اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ – سفر الملوك الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 12- تفسير سفر الملوك الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ

أمصيا ملك يهوذا ويربعام الثاني ملك إسرائيل.

ينتقل بنا السفر من الحديث عن يهوآحاز ويوآش ملكيّ إسرائيل إلى الحديث عن أمصيا ملك يهوذا [1 - 22]، ثم عن يربعام الثاني ملك إسرائيل [23 - 29].

تكشف قصة أمصيا ملك يهوذا عن ضرورة الاهتمام بالمثابرة حتى النَفَسِ الأخير، فكثيرون بدأوا بالروح، وبسبب تراخيهم وتسيبهم لم يكملوا الطريق في الرب، إنما أكملوا بالجسد (غل 3: 3). لهذا قيل: "من يصبر إلى المنتهى يخلص" (مت 10: 22؛ 24: 13؛ مر 13: 13).

بدأ أمصيا بداية صالحة، وكان مثلاً عمليًا لتثبيت العدالة في الأرض، والطاعة لوصية الله (تث 24: 16)، لكنه لم يصبر إلى المنتهى، فإنه إذ نال نصرة عظيمة على أدوم، أعطى القفا لله لا الوجه، تشامخ وعبد آلهة غريبة، فسقط.

يوصينا الرسول بولس: "فإني أقول بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم أن لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي، بل يرتئي إلى التعقل، كما قسَمَ الله لكل واحدٍ مقدارًا من الإيمان" (رو 12: 3). عندما يُثَبِّت المؤمن عينيه على الله، تُقدِّم له نصرته تواضعًا أكثر، فيتمجد الله فيه. وعندما يسحب عينيه عن مخلصه، تُقدِّم له نصراته تشامخًا، فتقوده إلى تحطيمه.

  • يليق بنا أن نصبر مثابرين أيها الإخوة الأحباء، حتى إذ ننعم بالرجاء في الحق والحرّية ننال الحق والحرّية ذاتها[444].
  • أيّا كان ما قبل النهاية فهي خطوة بها نصعد إلى قمة الخلاص[445].

القدّيس كبريانوس.

1. أمصيا يقتل قاتلي أبيه 1 - 6.

2. إخضاع أدوم 7.

3. هزيمته أمام يوآش 8 - 14.

4. يربعام الثاني يملك على إسرائيل 15 - 16.

5. اغتيال أمصيا 17 - 22.

6. شر يربعام وعظمته 23 - 27.

7. هزيمة سوريا أمامه 28.

8. موته 29.

الأعداد 1-6

1. أمصيا يقتل قاتلي أبيه

فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِيُوآشَ بْنِ يهوآحاز مَلِكِ إِسْرَائِيلَ،.

مَلَكَ أَمَصْيَا بْنُ يَهُوآشَ مَلِكِ يَهُوذَا. [1].

"أمصيا" معناها "الرب قدير". وهو أحد ملوك يهوذا الأتقياء القلة القليلة. وكان أفضلهم حزقيا (18: 1) ويوشيا (22: 1). جاء عنه في أخبار الأيام الثاني: "وعمل المستقيم في عينيّ الرب، ولكن ليس بقلبٍ كاملٍ" (25: 2).

كَانَ ابْنَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ.

وَمَلَكَ تِسْعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ.

وَاسْمُ أُمِّهِ يَهُوعَدَّانُ مِنْ أُورُشَلِيمَ. [2].

وَعَمِلَ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ،.

وَلَكِنْ لَيْسَ كَدَاوُدَ أَبِيهِ.

عَمِلَ حَسَبَ كُلِّ مَا عَمِلَ يَهُوآشُ أَبُوهُ. [3].

يهتم الكتاب المقدس أن يذكر إن كان الملك قد عمل ما هو مستقيم في عيني الرب، أم كان شريرًا، فإن هذا الأمر يُعتبَر أهم سمة في حياة الملك، بل وفي حياة كل إنسانٍ.

عمل أمصيا ما هو مستقيم في عينيّ الرب، ولكن ليس كداود أبيه. لم يُذكَر عن أحدٍ من الملوك عمل ما هو مستقيم في عيني الرب كداود سوى آسا (1 مل 15: 11).

من خطايا أمصيا، سجوده لآلهة أدوم بعد أن انتصر عليهم، ورفضه إنذار رجل الله وكبرياؤه (2 أي 25: 14 - 16، 19).

إِلاَّ أَنَّ الْمُرْتَفَعَاتِ لَمْ تُنْتَزَعْ،.

بَلْ كَانَ الشَّعْبُ لاَ يَزَالُونَ يَذْبَحُونَ وَيُوقِدُونَ عَلَى الْمُرْتَفَعَاتِ. [4].

للأسف سمح أمصيا بالعبادة في المرتفعات، هذه التي فتحت الطريق لعبادة الأوثان في حياته كما أثناء الملوك الذين خلفوه (16: 4؛ 21: 3).

وَلَمَّا تَثَبَّتَت الْمَمْلَكَةُ بِيَدِهِ قَتَلَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ قَتَلُوا الْمَلِكَ أَبَاهُ. [5].

قتل عبيده الذين اغتالوا والده، لأنهم يُمثِّلون خطرًا على حياته وعلى المملكة أيضًا.

وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ أَبْنَاءَ الْقَاتِلِينَ حَسَبَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسَى،.

حَيْثُ أَمَرَ الرَّبُّ:

لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ مِنْ أَجْلِ الْبَنِينَ،.

