اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ – سفر الملوك الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 12- تفسير سفر الملوك الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ

الالتصاق بالرب.

في الأصحاح السابق رأينا يدَّ الله تتدخل، فيفتح كوى في السماء، ليفيض بخيراته على شعبه، بينما فقد جندي الملك حياته بسبب شكِّه في وعود الله وإمكانياته. في هذا الأصحاح نجد صورة حية للالتصاق بالرب والسلوك في طريقه والاتكال عليه عمليًا.

1. الشونمية المُلتصِقة بالرب 1 - 6.

2. بنهدد يطلب عون أليشع ولا يطلب إله أليشع 7 - 10.

3. حزائيل لا يُدرك حقيقة قلبه 11 - 15.

4. ابن يهوشافاط الصالح يلتصق بزوجة وثنية 16 - 24.

5. تحالف خارج الرب 25 - 29.

الأعداد 1-6

1. الشونمية المُلتصِقة بالرب

إذ قدَّمتْ الشونمية – المرأة العظيمة (2 مل 4: 8) – خدمة لرجل الله، لم يرد أن يكون مدينًا لأحدٍ، لذا سألها: "ماذا يُصنع لكِ؟ هل لكِ ما يُتكلَم به إلى الملك أو إلى رئيس الجيش؟" (2 مل 4: 13) أجابته: "إنما أنا ساكنة في وسط شعبي" (2 مل 4: 13). بمعنى آخر، قالت: لماذا أُميِّز نفسي عن شعبي؟ ما تريد أن تُقَدِّمَه لي، قدِّمه لشعبي، فما يناله شعبي أحسبه كأني نلته أنا ".

كشف حديثها مع أليشع رجل الله عن محبتها لشعبها، فأعطتهم الأولوية عن نفسها، لذا تأهلت أن تنال ما لم تتوقعه، وهو أن يهبها الله ابنًا وهي عاقر، ورَجُلها قد شاخ!

عانت الشونمية من ثلاث كوارث، وفي كل كارثة كانت تتزكى بالتصاقها بالرب، كانت أمينة في علاقتها بالله. هذه الكوارث هي:

أ. موت ابنها الوحيد، فوهبها الله إقامته بواسطة نبيه أليشع (2 مل 4: 35).

ب. موت رجلها رب البيت، ووهبها تعزية سماوية. وكما كتب القديس يوحنا الذهبي الفم لأرملة شابة: [حقًا، لو أنه هلك كلية أو انتهى أمره تمامًا، لكان ذلك كارثة عظمى، وكان الأمر مُحزِنًا. لكن إن كان كل ما في الأمر أنه أبحر إلى ميناء هادئ، وقام برحلة إلى الله الذي هو حقًا مَلِكه، لهذا يلزمنا ألا نحزن بل نفرح[339].].

ج. فقدان ممتلكاتها بسبب المجاعة. والعجيب أن الله استخدم موضوع إقامة ابنها فرصة لاسترداد ممتلكاتها! حقًا إن كل الأمور تعمل للخير للذين يحبونه (رو 8: 28)! فموت ابنها زكّاها أمام الله، وردّ لها ما فَقَدَته من ممتلكاتها، كما يروي لنا هذا الأصحاح.

وَقَالَ أليشع لِلْمَرْأَةَ الَّتِي أَحْيَا ابْنَهَا:

قُومِي وَانْطَلِقِي أَنْتِ وَبَيْتُكِ،.

وَتَغَرَّبِي حَيْثُمَا تَتَغَرَّبِي.

لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَعَا بِجُوعٍ،.

فَيَأْتِي أَيْضًا عَلَى الأَرْضِ سَبْعَ سِنِينٍ. [1].

"الرب قد دعا بجوعٍ"، فالأحداث حتى وإن تمت نتيجة عوامل طبيعية، لكنها تتم بسماحٍ من الله، تارة لتأديب الشعب، وأخرى كمجازاة المقاومين لعمله. وأيضًا لكي تُعطَي فرصة للبشرية كي تترفَّق بالمصابين وممارسة الإنسان المحبة العملية لأخيه المحتاج أو المتألم، كما يستخدمها الله لمجده.

الجوع المذكور هنا ربما هو ذاك الذي ورد في (2 مل 4: 38).

  • تنبأ أليشع (للشونمية) بحلول مجاعة لمدة سبع سنوات، ودعاها أن تهاجر إلى بيتٍ جديدٍ. اختار لها فلسطين منطقة قريبة وخصبة، وكان سُكَّانُها أغنياء بسبب التجارة البحرية. إذ كانت أرض فلسطين تقع بكاملها مع طول الساحل، وكان بها مواني مشهورة مملوءة بسفنٍ لا عدد لها، كما يشهد بذلك الكتاب المقدس في أماكنٍ كثيرة. ولهذا السبب التجأ إليها البطريركان إبراهيم وإسحق كملجأ لهما (تك 12: 1).

حسب التفسير الرمزي، فلسطين التي استقبلت أبرارًا كانوا في السبي، تشير إلى التغرُّب عن الرب (2 كو 5: 6) رمز للعالم. فإن شعب فلسطين كانوا يبغضون بشدة شعب الله، وكانوا يعاملون بني إسرائيل الذين كانوا يخشون الله بطريقة سيئة. مؤخرًا هزمهم داود وأوقف صنع أسلحة الحرب، وإن كانوا قد قاموا بتصنيعها من وقتٍ إلى آخرٍ.

يكره العالم القديسين ويضطهدهم على الدوام حتى بعد أن هزمهم الرب وهزم رئيسهم (إبليس). هذان الاثنان لن يكفا عن محاربة خدامه، فيغتصبا الكسالى والجهال ويحطماهم[340].

القدِّيس أفرآم السرياني.

هنا يليق بنا أن نقف إلى لحظات، لنرى لماذا اهتم أليشع النبي بإنقاذ الشونمية من المجاعة.

لقد صارت هذه المرأة العظيمة الغنية صاحبة الممتلكات في عوزٍ، فما يليق بالنبي القديس أن يتجاهل احتياجاتها. فهو كمؤمنٍ يليق به أن يتمتع بالفضائل الحقيقية التي هي ترجمة محبتنا لله عمليًا خلال محبتنا لإخوتنا، خاصة الفقراء والمعوزين والذين في ضيقة.

في حديث السيد المسيح عن يوم الرب العظيم، وضع أساسًا للفَصْلِ بين الخراف المُقَدَّسة والجداء الشريرة يقوم على أساس العلاقة السرية للاتحاد بين السيد المسيح والمساكين. فما فعله الفريقان مع المساكين حُسِبَ أنه صُنع مع السيد المسيح نفسه (مت 25: 31 - 46).

وإذ يحدثنا القدِّيس كبريانوس عن العطاء للمساكين يقول: [أما تعلمون أننا إنما نسير بين صورٍ كثيرة للمسيح؟ [341]].

  • بقدر ما يكون الإنسان من "الأصاغر"، هكذا بالأكثر يأتيك المسيح خلاله، لأن من يعطي إنسانًا عظيمًا يفعل هذا بزهو، أمّا من يُقدِّم للفقراء فبنقاوة يفعل هذا أجل المسيح[342].
  • ليس شيء يجعلنا هكذا مُقرَّبين من الله وعلى شبهه مثل العمل الصالح[343].
  • تُصعِد الرحمة الإنسان إلى علوٍ شامخٍ، وتُعطيه دالة بليغة عند الله.

