الأصحاح الأول – سفر المكابيين الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدمة في سفر المكابيين الثالث خلاص الشعب في مصر

تسمية السفر تبدو أنها لا تكشف عما يحويه، فإنه لا يستعرض أعمال بطولية إيمانية للمكابيين كما في مكابيين الأول والثاني، إنما يروي جهاد اليهود المصريين الذين عانوا من الاضطهادات تحت حكم بطليموس الرابع فيلوباتير ملك مصر (221 - 203 ق. م).

يبدأ السفر يوصف إصرار الملك بطليموس أن يدخل قدس الأقداس في هيكل أورشليم. وعندما تم تجنب هذا الإصرار بالتدخل الإلهي بصلوات سمعان الكاهن الأعظم (1: 1 - 2: 24)، عاد الملك إلى مصر، وصمم أن ينتقم من إسرائيل لما أصابه من إهانة في أورشليم. يصف هذا العمل اضطهاد اليهود والمعجزات التي صنعت لحسابهم، وخلاص الله لهم.

تعترف الكنيسة الكاثوليكية بالسفرين الأول والثاني، بينما تعترف الكنيسة الأرثوذكسية بالثلاثة أسفار.

حول نصوص سفر المكابيين الثالث.

يبدو أن سفر المكابيين الثالث دوِّن باليونانيّة. نجده في مخطوط النسخة الإسكندرانية للكتاب المقدس، التي تعود إلى منتصف القرن الخامس. ولكنه غاب من النسخة الفاتيكانية التي تعود إلى القرن الرابع، كما غاب من النسخة السينائية، التي تعود أيضًا إلى القرن الرابع. غير أن ما يعوّض عن ذلك، هو أننا نجد (3 مك) في نسخة فاناتوس التي تعود إلى القرن 8 / 9. ونجد (3 مك) أيضًا في عدد من المخطوطات الجرّارة.

نُشر النصّ اليوناني للمرة أولى في كمبريدج على يد سويت، سنة 1899. ومرّة ثانية، في شتوتجارت، سنة 1935. وطُبع النص أكثر من مرة ولا سيّما طبعة نقديّة حلّت محلّ التي طُبعت في كمبريدج. وتُرجم إلى الألمانيّة والانجليزيّة وغيرها من اللغات.

إن التقليد المخطوطيّ للأسفار المكابيّة الأربعة (1 مك، 2 مك، 3 مك، 4 مك) كان موضوع تردّد لدى بعض آباء الكنيسة. أما القانون 85 في "قانون الرسل" فيذكر فقط 1 مك، 2 مك، 3 مك.

ويبدو أنه وُجدت في الحقبة البيزنطيّة مجموعةٌ سُمّيت "بطالسيات" جاءت في كتابين. ثم كمّلت "المكابياتُ"، هذه المجموعة قدّمت تاريخ العالم اليهودي بعد الاسكندر الكبير.

الأصل اليوناني في 3 مك هو اسكندراني، ويعود إلى سنة 24 - 25 ق م، وقد ارتبط بالملك بطليموس. ونذكر بين الترجمات القديمة، الترجمة السريانيّة التي نقرأها في البشيطة. إنها تبدو توسعًا حرًا في النصّ، وقد ارتبطت بالنصّ اللوقياني الذي يضيف حاشية طويلة بعد 5: 29. كما نذكر الترجمة الأرمنيّة التي بدت شبه حرفيّة. ولكن لا توجد ترجمة لاتينيّة قديمة لسفر المكابيين الثالث. وفي النهاية، هناك تلميحات بسيطة لدى آباء الكنيسة. أمّا في الأدب اليهوديّ، فلا أثر لهذا الكتاب.

مضمون السفر.

نجا بطليموس الرابع فيلوباتور، ملك مصر (221 - 203 ق. م.)، من مؤامرة حاكها عليه ثيودوتس Theodotus كي يقتله، وذلك بفضل يهوديّ جاحد، فانتصر انتصارًا باهرًا على أنطيوخس الثالث الكبير، ملك السلوقيّين، في رافيا (رفح) (1: 1 - 5). بعد ذلك، زار المدنَ المجاورة، ووزّع الهدايا على معابدها، وتأثّر من ولائها (1: 6 - 7). وجاء وفدُ صداقة يهوديّ يقنعه بزيارة أورشليم. ففعل، وتأثّر بالهيكل، وتمنّى الدخول إلى الهيكل، إلى قدس الأقداس (كما فعل بومبيوس سنة 63 ق. م). أحدث طلبُه ذعرًا في المدينة. ورغم تهديداته المتكرّرة، لم تلبَّ رغبته (1: 18 - 29). فسمعان، رئيس الكهنة الأعظم، ذكر أعمال الله الخلاصية العجيبة في الماضي، من أجل شعبه، وصلّى لكي يتغير قرارُ بطليموس المهدّد بأن ينجّس المكان المقدّس. فجأة صار الإمبراطور أشبه بقصبة تهزها الرياح، غير قادر أن يقف باتزان، وكان عاجزًا حتى عن الصراخ. ارتعب أصدقاؤه وحًراسه، وإذ خشوا أن يموت سحبوه.

