الأصحاح الرابع – تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى – القمص أنطونيوس فكري

الإصحاح الرابع

نرى فى هذا الإصحاح موقفنا من الهراطقة ومن الإخوة. فعلينا بكل تدقيق أن نرفض الهراطقة، والرسول له تعليم متشدد جداً فى هذا الموضوع (2يو10، 11). ولكن بالنسبه للإخوة علينا أن نعاملهم بكل حب.

العدد 1

آية (1): -

"1أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ.".

لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ = أى التعليم الذى يقول كل معلم أن مصدره روح الله القدوس. فالمعلمين الكذبة مصدرهم أرواح شريرة مخادعة.

والرسول هنا يطلب أن لا نسير وراء كل عاطفة أو محبة بشرية لشخص أو إعجاب بشخص، أو إنفعال وراء شخص، فقد يقودنا هذا للسير وراء هرطقة، فليس كل ما نسمعه صحيحاً.

ونلاحظ أن الغنوسيين إدعوا أن تعاليمهم بوحى إلهى. وهم إدَّعوا وغيرهم وهم كاذبين أن الروح القدس يرشدهم لما يقولونه من تعاليم كاذبة = لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً.

هؤلاء سبق الرسول وقال عنهم أنهم تركوا الكنيسة (19: 2).

امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ = أى نمتحن الكلام الذى نسمعه ونقارن بما قاله الرب وقاله رسل الرب (الكلمة المكتوبة) وبما تعلمه الكنيسة. أضف لهذا أن لنا مسحة من القدوس (1يو20: 2). وهذا ما يسميه بولس الرسول قارنين الروحيات بالروحيات (1كو13: 2). وراجع أيضاً (1كو3: 12 + مت24: 5، 4 + 2كو11: 2 - 4). علينا كمؤمنين أن لا ننخدع بخداعات فلسفية أو كبرياء الفلسفة البشرية.

الأعداد 2-3

الآيات (2 - 3): -

"2بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، 3 وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ. وَهذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَالآنَ هُوَ فِي الْعَالَمِ.

الروح القدس هو الذى يشهد لنا أن المسيح هو الله المتجسد لخلاصنا. ونلاحظ أن القديس يوحنا هنا يتحدث عن هرطقة معينة هى إنكار التجسد. ولكننا الآن أمام عشرات بل مئات الهرطقات فلنحذر، كل هذه الهرطقات هى ضد الله. قد يدَّعى كل من هؤلاء أن الروح القدس أوحى له بما يقول. ولكن هل ينقسم الروح القدس على نفسه. بل الروح القدس يعطى الفكر الواحد (فى2: 2 + أف4: 3 - 5). فالمنشقين ليس لهم روح الوحدة بل الإنشقاق. وما أهمية التجسد حتى أن كل من ينكره فهو هرطوقى؟

التجسد هو بركة لنا: -.

  1. المسيح قدس الجسد البشرى. وبجسدنا البشرى دخل السماء، فصار لنا أن ندخل نحن أيضاً للسماء.
  2. بدون جسد بشرى كيف كان المسيح سيموت عنا فاللاهوت لا يموت، فالذى كان لابد ويموت عنا هو إنسان له جسد قابل للموت. مشابه لنا فى كل شىء وبدون خطية. والمسيح مات لنموت معه بطبيعة آدم الساقطة، والمسيح قام لنقوم معه بخليقة جديدة ويزرع فينا حياته المقامة من الأموات (رو6: 1 – 14 + 2كو5: 17).
  3. المسيح صار لنا مثالاً يمكن أن نتتبعه، وهو ليس خيالاً لا أستطيع أن أحيا حياته.
  4. بإتحاد اللاهوت بالناسوت صار لنا أن نقيم علاقة مع الله، لكن إن كانت المادة شراً كما قالوا فالله كان لا يمكن أن يقترب منى، إذاً بالتالى فلا معنى للتناول مثلاً. بل كيف نتناول جسد خيالى وليس حقيقى فيكون لنا حياة والرب يقول ان "جسده مأكل حق ودمه مشرب حق" أى حقيقيين (يو6: 55 – 58).
  5. فكرهم الهرطوقى هذا يحرمنا من بركات كثيرة.