وَالْبَنُونَ لاَ يُقْتَلُونَ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ.

إِنَّمَا كُلُّ إِنْسَانٍ يُقْتَلُ بِخَطِيَّتِهِ. [6].

لم يمد يده على أبنائهم، أي لم يقتل أبناء القاتلين، بهذا نفذ ما ورد في شريعة موسى (تث 24: 16)، وليس حسب العادات القديمة (يش 7: 24؛ 2 مل 9: 26). قال أحد شعراء اليونانيين: من قتل إنسانًا ولم يقتل أولاده فهو غبي؛ إذ كان يجب أن يعرف أن أولاده سينتقمون لأبيهم.

اهتم حزقيال النبي بالحديث عن المسئوليَّة الشخصيَّة في شيءٍ من التفصيل في الأصحاح الثامن عشر. ليس لدى الله محاباة، نفْس الأب كنفْس الابن، أو كما يقول: "ها كل النفوس لي. نفس الأب كنفس الابن، كلاهما لي. النفس التي تخطئ هي تموت" (حز 18: 4).

  • النفس التي لا تسكن في الله هي مصدر شرورها، فتخطئ، والنفس التي تخطئ هي نفسها تموت[446].

القديس أمبروسيوس.

العدد 7

2. إخضاع أدوم

هُوَ قَتَلَ مِنْ أدوم فِي وَادِي الْمِلْحِ عَشَرَةَ آلاَفٍ،.

وَأَخَذَ سَالِعَ بِالْحَرْبِ،.

وَدَعَا اسْمَهَا يَقْتَئِيلَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. [7].

جاء الحديث عن نصرته على أدوم بأكثر تفصيل في 2 أي 25: 5 - 15.

لماذا قال الكتاب المقدس أن أمصيا "عمل ما هو مستقيم في عيني الرب" (2 مل 14: 3)، بينما "قتل من أدوم في وادي الملح عشرة ألاف" (2 مل 14: 7)، بالرغم من أن الناموس يدين ذلك: "لا تكره أدوميًا، لأنه أخوك" (تث 23: 7)؟ لم يشر النص أنه قتل الأدوميين لكرهه إياهم، فربما جاء هذا من باب المعاملة بالمثل. كما أن عقابه لهم كان وفقًا للناموس، فلم يقتل البنين من أجل ذنوب الآباء[447].

سالع: يدعوها الرومانيون بترا، هي حصن البتراء القديم، وهي مدينة حُفرتْ في شق صخري، في منتصف المسافة بين أريحا وجبل سيناء، وتُدعَى حاليًا وادي موسى. لم تكن حصنًا لأدوم فحسب، بل كانت مركزًا للتجارة مع الهند.

لقد قام بخطة منظمة ودقيقة، فعمل إحصائية عامة للرجال القادرين على الدخول في المعركة، من سن 20 عامًا فأكثر (2 أي 25: 5). لكنه أخطأ إذ لم يطلب مشورة الله، وإنما التجأ إلى إسرائيل، واستأجر منه ألف جبّار بأس بمئة وزنة من الفضة. لذلك جاء إليه رجل الله يحذّره بأن الله لن يأتِ معه، لأنه ليس مع إسرائيل (2 أي 25: 6 - 8).

غير أن نصرة أمصيا على أدوم وسبيه عشرة آلاف منهم لم يكن نجاحًا حقيقيًا. لأنه عند عودته من ضرب الأدوميين أتى بآلهتهم، وأقامهم له آلهة، وسجد أمامهم، وأوقد لهم (2 أي 25: 14).

فمع سماعه لصوت رجل الله، وإطلاقه لرجال البأس الإسرائيليين إلى بلدهم، عندما غلب أدوم، ظن أنه غير محتاج إلى الله، وعبد آلهة أدوم؛ كما سقط في التشامخ، وطلب النزول في معركة مع إسرائيل، انتهت بهزيمة بلده ودماره.

الأعداد 8-14

3. هزيمته أمام يوآش

حِينَئِذٍ أَرْسَلَ أَمَصْيَا رُسُلاً إِلَى يُوآشَ بْنِ يهوآحاز بْنِ يَاهُو مَلِكِ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً:

هَلُمَّ نَتَرَاءَ مُواجَهَةً. [8].

"هلمَّ نتراء مواجهة"، تعبير يشير إلى الدعوة للدخول معًا في معركة كما يظهر من [11 - 12].

يبدو أن هناك أكثر من عامل دفعه أن يطلب الدخول في مواجهة عسكرية مع ملك إسرائيل. العامل الأول أن أمصيا كان قد استأجر بعض جباري البائس من إسرائيل لمساندة جيشه ضد أدوم. وإذ حذَّره رجل الله منهم، لأن الله تخلَّى عن إسرائيل، ردهم إلى أماكنهم. اغتاظوا للموقف، فقاموا باقتحام بعض مدن يهوذا (1 أي 25: 13). أما العامل الثاني فهو أن أمصيا بنصرته على أدوم تشامخ وتكبَّر، مع أنه بعد أن انتصر عليهم سجد لآلهتهم وأوقد لهم (2 أي 25: 4).

بالرجوع لسفر أخبار الأيام الثاني 13: 25 نجد أن إسرائيل اقتحمت عدة مدن، ويبدو أن أمصيا أراد استردادها، فرفض ملك إسرائيل. طلب ملك يهوذا أمصيا الحرب وكان كل من ملك يهوذا وملك إسرائيل متشامخين، فهذا قد ضرب أدوم قبلها، وذاك قد ضرب أرام قبل ذلك.

