الإصحاح الثالث عشر – تفسير رسالة كورونثوس الأولى – القمص أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس – القس أنطونيوس فكري.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الإصحاح الثالث عشر

يمكن تسمية هذا الإصحاح بسيمفونية المحبة أو أنشودة المحبة. وهناك 3 كلمات تعبر عن المحبة في اللغة اليونانية وهى: -.

  1. إيروس = المحبة الجنسية.
  2. فيليا = كلمة اكثر شيوعاً ومعناها المودة. ومنها فيلوسوفى (فلسفة) أي محب الحكمة وفيلوباتير (محب الآب) وفيلوثيئوس (محب الله) وكلا الإيروس والفيليا هي محبة لمن يستحقها (أى من أستفيد منه) مصحوبة برغبة في الإمتلاك.
  3. أغابى = هي محبة لغير مستحقيها، هي محبة تعطى وتبذل ولا تطلب مقابل لذلك وكمثال لها محبة الله لنا. ومحبة الأم لأولادها.

وكانت كلمة أغابى نادرة الإستعمال في اليونانية حتى إستخدمها المسيحيين وجعلوها كلمتهم المميزة في نوعية المحبة، وهى الكلمة التي إستخدمها بولس الرسول. وكلمة أغابى هي الدرجة الأعلى في المحبة.

العدد 1

آية (1): -

"1إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ.".

بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ = إذا إستطعت أن أتكلم بلغات كل الناس (ألاف اللغات) والرسول بدأ بالتكلم بالألسنة لأنها مشكلة كنيسة كورنثوس، وليبرز خطورة إستخدام الموهبة للمظهرية، ودون محبة. ونلاحظ أن بولس إستخدم أسلوباً عنيفاً مع أهل كورنثوس مع أن لهم مواهب متعددة ومنها الألسنة بينما في كلامه مع أفسس وتسالونيكى نجده يكلمهم بفرح مع أنه ليست لهم مواهب كثيرة، لكنهم مملوؤن محبة. وَالْمَلاَئِكَةِ = ربما إستمع الرسول للملائكة يسبحون حينما إختطف للفردوس وربما يشير للتسابيح فهذه لغة الملائكة. ولكن هذا هو أسلوب بولس الرسول ويقصد به أنه حتى لو بلغنا المستحيل وتكلمنا بلغة الملائكة، فهو أسلوب مبالغة ونجد نفس المعنى في (رو 38: 8 + غل 8: 1) فلن يوجد ملاك يفصلنا عن محبة المسيح أو يبشرنا بعقيدة خاطئة. وإذا فهمنا الآية على أنها التسابيح، فمن يشترك في تسابيح الكنيسة وصلواتها وترانيمها كأصوات فقط، أو للمظهرية، والقلب خالٍ من المحبة، فستكون خدمة هؤلاء هي بحث عن مجد ذاتي أي رنين فارغ = نُحَاسًا يَطِنُّ = وكان صوت النحاس والصنوج التي تطن هو صوت إعتادوا عليه في هياكل الأوثان فعبادة الأوثان الفارغة هي أصوات بلا معنى، أما المسيحية فهي محبة، فالله محبة. والمحبة تؤثر العطاء على الأخذ وإخفاء الذات لأجل الآخر. أصوات الصنوج والنحاس التي تطن لا تعطى معنى معيناً أو موسيقى لها معنى، هكذا أي موهبة بلا محبة، فالمحبة هي التي تعطى النفع للمواهب أو هي الأساس الذي يقوم عليه الإنتفاع بالمواهب. ولو إمتلأ أحد بالمواهب دون محبة لصار منفراً للناس مزعجاً لهم كنحاس يطن. فالموهبة دون محبة هي كبرياء ومجد ذاتي. ونفهم قول الرسول الآن أن السعى وراء موهبة ما للمجد الذاتي ما هو إلاّ إرتداد للوثنية، فما هذا سوى عبادة للذات، لذلك إستخدم الرسول تشبيه مما يحدث في الهياكل الوثنية.

ويعتمد الخمسينيون على هذه الآية ويقولون أنهم حين يتكلمون بألسنة يكونون يتكلمون بألسنة الملائكة وهذا مستحيل: -.