ولما عاد الملك إلى مصر، أراد الانتقام من اليهود. فعزم على حرمانهم من حقوقهم المدنيّة، وأن يشمهم وشمًا هو شعار ديونيسيوس. ولكن من يشارك في عبادة ديونيسيوس ينعم بالامتيازات التي ينعم بها كلّ مؤمن في الإسكندرية (2: 23 - 30). رفض معظم اليهود طلب الملك بشجاعة. عندئذ، غضب الملك، وأمر بأن يؤتى بجميع اليهود في مصر، الرجال والنساء والأطفال، مقيّدين إلى الإسكندرية، حيث ينفّذ فيهم حكمُ الإعدام (4: 1 - 12). عوملوا بقساوة، وسيقوا كالبهائم، وجُعلوا في السفن. وهكذا نُقلت هذه المجموعة الكبيرة إلى رصيف الإسكندرية وسُجنت في حلبة السباق 41: 1 - 13). وكان العددُ كبير جدًا، فاستغرق الإحصاء أربعين يومًا وما انتهى، لأن مواد الكتابة نفدت وانقطعت في البلاد (4: 14 - 21). عندئذ أمر بطليموس بأن يدوس اليهودَ خمسُ مئة من الفيلة جُنّ جنونها بسبب ما شربته من الخمر وأكلته من اللبان. لكنّ الملك راح في نوم عميق، بحيث تأخَّر تنفيذُ الأمر إلى اليوم التالي (5: 1 - 22). وفي الأيام التالية، نجا اليهود أيضًا بتدخّل إلهيّ عجيب جعل الملك ينسى ما أعطاه من أوامر في السابق (5: 23 - 25). غير أنه، بعد ذلك، وفي اليوم عينه، جدّد أوامره بأن تهيّأ الفيلة إلى الصباح التالي (5: 36 - 45). وعند الفجر، ساعة كان الملك ماضيًا إلى الحلبة مع حيواناته، صلّى أليعازر الشيخ الوقور إلى الله وطلب منه أن يتدخّل. فجاء ملاكان، رآهما الجميع ماعدا اليهود، فزرعا الرعب في قلب الملك وفي جنوده، وجعلا الفيلة يرتدّان على جيش الملك (5: 46 - 6: 21). فتحوّل قلبُ الملك، وغضب على مستشاريه، وأمر بأن يطلق سراح اليهود، ويحتفلوا بعيد يمتدّ سبعة أيام، على حساب الخزينة الملكيّة (6: 22 - 30). في الموضع الذي حُكم على اليهود بالموت، هناك عيّدوا وشكروا الله على خلاصهم، وقرّروا أن تكون تلك الأيام أيام عيد على الدوام (6: 30 - 41). وفي رسالة بعث بها الملك إلى حكّام الأقاليم، دعاهم أن يقدّموا كل حماية إلى اليهود (7: 1 - 9). بل إن اليهود نالوا سماحًا من الملك بأن يقتلوا إخوتهم الذين جحدوا إيمانهم. ثمّ عيّنوا سبعة أيام أخرى من العيد في بطلمايس قبل أن يعودوا سالمين إلى ديارهم (7: 10 - 23).

2. الأهميّة الأدبيّة.

نتوقّف هنا عند اللغة الأصليّة، عند زمن كتابة (3 مك) ومكان كتابته.

اللغة الأصليّة.

كل شيء يشير أن 3 مك دُوّن في اليونانيّة. ويمكن أن نجعل الكتاب في فنّ أدبيّ، هو "الرواية التاريخيّة". وبهذا، نراه يشبه بعض الشبه "روايات" ازدهرت في الحقبة الهلنستيّة، أي بعد الاسكندر المقدوني. لم يبقَ الكثير من هذه الروايات، التي نذكر منها ما تركه خاريتون (نهاية القرن الأوّل) ابن لابساكي (آسية الصغرى، أو تركيا الحاليّة، تجاه الدردنيل): مغامرات خايرياس وكاليرهوي (في ثمانية أجزاء). ونحن نجد في 3 مك بعض السمات التي تجعل هذا الكاتب عارفًا بعض الشيء بمثل هذا النموذج الأدبيّ. ينطلق الكاتب من حدث (أو شخص تاريخيّ) فيتوسّع فيه ويجمّله، فيصبح "أسطورة". هناك مشاهد تصوّر الدمار المهدّد والخلاص العجائبيّ للبطل أو البطلة. والمكان هو الساحة العامة أو حلبة السباق أو المسرح. ويسيطر العنصرُ الدينيّ بما فيه من عجيب وغريب. ويجعل الكاتب في روايته الرسائل المزعومة التي يربطها بشخص عظيم، كما يجعل الوثائق في شكل خدعة أدبيّة تجعل القارئ يعتبر أنه أمام كتاب "تاريخيّ". ويقدّم كلَّ هذا في صيغة دراماتيكيّة مع ألوان فاقعة وتفاصيل مثيرة. ومع ذلك، فالأسلوب واللغة اللذان استعملهما الكاتب، دلاّ على يد يونانيّة. فسمح لنفسه مرارًا بأن يقدّم كتابة رقيقة، فضمّ الموصوف إلى الموصوف، والجملة الاسميّة إلى الجملة الاسميّة. وتوافرت التكرارات البلاغيّة والتضخيمات. وجاءت الألفاظ غنيّة ومتنوّعة، فتضمّنت الكلاسيكيّ كما تأثّرت باللغة الدارجة. واستعمل الكاتب كلمات نجدها عند الشعراء اليونان. كما اخترع ألفاظًا لا نجدها عند سواه، وقد يكون صاغها بنفسه. كل هذا يدلّ على كاتب قلّد الأدب الكلاسيكيّ أو الإتيكيّ، فبدا مرتاحًا مع مختلف حقبات التطوّر اللغويّ في الثقافة اليونانيّة.