كان يليق بأمصيا أن ينصت إلى قول الحكيم: "قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم 16: 18)، وأيضًا قوله: "كمُمسِكٍ أذنيّ كلب، هكذا من يعبُر ويتعرض لمشاجرة لا تعنيه" (أم 26: 17). فقد سقط أمصيا في الكبرياء، كما في إثارة معركة مع أخيه ملك إسرائيل كان في غِنَى عنها.

  • سُئِل أنبا مقار: "أيما أعظم الفضائل؟" فأجاب: "إن كانت الكبرياء هي أشرّ الرذائل كلها حتى أنها طرحت طائفةً من الملائكة من علو السماء، فبلا شك يكون التواضع هو أعظم الفضائل كلها لأنه قادر أن يَرفعَ المتمسِّك به من الأعماق إلى السماء ولو كان خاطئًا. ولذلك أعطى الرب الطوبى للمساكين بالروح.".
  • قال أنبا إيسيذورس: "إذا صُمتَ بانتظام فلا تنتفخ بالكبرياء، ولكن إذا ارتفعتَ بفكرك بسبب ذلك، فمن الأفضل لك أن تأكل لحمًا، لأنه خيرٌ للإنسان أن يأكل لحمًا من أن ينتفخ بالكبرياء ويُمجِّد نفسه".
  • قال القديس بفنوتيوس: "عندما يغمر الكبرياء إنسانًا، ويتباهى بجمال أحاديثه، وينسب هذا الجمال أو فيض معرفته ليس لله بل لنسكياته أو معرفته الخاصة به؛ حينئذٍ يُبعِد الله عنه ملاك العناية الإلهية. وعندما يُبعَد هذا الملاك يُبتلَى الإنسان من العدو، ويتباهى بقدرته الطبيعية، ثم يسقط في النجاسة بسبب إعجابه بنفسه المملوءة بالكبرياء. وهكذا تُنزَع منه حكمته، وحينئذٍ فإن كلامه لا يؤهِّله للثقة فيه. ففي الحقيقة إنّ الأتقياء يهربون من التعاليم الخارجة من فم مثل هذا الإنسان وكأنه ينبوع للطفيليات.".
  • قال الأب إيليا: "ماذا يمكن أن تفعله الخطية حيث توجد توبة؟ وما هي منفعة المحبة حيث يوجد كبرياء؟!".
  • سُئِل أنبا لنجينوس: "ما هي أعظم الفضائل كلها أيها الأب؟" فقال الشيخ: "أعتقد كما أن الكبرياء هي أسوأ الشرور كلها، حتى طرحت البعض من السماء ذاتها؛ هكذا التواضع بالتأكيد أعظم الفضائل، لأنه يستطيع أن يرفع الإنسان من الهاوية ذاتها، رغم أنّ الخاطئ نفسه يكون قد صار مثل الشيطان، وأيضًا طوَّب الرب المساكين بالروح قبل جميع المطوَّبين الآخرين.".
  • قالت الأم ثيئودورا: "على المُعلِّم أن يكون غريبًا عن شهوة التسلُّط والمجد الباطل والكبرياء، ولا يجب أن يخدعه أحدٌ بالتملُّق ولا أن يُعميه بالهدايا، ولا أن يتغلّب عليه بواسطة شهوة البطن، ولا أن يتسلّط عليه بالغضب. بل عليه أن يكون صبورًا لطيفًا متواضعًا بقدر ما يستطيع، ويجب أن يختبر بدون عصبية أو تحزُّب، وأن يكون مملوءًا بمحبة النفوس والاهتمام بها.".

فردوس الآباء.

  • فلنهرب من المجد الباطل والكبرياء، ولنذكر كل حين كرامة ومجد العالم العتيد. وكما أظن، فإن المجد الباطل يتغلّب على معرفة الله، لأنّ الذي يسقط في هذا الوجع الخبيث يكون غريبًا عن السلام قاسي القلب، وهو يقاتل القديسين[448].

الأنبا إشعياء.

  • “كيف نهبط إلى التواضع الملائم بالتخلّي عن عجرفة الكبرياء المُهلِكة؟ ذلك إذا مارسناه (أو تدرّبنا عليه) بدون توقف، وإذا تحققنا أنّ لا شيء مضرّ لنا جدًا مثل الكبرياء. فالنفس تصير مشابهة لما تنشغل به (أو تكرِّس نفسها له)، وهي تلتزم بما تفعله، وتتبنّى المواقف المناسبة.

القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس.

  • الذين يعترفون بخزيهم يدوسون الشيطان تحت أقدامهم. وكما يقول الآباء القديسون: إذا هبط التواضع حتى الجحيم يرتفع إلى السماء، وإذا ارتفعت الكبرياء إلى السماء تهبط إلى الجحيم.

القديس زوسيما.

العجيب أن أمصيا تجاهل عمل الله معه بمجرد نواله النصرة، فلم يسقط في الكبرياء فحسب، بل وأُعجب بالأصنام التي عجزت عن الدفاع عن عابديها وسجد لها. لقد دفع أمصيا وكل مملكته ثمنًا للعناد والتشامخ وتَرْك الله الحيّ، والثقة في عبادة الأوثان أو الآلهة الغريبة (2 أي 25: 14 - 16، 19).

