المزمور الحادي والأربعون – سفر المزامير – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 21- تفسير سفر المزامير – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

المزمور الحادي والأربعون

الإنسان المطوَّب.

بين المزمورين الأول والحادي والأربعين:

القسم الأول من سفر المزامير عند اليهود يضم المزامير (1 - 41). ويشترك المزموران الأول والأخير من هذا القسم في الآتي:

1. كلاهما يبدأن بكلمة "طوبى" asher، الأول يعلن عن تطويب الرجل الذي يلهج في ناموس الله نهارًا وليلاً، ليمارس الوصية في حياته اليومية العملية، والأخير يطوّب الإنسان الذي ينظر إلى المسكين؛ الأول يعلن حب المؤمن الحيّ للوصية بكونها وصية الله، والأخير يعلن حبه الحيّ للمسكين بكونه أخًا للسيد المسيح، موضوع اهتمام الله وحبه.

2. المزموران نبويان، يتحدثان عن مقاومة الأشرار للسيد المسيح، وآلامه، ونصرته. أشار السيد المسيح إلى هذا المزمور (41) بكونه نبوة عن خيانة يهوذا له (يو 13: 18)، كما أشار إليه القديس بطرس (أع 1: 16).

العنوان:

"لإمام المغنين، مزمور لداود". وفي الترجمة السريانية: "مزمور لداود عندما أقام مراقبين يهتمون بالفقراء"، وفي العربية: "نبوة عن التجسد وأيضًا عن تحية (قبلة) يهوذا" [785].

ربما وُضع هذا المزمور أثناء تمرد أبشالوم.

الإطار العام:

1. بخصوص المسكين [1 - 3].

2. المسكين المرفوض [4 - 9].

3. نصرة قيامته [10 - 13].

الأعداد 1-3

1. بخصوص المسكين:

إن كانت افتتاحية المزمور didactic بشكل كبير، إلا أنها تناسب أيضًا الجانب.

التعليمي لليتورجية الهيكل، خاصة وأن الخاتمة [11 - 13] تمثل شكرًا لله مُقدمًا في الهيكل. لهذا فالمزمور تعليمي ليتروجي كما هو مرثاة شخصية.

"طوبى للذي يتفهم في أمر المسكين والفقير،.

في يوم السوء ينجيه الرب.

الرب يحفظه ويحييه،.

ويجعله في الأرض مغبوطًا،.

ولا يسلمه بأيدي أعدائه "[1 - 2].

من هو هذا المسكين أو الفقير الذي يلزمنا الاهتمام بأموره؟

1. واضح أن كلمة "المسكين" تعني "الضعيف" أو الذي "بلا معين". فالله في غناه يشتاق أن يفيض بالعطاء على بني البشر، ليس فقط العطاء المادي، وإنما عطاء نفسه His self - giving ليتمتعوا به كأولاد له ينعمون بأحضانه الإلهية. هذا العطاء المجاني هو نعمة إلهية تُوهب بروح الله القدوس مشروطة برغبتنا نحن أيضًا في العطاء، حتى يتحقق الحب المتبادل بين الله وأولاده. عطاؤنا له يتم عمليًا في اخوته المساكين، إذ يقول: "الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 25: 40).

  • يا لعظم مرتبة الفقراء، لكونهم نظير خدر الله، والباري يختفي فيه. فالفقير يمد يده متوسلاً، لكن الله هو الذي يقبل صدقتك.
  • لقد بلغك عني إني متسربل بالنور كالرداء، لكنك متى كسوت عريانًا أشعر أنا بدفءٍ وأنني تستَّرت.

تعتقد إني جالس عن يمين أبي في السموات، ولكنك متى ذهبت إلى السجن تفتقد المسجونين تراني جالسًا هناك.