  1. كانت الأرض كلها تتكلم بلسان واحد قبل بلبلة الألسنة بسبب الخطية، فلماذا يقول الرسول ألسنة الملائكة ولم يقل لسان، هل أيضاً حدثت بلبلة للملائكة.
  2. الملائكة حين يتكلمون مع البشر، يكلموننا بما نفهمه لندرك الرسالة الإلهية. لكن الملائكة لهم لغتهم السمائية التي لا ندركها وهم في وحدة ولسان واحد.
  1. يقول الرسول والألسنة ستنتهى (اكو 8: 13) فلو عَنَىَ ألسنة السمائيين والملائكة، فهل يتوقفوا عن الحديث الملائكى في الأبدية.

العدد 2

آية (2): -

"2 وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا.".

نبوة = أي التنبؤ. فقيافا تنبأ (يو 11: 49 - 51) وبلعام تنبأ (عد 38: 22 - 25: 24) وهكذا شاول الملك (1صم 14: 16 - 23، 19: 9) ومع هذا فقد هلكوا.

أَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ = مثال: - يهوذا عرف كل أسرار وتعاليم السيد المسيح وهلك. فمن يعرف مشيئة الله ومقاصد الله، ولكن بدون محبة، فستكون معارفه لمجده الذاتي وكبريائه وانتفاخه وبالتالي هلاكه (مت 7: 22، 23) الصفة الأساسية للإنسان الروحي هي المحبة والنبوة والأسرار دون محبة ستصبح أعمال جسد أو خداع شياطين. قد يلفت مثل هذا الناس ويثيرهم بعلمه، ولكن دون محبة لن يرضى الله. مثل هذا يسهل خداعه بواسطة الشياطين.

العدد 3

آية (3): -

"3 وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا.".

إِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي = هذه مثل الفريسيين الذين كانوا عند تبرعهم يضربون بالأبواق للشهرة والمجد الشخصي. هنا قد يستفيد الآخرين من هذه الخدمات، ولكن من يفعل هذه الخدمات بدون محبة لن يستفيد شيئا.

وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى …. = ربما لأجل الدفاع عن الإيمان أو في سبيل الآخرين. الأولى كانت بذل أموال وهذه بذل للذات. لكن إن لم يكن هناك محبة فما هو الدافع للتضحية بالمال أو الذات سوى الشهرة والمجد الشخصي.

الأعداد 4-7

الآيات (4 - 7): -

"4الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، 5 وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، 6 وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، 7 وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.".

هناك من إستبدل كلمة المحبة في هذه الآيات بكلمة المسيح، فالرسول هنا يرسم صورة للرب يسوع الذي تجسدت فيه المحبة. ولكن السؤال لو لم يكن عندي هذه المحبة وهذه الصفات ماذا أعمل.

  1. نطلب الإمتلاء من الروح القدس، وأول ثماره المحبة (غل 22: 5).
  2. والإمتلاء من الروح، والإمتلاء من المحبة هما نعمة، ولا نعمة دون جهاد والجهاد هو أن يغصب الإنسان نفسه على عمل الشيء المطلوب. وبالتالي لن أمتلئ محبة سوى بالجهاد. وما هو الجهاد المطلوب؟ لنذكر تعليم الرب أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم (مت 44: 5) فمحبة الأعداء هي نعمة ولكنها تتطلب جهاد، وهكذا أي محبة.

أ) باركوا…. تكلموا حسناً على كل الناس، ولا تلعنوا أحداً، حتى لو في داخلي شئ آخر.

ب) أحسنوا…. قدموا خدمات لكل الناس وتشبهوا بالسيد الذي أتى ليَخدِم لا ليُخْدَمْ إصنع هذا حتى لو لم تكن تحب الخدمة، أو لو كان الآخر لا يؤدى لك أى خدمة.

ج) صلوا…. لا تنشغل في صلاتك بنفسك، بل صلى لكل الناس، لكل متألم، لمن في كنيستي ومن ليس في كنيستي للمسيحى وغير المسيحي، بل ولمن يكرهك. وفى مقابل هذا تنسكب علىَّ النعمة وتتغير طبيعتي، فأجد نفسي أحب كل الناس حتى أعدائي، وهذه هي الخليقة الجديدة التي في المسيح (2كو 17: 5) فأقصى ما تستطيعه الخليقة العتيقة هو أن يغصب الإنسان نفسه على عمل المحبة، أمّا الخليقة الجديدة فتصنع هذا عن حب لله والناس والبداية هي التغصب.

تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ = التأنى هو طول أناة بالفكر. والرفق هو طول أناة بالسلوك والعمل والتخاطب في التعامل مع الآخرين. ويحتمل المعنى عدم الإساءة لمن يسئ لنا، بل نقابله بالصلاح والخير.

تدريب عملي: - أعط للناس عذر فيما يفعلونه من أخطاء، وقل ربما هم في ظروف صعبة إضطرتهم لذلك. وحاول السيطرة على إنفعالاتك. وربما في البداية يحدث نوع من الكبت. ولكن مع إنسكاب النعمة ستمتلئ النفس سلاماً.

لاَ تَحْسِدُ = أي لا تشعر بالألم نتيجة لسعادة الآخرين وتقدمهم، ولا تحقد على الآخرين بسبب نعمة نالوها. ولا تتمنى زوالها عنهم. وإبليس يحرك الحسد في قلوب البشر، فقلبه مملوء حسداً مقابل الحب الذي يملأ قلب الله. ومن حسد إبليس انه أسقط الإنسان في الخطية (مثال: - الأخ الأكبر للابن الضال حسده على النعمة التي نالها). أمّا الإنسان الروحي المملوء محبة يفرح مع الفرحين وهذه ليست في طاقة الإنسان العادى. ولكن هذا هو المحك …. هل تغيرت طبيعتك أم لا. وإذا كانت طبيعتك لم تتغير ماذا تفعل.

تدريب عملي: -.

أ) صلى لأجل من ناله خيرات، وأطلب له المزيد حتى لو كان هذا بتغصب.

ب) صلى من أجل أن تتغير طبيعتك.

ج) إذهب لهذا الإنسان وبارك له، وخذ معك هدية، ولو بتغصب. وبهذا تغير النعمة طبيعتك.

د) في سَيْرِكَ فى الشارع وتحت كل منزل لك فيه انسان تعرفه صلى له إن كنت تحبه أو لا تحبه. واطلب له البركة والصحة له ولعائلته.

لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ = تتفاخر هذه تكون أمام الناس. وتنتفخ هذه بيني وبين نفسي. والمحبة تملأنا شعوراً بإحترام الآخرين وتقديرنا لهم وتكريمنا لهم، وتُحِّدْ من تكريمنا لأنفسنا، فلا نتطرف في تقديرنا لأنفسنا تطرفا يجعلنا نتفاخر ونمتلئ غرورا وشعورا بعظمة أنفسنا، وما يجعلنا نتفاخر على الآخرين ربما بشئ نملكه وهم لا يملكونه، أو بسبب خدمة قدمناها لهم. أما المحب فهو متواضع كالمسيح الذي غسل الأرجل، والناس تحب المتواضع وتنفر من المنتفخ، وكيف ينتفخ أو يتفاخر من يشعر أن الله هو مصدر كل خير عنده (يع 17: 1). ومن فهم أن الله هو مصدر ما عنده من خيرات فهو لا ينتفخ أي لا يمتلئ صاحب هذا الخير بالغرور والكبرياء والغطرسة. أما المملوء محبة يتمنى الخير لكل الناس، ويحزن لأنهم لا يمتلكون مثله، ويصلى لله ليعطيهم فيفرحوا (هذا هو التدريب المطلوب). إذا فهمنا أن الله هو مصدر كل خير عندي، فكيف أتفاخر بما ليس لي (1كو 7: 4).

وَلاَ تُقَبِّحُ = أي يجرح مشاعر الغير بكلام قبيح وسفيه ليوبخه، ويفعل أفعالاً رديئة ويسلك بغير لياقة. وقارن مع (كو 6: 4).

تدريب عملي = فلنتعلم أن نشجع الناس بكلام لطيف بدلاً من أن نسئ لمشاعرهم.

لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا = هذه عكس الأنانية. فالمحب يطلب ما للآخرين ثم ما لنفسه، أمّا الأنانية فلا تتفق مع الروحيات (يو 18: 7، 8) لنتعلم من المسيح أن نتعب لنربح الآخرين (رو 3: 9 + خر32: 10 - 12). إذاً المحبة تهتم بنفع الآخرين قبل الأنا.

وَلاَ تَحْتَدُّ = أي يتصرف بلطف ووداعة وهدوء، بحزم بلا تجريح وبلا غضب. فالمحبة لا تنظر للآخرين بروح النقد وتسعى لإدانتهم، بل لا تحسب للآخرين خطاياهم.

وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ = تفترض الثقة في الآخرين، أما المحبة الشكاكة فتفترض أن الجميع أشرار ما لم يثبتوا العكس في معاملاتهم. وليس معنى هذا أن نتعامل بلا حكمة، بل علينا أن لا نترك الفرصة لعدو الخير لزرع شكوك العداوة بيننا وبين الآخرين، ولا نتسرع في الحكم (مثال بنى عمون مع رسل داود). وعلينا أن ندافع عن الناس بقدر ما يمكن وأن نتروى ونبطئ في الحكم ولا نحتفظ بسجل لخطايا الآخرين (كما جاءت في بعض الترجمات) بل ننساها. فلو تذكر الله كل خطايانا لما تعامل معنا.

تدريب عملي: - إنشغل بالسماء، بترديد مزامير والتأمل فيها مثلاً، أو ترديد آيات ومن هو مشغول بالسماء لن يلاحظ أخطاء الآخرين. كقائد السيارة المشغول بالطريق، لن يهتم بملابس الراكبين معه.

لاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ = أي لا تشمت في سقوط الآخرين، فهناك من يفرح بسقوط عدوه في خطية حتى ينتقم منه الله، ومن يفرح بوجود الإثم فهو لم يتب توبة حقيقية بل هو يتمثل بالشيطان، أما المحب يبكى على خطية الخاطئ. تدريب عملي: - صلى لكل نفس تخطىء لكي تتوب، حتى لو كان هذا ضد رغبتك وهذا ما يسمى الجهاد أى نغصب أنفسنا على فعل الشئ الصحيح وبهذا نغتصب ملكوت السموات (مت 11: 12).

تَفْرَحُ بِالْحَقِّ = تفرح وتسر عندما يسود الحق، ويقدم الخطاة توبة. فالقلب المحب يسكنه الله، والله هو الحق، فالمحب يفرح بالتوبة والسلوك بالإنجيل.

تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ = أي تحتمل نقائص الآخرين وسوء تصرفاتهم، والمسيح إحتمل نقائصنا وهو القدوس أفلا نحتمل نقائص البعض نحن الخطاة. وأيضا نفهم هذه على أن المحبة لا تشهر بالآخرين وتذيع نقائصهم بل تستر عليهم (قصة أبو مقار) بل كانت الكنيسة تصلى لأجل الذين يقتلون أولادها، وهكذا طلب بولس الرسول أن نحترم الرؤساء. وكان هذا أيام نيرون.

تُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ = تصدق المظهر الطيب للناس دون أن تبحث في دواخلهم وتشكك في نيات قلوبهم، فهذه متروكة لله، ولكن إن أظهر الإنسان شروراً من داخله فهذه لها مواقف أخرى قد تصل لإختصار هذا الإنسان، طبعا تصدق كل شي لا تعنى البلاهة بل بعقل مستنير (1 يو 1: 4 + ا تس 21: 5).

تَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ = أي لا تعرف اليأس، وتأمل أن يُصلح الآخرون أحوالهم، فإذا أخطأوا فهي ترجو لهم التخلص من الخطيئة والتغلب عليها، هي تتوقع بثقة عمل الله في الآخرين لتغييرهم. فمن يحب لايتصور هلاك من يحب بل يأمل في خلاصه.

تَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ = تسلك في طول أناة نحو الآخرين، وتصبر على كل ما يصيبها من ضيق أو من إضطهاد ولا تتعجل النتائج، ولا تيأس سريعا. إنما تفعل الخير دائما وتصبر. وتحتمل كل تجربة مهما كانت.

العدد 8

آية (8): -

"8اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ.".

اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا = ختام رائع للسيمفونية السابقة. وثبات المحبة يأتى من ثبات الله نفسه، فالله محبة، والله لا يفشل. والمحبة تبقى هنا مع الإنسان في الحياة الحاضرة وفى الحياة الأبدية ولن يأتي وقت يكون فيه ما هو أعظم من المحبة، فتُخلَى النفس من المحبة ليحل ما هو أعظم وأسمى. الحكمة البشرية قد تقول فلان يحتاج لمعاملته بإلتواء فهو ملتوٍ، أو فلان يحتاج لمعاملته بشدة فلنطلب من أحد أن يؤذيه. وكل هذا خطأ. بل علينا أن نتعامل بمحبة فهي لن تسقط أبداً. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ وَالأَلْسِنَةُ وَالْعِلْمُ = فهي مشاعل تنير ظلام الليل الآن ولكن حين يظهر نور الشمس في الأبدية (أي حين نرى المسيح شمس البر) فلا لزوم للمشاعل. أما المحبة فتظل ثابتة مؤكدة، صامدة، محتفظة بوضعها. تعامل مع الناس بمحبة وأنت لن تخسر أبداً. النبوات لها عمل الآن وهى من الروح القدس، أما في السماء فلا داع للنبوات. والعلم الآن هو علم ناقص مهما كان غزيراً، أمّا في السماء فسيكون لنا علم حقيقي. فلأن الموضوع خاص بالألسنة فالرسول يريد أن يقول أن كل المواهب ستبطل فى السماء إلاّ المحبة فلن تسقط أبداً حتى في السماء. فالمحبة هي لغة السماء لأن الله محبة. والإنسان الخالي من المحبة لا مكان له في السماء. فنحن مخلوقين على صورة الله، فإذا إنطبعت فينا صورته أي المحبة يكون لنا نصيب في السماء أما المطبوع فيه صورة الحقد والحسد والكراهية فمثل هذا مطبوع فيه صورة إبليس. لذلك علينا أن نجاهد من الآن أن نتعلم لغة السماء.

الأعداد 9-10

الآيات (9 - 10): -

"9لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. 10 وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ.".

في السماء سنعرف كل المعرفة حينما نرى الله وجهاً لوجه، أما المعرفة الآن فجزئية وليست مطلقة. علمنا الآن محصور في مجالات ضيقة ومحددة. العلم الآن كشمعة وسط ظلام العالم، أمّا في الأبدية سيسطع نور شمس البر فلا داعي لنور الشموع (علم أو تنبؤ).

مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ = ظهور شمس البر.

العدد 11

آية (11): -

"11لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْل كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ.".

(راجع في المقدمة "النمو في الحياة الروحية أو صعود درجات السلم الروحي"). ولنفهم ما يقصده الرسول حين يضرب لنا هذا المثل، قارن بين طفل في فهمه وادراكه، وبينه وهو رجل ناضج. هكذا سيكون الفارق بين إدراكنا الآن في هذه الحياة وإدراكنا في السماء الذي سيكون مكتملاً. وتبطل أمامه الصورة المشوهة التي نحن عليها الآن. فكلامنا الآن عن السماويات كأطفال يتكلمون عن أسرار القنبلة الذرية. حين يكبر هؤلاء الأطفال سيضحكون مما كانوا يفكرون فيه وهم أطفال. هذا هو الفارق بين الطفل والناضج. فالطفل يمثل مرحلة حياتنا على الأرض، والناضج يمثل من دخل للسماء فعلاً. والرسول يشير لثلاث قدرات للطفل (التكلم / الفطنة / التفكير) في مقابل المواهب الثلاث التي أشار إليها سابقاً في آية 8 وهى (الألسنة / التنبؤ / العلم) فالألسنة في مقابل التكلم والفطنة تشير لموهبة التنبؤ والتفكير والتأمل يشير للمعرفة والعلم.

العدد 12

آية (12): -.

"12فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ.".