يُحذِّر الحكيم من السقوط في عبادة الأصنام وممارسة رجاساتها، إذ يربط عبادة الأوثان بالزنا، قائلاً: "إن فكرة صناعة الأصنام هي أصلُ الزنا، واختراعها فساد للحياة" (حك 14: 12). أما سرّ ارتباط العبادة الوثنية بالزنا، فهو أن علاقة المؤمنين بالله كعلاقة العروس بعريسها، فإن أعطوا ظهورهم له ليرتبطوا بآلهة وثنية، يكونوا قد سقطوا في خيانة زوجية. لذلك قيل عن إسرائيل الخائنة: "أين كتاب طلاق أمكم؟" (إش 20: 15)، كما قيل: "احترز من أن تقطع عهدًا مع سكان الأرض، فيزنون وراء آلهتهم، ويذبحون لآلهتهم، فتُدعى وتأكل من ذبيحتهم، وتأخذ من بناتهم لبنيك. فتزني بناتهم وراء آلهتهن، ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن" (خر 15: 34 - 16).

أصل الوثنية هو فساد فكر الإنسان والخيانة لله الخالق، والذي يُحسَب زنا للنفس التي تتخلى عن اتحادها بخالقها لترتبط بأوثانٍ ملعونة.

  • اكتشفت (عبادة الأصنام) بين البشر لا لسبب سوى وجود الشهوات بين الذين تخيلوها[449].
  • إذ اختبرت النفس البشرية شتى الملذات، وتناست الإلهيات، وسُرت بالأكثر بملذات الجسد التي وضعتها نصب عينيها، ولم تحفل بشيءٍ سوى بالأشياء الحاضرة والتأمل فيها، لم تعد تفكر أنه يوجد خير سوى الأشياء الوقتية والجسدية. لذلك فإنها، وقد تحولت وتناست أنها كانت على صورة الله الصالح، لم تعد بالقوة التي بها ترى الله الكلمة الذي خُلقت على مثاله. لكنها إذ ابتعدت عن نفسها، صارت تتوهم وتتخيل ما ليس له وجود[450].
  • إذ فقد أناس العصر السابق عقولهم، وغرقوا في الشهوات وأوهام الأشياء الجسدية، ونسوا معرفة الله ومجده لبلادة عقولهم، أو بالأحرى لانعدام عقولهم، فإنهم جعلوا لأنفسهم آلهة من الأشياء المنظورة، ممجدين المخلوق دون الخالق الإله، ومؤلهين المصنوعات دون السيد علتها وخالقها[451].

البابا أثناسيوس الرسولي.

  • من يخدم آلهة باطلة هو دون شك زانٍ من وراء الحق، لأن كل بطلان هو زنا. هكذا يغطس في الزنا[452].

العلامة ترتليان.

  • سعيدة هي راحيل التي اخفت أصنام الأمم الباطلة، وأعلنت أن صورهم مملوءة عدم طهارة. ولا يعتقد أحد أنها قد أساءت إلى تكريم والدها ووقارها له كأبٍ، لأنها جلست بينما كان هو واقفًا (تك 35: 31). إذ مكتوب: "من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني" (مت 37: 10) [453].

المرأة التي تزني لا تلتصق برجلها، لا تكون جسدًا واحدًا معه (1 كو15: 6 - 16)، بل تعزل نفسها وتفصل نفسها عنه بزناها. هكذا كل نفسٍ لا تلتصق بالله بل تسلك في الزنا بخضوعها لعبادة الأصنام الباطلة تنفصل عن الرب بدنس المقدسات المُفجع، بينما كان يلزم أن تلتصق به. ومن يعتزل الرب يهلك[454].

القديس أمبروسيوس.

فَأَرْسَلَ يُوآشُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ إِلَى أَمَصْيَا مَلِكِ يَهُوذَا قَائِلاً:

الْعَوْسَجُ الَّذِي فِي لُبْنَانَ أَرْسَلَ إِلَى الأَرْزِ الَّذِي فِي لُبْنَانَ، يَقُولُ:

أَعْطِ ابْنَتَكَ لاِبْنِي امْرَأَةً.

فَعَبَرَ حَيَوَانٌ بَرِّيٌّ كَانَ فِي لُبْنَانَ وَدَاسَ الْعَوْسَجَ. [9].

جاءت إجابة يوآش على أمصيا في شكل قصة رمزية، مُشبِّهًا أمصيا بالعوسج كما شبَّه نفسه بأرز لبنان. أراد يوآش أن يعيد أمصيا النظر في تصرفاته ليكون واقعيًا. نُصرته على أدوم لم تُغيِّر من واقعه بكونه كالعوسج الذي لا وجه للمقارنة بينه وبين أرز لبنان. وهو يشبه إنسانًا محتقرًا يطلب من أحد الأشراف أن يعطي ابنته زوجة لابنه.

يُشَبِّه يوآش أمصيا بالعوسج، وهو من أدنى الأشجار، التي يطأها أي حيوان برّي فيُحطِّمها. ويُشبِّه نفسه بالأرز في لبنان الذي لا يُقارَن بالعوسج، فالأرز من أعظمها وأشرفها. وكأن يوآش يرى في أمصيا الشخص المُحتقَر، إذ يطلب الدخول في معركة مع يوآش، يظن أنه على قدم المساواة، ويخطئ التقدير لنفسه كما ليوآش.