العدد 4

آية (4): -

"4أَنْتُمْ مِنَ اللهِ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ.".

هنا الرسول يشجعهم حتى لا يضطربوا أمام هذه الهرطقات.

لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ = أى الروح القدس.

أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ = أى الشيطان والضلال والشر (قارن مع يع4: 6). وهذا ما فعله المسيح أنه يطمئننا جميعاً أنه غلب العالم (يو33: 16).

غَلَبْتُمُوهُمْ = إذاً لا نخاف بل سننتصر. لذلك فالآن ومع إزدياد الهرطقات لا نخاف فالروح القدس فى كنيسته يحفظها.

العدد 5

آية (5): -

"5هُمْ مِنَ الْعَالَمِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يَتَكَلَّمُونَ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ يَسْمَعُ لَهُمْ.".

هُمْ مِنَ الْعَالَمِ = أى المعلمين الكذبة، وهم من العالم لأن لهم دوافع غير سليمة مثل المكاسب المادية والسياسية والإعتداد بالذات.

يَتَكَلَّمُونَ مِنَ الْعَالَمِ = أى من خارج الكنيسة فهم منشقون عنها.

وَالْعَالَمُ يَسْمَعُ لَهُمْ = فأهدافهم متطابقة مع رغائب أهل العالم، ولنلاحظ أن الشيطان يميل قلوبهم لأنه يريد إنشقاق الكنيسة.

العدد 6

آية (6): -

"6نَحْنُ مِنَ اللهِ. فَمَنْ يَعْرِفُ اللهَ يَسْمَعُ لَنَا، وَمَنْ لَيْسَ مِنَ اللهِ لاَ يَسْمَعُ لَنَا. مِنْ هذَا نَعْرِفُ رُوحَ الْحَقِّ وَرُوحَ الضَّلاَلِ.".

يضع الرسول الإستماع للرسل = لَنَا كحد فاصل بين روح الحق وروح الضلال، وكلمة لنا تعنى التلاميذ والرسل الذين أرسلهم المسيح لينشروا الإيمان فى الأرض. هم الذين سلموا الإيمان للكنيسة خلفاء الرسل إيماناً نقياً. هذه الآية تساوى ما قاله بولس الرسول أن الكنيسة مبنية على أساس الرسل أى تعليم الرسل الذى تسلموه من الرب (أف20: 2).

الأعداد 7-8

الآيات (7 - 8): -

"7أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. 8 وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ.".

7أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ... لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ = الرسول كان يتكلم عن الهراطقة وهرطقاتهم، فما الذى جعله ينتقل إلى موضوع المحبة فجأة؟: -.

  1. الموضوع الأساسى للرسالة هو المحبة، وقد شعر الرسول أنه تركه فترة طويلة فعاد إليه.
  2. نفهم من الأيات السابقة أن المملوء من الروح هو الذى يكتشف ضلال هؤلاء الهراطقة. وما هى علامة إمتلائنا بالروح... الدليل هو المحبة. فمن يجد فى نفسه أنه مملوء محبة فهو مملوء بالروح لأن أول ثمار الروح هى المحبة. إذاً هو قادر على إكتشاف الهرطقات بالروح القدس الذى فيه. وهو يستطيع بسهولة أن يميز الحق من الضلال. أما من هو بلا محبة فهو بلا روح ومثل هذا سينخدع.

ولاحظ أن الرسول يقول لنحب بعضنا بعضاً ولم يقل لنحاول أن نحب. وذلك لأن المحبة تنسكب من الروح. ونحن قد حل فينا الروح القدس، وبذلك فنحن لنا إمكانية الحب (رو5: 5).

ولاحظ قوله الله محبة. ولم يقل الله يحب أو الله محب فهذه صفة.

الآب

ينبوع

الحب

أما قوله الله محبة فهذا يعنى أن جوهر الله هو المحبة. هو ينبوع محبة، ولا مصدر للمحبة سوى الله. والآب.

تفيض منه محبة إلى الإبن المحبوب أولاً (أف6: 1).

