اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ – سفر أخبار الأيام الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 14- تفسير سفر أخبار الأيام الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ

آسا ملك يهوذا.

آسا أحد الملوك الخمسة الذين استخدمهم الله لنهضة مملكة يهوذا؛ على خلاف مملكة إسرائيل (الشمال) التي قام فيها تسعة عشر ملكًا، ولم يكن من بينهم ملك واحد مستقيم، ولم يقم أحدهم بالإصلاح. ولكن وُجد ملوك من يهوذا دعوا صالحين، خمسة منهم كانوا بارزين في الإصلاح وهو آسا ويهوشافاط ويوآش وحزقيا ويوشيا. وُجِدَ تشابه بينهم كما وُجِدَ تنوُّع في الإصلاح.

وقد تخصصت الأصحاحات الثلاثة (14 - 16) في تاريخ الملك آسا.

جلس آسا على العرش 41 عامًا، يمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى [الأصحاح 14]: تمتد إلى عشرة سنوات منذ بدء حُكْمِه، سلك فيها باستقامة قلبٍ، وتمتعت المملكة بالسلام كثمرة لانتصار أبيه أبيا على يربعام. قام في هذه الفترة ببعض الإصلاحات وتنظيف المملكة من العبادة الوثنية، وحث الشعب على طلب الرب [2 - 5]، كما اهتم بتقوية الجانب العسكري، غير أن سرَّ نجاحه في هذه المرحلة يقوم على طلبه الرب [7].

المرحلة الثانية [الأصحاح 15]: إن كانت المرحلة الأولى هي مرحلة السلام، فهذه المرحلة تُدعَى مرحلة الإصلاحات، حيث تشدَّد الملك ونزع الرجاسات من كل الأرض، وقام بتجديد مذبح الرب.

المرحلة الثالثة [الأصحاح 16] مرحلة نكسة وانحراف في السنوات الأخيرة، وتأديب الرب له. حياة هذا الملك استمرت في استقامة، لكن سقوطه في السنوات الأخيرة تعتبر تحذيرًا لنا، وكما يقول الرسول: "إذًا من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" (1 كو 10 - 12).

  • ثباتنا هنا ليس ثباتًا آمنًا. لا، حتى نخلص من تيارات هذه الحياة الحاضرة ونبحر إلى الميناء الهادئ. لا تنتفخوا إذن أنكم ثابتون، بل احرصوا لئلا تسقطوا، فإن كان بولس يخشى ذلك وهو أكثر ثباتًا منا جميعًا، كم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحذر؟! [120].
  • من يسب الآخرين يسقط حالاً في نفس الخطايا. لهذا ينصحنا الطوباوي بولس: "من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" [11] [121].
  • أول ملامح التنظيم للقوى العسكرية (التكتيك العسكري) هو أن يعرف كيف تقف حسنًا. أمور كثيرة تعتمد على هذا. لهذا كثيرًا ما يتحدث عن القيام بثبات، قائلاً: "اسهروا، اثبتوا في الإيمان" (1 كو 16: 13). وأيضًا: "اثبتوا في الرب" (في 4: 1)، وأيضًا: "من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط". وأيضًا: "وبعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا" (أف 6: 13). بلا شك لا يقصد مُجَرَّد أية طريقة للثبات، بل الطريقة الصحيحة. وكما أن كثيرين لهم خبرة في الحروب يلزمهم أن يعرفوا الأهمية القصوى لمعرفة كيف يثبتون. فإن كان في حالة الملاكمين والمصارعين يذكر المُمَرَّنون هذا الأمر قبل كل شيء، أقصد الثبات، فكم بالأكثر يكون له الأولوية في الحروب والشئون العسكرية[122].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

1. تقوى الملك آسا 1 - 5.

2. سياسة الملك آسا 6 - 8.

3. نصرته على الكوشيين 9 - 15.

الأعداد 1-5

1. تقوى الملك آسا

ثُمَّ اضْطَجَعَ أَبِيَّا مَعَ آبَائِهِ،.

فَدَفَنُوهُ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ،.

وَمَلَكَ آسَا ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ.

فِي أَيَّامِهِ اسْتَرَاحَتِ الأَرْضُ عَشَرَ سِنِينَ. [1].