فكما أن الملكة متى أرادت الدخول إلى موضع الملك، لا يجسر أحد من رجال البلاط أن يمنعها أو يسألها عن المكان الذي تريد الذهاب إليه، بل جميعهم يستقبلونها بابتهاج، هكذا من يصنع الرحمة والصدقة يمتثل أمام عرش الملك بدون عائق، لأن الإله يحب الرحمة حبًا شديدًا، وهي تبقى بالقرب منه، لذلك قال الكتاب: "قامت الملكة عن يمينك". وذلك لأن الرحمة مُفَضَّلة عند الإله، إذ جعلته يصير إنسانًا لأجل خلاصنا.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم.

فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ، وَفَعَلَتْ حَسَبَ كَلاَمِ رَجُلِ الله،.

وَانْطَلَقَتْ هِيَ وَبَيْتُهَا وَتَغَرَّبَتْ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ سَبْعَ سِنِينٍ. [2].

أظهرت المرأة إيمانها، إذ صدَّقت كلام الرب على لسان بنيه، وأطاعت الأمر دون جدالٍ.

وَفِي نِهَايَةِ السِّنِينِ السَّبْعِ رَجَعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ،.

وَخَرَجَتْ لِتَصْرُخَ إِلَى الْمَلِكِ لأَجْلِ بَيْتِهَا وَحَقْلِهَا. [3].

لم تقم الشونمية ببيع ممتلكاتها، إنما بناءً على مشورة أليشع النبي، تركت المدينة بسبب المجاعة، وإذ عادت من فلسطين في نهاية السبع سنوات، لأن الأرض قانونًا من حقها، قدَّمتْ شكواها لدى الملك.

جاءت المرأة تشتكي للملك، لأن أرضها قد اُغتصبت، وربما الملك نفسه هو الذي أخذها.

وَقَالَ الْمَلِكُ لِجِيحَزِي غُلاَمِ رَجُلِ الله:

قُصَّ عَلَيَّ جَمِيعَ الْعَظَائِمِ الَّتِي فَعَلَهَا أليشع. [4].

واضح أن هذا حدث قبل تطهير نعمان من البرص في نهر الأردن، فلم يكن بعد قد أُصيب. لأن جيحزي كان في دار ملك إسرائيل، المكان الذي لم يكن يُسمَح لأبرص أن يدخله.

بتدبير الله العجيب بينما كان الملك يتحدث مع جيحزي جاءت المرأة، وكان جيحزي يعرف المرأة وعلاقتها بأليشع.

يرى البعض أن جيحزي أحب أن يتحدث عن عمل الله مع سيده أليشع لدى الملك يهورام، دليل أنه حتى في الأشرار يوجد لمسات صالحة. فجيحزي كان يحب الحديث عن عمل الله، ويهورام الشرير أيضًا هو الذي طلب منه ذلك، إذ كان يحب أن يسمع مثل هذه العظائم.

يا للعجب! أحيانًا يشتاق الأشرار إلى الحديث عن عظائم الله والاستماع إليها، بينما قيل عن شعب الله: "نسوا الله مخلصهم، الصانع عظائم في مصر" (مز 106: 21).

  • ليتني أخبر كل جيلٍ مُقْبِلٍ: أنتم تأتون من السبي، وتنتمون إلى آدم (الجديد واهب الحرية). لأخبر كل جيلٍ مقبلٍ أنه ليس لي قوة من عندي، ولا برّ من عندي، وإنما "قوتك وبرَّك إلى العلياء يا الله الذي صنعت العظائم" (مز 71: 19).

"قوتك وبرَّك"، إلى أي مدى؟ هل حتى إلى الجسد والدم؟ لا، بل "إلى العلياء يا الله الذي صنعت العظائم".

فإن العلياء هي السماوات، وفي الأعالي الملائكة والعروش والسلاطين والرئاسات والقوات.

إنهم مدينون لك بما هم عليه.

إنهم مدينون لك بالحياة التي لهم.

إنهم مدينون لك أنهم يحيون بالبِرّ.

مدينون لك بالبركات التي يعيشونها...

لا تظنوا أن الإنسان وحده ينتمي إلى نعمة الله، ماذا كان الملاك قبل أن يُخلَق؟

ماذا يكون الملاك إن تركه ذاك الذي خلقه؟ [344].

القديس أغسطينوس.

يقف الإنسان في دهشة أمام هذه الجلسة التي كانت بين شخصين أحدهما كان محبًا للمال والثاني كان ملوثًا بعبادة الأصنام، ومع هذا كان حديثهما في عظائم الله وأعماله خلال نبيّه أليشع. إنهما سيديناننا على إفسادنا لأوقاتنا فيما هو ليس للبنيان.

يقول المرتل: "كل نسمة فلتسبح الرب، هللويا" (مز 150: 6)، "في ناموسه يلهج نهارًا وليلاً" (مز 1: 2). فالمؤمن إذ يتمتع بالنعمة الإلهية، يحسب كل نسمة من نسمات حياته، نهارًا وليلاً لها وزنها وتقديرها، حتى في عيني الله.

  • اليوم هو يومك، أما الغد فلا تعرف لمن هو؟ لعل أقدام الذين يدفنوك على الباب؟ لا تدفن يومك إلا ودفنت معه إثمك. لا تُكفَِّن المساء قبل أن تُكفِّن خطيتك. لا تغمض عينيك في السبات إلا وفتحت فكرك على الصلاة.

لقد رأيت كيف كان النهار مستعجلاً ليذهب، أسرع لتغادر خطاياك معه! وليشرق برّك مع الصباح! لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.

  • لو سرقك لص لولولت، بينما تُسرَق حياتك من حياة الله ولا تتألم عليها[345].

القديس مار يعقوب السروجي.

وَفِيمَا هُوَ يَقُصُّ عَلَى الْمَلِكِ كَيْفَ أَنَّهُ أَحْيَا الْمَيِّتَ،.

إِذَا بِالْمَرْأَةِ الَّتِي أَحْيَا ابْنَهَا تَصْرُخُ إِلَى الْمَلِكِ لأَجْلِ بَيْتِهَا وَحَقْلِهَا.

فَقَالَ جِيحَزِي: يَا سَيِّدِي الْمَلِكَ،.

هَذِهِ هِيَ الْمَرْأَةُ، وَهَذَا هُوَ ابْنُهَا الَّذِي أَحْيَاهُ أليشع. [5].

ما أعجب حكمة الله ورعايته، فالمرأة الشونمية صرخت إلى الملك ليرُدَّ لها حقوقها في اللحظات التي كان يسمع فيها كيف أحيا أليشع النبي ابنها، لذا استجاب الملك لصرخاتها بعد أن طلب منها أن تروي له ما حدث مع النبي بخصوص إقامة ابنها من الموت.

فَسَأَلَ الْمَلِكُ الْمَرْأَةَ، فَقَصَّتْ عَلَيْهِ ذَلِكَ،.

فَأَعْطَاهَا الْمَلِكُ خَصِيًّا قَائِلاً:

أَرْجِعْ كُلَّ مَا لَهَا وَجَمِيعَ غَلاَّتِ الْحَقْلِ مِنْ حِينَِ تَرَكَتِ الأَرْضَ إِلَى الآنَ. [6].

كان كل ما ترجوه الشونمية هو رد بيتها وحقلها لها ولابنها، لكن إذ سمع الملك قصتها مع رجل الله أليشع أمر أن يرد لها حتى المحاصيل التي للحقل خلال سنوات المجاعة السبع.

أمر الملك باسترداد الأرض وجميع غلات الحقل يُظهر أن المجاعة قد انتهت، وأمكنهم زراعة الحقول، أو كانت الحقول تأتي بشيءٍ من الغلات، ولكن ليس بالكفاءة الكاملة لها.