متى وأين كُتب 3 مك.

نتوقّف هنا عند وجهتين. الوجهة التاريخيّة والوجهة الأدبيّة.

أوّلاً: الوجهة التاريخيّة.

تشير قراءة النصّ إلى حدود دُوّن فيها 3 مك. من جهة، هو يبدأ في وصف سريع لمعركة رافيا (رفح الحاليّة) التي حصلت سنة 217 ق. م. ومن جهة أخرى، وبالنظر إلى تعظيم هيكل أورشليم في هذا السفر، ما زال الهيكل قائمًا، وهو الذي سيسقط سنة 70م. ما عدا ذلك، لا إشارة تاريخيّة أكيدة بين هذين التاريخين (217 ق. م. - 70م). إن يوسيفوس قدّم خبرًا مماثلاً لحدث الفيلة، ولكن أكثر إيجازًا. ولكنه اختلف عن 3 مك، فنسب الظلم والقساوة إلى بطليموس 9 فسكون (146 - 117 ق. م)، لا إلى بطليموس الرابع فيلوباتور. ولكن يبدو أن نصّ يوسيفوس جاء صحيحًا في هذه النقطة. وما يؤكّد لنا ذلك وجود برديّة تدلّ على أن فسكون كان راضيًا عن اليهود. هذا لا يعني أن 3 مك كُتب خلال عهد فسكون أو بعده، أو نقل حدثَ الفيلة إلى زمن فيلوباتور ليتوافق مع هدفه الدفاعيّ. بما أن يوسيفوس و3 مك يربطان خبر الفيلة بتنظيم عيد خاص، فهذا يعني أنه قد يعود إلى حدث تاريخيّ. إن نسخة يوسيفوس الموجزة، ونسخة 3 مك المضخّمة، تعودان إلى رواية شعبيّة تعود أصولها إلى القرن الأوّل ق. م. وترتبط بشيء معروف وهو أن ملوك مصر استعملوا الفيلة في حملاتهم العسكريّة. من أجل هذا، لا يمكن أن يكون الكلام عن الفيلة معيارًا يساعدنا على معرفة الزمن الذي فيه كُتب 3 مك. لا شكّ في أن 3 مك هو كتاب ظرفيّ، أي وثيقة جُعلت في ظرف تاريخيّ محدّد، وتوخّت، شأنها شأن الكتب الجليانيّة، مساعدة الشعب لمجابهة الأزمات وتجاوزها. فإن 3 مك قد دُوّن لمجابهة أزمة عرفها الشعب اليهوديّ. واعتبر إوالد أن الأزمة التي نجد صورة عنها في 3 مك، هي اضطهاد ليهود الإسكندرية خلال حكم الإمبراطور الروماني، كاليغولا (37 - 41). فارتبط الكتاب بمحاولة هذا الإمبراطور أن يجعل صورته في الهيكل سنة 40م. ولكن إن دوّن 3 مك في عهد كاليغولا، وربط انتقاد إدارة كاليغولا بأزمة حدثت في الماضي مع فيلوباتور المصريّ، وجب أن نجد تلميحًا إلى محاولة تأليه الإمبراطور ونزع صفة القدسيّة عن المعابد. ولكن لا تلميح إلى ذلك في 3 مك. أما هاداس فبيّن أن (3 مك) دوّن كردّ على أزمة أصابت يهود مصر ساعة صارت مصر مقاطعة رومانيّة، سنة 24 ق. م، وألغت الإدارةُ الرومانيّة الجديدة الأحوالَ المدنيّة الخاصة باليهود. أساس هذا البرهان من الناحية التاريخيّة، هو أن 3 مك 2: 28 يعود إلى إحصاء يرتبط بضريبة (2: 30) في الحقبة الرومانيّة، ويتوافق مع الوضع الإداري بعد أن سيطر الرومان على مصر. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، قيل أن فيلوباتور نفسه كان مسؤولاً عن هذا التنظيم الضرائبيّ في مصر، مع أن أوستركات حقبة البطالسة تشير إلى أنه لم تكن ضرائب معمّمة في حقبة البطالسة الأولى، على ما كان في الحقبة الرومانيّة. ومع ذلك، فقد حصل ذلك بسبب المصاريف التي تكبّدتها المملكة بعد حربين قاسيتين. لهذا شدّد فيلوباتور على الضرائب. ولكن كل نظريّة تحاول أن تحدّد متى كُتب 3 مك، فهي تحاول أن تربطه بمحاكمة اليهود ومضايقتهم. غير أن الكتاب نفسه لا يبدو بشكل "وثيقة في أزمة. فبين مواضيع الكتابات الجليانيّة، هناك المجازاة، والحياة بعد الموت، والدينونة الأخيرة. وانقلاب نظام العالم الموجود يتمّ بأمر الله في نهاية الزمن. مثل هذه المواضيع غائبة من 3 مك. في الواقع، الشكر البهيج لله على رحمته وخلاصه لشعبه، وعيدُ الفرح، يظهران بوضوح في هذا السفر. كل هذا يدلّ على أن الكتاب دُوّن في حقبة من النجاح والازدهار لليهود. وهكذا نكون أمام نصّ يبني الجماعة ويدافع عنها، وقد توخّى أن يحافظ على الإيمان القويم، وأن يبيّن ولاء اليهود كشعب خاضع للسلطة في الأرض التي يقيمون فيها، وأن يقدّم خبرًا يُسند ممارسة عيد يهوديّ يحتفلون به في مصر.