لم تدم مدة حكم أبيَّا سوى ثلاث سنوات، وجاء موته غامضًا في شبابه، لذا يرى البعض أن موته هذا كان ضريبة دفعها كما دفعتها أسرته، لارتباطه بأربعة عشر زوجة واثنين وعشرين ابنًا وستة عشر ابنة.

خلف آسا أباه أبيَّا، وكما شهد الكتاب المقدس عن تقواه، وقد ملك أكبر مدة من كل الملوك. وصفه يوسيفوس قائلاً:

[الآن آسا ملك أورشليم كان ذا شخصية ممتازة، يضع الله أمام عينيه، ولم يفعل شيئًا ولا فكر في شيءٍ إلا ما فيه حفظ للشريعة. قام بنهضة لمملكته، ونزع ما فيها من شرٍ، وطهَّرها من كل دنسٍ[123].].

وَعَمِلَ آسَا مَا هُوَ صَالِحٌ وَمُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلَهِهِ. [2].

يليق بالمؤمن أن يهدف نحو إرضاء الله، فيعمل ما هو صالح في عينيّ الله، وليس في عيني نفسه أو أعين الناس.

وَنَزَعَ الْمَذَابِحَ الْغَرِيبَةَ وَالْمُرْتَفَعَاتِ،.

وَكَسَّرَ التَّمَاثِيلَ، وَقَطَّعَ السَّوَارِيَ [3].

أول ملك منذ بداية حكمه في يهوذا ينزع المرتفعات ويُكسِّرها.

المرتفعات: ظهرت في زمن سليمان الذي بنى مرتفعة لكموش وغيره على جبل تجاه أورشليم (1 مل 11: 5 - 8).

السواري: أعمدة مُزَيَّنة مأخوذة عن أشور بها إشارات لأعضاء التناسل لإثارة الشهوة.

تحدث سفر أخبار اليوم هنا عن الإصلاحات الدينية [3 - 5] وهي إلى حد كبير تطابق ما ورد في 1 مل 15: 7 - 12. تلى ذلك فصل لم يرد في سفر الملوك (2 أي 14: 6 - 15: 15).

بدأ الإصلاح بمُجَرَّد اعتلائه العرش. قام بإزالة العبادة الوثنية، فمنذ دخلت في أواخر أيام سليمان بسبب نسائه الغريبات الجنس، لم يُعمَلْ شيء لإزالتها، فتأسست في البلاد، وصار لها مذابحها وأصنامها وبساتينها.

لم يهدف آسا إلى قتل وإبادة الذين كانوا يعبدون الأصنام، إنما أن يتوبوا ويرجعوا عنها.

أما خدمة هيكل الرب، فمع استمرار قيام الكهنة بالخدمة، كانوا يعملون في فتورٍ، فأهملها الكثيرون.

وَقَالَ لِيَهُوذَا أَنْ يَطْلُبُوا الرَّبَّ إِلَهَ آبَائِهِمْ،.

وَأَنْ يَعْمَلُوا حَسَبَ الشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ. [4].

أمر الملك أن يطلب الشعب مع القادة الرب إله آبائهم وليس إله الوثنيين، وأن يسلكوا حسب الشريعة والوصية الإلهية التي أهملها الكثيرون.

إذ عمل آسا ما هو مستقيم في عيني الرب، اشتهى أن يختبر القادة والشعب عذوبة الوصية الإلهية. فيليق مع الصلاة أن "يطلبوا الرب إله آبائهم"، وأن يسلكوا حسب الشريعة والوصية.

في انحراف الإنسان، يرى في الوصية الإلهية حرمانًا وثقلاً على النفس، أما في التصاقه بالرب، فيرى فيها الحلي الثمين الذي يُزَيِّن النفس كعروسٍ سماويةٍ مقدسة، تحمل صورة خالقها الجميلة. غاية وصية الرب أن تُقَدِّمَ لنا الرب عريسًا لنفوسنا، نتحد معه، وننال شركة الطبيعة الإلهية (2 بط 1: 4)، أي ننعم بسماته فينا، فنتهيأ للعرس الأبدي.

في ميامر عيد الفصح يدعونا القدِّيس مار يعقوب السروجي أن نتطلع إلى الوصايا الإلهية، لا بكونها أوامر ونواهٍ، بل قلادة وحُليّ ومجوهرات تتزيَّن بها العروس.