نختم هذا الحدث بكلمة عتاب مع الملك. حسن للغاية أن يستعذب الحديث عن المعجزات التي يصنعها الله مع قديسيه في حياة الآخرين، لكن كان يلزم أن يطلب إله هؤلاء القديسين ليعمل عجائب في حياته هو. متى تتحول قراءاتنا عن عجائب ومعجزات السيد المسيح في حياة القديسين إلى التمتع بخبرة عملية في حياتنا الداخلية وسلوكنا اليومي!

كمثالٍ، حين تطلَّع القدِّيس مار يعقوب السروجي إلى عظائم الله التي تجلّت في لقاء السيد المسيح مع الكنعانية، انشغل لا بالمعجزة العظيمة التي تمتعت بها الكنعانية حيث كشف الرب عن عظمة إيمانها، ووهب ابنتها الشفاء (مت 5: 21 - 28)، وإنما بتركيز أنظاره إلى شخص السيد المسيح لينعم هو أيضًا بعظائمه في كل جوانب حياته.

  • هو الطريق التي يسير فيه المرء ليرى أباه، وهو باب الحياة، ومن يدخلون فيه ينتصرون على الموت (يو 14: 6، يو 10: 9).

هو الطبيب، ومنه تَجرِي كل المعونات، وهو الينبوع الذي يتدفق حياة لمن هم حواليه.

به يُطرَد الأبالسة والشياطين من الإنسانية، وتُشفَي أمراض المرضى وقروحهم.

وبه تتنقى حياة النفس ومنه تستنير، وبه تُذبَح خطايا العالم التي كانت كثيرة.

هو يُبرِّر العشارين بقوة كرازته، وبالغفران يجعل الخطاة كاملين.

هو يطرد إبليس من الكنعانية التي طلبت منه، وهو يطفئ هوى نفسك إن كنتَ تنظر إليه.

هو الذي يحمل ثقل العالم بجبروته، وعليه تستند كل الخلائق، وبه توجد.

هو شمس البرِّ والنور العظيم، وهو الطبيب والشافي لجميع المرضى (مل 2: 4).

هو الغني، وابن الغني، ومُثري الكل، وهو قوة كل الضعفاء، وبه يتقوون (2 كو 8: 9؛ أف 2: 4).

هو الذي يُضمِّد الأوجاع والأمراض ويطرد الأبالسة، مبارك من نزل وافتقد العالم وشفى أمراضه! [346].

القديس مار يعقوب السروجي.

الأعداد 7-10

2. بنهدد يطلب عون أليشع ولا يطلب إله أليشع

التجأ بنهدد ملك أرام إلى أليشع يطلب عونًا، أما قلبه فكان بعيدًا تمامًا عن الله. تشغله صحته، لكن لا يبالي بأبديته.

وَجَاءَ أليشع إِلَى دِمَشْقَ.

وَكَانَ بَنْهَدَدُ مَلِكُ أرام مَرِيضًا،.

فَقِيلَ لَهُ: قَدْ جَاءَ رَجُلُ الله إِلَى هُنَا. [7].

لا نعرف لماذا جاء أليشع إلى دمشق. يرى البعض أنه جاء يدعو جيحزي للتوبة[347]. وربما جاء بقيادة الروح القدس لمتابعة ما سبق أن تنبأ عنه إيليا النبي في حوريب منذ عدة سنوات (1 مل 19: 15)، أي ليُقِيم حزائيل من البلاط الملكي ملكًا لأرام. قال له أليشع: "قد أراني الرب إياك ملكًا على أرام".

لم يكن شعب أرام يعبد الرب، لكن الله ضابط الكل يُحرِّك العالم لتحقيق خطته الإلهية دون أن يُفقِدَ الإنسان حرية إرادته. هذه أثمن عطية قدَّمها الله لكل البشرية.

  • كان الإنسان البشري (آدم) صورة ومثالاً للقوة التي تَحْكُم كل الموجودات.

لهذا كان أيضًا له السيادة على نفسه، بكونه مُتشبِّهًا بذاك الذي يمارس السلطة الجامعية.

لم يكن قط عبدًا لأية ضرورة خارجية.

لا، بل كان يفكر فيما هو حق، وبكامل حرية إرادته يختار ما يُسرّه. وباختياره حلَّتْ الكارثة في تلك اللحظة التي هيمنتْ على الجنس البشري[348].

  • هذا الإله (الصالح) ما كان يحرم الإنسان من أنبل الأمور الصالحة وأثمنها، أعني هبة الحرية والقدرة على اتخاذ القرارات بنفسه.

فلو أن الضرورة هي التي تَحكُم حياة الإنسان، لكانت "الصورة" (التي له كصورة الله) زائفة، لأنها تكون بذلك بعيدة كل البعد عن الأصل، ولا وجه للشبه بينهما.

كيف يمكن للطبيعة المُستعبَدة لأي نوع من الضرورة أن تُسمَّى صورة الطبيعة الملوكية؟... الله ليس مسئولاً عن الشرور الحاضرة، فقد أسس طبيعتك لتكون حُرَّة غير مُستعبَدة، إنما تقع المسئولية على الإرادة المُنحرِفة التي بها يختار الإنسان ما هو رديء عوضًا عما هو أفضل[349].

القديس غريغوريوس النيسي.

عندما دخل دمشق لم يأتِ مُتنكِّرًا ولا مختبئًا، إذ عرفه الكثيرون أنه النبي، أو رجل الله، وذلك منذ أن شفى نعمان السرياني من برصه (2 مل 5).

فَقَالَ الْمَلِكُ لِحَزَائِيلَ:

خُذْ بِيَدِكَ هَدِيَّةً،.

وَاذْهَبْ لاِسْتِقْبَالِ رَجُلِ الله،.

وَاسْأَلِ الرَّبَّ بِهِ:

هَلْ أَشْفَى مِنْ مَرَضِي هَذَا. [8].

عند مجيئه، ربما تذكَّر الملك شفاء نعمان السرياني، لذا طلب من حزائيل أن يذهب لاستقباله، ويسأله عن إمكانية شفائه.

جاء في قوانين الرسل[350] أن أليشع النبي رفض الهدية، وذلك كما يرفض الله التقدمة إن كانت ثمن كلب أو أجرة زانية. [إن كان أنبياء الله لا يقبلون هدايا الأشرار، فمن اللائق أنتم أيضًا أيها الأساقفة (لا تقبلونها).].

جاء اسما حزائيل وبنهدد في نقش أشوري على مَسَلَّة سوداء موجودة الآن في المتحف البريطاني[351]. أُشير إلى الاسميْن بكونهما ملكيْن لدمشق دخلا في صراع مع شلمناصر ملك أشور، وانهزما على يديه.

فَذَهَبَ حَزَائِيلُ لاِسْتِقْبَالِهِ، وَأَخَذَ هَدِيَّةً بِيَدِهِ،.

وَمِنْ كُلِّ خَيْرَاتِ دِمَشْقَ حِمْلَ أَرْبَعِينَ جَمَلاً،.

وَجَاءَ وَوَقَفَ أَمَامَهُ وَقَالَ:

إِنَّ ابْنَكَ بَنْهَدَدَ مَلِكَ أرام قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ قَائِلاً:

هَلْ أُشْفَى مِنْ مَرَضِي هَذَا؟ [9].