  • إن رأيت إنسانا بائسًا... أذكر أنه وإن كان في الظاهر ليس هو المسيح، لكنه هو الذي يسألك ويأخذ منك في زي ذاك...
  • إن كان السيد المسيح خالقك لا يستحي أن يمد يده ويتناول الصدقة المعطاة للمساكين... فالأولى بنا ألا نأنف من خدمة المساكين وإراحتهم، لأنه بخدمتهم تتقدس أيدينا، فإذا رفعناها في الصلاة ينظرها الله مباركة، فيتحنن علينا ويعطينا سؤالنا تمامًا[786].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2. المساكين هنا أيضًا هو الفقير في الإيمان وفي معرفة الله ومحبته، والمحتاج لكلمة الله[787]، كما يقول الرسول بولس: كفقراء ونحن نغني كثيرين "، بمعنى أننا نحن فقراء في المال لكننا أغنياء بالسيد المسيح، به نُغني كثيرين. بالحب الحق مع العمل والصلاة الدائمة ننتشل الكثيرين من فقر الإيمان، فقر المعرفة، فقر الحب، فقر الطاعة للوصية الإلهية... طوبى لمن يتفهم في أمر هؤلاء المساكين!

3. المسكين الذي يلزمنا أن نتفهم أمره هو السيد المسيح، الذي لأجلنا وهو الغني افتقر. صار كمن هو بلا معين وهو خالق الكل؛ يطلب من السامرة أن تعطيه ليشرب (يو 4: 7)... مشتاق إلى قلوب أولاده التي يغمرها بينابيع حبه ويشرب هو منها!

لننظر إلى مسيحنا الذي صار عبدًا مسكينًا، لننظره في آلامه وفي صلبه وهو يصرخ: "أنا عطشان"!

لقد قدم له التلاميذ طعامًا، أما هو فقال لهم: "أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم" (يو 4: 31). أما هو هذا الطعام إلا اتحادنا به، وقبولنا آلامه وصلبه فننعم بقوة قيامته وأمجادها!

  • "تفهموا في أمر المسكين والضعيف، أي في أمر المسيح. افهموا فيه الثروات الخفية؛ ذاك الفقير الذي ترونه" المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم "(كو 2: 3)...

تفهموا أيضًا أمر المساكين والمعوزين والجائعين والعطاش والعرايا والمرضى والمسجونين. تفهموا أيضًا أمر هؤلاء المساكين؛ فإن تفهمتم أمر هؤلاء تفهمون ذاك القائل: "كنت جوعانًا وعطشانًا وغريبًا وعريانًا ومريضًا ومسجونًا" (راجع مت 25: 35 - 36)...

القديس أغسطينوس.

باهتمامنا بالمسكين، سواء المعتاز إلى أمور مادية أو روحية أو معنوية نهتم بالمسكين الذي افتقر لأجلنا، ونتحد بذاك الذي نزل إلينا، فإن ثمر هذا الاهتمام أو هذا الفهم العملي هو الآتي:

1. "في يوم السوء ينجيه الرب" [1]: ارتفاع نظرنا إلى السيد المسيح بعمل روحه القدوس يرفعنا إلى فوق لنجتاز يوم السوء ونعبره في أمان.

ما هو يوم السوء إلا سقوطنا في تجربة أو محاصرة الخطية لنا، فإنه لا خلاص لنا من التجارب الشريرة إلا بالتطلع إلى المخلص المسكين بسبب خطايانا. نراه على الصليب كله جراحات حب لأجلنا، فتحطم النعمة عمل الخطية في أعضائنا، ويخلص الجسد مع النفس، وينعم المؤمن بحياة الشركة المجيدة.

أيضًا اهتمامنا بالفقراء والمحتجين والمذلولين والمسجونين بروح الحب الحقيقي وفي حكمة الروح، يهيئ النفس لعمل النعمة المجانية في داخلنا. فإننا إذ نحب الله في اخوتنا المتألمين، ينصت إلى تنهدات قلوبنا الخفية ويدافع عنا ضد كل خطية. حبنا للغير وترفقنا بهم إنما هو حب لأنفسنا وتمتع بحب الله وحنانه في أعماقنا.

"اعطوا ما عنكم صدقة، فهوذا كل شيء يكون نقيًا لكم" (لو 11: 41).

"فارق خطاياك بالبر، وآثامك بلرحمة للمساكين" (دا 4: 27).

"بالرحمة والحق يُستر الإثم" (أم 16: 6).

"لأن الحكم هو بلا رحمة لمن لا يعمل رحمة، والرحمة تفتخر على الحكم" (يع 2: 13).

"الماء يطفئ النار الملتهبة، والصدقة تكفر عن الخطايا" (حكمة يشوع 3: 33).