  • يا لكِ من شقية كم ارتويتِ بشهوتكِ! لماذا تحترقين مع أصنامكِ؟

لماذا تُحبِّين أصدقاءكِ الفاسقين أكثر من العريس الملك؟

هوذا ذاك الذي خطبكِ من سيناء (تث 32: 2) قد أتى. قومي واخرجي للقائه، هوذا ذاك الذي قدَّم لكِ خاتمًا من داخل النار (تث 19: 18)، يريد أن يصنع له عُرْسًا. ألقي الأصنام من حضنكِ، وقومي وابتهجي بوليمتكِ.

إن خطبتكِ مقبولة من قبل أبيه، فلا تردِّي وجهكِ عن الوارث (مت 21: 38).

هوذا مجوهرات وصاياه في أذنيكِ، ومهر نواميسه على يديك، قلادة كهنوته على عنقكِ، ولباس خدمته على جسدك. افتحي له خدركِ بحبٍّ، لأنه خطيب شبابكِ في القفر (إر 2: 2).

القديس مار يعقوب السروجي.

  • غاية التلذُّذ بوصايا الله هو وضعها موضع التنفيذ والعمل...

من يتلذَّذ بالحق أولاً، قائلاً: "أتلذذ بوصاياك التي أحببتها جدًا"، يقول بعد ذلك: "ورفعت أذرعي إلى وصاياك التي وددتها جدًا". ما أجمل أن نتلذذ بالوصايا ونفهم معانيها، ثم نرفع أذرعنا إلى الأعمال التي تتفق مع الوصايا.

لا نتمم عمل الوصايا عن حزنٍ أو اضطرارٍ (2 كو 9: 7)، وإنما بفرحٍ.

إذ نتلذذ بها ونُنَفِّذها يلزمنا أن ننطق بها (تث 6: 7)، لهذا يضيف: "وتَلَوتُ (أناجي) في حقوقك"، بمعنى أنه من أجل حُبِّي لوصاياك، لا أتوقف عن الحديث عنها، وإنني أتلوها وأنا متلذذ جدًا بكل ما يمسُّ حقوقك.

العلامة أوريجينوس.

وَنَزَعَ مِنْ كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا الْمُرْتَفَعَاتِ وَتَمَاثِيلَ الشَّمْسِ،.

وَاسْتَرَاحَتِ الْمَمْلَكَةُ أَمَامَهُ. [5].

إذ رجع الملك مع القادة والشعب إلى الرب الحقيقي، والتزموا بالشريعة والوصية استراحت الأرض، بعد فترة طويلة من الحروب في عصري الملكين السابقين له.

بلا شك أن نصرة أبيَّا – الملك السابق – على إسرائيل بقوةٍ، مهَّدت لفترة السلام التي عاش فيها ابنه الملك آسا.

آسا يُمَثِّل الإنسان المُثابِر، فعندما استراحت المملكة أمامه (14: 5)، لم يفعل مثل داود الذي فكر في الراحة لنفسه بينما كان جيشه في الميدان، إنما استغلَّ الراحة لبناء مدنٍ حصينة في يهوذا، بالرغم من أنه لم تكن عليه حرب، لأن الرب أراحه، اهتم ببناء الجيش وتسليحه (4: 6 - 7). إنه يُمَثِّلُ الإنسان اليقظ الذي يستعد بنعمة الله لأي هجوم من عدو الخير.

إن استراحت نفوسنا من هجوم عدو الخير، فلا نُحَوِّل الراحة إلى الترف والتهاون، بل نتسلَّح بكلمة الله.

يتحدَّث الأب يوحنا من كرونستادت عن الجهاد والتغصُّب قائلاً: [من الذي جعل طريق المختارين ضيقًا؟ العالم يضغط على المختارين، والشيطان يضغط عليهم، وكذلك الجسد، هذا هو ما جعل طريقنا لملكوت السماوات ضَيِّقًا[124].] كما يقول: [إن كنَّا لا نجاهد يوميًا لنغلب الشهوات التي تهاجمنا، ونقتني ملكوت الله في قلوبنا، فالشهوات تمتلكنا بطغيانٍ شديدٍ وعنفٍ، وتسلب نفوسنا كاللصوص[125].].

  • تُعَلِّمنا المزامير التي تُدعَى "مزامير الصعود" كيف نصعد ونتقدَّم في سيرنا مع الله.