ثانيًا: الوجهة الأدبيّة.

من تقوية الإيمان، إلى تبرير تاريخيّ لعيد يحتفل به اليهود، إلى الدفاع عن موقف اليهود العائشين في محيط وثنيّ، كل هذا يساعدنا على تحديد زمن تدوين 3 مك. فهل تحمل هذه السماتُ الأدبيّة وعلاقات هذا السفر بأسفار أخرى، ما يلقي الضوء على حقبة تمتدّ بين سنة 217 ق. م وسنة 70م؟ إن 3: 3 يكشف ارتباط الكتاب بإضافات جُعلت في سفر دانيال. وبما أن سفر دانيال دُوّن حوالي سنة 165 ق. م، فهذا ما يقودنا إلى القسم الأوّل من القرن الأوّل ق. م كزمن لكتابة 3 مك. وفي 3 مك 3: 12؛ 7: 1، ترد تحيّةٌ تشبه ما في رسالة أرستيس التي يعتبر الشرّاح أنها دُوّنت حوالي سنة 100 ق. م، هي: "السلام والعافية". وبما أن البرديّات في القرن 2 - 1 ق. م تدلّ على مثل هذه العبارة وغيرها، تكون 3 مك عائدة إلى بداية القرن الأوّل ق. م، شأنها شأن رسالة أرستيس. وإذا ربطنا 3 مك مع 2 مك ورسالة أرستيس، فهذا ما يعود بنا إلى ما قبل القرن الأوّل ق. م بالنسبة إلى كتابنا. فهناك تشابهات لافتة، ولا سيّما على مستوى المعجزة في حياة بطليموس في 3 مك 2: 21 - 24، وفي حياة هليودورس في 2 مك 3: 12 - 31. إن التشابه بين 2 مك و3 مك يقودنا إلى كاتب واحد. ولكننا بالأحرى نقول إننا أمام كاتبين عاشا في محيط واحد وكتبا في زمن واحد. وهكذا بدا التوافق بأن 2 مك يعود إلى القسم الأوّل من القرن الأوّل ق. م. وأين دوّن 3 مك؟ كانت المؤامرة في جوار الإسكندرية. وأوّل أهداف الكاتب الكلام عن وضع اليهود في مصر. إذن، عملُ الكاتب يدخل في جوّ "كلاسيكي مصطنع"، شأنه شأن صاحب 2 مك ورسالة أرستيس. كما يدلّ على معرفة بحياة القصر في زمن البطالسة، واطّلاع على لغّة نقرأها في قرارات البطالسة الرسميّة. وهكذا نستطيع القول إن 3 مك دُوّن في الإسكندرية.

3. الأهميّة التاريخيّة.