وذلك عن طريق روح المحبة، أى الروح القدس.

وبالمعمودية نولد من الله ونتحد بالمسيح.

وبهذا ينسكب فينا روح المحبة المنسكب فى الإبن.

لذلك يقول وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ = ويعرف الله تعنى أنه متحد بالله وله حياة الله أى له المحبة. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ = والذى لا يحب هو رافض لعطايا الله وغير ثابت ولا متحد بالله. وهو لا يريد أن يثبت فيه أى يعرفه أى يتحد به، لأنه لا يجاهد أن يمتلئ بالروح الذى يجدد طبيعته. إن لم توجد فينا المحبة نكون قد غيرنا الخاتم الذى به نتشكل بشكل الله. ولاحظ أن المحبة تأتى من الله لمن يسكن فيه الروح القدس، وأن المحبة تقودنا لله. فمن يتقبل المحبة من الله يقترب إليه. إذاً هى دائرة لو دخل فيها الإنسان يقترب لله أكثر وأكثر.

العدد 9

آية (9): -

"9بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ.".

أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا = بالروح القدس المنسكب من الله (رو5: 5). ولاحظ أنه لم يقل لنا بل فينا، فالمحبة ليست شيئاً أراه بل هى محسوسة داخلى.

اظْهِرَتْ =.

  1. كانت موجودة أزلياً.
  2. أعلنت وظهرت بصورة مرئية فى تجسد المسيح. فالله يحبنا منذ الأزل ولم يحبنا فجأة.

وكيف إنسكب الروح فينا فظهرت محبة الله فينا؟

أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ = الروح إنسكب فينا بإستحقاقات دم المسيح المبذول عنا. وكان الفداء والروح القدس الذى حل علينا سبب حياة لنا، بأن عدنا إلى صورة الله التى خلقنا عليها، وصورة الله هى المحبة، فالله محبة.

نَحْيَا بِهِ = فالمسيح صار حياتنا "أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ" (غل20: 2). "والمسيح هو القيامة والحياة" لذلك قال السيد المسيح "أتيت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل" فالحياة بدون المسيح غير محتملة بل قد تدفع الكثيرين للإنتحار، أما بالمسيح فهى سلام وفرح.

العدد 10

آية (10): -

"10فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا.".

نحن لم نبدأ بمحبة الله، بل الله هو الذى بدأ بإعلان محبته بإرساله لإبنه. هو أحبنا بالرغم من خطايانا وعداوتنا له، أحبنا دون إستحقاق منا. لأن طبيعته هى المحبة. وفى محبته لم يستح حتى بالصليب.

العدد 11

آية (11): -

"11أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضًا أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا.".

إن كان الله قد أحبنا ونحن غير مستحقين، وأعطانا روح المحبة كهبة منه لنا، فنحن الآن ملزمين أن نحب الآخرين: -.

  1. الله فى طبيعته التى هى المحبة لن يحتمل رائحة الكراهية فينا، فمن يحيا فى الكراهية لن يسكن الله عنده. وأن نحب الإخوة فهذا شرط لكي نحيا (راجع الملحق بعد اصحاح 5). والله قد أحبنا ونحن قد أخطأنا فى حقه خطايا لا نهائية، لأنه الله غير المحدود، فإن أخطأ أخى فىَّ أنا الإنسان المحدود فخطيته محدودة (راجع مثل السيد الذى سامح عبده فى 10000 دينار (مت18: 23 – 34).
  2. نحن نحيا الآن كمسيحيين بحياة المسيح فينا، ويقودنا الروح القدس الذى يعطينا المحبة، فمن يرفض أن يحيا فى محبة فهو يقاوم الروح القدس ويرفض حياة المسيح فيه ويريد أن يحيا مثل حياة العالم. والروح القدس مستعد أن يعطينا المحبة ومستعد أن يجدد طبيعتنا فنصير على صورة المسيح، فما العذر إذاً؟!
  3. ما يحزن قلب الله فى من يمتلئ قلبه بالكراهية، أن الله يكون غير قادر على الإتحاد به، فلا إتحاد بين الله وطبيعته المحبة، وبين قلب به كراهية. القلب المملوء كراهية هو يجعل دم المسيح الذى سفك لأجله بلا فائدة، فالمسيح سفك دمه ليعطينى حياة، عن طريق إتحاده بى، وأنا أمنع عنى هذه الحياة بسبب الكراهية. (راجع تفسير يو15: 9).
  4. الله أحبنا ونحن غير مستحقين وغفر لنا، فلنرد الجميل ونحب إخوتنا ونغفر لهم.