يضرب الرسول مثلا آخر لتوضيح ما أراد عن نقص المعرفة الآن. في مرآة، المرايا في أيام بولس الرسول كانت من المعدن اللامع المصقول مكسو بالفضة، وهذه لا تقدم صورة حقيقية للأشياء (مثل المرايا الحالية) بل تقدم صورة مشوشة للوجه. وهذا معناه أن لنا الآن على الأرض معرفة بسيطة مشوشة من أمجاد وتسابيح وأفراح السماء. ولكن ما ندركه الآن كافٍ لأن نشتاق للسمائيات. نحن لن ندرك أسرار السماويات وسنكون كمن ينظر الآن فِي لُغْزٍ غير قادر على حل هذا اللغز. أمّا في السماء فسنرى كل الأمور وَجْهًا لِوَجْهٍ فسنرى الله مباشرة. لذلك الآن نعرف جزءاً من الحقيقة، أما في السماء فسنعرف الحقيقة الكاملة سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ = الله يعرف الإنسان معرفة تامة كاملة فهو فاحص القلوب والكلى. ونحن في السماء سنعرفه مثل هذه المعرفة، فإذا كان من الآن لنا فكر المسيح، ولنا الروح القدس يحل فينا الذي يفحص كل شي حتى أعماق الله (1كو 10: 2، 16) فكم وكم سيكون لنا في السماء. ومعرفتنا هذه ستتزايد يوماً فيوم …. ما أمجد هذا.

العدد 13

آية (13): -

"13أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ.".

كل هذا التغيير سيحدث في الحياة الأخرى. ولكن الآن يوصى الرسول بالثبات في الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، ولكن أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ = لأن المحبة هي لغة السماء، نتعلمها على الأرض ونمارسها في السماء. لكن إلى حدٍ ما فالإيمان ينتهي دوره بعد أن نرى الله ونرى ما أعده لنا، سيكون مفهوم الإيمان في السماء هو الثقة في الله. والرجاء سينتهي دوره بعد أن ندخل فعلاً إلى السماء، وسيكون مفهومه الجديد هو التطلع نحو أمجاد وخيرات جديدة كل يوم. فأمجاد وأفراح السماء هي بلا نهاية ولا نأخذها كلها مرة واحدة. أمّا المحبة فهي الأعظم، فمن قلبه مملوء محبة يقترب إلى الله ويقترب للكمال السماوى.

غير الناضج روحيا تكون مقاييسه مادية، فهو يتصور أن الله يحبه لو أعطاه نجاحاً مادياً وصحة وأموال، أمّا لو سمح الله له بتجربة "يتساءل ليه يارب ما أنا ماشى معاك". أمّا الناضج روحيا فهو يفهم أن الله يحبه مهما كانت الظروف الخارجية، وأن الله صانع خيرات. إذاً هذه التجربة للخير، فيشكر الله عليها. الناضج يدخل لعمق فكر الله، ويكتشف محبته فيحبه، وبهذا يدخل للعمق أكثر وأكثر. وكلما دخل للعمق تزداد التعزيات الإلهية. فكم وكم سيكون في السماء حيث لا ألم، بل إكتشاف محبة الله اللانهائية وتذوق الأفراح والأمجاد الأبدية، فيكون التسبيح الدائم لله. فما نأخذه الآن من أفراح ما هو إلاّ عربون ما سنأخذه هناك. فلنطلب أن نمتلئ من الروح القدس الذي يهبنا الأفراح والتعزيات الآن كعربون ولنغصب أنفسنا على التسبيح، وربما يبدأ هذا أولاً بالتغصب، لكنه مع الوقت سيتحول لمصدر فرح، وأيضا كعربون لما نأخذه في السماء.

ثلاثية بولس الرسول، الأيمان الرجاء المحبة.

هذه الثلاثية وردت أيضا في (1تس 3: 1 + 1 تس 8: 5 + عب 10: 6 –12 + عب 22: 10 –24). ونجد أن الرسول قد عَرَّفَ الإيمان في (عب 1: 11) هو "الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى". وعَرَّفَ الرجاء في (عب 18: 6 –20) "لنمسك بالرجاء الموضوع أمامنا. الذي هو كمرساةٍ للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب. حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا" ومن هذا التعريف للرجاء الذي يُصَوِّر فيه الرسول المؤمن في هذا العالم المضطرب، كمن في بحر مظلم، ولكن وجد نفسه ممسكاً بحبل مربوط في مرساة على الشاطئ، والذي ثبت المرساة وألقى الحبل هو يسوع الذي دخل إلى السماء لأجل أن يعد لنا مكانا. وما علىَّ الآن سوى أن أستمر في جذب الحبل (الجهاد السلبي أي الإمتناع عن الخطية والجهاد الإيجابي من صلاة وصوم وخدمة ….) ولكن يكون هذا بإطمئنان ففي يدي حبل مربوط في الشاطئ الذي هو السماء. أما المحبة فتعريفها في هذا الإصحاح.

