الفصل العاشر ليكن لنا فكر المسيح – سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل العاشر ليكن لنا فكر المسيح

«فليكن فيكم هذا الفكر الذى فى المسيح يسوع أيضاً. الذى إذا كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائراً فى شبه الناس. وإذا وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً واعطاه إسماً فوق كل اسم. لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء وما على الأرض وما تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب المجد الله الآب».

فى 2: 5 - 11.

أولاً – طاعة مشيئة الله:

من أقوال يوحنا الدرجى:

1 - الطاعة هى تنازل مطلق عن حياتنا الذاتية. وهى تظهر بوضوح فى حركة أجسادنا. والطاعة هى إماته وقمع الاعضاء الجسديه بينما يظل العقل حياً. الطاعه هى حركة التنفيذ بدون مناقشه، هى موت إختيارى، هى حياة بسيطة خاليه من الهموم، هى حمايه قويه من الله. الطاعه هى عدم الخوف من الموت، هى رحله آمنه، هى التقدم الخفى. الطاعه هى دفن الاراده وبعث الاتضاع. إن الجسد الميت لا يستطيع أن يميز الانسان الصالح من الردئ.

وهكذا الراهب المبتدئ يسلم نفسه بخشوع إلى الموت [عن طريق الطاعة] ولذلك سوف يظفر بكل شئ. الطاعه هى غنى الافراز وريادة الحكمة.

2 - إنه من الضرورة المطلقة لمن يرغب فى الاحتفاظ بعقيدته بغير تشكك أن يدون براهينه وحججه التى لا تمحى من قلبه وأن يتذكرها دائماً، ذلك حتى نستطيع أن نسكت الشياطين بما تحويه ذاكرتنا إذاّ ما أحاطوا بنا ليشككونا فى إيماننا.

ولكى يتعمق الايمان فى القلب ينبغى على الجسد أن ينشط فى الخدمة. « وأما الذى يرتاب ويشك فإن أكل يدان لان ذلك ليس من الايمان». [رو 14: 23]. وفى أى لحظة يأتيك فكر الشك والادانه لأبيك الروحى إهرب منه كما تهرب من الزنى. ومهما فعلت فلا تعطِ ثعبان الشك أى موافقه على أفكاره ولا تعطِ له مكاناً للدخول إلى فكرك ولا تعطه له القوة ولكن لتقل له: إستمع. أيها الغاش، أنا لاحق لى أن أدين أبى الروحى. ولكن هو الذى سوف يقف لكى يعطى حساباً عنى. ولست أن الذى أحكم عليه بل هو الذى عين للحكم علىّ.

3 - إن الانسان حين يكون مطيعاً لأبيه الروحى أحياناً وغير مطيع له أحياناً أخرى فإنه يكون كمن يضع الدواء فى عينيه وأحياناً أخرى يضع الجير الحى وهو فى ذلك لن ينال الشفاء لأنه قد قيل « واحد يبنى وآخر هدم فماذا انتفعا سوى التعب» ابن سيراخ 34: 28.

4 - ومن الطاعة يأتى الاتضاع كما قلنا من قبل. ومن الاتضاع يأتى التمييز والادراك كما يقول العظيم يوحنا كاسيان بفلسفة جميله وساميه فى حديثه عن التمييز والادراك. ون التمييز تأتى البصيره وبعد النظر، ومن البصيره يأتى التبصر وتدبر العواقب. ومن لا يتبع مسار الطاعه هذا فهو بعيد عن البركات والسعادة التى تنتظره. وقد قال داود النبى عن فضيلة الطاعة العظيمة «هيأت بجودك للمساكين يا الله» مز 68: 10.

إن الله يحضر فى قلب النفس المطيعه.

إن حياة النفس هى فى إتمام إرادة الله. والعكس أيضاً فإن أذيه النفس التى توصل للموت هى البعد عن إرادة الله الصالحة. وهكذا نحن نمرض عندما تبتعد حياتنا عن الملكوت وعندما تملأ أنفسنا بسم عدم الطاعه التى من خلالها تقهر طبيعتنا بهذا الشر وهذا المرض المميت. حينئذ يأتى الطبيب الحقيقى [أب الاعتراف] الذى يعالج الشر بنجاح عظيم بما هو ضده كما ينص قانون الطب. ويعمل مع هؤلاء الذين إستسلموا للمرض، لنهم فصلوا أنفسهم عن إرادة الله. لذلك فهو يحررهم مرة أخرى ويشفيهم من مرضهم باتحادهم مع إرادة الله. لأن كلمات الصلاة تمنح تلك النفوس الشفاء من المرض. لأن الأب الروحى يصلى بعمق الألم من أجل إبنه المريض. لتكن إرادتك لأن إرادة الله هى خلاص البشر.

القديس اغريغوريوس أسقف نيصص.

لأن الضرر قد جاء بسبب التعدى على الوصايا. لهذا يكون العلاج هو حفظ هذه الوصايا. لأنه بدون حفظ الوصايا وبدون إتباع هذا الطريق الذى يقود لطهارة النفس لا نتوقع أو نأمل أن تكون النفس نقيه. ولا يمكن أن الرب يمنحنا الغفران كمنحه بدون حفظ الوصايا لأن الرب سوف يديننا على ذلك. والكنيسة أيضاً لم تعلمنا أن نطلب هذا.

إن اليهود حين رجعوا من بابل إلى أورشليم ساروا فى الطريق الروحى. ولكن حزقيال وصل إلى هناك بالطريق فوق العادى وهو الوحى الالهى الذ ىشهد بالتجديد المزمع أن يكون. وهكذا أيضاً عن طريق نقاوة النفس. فالبعض يسلك الطريق العام الذى يدوسه الجميع وهو حفظ وصايا الله فى حياة مليئه بالأعمال الصالحه ويصل إلى نقاوة النفس بالعرق والدم. والبعض الآخر وصل إلى ذلك كنعمه وهبه من الله.