العدد 12

آية (12): -

"12اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا.".

اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ = فكيف نحب من لم نره... إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا.

المحبة لله لا تنشأ عن رؤيته بالجسد (فاليهود رأوه وصلبوه) ولكن المحبة هى مشاعر يضعها الروح القدس فى قلوبنا (رو5: 5). لكن هذه المشاعر لا تنمو وبالتالى تزداد محبتنا لله إن لم نحب إخوتنا. فالمحبة تنسكب فى القلب الثابت فى المسيح (راجع الرسم والشرح فى آية 7 – 8 من هذا الإصحاح). فأن نحب الله فهذا يعنى أننا نثبت فيه، والله لا يتحد ويثبت فى الكراهية بل المحبة تتحد بالمحبة.

إن المشاعر تجاه الله تكمل فينا لو أحببنا الآخرين. فالقلب المحب يستطيع أن يعاين الله.

إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضً يَثْبُتُ فِينَا = هذا ما نبه له الرسول من قبل (1يو24: 3) إن من يحفظ وصايا الله يثبت المسيح فيه وهو في المسيح، وأهم وصية، بل ملخص كل.

الوصايا هى وصية المحبة.

وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا = أى عمل محبته بلغ غايته فينا.

العدد 13

آية (13): -

"13بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ.".

كيف نعلم أننا ثابتون فيه، إذا سكن فينا الروح القدس، وهذا إن سكن فينا تكون له ثماره وأولها المحبة. فإبحث فى نفسك.. هل لك محبة لله وللناس. فى هذه الحالة فالروح القدس ساكن فيك وبالتالى أنت ثابت فى المسيح.

العدد 14

آية (14): -

"14 وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ.".

ونَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا = يوحنا رأى المسيح وسمعه ولمسه لذلك يقول نشهد ولكن نظرة يوحنا لم تكن نظرة جسدية فقط. فكثيرين رأوا المسيح وسمعوه ثم صلبوه. ولكن نظرة يوحنا كانت نظرة عميقة بالروح القدس، فعرف حقيقة المسيح. ونحن بالروح القدس صار بامكاننا أن يكون لنا هذه النظرة الإيمانية. فنعرفه.

مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ =.

  1. من الدينونة ومن الموت الأبدى.
  2. من الخطية ومن مخاوفنا وشهواتنا وعنادنا وإنساننا العتيق.
  3. واهبا لمن يريد حياة جديدة أبدية وخليقة جديدة قادرة ان تسلك فى البر.

العدد 15

آية (15): -

"15مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ.".

هنا نرى شرطاً آخر أو برهاناً آخر للثبات فى المسيح، ألا وهو الإعتراف فى حب وبمجاهرة وأمام الكل، بل أمام المخاطر والضيقات. هنا حب يصل إلى حد الإستشهاد لأجل المسيح الذى أحببناه. فالإيمان والحب ليس مكانهما القلب فقط، بل الإيمان بدون أعمال ميت. فكيف نقول أننا نحب المسيح ونحن نخشى الإضطهاد (رو8: 35 - 39)، أو ونحن ننكره امام الناس.

العدد 16

آية (16): -

"16 وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي ِللهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ.".

هنا نرى يوحنا يتكلم عن معرفة إختبارية. وهذا يعطيه لنا الروح القدس.

عرَفْنَا صَدَّقْنَا.

فالحب ملأ قلبه وتذوق حلاوة الحب.

نَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا = والمعرفة حياة (يو3: 17). فالمحبة علامة الحياة.