إِنَّكَ قَدْ ضَرَبْتَ أدوم فَرَفَعَكَ قَلْبُكَ.

تَمَجَّدْ وَأَقِمْ فِي بَيْتِكَ.

وَلِمَاذَا تَهْجِمُ عَلَى الشَّرِّ، فَتَسْقُطَ أَنْتَ وَيَهُوذَا مَعَكَ؟ [10].

لقد حذَّره من كبريائه؛ إذ أراد ملك يهوذا الدخول في حرب مع إسرائيل. لقد بالغ أمصيا في تقدير قوته بعد هزيمته للأدوميين، فكان يطمع في الاستيلاء على إسرائيل فانهزم، وانهدم سور مدينة أورشليم على امتداد حوالي مائتي مترٍ، وفقد ذهب الهيكل وفضته.

فَلَمْ يَسْمَعْ أَمَصْيَا.

فَصَعِدَ يُوآشُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَتَرَاءَيَا مُواجَهَةً،.

هُوَ وَأَمَصْيَا مَلِكُ يَهُوذَا فِي بَيْتِ شَمْسٍ الَّتِي لِيَهُوذَا. [11].

بسبب كبرياء أمصيا انطلق يهوآش ليحارب أمصيا في داخل مملكته. اسم المدينة التي ألقى فيها يهوآش القبض على أمصيا "بيت شمس". يشير الاسم إلى أنه كان يوجد فيها معبد للإله شمس في أيام الكنعانيين. كانت في وادي Sorek على بعد 15 ميلاً غرب أورشليم. وهي المدينة التي وُضِعَ فيها تابوت العهد عندما ردَّه الفلسطينيون (1 صم 6: 10 - 7: 2).

بيت شمس هي عين شمس الحالية، التي تبعد عن أورشليم نحو 20 ميلاً إلى جهة الغرب. واضح أن يوآش أخذ طريق السواحل في أرض الفلسطينيين، ثم صعد إلى أورشليم عن طريق بيت شمس.

فَانْهَزَمَ يَهُوذَا أَمَامَ إِسْرَائِيلَ،.

وَهَرَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَيْمَتِهِ. [12].

"هربوا كل واحدٍ إلى خيمته": عبارة أو اصطلاح يعني الطرد الكامل للمحاربين وتراجعهم عن أرض المعركة.

وَأَمَّا أَمَصْيَا مَلِكُ يَهُوذَا ابْنُ يُوآشَ بْنِ أَخَزْيَا،.

فَأَمْسَكَهُ يُوآشُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ شَمْسٍ،.

وَجَاءَ إِلَى أُورُشَلِيمَ،.

وَهَدَمَ سُورَ أُورُشَلِيمَ مِنْ بَابِ أَفْرَايِمَ إِلَى بَابِ الزَّاوِيَةِ،.

أَرْبَعَ مِئَةِ ذِرَاعٍ. [13].

هدْم 400 ذراعٍ (حوالي 600 قدمٍ) من السور يُعتبَر عمل خطير، إذ يُمكن للجيش الذي يهجم على أورشليم الدخول بسهولة.

لم يهدم سور المدينة ليدخلها، إنما لكي ينزع عنها كل وسيلة للحماية.

وَأَخَذَ كُلَّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجَمِيعَ الآنِيَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي بَيْتِ الرَّبِّ،.

وَفِي خَزَائِنِ بَيْتِ الْمَلِكِ،.

وَالرُّهَنَاءَ، وَرَجَعَ إِلَى السَّامِرَةِ. [14].

لم يكن هدف يهوآش إلى قتل أمصيا والاستيلاء على يهوذا، إنما اكتفى بأخذ رهائن، وسلب كل خزينة الهيكل والقصر الملكي.

لم يكن الذهب كثيرًا، لأن أباه يوآش كان قد أرسل كل الذهب الموجود في خزائن بيت الرب وبيت الملك إلى حزائيل ملك أرام (12: 18).

الرهناء: هم أناس من عظماء يهوذا أخذهم يوآش ليكونوا عنده رهينة في السامرة، يُقتَلون إن لم يقم أمصيا بتنفيذ ما تعهَّد به.

رجع بجيشه إلى السامرة، ليستخدمه في محاربة الأراميين.

الأعداد 15-16

4. يربعام الثاني يملك على إسرائيل

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يُوآشَ الَّتِي عَمِلَ وَجَبَرُوتُهُ،.

وَكَيْفَ حَارَبَ أَمَصْيَا مَلِكَ يَهُوذَا،.

مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [15].

ثُمَّ اضْطَجَعَ يُوآشُ مَعَ آبَائِهِ،.

وَدُفِنَ فِي السَّامِرَةِ مَعَ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ.

وَمَلَكَ يَرُبْعَامُ ابْنُهُ عِوَضاً عَنْهُ. [16].

الأعداد 17-22

5. اغتيال أمصيا

وَعَاشَ أَمَصْيَا بْنُ يَهُوآشَ مَلِكُ يَهُوذَا بَعْدَ وَفَاةِ يُوآشَ بْنِ يهوآحاز مَلِكِ إِسْرَائِيلَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً. [17].

فقد أمصيا مركزه كملك يهوذا، هل بسبيه إلى السامرة أم تحديد أقامته في موضع ما في أورشليم أو غيرها، هذا ما لم يخبرنا به الكتاب المقدس. إنما بعد وفاة يهوآش عاش 15 سنة، بلا كرامة ولا سلطان يُذكَر. يرى البعض أنه رجع إلى عرشه، وبقي ملكًا على يهوذا لمدة خمس عشرة سنة، ولكن في ضعفٍ، كانت هذه السنوات الخمس عشرة مملوءة بالمتاعب والكوارث[455].