ومن العجيب أنه ليس للانسان الحق أن يطلب فى صلاته النقاوه لكى يأخذها كهبه من الله أو أن يرفض السلوك فى حياة تطبيق الوصايا. لأنه حين سأل الرجل الغنى المعلم «ماذا أعمل لكى ارث الحياة الأبديه» لو 10: 25 اجابه الرب بوضوح: إحفظ الوصايا. وعندما إستمر الغنى يسأل المزيد قال له: إن أردت أن تكون كاملاً إذهب وبع كل مالك واعطه للفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعال إتبعنى» مت 19: 21. وهذا يعنى أن يموت عن كل ما يمتلك وحينئذ يحيا فى المسيح. أى يبتعد عن العالم العتيق الملئ بالشهوات. وحينئذ يدخل العالم الجديد. وبمعنى آخر كأن الرب يريد أن يقول له «إحمل صليبك» مت 16: 24 وقد دعا الرب الانسان أن يموت عن كل الأشياء التى فى العالم. وعندما يتخلص الانسان من إنسانه العتيق الذى بداخله فإنه سوف يستمع إلى قوله الرب له «إتبعنى» لأن الانسان العتيق لا يستطيع أن يسلك طريق المسيح.

مار اسحق السريانى.

ولكن عندما يعارض الانسان الله ويقف ضد تنفيذ إرادته أو ضد وصاياه فلا ينفذها، فإن الشيطان عندئذ يحارب الله من خلالنا بأن يحاول أن يضع العقبات التى تحول دون تنفيذ الوصايا. ولكن الله يأمل من جديد أن ننفذ وصاياه كاملة. وهكذا بحركة من يد الله يهزم ما بداخلنا من نيه خبيثه شريره التى للشيطانز وهكذا فإن رغبة العدو الخبيثه فى معاداته لله هى أن يغوينا للتعدى على وصايا الله. ولقد حارب الله فى صورة بشريتنا هذه الرغبة الشريره التى للشيطان.

إن كل وصايا الله قد وضعت من أجل نوال النصره فى حروب النفس الثلاث التى هى حرب الاثاره وحرب الرغبه وحرب الفكر وأعطت الوصايا الالهيه النجاح خلال تنفيذها. والانسان الذى ينفذ وصايا الله بدقة سوف ينال النصره على هذه الحروب الثلاث. وفى الوقت نفسه يحاول الشيطان ليلاً ونهاراً أن لا يوقف الحرب ضد أجزاء النفس الثلاث. فواضح أنه يحارب ضد وصايا المسيح نفسها. لأنه من خلال الوصايا قد وضع السيد المسيح قوانين لنصرة النفس ألا وهى القوة على الاثارة والرغبة والسياده على الفكر. والآن أنظر: «إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم» مت 5: 22 فهذه الوصايا وغيرها يحاول أن يعطلها الشيطان بالجدال والغيره والكراهيه.

وهذا العدو يعرف أن الذى يساعد على الاثاره هو قوة التفكير وهكذا يوجه سهامه الأولى ضدها عن طريق التفكير كما قلنا بالشك والغيره ومحبة المجادله والمشاجره والخداع والغرور والضغط على قوة التفكير لتتحلى النفس وتهجر الفكر المشروع إلى الاثاره ذاتها. وهكذا يجعل العدو النفس بلا رقيب.

ولذلك فإن هذه الحروب تدمر النفس وتجذب الشر وتكف عن الانسان فقط حينما يجد العدو أن ذلك الانسان مستعد أن يهجر وصايا الله تحت تأثير الأفكار التى دخلت إلى قلبى.

القديس فيلوثاوس الذى من سيناء.

ثانياً – الاتضاع:

من أقوال مار اسحق السريانى:

1 - الاتضاع حتى بدون أعمال يستطيع أن يغفر كثرة من الخطايا. ولكن بدون الاتضاع حتى الأعمال تكون بلا فائدة بل ومن الممكن أن تؤذى. إن الاتضاع هو الملح الذى يصلح لكل أنواع الطعام لأن هو أساس كل الفضائل. ولكى نقتنى الاتضاع يجب أن يفكر الانسان فى نفسه بانسحاق، ويحتقر ذاته ويحاسبها محاسبة دقيقة. ولكن إذا إقتنينا الاتضاع فسوف نكون أولاد الله بالحقيقة.

2 - سئل أحد الأباء عن كيفية إقتناء الاتضاع فأجاب: هو أن يتذكر الانسان خطاياه باستمرار، وأن يتذكر بأن الموت قريب، وبالملابس البسيطه، وبأن يفضل دائماً المتكأ الأخير، وبأن يختار الانسان بفرح العمال والخدمات البسيطه والحقيره، وبأن لا نكون متمردين غير مطيعين. ويلزم أيضاً الاحتفاظ بالسكوت وعدم محبة اللقاءات والاجتماعات [يقصد المتوحدين] وبأن نفضل ألا نكون معروفين ومشهورين ومفضلين فى أى موقع. ويقتنى الانسان الاتضاع أيضاً حين لا يمتلك أى شئ ملكيه خاصه [يقصد الرهبان] وبأن يكره الحديث مع الناس ويتجنب الربح أيضاً [خاص بالرهبان].

وفوق كل هذا يجب أن يرتقى بفكره فوق أن يتهم أو يدين أى شخص وأن يكون فوق الغيره. والا يكون هو الذى يظلم الآخرين بل يتحمل ظلم الآخرين عليه. ويؤدى عمله بأمانه ولا يحمل من هموم العالم سوى هم خلاص نفسه فقط. وفى إختصار أكثر نقول أن حياة الغربه على الأرض والانسحاق والعزله هى التى تولد الاتضاع والنقاء فى القلب.

3 - الانسان المتضع لا يطلب أو يلتسم شيئاً من الله ولا يعرف شيئاً يطلب لأجل نواله. ولكنه ببساطة يحفظ كل إحساسه فى سكوت وينتظر فقط الرحمه والرأفه وما تريد الحكمه الالهيه أن ترسله له. وينظر بعينيه إلى أسفل ووجهه إلى الأرض وعيون قلبه العميقه ترتفع إلى عتبة قدس الاقداس حيث يسكن الذى فوق الظلمات، الذى يغطى السيرافيم أعينهم منه. ويعرف أن يتكلم ويصلى هكذا فقط «يا رب لتكن مشيئتك».