إن العنوان "3 مك" لا يوافق هذا السفر. فالأحداث التي يصوّرها، جاءت قبل الحقبة المكابيّة بحصر المعنى، بخمسين سنة أو أكثر. يبدأ الكتاب فجأة وبدون مقدّمة. ومؤامرة تيودوتس تبدأ في 1: 2 مع أنها معروفة لدى القارئ. لهذا استنتج بعضهم أن الكتاب ناقص بعد أن غاب فصل (أو فصول) بشكل مدخل يشرح فيه الكاتب كيف سيبدأ هذا الصراع الملحميّ لدى المكابيّين. غير أن كل محاولة لإعادة بناء النصّ ظلّت على مستوى الفرضيّات. ومن المعقول أن يكون هذا السفر اتّخذ عنوانه من موضعه في المخطوطات، مع 1 مك و2 مك، أو ربّما من موضوعه: نوى بطليموس أن ينتهك الأقداس، فكانت ردّة فعل شجاعة من قبل اليهود. كل هذا يتوافق مع عجرفة السلوقيّين ومقاومة الأبطال اليهود في أيام الثورة المكابيّة. ومهما يكن من أمر، فإن 3 مك يرتبط ببطليموس لا بالمكابيّين، فيسمّى "بطالسيات"، لا "مكابيّات". هذا ما قاله سنقيلوس، المؤرّخ البيزنطي، في كلامه حول رسالة أرستيس، حوالي سنة 800م. ولكن، وإن رُبط 2 مك ببطليموس، فهو يقدّم القليل حول معرفتنا لأحداث تمّت حوالي سنة 217 ق. م. لحكم بطليموس الرابع فيلوباتور. فالصورة الموجزة التي قدّمها الكاتب عن انتصار فيلوباتور في رافيا، في تلك السنة (1: 1 - 7)، تختلف فقط في التفاصيل عما في بوليبيوس، في الفصل الخامس من تاريخه. ففي بوليبيوس مثلاً، وصل الجيشان المتواجهان، إلى رافيا، في الوقت عينه تقريبًا. وانضمّت أرسينوي إلى فيلوباتور، فحضّت الجيش على الاستبسال، قبل المعركة. وذكر تيودوتس ومؤامرته على بطليموس، ولكنه لم يقل شيء عن دوسيتاوس في 3 مك 1: 3. وإذا جعلنا هذه الآيات جانبًا، وفيها ما فيها من معلومات تاريخيّة حول أحداث مختلفة، نقلنا 3 مك إلى أرض غير ثابتة. لا سبب أوّليًا يمنع فيلوباتور من زيارة أورشليم بعد انتصاره في رافيا (في جنوبي فلسطين) التي لا تبعد كثيرًا عن المدينة المقدّسة. ومع ذلك، فخبر لقاء الملك مع اليهود في هيكل أورشليم، قد قيل بشكل خياليّ بحيث يُبعد كل ظنّ بأننا أمام حدث واقعيّ. وخبر الفيلة يعود إلى أسطورة شعبيّة انتشرت في القرنين الأخيرين ق. م. وخبر إخراج اليهود القاسي من بيوتهم إلى حلبة السباق في الإسكندرية، هو من التضخيم بحيث نحسّ فيه طعم الخبر الخياليّ المرتبط بالأسطورة أكثر منه بالحقيقة. ومع ذلك، فإن 3 مك تعكس بوضوح معرفة الكاتب للحياة اليوميّة في زمن بطليموس الرابع. فانطلاقًا من وصف معركة رافيا، الذي يتوافق في خطوطه الرئيسيّة مع خبر بوليبيوس، نستطيع القول بأن الكاتب وصل إلى مراجع توحي بالثقة وترتبط بتاريخ بطليموس الذي ضاع. فبوليبيوس نفسه يلمّح إلى بطليموس هذا، غير أنه لم يبق لنا سوى القليل ممّا كتبه. ورغم ذلك، بجانب آيات حول رافيا، في بداية السفر، فقد كشف الكاتب عن معرفة لا شكّ فيها بالظروف التي سادت مصر في عهد فيلوباتور. ما به يوصف هذا الملك في 3 مك، كان صحيحًا لما عرف عنه حتى الآن: محبّته للولائم، تراخيه أمام نزوات الحاشية، نظرته إلى توحيد اليهود والوثنيّين في عبادة الإله ديونيسيوس جدّه، وقد ماهى الإله ديونيسيوس الذي يلقب ب "ساباسيوس" مع يهوه صباؤوت في العالم اليهوديّ. وأخيرًا، إن الكاتب عرف أسلوب وشكل الرسائل والقرارات الرسميّة في قصر البطالسة. لا نمتلك الشيء الكثير عن الظروف التاريخيّة لليهود في مصر خلال حقبة البطالسة، ويمكن أن يكون 3 مك ذات قيمة تاريخيّة في المعنى الواسع للكلمة. ومع ذلك، فالكاتب ليس مؤرّخًا اهتمّ أوّل ما اهتمّ بذكر ما حصل من أحداث، بدقّة، ولا اهتمّ بالحفاظ على ما تذكّره الناس في الماضي، من أجل ذاته. بل هو مؤمن متديّن قد استعمل وسيلة الإخبار التاريخيّ، وجعله في "رواية"، ليبني ويشجّع الإيمان داخل شعبه من جهة، ومن جهة ثانية ليوصي بهم "إلى الخارج" (أي العالم الوثنيّ) أنهم "شعب خاص". وهكذا يدافع عن طريقة حياتهم ويبرّرها، كما يبرّر إحساسهم الدينيّ وممارستهم التي ما زالوا يحافظون عليها منذ عهد سحيق.

4. الأهميّة اللاهوتيّة.

إذا أردنا أن نكتشف الموقف اللاهوتيّ في 3 مك، ننطلق ممّا أغفله الكاتب، أكثر من انطلاقنا ممّا قاله في خبره. فلا أثر لمواضيع جليانيّة كما بدأت تظهر في القسم الأوّل من القرن الثاني ق. م. مثلاً، لا نرى شيئًا عن الحياة بعد الموت، عن الدينونة والمجازاة، عن الانتظار المسيحاني والعالم الجديد. إن غياب مثل هذه المواضيع لافتٌ، ولا سيّما وأن الكلام عن الشهداء في 2 مك، الذي عرفه كاتبنا، يدلّ على إعادة الحياة إلى الشهيد بعد الموت. ثم لا نجد في 3 مك شيئًا عن "العقل" الذي يتّخذ موقعه بالنسبة إلى الدين، عن مسيرة الدنيوة التي أعطتنا الأدب الحكميّ منذ سفر الأمثال وأيوب حتى أدب ما بين العهدين. ومع أن كاتب 3 مك ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكيّة الجديدة، وقد يكون وُلد في الإسكندرية وعرف الفكر الأفلاطونيّ، فلا شيء عنده يشير إلى محاولة قام بها فيلون في القرن الأوّل المسيحيّ، من لقاء بين الفكر اليونانيّ والفكر التوراتيّ، أو الأسلوب الرمزي أو في تفسير الكتاب المقدّس.