"اغلق على الصدقة في أخاديرك فهي تنقذك من كل شر" (كمة يشوع 29: 15).

"طوبى للرحماء لأنهم يرحمون" (مت 5: 7).

  • إن رحمت الأرملة تُغفر خطاياك، لأنه مكتوب: "انصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة؛ هلم نتحاجج يقول الرب:" إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج، وإن كانت حمراء كالدودى تصير كالصوف "(إش 1: 17 - 18) [788].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

  • في المعمودية توهب مغفرة الخطايا مرة واحدة للجميع، لكن العمل المستمر بلا انقطاع – تابعًا مثال المعمودية – يهب مراحم الله مرة أخرى... يعلمنا المعلم الحنون ويحثنا على العطف (لو 11: 40 - 41). وإذ هو يبحث عن خلاص أولئك الذين قدم عنهم تضحية عظيمة هكذا، أشارة أيضًا عن هؤلاء الذين بعدما نالوا المعمودية صنعوا الخطية يمكنهم أن يتطهروا من جديد...

أيها الأحباء الأعزاء، إن النصائح الإلهية في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجيد لا تكف ولا تهدأ عن حث شعب الله دائمًا وفي كل موضع على فعل أعمال الرحمة... لأن من لا يرحم لا يستحق مراحم الله، ولا يحصل على أي نصيب من العطف الإلهي بصلواته[789].

  • لن يستحق مراحم الرب من لا يرحم نفسه، ولن ينال نصيبه من الرأفة الإلهية في صلواته إن لم يترآف هو على المساكين في طلباتهم[790].

الشهيد كبريانوس.

يمكننا أيضًا أن نفهم يوم السوء بكونه فترات الضيق أو الآلام التي يسمح الله بها لأولاده لتزكيتهم أو لتأديبهم... فإنه وإن كان يسمح بها لكن تبقى عيناه تتطلعان إلينا برفق كما ننظر نحن إلى المساكين في حنو.

  • محب الفقراء يكون كمن له شفيع في بيت الحاكم. من يفتح بابه للمعوزين يمسك في يده مفتاح باب الله.

من يقرض الذين يسألونه يكافئه سيد الكل[791].

القديس يوحنا التبايسي.

2. "الرب يحفظه ويحييه" [2].

إذ يعد الرب شعبه أنه بالكيل الذي يكيلون يُكال لهم ويُزاد (مت 7: 2) لذلك فهو يعد من يحفظ المسكين في أمور زمنية بسيطة، مقدمًا له ضروريات الحياة، يهبه حفظًا من كل شر حتى يدخل به إلى حياة الدهر الآتي. يقدم الإنسان الزمنيات ليتمتع بالسماويات ومعها البركات الأرضية أيضًا.

  • إن رحمنا الآخرين ننال أجزل مكافأة، فقد وعدنا السيد المسيح بالكيل الملبَّد المهزوز[792].

القديس كيرلس الكبير.

  • إن كان لأجل كأس ماء بارد تمنحه لضيف تنال ملكوت السموات، فكم من الخيرات تنال لو دعوته للتمتع بغناك، وجعلته شريكًا معك على مائدتك؟!
  • الأعمى متى رحمناه، يجعل مَن رحمه مبصرًا، ويقوده إلى ملكوت السموات؛ فذاك الذي يتعثر هنا في الحُفَر يصير لك مرشدًا يصعد بك إلى السماء[793].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. ويجعله في الأرض مغبوطًا "[2]، إذ يحول له الأرض سماءً.

المحب للفقراء ينعم بالأرض الجديدة، أرض الأحياء، الحياة الكنسية، حيث يمتلئ قلبه فرحًا وغبطة... ينعم بعمل السيد المسيح الساكن فيه، الذي يقيم داخله ملكوته كملكوت تسبيح وتهليل وشكر على غنى نعمة الله المجانية!

في الواقع العملي كثيرون إذ بدأوا في المسيح يسوع يمارسون العطاء بحب حقيقي، شعروا بفرح داخلي عجيب لا يعرفون له سببًا خارجيًا. إنه عطية الروح لهم!

4. "ولا يسلمه بأيدي أعدائه" [2].

  • العدو هو الشيطان. لا يفكر أحد أن إنسانا ما عدوه عند سماعه هذه الكلمات...

القديس أغسطينوس.