4 - الاتضاع هو صفه خفيه يصل اليها القديسون الكاملون عندما تنتهى حياتهم. هذه القوه تعطى عن طريق الهبه والمنحه فقط لهؤلاء الذين كملوا فى الفضائل. لأن فضيلة التواضع تحوى كل الفضائل داخلها.

5 - وإذا سأل أى إنسان كيف أقتنى الاتضاع سوف نجاوبه «يكفى التلميذ أن يكون كمعلمه والصبى كسيده» مت 10: 25.

أنظر مدى إتضاع الذى أعطانا هذه الوصيه. إصنع مثله وأنت تقتنى الاتضاع.

6 - يتبع الاتضاع قمع الذات والانتصار عليها فى كل شئ. إن الاتضاع يقود إلى التأمل ويزين الروح بالطهارة. ولكن حيث الغرور والقلة المستمر وتضارب والأفكار يوجد الاناء الملوث من كل شئ يقابله ويلوق القلب. إن مثل هذا الانسان ينظر لحقيقة الأشياء بعين معيبه ويملأ العقل بصوره ملوثه. ولكن الاتضاع يولد إنتعاشاً رويحاً عن طريق التأمل ويوجه صاحبه لكى يمجد الله.

من أقوال يوحنا الدرجى:

1 - دع كل الذين ينقادون بروح الله يدخلون معنا إلى هذه الكنوز الروحيه الحكيمه ممسكين بيدهم الروحيه المعولمات الموحاه من الله.

نحن قد تلاقينا وإختبرنا وأتينا معانى الشرح السابق فى حياتنا. وقال احد الأباء عن الاتضاع إنه نسيان دائم لما تحققه الانسان. وقال آخر: إنه إعتراف الانسان بكل الخطايا واكبرها. وقال آخر: هو أن يتيقن العقل من ضعف الانسان وعجزه وبأنه آخر الكل وأول الخطاه. وقال آخر: هو قدرة الانسان أن يكون سباقاً حين يوقف المشاجره وهو فى عمق الغضب. واقل أخر هو الاحساس بانحساق النفس وأن يقمع الانسان إرادته الخاصه.

ولكنى عندما إستمعت لكل هذا ونظرت اليه بتعقل وإنتباه وحدث أننى شعرت أنى غير قادر على ادراك جمال فضيلة الاتضاع من كل ما قبل. وهكذا فى النهاية جمعت أقوال الأباء الذين تعلموا وإختبروا الاتضاع كما يلتقط الكلب الفتات الساقط من المائده. ثم أعطيت تعريفاً عن الاتضاع: الاتضاع هو هبه غير مسماه داخل النفس. إسمها معروف فقط للذين إختبروها. إنها ثروة لا يعبر عنها. إنها هبه من الله لأنه قال تعلموا ليس من ملاك ولا من إنسان ولا من كتاب ولكن تعلموا منى ومن السكنى معى. تعلموا من إعلاناتى وعملى فيكم لأنى وديع ومتواضع القلب والفكر والروح وسوف تجد نفوسكم الراحه من الاتعاب وسوف يزول الجدال.

2 - فالانسان الذى يتخذ الاتضاع عروساً له هو فوق الكل إنسان رقيق عطوف مملوء النفس ومتعاطف مع الآخرين وهادرش ووديع وهو أيضاً صاف ومطيع لا يؤذى أحداً وهو يقظ غير متراخى. وماذا نقول أيضاَ؟ هو خالٍ من الشهوات لأن المزمور يقول «الذى فى مذلتنا ذكرنا لأن إلى الأبد رحمته. ونجانا من أعدائنا لأن إلى الأبد رحمته» مز 136: 23 - 24 فالله ينجى المتواضع من شهواته ومن خطاياه.

3 - لتعلم يا عزيزى أن الوديان سوف تظل وفيره فى المحصول والثمار الروحيه. هذا الوادى هو خضوع النفس وإتضاعها بين الجبال. أى أنها مملوءه بالأعمال الصالحه والفضائل ولكن رغم ذلك فإنها تظل خاضعه وثابته. إن داود النبى. لم يقل أنا صمت أو أنا ظللت ساهراً أو أنا إضطعت على الأرض ولكنه قال «أنا إتضعت والرب خلصنى سريعاً» مز 115: 5.

4 - كل الأشياء المرئيه تستمد ضوئها من الشمس وكذلك أيضاً فإن كل ما يعمل طبقاً للصوان يستمد قوته من الاتضاع. وحيث لا يوجد ضوء. يكون كل شئ مظلماً وهكذا حيث لا يوجد إتضاع فكل ما عندنا يكون فاسداً.

5 - أن تكون متواضعاً شئ وأن تجاهد من أجل الاتضاع شئ آخر وأن تمدح المتواضع شئ آخر. فالأول يتعلق بالكمال والثانى يتعلق بالمطيع والثالث يتعلق بالايمان.

6 - الاتضاع هو باب الملكوت حيث يدخل الذين يقتربون اليه. وأنا أعتقد أن الرب قد تكلم عن هذا الباب عندما قال أنه «سوف يدخل ويخرج ويجد مرعى» يو 10: 9 أى سوف يدخل ويخرج من الحياة بدون خوف وسوف يجد مرعى وعشباً أخضر فى الملكوت. وكل الذين دخوا حياة النسك من أى باب آخر غير باب التواضع هم لصوص وسراق لحياتهم الشخصيه.

إن رغبنا حقيقة أن تحفظ عقولنا فى الرب فنحن فى حاجة كبيره إلى الاتضاع أولاً فى علاقتنا مع الله وثانياً فى علاقتنا مع الناس. لذلك يجب أن نجاهد دائماً لنجعل قلبنا منسحقاً يبحث عن الاتضاع ويحاول ممارسته بكل طريقه. ومن المعروف أن الشئ الذى يجعل القلب متواضعاً ومنسحقاً هو تذكر حياة الغربه فى العالم وتذكر كل ذنوبنا منذ ولادتنا حتى الآن. فإذا ما نحن فعلنا هذا فإننا سوف نصير متواضعين بالتعود وسيجلب ذلك الدموع الينا ويحركنا نحو شكر الله من القلب. وأيضاً التذكر الدائم للموت يمنحنا التنهد والعفه.