وهكذا جاء 3 مك خارج الإطار الجليانيّ والتوجّه الحكميّ والفلسفة الهلنستيّة. فهو بالأحرى كاتب محافظ يحاول أن "يسبح" بين مختلف الاتجاهات المتطرّفة. فهو يبدو مدافعًا حارًا عن الفكر الاشتراعيّ القديم، الذي يعتقد (نقول هذا مع بعض التبسيط) أن الله يجازي الأبرار خيرًا والأشرار شرًا، وذاك مبدأ رفضه أيوب وسفر الجامعة. فالإله الذي يتدخّل تدخّلاً عجائبيًا في 3 مك، كي يخلّص شعبه، هو حقًا إله المؤمنين وإله الأبرار. لم يعلن بطليموس الرابع صحّة عبارة إله إسرائيل، بل أعلن للحكام في مملكته بأن اليهود شعب خاص. يقول في 7: 6 - 9 "عرفنا بشكل أكيد أن إلهًا في السماء يحامي عن اليهود، في عهد دائم معهم، كالأب مع أبنائه. تأكدّوا أنا إن نوينا شرًا لهم أو سبّبنا قلقًا، لا يكون خصمنا إنسان، بل الله العليّ وسيّد كل قوّة، وهو ينتقم انتقامًا ممّا نفعل، بلا رحمة، وفي كل الظروف، وفي كل الأوقات". لا نجد إشارة إلى غيرة في استمالة الوثنيّين إلى ديانة الإله الواحد، ولا تحركًا يتجاوز خاصانيّة تحدّث عنها فيلوباتور وشدّد عليها. وعكسَ 3 مك إيمانَ الكاتب الذي هو إيمان شعبه منذ القديم، بأن الله يلتفت إليهم دومًا في تاريخهم، ويشارك في هذا التاريخ مشاركة ناشطة، فيوجّههم في طريقه ويراقبهم، ولا سيّما في حقبة بدأ فيه الفكر اليهوديّ يروح في مغامرات لا تحمد عقباها. وصلاة سمعان عظيم الكهنة في 2: 2 - 10 وصلاة أليعازر في 6: 2 - 15، هما في الواقع احتفال بالتاريخ المقدّس (رج مز 78؛ 80؛ 106؛ 114؛ 135؛ 136) ينشد مدائح الله من أجل أعماله الخلاصيّة السابقة. ومع ذلك، فالطريقة التي بها يتوسّع الكاتب في خط "التاريخ المقدّس"، في زمن بطليموس الرابع، يبدو بسيطًا حتى السذاجة. فما يقوله عن تدخّل إلهي عجيب دفع بطليموس ووزراءه أن يتراجعوا عن مشروعهم ضدّ اليهود، لا يمكن أن يدخل في الواقع التاريخيّ. ولكنه حين رواه، أدخله في التقليد العبرانيّ القديم، تقليد الحرب المقدّسة التي فيها يحارب الربّ عن شعبه وينجّيه. ومثلُ هذه النظرة ستعود في شكل آخر عند الأنبياء (أش 29: 6 - 8؛ 30: 30). وسيبدو لاهوته واضحًا في شكل خاص، حين يعلن أن اليهود لا يطلبون علامات كونيّة منظورة ليسندوا إيمانهم بتدخّل الله العجيب من أجلهم. كل ما ذكره، ملاكان سبّبا انقلاب الوضع في حلبة السباق، ولكن رآهما الجميع ولم يرهما اليهود (6: 8).

وأشار الكاتب بقوّة إلى حسّه العميق بالمسافة بين ما هو "قدسيّ"، وما هو "دنيويّ". وهذا ما دلّ عليه في احترامه العميق للهيكل الذي يسميّه فقط "المكان"، وهو متأكّد أن قرّاءه يفهمون. وسوف يكشف في 1: 9 - 29 إلى أي حدّ يبدو الهيكل مليئًا بالجلاليّة. ولا سيّما حين نوى بطليموس فيلوباتور أن يدخل إلى الهيكل وينتهك القدسيّات. وبدا 3 مك متعلّقًا كل التعلّق بالشريعة، فاعتبر أن قتل ثلاثمئة يهودي جحدوا الشريعة، أمر عاديّ، في خط تث 13: 6 - 18.

وأخيرًا، نلاحظ نظرة الكاتب الدينيّة حين يتحدّث مثلاً عن الله. يكدّس الصفات تكديسًا، كل مرّة يذكر اسمه (2: 2 - 21؛ 5: 7؛ 6: 2 - 9؛ 18: 28). بل استعمل ألقابًا لا نجدها في السبعينيّة. وهو يوافق ما يقال عن فاعليّة الصلاة التي ترتبط بوقفة الطالب أو صفته أو حياته. وما يدلّ على ذلك، وصف الكاهن الأعظم في 2: 1 وأليعازر الشيخ في 6: 1. هنا نلتقي مع يع 5: 16: "ما أعظم صلاة البار. فهي فاعلة". وفي النهاية، أراد الكاتب أن ينظّم خبرًا يُسند الاحتفال بعيد لليهود، وسط المصريّين، يقابل عيد الفوريم (أو القرعة) الذي تحدّث عنه سفر أستير وجعله في الشتات اليهوديّ الشرقيّ.

5. (3 مك) والكتاب المقدّس.

أ - أستير العبريّ.