يدعونا المرتل بالروح القدس أن نصعد بالقلب، أي أن نزداد في الرغبة المقدسة الحقيقية، الأمر الذي هو أعظم من البحث عن "المشاعر الروحية".

نبدأ بالإيمان، ونؤمن في حقيقة عالم الله غير المنظور، وأُسس ملكوته الثابت. هذا يلهب فينا رجاءً حيًا بأننا أبناء الملكوت. هذا بدوره يجعلنا نسكب حب الله على الغير. هذا يُزِيد رغبتنا لخبرة حضور الله الأبدي الآن، كما في الحياة العتيدة، التي بلا نهاية. هذا هو ما يعنيه أننا نصعد.

أتحدث إليكم من هذا الكتاب (المزامير)، لأنكم تفزعون عندما يُقرأ عليكم تحذير ورد في الإنجيل... إنكم تقرأون أن الرب يأتي مثل لصٍ في الليل. كما يقول يسوع في مثال: "إن كان رب البيت يعرف في أيَّة ساعة بالليل يأتي اللص، لسهر ولا يدع بيته يُنقَب، هكذا أنتم أيضًا كونوا مستعدين" (مت ٢٤: ٤٣–٤٤).

في فزعكم وخوفكم تفكرون: "كيف يهيئ الإنسان نفسه إن كانت الساعة تأتي كلصٍ؟ هل هذا عدل؟

أبدأ فأقول لكم، هذا لأنكم لا تعرفون ساعة مجيئه، لذا تسعون في الإيمان على الدوام. ربما يُخَطِّط الله بهذه الطريقة، جاعلاً إيَّانا نجهل ساعة مجيئه حتى نتهيأ في كل لحظةٍ لاستقباله. الطريقة التي بها يتطلَّع العبد إلى يد سيِّده.

ستكون هذه الساعة موضع دهشة للذين يحسبون أنفسهم "أرباب بيوتهم"، الأمر الذي به يعني الذين هم في كبرياء يُدَبِّرون أمورهم دون اختبار لإرادة سيِّدهم الحقيقي. لذلك لا تكن سيِّدًا بهذه الطريقة الباطلة، فلا تدهش ولا تفزع.

تسألني: فبماذا أتشبَّه إذن؟

أقول: تشبَّه بذاك الذي سمعت عنه من المرتل الصارخ: "فقير أنا وحزين" (مز ٦٣: ٣٠ Douay).

إن رأيت أنك دومًا فقير وحزين في الروح (مت ٥: ٣)، تكون عيناك دومًا على الرب، وتنال رحمة من تعبك وراحة وقوة مستمرة[126].

القدِّيس أغسطينوس.

الأعداد 6-8

2. سياسة الملك آسا

وَبَنَى مُدُنًا حَصِينَةً فِي يَهُوذَا،.

لأَنَّ الأَرْضَ اسْتَرَاحَتْ،.

وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ حَرْبٌ فِي تِلْكَ السِّنِينَ،.

لأَنَّ الرَّبَّ أَرَاحَهُ. [6].

تظهر حكمة آسا وجديته، أنه إذ استراحت مملكته، لم يسلك في ترفٍ وتدليلٍ، وإنما استغل هذه الفترة لتحصين مدنه. هكذا يليق بالمؤمن أن يكون يقظًا وعاملاً بكل نشاطٍ حتى في فترات راحته.

بنى مدنًا حصينةً، لكنه كان مُتَّكلاً على حماية الله، استغل وقت الراحة في تحصين مدنه، فهو لا يضيع وقته، بل يعمل حتى في وقت السلم. هكذا يليق بنا ألا نتوقَّف عن الجهاد الروحي، حتى لو لم توجد محاربات، حتى لا نسقط في الفتور الروحي.

سرُّ راحته ليس كثرة عدد المُجَنَّدين، ولا قدرته العسكرية، ولا إمكانياته، إنما "لأن الرب أراحه". هكذا إذ يسلك المؤمن في المسيح يسوع، يهبه سلامه "وليس كما يعطي العالم" (يو 14: 27).

وَقَالَ لِيَهُوذَا: لِنَبْنِ هَذِهِ الْمُدُنَ،.

وَنُحَوِّطْهَا بِأَسْوَارٍ وَأَبْرَاجٍ وَأَبْوَابٍ وَعَوَارِضَ،.

مَادَامَتِ الأَرْضُ أَمَامَنَا،.