والشئ الذى يجعل عقلنا متواضعاً حقيقة ويجعلنا ننظر بأعيننا إلى الأرض هو أن نتذكر الآم الرب يسوع المسيح بالتفصيل وهذا ما يجلب لنا الدموع أيضاً. بالاضافة لهذا تكون نفوسنا حقيقه متواضعه بالرأفات العظيمه لله نحونا شخصياً. لذلك يجب أن نختبر ونحصر بالتفصيل مراحم الله معنا لأن حربنا هى ضد شياطين متكبره.

القديس فيلوثاوس الذى من سيناء.

ثالثاً – الايمان والرجاء والمحبه:

1 - الايمان:

قال أحد الأباء القديسين[73]:

إن الايمان مركب من مجموعة أشياء وبأنواع كثيرة يأتى إلى الكمال. لأنه مثل البناء الذى يتكون من أنواع كثيره من الفن والصناعه والذى تعلو رأسه إلى القمه. واعلم يا عزيزى أنه فى أساس البناء توضع الاحجار وهكذا رسوخاً على الاحجار يعلو الصرح ويصل للكمال، كذلك الحجر الحقيقى الذى هو ربنا يسوع المسيح هو أساس كل ايماننا وعلى صخرته يرسوا الايمان. ورسوخاً على الايمان يعلو كل البناء حتى يصل للكمال. لأن الايمان هو أساس كل البناء. وعندما يأتى أى شخص بالقرب من الايمان فإنه يعطى له الحجر الذى هو ربنا يسوع المسيح ويجعله لا يتحطم من الأمواج ولا يقع من الرياح لأن بناءه يرسو على الصخره والحجر الحقيقى.

فالانسان يؤمن أولاً وعندما يؤمن فإنه يحب وعندما يحب فإنه يرجو وعندما يرجو فإنه يتبرر وعندما يتبرر فإنه يكمل، وعندما يكمل فإنه يصل إلى حد الكمال. وعندما يعلو كل بنائه ويكمل ويتم يصبح منزلاً وكنيسة ومسكناً للمسيح.

والآن دعنا نسبح يا عزيزى بالقرب من الايمان لأنه قوة كثيرة جداً. فالايمان رفع إخنوخ إلى السماء وقهر الطوفان وجعل العاقر تلد وأعطى النصره فى الحرب وأقام أناساً من القبور وأغنى فقراء وأطلق آخرين من الأسر وأخمد حرائق وشق البحر وشق الصخور وأعطى العطشان ماء ليشرب وأشبع الجوعان وأقام الموتى وأخرجهم من القبور وأسكت الأمواج وشفى الأمراض وقهر الجيوش وأنصف المظلوم وهدم حصوناً وسد أفواه أسود وأخمد لهيب نار وأنزل المتكبرين ورفع المتواضعين للمجد. كل هذه الأشياء العظيمه حدثت بالايمان.

الهبه ليست هى الايمان فقط ولكن هى أيضاً الصلاه الحاره. لأن الصلاه الحاره هى برهان على الايمان الحقيقى وتجعلنا نحيا بيسوع لأنها تأتى من الروح خلال الحب. وهكذا يكون الايمان ميت وبدون حياة فى الانسان الذى لا يراه حياً فى نفسه.

وأكثر من هذا ليس من حق الانسان أن يدعى مؤمناً إذا كان إيمانه مجرد كلمه مجرده وليس فى نفسه الايمان العامل بالمحبة والروح القدس. وهكذا يجب أن يطبق الايمان عملياً بالتقدم فى الأعمال وأن يشرق ذلك الايمان بنور العمل وهكذا قال يعقوب الرسول «أرنى إيمانك بدون أعمالك وأنا أريك إيمانى بأعمالى» يع 2: 18. وهكذا يتضح أن الايمان الموهوب لنا يتحقق عملياً بالأعمال التى هى تنفيذ الوصايا الحقيقيه. الايمان هو أساس الوصايا وجذورها وأيضاً هو الينبوع الذى ينمى الزروع وهو يحتوى على جزئين أولهما هو النعمه والثانى هو الاعتراف بالنعمه [عن طريق العمل] وهذا الجزاءن هما وحده واحده لا تتجزأ.

القديس اغريغوريوس السينائى.

المعرفه هى طريق العقل ولكن الايمان هو هبه يحصل عليها الانسان دون أن يرى بعينه فيؤمن بالأشياء البسيطه والشائعه والأشياء الفائقه والساميه.

القديس اكليمنضس الاسكندرى.

إن الانسان الذى يؤمن يحدث معه تغيير شامل والايمان هو عمل الهى وهو الخطوه نحو الخلاص بعدها نرجو ونتوب ونخاف أيضاً. والتقدم فى الشركه مع الاعتدال وطول الأناه يقودنا إلى المحبه والمعرفه.

القديس اكليمنضس الاسكندرى.

2 - الرجاء:

إن القلب لن يستريح من الاتعاب والضيقات حتى يدخله الرجاء ويجلب له السلام والفرح. وهذا هو ما قيل عن الرجاء «تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم» مت 11: 28 إن نور العقل هو الذى يلد الايمان والايمان يلد راحة الرجاء والرجاء يقوى القلب.

مار اسحق السريانى.

قال أحد الأباء[74]:

إن القاعده الصلبه الوثيقه للرجاء فى عبادة الانسان هو تجسد الرب يسوع المسيح الذى جعل الانسان الهاً بنفس الدرجه التى جعلت الله إنساناً. لأن الذى أصبح إنساناص بدون خطيه يقدر أيضاً أن يجعلنا شركاء فى الطبيعة الالهيه رغم كوننا ما نزال بشراً. ويستطيع الرب يسوع المسيح أن يرفعنا اليه بنفس المقياس الذى به وضع نفسه لأجل الانسان. وهذا هو ما تحدث عنه الرسول بولس قائلاً «ليظهر فى الدهور الآتيه غنى نعمته الفائق باللطف علينا فى المسيح يسوع» أف 2: 7.