يبدو أن 3 مك لم يتأثّر تأثّرًا خاصًا بأي سفر من أسفار التوراة. ولكنه "غطس" في التقليد البيبلي، فأخذ الكثير منه، ولا سيّما مواد الصلاتين التي جعلهما على شفتي سمعان وأليعازر في ف 2 و4. ولكن هذا الكتاب يحمل بعض الشبه مع سفر أستير، في نقطة أو نقطتين. ففي أس كما في 3 مك، صمّم ملكٌ غريب على تدمير الشعب اليهوديّ في أرضه. ولكن مؤامرة هامان قد أحبطت، وسُمح لليهود أن ينتقموا من أعدائهم (أس 8: 3 - 4). ولكن الاختلافات بين أس و3 مك ظاهرة أكثر من التشابهات. فسفر استير (كما في العبريّة) كتاب دنيويّ ينسب خلاص الشعب إلى عامل بشريّ (لا إلى الله)، إلى أستير الملكة. فلا يُذكر الله أبدًا ولا تُذكر صلاة تُرفع إليه. أما في 3 مك، فلا نجد بطلاً يخلّص الشعب، بل كلُّ شيء يخضع لله الذي يتدخّل لكي يحمل النجاة إلى شعبه. واختلف سفر أستير عن 3 مك، فما تضمّن شيئًا عن ولاء اليهود كشعب خاضع لسلطان أجنبيّ. وهكذا نستطيع القول إن 3 مك دُوّن لكي يصحّح ما في أستير من تشديد على الوجهة المدنيّة على حساب الوجهة الدينيّة.

2 مك.

هناك نقاط اتّصال بين 3 مك من جهة و2 مك ورسالة أرستيس من جهة أخرى. فإن 2 مك يتضمّن عددًا من الأحداث والأفكار التي توازي ما في 3 مك. يتحدّث 2 مك عن دفع هليودورس حين حاول تدنيس الهيكل (2 مك 3: 22 - 31)، وعن عقاب أنطيوخس بسبب تجبّره (2 مك 9: 4 ي). وهذا ما حصل لفيلوباتور (3 مك 2: 21 - 24). ونجد في 2 مك و3 مك كلامًا عن مهابة الهيكل (2 مك 3: 15 - 12؛ 8: 2 - 4؛ 14: 34 - 36؛ 3 مك 1: 11 - 16؛ 2: 1 - 21)، عن الرؤى (2 مك 3: 25؛ 10: 29؛ 11: 8؛ 3 مك 6: 18). عن هجوم على الدين (2 مك 6: 9؛ 3 مك 2: 27 - 33؛ 3: 21) وعن محاولات فرض أمور غريبة (2 مك 4: 9؛ 3 مك 2: 27 - 30). عن عيد تذكاري (2 مك6: 10؛ 15: 36؛ 3 مك 6: 30 - 36). عن أليعازر الوقور (2 مك 6: 1, 16) ورعب الشعب اليهوديّ (2 مك 3: 15 ي؛ 3 مك 1: 16 - 29؛ 4: 3 - 8).

رسالة أرستيس.

تمتدح أرس و3 مك اليهود، وتشير إلى ولائهم للبطالسة. وفي الحالين، يُقرّ بطليموس أن الله يقدّم حماية خاصة لشعبه (أرس 16، 19، 37؛ 3 مك 3: 21؛ 5: 31؛ 6: 24 - 28؛ 7: 6 - 29). وفي الحالين نجد كلامًا عن مجد الهيكل ومهابته (أرس 83 - 91؛ 99؛ 3 مك 1: 11 - 16؛ 2: 1 - 21)، وعن تفرّد اليهود على مستوى الطعام والحياة (أرس 128 - 166؛ 3 مك 3: 3 - 7)، مع أنهم يشاركون في الولائم اليهوديّة (ارس 187؛ 3 مك 4: 16). ونشير إلى أن 3 مك يستعمل ألفاظًا نجدها في 2 مك وأرس، وهي نادرة في مراجع أخرى، وفي أكثر الحالات لا ترد في السبعينيّة. وما يلفت النظر بشكل خاص، هو تشابه العبارات في الرسائل الرسميّة والعبارات التي نجدها في 3 مك، أرس، 2 مك. لهذا، نحن لا نعجب حين نتكلّم عن علاقة أدبيّة مباشرة بين هذه الكتيّبات الثلاثة. ولكن جاء رأي معاكس لهذا الرأي، فدلّ على الاختلافات كما على التّشابهات. وتبقى النتيجة المعقولة أن 2 مك، 3 مك، أرس، تعود إلى محيط واحد عرف لغة البلاط المصريّ فاستقى منها ليُلبس الـ "رواية" حلّة تاريخيّة تربطها بحياة الناس الذين يحاولون أن يعيشوا أمانتهم في عالم لا يعيش إيمانهم وعاداتهم.

نص المكابين الثالث انتصار بطليموس الرابع.

الأصحاح الأول

(1) حين علم فيلوباتور من الذين رجعوا، أن أنطيوخس استولى على المواقع التي كانت تابعة له، أعطى أوامره إلى جميع المشاة والخيّالة من جيشه، وأخذ معه أخته ارسنوي، وزحف إلى مناطق رفح حيث خيّم أنطيوخس وجيشه. (2) غير أن المدعو تيودوتس عزم على أن ينفّذ مقصده، فأخذ معه أشجع رجال الجيش الذين جعلهم بطليموس بإمرته، ومضى ليلاً إلى خيمة بطليموس بعد أن نوى على قتله بيده، بحيث يضع حدًا للحرب. (3) ولكن المدعوّ دوسيتاوُس، ابن دريميلوس، الذي كان يهوديّ المولد ثم تنكّر للشريعة وتخلّى عن معتقدات آبائه، دعا بطليموس إلى الخارج وجعل مكانه شخصًا مغمورًا في خيمته، فكان له المصير المعدّ لبطليموس.