لأَنَّنَا قَدْ طَلَبْنَا الرَّبَّ إِلَهَنَا.

طَلَبْنَاهُ فَأَرَاحَنَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.

فَبَنُوا وَنَجَحُوا. [7].

لم ينسب آسا الراحة التي تمتعت بها دولته وحركة الإنشاءات إلى حكمته أو تقواه، وإنما يقول: "لأننا قد طلبنا الرب إلهنا؛ طلبناه فأراحنا من كل جهة" [7]. هذه الراحة هي هبة من الله لتشجيعنا على السلوك ببرِّه (حجّي 2: 18 - 19؛ ملا 3: 10).

كثيرون إذ تحلُّ بهم الراحة، عوض تقديم الشكر لله والعمل لبناء الجماعة، تجتذبهم الملذّات والشهوات، ويحلُّ بهم الفساد كما حدث مع بني إسرائيل بعد أن تمتعوا بأرض الميعاد، إذ تركوا الرب وانجذبوا للرجاسات الوثنية. أما آسا فلم تكن الراحة بالنسبة له دافعًا للرخاوة والترف، وإنما فرصة للعمل، إذ "قال ليهوذا: لنبنٍ هذه المدن ونحوِّطها بأسوار وأبراجٍ وأبوابٍ وعوارضٍ، مادامت الأرض أمامنا... فبنوا ونجحوا" [7]. وكما قيل عن الكنيسة الأولى: "وأما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة، فكان لها سلام، وكانت تُبنَى وتسير في خوف الرب، وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر" (أع 9: 31).

وَكَانَ لآسَا جَيْشٌ يَحْمِلُونَ أَتْرَاسًا وَرِمَاحًا مِنْ يَهُوذَا ثَلاَثُ مِئَةِ أَلْفٍ،.

وَمِنْ بَنْيَامِينَ مِنَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الأَتْرَاسَ وَيَشُدُّونَ الْقِسِيَّ مِئَتَانِ وَثَمَانُونَ أَلْفًا.

كُلُّ هَؤُلاَءِ جَبَابِرَةُ بَأْسٍ. [8].

لا يستكين المؤمن في فترة السلام، بل يستعد دومًا لمواجهة المقاومات والحروب، لذلك في فترة الراحة أعدَّ جيشًا، وكان أعضاؤه "جبابرة بأس"، كما أحاط المدن بأسوارٍ وأبراجٍ الخ [7].

من الغريب أن سبط بنيامين الذي دُعِي منذ فترة ليست ببعيدة "بنيامين الصغير" (مز 68: 27)، كان لديه من جبابرة البأس مائتان وثمانون ألفًا وهو يقترب من العدد الذي كان لسبط يهوذا، فقد بارك الرب في القليل فصار كثيرًا، وتعاون السبطان معًا، وإن كان لكل سبطٍ موهبته الخاصة.

الأعداد 9-15

3. نصرته على الكوشيين

يكشف السفر عن هذه الحقيقة أنه إذ يتكئ الملك على الله تمامًا ينجح ضد أعدائه (14: 9 - 13)، وإن لم يتكل عليه يُعاقَب (16: 7 - 12).

فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ زَارَحُ الْكُوشِيُّ بِجَيْشٍ أَلْفِ أَلْفٍ وَبِمَرْكَبَاتٍ ثَلاَثِ مِئَةٍ،.

وَأَتَى إِلَى مَرِيشَةَ. [9].

زارح الكوشي: غالبًا من بلاد العرب جاء بتأييد من مصر. إذ يوجد مكانان باسم كوش، النوبة جنوب مصر حتى أثيوبيا؛ وشرق بلاد العرب وجنوبها عند اليمن. غالبًا ما تقصد المنطقة الثانية بدليل أن الغنيمة كانت من الغنم والجمال.

مريشة: تبعد حوالي خمسة وعشرين ميلاً جنوب غرب أورشليم.

"بجيش ألف ألف": لم يوجد في لغة الكتاب العبرية، ولم يُعرَف رقم مليون. هذا وتعبير "ألف ألف" اصطلاح يستخدم بمعنى فِرقًا فِرقًا، أو مجموعة كبيرة كبيرة.