إن أساس أى عمل صالح هو الرجاء فى القيامه. لأن إنتظار المكافأة يشجع النفس على الأعمال الصالحه. كل إنسان يستطيع أن يجاهد إذا نظر إلى ما هو قدام إلى الاكليل والمكافأه. ولكن الذين يعملون دون نظر إلى الاكليل فإن أجسادهم ترهق وتنتصر على نفوسهم. لأن الانسان الذى يؤمن بأن جسده سوف يقوم فإنه سوف يعتنى بثوبه ولن يلطخه بالزنا. ولكن الذى لا يؤمن بالقيامه فإنه يزنى ويحتقر جسده كما لو كان لا يخصه بل يخص آخر. ومن المعتقداس العظيمه والتعاليم الكنسيه الجامعه المقدسه هو الايمان بقيامة الموتى. وهذا الايمان عظيم وضرورى ولكنه مرفوض من الكثيرين بالرغم من أنه مقبول من المنطق.

القديس كيرلس الأورشليمى.

قال أحد الأباء[75]:

دع الذى يهدئ أفكارى وقلبى يتحد مع الكتابه لأتذكر دائماً السلام القلبى برغم إهتمامات وغرور الحياه. وما هو هذا؟ إن القول المسيحى المملوء بالثقه الحيه العجيبه القويه [الرب هو كل شئ لى] هذا هو الكنز الذى لا يقدر بثمن. هذه هى الجوهره الثمينه التى عن طريقها نكون مطمئنين فى أى ظرف وأن نكون أغنياء فى الفقر عطوفين شفوقين على الآخرين فى وقت ثرائنا. ولا تفقد الرجاء حتى بعد أن تخطئ. [الرب هو كل شئ لى] هو ايمانى وثقتى وحبى وقوتى وقدرتى وسلامى ومتعتى وغناى وغذائى وشراب وثيابى وحياتى. هو كل شئ لى.

هكذا أيها الانسان إجعل الرب كل شئ لك ويجب أن تكون أنت كل شئ لله. وكما أن كل كنزك هو فى قلبك وإرادتك والرب يطلب قلبك قائلاً «يا إبنى إعطنى قلبك» ومن ثم لكى تحقق إرادة الله أرفض فسادك وحدة طبعك وإرادتك الخادعه ولا تنفذ إرادتك الخاصه ولكن نفذ فقط إرادة الله «لتكن لا إرادتى بل إرادتك» والطريق إلى تنفيذ وتقوية الرجاء المسيحى فينا هو الصلاة وبخاصه الصلاة الصادقة الدائمه وأيضاً الاعتراف بخطايانا والقراءة المستمره فى كلام الله وفوق كل هذا التناول باستمرار من الأسرار المقدسه المحييه التى هى جسد الرب ودمه.

3 - المحبه:

قال أحد الأباء عن المحبه[76]:

1 - المحبه هى الميل والاستعداد الحقيقى للنفس لأن تفضل البقاء دائماً فى معرفة الرب عن أى شئ آخر. ولكن لا يستطيع أى إنسان أن يصل إلى هذه الدرجه إذا كان متعلقاً بأى شئ على الأرض. ولكن عندما يمتلئ الانسان بالحب فإن العقل يسمو إلى الله ولا يشعر بأى شئ فى نفسه ولا بأى شئ حوله. وعندما يضئ النور الالهى الغير محدود فإنه لا يشعر بأى شئ حوله تماماً كما تختفى النجوم من أمام أعيننا إذا ما نظرنا اليها فى وجود الشمس.

2 - الذى يحب الله لا يقدر إلا أن يحب كل الأشياء كنفسهز بعكس عاطفة الذين لم ينقوا قلبهم لانهم لن يستطيع أن يحبوا الآخرين. ولكن عندما يراهم المحب يتوبون ويتغيرون فإنه يتهلل بفرح عظيم لا ينطق به.

3 - الذى يحب الله ينبغى أن يحب قريبه أيضاً. وهذا الانسان لن يستطيع أن يدخر المال ولكنه ينفقه معطياً كل إنسان ما يحتاجه حتى يرضى الله.

4 - أعمال المحبه هى الجهاد لعمل الصلاح للآخرين وهى أن يكون الانسان كريم النفس وصبوراً وأن ينظر للأشياء نظره صالحه.

5 - الحب الحقيقى لا يقسم الطبيعه البشريه لأنها وحده واحده برغم تعدد صفاتها ولكن بالنظر لهذه الطبيعه فإنه يحب الناس كلهم بالتساوى. فهو يحب الانسان الصالح والردئ أيضاً كلاهما بلا تمييز. وبفعل الصلاح لكليهما ويصبر على كل شئ ولا يرد الشر بالشر ولكنه دائماً يتألم من أجلهم إذا بلغ الأمر لكى إذا ان يجعل منهم أصدقاء. وإن لم يكن أن يجعل من الجميع أصدقاء له فإنه على الأقل يظل على علاقه حسنه بهم. وهكذا أظهر الرب يسوع المسيح حبه لنا متألماً من أجل الجنس البشرى بالتساوى مانحاً إيانا رجاء القيامه رغم أن كل فرد يعطى نفسه الاستحقاق إما للمجد أو للعذاب فى الجحيم.

6 - ما يحبه الانسان هو ما يرغب أن يمسك به بكل قوته. ويدفع جانباً كل ما يعوقه من ذلك حتى لا يفقد ما يحبه. فهكذا الذى يحب الله يعمل على أن ينقى صلاته ويبتعد عن أى خطيه أو شهوه تعطل أبديته.

7 - إن الناس يحبون بعضهم بعضاً للأسباب الخمسه الآتيه:

أولاً: من أجل الرب. لأن الانسان البار يحب كل الناس وهو محبوب من الجميع حتى من الغير أبرار.

ثانياً: من أجل الطبيعه كما يحب الأباء أولادهم والآباء محبوبون من أولادهم أيضاً.