(4 ( وتبع ذلك معركةٌ شرسة. وإذ سيطر رجال أنطيوخس على الوضع، مرّت ارسينوي في الصفوف، بشعرها المبعثر، وتوسّلت باكية، وطلبت من الجنود أن يستعيدوا قواهم ويحاربوا، لا من أجل نفوسهم وحسب، بل من أجل نسائهم وأولادهم. ووعدت بأن تعطي كل واحد منهم، وزنتين من ذهب، إن انتصروا. (5) وكانت النتيجة أن العدوّ دمِّر في المعركة. ووقع في الأسر عددٌ كبير منهم.

بطليموس في أورشليم.

(6) بعد أن سيطر بطليموس على هذه المحاولة، عزم على زيارة المدن المجاورة لكي يشجّعها. (7) وحين فعل هذا ووزّع عطاياه على هياكلها (تلك المدن)، جعل عبيده يطمئنّون. (8) عندئذ أرسل اليهود وفدًا من شيوخهم إليه. فحيّوه، وقدّموا له تقدمات الصداقة، وهنّأوه على ما فعل. فبدا معجّلاً لأن يزورهم في أقرب وقت ممكن. (9) فجاء إلى أورشليم، وذبح للإله العظيم، وقدّم تقدمات شكر، وحافظ إلى حدّ ما على قداسة المكان. وحين دخل إلى المكان المقدّس صعقه ظهور نقيّ إلهيّ، فسأل نفسه (10) وهو مندهش من ترتيب الهيكل: هل يدخل إلى المقدس نفسه أم لا؟ (11) فقالوا له: هذا أمر لا يليق. فلا يُسمح لليهود أنفسهم ولا للكهنة، بل فقط لعظيم الكهنة ورئيس الجميع، ومرّة واحدة في السنة. غير أنه لم يقتنع إطلاقًا. (12) وحتّى بعد أن تُليت عليه الشريعة، ظلّ يؤكّد أنه سيدخل. قال: "إن هم حُرموا من هذه الكرامة، فأنا لا". (13) ثم سأل: "حين دخلتُ إلى سائر الهياكل، فما من كاهن حضرَ ومنعني". (14) فقيل له حالاً إنه من الخطأ الكلام عن هذا الأمر وكأنه موضوع فخر. (15) فقال: "وإن كان الأمر كذلك، لماذا لا أدخل، والوضع وضعي، سواء رضيتم أم لا"؟ (16) عندئذ ارتمى الكهنة على الأرض بلباسهم، وتوسّلوا إلى الله العظيم أن يساعدهم في صعوبتهم الحاضرة ويجعل المهاجم يبدّل رأيه. وملأوا الهيكل بنواحهم ودموعهم. هجمة الشعب (17) فأسرع الشعب الذي لبث في المدينة (المقدسة)، وأسرع وهو مضطرب، منتظرًا أن يحدث أمرٌ سريّ. (18) والصبايا أنفسهن اللواتي حُجزن في مخادعهنّ، خرجن مع أمهاتهن، وأخذن الرماد وذرّينه على شعرهنّ، وملأن الشوارع بصراخهنّ ونوحهنّ. (19) واللواتي تزوّجن حديثًا، تركن مخادعهن المهيّأة لهنّ، وأسرعن قلقات إلى المدينة، بعد أن نسين الحشمة التي تليق بوضعهنّ (20). والأمهات والمرضعات تركن الأطفال هنا وهناك، في البيوت أو في الشوارع، وما اهتممن بهم، بل سارعن بحرارة إلى الهيكل المجيد جدًا. (21) وتكاثرت وتنوّعت صلوات أولئك الذين اجتمعوا هناك، بسبب محاولة الملك بأن ينتهك الأقداس.

(22) في ذلك الوقت، تشجّع بعضُ أهل المدينة، فرفضوا أن ينصاعوا لعناده ونيّته بأن ينفّذ هدفه (23). فدعوا إلى حمل السلاح والموت بشجاعة دفاعًا عن شريعة آبائهم. فسبّبوا جلبة في المكان. فأقنعهم الشيوخ بصعوبة، فعادوا إلى وقفة الصلاة مع الآخرين.

(24) في ذلك الوقت، ظلَّ الجمهور يصلّي كما من قبل. (25) ولكن الشيوخ الذين أحاطوا بالملك، حاولوا بشتّى الوسائل أن يُثنوه عن عزمه في ما نواه من نيّة متعاظمة. (26) أما هو، فلبث على موقفه الصلب رافضًا أن يقتنع، وتابع طريقه منطلقًا إلى أن يكمل ما نواه من خطّة. (27) فحين رأى الذين حوله ما يحدث، انضمّوا إلى الشعب ودعوه، وهو في كل سلطانه، لكي يساعدهم في هذا الضيق الحاضر، لا أن يصبو إلى وقاحة عمل ينافي الشريعة (28). وتواتر صراخُ الجماهير المجتمعة وصار قويًا، فنتجت عنه جلبةٌ تفوق الوصف. (29) فما صرخ الناس فقط، بل بدت الجدران والبلاط وكأنها تصرخ، بحيث فضّل كل واحدٍ الموت على تنجيس الهيكل.

صلاة سمعان عظيم الكهنة.

No items found

الأصحاح الثاني - سفر المكابيين الثالث - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر المكابيين الثالث الأصحاح 27
تفاسير سفر المكابيين الثالث الأصحاح 27