والإيمان هو الثقة بما يرجى. فنحن نرجو أن يكون نصيبنا هو المجد السمائى والإيمان هو الثقة بأن هناك قيامة للأموات، وحياة في الدهر الآتي. نحن نرجو أن يسندنا الله في موضوعٍ ما، فلماذا التردد في إتخاذ القرار. فالإيمان هو الثقة في أن الله لابد وسيبارك.

وفي (1تس 3: 1) نرى بولس الرسول يضع علامات تُظْهِر هل نملك هذه الفضائل أم لا، فنجده يقول "متذكرين بلا إنقطاع عمل إيمانكم وتعب محبتكم وصبر رجائكم".

فماذا يُظْهِرْ أن لك إيمان؟ هذا إن كان لك أعمال صالحة. فمن يؤمن بالأمجاد المعدة في السماء، وبالميراث السماوى لن يتصارع على ميراث أرضى. ومن يؤمن بأن هناك دينونة لن يجرؤ على الإستمرار في خطية حتى لو أخطأ، بل يسرع مقدماً توبة. بل هو لن يجرؤ أصلاً على فعل خطية. فالإيمان الحي يظهر في الأعمال.

والمحبة الحقيقية تظهر في التعب من أجل الآخرين، هكذا ظهرت محبة المسيح في تجسده وصليبه. وظهرت محبة بولس للمسيح في أتعابه التي تحملها في كرازته وخدمته. والرجاء يظهر في الصبر على إحتمال الشدائد، فمن عينه على أمجاد السماء سيصبر على الضيقة الحالية. والصبر ليس هو البلادة الحسية ولا الشجاعة والإحتمال والبطولة، بل هو ناتج عن وجود رجاء.

ومن (1تس 8: 5) نرى فوائد الإيمان والمحبة فهما كدرع يحميان المؤمن من محاولات إبليس التشكيك في محبة الله إذا أصاب المؤمن ضيقة. والرجاء هو خوذة تحميني من خبطات الرأس أي اليأس والهم مهما إشتد الألم. فهذه هي طريقة إبليس أن يأتى وقت الشدة أي التجربة ويهمس في أذن الإنسان بأن الله قاسى ولقد تخلى عنه، وإلاّ فلماذا سمح بهذه التجربة المؤلمة. والمؤمن الواثق في أن الله صانع خيرات، والواثق في محبة الله له يرد قائلاً …. الله لا يصنع سوى الخير. لذلك نسمع قول الرسول "فلنصحُ لابسين درع الإيمان والمحبة". وهما درع لأنهما يحميان صاحبهما من الشك في محبة الله وبالتالي في الإعتراض على أحكامه والتصادم معهُ. وهنا يخسر المؤمن.

1) سلامه وفرحه.

2) لن يستفيد من التجربة التي سمح بها الله. فكل تجربة لها هدف وهو كمال الإنسان.

3) ربما يخسر أبديته …… وهذه هي أهداف إبليس. أمّا الرجاء فقال عنه الرسول … "وخوذة هي رجاء الخلاص" (1تس 8: 5). فالمؤمن بدون رجاء معرض لفقدان سلامه ومعرض لليأس، ولأن يحيا في هم فاقداً فرحه، ولكن من لهُ رجاء في مجد وأفراح السماء فستكون عينه على السماء، ولن يخسر فرحه وسلامه أبداً.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الإصحاح الرابع عشر - تفسير رسالة كورونثوس الأولى - القمص أنطونيوس فكري

الإصحاح الثاني عشر - تفسير رسالة كورونثوس الأولى - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير رسالة كورونثوس الأولى الأصحاح 13
تفاسير رسالة كورونثوس الأولى الأصحاح 13