ثالثاً: من أجل الغرور لأن الانسان يحب الذى يمدحه.

رابعاً: من أجل المكسب كما يحب الانسان الغنى الذى يعطيه مالاً.

خامساً: من أجل الشهوه مثل الانسان الذى يحب من يصنع له وليمه وذلك بسبب شهوة البطن.

إن السبب الأول للمحبه هو الصالح وأما السبب الثانى فهو متوسط وأما الأسباب الأخرى فهى أسباب شهوانيه.

8 - حين تحب وتكره الآخر، وحين تحب البعض بشده والبعض الآخر بمحبه ناقصه فهذا دليل على أنك بعيداً عن المحبه الكامله العطائه لكل الناس بالتساوى.

9 - إن الانسان الكامل فى محبته هو الذى وصل إلى عدم إتباع هواه. فهو لا يعرف أى إختلاف بين أقرباء وبين الغرباء أو بين المؤمن وغير المؤمن أو بين العبد والحر أو بين الرجل والمرأه. وعندما نبقى فوق الظلم والهوى ونرى الطبيعة البشريه متساويه فإننا لن نفرق أن نميز فى المحبه «لا يهودى ولا يونانى. ولا عبد ولا حر. لا ذكر ولا أنثى ولكن الكل واحد فى المسيح يسوع» غل 3: 28.

10 - إذا تعلق فكر الانسان بالله فإن رغبته للبقاء مع الله سوف تزيد وستكون كل قوة عاطفته مائله غلى محبة الله. لأن العقل عندما يكون نيراً عن طريق خبرته الطويله مع النور الالهى وقهره وسيطرته على شهواته فإنه يميل للبقاء مع الله ويحب الله بلا سقوط فيرتفع من الأرض للسماء.

11 - قد قسم الزمن إلى ثلاثة أجزاء. والايمان يشغل كل الثلاثه بينما الرجاء يشغل جزءاً واحداً والمحبه تشغل جزءين. إن الرجاء والايمان لهما حدود ولكن المحبه متحده مع الأبدية وتنمو باستمرار وتبقى دائماً مع الحياة الأبدية وهكذا فإن «أعظمهن المحبه» 1كو 13: 13.

12 - إن محبة الله تريد أن تلحق بالعقل دائماً لكى يتكلم عن الرب وعن الأمور الالهيه. ومحبة القريب تميل بنا أن نفكر فيهم حسناً.

13 - كثيرون تكلموا عن المحبه ولكن إذا فتشت عنها سوف تجدها فقط بين تلاميذ المسيح. لأنهم هم الوحيدون الذين يملكون المحبه الحقيقيه. لأنهم تعلموا المحبه التى قيل عنها «إن كانت لى نبوه وأعلم جميع الأسرار وكل علم ولكن ليس لى محبة فلست شيئاً» (1كو 13: 2 - 3). لأن الذى يمتلك المحبه يمتلك الله نفسه لأن «الله محبه» 1يو 4: 16. ليت الله يتمجد فى كل جيل وبكل جيل. آمين.

هناك محبه صغيره تشبه المصباح الصغير الذى يتغذى بالزيت. ولكنه ينطفئ عندما يفرغ الزيت ومثل القناه التى يغزيها المطر فإنها تجف عندما يتوقف المطر. ولكن هناك محبه مثل النبع تتدفق من الأرض ولا تخمد أبداً. المحبه الأولى بشريه بينما الثانيه هى الهيه وتتخذ الرب مصدراً لها.

مار اسحق السريانى.

الباب الحقيقى الذى يقودنا إلى التأمل هو المحبه. فالمحبه تقود إلى كل الطرق لاظهار المعرفه والتأمل فى الأسرار. هكذا يجب أن تقتنى المحبه أولاً ثم يصير التأمل عملاً طبيعياً فينا. ليتنا ندرك حكمة الطوباوى بولس عندما فضل المحبه على كل المواهب التى تمنح ولذلك سأل وطلب الموهبه الضروريه جداً التى بها يصل إلى كل المواهب وهى التى تدوم وتبقى [1كو 13].

المحبه هى مسكن الوحى وفى هذا المكان يأتى الينا التأمل من ذاته مثل التقدم فى النمو النفسى الذى يتطلب معرفة النفس للأشياء الموجوده فى العالم. ونتعمل عندئذ أشياءاً جديده من يوم إلى يوم. هكذا أيضاً فى الأمور الروحيه فإن الانسان يتسلم تأملاً حياً وإدراكاً الهياً ويتعلم هذا بالنسبة إلى نموه العقلى فى حياة الحكمه. وعندما يأتى إلى مملكة المحبه فإنه يتأمل فى الروح بالطريقه الصحيحه.

مار اسحق السريانى.

محبة الله هى حارة بالطبيعه وعندما يقتنيها إنسان وتتأصل فيه بدون مقاييس فإنها تدفع النفس إلى الهذيذ. والانسان الذى يشعر بهذا يتغير كثيراً ويصبح وجهه متقداً وبشوشاً ويدفأ جسده ويتركه الخوف والخجل ويتغير الموت المرعب ليصير متعه له. وعقله يتأمل دائماً ولا تتشتت أفكاره حين يتأمل فى السماء. وهكذا يغصب عقله وفكره على التأمل حتى لو كان يتحدث مع إنسان آخر.

مار اسحق السريانى.

قال أحد الأباء[77]:

لا يكمن لأى انسان ان يصبح تلميذاً للمسيح بأى فضيله أو وصيه سوى المحبه لأنه قال «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذى إن كان لكم حب بعضكم لبعض» يو13: 55 ولهذا السبب فإن «الكلمه صار جسداً وحل بيننا» يو 1: 14 ولهذا فإن الله تجسد وإختار الموت بارادته متألماً من أجل خلاص الانسان من قبضة الجحيم ليعيده ثانيه إلى السماء. وبدافع من المحبه سار القديسون دائماً وألقوا الشباك على العالم كله وجذبوه عالياً من عمق عبادة الأوثان ووصلوا به إلى بر الامان فى ملكوت السموات. وبدافع من المحبه بذل الشهداء دمائهم حتى لا يفقدوا المسيح. وبدافع من المحبه أرسل لنا الرب أباء ومعلمين كرسوا حياتهم للكنيسة المقدسه.