5. "الرب يعينه على سرير وجعه؛ صرفت مضجعه كله في مرضه" [3].

الصدقة تعين المؤمن الحيّ على التمتع بالشفاء الروحي والجسدي، ليس ثمنًا لعمله، وإنما الله الرحوم يهب مجانًا نعمته لمن يعلن عن قبولها بتقديم الحب والرحمة للغير (مت 5: 7).

يرى القديس أغسطينوس أن السرير هنا هو ضعف الجسد الروحي، فالنفس المُتعبة بالخطية تجد لذتها في ملذات الجسد كما على سرير مريح... لكنه سرير ألم ومرض. والرب في حنانه يطلب منه أن يقوم ليحمل سريره ويمشي إلى بيته (مر 2: 11). بمعنى آخر يهب النفس قوة القيامة، فلا يحملها الجسد في ملذات باطلة، بل بالروح تحمل الجسد في قدسية ونقاوة. لتنطلق إلى البيت السماوي، وتجد راحتها في حضن الآب. وكأن العطاء يهبنا فرصة التمتع بعمل الله المجاني، فيه نقوم من فراش جسدنا وننطلق بكمال الحرية كما بجناحي الحمامة نحو السمويات.

هذه هي بركات العطاء أو قل الحب العملي: ينقذنا الله من يوم السوء أي يوم الدينونة، مُحولاً إيّاه إلى يوم الرب المفرح، أو يوم العرس الأبدي؛ يحفظنا الرب من الضيقات ويهبنا الحياة الجديدة فيه، يحول أرضنا إلى سماء مفرحة، ويقيمنا من سرير الشهوات الزمنية لننطلق بروحه القدوس إلى الراحة الحقة في السمويات. بهذا أيضًا نكون قد تحررنا من العدو الشرير إبليس وكل أعماله لننعم بأبوة الله العاملة فينا، ويكون لنا موضع في أحضانه الإلهية.

الأعداد 4-9

2. المسكين المرفوض:

"أنا قلت يارب ارحمني.

اشفِ نفسي لأني قد أخطأت إليك "[4].

هذه صلاة، في منتهى البلاغة في اللغة العبرية؛ فإنه ماذا يمكن لإنسان أن يفعل أكثر من الاعتراف بإخلاص وأمانة بخطاياه.

ما هو ارتباط هذه الصلاة بحديثه السابق عن الإهتمام بأمر المسكين؟

يبدو أن المرتل قد سقط تحت تأديب إلهي، إذ يربط ضيقته بإثمه، متوقعًا أنه إذ ينظر إلى أمر المسكين، يتطلع الله إليه كمسكين لكن ليس دون اعتراف بخطاياه. هنا يُبرز المرتل أن ما يناله الإنسان من هبات كثمرة العطاء المملوء حبًا لا يتم عن برّ ذاتي، وإنما عن مراحم الله المجانية، إذ يعترف المرتل بخطيته طالبًا الرحمة والشفاء.

كأن المرتل يقول: إن كنت قد تفهمت في أمر إخوتي المساكين فذلك ليس فضلاً منى، فإنك تتطلع إليّ وتتفهم أمري أنا المسكين المجروح بالخطايا والمحتاج إليك كطبيب للنفس والجسد.

  • يشفيك الله فقط إن أقررت بجرحك. عندما ترقد تحت يديْ الطبيب، وتطلب عونه بلجاجة. فإن غَسل أو كوي أو بَتر، احتمل هذا بهدوء، لا ترتبك بذه الأمور فُتشفى.

إنك تشفى إن قدمت ذاتك للطبيب؛ ليس لأنه لا يراك إن اخفيت نفسك، وإنما الاعتراف هو بداية استعداتك صحتك[794].

الأب قيصريوس أسقف آرل.

اعتاد المرتل أن يبدأ اعترافه باتهام نفسه أولاً، بعد ذلك يشتكي العدو الشرير المقاوم له؛ فهو لا يبرر نفسه ولا يلقي بالوم على غيره، إنما يطلب عونًا من الطبيب ليشفيه أولاً ثم يقيه مما قد يصيبه من الخارج، إذ يقول:

"أعدئي تقولوا عليّ شرًا:

متى يموت ويُباد اسمه؟! "[5].