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ أَمَصْيَا مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا. [18].

وَفَتَنُوا عَلَيْهِ فِتْنَةً فِي أُورُشَلِيمَ،.

فَهَرَبَ إِلَى لَخِيشَ،.

فَأَرْسَلُوا وَرَاءَهُ إِلَى لَخِيشَ،.

وَقَتَلُوهُ هُنَاكَ. [19].

أُغتيل أمصيا كما سبق أن أُغتيل والده (12: 20، 22).

لخيش[456] (تل الدوير): ذات موقع استراتيجي في غاية الأهمية، إذ كانت تُهَيْمن على الطريق القديم من المرتفعات الفلسطينية إلى وادى النيل. كانت آهلة بالسكان قبل أيام إبراهيم. وهي مدينة حصينة في سهل يهوذا (يش 15: 33، 39) على بعد 35 ميلاً جنوب غربي أورشليم، يُظَن أنها تل الحصى الحالية. أُشير إليها في رسائل تل العمارنة، تبعد حوالي 30 ميلاً جنوب غربي أورشليم، وخمسة أميال جنوب غربي بيت جبرين، من أكبر مدن يهوذا القديمة.

سقطت في يد يشوع الذي قتل ملكها يافيع (يش 3: 10). حصَّنها الملك رحبعام (2 أي 11: 9)، وبنى حولها سورًا مزدوجًا تسنده أبراج منيعة. وإليها هرب أمصيا ملك يهوذا من وجه الثائرين ضده من أورشليم، وهناك قتله الثائرون (2 مل 14: 19؛ 2 أي 15: 27).

َحَمَلُوهُ عَلَى الْخَيْلِ،.

فَدُفِنَ فِي أُورُشَلِيمَ مَعَ آبَائِهِ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ. [20].

أحضر أصدقاؤه جثمانه إلى أورشليم على خيل في هدوءٍ دون الاحتفال بجنازته أو السير في موكبٍ، وقاموا بدفنه مع آبائه. لقد سار في الباطل، ففقد كل شيءٍ، حتى اهتمام الشعب بجنازته ودفنه!

وَأَخَذَ كُلُّ شَعْبِ يَهُوذَا عَزَرْيَا وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشَرَةَ سَنَةً،.

وَمَلَّكُوهُ عِوَضاً عَنْ أَبِيهِ أَمَصْيَا. [21].

استلم عزريا أو عزيا المُلك (15: 30؛ 2 أي 26: 1)، فبالرغم من المعارضة الشعبية لأمصيا بكونه هو مصدر النكبات التي حلَّتْ على الشعب، لكن لم تمتد هذه الثورة إلى أسرته أو الوارث للمملكة.

يرى البعض أن عزريا كان طفلاً حينما مات أبوه، وبقيت يهوذا بلا ملك لمدة 11 سنة. ويُرَجِّح البعض أن عزريا مَلَكَ مع أبيه عندما انهزم يهوذا أمام إسرائيل (14: 12)، وهو ابن 16 سنة.

هُوَ بَنَى أَيْلَةَ، وَاسْتَرَدَّهَا لِيَهُوذَا، بَعْدَ اضْطِجَاعِ الْمَلِكِ مَعَ آبَائِهِ. [22].

أيلة أو أيلات: اسم عبري معناه "أشجار". لا تزال منطقة العقبة غنية بأشجار النخيل. وهي بلدة في الطرف الشمالي من خليج العقبة (الذراع الشرقي من البحر الأحمر)، بالقرب من عصيون جابر. وكانت ميناءً بحريًا هامًا، ومركزًا للقوافل. يُرَجَّح أن داود الملك أخذ هذه البلدة من الأدوميين (2 صم 8: 14)، واستخدمها سليمان كميناء لأسطوله التجاري. استعادها الأدوميون، ثم عاد فاستولى عليها عزيا ملك يهوذا، وأعاد بناءها وتحصينها (2 مل 14: 22)، ثم أخذها رصين ملك أرام، ورجع إليها الأدوميون (2 مل 16: 6).

الأعداد 23-27

6. شر يربعام وعظمته

فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشَرَةَ لأَمَصْيَا بْنِ يَهُوآشَ مَلِكِ يَهُوذَا،.

مَلَكَ يَرُبْعَامُ بْنُ يُوآشَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. [23].

يربعام: هذا هو الملك الثاني لإسرائيل الذي يحمل نفس الاسم. يربعام الأول هو الذي نادى بإقامة المملكة الشمالية بعد موت سليمان حوالي سنة 930 ق. م. (1 مل 11: 12).

حكم إسرائيل لمدة 41 عامًا وهي مدة طويلة (793 - 752 ق. م)؛ من هذه المدة كان شريكًا مع والده يوآش لمدة عشرة سنوات.

كان يربعام بن يوآش أعظم ملوك إسرائيل، وكان مُلكه أطول من مُلك غيره. ويُعتبَر عصره كما ورد في هوشع ويوئيل وعاموس مزدهرًا اقتصاديًا مع انحطاط أخلاقي وظلم للفقراء وفساد، وعبادة للأصنام، وترك عبادة الرب.

وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ.

لَمْ يَحِدْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَطَايَا يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ الَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ. [24].