يرى بعض الدارسين أن هذا لا يعني أن الهدايا كثيرة بحيث تحتاج إلى 40 جملاً لحملها. إنما كانت هذه عادة قديمة للمباهاة أن تُقدَّم الهدايا الثمينة في أوانٍ كثيرةٍ أو على جمالٍ كثيرةٍ. فقد كانت الهدايا الملوكية ثمينة للغاية، لكنها مُوزعة على 40 جملاً. يقول Maillet عن هدايا العريس يحملها على أربعة أو خمسة خيول، مع أنه يمكن أن يحملها فرس واحد، وفي نوع من المباهاة عندما تُقدَّم جواهر وحلي ثمينة يصنعونها في 15 طبقًا، ويمكن لطبق واحد أن يحويها جميعًا. عندما قدَّم أهود هدية لعجلون ملك موآب حملها موكب من الناس (قض 3: 18).

يُقال إنه في فارس كانت العادة أنه لا يجوز أن يحمل أي شخص أكثر من بندٍ واحدٍ من الهدايا مهما كان البند صغيرًا[352].

  • كان علة مرض (بنهدد) بؤسه. فقد حزن جدًا، لأن جيوشه انهزمت في حربه مع السامرة، في نفس الوقت كان شعبه يترقَّب النصرة السريعة جدًا...

هرب جيشه بكامله في عارٍ وخزيٍ؛ هذا سبَّب له اضطراب في فكره. هذا بجانب أن لا يد له في هزيمته، فحلَّ بأفكاره اضطراب شديد.

في خداع اعتقد أن جيشًا قويًا لا عدد له يقوم ضده، مع أنه ظهر فيما بعد أنه لم يكن هناك وجود لجيش يقاومه.

لهذا إذ سمع الملك عن مجيء أليشع إلى دمشق، أرسل حزائيل، أحد الأشراف، لكي يلتقي به.

طلب منه أن يطلب من النبي كي يهتم بشفائه، وإذ ظن أن هذا الطلب يلزم أن يصحبه هدايا وتقدمات حسب التقليد السائد في العالم، لذلك أرسل من كل خيرات دمشق على أربعين جملاً.

بالتأكيد رفض الأنبياء الهدايا، كما فعل أليشع عندما رفض تقدِّمات نعمان السرياني[353].

القدِّيس أفرآم السرياني.

يقول حزائيل بكونه الوزير الخاص للملك أو الرئيس العام في البلاط الملكي لأليشع النبي: "ابنك بنهدد ملك أرام"، مما يكشف أنه مع ما حمله النبي من روح الحزم غير أنه يقدم أبوّة لا لشعب الله فحسب، بل لكل من يتعامل معهم، حتى وإن كان ملكًا وثنيًا شريرًا.

إن كان هذا هو روح النبي في العهد القديم، فكم بالأكثر يليق بكهنة الله في العهد الجديد. يليق بهم أن يشهدوا لأبوّة الله الحانية خلال أبوّتهم لكل البشر. لذلك كان القديس يوحنا الذهبي الفم يقول للكاهن: "أنت أب العالم كله".

  • اِعلمْ أن الرجل المتقدِّم على الجماعة والمتسلِّط عليهم، لا يؤيِّده ويفخِّمه مثل إظهاره الحب العميق لمرؤوسيه.

فالأب لا يكون أبًا لمجرَّد ولادته للبنين، بل لحبُّه إيَّاهم، هكذا إن كانت الطبيعة تقتضي ضرورة هذه المحبَّة، فكم بالأكثر البنوَّة التي بالنعمة؟! أعني إن كان يلزم الشخص أن يحب أولاده الطبيعيِّين، حتى يُدعَى أبًا طبيعيًا، فكم بالأكثر يحب أولاده بحسب النعمة، الروحيِّين المُعمَّدين، لئلاَّ يصيروا في جهنَّم مُعاقَبين.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم.

فَقَالَ لَهُ أليشع: اذْهَبْ وَقُلْ لَهُ شِفَاءً تُشْفَى.

وَقَدْ أَرَانِي الرَّبُّ أَنَّهُ يَمُوتُ مَوْتًا. [10].

يبدو أن المرض لم يكن خطيرًا، ويُشفَى منه، إنما يموت بنهدد لا بسبب المرض، إنما بالجريمة التي يرتكبها حزائيل.

طلب منه أن يقول للملك "شفاء تُشفَى"، ثم أكمل: "وقد أراني الرب أنه يموت موتًا". ربما أراد أن يخبره أنه لا يموت بسبب المرض بل يُشفَى، لكنه يموت بسبب آخر. يرى البعض أن كلمات النبي هنا لحزائيل يُقصَد بها أن النبي يوبخه، لأنه لن يبلغ الرسالة، إذ يخشى غضب الملك. وكأن النبي يقول له أنا أعلم ما تقوله له تحت أي الأوضاع وهو "شفاءً تُشفَى"، لكن هذا يخالف قول الرب إنه موتًا يموت.

  • إذ كان مرضه ليس خطيرًا، كان يُمكن أن يُشفَى من مرضه، كما قال أليشع له...

لقد مات بطريقة طبيعية، لكن بوسيلة غريبة، إذ خدعه حزائيل سفيره، إذ وضع اللبدة (وغمسها بالماء ونشرها على وجهه) وقتله، وملك عوضًا عنه كما تنبأ أليشع[354].

القدِّيس مار أفرآم السرياني.

الأعداد 11-15

3. حزائيل لا يدرك حقيقة قلبه

يُمثِّل حزائيل فئة خطيرة ممن يلجأون إلى الله، ولهم صورة التقوى والتواضع بينما قلوبهم قاسية وهم لا يدرون. لقد رأى أليشع الجريمة في قلب حزائيل، الأمر الذي لم يره حزائيل نفسه!

فَجَعَلَ نَظَرَهُ عَلَيْهِ وَثَبَّتَهُ حَتَّى خَجِلَ. فَبَكَى رَجُلُ الله. [11].

رأى أليشع النبي في قلب حزائيل وأفكاره التي حاول أن يخفيها ما سيفعله ببني إسرائيل، لذلك تطلع إليه وبكى. لقد خجل حزائيل من نفسه، إذ شعر أن الله أظهر لأليشع أفكاره الخفية. لقد بكى النبي وهو يرى الجرائم الخطيرة التي سيرتكبها حزائيل، كما جاء في 2 مل 10: 32 - 33 "في تلك الأيام ابتدأ الرب يقُصُّ إسرائيل، فضربهم حزائيل في جميع تخوم إسرائيل. من الأردن لجهة مشرق الشمس جميع أرض جلعاد والجاديين والرأوبينيين والمنسيين من عروعير التي على وادي أرنون وجلعاد وباشان. وأيضًا في 2 مل 13: 3 - 4، 22:" فحمي غضب الرب على إسرائيل، فدفعهم ليد حزائيل ملك أرام وليد بنهدد بن حزائيل كل الأيام. وتضرَّع يهوآحاز إلى وجه الرب، فسمع له الرب، لأنه رأى ضيق إسرائيل، لأن ملك أرام ضايقهم... وأما حزائيل ملك أرام فضايق إسرائيل كل أيام يهوآحاز ". كان يليق بحزائيل أن يراجع نفسه، ولا يأخذ هذا الموقف.

كما بكى النبي هكذا الرب نفسه سكب الدموع على حال شعبه الضائع (لو 19: 41).

فَقَالَ حَزَائِيلُ: لِمَاذَا يَبْكِي سَيِّدِي؟

فَقَالَ: لأَنِّي عَلِمْتُ مَا سَتَفْعَلُهُ بِبَنِي إسرائيل مِنَ الشَّرِّ،.