يود العدو الشرير أن يطيح بأولاد الله الأبرار، ويظن أن هذا يتحقق فعلاً، متجاهلاً أن الصديق يسقط سبع مرات ويقوم.

ويرى البعض أن هذا هو صوت السيد المسيح الذي اتهمه الأعداء كذبًا، وتآمروا على قتله وإبادة اسمه. ويبقى صوته هذا ينطق به في كنيسته التي تتألم لأجله والتي يُريد العالم يمحوها لينزع اسم مسيحها تمامًا. وكما يقول سفر الأعمال عن القديسين بطرس ويوحنا: "فدعوهما وأوصوهما أن لا ينطقا البتة ولا يُعلّما باسم يسوع" (أع 4: 18).

  • هذا هو شخص ربنا يسوع المسيح؛ ولكن أنظروا أما يُفهم ذلك أيضًا عن أعضائه. قيل هذا عندما سار ربنا بالجسد على الأرض... عندما رأوا الشعب قد ذهب وراءه، إذ قالوا: "متى يموت ويُباد اسمه"، بمعنى "إذ نقتله يُباد اسمه تمامًا من على الأرض، فلا يخدع بعد أحدًا إذ يموت. بهذا القتل نفسه سيفهم البشر أنه كان مجرد إنسان وقد تبعوه، ولا رجاء في الخلاص من جهته، فيهجرون اسمه ولا يكون بعد. لقد مات ولم يبد اسمه بل بُذر كبذرة كحنطة بموتها تنبت حنطة.

مات المسيح ولم يبد اسمه؛ ومات الشهداء ونمت الكنيسة، ونمى اسم المسيح بين الأمم.

باطلاً إذن اعتقادهم ضده؛ وكان الأفضل لهم أن يؤمنوا به حتى "يتفهموا أمر المسكين والفقير"، هذا الذي وهو غنى افتقر لأجلكم حتى تغتنوا بفقره...

القديس أغسطينوس.

لقد دبر أخيتوفل المؤامرة لقتل داود الملك واباده اسمه فكان رمزًا لعدو الخير إبليس الذي هّيج الكثيرين ضد ابن داود للخلاص منه بالصليب، فجاءت كلمات داود النبي تنطبق بصورة أكمل في شخص السيد المسيح، إذ يقول:

"كان يدخل لينظر فكان يتكلم باطلاً،.

وقلبه جمع له إثما.

كان يخرج خارجًا ويتكلم عليّ معًا.

عليّ تدمدم جميع أعدئي.

وتشاوروا عليّ بالسوء.

وكلامًا مخالفًا للناموس رتبوا عليّ.

هل النائم لا يعود أن يقوم؟! "[6 - 8].

تحققت هذه النبوة في شخص السيد المسيح حيث اجتمع رؤساء الكهنة والكهنة والكتبة والفريسيون والناموسيون وبيلاطس وهيرودس عليه. تدمدموا معًا أي تهامسوا أو تشاوروا من وراء السيد، وحكموا عليه على خلاف الناموس، وظنوا أنه نام في القبر ولا يعود يقوم.

كان كل من يدخل إليه أثناء محاكمته أو جلده أو صلبه يتكلم عليه باطلاً، إذ يحمل إثمًا في قلبه من جهته فلا يرى في ذلك إلا علامة غضب الله عليه، لذا يخرج خارجًا ينطق بتجاديف ضده!

الذي يدخل بذاته إلى أحداث الخلاص، يدخل لينطق بتجاديف أثيمة، أما من يدخل بالنعمة إليها فيخرج أيضًا ليجد مرعى (يو 10: 9)، إذ يجد فيها فيض حب مشبع ومُروي للنفس. وكا يقول الرسول: "لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة (2 كو 2: 16).

بعد أن تحدث عن الأعداء صالبي المسيح تكلم بوجه الخصوص عن يهوذا مسلمه، التلميذ الخائن:

"وأن إنسان سلامتي الذي وثقت به.

الذي أكل خبزي رفع عليّ عقبه "[9].

  • من هو إنسان سلامته؟ يهوذا... لقد خانه بقبلة غاشة (يو 6: 70)، ليُظهر ما قيل عنه: "رجل سلامتي".

القديبس أغسطينوس.

