) ويظل نجسا حتى المساء حتى يتطهر بالماء، وكان هذا أحد أسباب قول بولس الرسول عن المسيح أن الله “جعل الذى لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه” (2كو5 : 21) .. أفهل حدث وتطهر نيقوديموس ويوسف الرامى اللذان قاما بتكفينه؟!!! بحسب الناموس وهما فريسيان، ونيقوديموس كان من السنهدريم، مؤكد أنهما إلتزما بالناموس. وفوق هذا كله وما لن يمكننا فهمه ولا إدراكه حجب الآب وجهه عنه. وإذاً ماذا كان المسيح يشتهى؟ لاشئ سوى تحقيق الهدف الذى أتى من أجله وهو عودة الحياة للإنسان بعد أن مات بالخطية، وهذا كان ليس بما تممه على الصليب فقط، بل بأن يأكل الفصح مع تلاميذه ويؤسس سر الحياة للكنيسة عروسه لتحيا معه أبديا. هذا هو ما إشتهاه المسيح. وكما سنرى فى الباب السادس أن الصليب والعشاء الربانى هما شئ واحد، فالعشاء الربانى أو الفصح الجديد كمل بالصليب.

وفى الباب القادم سنرى أن المسيح لم يقدم نفسه كفصحنا الجديد بل هو المن الجديد النازل من السماء.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.