مع ما اتَّسم به الملك من استقامة، وتجاوب معه القادة والشعب، غير أن ضيقة شديدة حلَّت بالبلد. سمح الله بالضيقة كفرصةٍ لإظهار مجد الله، فقد هاجمهم الكوشيون بمليون من رجال الجيش.

وَخَرَجَ آسَا لِلِقَائِهِ، وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ فِي وَادِي صَفَاتَةَ عِنْدَ مَرِيشَةَ. [10].

وَدَعَا آسَا الرَّبَّ إِلَهَهُ:

أَيُّهَا الرَّبُّ لَيْسَ فَرْقًا عِنْدَكَ أَنْ تُسَاعِدَ الْكَثِيرِينَ وَمَنْ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ.

فَسَاعِدْنَا أَيُّهَا الرَّبُّ إِلَهُنَا،.

لأَنَّنَا عَلَيْكَ اتَّكَلْنَا،.

وَبِاسْمِكَ قَدُمْنَا عَلَى هَذَا الْجَيْشِ.

أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْتَ إِلَهُنَا.

لاَ يَقْوَ عَلَيْكَ إِنْسَانٌ. [11].

عندما خرج زارح الكوشي بجيش قدامه مليون من المشاة وثلاث مئة من المركبات، لجأ آسا إلى الله (14: 11)، فضرب الرب الكوشيين.

لم يستطع زارح أن يقف ليس أمام آسا الذي حسب نفسه لا قوة له [11]، بل أمام الرب وجيشه [13]، دُعِي جيش آسا جيش الرب!

اتكاء آسا على الرب وهبه الآتي:

ا. النصرة على العدو، فصاروا كأنهم مَوْتى "لم يكن لهم حي" [13].

ب. حُسِبَت الحرب للرب لا لآسا، لأن الملك اختفى في الرب وتحصَّن به، ودُعِي جيشه "جيش الرب" [13].

ج. استولى وجيشه على مدن كثيرة، أَرعبها الرب، ونالوا غنائم كثيرة [14].

د. رجعوا إلى أورشليم [15] مدينة الله، بالقُرْبِ من هيكل الرب، لكي يُجَدِّدوا قوتهم بالشركة مع الرب. لم يرجع الجيش إلى معسكراته، ولا رجع كل جنديٍ إلى بيته، بل إلى مدينة الله كما في بيت الرب.

هـ. لم يصنع آسا أنصبة يُسَجِّل عليها نصرته، ولا سَجَّل هذه النصرة في سجلات مُعَيَّنة، لأنه حسب النصرة هي من قبل الرب، أما من جهته ومن جهة جيشه، فلا فضل لهم في شيءٍ.

هذا ولم يكن ممكنًا لزارح أن يُسَجِّلَ هزيمته، فهي فضيحة عُظمَى لجيش يبلغ قوامه المليون.

جاءت صلاة آسا الملك قصيرة، لكنها عميقة، وتحمل معاني كثيرة:

أ. أعطى المجد لله على قدرته وسلطانه، فهو يُخَلِّص بالقليل كما بالكثير، وبالأقوياء كما بمن ليس لهم قوة. إنه يعمل بقوته لا بقوة الأسلحة. وكما قال داود لجليات: "أنت تأتي إليَّ بسيفٍ وبرمحٍ وبترسٍ، وأنا أتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيَّرتهم" (1 صم 17: 45).

ب. لم يقل الملك لله بأن لديه جيشًا قويًا واستعدادًا حكيمًا، فليعمل به، وإنما مع ما لديه من جيشٍ، فالنصرة هي من عنده، "لأننا عليك اتكلنا".

ج. لم يقل: "لا تدع إنسانًا يقوى علينا"، بل حسب الحرب ضد الله نفسه: "لا يقوَ إنسان عليك".

حين قال آسا في صلاته: "أيها الرب، ليس فرقًا عندك أن تساعد الكثيرين ومن ليس لهم قوة"، غالبًا ما تذكر كلمات يوناثان بن شاول للغلام حامل سلاحه: "لعل الله يعمل معنا، لأنه ليس للرب مانع من أن يُخَلِّصَ بالكثير أو بالقليل" (1 صم 14: 6)، وكلمات سليمان عند تدشين الهيكل: "إذا خرج شعبك لمحاربة أعدائه في الطريق الذي تُرْسِلهم فيه، وصلوا إليك نحو هذه المدينة التي اخترتها، والبيت الذي يثبت لاسمك، فاسمع من السماء صلاتهم وتضرعهم واقضِ قضاءهم" (2 أي 6: 34 - 35).