قال أحد الأباء[78]:

هناك عشر علامات واضحه هى سمات بداية محبة الله. وهذه هى:

أولاً: الاشتياق للقاء مع الرب ولأن اللقاء الحقيقى لا يتم إلا عند إنتهاء هذه الحياة فمن الضرورى أن يجد الانسان فى طلب الرب وأن يشابه بولس الذى إشتهى أن ينطلق ليكون مع المسيح.

ثانياً: أن لا يحقق إرادته الخاصه ولكن إرادة الرب كما قال «إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى» يو 4: 15.

ثالثاً: ان يكره العالم كله لكى يدرك الواحد الوحيد المهم.

رابعاً: أن فمه يردد دائماً اسم الرب لأن الذى يحب أى شئ فإنه يفكر فيه ولا يسكت لسانه على أن يذكره.. كما أحب داود شرائع الله فكان يلهج بها نهاراً وليلاً.

خامساً: أن يجد تعزيه فى الوحده والسكنى فى القلايه رافضاً صورة العالم وكارهاً الارتباط والتحدث ممع الناس [بالنسبه للرهبان] لأنه كما قال القديس مار اسحق السريانى «الكمال هو الارتباط بالوحده ووجود العقل دائماً مع الله. ».

سادساً: لا يتعلق ذلك الانسان بالأمور العالميه ويندم على كل لحظة يقضيها بدون أى عمل روحى.

سابعاً: أنه يجد متعه فى الأعمال النسكيه رغم أنها ثقيله ومرهقه.

ثامناً: أن يمتلئ بالوداعه ولكنه يكون قوياً ويؤنب على الشر مثل الرب الذى كان يحب الاستقامه ولكن نفسه كانت تكره الشر وعدم الاستقامه.

تاسعاً: أنه يصلى دائماً لكى لا يفنى حبه وينفذ فتتعطل مواهبه.

عاشراً: أنه يخفى حبه على قدر الامكان ولكن علامات هذا الحب لا تختفى منه أبداً.

4 - العطاء:

قال أحد الأباء[79]:

من يعطى بسخاء يشبه الله فلا يميز بين الصالح والردئ وبين البار والشرير فى الاحتياجات الجسديه. إنه يعطى الجميع سرور طبقاً لحاجتهم. والمبحه تتجلى ليس فى أن يتصدق الانسان بماله ولكن بالبذل فى تعليم كلمة الله والخدمة الجسديه.

سوف يطلب الرب منا حساباً عن مساعدتنا للمحتاجين طبقاً لما نمتلكه. إن الله سوف لا يفشل أن يمد خاصته بما يحتاجون لو أننا لم نعطِ للمحتاجين ولن ينقص المحتاجون الطعام أو الكساء. لذلك يجب أن نطرد حالة اللامبالاه مع الآخرين التى تنشأ من الثروه ويجب أن نكره رغباتنا الخاصه. ولذلك يجب ان نطيع وصية الله فى العطاء بسعاده وسرور. لأن الله لن يعطى مواهبه الالهيه للانسان الغير مستعد أن يعطى كل أمواله لمجد الانجيل. ومن يحيا فى الفقر الالهى فإنه يملك غنى ملكوت الله.

وبخصوص وصية العطاء تحدث الأب يوحنا من كرونستات قائلاً:

1 - إن تنفيذ الوصيه «تحب قريبك كنفسك» يستوجب أن تكون كل الممتلكات على الشيوخ مثل الشمس والهواء والنار والماء والأرض ولذلك يجب أن يكون الطعام والشراب وكل عطايا الله يتقاسمها الجميع لأننا لا نملك شيئاً ولكن كل شئ هو يخص الله. وليس من العدل أن يحتفظ الأغنياء بما عندهم فى كنوزهم بينما هناك كثير من الفقراء فى عوز شديد من أجل وجودهم وإحتياجهم للغذاء والكساء والمسكن.

2 - على أى حال يجب على الانسان الغنى أن يجتهد فى العطاء للفقراء المحتاجين. أما الفقراء بسبب كسلهم وتراخيهم فهؤلاء نحن غير مجبرين على مساعدتهم لأن الرسول بولس يقول بأن الذى لا يشتغل لا يأكل أيضاً. ولكن يجب على الاغنياء أن يلبوا صرخة الفقر التى تنبعث من كبار السن والعجز والمرض والأجر البسيط ومن ظروف الحياه الصعبه وكثرة أفراد العائله والحصاد الردئ ونحن فى ذلك العطاء يجب أن نحتذى بالأباء الرسل الأوائل وبتاريخ القديسين فى الكنيسه الأولى.

3 - إذا أعطيت الفقير ولكنك تماديت فى ملذات الأكل والشرب فإنك بذلك تخدم الجسد الخاطئ والشيطان ثم بعد ذلك تخدم أقراءك والرب. وسينطبق عليك قول الرب « ويل لكم أيها الشباعى لأنكم ستجوعون ويل لكم أيها الضاحكون الآن لأنكم ستحزنون وتبكون» لو 6: 25.

4 - الانسان الروحى هو الذى يرحم ويوزع عطاياه بسخاء للكل ويسر عندما تحين الفرصه له أن يفعل الصلاح ويعطى السعادة لكل انسان دون تفكير فى المكافأة التى سينالها. هذا الانسان الروحى لا يتكبر قط على أولئك الذين يعيشون على عطاياه. ولا يهمل هؤلاء الفقراء ابداً فى أى ناحيه ولا يستخف فى فكره بهم ولكنه يحترمهم كما كان يخدمهم من قبل. ولكن الذى يحدث دائماً هو أننا نتضايق سريعاً من هؤلاء الفقراء ونعتبرهم كلا شئ أو نعتبر ذلك الانسان الفقير أقل من الحيوان المدلل أو أى شئ نحبه.