العدد 17

آية (17): -

"17بِهذَا تَكَمَّلَتِ الْمَحَبَّةُ فِينَا: أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ، لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هذَا الْعَالَمِ، هكَذَا نَحْنُ أَيْضًا.".

الْمَحَبَّةُ تَكَمَّلَتِ = المحبة تنمو، وهذا معنى النمو فى النعمة. إن محبة المسيح كاملة، لكن ينقصها من يتقبلها ويتذوقها أى يقبل أن يحيا فيها ويجاهد لأجلها. ومن يفعل سيشعر بالمحبة تملأ قلبه، بل تزداد يوماً فيوم، فتكمل ومتى نعرف أن المحبة صارت كاملة فينا؟ الإجابة هو أن نشتهى يوم الدين، نشتهى لقاء الرب = أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ = كما قال بولس الرسول "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح" (فى23: 1). أى يكون لنا ثقة ورجاء فى الأمجاد الأبدية المعدة لنا، ثقة فى الله الذى يحبنا وليست ثقة فى أنفسنا. وكلما تذوقنا محبة الله، نشعر بمحبته ونحبه، ومن تبادل هذه المحبة مع الله يزداد رجاءه، وهذا ما قاله بولس الرسول ان "الرجاء لا يخزى لأن محبة الله قد انسكبت فى قلوبنا بالروح القدس" (رو5: 5). فعلينا أن نكمل أيام غربتنا طالبين رحمة الله، ولكن فى رجاء وثقة فى محبة الله ورحمته. ومن يبدأ بالمخافة والرهبة من يوم الرب والدينونة فيترك خطيته ويدخل فى عشرة مع الله، ومع الوقت يستعذب محبة الله، فلا يعود يخاف من الدينونة بل يخاف أن يغضب الله الذى أحبه، ويخشى أن يخسر المكان المعد له، وأن يخسر حلاوة المحبة لله التى تذوقها. فيتمم خلاصه بخوف ورعدة. وكلما تقدم الإنسان فى علاقته مع الله يشتهى لقاءه. وحتى لا ننسى يكرر الرسول أن الشرط لهذا هو محبة إخوتنا كما أحبنا المسيح.

لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هذَا الْعَالَمِ = كما يحب الله العالم بالرغم من شروره وأرسل المسيح.

هكَذَا نَحْنُ أَيْضًا = هكذا ينبغى أن نسلك وأن نحب الله ونحب إخوتنا حتى إن كانوا يكرهوننا.

المقصود أن نتشابه مع الله فى المحبة مع الفارق، فالموضوع نسبى ولكنه صار ممكنا بالروح القدس الذى يسكن فينا إذا أردنا وحاولنا وتغصبنا. ومحبتنا للإخوة بل وحتى الأعداء هذه هى التى تعطينا الثقة والرجاء وإشتهاء أن نكون مع المسيح، ونشتهى يوم مجيئه.

العدد 18

آية (18): -

"18لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ.".

فال القديس أنطونيوس لتلاميذه "أنا لا أخاف الله" فلما قالوا هذا القول صعب يا أبانا، قال "لأنى أحبه". والمحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج.

ونلاحظ أن الكلام هنا فى آية 18 مرتبط بآية 17 التى تكلمت عن يوم الدين. ونلاحظ أن الإنسان الطبيعى لا يوجد عنده لا خوف من الله ولا محبة لله. [الإنسان الطبيعى هو البعيد تماماً عن الله، أى الذى لم تتعامل معه النعمة]. وحينما يستيقظ هذا الإنسان على حالته القاسية يبدأ بأن يكون عنده خوف بلا محبة، ثم ينضج فتختلط مشاعر الخوف والمحبة. وكلما تكمل المحبة يخرج الخوف. الخوف الذى يقصده الرسول هنا هو الخوف من العقاب فى جهنم، وهذا هو خوف المبتدئين، أما الأبرار فهم يخافون الله إذ يهابونه، بل الملائكة تهاب الله. الخوف المقدس هو أننا نخاف أن نسىء لله المحب. ومن يحب الله حقيقة لن يعود يخاف ممن يحبه وقد شعر بمحبته ولن يخاف حتى من الأعداء فى هذا العالم ولا من مصادمات الحياة وإحتمالات المجهول، لأنه سيترك كل هذا للمسيح ويسلك فى سلام وشركة مع المسيح. ولقد عبَّر بولس الرسول عن هذا فقال "والرجاء لا يخزي لأن محبة الله قد إنسكبت فى قلوبنا بالروح القدس" (رو5: 5).

لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ = الخوف من عقاب جهنم والدينونة، وهذا لا يتفق مع أفراح المحبة، فمحبة الله تملأ القلب فرحاً وسلاماً.

وحقاً من يحب الله لن يشعر بهذا الخوف الذى له عذاب، بل سيكون عنده خوف مقدس، يجعله يخاف أن يعمل الخطأ لئلا يحزن قلب الله فينفصل عنه فالنفس الخالية تماماً من الخوف هى نفس مستهترة، لم تنفتح أعينها على الله، لذلك يقول بولس الرسول "تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" (فى 12: 2) ويقول داود النبى "خوف الرب نقى ثابت إلى الأبد" (مز9: 19). وهذا النوع من الخوف ليس له عذاب.

العدد 19

آية (19): -

"19نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً.".

نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً = وفى ترجمات أخرى "نحن نحب لأنه..." أى نحن نحب الله والإخوة لأن الله سبق وأحبنا أولاً، بل ونحن بعد فى خطايانا، فأى فضل لنا.. علينا أن نرد له هذه المحبة له ولأولاده. هو بدأ وأحبنا وفدانا فصار لنا خليقة جديدة قادرة على المحبة للجميع، وأعطانا حياته نحيا بها فى محبة له وللآخرين، ومن يبدأ يشعر بمحبته يسهل عليه حب الآخرين.

العدد 20

آية (20): -

"20إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟".

محبة الإخوة هى الدليل الصادق على محبتنا لله، فيستحيل أن نقتنى محبة الله ونحن لا نحب إخوتنا الذين نراهم فتتحرك أحشاءنا بالمحبة لهم. فالتعلق بالشىء المنظور أقوى وأسهل من التعلق والمحبة بالشىء غير المنظور. المحبة الناتجة عن الخليقة الجديدة تكون بالروح القدس فهذه المحبة هى من ثماره فى هذه الخليقة الجديدة. وهذه المحبة هى طبيعة جديدة يستحيل معها أن نحب أحداً ونكره الآخر، أو أن نحب الله ونكره إنسان. هذا الحب المنقسم ينتمى للخليقة الأولى التى لم تتجدد.

العدد 21

آية (21): -

"21 وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا.".

وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ =.

تحب الرب إلهك من كل قلبك... (تث5: 6).

تحب قريبك كنفسك. (لا18: 19).

تحب الرب إلهك من كل قلبك... وقريبك مثل نفسك. فقال له بالصواب أجبت. إفعل هذا فتحيا (لو10: 25 - 28).

إن أحبنى أحد يحفظ كلامى. (يو23: 14).

والسيد المسيح إعتبر أن الوصية العظمى فى الناموس "تحب الرب إلهك من كل قلبك... وتحب قريبك كنفسك". (مت22: 35 - 40).

أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا. (يو13: 35، 34).

إذاً الناموس يوصينا بأن نحب الله ونحب القريب، والسيد المسيح إعتبر أن هاتين الوصيتين هما الأعظم، وهما ملخص الناموس. والسيد أوصى بأن نحب بعضنا بعضاً. إذاً وصية المحبة هى وصيته. وهو أيضاً قال إن من يحبه يحفظ وصاياه. إذاً نستنتج مما قاله الرسول هنا أن محبة الله ومحبة القريب هما شئ واحد، وأن من يحب الله لا بد حتما أن يحب أخاه أيضاً، نستنتج إذاً من هذا أن محبة القريب هى أساس الوصايا. ولا يكفى حفظ كل الوصايا دون حفظ هذه الوصية.

الأصحاح الخامس - تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى - القمص أنطونيوس فكري

الأصحاح الثالث - تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير يوحنا الرسول الأولى الأصحاح 26
تفاسير يوحنا الرسول الأولى الأصحاح 26