هُوَ رَدَّ تُخُمَ إِسْرَائِيلَ مِنْ مَدْخَلِ حَمَاةَ إِلَى بَحْرِ الْعَرَبَةِ،.

حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ،.

الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ يَدِ عَبْدِهِ يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ النَّبِيِّ الَّذِي مِنْ جَتَّ حَافَرَ. [25].

في هذه الفترة – القرن الثامن ق. م – كان شعب الله المنقسم إلى مملكتين إسرائيل ويهوذا قد انحل روحيًا، وانغمس في الخطايا، فكانت مملكة الشمال تمارس العبادة الوثنية ورجاساتها علانية بلا حياء، ومملكة الجنوب ساقطة في شكليات باطلة. في نفس الوقت بعث الله أنبياء أوحي لهم روحه بالكتابة.

اتَّسم يربعام الثاني بقدرته الفائقة في إدارة شئون الدولة وفي الجانب العسكري مع عدم مبالاته بالحياة الروحية (1 أي 5: 11 - 17؛ هو 4: 6 - 5: 7؛ 7: 5).

حقق يربعام مكاسب خارجية وتَمَكَّنَ من استرداد حدود إسرائيل بالكامل، فامتدت مملكته من مدخل حماة إلى البحر الميت. تظهر قوته في خضوع حماة ودمشق لسلطانه.

أعلن الله عن أمانته في وعوده لشعبه رغم عدم أمانتهم (هو 2: 2 - 3: 5؛ 11: 1014: 6؛ العالم 3: 1 - 15) [457].

من مدخل حماة: الأرض حول مدينة حمص، وهي سهل مفتوح إلى الشمال نحو حماة، وإلى الشرق نحو برَّية سوريا، وإلى الجنوب نحو ربلة والبقاع، وإلى الغرب نحو بلاد الحصن والبحر.

بحر العربة وهو بحر لوط.

يونان بن أمتاي: ذكره هنا يوضح أن قصته الواردة في سفر يونان قصة تاريخية حقيقية، وليس كما يظن البعض أنها رمزية.

لم تُسجّل نبوات يونان النبي الخاصة بإسرائيل، إنما ما ورد في سفر يونان كله خاص بنينوى عاصمة أشور.

لأَنَّ الرَّبَّ رَأَى ضِيقَ إِسْرَائِيلَ مُرّاً جِدّاً.

لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْجُوزٌ وَلاَ مُطْلَقٌ.

وَلَيْسَ مُعِينٌ لإِسْرَائِيلَ. [26].

رأى الله أن إسرائيل بلا مُعِين، فتدخَّل ليُخلِّص الشعب بيد يربعام، ووهب إسرائيل فترة مجيدة من جهة الانتصارات.

وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الرَّبُّ بِمَحْوِ اسْمِ إِسْرَائِيلَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ،.

فَخَلَّصَهُمْ بِيَدِ يَرُبْعَامَ ابْنِ يُوآشَ. [27].

كانت إسرائيل تتمادى في خطاياها، وكان الرب يُحذِّرهم من الدينونة الأكيدة إن لم يرجعوا إليه، لكن الملوك الخمسة الذين جاءوا بعد ذلك لم يتجاوبوا مع دعوة الله، بل كانوا أشرارًا، فسمح الله بالسبي الأشوري لإسرائيل.

بالرغم من أن إسرائيل قد انحرف عن الرب، وصار في مرارة، غير أن الله حفظ وعده أنه لا يمحو اسمهم من تحت السماء. هكذا يعد الرب كنيسته: "أنا معكم كل الأيام" (مت 28: 20).

العدد 28

7. هزيمة سوريا أمامه

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يَرُبْعَامَ وَكُلُّ مَا عَمِلَ،.

وَجَبَرُوتُهُ كَيْفَ حَارَبَ،.

وَكَيْفَ اسْتَرْجَعَ إِلَى إِسْرَائِيلَ دِمَشْقَ وَحَمَاةَ الَّتِي لِيَهُوذَا،.

مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [28].

جاء في (1 أي 18: 3 - 11) أن داود النبي والملك انتصر على سوريا، واحتل مواقع عسكرية بدمشق ومناطق أخرى، جعل سوريا كلها تحت الجزية. لكن تمكنت سوريا من أن تتخلص من هذا النير، بل واستطاعت أن تغتصب مناطق حيوية بإسرائيل ضمتها إلى سوريا. استطاع يربعام أن يسترد هذه المواقع.

حماة التي ليهوذا ربما يشير إلى أن توعي ملك حماة أرسل هدايا إلى داود وسأل عن سلامته وباركه (2 صم 8: 9) فكانت خاضعة إلى حد ما لداود الملك الذي كان من سبط يهوذا.

تمتَّعتْ مملكة الشمال بالقوة والنجاح المادي في أيام يربعام بسبب سياسته الحربية ومهارته الإدارية. لكن ساد البلاد روح الظلم، فازداد الأغنياء غِنَى، والفقراء فقرًا. وقد حدَّثنا النبيان عاموس وهوشع (هو 4: 13 - 8؛ عا 11: 6 - 13)، كيف اتكَّل الأغنياء على ممتلكاتهم لا على الله.

وجبروته: كشفت الحفريات في السامرة عن عظمة عاصمة يربعام الثاني. فقد قام بتحصين المدينة بسورٍ مزدوج. كما أن القصر الجميل الذي اُكتشف خاص بالملك يربعام الثاني وليس بالملك أخآب. ويكشف ختم "شيما خادم يربعام" الذي من اليشب، والنحت الذي عليه لأسدٍ، عن إبداع الفن في تلك الفترة.