الأعداد 10-13

3. نصرة قيامة:

"وأنت يارب ارحمني وأقمني فأجازيهم.

بهذا علمت أنك هويتني،.

لأن عدوي لن يُسرَّ بي "[9 - 10].

لقد ظنوا أنه قد مات ودفن ولن يقوم؛ لكنه إذ مات لأجلنا وباسمنا يقوم أيضًا باسمنا، فيصرخ "ارحمني وأقمني". له سلطان أن يضع نفسه وأن يأخذها كما أعلن بنفسه، لكنه كممثل لنا في طاعة مات وفي طاعٍة قام، لنصير نحن فيه أبناء طاعة وموضع سرور الآب... قيامته أعلنت تبريرنا فيه، لنقول: "بهذا علمت أنك هويتني". نحن موضع سرور الآب بعد أن كنا موضع سرور العدو الذي ملك على قلبنا وحياتنا لحساب ملكوت ظلمته.

يقول: أقوم فأجازيهم "[9]، فإنه سلَّم نفسه بإرادته للموت وقام معلنًا غلبة الحياة ليُدين الخطية والموت... كما يأتي ديًانا للخطاة.

يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [هل تظنون أنكم غالبون الحياة بالموت؟ الموت هو مجرد رقاد وسوف أقوم ثانية].

بقوة القيامة تعلمنا روح النصرة والغلبة، لا بالعنف والمكابرة بل بالوداعة التي ننالها في المسيح يسوع، به نصير موضع سروره وقبوله فنثبت أمامه إلى الأبد: "وأنا من أجل دعتي قبلتني وثبتني أمامك إلى الأبد" [12].

يختم المرتل المزمور بذكصولوجية ليتورجية جماعية، فما يناله من بركات يفرح الكنيسة كلها!

"مبارك الرب إله إسرائيل.

من الأبد وإلى الأبد؛ يكون يكون "[13].

يرى البعض أن هذه الذكصولوجية هي ختام القسم الأول من سفر المزامير (مز 1 - 41)، حيث يسبح المؤمن إله الكنيسة الجامعة (إسرائيل الجديدة)، كعربون لحياة التسبيح السماوية، في أورشليم العليا.

صلاة.

  • هب لي يارب أن أراك في كل مسكين!

يا من صرت مسكينًا لأجلي تفيض عليّ بغناك!

  • عجيب أنت في حبك!

تشتاق أن تهبني شركة سِماتك، خاصة الحب العملي!

أترفق بالمساكين فأختير ترفقك بي أنا المسكين!

  • أراد العدو أن يُبيد اسمك بالصليب،.

فنقشت اسمي على كفك المجروح،.

ووهبتني قوة قيامتك!

  • قاومك الأشرار وقتلوك بالصليب،.

فجعلتني موضوع سرور الآب!

لك المجد أيها المصلوب محب البشر!

الباب الثاني.

الكنيسة والخلاص.

[مز 42مز 72].

الكنيسة والخلاص.

[مز 42مز 72].

القسم الأول (مز 1مز 41) هو تجميع لمزامير تتحدث عن حالة الإنسان: حياته المطوّبة وسقوطه ثم تجديده بعمل الله مخلصه الذي يرد إليه الحياة الفردوسية المتهللة المفقودة. وهو في هذا يماثل سفر التكوين[795]. أما القسم الثاني (مز 42 - مز 50) فيماثل سفر الخروج حيث ظهر شعب الله الذي يدخل في ميثاق معه خلال دم الحمل (خر 12)، لهذا جاءت مزامير هذا القسم تتحدث عن "الكنيسة والخلاص".

في الأصحاح الأول من سفر الخروج نرى الشعب مُستعبدًا في أرض غريبة، بعيدًا عن أرض الموعد. كان شعبًا متألمًا، يئن وينوح كلما هوى عليه سوط مُسخِره ومضطهِده. وكانت الضيقة تتزايد مع الزمن وتقسوا جدًا، وصارت الأبواب كأنها قد أُغلقت تمامًا، ولا يوجد منفذ للخلاص. لكن في الوقت المناسب سمع الله أنينهم وصراخهم، وقام يدافع عنهم بيده القوية، مخلصًا إياهم من بيت العبودية، بينما هلك أعداؤهم في البحر الأحمر.