فَإِنَّكَ تُطْلِقُ النَّارَ فِي حُصُونِهِمْ،.

وَتَقْتُلُ شُبَّانَهُمْ بِالسَّيْفِ،.

وَتُحَطِّمُ أَطْفَالَهُمْ، وَتَشُقُّ حَوَامِلَهُمْ. [12].

فَقَالَ حَزَائِيلُ:

وَمَنْ هُوَ عَبْدُكَ الْكَلْبُ حَتَّى يَفْعَلَ هَذَا الأَمْرَ الْعَظِيمَ؟

فَقَالَ أليشع: قَدْ أَرَانِي الرَّبُّ إِيَّاكَ مَلِكًا عَلَى أرام. [13].

هل طلب أليشع من حزائيل أن يخدع الملك بنهدد ويقتله ليملك عوضًا عنه؟ حتمًا لا، لكن ما قاله أليشع النبي كان وصفًا مسبقًا لما رأى حزائيل سيفعله. رآه يغدر بسيده الملك، ويغتصب منه المُلْك، كما رآه وهو يمارس الشر ضد إسرائيل.

لم يكن حزائيل يتصوَّر ما سيبلغه قلبه من جحود، فيفعل هذا بشعب أليشع الذي تنبأ له أنه يصير ملكًا. لذا قال: "ومن هو عبدك الكلب حتى يفعل هذا الأمر العظيم؟! [13].

كثيرًا ما يظن الإنسان أنه أرفع من أن يقترف خطايا بشعة، وأنه قادر على السيطرة على تصرفاته، وأنه لن يهبط إلى هذا المستوى، متجاهلاً الشر الكامن في قلبه عِوض طلب القوة والعون من الله.

فَانْطَلَقَ مِنْ عِنْدِ أليشع وَدَخَلَ إِلَى سَيِّدِهِ فَسَأَلَهُ:

مَاذَا قَالَ لَكَ أليشع؟

فَقَالَ: قَالَ لِي إِنَّكَ تَحْيَا. [14].

لقد أخبر حزائيل بجزء من كلمات أليشع النبي وتوقف، فكان كلامه يحمل خداعًا.

وَفِي الْغَدِ أَخَذَ اللِّبْدَةَ وَغَمَسَهَا بِالْمَاءِ،.

وَنَشَرَهَا عَلَى وَجْهِهِ وَمَاتَ،.

وَمَلَكَ حَزَائِيلُ عِوَضًا عَنْهُ. [15].

اللبدة: ربما كانت على الأرض كبساطٍ أو على السرير كلحافٍ. غمسها بالماء لكي يقطع عن الملك الهواء، فيختنق ويظهر كأنه مات بسبب المرض. هذا الموت السريع غير المتوقَّع ساعد على تنصيب حزائيل ملكًا.

لقد سبق أن تنبأ إيليا النبي عن استلام حزائيل المُلْك (1 مل 15: 19)، وواضح أنه عرف ذلك. مع هذا تعجل حزائيل في استلامه المُلْك، ولم يصبر، بل قتل بنهدد.

الأعداد 16-24

4. يهوشافاط الصالح يلتصق ابنه بزوجة وثنية

مع ما لشخصية يهوشافاط من سمات صالحة، غير أن ارتباط ابنه بزوجة وثنية لسبب أو آخر، سواء لجمالها أو لخَلْقِ جو من الوِد بين يهوذا وإسرائيل، أفسد أعماقه، وفقد تقواه.

ملك يهورام (يورام) على يهوذا لمدة ثمان سنوات (853 - 841 ق. م. راجع 2 أي 21: 4 - 20).

ملك مع أبيه يهوشافاط لمدة خمس سنوات. يرى آخرون أن يهوشافاط شارك في المُلك مع آسا قبل موته بسنتين، وأن مُلك أخزيا ويهورام حُسِبَ من بداية مُلْك يهوشافاط بمفرده.

وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِيُورَامَ بْنِ أخآب مَلِكِ إسرائيل وَيَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا،.

مَلَكَ يَهُورَامُ بْنُ يَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا. [16].

يرى البعض أن هذه العبارة جاءت اعتراضية، تلخص ما ورد في 1 مل 22: 50 "واضطجع يهوشافاط مع آبائه، ودُفن مع آبائه في مدينة داود أبيه، وملك يهورام ابنه عوضًا عنه".

جاء عن يهوشافاط أنه ملك على الأقل 23 سنة (1 مل 22: 42، 51؛ 2 مل 3: 1؛ 2 أي 20: 31). يفترض البعض أن يهوشافاط أعطى لابنه لقب ملكٍ ليهوذا في السنة السادسة عشر من حُكْمِه، وبعد سبع سنوات جعله شريكًا عمليًا حقيقيًا للحُكْمِ معه في السنة الثالثة والعشرين. بعد عامين مات يهوشافاط وصار يهورام الملك المُنفرِد في الحكم.

وكأن ما يسبب ارتباكًا في التواريخ أن بعض الملوك مثل يهورام لُقِّب ملكًا في السنة الـ 16 من حكم أبيه، وشارك في الحكم في السنة 23، واستلم الحكم بمفرده بعد موت أبيه وكان قد حكم يهوذا 25 عامًا[355].

كَانَ ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ،.

وَمَلَكَ ثَمَانِي سِنِينٍَ فِي أُورُشَلِيمَ. [17].

تُحسَب الثمانية سنين هنا منذ شارك عمليًا في الحكم مع والده[356].

وَسَارَ فِي طَرِيقِ مُلُوكِ إسرائيل كَمَا فَعَلَ بَيْتُ أخآب،.

لأَنَّ بِنْتَ أخآب كَانَتْ لَهُ امْرَأَةً.

وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. [18].

تحالف يهوشافاط سياسيًا واجتماعيًا مع أخآب وأسرته، لم يسمح له ولبيته أن يحتفظوا بنقاوة إيمانهم. فقد تأثر ابنه يهورام بزوجته عثليا ابنة أخآب، فسلك في طريق ملوك إسرائيل، وأدخل عبادة البعل في يهوذا[357].

الأمر العجيب أن مصدر الشر الذي جلب على إسرائيل غضب الله ألا وهو أخآب وامرأته إيزابل (1 مل 16: 31)، هو نفسه الذي جلب على يهوذا غضب الله ألا وهو عثليا ابنة أخآب وايزابل (2 مل 11: 1).

كان الهدف من زواج ملك يهوذا من ابنة ملك إسرائيل الشريرة هو إقامة سلام وتحالف بين المملكتين. لكن هذا الحدث السياسي الخطير سبَّب كارثة خطيرة لمملكة يهوذا.

بنت أخآب هي عثليا التي كانت مثل أمها ايزابل. ظن يهوشافاط أنه يقوي مملكته باتحاده مع مملكة إسرائيل، غير أن الاتحاد مع الأشرار يُنتِج ضعفًا وخرابًا.

ربما كان لزواج يهورام من عثليا ابنة أخآب وإيزابل الشريرة من فوائد سياسية، كما أدى إلى تحالف وسلام بين المملكتين: الشمالية والجنوبية. لكن هذا الزواج دفع بمملكة الجنوب إلى عبادة الأوثان. وبعد موت يهورام صار ابنه أخزيا ملكًا، وعندما قُتِلَ أخزيا في المعركة أبادت عثليا جميع النسل الملكي ليهوذا ماعدا يوآش الذي خبأته عمته (11: 1)، لتقيم من نفسها ملكة، وتُثَبِّت مركزها.

وَلَمْ يَشَأ الرَّبُّ أَنْ يُبِيدَ يَهُوذَا مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِهِ،.

كَمَا قَالَ إِنَّهُ يُعْطِيهِ سِرَاجًا وَلِبَنِيهِ كُلَّ الأَيَّامِ. [19].

الثمرة الطبيعية لارتداد يهورام هو خراب بيته، ونقل عرش يهوذا إلى أسرة أخرى، كما حدث مع ملوك إسرائيل يربعام (1 مل 14: 10)، وبشع (1 مل 16: 2 - 4)، وأخآب (1 مل 21: 20 - 22).

لكن بالرغم من شر يهورام بقي الله أمينًا في عهده مع داود، فلم يشأ إبادة يهوذا، وذلك من أجل داود ووعوده له (2 صم 7: 12 - 16؛ مز 89: 30 - 37). أما وعد داود أن يعطيه سراجًا ولبنيه كل الأيام، فهذا السراج رمز للرجاء أن يبقى منيرًا حتى في أحلك الظروف، وأن هذا الوعد تحقق بمجيء السيد المسيح نور العالم (1 مل 15: 4؛ يو 1: 13)، وهو ابن داود حسب الجسد.

بقاء السراج يشير أيضًا إلى بقاء البيت به من يقيم فيه، أو بقاء خلفاء لهم يجلسون على العرش، وإطفاء السراج دليل على أن البيت مهجور، لا يسكن فيه أحد.

جاء تأديب يهورام بطريق آخر غير نقل العرش إلى أسرة أخرى، بالسماح لأدوم أن يذل يهوذا (2 مل 8: 23)، كما سمح لهم بالأمراض وغزو الفلسطينيين والعرب لهم وسلبهم (2 أي 21: 14 - 20).

فِي أَيَّامِهِ عَصَى أَدُومُ عَلَى يَهُوذَا،.

وَمَلَّكُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَلِكًا. [20].

غزا داود أدوم، وأقام عليها حُرَّاسًا (2 صم 8: 13 - 14؛ 1 مل 11: 15 - 17)، لكنهم سبَّبوا متاعب كثيرة لنسله (2 مل 8: 20؛ 14: 7، 22؛ 16: 6). كانوا دائمًا يسخرون باليهود، ويهزأون بهم، خاصة عندما سباهم البابليون، لذا جاءت النبوات ضدهم كثيرة في الكتاب المقدس، منها إر 49: 1 - 22؛ صف 2: 8، 11؛ حز 25: 12 - 14 الخ، أما ما ورد هنا فلتأديب يهورام.

ثار أدوم على يهوذا، وتحققت النبوة الواردة في تك 27: 40، فصار لهم منذ ذلك الوقت استقلالهم (إر 25: 21؛ 27: 3؛ عا 1: 11 الخ). أشارت النقوش الأشورية إلى ملوك أدوم بكونهم ملوك لهم استقلالهم.

وَعَبَرَ يَورَامُ إِلَى صَعِيرَ وَجَمِيعُ الْمَرْكَبَاتِ مَعَهُ،.

وَقَامَ لَيْلاً، وَضَرَبَ أَدُومَ الْمُحِيطَ بِهِ وَرُؤَسَاءَ الْمَرْكَبَاتِ.

وَهَرَبَ الشَّعْبُ إِلَى خِيَامِهِمْ. [21].

يورام هنا هو نفسه يهورام.

صعير: اسم عبري معناه "صغير"؛ كانت المدينة الرئيسية في أدوم. قيل إنها صعير الحالية، وهي قرية تبعد حوالي خمسة أميال شمال شرقي حبرون، حيث يوجد قبر عيسو (أدوم).

عندما تحدث إشعياء النبي عن نبوة خاصة بأدوم أشار إلى صعير باسم "سعير"، إذ قال: "وحي من جهة دُومة. صرخ إليّ صارخ من سعير، يا حارس، ما من الليل! يا حارس، ما من الليل! قال الحارس: أتى صباح، وأيضًا ليل، إن كنتم تطلبون فاطلبوا، ارجعوا وتعالوا" (إش 21: 11 - 12).

دومة Dumah هنا اختصار كلمة Idumea.

وقف النبي على المحرس كل الليالي [8]، إذ ساد العالم نوعٌ من الظلمة الداخلية، يترقب مجيء شمس البرّ لينتزع ظلمة الليل، ويحل الصباح. الآن يسمع صوتًا ربما من السماء أو من بقية الأنبياء ورجال الله: "يا حارس ما من ليل!" لقد جاء ملء الزمان، وأشرق نور الصباح؛ لتصمت الأمم، ولتمت عن إنسانها القديم، لتتمتع بنور الحياة؛ لتطلب الآن فتجد نورها خلال إيمانها بالسيد المسيح، لترجع إلى الله مُخلِّصها وتأتي إليه، فتجده باسطًا يديه بالحب العملي ليحتضنها.

يُكرِّر "يا حارس ما من ليل!" مرتين، لأن الحديث مع النبي خاص باليهود كما بالأمم، وأيضًا خاص بمؤمني العهدين القديم والجديد كي يتمتع الكل بالخلاص وهم في سكون يتأملون عمل الله معهم.

وَعَصَى أَدُومُ عَلَى يَهُوذَا إِلَى هَذَا الْيَوْمِ.

حِينَئِذٍ عَصَتْ لِبْنَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. [22].

كانت ليهوذا وأدوم حدودًا مشتركة، ولهما جِد واحد هو اسحق، لكنهما عاشا في حروبٍ مستمرةٍ.

خضعت أدوم لإسرائيل في أيام داود كما رأينا، ثم لمملكة الجنوب، والآن عصت على يهورام وأعلنت الاستقلال. فزحف يهورام لمهاجمة أدوم، لكنه فشل، ففقد جزءًا من أرضه عقابًا له على فشله في إكرام الله.

لبنة مدينة في الساحل بين مقيدة ولخيش (يش 10: 39؛ 12: 15)، من مدن يهوذا إلى جهة الجنوب الغربي من أورشليم،؛ يُظَن أنها تل الصافية حاليًا.

خصصت لنسل هارون (يش 21: 13، 1 أي 6: 57). تمرَّدتْ على مملكة يهوذا، إذ ضعفت المملكة في أيام يهورام. أما سبب تمردها فورد في 2 أي 21: 10 - 11، وهو أن يهورام ترك الرب إله آبائه، وجعل سكان أورشليم يزنون.

حاصرها سنحاريب ملك أشور (2 مل 19: 8؛ إش 37: 8).

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يَُورَامَ وَكُلُّ مَا صَنَعَ، أما هي مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا. [23].

وَاضْطَجَعَ يَورَامُ مَعَ آبَائِهِ،.

وَدُفِنَ مَعَ آبَائِهِ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ،.

وَمَلَكَ أَخَزْيَا ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. [24].

جاء في 2 أي 21: 18 أن يورام مات على أثر مرضٍ خطيرٍ، حيث انسكبت أحشاؤه، ودُفن في مدينة داود، ولكن ليس في مقبرة أسرته، أي مقبرة الملوك.

الأعداد 25-29

5. تحالف خارج الرب

فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ لِيُورَامَ بْنِ أخآب مَلِكِ إسرائيل،.

مَلَكَ أَخَزْيَا بْنُ يَهُورَامَ مَلِكِ يَهُوذَا. [25].

يفترض البعض أنه ملك سنة مع أبيه بسبب مرضه الشديد.