قام كثير من أغنياء تلك الفترة بتقليد قصر أخآب العاجي، كما يظهر من العاج الذي وُجد في مجدو Megiddo ومناطق أخرى[458].

العدد 29

8. موته

ثُمَّ اضْطَجَعَ يَرُبْعَامُ مَعَ آبَائِهِ مَعَ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ،.

وَمَلَكَ زَكَرِيَّا ابْنُهُ عِوَضاً عَنْهُ. [29].

كانت فترة حُكْمِ زكريا الذي يعتبر الجيل الرابع لياهو قصيرة (15: 8 - 12). وهو آخر ملك من نسل ياهو، به تمّ تحقيق الوعد الإلهي لياهو (10: 30).

في أثناء هذه الفترة ظهر كثير من الأنبياء مثل هوشع وعاموس ويونان وميخا وإشعياء، وكأن الله يهيئ أذهان المؤمنين إلى الكرازة في العالم، وكيف يستخدم انحلال إسرائيل لإعداد الطريق لمجيء المسيّا مُخلِّص العالم.

اضطجع: يتساءل البعض: هل الأموات نيام أم واعين؟

يتكلم الكتاب المقدس أحيانًا عن الموت - كما ورد هنا – باعتباره وقت يضطجع فيه الرجل مع آبائه (1 مل 2: 10؛ 11: 21، 43؛ 14: 20). وقال رب المجد: "لعازر نام" (يو 11: 11) عندما مات (يو 11: 14). ويتكلم القديس بولس الرسول عن الذين "رقدوا في الرب" (1 تس 4: 13؛ 1 كو 15: 51). وفي مواضع أخرى يتكلم الكتاب المقدس عن أشخاص في وعي وهم في حضرة الله بعد أن ماتوا (انظر 2 كو 5: 8؛ في 1: 23؛ رؤ 6: 9).

تشير أول مجموعة من الآيات إلى الجسد، والمجموعة الثانية إلى النفس. "النوم" كلمة مناسبة للتعبير عن موت الجسد، لأن الموت هو وضع مؤقت في انتظار القيامة عندما يقوم الجسد من نومه. بالإضافة إلى ذلك، فإن كلا من النوم والموت يشتركان من جهة وضع الجسد متمددًا.

تعليم الكتاب المقدس واضح من جهة بقاء النفس (الروح) بعد الموت (لو 12: 40) وأنها تكون بوعيها في حضرة الله (2 كو 5: 8) في مكان أفضل (في 1: 23)، بينما أنفس أخرى تتكلم (مت 17: 3) وتصلي (رؤ 6: 9 - 10). كذلك النفس الغير مؤمِنة تكون مُعذَّبة (مت 25: 41؛ لو 16: 22 - 26؛ رؤ 19: 20 - 20: 15) [459].

من وحي 2 مل 14.

أنت هو الأول والآخر في حياتي.

  • من لي سواك يا أيها المخلص محب البشر؟!

أنت هو بداية الطريق ونهايته، بل والطريق ذاته.

أنت هو السُلم بكليته الذي يحملنا إلى السماء!

  • ليحملني روحك القدوس ويقودني.

يحملني من أول درجة ليصعد بي حتى النهاية.

لأنسى ما هو وراء، وأمتد إلى قدام،.

فلا أنحرف عن الطريق يمينًا أو يسارًا.

لن تسمح لي بصِغَرِ نفْس، مادمتَ حالاً في أعماقي.

لن يحل بي روح الفشل،.

مادمتُ في أحضانك!

  • بنعمتك أصعد، وبنعمتك أثبت فيما نلته،.

بل وبها أرتفع إلى درجات أعلى.

كلما رفعتني أحتاج بالأكثر إلى مساندتك،.

مع تقديم شكري وحمدي لك.

مع كل صعودٍ بك، أسندني بروح التواضع.

فمن يمسك بك وتمسك أنت به،.

لن يتسلل إليه روح المجد الباطل المُدمِّر.


[444] Treat. 9: 13.

[445] Unity of Church 21.

[446] Isaac or the Soul 7: 16.

[447] When Critics ask: A popular handbook on Bible difficulties. Wheaton، III.: Victor Books. Geisler، & Howe، T. A. (1992).

[448] من تعاليم الأب إشعياء للمبتدئين.

[449] Contra Gentes, 9: 4.

[450] Contra Gentes, 8: 1.

[451] Contra Gentes, 8: 3.

[452] On Idoltary,1.

[453] Jacob and the Happy Life, 5: 25.

[454] The Prayer of Job and David, Book 3: 11: 30.

[455] Adam Clarke's Commentary.

[456] New Westminster Dict. of the Bible, 1969, p. 546; Unger’s Bible Dict. , 1966,p. 639.

[457] Cf. NIV Bible Commentary, vol 1, p. 554 - 555.

[458] Unger's Bible Handbook, Moody Press, 1967, p. 230 - 231.

[459] When Critics ask: A popular handbook on Bible difficulties. Wheaton، III.: Victor Books. Geisler، & Howe، T. A. (1992).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ عَشَرَ - سفر الملوك الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ - سفر الملوك الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر الملوك الثاني الأصحاح 24
تفاسير سفر الملوك الثاني الأصحاح 24