يبدأ هذا القسم بصرخة مُرّة تصدر عن أعماق الضغطة (مز 42 – 49)، لينتهي بإعلان مُلك الله على شعبه المتعبد له حيث يُقال: "ويسود من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي المسكونة... ويسجد له جميع ملوك الأرض، وكل الأمم تتعبد له" (مز 72). يملك ملك الملوك على شعبه الذين صاروا ملوك الأرض، أي أصحاب سلطان على أجسادهم التي تتقدس فتُحسب أرض الرب. أما طريق المجد الملوكي فهو التوبة، لهذا يُقدم لنا هذا القسم الكثير من المزامير التي تتحدث عن التوبة والاعتراف، أبرزها مزمور التوبة الأمثل 51 (50 LXX) الذي نترنم به في مقدمة كل صلاة او تسبحة من صلوات السواعي (الأجبية)؛ كما يصلي به الكاهن مع الشعب في أغلب الصلوات الليتورجية (الجماعية).

يكشف هذا القسم عن جمال الكنيسة المتمتعة بالخلاص كعروس مزينة لعريسها الأبرع جمالاً من بني البشر (مز 45 "44").

وقد تجمعت مزامير هذا القسم من مصادر متنوعة:

1. أبناء قورح (مز 42، 44 - 49)، وهم عائلة من حارسي الأبواب الرسميين ومن الموسيقيين (1 أي 9: 17 - 19، 26: 19)، ربما كانوا تلاميذ قورح وليس بالضرورة من عائلته[796]. يرى البعض أن كلمة "قورح Core" ربما تعني "أقرع" أو "أصلع" [797]. ويرى القديسان أغسطينوس وجيروم إنها تعادل كلمة "Calvaria" [798] أي "الجمجمة" أو الموضع الذي صُلب فيه السيد المسيح. فأبناء قورح هم أبناء العريس المصلوب، القادرون أن يسحقوا رأس الحية القديمة بالصليب. ويحطمون الموت، وينعموا ببهجة القيامة. بمعنى آخر المسيحيون كأبناء قورح الحقيقي يمارسون الحياة المُقامة التي لا تعرف إلا الشكر والتسبيح لله مخلصهم.

2. آساف (مز 50) الذي أسس فرقة موسيقية أخرى للهيكل. ربما كان لقبًا لقادة الموسيقيين أو لمنظمي الخورس في أيام داود وسليمان (1 أي 16: 4، 5؛ 2 أي 5: 21) [799]. وكلمة "آساف" تعني "محصَّل" أو "يهوه يجمع"، ويرى القديس أغسطينوس أنها تعني "المجمع". فإن كان المجمع اليهودي هو المسئول عن صلب السيد المسيح، لكنه حفظ لنا النبوات التي تشهد للسيد المسيح الذي هو تسبيحنا وفرحنا.

3. داود النبي والملك (مز 51 - 65، 68 - 10)، رجل الصلاة والتسبيح؛ يمثل الكنيسة الملكة التي تجد كل لذتها في عريسها الملك، تلتصق به، وتسبحه بلا انقطاع.

4. سليمان (مز 72) يشير إلى الكنيسة الحاملة سلام الله الفائق.

5. توجد ثلاثة مزامير بدون أسماء (مز 66، 67، 71)، تمثل دعوة موجهة نحو كل نفس للتمتع بالعضوية الكنيسة المتهللة، حتى وإن لم يعرفها أحد من البشر بالاسم.


[785] Plumer, p. 486.

[786] المؤلف: الحب الأخوي، 1964، ص 177، 178.

[787] القمص بيشوي كامل: تأملات في المزامير، 1982، ص 355.

[788] الحب الأخوي، ص 150.

[789] المرجع السابق، ص 150 - 153.

[790] Treatise 8: 5.

[791] الحب الأخوي، ص 164.

[792] المرجع السابق، ص 168.

[793] المرجع السابق، ص 160.

[794] Sermon 59: 5.

[795] راجع ص.

[796] راجع ص.

[797] John L. Mckenzie: Dictionary of the Bible, 1972, p. 488.

[798] On Ps. 42.

[799] راجع ص.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

المزمور الثاني والأربعون - سفر المزامير - القمص تادرس يعقوب ملطي

المزمور الأربعون - سفر المزامير - القمص تادرس يعقوب ملطي