جاء في 2 مل 8: 25 أن أخزيا بن يورام صار ملكًا على يهوذا في السنة الثانية عشرة من مُلك يورام بن أخآب ملك إسرائيل. ومع ذلك ورد في 2 مل 9: 29 أن أخزيا ملك على يهوذا في السنة الحادية عشر من مُلك يورام على إسرائيل. أين الصواب؟

كلاهما صحيح، الاختلاف نابع هنا من طريقة حساب مدة المُلْك في إسرائيل ويهوذا. في أثناء مُلك أخزيا ليهوذا كان النظام المُتَّبع لحساب سنين الملك هو نظام "سنة التنصيب accession - year" حيث أن أول سنة رسمية للملك لا تبدأ إلا عند بداية السنة الجديدة بعد الجلوس على العرش. أما النظام المُتَّبع في إسرائيل هو "سنة اللاتنصيب non accession - year" والذي فيه تُحسَب السنة التي يستلم فيها الملك العرش هي السنة الأولى الرسمية لمُلْكِه. وبالتالي تكون السنة الحادية عشر بحسب نظام سنة التولية توافق السنة الثانية عشر بحسب النظام الآخر[358].

وَكَانَ أَخَزْيَا ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ،.

وَمَلَكَ سَنَةً وَاحِدَةً فِي أُورُشَلِيمَ.

وَاسْمُ أُمِّهِ عَثَلْيَا بِنْتُ عُمْرِي مَلِكِ إسرائيل. [26].

كان أخزيا هو الابن الوحيد الباقي ليهورام ملك يهوذا. ومع كونه الأصغر استلم الحكم، لأن كل إخوته سقطوا في الأسر في إحدى غارات الفلسطينيين والعرب (2 أي 16: 21 - 17).

يُذكَر أحيانًا اسم أم الملك، لأنه كثيرًا ما تكون هي الملكة العملية والمُدبِّرة لشئون الدولة.

عثليا: يرى بعض الدارسين أن أخآب وإن كان قد أدخل عبادة البعل إلى إسرائيل، إلا إنه لم يترك عبادة الرب، ولذا دعا أبناءه: عثليا وتعني "يهوه مرتفع"، واسم أخيها "أخزيا" ويعني "يهوه يمسك أو يسند"، ويورام وتعني "يهوه علَّي".

"بنت عُمري"، كانت عثليا ابنة أخآب بن عمري، وكان لعُمري اعتبار خاص.

أخزيا المذكور هنا هو ابن عثليا حفيدة عمري ملك إسرائيل. تشابُه الأسماء في هذه الحقبة بين الأسر المالكة في إسرائيل والأسر المالكة في يهوذا يُسبِّب نوعًا من الارتباك.

كان لأخآب ملك إسرائيل ابنان، توليا العرش بالتتابع، وهما أخزيا ويهورام (يورام). ويهوشافاط ملك يهوذا له ابن يُدعَى يهورام تولَّى العرش بعده؛ هذا له ابن تولى العرش بعده يُدعَى أخزيا.

يهوذا إسرائيل.

يهوشافاط أخآب.

ابنه يهورام ابنه أخزيا.

ابنه أخزيا أخوه يهورام.

وَسَارَ فِي طَرِيقِ بَيْتِ أخآب،.

وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ كَبَيْتِ أخآب،.

لأَنَّهُ كَانَ صِهْرَ بَيْتِ أخآب. [27].

كما أن إسرائيل في أيام أخآب وإيزابل وصل إلى أخطر درجات الارتداد والشر، هكذا يهوذا في أيام ابنتهما عثليا انحط إلى صورة خطيرة.

وَانْطَلَقَ مَعَ يُورَامَ بْنِ أخآب لِمُقَاتَلَةِ حَزَائِيلَ مَلِكِ أرام فِي رَامُوتِ جِلْعَادَ،.

فَضَرَبَ الأراميُّونَ يُورَامَ. [28].

هنا بدأت متاعب حزائيل ملك أرام التي تنبأ عنها أليشع النبي (8: 12).

فَرَجَعَ يُورَامُ الْمَلِكُ لِيَبْرَأَ فِي يَزْرَعِيلَ،.

مِنَ الْجُرُوحِ الَّتِي جَرَحَهُ بِهَا الأراميُّونَ فِي رَامُوتَ،.

عِنْدَ مُقَاتَلَتِهِ حَزَائِيلَ مَلِكَ أرام.

وَنَزَلَ أَخَزْيَا بْنُ يَهُورَامَ مَلِكُ يَهُوذَا،.

لِيَرَى يُورَامَ بْنَ أخآب فِي يَزْرَعِيلَ،.

لأَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا. [29].

كانت يزرعيل مقر القصر الصيفي لملوك إسرائيل.

كان أخزيا قد رجع إلي أورشليم بعدما جُرِحَ يوارم، ونزل من أورشليم إلى يزرعيل ليعود إلى يوارم. وكانت يزرعيل مضيفًا لملوك إسرائيل.

أخيرًا، فإن الأحداث التي وردت في هذا الأصحاح تدفعنا نحو التسليم الكامل بين أيدي مخلصنا السماوي، فعنايته وخطته وتدابيره فائقة:

  1. يهتم الله بالأرملة الشونمية وابنها وسط المجاعة التي عانى منها الشعب، وهو العالم بالمستقبل وفي يديه.
  2. يحمل بنهدد ملك أرام صورة التديُّن، لكن الله يعلم قلبه الشرير.
  3. يكرم حزائيل ملك أرام أليشع النبي الذي يدرك ما يحمله قلبه من مرارة.
  4. يسلك يهوشافاط باستقامة، لكن الصداقة الشريرة أفسدت نقاوته.
  5. يورام ملك يهوذا كان شريرًا، لكن الله يحفظ وعده لداود مع تأديب الملك.

فالله يهتم بنا ويُخطِّط لخلاصنا، يطلب نقاوة قلوبنا، لا صورة التقوى، يسألنا الشركة المُقدَّسة مع إخوتنا، وأخيرًا يبقى أمينًا في مواعيده لنا بالرغم من عدم أمانتنا.

من وحي 2 مل 8.

لألتصق بك يا راعي الأمين!

  • سمحتَ بالمجاعة للبلد كلها،.

لكن الأرملة الملتصقة بك لا تتخلى عنها.

مستقبلها هي ونسلها بين يديك!

لتطمئن نفسي على الدوام،.

فلا أخشى الغد، لأنه في يدك!

فلم يسأل آلهته عند مرضه،.

بل أرسل يطلب مشورة نبيَّك.

قدَّم عطايا كثيرة لخادمك،.

أما قلبه فكان بعيدًا جدًا عنك.

لا تطلب صورة التقوى،.

ولا تحتاج إلى ذبائح وتقدِّمات،.

إنما تطلب القلب النقي مسكنًا لك!

  • قدَّمتَ كل الإمكانيات لحزائيل المملوء سمًا نحو شعبك.

كشفتَ له ما خفي في فكره وقلبه.

وحسب نفسه ككلبٍ إن كان يُسيء إليك.

بكى عندما كشف له نبيك عنف قلبه وقسوته.

لكنه لم يطلب نعمتك، ولا سألك لتقود حياته!

مع كل الإنذارات الإلهية تمَّم شهوة قلبه الشريرة!

احفظني من أعماقي الفاسدة، قدِّسني واحملني على يديك!

  • نفسي مُرَّة، فقد انهارت نقاوة قلب يهوشافاط.

تحالفه مع الأشرار، ومداهنته لهم،.

أفقدته البصيرة الداخلية.

سقط بصره عنك أيها السماوي وعن سماواتك.

وسار قلبه وراء المجاملات البشرية المُنحرِفة!

ليحفظ روحك الناري أعماقي نقية،.

فلا أنحرف يمينًا ولا يسارًا!

أراك فأفرح بك.

ألتصق بك، وأنعم بالشركة معك!

  • لتؤدبني بسبب خطاياي، وإلى الموت لا تُسلِّمني.

لتبقى وعودك أمينة بالرغم من عدم أمانتي.

لتقيم يا ابن داود الخيمة الساقطة في أعماقي.

فيُعلن ملكوتك المُفرِح في داخلي.

لك المجد يا أيها العجيب في رعايتك الإلهية!

الباب الثالث.

المملكتان حتى السبي الأشوري.

2 ملوك 9 - 17.

الخطية هي الطريق إلى السبي الأبدي.

قدَّم لنا سفر الملوك الأول صورة مُبهجِة للنفس، كيف تمتَّع سليمان بن داود بالحكمة السماوية مع أمجاد ومواهب فائقة، فصار مثلاً للنفس التي تتحد بحكمة الله المتجسد ربنا يسوع، يبني لا هيكلاً في أورشليم الأرضية، بل يُقِيم روح الله في أعماقه ملكوته، عربون السماء. وجاءت حياة إيليا النبي في ذات السفر وبداية الملوك الثاني، تلهب أعماقنا شوقًا نحو الغيرة المقدسة النارية، حتى نتهيأ لا للصعود بمركبة نارية مع إيليا النبي، بل للقاء مع رب المجد على السحاب. كما جاءت سيرة أليشع النبي تبعث فينا روح الحب لله والناس، والعمل الدائم لحساب ملكوت الله، فتنفتح بصيرتنا، لا لنرى مركبات وخيولاً نارية تُحيط بنا على الدوام، بل أحضان الله مفتوحة لاستقبالنا، ورب المجد يسوع مشغولاً بإعداد مكانٍ لنا على مستوى أبدي.

الآن بعد أن تمتَّعنا بهذه الصورة المُبهِجة يحذرنا بقية سفر الملوك الثاني من خطورة العناد والتشبُّث بالخطية التي يبغضها القدوس.

يستعرض هذا الفصل (2 مل 9 - 17) ما يثير مرارةً شديدة في النفس، إذ يكشف عن ما بلغ إليه إسرائيل من فسادٍ فاق فساد يهوذا، حيث كان جميع ملوك إسرائيل أشرارًا، لم يوجد بينهم ملك واحد صالح، فأطال الله أناته عليهم كما على يهوذا. وأخيرًا سمح بتأديبهم بواسطة أشور الذي قام بسبيهم على مراحل، لماذا؟

  1. تمَّ السبي على مراحل ليعطي لإسرائيل على مستوى القيادات والشعب الفرصة لمراجعة كل الأحداث منذ قام يربعام بالتمرُّد، وإقامة مملكة مُنشقَّة مستقلة تضم عشرة أسباط، ترفض قيام ملوك من نسل داود، كما تمنع الذهاب إلى أورشليم والعبادة في هيكل الرب الخ.

كما أعطاهم الفرصة لمراجعة تأديبات الرب لآبائهم، فيرجعون إلى الله بالتوبة الصادقة.

  1. تحقيق السبي على مراحل يشير إلى طول أناة الله، فهو لا يريد مذلّتهم وهلاكهم، فمع كل مرحلة يليق بالكل أن يرجعوا إلى الله، وكأن الله يود ألا يتمم السبي الكامل.
  2. سبي إسرائيل على مراحل يعطي الفرصة لمملكة يهوذا أيضًا أن تدرك خطورة الخطية، فتنتفع من درس إسرائيل المُر. لكن للأسف عوض التوبة ظنَّت يهوذا أنها لن تسقط تحت السبي، لأن الله لن يُسلِّم مدينته أورشليم ولا هيكله ولا ينزع المُلك عن بيت داود. تمادت يهوذا في الشر حتى فاقت ما سبق أن مارسته مملكة إسرائيل، فسمح الله لها هي أيضًا بالسبي البابلي على مراحل.

حقًا إن الخطية خاطئة جدًا، هي الطريق الذي يقود النفس البشرية إلى السبي، فتفقد حريتها في الرب، ويُنزَع عنها رجاؤها في المجد الأبدي!

  • الخطية ثقيلة جدًا، تحتاج إلى مراحم عظيمة[359].

القديس جيروم.

  • يلزمنا أن نعرف أن في الأمور البشرية لا يوجد صلاح حقيقي إلا فضيلة الروح وحدها التي تقودنا بإيمان حقيقي إلى الأمور السماوية، وتجعلنا على الدوام متمسكين بالأمور الباقية.

ومن ناحية أخرى ينبغي علينا ألا ندعو شيئًا ما شريرًا إلا الخطية وحدها التي تفصلنا عن الله، وتربطنا بالشيطان الشرير[360].

الأب ثيؤدور (تادرس).

  • إن بقيتَ فيما يخص التراب، فستتحول إليه في النهاية. يليق بك أن تتغير، يجب أن تتحول، يجب أن تصير سماويًا[361].

العلامة أوريجينوس.

  • إذا سقط إنسان في خطية يفقد بهجة قلبه، ويمشي كئيبًا وحزينًا من شدة نخس ضميره، لكنه إذ يخلص من الخطية بالتوبة ترتد إليه بهجة الخلاص...

وأيضًا خلاص الأمم هو ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، لذلك يسأل النبي من الله الآب أن يبهج العالم بمجيء ابنه إليه متجسدًا.

وأما روح رئاسي فهو الروح القدس الذي يسود ويرأس كافة الخليقة.

  • يطلب النبي محو كل الآثام، لأنه لو بقيت خطية واحدة، فإنها تحرمنا من الدخول إلى ملكوت الله، كما إذا وُجد دنس يسير في اللباس يمنعنا من الدخول إلى المقدس. يصدق هذا القول مع الرسول بولس: "لا تضلوا؛ لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعون ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله (1 كو 6: 9 - 10).

الأب أنثيموس الأورشليمي.


[339] Letter To A Young Widow.

[340] On The Second Book of Kings, 8: 1.

[341] On Works and Almsgiving.

[342] In Acts, homily 45.

[343] In Rom. , hom. 19.

[344] On Ps. 70 (71).

[345] الرسالة الثالثة والأربعون.

[346] الميمر 17 على الكنعانية (مت 15: 21 - 28؛ مر 7: 24 - 30) (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني).

[347] Adam Clarke’s Commentary.

[348] De Virginitate 12.

[349] Oratione Cat. 5.

[350] Constitutions of the Holy Apostles, Book 4. Sec 2: 7.

[351] Barnes’ Notes.

[352] CF. James M. Freeman: Manners and Customs of the Bible, 1972, , article 340.

[353] On The Second Book of Kings, 8: 7.

[354] On The Second Book of Kings, 8: 10.

[355] Barnes’ Notes.

[356] Barnes’ Notes.

[357] Barnes’ Notes.

[358] When Critics ask: A popular handbook on Bible difficulties. Wheaton، III.: Victor Books. Geisler، N. L.، & Howe، T. A. (1992).

[359] Epistle 122: 3.

[360] مناظرات يوحنا كاسيان مع مشاهير آباء البرية، 3: 6.

[361] Homilies on Genesis, 9.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ - سفر الملوك الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ - سفر الملوك الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر الملوك الثاني الأصحاح 24
تفاسير سفر الملوك الثاني الأصحاح 24