يقول الرسول بولس: "بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا بِرًا، نالوا مواعيد، سَدُّوا أفواه أسود، أطفأوا قوة النار، نجوا من حد السيف، تقووا من ضعف، صاروا أشداء في الحرب، هزموا جيوش غرباء" (عب 11: 33 - 34).

فَضَرَبَ الرَّبُّ الْكُوشِيِّينَ أَمَامَ آسَا وَأَمَامَ يَهُوذَا،.

فَهَرَبَ الْكُوشِيُّونَ. [12].

يقول يوسيفوس إن المعركة بدأت بينما كان آسا لا يزال يُصَلِّي من أجل النصرة[127].

وَطَرَدَهُمْ آسَا وَالشَّعْبُ الَّذِي مَعَهُ إِلَى جَرَارَ،.

وَسَقَطَ مِنَ الْكُوشِيِّينَ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَيٌّ،.

لأَنَّهُمُ انْكَسَرُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَأَمَامَ جَيْشِهِ.

فَحَمَلُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً جِدًّا. [13].

وَضَرَبُوا جَمِيعَ الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَ جَرَارَ،.

لأَنَّ رُعْبَ الرَّبِّ كَانَ عَلَيْهِمْ،.

وَنَهَبُوا كُلَّ الْمُدُنِ، لأَنَّهُ كَانَ فِيهَا نَهْبٌ كَثِيرٌ. [14].

لم ينكسروا أمام آسا وجيشه، إنما "انكسروا أمام الرب وأمام جيشه". ولم يسقط الكوشيون أمام رُعْبِ آسا وجيشه، بل "رُعْب الرب كان عليهم".

أخيرًا، تَحَوَّلَتْ ثروة الخاطي إلى يد البار.

وَضَرَبُوا أَيْضًا خِيَامَ الْمَاشِيَةِ،.

وَسَاقُوا غَنَمًا كَثِيرًا،.

وَجِمَالاً ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. [15].

من وحي 2 أي 14.

بذراعك الإلهي قَدِّسني وخلصني!

  • صنع آسا ما هو مستقيم في عينيك.

نزع عبادة الأصنام وحَطَّمها.

طلب من شعبه أن يحفظ شريعتك ووصاياك!

  • بروحك القدوس هَبْ لي الاستقامة والصلاح.

انزع من قلبي كُلَّ وَثَنٍ،.

وحَطِّمْ في داخلي كل شهوةٍ شريرةٍ.

عوض شهوات الجسد، ألهب فيَّ شهوات الروح.

يلتهب قلبي بحُبِّك، وتتقدَّس حواسي بنعمتك!

انقش وصاياك في قلبي،.

فأَتلذَّذ بها وتتزيَّن أعماقي ببهائك.

  • لتتزين نفسي بوصاياك.

أَعتزُّ بها لأنها الحليّ السماوي.

بها أحمل صورتك، وأتهيأ ليوم عُرْسِي.

روحك القدوس يُجَدِّدُ أعماقي كل صباح.

فتشتهي القوات السماوية أن تفرح بعملك فيَّ.

  • يهيج العدو لأنه لا يطيق يوم عُرْسِك.

ماذا يُخَلِّصني من عبودية إبليس سوى صليبك؟

ماذا يُحَطِّم ظلمة إبليس سوى قيامتك؟

  • ليثر العدو بكل قوته.

بك نُحَطِّمُ كل حيله وأعماله الشريرة.

بك ننال النصرة، ونتكلل بك.

ننطلق إلى السماء، ولا يقدر العدو أن يصطادنا في شباكه!

لك المجد يا واهب النصرة!


[120] In 1 Corinth. , hom. 23: 5.

[121] In Titus. hom. 5.

[122] In Ephes. , hom. 23.

[123] Antiq. 8: 12: 1.

[124] My Life in Christ, vol 1, p. 45.

[125] My Life in Christ, vol 1, p. 254.

[126] Homilies on the Psalm: 3.

[127] Antiq. 8: 12: 2.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ عَشَرَ - سفر أخبار الأيام الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ - سفر أخبار الأيام الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير أخبار الأيام الثاني الأصحاح 14
تفاسير أخبار الأيام الثاني الأصحاح 14