5 - ضع فى قلبك دائماً أن المسيح هو المحبه وحاول أن تحب الجميع وتضحى من أجل المحبه ليس فقط بعطاياك ولكن أيضا بنفسك.

6 - لقد علمنى الرب أن العطايا بسرور. وأؤمن أنه بعطائى هذا لن أفقد شيئاً بل بالعكس سوف أكسب وأربح فى النهاية أكثر بكثير مما أعطيت. محولاً عينىّ عن غليظى القلوب الذين لا يتعاطفون مع الفقراء ويقابلون الفقر بلا مبالاه، والذين يندينون الفقر ويعيرونه ويدعونه بأسماء شائنه ويضعفون قلبى لكى لا أفعل الصلاح وأيضاً ربما أقسى قلبى على الفقراء.

7 - آه يا ربى إعطنى أن تكون كل صدقه أقدمها نافعه ولا تؤذى أحداً. الرب يقبل إحساناتنا للانسان الفقير كأننا نقدم له شخصياً. الرب يتعطف ويساعدنى أن أبنى منزلاً للفقراء فى هذه المدينه التى صليت من أجلها كثيراً يا كلى الرحمه يا حكيم يا عجيب.

رابعاً: مشورة الله

1 - العفة:

ليس العفيف هو الطاهر من الأفكار الشريره التى تحاربه فى وقت المعركة ولكن العفيف هو ذاك الذى بطبيعة قلبه يجعل الطهاره عيناً لعقله فلا تدعه يشرد خارجاً فى الأفكار الغير لائقه. وبينما هو يختبر كرامة ضميره فيما تنظره عيناه أنه فى حالة نقاوة حقيقيه، تتدلى العفه كالبرقع فى المسكن السرى للأفكار فى بساطة قلبه كالعذراء العفيفه التى تحفظ مصونه للمسيح بالايمان.

مار اسحق السريانى.

قال أحد الأباء[80]:

إضعف جسدك بالجوع والسهر وداوم على ممارسة الابصلموديه والصلاه بدون تراخ وعندئذ سوف تنال الطهاره التى تجلب معها المحبه.

قد أخبرنى أحد الأباء عن درجة ساميه غير عاديه للنقاوه فقال: هناك إنسان عندما يرى جسماً جميلاً حينئذ يمجد الخالق. ومن خلال هذه النظره ينتقل إلى محبة الله وإلى ينبوع من الدموع ومن العجب أن نرى أن السبب فى سقوط الانسان يصير هو نفس السبب للاكليل السامى.

وهكذا إذا شعر هذا الانسان هكذا دائماً وتصرف بنفس الطريقه فى مواقف أخرى حينئذ يكون قد قام من الأموات قبل القيامه العامه.

يوحنا الدرجى.

الطهاره هى اسم عام لكل الفضائل.

يوحنا الدرجى.

2 - الوحدة:

الانسان الذى يحب الله بالحق ويجاهد بشده لكى يرث الحياه الأبديه الذى بدأ فعلاً أن ينزعج من خطاياه، الذى يضع نصب عينيه الدينونه الاخيره، الذى يحيا فى خوف حقيقى وإستعداد للرحيل، مثل هذا الانسان سوف لا يحب أو يتعلق أو تهمه الأموال أو العطايا أو الأهل أو مجد العالم أو الأصدقاء أو الأخوة أو أى شئ على الأرض مطلقاً. ولكنه قد قطع كل رباطاته مع الأمور الأرضيه وفصل نفسه من كل الاهتمامات ووصل إلى أن يكره حتى جسده وإبتعد عن كل شئ وتبع المسيح بدون قلق ولا تردد. وهو دائماً ينظر إلى السماء متوقعاً المعونه منه طبقاً لقول المرنم داود «إلتصقت نفسى بك» مز 63: 9. وكما قال أرميا «أما أنا فلم أعتزل عن أن أكون راعياً وراءك ولا إشتهيت يوم البليه أنت عرفت. ما خرج من شفتى كان مقابل وجهك» أرميا 17: 16.

يوحنا الدرجى.

دعنا نهتم بخلاص نفوسنا حتى لا تنخدع حين تفكر فى أنفسنا أننا نسير فى الطريق المستقيم الضيق بينما نحن فى الحقيقه نسير فى الطريق الواسع الرحب. والطريق الضيق يعنى ما يلى: ضبط البطن والاكل والشرب باعتدال وسهر الليل وإحتمال الاهانه والتهكم والاستهزاء والسب وأيضاً أن يترك الانسان إرادته ويصبر فى الشدائد والتجارب واحتمال الاحتقار بلا دمدمه ولا تذمر وقبول الاهانات. وهكذا عندما يفترى عليك فلا تكون ساخطاً وعندما يحتقرك أحد فلا تكن غاضباً وعندما يأمرك أحد فلتكن مطيعاً.

طوبى للذين يسلكون الطريق الذى ذكرناه قبلاً لأن لهم ملكوت السموات.

يوحنا الدرجى.

سوف لا يدخل أحد إلى عرش السماء ويلبس الاكليل إلا إذا قدم التنازل الأول والثانى والثالث. التنازل الأول هو عن الأعمال والأهل والناس [خاص بالرهبان] والتنازل الثانى هو أن يترك الانسان إرادته والتنازل الثالث هو عن الغرور.

«لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب والا تمسوا نجساً فأقبلكم» 2كو 6: 17.

لأن من عاش فى وسط الناس وصنع معجزه؟ من أقام الموتى؟ من الذى أخرج شياطين؟ لا أحد. لان كل هذه الأمور هى مكافأة إنتصار الراهب الناسك. وهذه المكافأة لا يستطيع العالم أن يقبلها وإن قبلها إذاً فما الحاجة إلى التقشف والتوحد.

يوحنا الدرجى.


[73] - الأب أفراهات.

[74] - الأب مكسيموس المعترف.

[75] - الأب يوحنا من كرونستات.

[76] - الأب مكسيموس المعترف.

[77] - الأب سمعان اللاهوتى.

[78] - الأب بار هابريوس Bar Hebracus.

[79] - الأب مكسيموس المعترف.

[80] - الأب مكسيموس المعترف.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات