انطلاق الروح – إنطلاق الروح – البابا شنودة الثالث

انطلاق الروح

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 2
.

التحرر من القيود

رواسب وقيود:

لست أعنى انطلاق الروح من الجسد، ذلك المعنى الذى قصده سمعان الشيخ حين قال: ((الآن يارب أطلق عبدك بسلام حسب قولك...)) انما أعنى انطلاق الروح وهى ما تزال فى الجسد، انطلاقها من كل ما يحيطها من رباطات وقيود، حين يبدأ السلام الكامل ويعيش الإنسان فى حرية أولاد الله.

أترى يا أخى العزيز الطفل بعد عماده وروحه حرة طليقة كما أوجدها الله فيه، ثم أتعرف ماذا حدث لها؟! لقد أرسب عليها العالم والعرف والبيئة رواسب عدة، وتقيدت من جراء ذلك وغيره بقيود كثيرة تعوق انطلاقها الى حيث تريد أن تذهب لتتحد بالله وتثبت فيه. وكل ما يبحث عنه أولاد الله هو انطلاق الروح من كل هذا: انطلاقها من قيود العالم والبيئة، وانطلاقها أيضاً من قيود الحس والحكمة البشرية..

وهنا التفت الأب الراهب وقال: هل يحسب البعض أن السيد المسيح عندما قال: ((ان لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال لن تدخلوا ملكوت السموات)) كان يقصد ((ان لم تصغروا وتصيروا مثل الأطفال...)) كلا. بل كان يود أن يقول: ((ان لم تكبروا فى الروح جداً حتى تصيروا مثل الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات)).

قيود الحس:

وقف أمام القديس مقاريوس الكبير راهب حاربه البر الذاتى حتى ظن أنه تخلص من الزنا وحب المال والغضب، فسأله الأب القديس عما يشعر به إذا رأى امرأة: فقال أعرف أنها امرأة ولكنى أهرب لئلا اشتهيها. فسأله أيضاً عن شعوره إذا رأى مالا ملقى فى الصحراء، أيستطيع أن يفرق بينه وبين الحصى، فأجاب بأنه يستطيع ذلك ولكنه يمنع نفسه من محبة المال، وسأله القديس ثالثاً عن شعوره اذا اهانه أحد، فأجاب بأنه يحس أنه أهين ولكنه لا يبيت الغيظ فى قلبه. وهنا التفت القديس الى الراهب وأخبره أنه ما يزال تحت الآلام، وأنه فى حاجة الى جهاد أكثر، وبدأ يعظه..

انها قيود الحس يا صديقى القارئ التى تجعل المرء يفرق بين الرجل والمرأة المتقدمة فى السن والفتاة الشابة، وبين الفتاة ((الجميلة)) و ((غير الجميلة)).

انها قيود الحس أيضاً التى تجعله يفرق بين النقود والحصى.. وماذا إذن عن الاهانة والمديح؟

ذهب أحد الرهبان الى القديس مقاريوس وطلب منه نصيحة، فأمره القديس ان يذهب ويمدح الموتى فذهب ومدحهم فلم يرد عليه منهم أحد، فأمره القديس أن يذهب ويشتد عليهم فى القول، ففعل ذلك فلم يرد عليه أحد.

فقال القديس للراهب: وهكذا أنت ما دمت قد مت عن العالم فيجب أن تشبه هؤلاء الموتى، لا تتأثر فى شئ، وانما سيان عندك ان مدحك الناس أو ذموك..

وفى احدى المرات أحضر أحد الأثرياء هبة مالية الى الدير لتفرق على الرهبان، ولكى يقدم رئيس الدير لهذا الثرى عظة عملية، وضع المال جانباً وأمر بدق الناقوس فاجتمع الرهبان، فطلب اليهم الأب الرئيس أن يصنعوا محبة ويأخذوا ما يحتاجونه من هذا المال، ولما نظر الرهبان الى الذهب كما ينظرون الى الحصى ولم يأخذ أحد منهم شيئاً رغم الألحاح الشديد، تأثر الرجل الثرى جداً، وطلب أن يترهب..

أن العالم يا أخى الحبيب والجسد أيضاً قد أرسب على احساساتنا رواسب عديدة كان من نتائجها أن أشياء عالمية كثيرة مادية وجسدية أصبحت تبدو لنا فى صورة أجمل من غيرها وأكثر جاذبية وأعمق أثراً فى النفس. وعندما تسمو الروح، وعندما تنطلق الى حد ما مما يعرقل طريقها من القيود، عند ذلك سيرقى احساسها جداً، أو قل ستنطلق من الحس العالمى، وتفهم الأمور بإدراك آخر روحى.

هل اذا طال بك السفر بعيداً عن أسرتك، ثم قابلتهم بعد هذا الفراق الطويل فعانقوك فى محبة وفى شوق زائد، هل وسط تلك المحبة التى سبحت فيها روحك، ستحس أن أباك الرجل يختلف عن أمك المرأة، وأخيك الفتى، وأختك الفتاة. وهل عامل الانقاذ فى الحرائق أو حوادث الغرق يحس أن الجسم الذى يحمله منقذا إياه من الهلاك، هو جسم فتى أو فتات، او رجل او امرأة؟! كلا بل أؤكد لك أنه لو أحس شيئاً من هذا العرض نفسه للموت هو ومن يعمل على أنقاذه.

ألا ترى اذن أن الروح تسمو على الحس، وأن هناك أوقات يتعطل فيها الحس كلياً أو جزئياً لانهماك الروح فيما هو أعظم؟.. وهكذا أنت فى حياتك الروحية عليك أن تتخلص بقدر الإمكان من قيود الحس. وعندئذ ستنظر الى الأمور بمنظار آخر: سوف لا تحاربك الشهوة، شهوة العين أو شهوة الجسد أو شهوة المال أو شهوة النساء أو تعظم المعيشة. بل تكون كملائكة الله فى السماء، تنظر الى كل شئ بتلك ((النظرة البسيطة)) التى قال عنها السيد المسيح فى عظته على الجبل: ((إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً))... (متى 6: 22).

على أن هذه الأفكار لم تكن موضوع الحديث بين أبى الراهب وبينى، فقد كنا نتكلم فيما هو أعمق من هذا، فى موقف الحس عند تفهم الإلهيات والتأمل فيها: ان الإحساس الجسدي جسدى ومحدود لذلك فهو لا يستطيع أن يفحص الله الروح غير المحدود. ثم ان الحس البشرى عرضة للخطأ، وكثيراً ما يخطئ فى التمييز بين الخطأ والصواب.

لقد رجع التلاميذ الى السيد المسيح فرحين وقالوا له: ((حتى الشياطين أيضاً تخضع لنا باسمك)) فرد عليهم السيد: ((لا تفرحوا بهذا)) (لو 10: 20، 17) إذ أن احساسهم كان خاطئاً.

أنظر أيضاً الى القاتل الذى ثأر لنفسه أو انتقم لشرفه، ألا يغمره احساسى بالرضى كأنه أتى عملاً جليلاً. انه حس خاطئ. وأنت كذلك يا أخى المحبوب قد تراودك فى صلواتك وأصومك وخلواتك وتأملاتك احساسات كثيرة: امتحنها جيداً فقد تكون احساسات بشرية غير سليمة... وحاول أن تطلق روحك من قيود الحس.

بقى أن أقول لك الإحساس بالعالم وموجوداته يتعطل عند الاستغراق فى الإلهيات. كانت حنة تصلى فى الهيكل. وكانت منسكبة النفس أمام الله فلم تشعر بما يدور حولها حتى أن عالمى الكاهن حسبها سكرى فقال لها: ((الى متى تسكرين. قومى انزعي خمرك عنك)). (1 صم 1: 14، 13).

وهكذا أنت: ان كنت منصرفاً بكليتك الى الصلاة أو التأمل فسوف لا تشعر اطلاقاً بما يدور حولك. قد يتكلم البعض الى جوارك وقد تقوم ضجة. وقد تتهادى مناظر كثيرة، وأنت لا تدرى عن كل ذلك شيئاً لأنك منهمك فى أمور أخرى فى عالم الروح. ان حسك معطل نسبياً لأن روحك هى التى تعمل. هل يقول البعض عن هذا انه اختطاف الروح؟ لا أدرى، ولكنى أعلم أن القديس يوحنا القصير كانت تمر عليه فى تأملاته فترات يتكلم فيها الناس اليه فلا يسمع صوتهم ولا يدرى ماذا يقولون، ويسأله السائل مرة أخرى فيجيبه القديس ((ماذا تريد يا ابنى؟)) ويكرر السائل طلبه ولا يسمعه القديس أيضاً. لأن روحه منشغلة بأشياء أخرى أهم وأعمق وألصق بالسمع والذاكرة. وكانوا يسألونه أحياناً أسئلة فيجيبهم عنها بتأملات لاهوتية لا علاقة لها بما يسألون عنه، لأنه لم يسمع ما قالوه. كانت روحه منطلقة من الحس..

الانطلاق من ((الحكمة البشري)) ايضاً:

والآن، ماذا أقول؟ هل أقول أن تنطلق الروح من نطاق الحكمة البشرية أيضاً؟ يخيل الى أننى أود أن أقول هذا ((ألم يجهل الله حكمة العالم)) ((لأن الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة)) ((لأن حكمة هذا العالم هى جهالة عند الله)) لأنه مكتوب ((الآخذ الحكماء بمكرهم)) (1 كو 1: 20، 3: 19، 20).

على الرغم من أن العقل البشرى – منذ وجوده – قاصر ومحدود، إلا أنه كان فى حالة أفضل يوم خلق الله العالم ونظر الى كل ما عمله فاذا هو حسن جداً... ولكن الخطية والعالم وما ورثناه عن القدامى من أفكار وأبحاث وخبرات وعادات وتقاليد ونظم وشكليات. كل ذلك أرسب على العقل البشرى رواسب كثيرة حتى أصبح – زيادة على قصوره – معرضاً للخطأ فى كثير من أحكامه. وهكذا لا يستطيع وحده أن يفهم الله أو يفحصه، والذين يظنون أنهم حكماء وعقلاء، ويعتمدون على حكمتهم، وعقلهم هم أبعد الأشخاص عن الروحيات والإلهيات. وهكذا قال معلمنا بولس الرسول: ((وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل من الله... لا بأقوال تعلمها حكمة انسانية بل بما يعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات)) (1 كو 2: 13، 12، 4).

ارأيت يا أخى الحبيب بطلان الحكمة البشرية... فهل يلغى الله الحكمة على وجه العموم، كلا. بل يؤيدها. وهكذا يقول معلمنا بولس فى نفس رسالته: ((لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله فى سر)).

لذلك اذا أردت لروحك أن تفهم مقاصد الله، فأطلقها أولا من حكمتك البشرية، وقف أمام الله جاهلاً فارغاً من كل علم وفهم، حينئذ ستمتلئ بالمعرفة، المعرفة الروحية الكاملة، وليست المعرفة البشرية القاصرة ((لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله)) أليس هذا ما يعنيه معلمنا بولس الرسول إذ يقول: ((إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيماً)). (1 كو 3: 18).

تقدم الى السيد المسيح رجل ذو يد يابسة بطلب الشفاء، فأمر أن يمد يده فمدها فصارت سليمة (متى 12: 13، 10). وتؤخذ هذه الحادثة دليلاً على قدرة السيد وهذا صحيح، ولكن لها وجهاً آخر وهو تحطيم نطاق الحكمة البشرية. لو كان هذا الرجل متمسكاً بالحكمة البشرية لجادل السيد في الأمر: ((كيف أمد يدا يابسة؟ هل اليد اليابسة تمتد. ولو كانت تمتد فما حاجتى الى الشفاء؟ اشفنى أولا ثم أمدها)) اما هذا الرجل فصار جاهلاً لكى يصير حكيماً. فتجاهل الحكمة البشرية التي لا تؤمن بامتداد اليد اليابسة. والتي لا تؤمن لا بانتقال الجبل من موضعه، ولا بمشى الرجل على الماء، ولا بعدم التفكير فى الغد...

إنها الحكمة البشرية التى جعلت الناس يضعون الله تحت المجهر هو وصفاته وتعاليمه!. وهي ((الحكمة)) التى جعلت البعض يقبلون من الانجيل ومن قوانين الكنيسة ما يرونه بأفكارهم صحيحاً ويرفضون ما لا يتفق ومنطقهم العقلى...

أما أولاد الله فيتناولون كل شئ، ببساطة وبغير تعقيد: تريدنا يا رب أن نمشى فى البحر الأحمر؟ سنمشى إذن لأنك لابد تشق لنا فيه طريقاً فلا نغرق.

هناك أسطورة تقول أن البحر الأحمر لم ينشق عندما ضربه موسى بعصاه، وإنما انشق حالماً رفع أول رجل قدمه ليضعها في الماء: إنها مجرد أسطورة ولكنها تحمل فى طياتها معنى سامياً من معانى الروح.

أود أن أخبرك الآن أن الروحيات فى الصحراء والجبل لها طابعها الذى يختلف عن طابع الروحيات فى المدينة، فمن أهم القيود التى تتعب العابد فى المدن:

نطاق الجدران الأربع

ولقد جربت هذا بنفسي، كنت منذ سنوات فى معسكر فى الماظه وهى بقعة صحراوية تقع على بعد أميال من ضاحية مصر الجديدة. وكنت متعودا انا وأحد اخوتى من مدارس الأحد أن نصعد على أعلى رابية فى تلك الصحراء لنقضى وقتاً فى الصلاة والتأمل. وكانت مصر الجديدة، تلك الضاحية الفخمة فى مبانيها وشوارعها وتنظيمها وسكانها أيضاً، تظهر لنا على بعد كشئ ضئيل تافه على مرمى النظر فى خط الأفق. ولم يكن يبدو منها غير بعض أضواء بسيطة: لعاملين بسيطين هما عامل البعد وعامل الارتفاع. وكنا نشعر أن روح كل منا انطلقت من احترام الطول والعرض والارتفاع، والفخامة والضخامة. والتنميق والتزويق، وتساوى أمامها القصر العالمى والبيت الصغير، اذ لا يبدو شيء من كليهما. بل كنا نشعر بسعادة ولذة روحية ونحن جالسان على الرمل فوق تلك الرابية المرتفعة، سعادة لم نجدها فى المدن فى يوم من الأيام.

وفى عطلة من المعسكر رجعنا الى القاهرة واقول لك الحق يا أخى الحبيب اننى انزعجت من هذه العاصمة الصاخبة. وكنت أسير فى الشوارع وفى رأسي وأذني بركان ثائر من ضجيج الناس وصوت السيارات والترام ووسائل المواصلات المتعددة. وعرفت وسط هذا الصخب أننى لست بقادر أن أفكر تفكيرا منتظماً مرتباً متلاحقاً، كما كنت أفعل فوق الرابية المرتفعة.

وعندما أغلقت على باب مخدعى ووقفت للصلاة. لم أستطع أن أصلى، كانت الجدران الأربع التى للغرفة بمثابة حاجز منيع يفصلنى عن التمتع بالله. وأقول لك فى صراحة اننى خرجت من غرفتى دون أن أصلى وسرت بعيداً بعيداً أبحث عن فضاء هادئ مرتفع لا أرى فيه أمامى الأبنية والمنشآت، وتصغر فيه نواحى العمران والمدنية، وبعد حوالى الساعة من السير وجدت مكاناً فيه شئ ضئيل مما أطلب، وهكذا رجعت الى منزلى ضيق النفس مشتاقاً الى رابيتى المرتفعة مرة أخرى...

وانقضت أشهر المعسكر ورجعنا الى العاصمة، ووجدت نفسى مضطراً الى تعود الصلاة بين الجدران الأربع. ولكن ذكريات تلك الرابية المرتفعة ما زالت خالدة أمام عينى حتى اليوم، ولكن أحصل على جانب من التعويض كنت – بعد أن انتهى من درسى فى مدارس الأحد، أصعد واخوتى الشبان الى سطح الكنيسة المرتفعة لنلقى نظرة على القاهرة، فنراها أيضاً فى ظلمة المساء شيئاً ضئيلاً لا تبدو منه غير أشباع أبنية تلمع فيها تلك النقط البيضاء المضيئة.

ان روحك يا أخى الحبيب تود أن تنطلق هى أيضاً كالطير من غصن الى غصن. تود أن تصير كالملائكة الذين يسبحون فى السماء بغير روابط أو قيود. وان لم تستطع هذا باستمرار، فلا أقل من تهيئة فرص لها فى بعض المناسبات...

ان هذا يجعلنى أتخيل التأمل أغزر وأوفر بالنسبة إلى البحار والفلاح وساكن الجبل وساكن الصحراء. ويخيل الى أننا سنصير كذلك عندما نتخلص من نطاق الجسد ونصعد الى فوق، حيث الله والملائكة والقديسين.

وقد تناولت هذا الموضوع مع أبى الراهب، فحدثني عن اختبار روحى آخر، حكى لى كيف انفرد فى قلايته ثمانية وعشرين يوماً فى مستهل حياته الرهبانية. قابعاً بين الجدران الأربع، لا يرى انساناً ولا يتصل بإنسان، مجاهدا فى صراع عنيف بينه وبين الله ونفسه، وكيف كانت تلك الحقبة من الزمن فترة ((غربلة)) قاسية لنفسه، استطاعت فيها الروح أن تنطلق شيئاً فشيئاً من قيودها الكثيرة الى الله، وتغتصب منه الوعود اغتصاباً...

وبعد ذلك خرج الراهب من قلايته وقد تساوت أمامه الجدران واللاجدران...

وهنا أقدم لك فى هذا الموضوع مرحلة من مراحل الروحانية أسمى وأعمق. كانت المرحلة الأولى هى التبرم بالجدران الأربع، أما هذه فهى مرحلة عدم الاحساس بالجدران الأربع، حيث تجلس فى غرفتك، وتستغرق فى صلاتك أو تأملاتك أو قراءتك، حتى لا تعود تشعر بكل ما حولك، وإنما تعيش فى عالم آخر يسمو على الحس، لا تعرف فيه هل أنت فى غرفتك أم فى فضاء الدير، هل قلايتك لها جدارن أم ليس لها، بل أقول أنك فى تلك الحالة لا تستطيع أن تميز هل انتقلت وأنت على الأرض الى السماء؟ بل دعنى أهمس فى أذنك يا أخى الحبيب أن هناك أشخاصاً لم يستطيعوا أن يدركوا – فى حالات كهذه – هل هم فى الجسد أم خارج الجسد كما حدث للقديس بولس الرسول، وكما روى عن القديس يوحنا الاسيوطى والشيخ الروحانى أيضاً.

يتدرج بى هذا الموضوع، موضوع انطلاق الروح من المكان، الى تأمل آخر متعلق به وهو ((الرؤى)).

سمعنا فى هذا الأمر من قبل عن اختبارات القديسين يوحنا الحبيب والقديس بولس الرسول، ويعوزنا الوقت ان استرجعنا اختبارات الأنبا أنطونيوس والأنبا شنوده وغيرهما من القديسين الذين انطلقوا من أماكنهم وعاشوا بالروح فى أجواء وبيئات أخرى، رأوا فيها أشياء عجيبة لا ينطق بها.

إنما أذكر هنا قصة رواها لى أحد أخوتنا الأحباء عن كاهن ممتلئ بالروح كان واقفاً يصلى فى المذبح فلما وصل فى صلاته الى عبارة ((ورفع نظره الى فوق...)) رفع نظره هو أيضاً، وسادت الكنيسة فترة من الصمت العميق، ومرت دقيقة ودقيقتان ودقائق كثيرة والكاهن القديس ناظر فى صمت الى فوق فى دهشة وذهول، وطال الوقت جداً والشعب يتأمل كاهنه المبارك في صمت، وبعد فترة أخفض الكاهن بصره، وأكمل صلاته فى عمق وحرارة دون أن يحس فترة الصمت التى مرت به. ولما أخبره أحد خواصه – بعد القداس – بما حدث وطلب منه إيضاح الأمر، اضطرب ولم يجب، ولما كثر عليه الإلحاح قال أنه نظر الى فوق فإذا بالكنيسة وكأنها بلا قبة ولا سقف، واذا به يتأمل سلماً طويلاً يصل المذبح بالسماء. فتأمله لحيظات كأنها جزء من الدقيقة ثم أكمل صلاته..

يتحدثون بعد ذلك عن الرهبنة كطريق الى الخدمة. وما أدرى الرهبنة الا طريقاً الى السماء تساعد فيه الخلوة والتأملات والجهاد المستمر على دوام انطلاق الروح حتى تتحد بالله.

يخيل الى يا أخى الحبيب أن هناك أشياء أخرى لأقولها لك فى هذا الموضوع.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 3
.

لم أكن فى هذه المرة سائرا فى الصحراء ولا جالساً على عتبة الدير، وانما كنت مع أبى الراهب أمام مغارته في الجبل، نتابع حديثنا الماضى عمن هو:

أعظم من السماء والأرض

الروح التى تود أن تنطلق يا أخى الحبيب هى الروح التى تدرك تماماً قدر ذاتها، والتى تعرف أنها عظيمة بهذا المقدار كله، وانها أكبر وأكبر جدا من أن يذلها الجسد أو تذلها البيئة أو يذلها الشياطين.

ولكى أعطيك فكرة عن هذا الأمر، يليق بنا جداً يا حبيب الله أن نبحث الأمر معاً، ونتذكر الماضى والحاضر والمستقبل أيضاً، حتى ندرك أية قوة مخبأة فينا ونحن لا ندرى. نتذكر أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذى خلق على صورة الله ومثاله[3] (1)، فان طلب إليك أن تعرف ذاتك، فقل فى قوة وثقة ((أنا صورة الله)).

وأنت – كصورة الله – قد كتب لك الخلود. فمن المحال أن تفنى. وهل يعقل أن يفنى شخص على مثال الله الخالد؟! اذن فأنت أعظم من الجبل الشامخ ومن البحر الخضم. أعظم من الشمس الملتهبة ومن القمر المضئ. أعظم من الصحراء الواسعة ومن السهل الفسيح. أعظم من الذرة المحطمة ومن كل قوات الطبيعة على الإطلاق. فكل هذه الأشياء تزول، لأن السماء والأرض تزولان كما يقول الكتاب[4] (2). وأما أنت فلك الحياة الآبدية كما وعدك السيد المسيح[5] (3) أنت انت يا صورة الله.

انت ملك الأرض وما عليها:

أنت يا أخى العظيم المخلوق الالهى الوحيد، أنت – من دون الأرض وما تحتها وما عليها – المخلوق الذى أعطاه الله – كما أعطى الملائكة – موهبة العقل وموهبة النطق، والذى أعطى أن يعرف الله ويتعبد له. أنت الذى جعل الله مسرته فيك، وهذه الطبيعة كلها التى تظنها أحياناً اعظم منك، ما خلقها الله إلا لتكون فى خدمتك، فتسخرها جميعاً حسب ارادتك ووفق سلطانك..

وهكذا خلق الله أولاً كل شئ، ثم أوجدك اخيراً، لتكون ملكاً على كل ما خلقه من قبل، تكون ملكاً على طيور السماء وسمك البحر وحيوانات البرية وعلى كل الأرض[6] (4)، أنت يا من تستضعف ذاتك وتخاف من الصقر والحوت والأسد وأشباهها، من عبيدك الضعفاء الذين كانوا فى خدمتك فى يوم ما..

لا تظن أنك كنت هكذا قبل الخطيئة فقط، إنما كان الأبرار فى كل العصور لهم هذه الهيبة وهذا السلطان أيضاً: ان شمشمون قاضى اسرائيل ضرب الشبل بيده فوقع صريعاً، ودانيال كان فى جب الأسود ولم تضره الأسود فى شئ، ويونان ابتلعه الحوت وأخرجه دون أن يقوى على ايذائه، والثلاثة الفتية دخلوا فى أتون النار فكانت النار برداً وسلاماً.. ومثل هذا يقال فى العهد الجديد أيضاً على القديس مرقص وأسده، وعلى القديس بولس الذى نشبت أفعى كبيرة فى يده فنفضها إلى النار ولم يتضرر بشيء ردئ حتى تعجب الناس وقالوا ((هو اله)) [7] (5) انه أنت الذى أعطيت سلطاناً أن تدوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو[8] (6).

أه يا أخى الحبيب لو عرفت قدر روحك، هذه التى تحبسها بخطيئتك فى سجن من الذلة والجبن والخوف، وهى – من وراء قضبان سجنك – تتطلع الى مجدها السالف وتود انطلاقاً، لو سمحت أنت لها.

أنت المخلوق الألهى:

أنت ((يا جبار البأس، مخلوق الهى، أنت الذى قال له الله الابن أثبت فى وأنا فيك كما يثبت الغصن فى الكرمة[9] (7). أنت الذى يقرع الله على بابك ويود أن تفتح له فيدخل ويتعشى معك وأنت معه وعندك يصنع منزلاً[10] (8).

أنت صورة الله التى تحمل صفاته: أنظر إلى السيد المسيح له المجد يقول عن نفسه: ((أنا نور العالم)) ثم يقول لك ولاخوتك معك ((أنتم نور العالم)) [11] (9).

أنت الذى طلب منه أن يسعى ليصير مثل الله، كما يظهر من قول السيد له المجد ((كونوا كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل)). انت الشخص الذى وجد الله لذة فى أن يدعوه ابنه.

أنت الذى صب الرب ماء وغسل رجليك ومسحهما بالمنشفة التى كان متزراً بها.

أنت الذى قال الرسول عن أعضاء جسدك انها أعضاء المسيح[12] (10)..!

أنت الوحيد الذى قيل عنك أنك هيكل الله وروح الله يسكن فيك[13] (11)..!

أنت الذى تشتهى الملائكة أن تكون مثلك، يا من أنت وحدك تتناول جسد الرب ودمه الطاهرين، يا من قال أنه يريدك أن تكون واحداً فيه وفى الآب[14] (12).

أنت الذي تخدمه الملائكة:

ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم[15] (13). ألم تر يا أخي المحبوب كيف أرسل الرب ملاكين لإنقاذ لوط من سدوم، وكيف أرسل ملاكه فسد أفواه الأسود أمام دانيال، وكيف قال أليشع لتلميذه: ((لا تخف لأن الذين معنا أكثر من الذين علينا... وفتح الرب عينى الغلام فأبصر واذا الجبل مملوء خيلا ومركبات نار[16] (14))) وكيف أحضر ملاك الرب طعاماً لايليا وهو نائم تحت الرتمة فقام ايليا وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يوماً[17] (15) وكيف حمل ملاك الرب حبقوق ليقدم طعاماً لدانيال فى الجب[18] (16)..

ويعوزني الوقت أن أحدثك يا حبيب الرب عن الخدمات التى قدمها الملائكة لك ولاخوتك، وعن اهتمامهم بك، وشفاعتهم فيك. انك مخلوق مهم.

أنت الذى دعيت الها:

أنت يا أخى المحبوب الشخص الذى دعى الها من الله والناس، ((ألم أقل أنكم الهة، وبنى العلى تدعون[19] (17) وقال الله من قبل لموسى ((أنا جعلتك الها لفرعون[20] (18))). ليس المقصود طبعاً الألوهة كالله، وانما السيادة.

وأياً كان معنى هاتين العبارتين فانهما تدلان بلا شك على المكانة الكبرى التى لك عند الله يا أخى الحبيب.

انت تحل وتربط فى السماء:

إن كان مما يرفع قدرك جداً أن يذهب السيد المسيح بنفسه ليعد لك مكاناً عند الآب فى السماء، ثم يأتى ويأخذك اليه قائلاً لك: ((تعال يا مباركى أبى رث الملك المعد لك منذ إنشاء العالم)) أفليس بالأكثر تعلو نفسك فى مقدارها علوا عندما يضع الله فى يديك مفاتيح السموات، ويقول لك: ماحللته على الأرض يكون محلولاً فى السماء وما ربطته على الأرض يكون مربوطاً فى السماء، بل أكثر من هذا يعطيك سلطان الغفران والاغفران[21] (19). يعطى كل هذا لك أنت أيها الانسان، يا صورة الله ومثاله، بل يا من ظهر الله فى شكله وأخذ جسداً مثله، ناسوته لم يفارق لاهوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.

أنت صديق الله:

تذكر أن الله – تسامت حكمته – قبل أن يحرق سدوم وعمورة يقول: ((هل أخفى عن إبراهيم ما أنا فاعله. وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية ويتبارك به جميع أمم الأرض[22] (20)؟!. وهكذا يعلن الله مشيئته لصديقه إبراهيم، ويناقشه ابراهيم فى الأمر مناقشة فيها عتاب وفيها دالة وفيها جرأة ((أفتهلك البار مع الأثيم. حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر.. حاشا لك. أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً[23] (21)؟. هذه دالة. ليست مجرد كلام عبد لسيده، او مخلوق لخالقه، وإنما هى عبارات صديق يعرف مكانته عند صديقه.

وهو ذا موسى يفعل الأمر نفسه فى حديثه مع الله أيضاً عندما أراد الله افناء شعبه ((... الآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحنى من كتابك الذى كتبت[24] (22))).. دالة وصداقة من غير شك!!.

هل عرفت يا أخى قيمة روحك، ومقدار عظمتها أمام الله، أو تقبل بعد ذلك على كرامتك أن يعبث بك شيطان حقير، وقد أعطاك الله سلطان على جميع الشياطين؟! لا أظن ذلك.

كان مستغرقاً فى نومه

... كان مستغرقاً فى نومه حين همس الملاك فى أذنه ((إلى متى تعيش هكذا؟ ظلا لانسان آخر يتحكم فيك كما يشاء؟!.)) وكان الصوت مترفقاً نصوحا فلم يفزع ذلك النائم وإنما رد فى هدوء ((ماذا تعنى يا سيدي الملاك؟)) فأجابه الملاك ((أقصد أنك فى أفكارك وفى حياتك الروحية قد فقدت شخصيتك، وأصبحت تعيش بشخصية غيرك. هناك رجل آخر كبر فى عينى نفسه، ثم ظل يكبر فى عينيك أنت، حتى جعلته مثلك الأعلى تتبعه فى كل شئ: ترتفع معه ان ارتفع، وتسقط معه حيثما سقط، آراؤه آراؤك، وانحرافاته هى انحرافاتك، بل انك تدافع عن أفكاره أكثر مما يدافع هو عنها. وأنت تؤمن بمبادئ هذا ((السيد)) دون نقاش، يكفيك أن معبودك هذا قد نطق بها فى وقت ما)).

وأحس ذلك النائم أن كل ما قاله الملاك صحيح، ولكنه أراد توضيحاً لموقفه فقال: ((وهل من ضير يا سيدى الملاك فى أن أتبعه مادامت كل أفكاره سليمة ليس فيها شئ من الخطأ؟ فقال الملاك: ((ومن أدراك أن كل أفكاره سليمة؟ هل تؤمن بأن سيدك هذا معصوم من الخطأ؟ أليس من الجائز أن يخطئ كإنسان؟ وان أخطأ فكيف تعرف ذلك، مادمت لا تسمع الا أفكاره ولا تود أن تقبل غيرها؟ وما دام كل شخص يعارض أفكار هذا ((السيد)) هو فى نظرك شخص لا يصح أن تستمع اليه، وان استمعت فبروح الجدل، محاولاً أن ترد على كل فكرة وأن تنقضها دون أن تتفهمها لا لشئ إلا لأنها تعارض آراء سيدك!!)).

وفرك النائم عينيه فى خجل ليتحقق ما إذا كان صاحياً أم نائماً بينما استمر الملاك فى حديثه: ((ان روحك حبيسة تود أن تنطلق ولا تستطيع، لأنها مقيدة بقيود هذا الانسان... انه يعطيك من المعلومات ما يريدك هو أن تعلمه: يعلن لك ما يشاء من الحقائق، ويحبس عنك ما يشاء. وحتى المعلومات التى عندك من ذاتك، والتى تكتسبها عن غير طريقه، خاضعة هى أيضاً لمراجعته. أنك قد فقدت شخصيتك تماما. وأصبحت لا تتصرف من تلقاء نفسك. كلما حاقت بك مشكلة تستصرخ به لينقذك. وكلما عرض لك أمر من الأمور لا تحاول أن تبت فيه بحل حتى يجئ ((سيدك)) ويحله. وان تصرفت فى الأمر يستطيع أن يلغى تصرفك متى يشاء وكيف يشاء دون أن تعترض. إن أقصى ما يمكن أن تصل إليه فى حياتك هو أن تصبح صورة باهتة من هذا الإنسان. شخصيتك التى خلقك الله بها قد ضاعت، وشخصيته هو لن تستطيع أن تصل اليها تماماً. لأن الظروف الروحية والعقلية والاجتماعية التى كونتها هى غير ظروفك. وهكذا أراك تتأرجح فى وضع غير مستقر بين الحالتين)).

واستمع ذلك النائم الى كل هذه العبارات وهو يشعر أنها تمس صميم نفسه، بل انه فيما بينه وبين نفسه يحس أنه قد أصبح ضيق الصدر بسلطان ذلك ((السيد)).

وهكذا وجد الشجاعة فى أن يطلب الى الملاك أن يوجد له حلا فقال ((ولكن كيف أستطيع يا سيدى الملاك أن أناقش معلمى))؟ فأجاب الملاك: ((أقول لك – والقياس مع الفارق – أن الله يحب أن يكون أولاده أقوياء الشخصية حتى أنه كان يسمح لهم أن يناقشوه)). أنظر الى أرميا وهو يقول ((أبر انت يا رب من أن أخاصمك ولكنى أكلمك من جهة أحكامك، لماذا تنجح طريق الأشرار، اطمأن كل الغادرين غدراً)) (أر 12: 1) واستمع الى ابراهيم وهو يناقش الله تمجد اسمه ويقول له: ((حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر.. أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً؟)) (تك 18: 25) وانتقل معى أيضاً الى موسى وهو يكلم خالقه فوق الجبل بنفس الأسلوب فيقول له: ((ارجع عن حمو غضبك واندم عن الشر)) (خر 32: 12).

فقال النائم للملاك ((والآن ماذا تريد يا سيدى الملاك أن أفعل؟)) فأجابه الملاك ((أريد ألا تلقى قيادتك إلى انسان معين، وإنما استمع الى الكثيرين، وأقرأ للكثيرين، واستعرض ما تشاء من الآراء. وليكن لك روح الإفراز، فتميز الرأى السليم من الرأي الخاطئ، وتعتنق من كل ذلك ما يناسب حالتك أنت بالذات من جهة تكوينك الروحي والعقلي، وما يناسب ظروفك الاجتماعية والعملية، ويتناسب أيضاً مع سنك، عالماً أن هناك طرقاً كثيرة تؤدى الى الله، وقد يكون الطريق الذى صلح لغيرك غير الطريق الذى يصلح لك أنت بالذات، الطريق الذى اختاره لك الله – وليس الناس – دون غيره من الطرق.

.. ثم استيقظ النائم من نومه، ليرى نفسه انسانا جديدا، قد انطلقت روحه، حرة من كل قيد، تبحث عن الحق أينما وجد، ولا تؤمن بعبادة الأشخاص..

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 4
.

إعرف ذاتك

هل تود أن تكون كاملاً يا أخى الحبيب؟ وهل تريد أن تنطلق روحك انطلاقاً الى حيث لا قيود ولا حدود؟ اذن فعليك قبل كل شئ، أن تفرغ ذاتك من كل شئ: من كل ما أرسبه فوقك العالم من رغبات وعلوم وأحاسيس..

عليك أولاً أن تنكر ذاتك، وان تقف أمام الله كلا شئ. اعرف نفسك بالحقيقة، من أنت؟ ألست مجرد حفنة من تراب، من تراب الأرض...؟ بل أنت أقل من تراب. أنت عدم، لا شئ مر وقت لم تكن فيه موجوداً، ومع ذلك كان العالم عالماً، من غيرك. ثم كونك الله اذ لم تكن: خلق التراب أولاً، ثم خلقك من تراب. علام إذن ترتفع، ومن أنت حتى ترتفع؟ اخفض رأسك فى خجل وذلة. فأنت عدم. وقف أمام الله فى انكسار نفس وانسحاق روح ذاكراً أصلك القديم.

هل عرفت انك عدم؟ بل أصارحك أيضاً أنك أقل من عدم. فالعدم هو لا شئ ولا شئ خير من الخطية التى جلبها الانسان إذ أن ((تصور قلب الانسان شرير كل يوم)) (تك 6: 5).

فان وجدت فيك شيئاً صالحاً، تيقن تماماً أنه ليس منك، بل هو من الله الكلى الصلاح، والكامل القدوس وحده، لأنه ليس أحد صالحا إلا الله وحده (متى 19: 17). ان وجدت فيك شيئاً صالحاً فلا تنتفع ولا تتفاخر، ولا تحارب نفسك بالبر الذاتي، وانما ارجع المجد لله، لأنه هو المستحق وليس أنت، فالله هو الذى صنع الخير، لأنه صانع الخيرات، بل لأنه هو الخير ذاته، وهو الصلاح ذاته، وأنت بدونه فناء لا تستطيع أن تعمل شيئاً. فلا تسرق مجد الله وتنسبه لنفسك. قد تضئ كالقمر، ويزداد ضياؤك حتى تظهر بدرا، ولكن فى كل ذلك تذكر أن القمر هو كوكب مظلم يستمد نوره من الشمس، وليس فيه ضياء من ذاته، وان احتجبت عنه الشمس لا يظهر منه شئ لأنه مظلم بطبيعته. أترى يستطيع القمر أن يتحدث عن ((نوره)) أمام الشمس؟! هكذا أنت أيها الحبيب أمام الله.

أما أن وجدت فيك شرا فاعرف أنه منك، من الخطية الرابضة التى اشتقت اليها. وكنت تسود عليها فسادت عليك (تك4)، لأنه ليس شر من قبل الله. الله الذى لا يتفق الشر مع طبيعته والذى بعد أن عمل كل شئ بيديه الطاهرتين اللتين بلا عيب ولا دنس. ((نظر الى كل ما عمله فاذا هو حسن جداً)).

هل عرفت ذاتك يا أخى الحبيب؟ وهل أدركت أن إنكار الذات هو القاعدة الاساسية لعلاقتك مع الله؟ لست أقصد أن تعتبر ذاتك شيئاً تتواضع فتنكره، لأن ذاتك لا شيء، عدم وفناء.. ولست أحب أن استعمل كلمة ((تواضع)) لأن المتواضع هو الكائن الذى يتنازل من مكانه إلى درجة أقل ارتفاعاً وأدنى سموا. أما انسان حقير مثلى ومثلك، كان تراباً وعدما، مستحيل عليه أن يتواضع، اذ ليست له درجة حتى يرفضها، أو كرامة حتى يتخلى عنها. وليس هو مرتفعاً حتى ينزل، أو سامياً حتى يتضع. وانما كل ما أقصده من إنكار الذات يا أخى المحبوب هو أن تعرف ذاتك، فتدرك أنه لا قيمة لك على الاطلاق. وانما هو الله الذى يتحنن عليك فيهبك ان أحببته، شيئاً من مجده، الذى لا تستحقه، لولا رحمته لولا تواضعه هو وتنازله.

دعنا نتدارك إذن فنتأمل تلك الآية الجميلة التى تقول ((.. اختار الله جهال العالم ليخزى الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود لكى لا يفتخر كل ذى جسد أمامه)) (1 كو 1: 27 - 29).

فما معنى هذا؟ ألا يصلح لملكوت الله إلا الجهال والضعفاء والمحتقرون؟! كلا. فقد اختار الله قوماً مثقفين من أمثلة موسى وبولس وارسانيوس، كما اختار القديسين الفلاسفة اثيناغوراس وبنتينوس واوغسطينوس. واختار الله رجالا أقوياء مثل شمشون والقوى الأنبا موسى، واختار رجالا محترمين مثل داود الملك والأميرين مكسيموس ودوماديوس..

فكيف التوفيق بين الأمرين؟

ليس المقصود اذن أن الله لا يختار الا الجهال والضعفاء والمحتقرين، بل لعل المقصود هو أنه – تبارك اسمه – يختار الأشخاص الذين مهما بلغوا من علم أو قوة أو كرامة، يقفون أمامه كجهال وضعفاء محتقرين.

فهذا موسى الذى تهذب بكل حكمة المصريين. لم يرسله الله عندما كان واثقاً بنفسه، ومعتمداً على قوته البشرية. ولكنه دعاه عندما وصل الى درجة التى قال فيها ((من أنا حتى أذهب الى فرعون وحتى أخرج بنى اسرائيل من مصر.. لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك. بل أنا ثقيل الفم واللسان)) (خر 3: 11، 4: 10).

وهذا هو بولس الذى درس الناموس وتعلم تحت قدمى غمالائيل، لم يرسله الله الا عندما وصل الى الحالة التى يستطيع أن يقول فيها: ((... لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء. أين الحكيم. أين الكاتب. أين مباحث هذا الدهر. ألم يجهل الله حكمة هذا العالم... وأنا كنت عندكم فى ضعف وخوف ورعدة كثيرة وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة)) (1 كو4، 1: 3، 2، 19).

وأرسانيوس لم يجعله الله أباً ومرشدا، عندما كان معلما للأميرين أركاديوس وهونوريوس فى قصر أبيهما الامبراطور ثيئودسيوس. بل عندما تنقت روحه وأصبح فى إمكانه أن يقول عن نفسه: ((أن أرسانيوس معلم أولاد الملوك، الذى درس حكمة اليونان والرومان، لا يعرف الألفا فيتا التى يعرفها هذا المصرى الأمى)).

هل تظن يا أخى العابد أنك ستبنى ركنا فى الكنيسة بعلمك وثقافتك؟! يا لك من مسكين. الحق أقول لك ان لم تنطلق من اعتمادك على معرفتك فلن تصل الى الله، ولن يبارك الله لك فى خدمة لأنك ان نجحت فسوف ينسب الناس نجاحك الى ما وهبه لك العالم من شهادات وانجازات علمية، وهكذا يسلب من الله مجده ويعطى للعالم. الله – يا أخى المتعلم – قادر فى القرن العشرين أن يذهب الى البحيرة من جديد، ويختار صيادا جاهلا لكى يقيمه رسولا وكاروزا. فيعلم الناس خيرا منك. ان الله عندما شق البحر الأحمر لم يختر لذلك قضيبا من ذهب، وانما عصا بسيطة كانت توجد ملايين من مثيلاتها فى العالم.

فحاذر أن تظن فى نفسك أنك شئ، او أن تغتر بثقافة العالم. وحاذر – حتى فى حياتك الروحية الخاصة – أن تعتمد على معرفتك العالمية او الدينية او قراءتك الروحية أو خبراتك القديمة. وإنما كلما ازددت علما، وكلما تعمقت فى الروح، قف كل يوم أمام الله وأنت شاعر بجهلك وعجزك وأنت محتاج إليه ليرشدك، كمبتدئ مهما كنت قديم الأيام. قف أمامه وأنت شاعر بحاجتك الماسة اليه ليحميك من أضعف الشياطين. ومن أبسط الخطايا فى نظرك، ومن اتفه الزلات أمام عينيك.

ليكن لك هذا الشعور. لأنى رأيت كثيرين بعد أن قرأوا وكتبوا عن عمق الروحيات يسقطون فى خطايا المبتدئين... وأقول لك هذا أيضاً خوفاً من أن ثقتك بعلمك الروحى وخبرتك الروحية. تجعلك تعتمد على ذراعك البشرى، ((وملعون من يتكل على ذراع بشر)).

واعلم يا أخى الحبيب أن كل علم روحى أو عالمى لا يقودك الى حياة الانسحاق والى الشعور بالجهل، هو علم باطل وخداع للنفس، بل هو ضربة من الشيطان يصرفك بها عن أن تسأل وتطلب وتقرع الباب.. فاشعر يا أخى بجهلك إذ يقول الكتاب: ((إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم فى هذا الدهر، فليصر جاهلاً لكي يصير حكيماً)) (1كو 3: 18).

وكما أنه أمام الله يتساوى الحكيم والجاهل فى أنهما كليهما جاهلان وأن موت هذا كموت ذاك، ونسمة واحدة تهب على الاثنين كذلك أمام الله يتساوى الضعيف والقوى لأنهما كليهما ضعيفان، اذ ليست هناك قوة لأحد فى حضرة الله.

هل تعتقد يا صديقي أنك قوى؟ إذن فمن أين أتتك القوة؟ انها ليست من ذاتك طبعاً لأنك تراب ورماد، بل عدم وفناء. وهى ليست من كائن آخر غير الله، لأنه – تبارك اسمه – هو وحده القوى، ومنه تستمد كل قوة. فهل قوتك إذن من الله؟ ان كان الأمر كذلك فلماذا تفتخر؟ ولماذا تتصلف؟ ولماذا تستخدم قوة الله فى غير أعمال الله؟ اذن فان افتخر أحد فليفتخر بالرب. لأنه – تعالى فى مجده – مصدر كل شئ يدعو الى الفخار، وإن كنت أيها الانسان الضعيف بطبيعتك قويا بالله، فقل اذن كما قال الطوباوى بولس: ((فبكل سرور أفتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل على قوة المسيح. لذلك أسر فى الضعفات... لأنى حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى)). (2 كو 12: 10، 9).

الشخص الذى يعتقد فى نفسه أنه قوى لا يستخدمه الله. لأن الله يختار ضعفاء العالم ليخزى بهم الأقوياء، فحاذر من أن تثق بقوة مزعومة لك. لأن الخطية ((طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء)). وانما قل مع داود البار ((ارحمنى يارب فانى ضعيف، اشفني يا رب فإن عظامى قد اضطربت، ونفسي قد انزعجت جداً)). تأكد يا أخى من ضعفك، ليس لأنى قلت هذا دائماً لأنها الحقيقة الواضحة. ألم تسقط اليوم وتخطئ؟ ألم تخطئ أمس وقبلا من أمس؟ لست قوياً اذن، بل ضعيفاً ومثالاً للضعف. وستظل كذلك حتى تعترف بضعفك، وتسرع وتثبت فى الآب والآب فيك.

نصيحة أخرى أهمس بها فى أذنك: لا تجلس فى خلوتك وتظن أنك أقوى من الناس، وتستعرض المشروعات العظيمة التى يمكنك القيام بها لو أعطيت لك سلطة، أو لو كنت فى مكان الآخرين. انك لست قوياً يا أخى بهذا المقدار، وما هذه الاحلام اليقظة، أو لعله الغرور. أما أنت فضعيف، وربما لو كنت فى مكان أولئك الخطاة الذين تنتقدهم لأخطأت أكثر منهم، ولأظهرت ضعفاً أكثر من ضعفهم. ان كنت قد انتصرت فى الماضى أو تنتصر الآن، فسبب ذلك هو وجود الله معك، وليس السبب انك قوى. احتفظ اذن ببقاء الله معك عالماً أنه لن يرضى بالبقاء طالما أنت تعبد ذاتك بدلا منه.

واحد من اثنين يعمل في الميدان: اما الله واما انت. إن كنت تعتقد أن الله هو الذى يعمل، وانك لا شئ الى جواره، بل انك متفرج تنظر الى أعمال الله فى اعجاب، ان كنت تعتقد هذا فحسناً تفعل. أما ان كنت أنت الذى تعمل، وأن لك من القوة ما يكفل لك ذلك، فثق أن كل ما تعمله باطل هو، وستفشل فيه.

لست أقول هذا عن خدماتك واعمالك الخارجية، وانما عن صميم حياتك الروحية أيضاً، ان اعتقدت أنك أنت الذى تجاهد لترث الحياة الأبدية، فسوف تفشل فى جهادك. وان اعتقدت أن خطية ما لم يعد لها سلطان عليك، فقد تسقط فيها ولو بعد حين، ويكون سقوطك عظيماً...

ولكن الحل الصحيح هو أن تشعر بضعفك، فى أرض تنبت لك شوكاً وحسكا، أن تشعر بضعفك، أمام كل تجربة وكل خطية قائلاً مع المرنم: ((لولا أن الرب كان معنا ليقل اسرائيل، لولا أن الرب كان معنا حين قام الناس علينا لابتلعونا ونحن أحياء، عند سخط غضبهم علينا)) (مز123) وهكذا تصرخ الى الله، ثم تنظر كيف يحارب عنك وينتصر فتمجد الله وليس نفسك، لأن النصرة كانت من عنده.

واخيراً، أشعر أن هناك أشياء كثيرة لنتحدث عنها معاً فى هذا الموضوع، فاذكرنى يا أخى الحبيب فى صلاتك حتى نلتقى مرة أخرى ونكمل تأملنا، ان أحبت نعمة الرب وعشنا.

ذاتك ومديح الناس

كلمتك فى المرات السابقة عن انكار الذات، وما يزال هناك كثير أقوله لك فى هذا الموضوع حتى نصل سويا الى انطلاق الروح.

أتريد يا أخى أن تصل الى الله؟ أتحب أن تردد عبارة الطوباوى بولس ((لى اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل جداً)) اذن فانطلق أولا من ذاتك، من ذاتك التى تعبدها بدلا من الله وتحاول باستمرار أن تراها ممجدة معظمة امام الآخرين.

هل يمجدك العالم يا أخى الحبيب، وهل تقبل منه هذا التمجيد؟ يا لك من مسكين... ألست تعلم أن المجد لله وحده؟ لأنه خالق الكل ومصدر جميع الكائنات ولأنه الوحيد الواجب الوجود، والأزلى، والقادر على كل شئ، والمالئ كل مكان... ألست تعلم إذن أنك ان مجدت ذاتك، او مجدك الناس فإنما تسلب صفة من صفات الله. وتنسبها الى نفسك!! أهى التجربة التى حاربت أباك آدم، إذ لم يكتف بما وهبه الله من نعيم، بل أراد أن يكبر حتى يصير مثل الله؟

ومن أنت يا أخى حتى تتمجد؟! هل للتراب مجد، أو للرماد كرامة أو للعدم احترام وهيبة؟! ثم ألست خاطئاً مثلى، وإن كان الله قد سترك وأخفى عيوبك عن الناس – فهل للخاطئ مجد، وهل للضعيف كرامة؟ إذن لماذا تمجد نفسك، وأنت تعرف حقيقتك بكل ما فيها من خطايا ونقائص وعيوب...

هل تفعل هذا لأن الناس لم يعرفوا حقيقتك بعد، ولم يعلموا كل شئ من ماضيك، ولم يكتشفوا كل ضعفاتك، ولم تظهر أمامهم أخطاؤك؟ لماذا إذن تخدعهم وأنت تعلم؟ بل لماذا تخدع نفسك. والخداع لا يفيدك شيئاً؟؟ ألهذا الحد تستغل ستر الله وكتمانه حالتك عن الناس... أتوده إذن أن يعلن للآخرين أفكارك وأحاسيسك ورغباتك المكبوتة...!!

ثم لماذا تبحث عن مجد زائل، لا يصحبك بعد الموت، ولا يقف معك فى يوم الدينونة، أمام الديان العادل، الذى لا يتأثر في حكمه عليك برأي الناس فيك، لأن كل شئ مستور، هو عريان قدامه...

ألا يزال عزيز عندك مدح الناس؟ ألست تعرف أن مديحهم زائف: لأنه يكون أحياناً على سبيل المجاملة أو التشجيع أو التملق أو الخجل، كما أنهم حتى إن صدقوا وأخلصوا فهم انما يحكمون حسب الظاهر وليس فيهم من يقرأ فكرك، أو يعرف نياتك، أو يدخل إلى قلبك ليفحص ما فيه...

يا أخى الحبيب: اننى ولا شك قد اثقلت عليك بأفكار مجتمعة فهل تريد أن أقص عليك قصة، لتكن إذن قصة نبوخذ نصر (دا 4: 29 - 33): هل تعرف كيف نسب لنفسه مجدا زائلاً؟ وهل تعرف كيف كانت نهايته؟ إذن ليته يكون درساً لك...

أتراك تضايقت؟ سامح ضعفى، وأسلوبى الخشن فى التعبير. ولكن أهى عادتك باستمرار أن تتضايق من شخص يكلمك بصراحة؟ ولا يتملقك، ولا يستعمل معك ألفاظ التفخيم التى يستعملها الناس... لماذا؟... الأولى بك يا أخى العزيز أن تحب هذا الأسلوب، لأنه يوقفك أمام حقيقتك، وما أشد احتياجك الى الوقوف أمام هذه الحقيقة، حتى تعرف نفسك، تلك المعرفة اللازمة لخلاصك.

ولكن دعنا نناقش الأمر معا. لماذا تريد أن تظهر عظيماً أمام الآخرين؟ أهو مركب النقص؟ هل تشعر فى ذاتك أنك فى درجة صغيرة. وتريد أن تعوض ذلك بأن تكتسب مدح الناس بكافة الطرق: ان مدحوك سررت، وان هاجموك دافعت بحرارة عن نفسك حتى لا تظهر أمامهم معيبا، وان وقفوا منك محايدين لا مدح ولا مهاجمة، لم يعجبك هذا أيضاً وأخذت تتسول مدحهم بأن تحدثهم عن فضائلك حتى يعجبوا بك فيمدحوك...

أهذه هى الحقيقة؟ ان كانت كذلك، فلنحاول مناقشتها معاً:

حسن يا أخى أن تشعر بأنك ناقص وخاطئ وضعيف وأقل من الناس جميعاً، ولكن علاج هذا النقص لا يأتى باضافة نقص جديد اليه عن طريق محبة مدح الناس، وإنما يأتى بتكميل الذات وإصلاح أمرها.

لماذا يهمك رأي الناس فيك ومدحهم اياك؟ العلك ستدخل ملكوت الله ان رشحك الناس لهذا؟! إذن فاعلم أن كثيراً جدا من الذين يمدحهم الناس سيلقون فى البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.. ((وويل لكم إن قال فيكم الناس حسناً)) (لو 6: 26).

مدح الناس يا صديقى وقتى وزائل. وهم لا يثبتون على حال. للذين هتفوا للسيد المسيح كملك. صرخوا أيضاً قائلين ((أصلبه أصلبه)) ومدح الناس أيضاً زائف لأنهم لا يعرفون الحقيقة تماماً.

اليك سؤال يهمنى أن تجيب عليه اجابة صريحة: ماذا يكون شعورك عندك يمدحك الناس وأنت تعرف عن خفاياك ما يخجل؟

هل ننسى اثناء مدحهم تلك الخطايا التى لو عرفوها عنك لطردوك خارج المجمع أم أنت تتناساها؟ أم تعتبرها مكدرات لا يجب أن تظهر أثناء نشوتك بمديح الآخرين؟ إذن فأنت يهمك فقط خارج الكأس، يهمك أن تكون كالقبور المبيضة من الخارج ومن الداخل نتنة؟! إذن فأنت تهمك الحياة الأرضية فقط ولا تأبه للحياة الأتية. صارح نفسك يا أخى المحبوب بحقيقة مشاعرك، واعترف بهذا بينك وبين نفسك أولاً، ثم اسكب هذه الذات أمام أب اعترفاك، اسكبها فى بكاء وأنين والم مر.

وإليك ما يجب أن تشعر به عندما يمدحك الناس:

أشعر أولا أنك ربما تكون مرائياً، تظهر للناس غير ما تبطن. قل لنفسك فى صراحة ((اننى شخص خاطئ دنس، وعندما أجلس الى أب اعترافى أكاد أذوب خجلا وعندما أحاسب نفسى على خطاياى تنسحق ندماً وشعورا بالخسة والحقارة، وتصغر ذاتى أمام عينى، وعندما أقف للصلاة أشعر أننى غير مستحق أن أرفع نظرى الى فوق... فلماذا إذن يمدحنى الناس. ألعلنى مرائى؟ ألعلنى ذو وجهين؟: أظهر أمام الناس بشخصية، وحقيقتى شخصية أخرى؟ هل أنا ممثل؟ ربما أكون...

أشعر أن مدح الناس ربما يجعلك تستوفى أجرك على الأرض فلا تنال أجرا فى السماء، وهكذا يضيع أكليلك بثمن بخس. إن مدحك الناس فخير لك أن تحزن. احزن على اكليلك الذى يوشك أن يضيع. وهذا الحزن المقدس يصفى نفسك ويجعل روحك تنطلق بالأكثر.

عند مدح الناس لك أشعر أنك ربما تكون مختلسا: قد سلبت مجد الله ونسبته الى نفسك. لقد قال السيد المسيح: ((لكى يروا أعمالكم الحسنة، فيمجدوا أباكم الذى فى السموات (متى 5: 16) فان كان المجد قد رجع اليك أنت بدلا من الأب، فربما يكون هذا اختلاسا وأنت لا تدرى، أو وأنت تدرى عندما تصلى وتقول: ((لأن لك الملك والقوة والمجد)) أنب نفسك التى تريد أن يكون المجد لها فتنافس الله فى قوته. ((ليس لنا يا رب ليس لنا، ولكن لإسمك القدوس اعط مجدا)) (مز 115: 1).

عندما يمدحك الناس انكر ذاتك، ووجه انظارهم الى الله. فى غير رياء وفى غير تظاهر بالتواضع، اذكر لهم أنك خاطئ وضعيف، وأن الله هو الذى فعل الأمر الذى يستحق المديح. وكما توجه هذا الكلام الى الآخرين، توجه به أيضاً الى نفسك واقتنع به حتى لا تعود فتنتفخ.

اذا وجدت البعض قد بدأ قصة أو حديثاً أو خبراً سينتهى بمدحك، حاول أن تنير مجرى الحديث أو على الأقل لا تسر بالمدح وانسبه الى الله عن اقتناع.

عندما يمدحك الناس تذكر هاتين الآتين الجميلتين ((مجدا من الناس لست أقبل)) (يو 5: 41)، ((مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك..)) (يو 17: 5) احفظ هاتين ورددهما كثيرا فى فكرك.

وعندما يمدحك الناس تذكر خطاياك، واترك ضميرك يؤنبك حتى يكون هناك توازن بين داخلك، وبين مدح الناس من الخارج.

وأخيراً، ان كان هذا هو المطلوب منك عندما يسعى إليك مدح الناس فبديهى جدا أنك لا تسعى بنفسك إلى طلب هذا المديح أو استجدائه مما سنرجع إليه فى المقال القادم ان شاء الرب وعشنا. صلى من أجلى.

ذاتك وإساءات الناس

ان لم تنطلق من ذاتك يا أخى الحبيب من ذاتك هذه التى تعبدها من دون الله، والتي تكبرها وتفخمها امام الناس، فلن تصل أبداً إلى سمو انطلاق الروح.

لعلك تحب أحياناً أن يمدحك الناس، ولقد تفاهمنا فى مقال سابق عما يحسن بك فعله عندما يمدحك الآخرون. أما فى جلستنا الهادئة هذه، فأود أن أسألك سؤالا:

ما هو شعورك وتصرفك عندما يسيء اليك الغير أو يظن بك الظنون؟

ربما تفكر فى ذاتك أنك أهنت، وربما تفكر فى كرامتك وهيبتك والاحترام الواجب لك: فتغضب وتثور، وتثأر لذاتك، وتدافع عن نفسك. لست أنكر عليك هذا، فأنا انسان فى الجسد مثلك جربت هذه المشاعر جميعاً، أو جربت بهذه المشاعر جميعاً ولكن دعنا نناقش الأمر معاً..

ماذا يفيدك الغضب؟... انه يعكر دمك. ويتلف أعصابك، وأخطر من ذلك كله أن الغضب يفقدك سلام القلب وراحته. ألم تسمع معلمنا يعقوب الرسول يقول: ((ان غضب الإنسان لا يصنع بر الله)) (يع 1: 20)، وغضبك من أجل ذاتك هو لا شك غضب انسانى كالذى يقصده معلمنا يعقوب. تقول إن هذا الغضب ينفس عنك، ويفرج عن الثورة المكبوتة في داخلك. ولكن لماذا تختزن فى داخلك ثورة مكبوتة تحتاج الى تنفيس؟ السبب فى ذلك واضح طبعاً، هوانك تفكر كثيرا فى ذاتك! انطلق يا اخى الحبيب من هذه الذات وانت تستريح.

إن أهنت فلا تفكر فى ذاتك أنك أهنت. وإنما فى ذلك الذى أهانك، أنه أخوك. وأنت كشخص روحى ممتلئ بالمحبة، عليك أن تفكر فى هذا الأخر الذي اخطأ: ماذا تفعل لأجله. انك لا تريد طبعاُ أن تنحدر نفسه الغالية الى الجحيم، ولا تريد أن تقف إهانته لك عقبة فى طريق خلاصه. لذلك فأنت تطلب الى الله ألا يقيم له هذه الخطية ولا يعاقبه عليها، ثم أنت أيضاً تصلى من أجله أن يخلصه الله من الخطية ذاتها فلا يعود الى اقترافها معك أو مع غيرك.

وعندما تفكر فى أخيك هذا الذى أهانك، قد تفكر فى السبب الذى جعله يفعل ذلك: ربما يكون مريضاً أعصابه متلفة، أو متعباً عقله مجهد، أو قواه منهكة، أو مرهقاً بمشاكل اجتماعية او دراسية. أو مالية... فأنت تفكر فيما يمكن أن تفعله لأجله، وهكذا قد تخطر ببالك رحلة أو نزهة لطيفة تدبرها له، أو قد تساهم بجهد فى التخفيف أو الترفيه عنه. وان لم تستطع شيئاً من هذا كله فعلى الأقل ترثى له، وتطلب له من الله معونة خاصة.

ان الناس يا أخى الحبيب لم يخلقوا أشرارا، لأن الله بعدما خلق الإنسان ((نظر الى كل ما فعله فاذا هو حسن جدا)) وأما الشر فإنه يأتى إلى الناس من الخارج دخيلاً عليهم...

وهذا الشخص الذى أهانك، ربما تكون لإهانته لك أسباب أخرى. ربما يكون قد أساء فهمك. ومثل ذلك تفاهم معه وأقنعه فى وداعة ومحبة.

ولكن هناك نوعا من الناس يهين الآخرين حبا فى إهانتهم، مستغلاً تسامحهم ليتخذهم مجالا للفكاهة والتندر، مثل هذا الصنف اما أن تبتعد عنه، وأما أن تكلمه بلهجة حاسمة حازمة مؤدبة مظهراً له خطأه، ومانعاً اياه من تكراره. ولتفعل هذا ليس على سبيل الثأر للنفس، أو الاحتفاظ بكرامة ذاتية، وانما حبا فى ذلك المخطئ حتى لا تترك له فرصة أخرى للخطأ، ومجالا يسقط فيه ويهلك بذلك نفسه...

وشتان بين توبيخك لخاطئ بغرض انتقامى، توبيخا يجعله يثور عليك ويحتك بك، وبين تأنيب المحبة الحازم الهادى الذى يشعر فيه الشخص أن مؤنبه يحبه...

وهذا كله عن موقفك من جهة الشخص الذى تشعر أنه أهانك، ولكن اسمح لى أن أدخل قليلا الى أعماق نفسك لأناقش شعورك الباطن بينك وبين نفسك.

لماذا تحسب الكلام الذى يقوله غيرك أنه اهانة، أو انه شتيمة؟ لماذا لا تكون تلك التى تحسبها اهانة هى كلمة صريحة لازمة لإصلاح نفسك؟ وان كنت قد تضايقت منها فذلك لأنك تحب المديح، وتريد أن يقول فيك جميع الناس حسناً. افرح يا أخى بانتقاد الناس وتأنيبهم، فإن ذلك صالح لك ينقيكو يفيدك فى حياتك الاخرى. اذا انتقدك شخص فأولى بك أن تشكره فربما يكون صوته هو صوت الله. أقصد أن الله المحب لك ربما يكون قد أرسل هذا الإنسان ليرشدك ويظهر لك خطأك حتى تتركه.

ربما تكون تلك الاهانات تأديباً لك من الله على خطايا أخرى اقترفتها فى ماض قريب أو ماض بعيد. عندما سمع داود النبى اهانة كهذه قال فى انسحاق: ((الله قال لهذا الانسان اشتم داود)) (2 صم 16: 10). عندما يهينك غيرك يا أخي الحبيب تذكر خطاياك الماضية، وأعرف أنك لست بالشخص الخالص النقاوة الذى يسمو عن التوبيخ...

فى بعض الأحيان يكون الله قد عمل عملا ناجحا عن طريقك، فاتخذت أنت هذا النجاح سلاحاً تنتفع به، وتحارب نفسك بالبر الذاتي، وخشى الله عليك من السقوط عن طريق الكبرياء فسمح أن تهان، حتى يوجد توازناً بين مشاعرك، ويخفف شيئاً من كبريائك. كثيرون من الذين يهانون متكبرون، أما الودعاء فيرفعهم الله من المزبلة ليجلسهم مع رؤساء شعبه (مز112)...

ربما تكون قد أعثرت غيرك بتصرفك وأنت لا تدرى، كأن هذا هو سبب أهانتك. لذلك يحسن أن تدرس وجهة نظر من أهانك، لعله على حق...

قد تكون هذه الاهانة درساً لك فى المحبة والاحتمال. قال لى أحد الآباء الروحيين عن راهب اعتزل ولم يختلط بالاخوة فى المجمع، ان فترة الوجود في المجمع لازمة للراهب، لأنه أن لم يستطع أن يحتمل مشاكسات الاخوة فى المجمع، فكيف يستطيع أن يحتمل محاربات الشياطين فى الوحدة كما قال مار اسحق!!

ماذا يضيرك عندما يحكم عليك انسان حكماً ظالماً. أو عندما يظن فيك أنك مخطئ؟ ألعل هذا يعوقك عن ملكوت الله، أم أن الله سيعتمد أحكام الناس؟

أم أنك تحب المديح والتطويب من بشرهم تراب مثلك؟ سيدك يا صديقى ((ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه)) (أش 53: 7). ((أحصى مع أثمة)) أما هو فقبل هذا الصليب...

أخيراً يا اخى الحبيب، إذا أهنت فتضايقت، وكبرت عليك الإهانة على الرغم من أنك خاطئ مثلى، فتذكر كيف أننا نهين الله فيصبر علينا ويحبنا ويقبلنا اليه! ما أعظم الهنا الحنون، ليس له شبيه بين الآلهة...

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 5
.

انطلق من ذاتك

ان كنت ما تزال تهتم بفكرة الناس عنك، وتتخذ كافة السبل ليحسن رأيهم فيك فمن الصعب أن تصل الى سمو انطلاق الروح.

فى بعض الأحيان لا يمدحك الناس، أو يكون مديحهم لك أقل من مديحهم لغيرك. فبدلا من أن تسر وتبتهج، لأن شيطان المجد الباطل نائم عنك ولو الى حين، أراك تسعى الى اتعاب نفسك فتجلس الى الناس تتسول مديحهم بطريقة لا تتفق مع كرامتك كابن الله، وهكذا تحدثهم عن نفسك...

فهل تسمح لى يا أخى الحبيب أن أناقش معك الأمر بنفس ما اعتدناه قبلا من صراحة؟

لماذا تحدث الغير عن نفسك؟ أتريدهم أن يعجبوا بك؟ اليك اذن هذا السؤال الصريح:

هل أنت فى أعماق ذاتك معجب بنفسك؟ لا شك أنك فى حقيقتك متضايق من نقائص كثيرة محيطة بك، لماذا تريد إذن أن يمجدوا شخصية أنت نفسك غير مقتنع بتمجيدها؟

لو اعتمدنا فرضا مبدأ الحديث عن النفس، فهل أنت تعطى صورة صادقة حقيقية عن نفسك؟ أم أنت تذكر للناس النواحى البيضاء فقط، وتترك النقط البشعة الحقيرة التى تنفرهم منك؟ ألا تعرف يا صديقى أن أنصاف الحقائق ليست كلها حقائق؟ ألست ترى اذن أن فى حديثك عن نفسك شيئاً من الخداع والكذب وتقديم وجه واحد من صورة لها عيوبها – تلك العيوب التى تعرفها أنت جيدا والتى يعرفها معك أبوك الروحى؟

أنك تعرف بلا شك أن حديثك عن (فضائلك) يضيع عليك أجرك. ولست أشك أنك قرأت العظة على الجبل وسمعت فيها ((لا تعرف شمالك ما تفعله يمينك)) ((فأبوك الذى يرى فى الخفاء هو يجازيك علانية))... اننى مشفق عليك يا أخى الحبيب، تجاهد طويلاً فى سبيل فضيلة معينة، وفى لحظة طيش، من لحظات البر الذاتى اللعين، ياتى الشيطان ويسلب كل جهادك منك، فاذا تعبك كله قد ضاع باطلاً.. كلما أراك تتحدث عن نفسك، يخيل الى أنك شخص زرعت زرعاً، فلما أنماه الله وأتى ثمره، بدلا من أن تحصده وتفرح به أشعلت فيه النار، أو تركت الشيطان يحصده نيابة عنك! يا صديقى العزيز، كلما أحسست رغبة فى التحدث عن نفسك، دع ذلك القول الإلهي يرن فى أذنيك ((الحق أقول لكم انهم قد استوفوا أجرهم)) (متى 6: 2).

هناك ضرر أخر من حديثك عن نفسك ربما توضحه لك الحادثة الآتية: كنت فى احدى المناسبات أتكلم فى حماسة واعجاب عن شخص مبارك أحبه وأقدره، فقاطعنى أحد أساتذتى الروحيين قائلاً: ((أرجوك، لا تكمل هذا الكلام. أنك بهذا الحديث تجمع الشياطين حوله لتحاربه. أتركه يعمل فى هدوء. أنه ما يزال مبتدئا وفى حاجة الى صلوات كثيرة)). فسكت وقد شعرت فعلا أننى أخطأت فى حق هذا الانسان. الشياطين لا تطيق أن تسمع عن أعمال طيبة لإنسان. , ان اتخذك الله وسيلة لعمل مجيد، فليكن ذلك سر بينك وبين الله. لا تتحدث عن هذا العمل لئلا تتعرض لحسد الشياطين وقتالهم. ولا يضيع أجرك فحسب، وانما قد تتعرض لحرب قاسية لا تعرف نتائجها.

أرأيت إذن بعضاً من الضرر الذى يحيق بمن يتحدث عن نفسه؟ اتستطيع أن تدلنى – فى مقابل ذلك – عن فائدة واحدة تجنيها من مديحك لذاتك؟ لست اقصد تلك النزوة الحسية الخاطئة التى يشعر بها كل من يلمح نظرات الاعجاب موجهة إليه، فهذه فى حد ذاتها خطيئة تحتاج الى علاج!! هناك فائدة حقيقية أعرضها عليك: ان ألح عليك الحديث عن نفسك الحاحا لم تستطع له مقاومة، فحدث الناس عن ضعفك وعجزك، حدثهم عن نفسك الساقطة التى لولا معونة الله لأشبهت أهل سدوم، واطلب اليهم بالحاح أن يصلوا من أجلك حتى يفتقدك الله برحمته.

كلمة صريحة أخرى. ترددت طويلا قبل أن أهمس بها فى أذنك، وهي أنه حتى الناس أنفسهم يشمئزون أحياناً ممن يتحدث كثيرا عن نفسه. انهم يسمونه أحياناً (المنتفع) أو (المغرور). وهكذا لا يكسب مثل هذا المادح لذاته سماءا ولا أرضا.

أخيرا فإن تلك الأعمال التي تحاربك بالبر الذاتي ليست كلها من صنعك: هناك الظروف المحيطة، والدور الذى قام به الآخرون، والامكانيات التى منحت لك من فوق. انها تكون مبالغة بلا شك أن تنسب كل هذا الى نفسك فقط ناسيا عمل الله فيك.

أترانى ضايقتك بصراحتي يا أخى الحبيب؟ سامح ضعفى مصليا من أجلى.

ومرة أخرى يا أخى الحيبب، أريد أن أحدثك عن ذاتك، ذاتك التى تحبها وتثق بها أكثر من الله أحيانا. ان لم تنكر هذه الذات فهيهات أن تتمتع بجمال انطلاق الروح.

ذاتك أمام الله

ان كانت المحبة هى الوصية الأولى فى المسيحية، فان انكار الذات هو الطريق الأولى الى المحبة. انك لا تستطيع مطلقاً أن تحب الله والناس، طالما أنت تهتم بذاتك ولذاتك. لذلك عليك أن تنطلق أولا من هذه الذات، فقد قال السيد له المجد: من أراد أن يتبعنى فلينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعنى (مر 8: 38)... وهكذا جعل انكار الذات أول كل شئ.

ليكن هدفك اذن يا أخى الحبيب هو اخفاء ذاتك فى الله، بحيث لا يكون لك وجود مستقل عنه، ولتقل كما قال معلمنا بولس الرسول: ((لكى أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى)) (غل 2: 20).

أن أردت أن يكون لك مجد، فليكن مجدك من الله وعند الله. كرر هذه الآية دائماً: ((مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك)) (يو 17: 5). لا تبحث عن مجدك فى العالميات ((فالعالم يبيد وشهوته معه)) أما أنت فابن الله، وأما أنت ((فهيكل الله وروح الله حال فيك))، لست من دم ولا مشيئة جسد ولا مشيئة رجل بل من الله ولدت))، روحك نفخة من الله، نسمة من فيه... وأنت فى كل قداس تتناول جسد الله ودمه، والله يريدك أن تتحد به، تثبت فيه، فلماذا إذن تترك هذا المجد العظيم كله، وتبحث عن مجدك فى التراب؟

لماذا يهمك رأي الناس فيك، فتسر بمديحهم. وتدافع عن نفسك ان هاجموك، وتتسول رضاهم بحديثك عن نفسك؟ أما زلت يا أخى تحب التراب ومجد التراب؟ اما زالت نفسك تمثالا تقدم له الذبائح والقرابين – أنكر ذاتك، وركز محبتك كلها فى الله وحده. قل كما قال يوحنا المعمدان ((ينبغى أن ذاك يزيد وأني انا أنقص)) (يو 3: 30). أتتهامس فى تذمر وتقول ((لا أريد أن أنقص)). اعلم اذن أنك سوف لا تنقص الا الشوائب التى تعكر نقاوة عنصرك، سوف لا تنقص الا المجد العالمى، ذلك التراب الذى علق بك، والذى ينبغى أن تنفضه لترجع نظيفاً كما خلقك الله وكما يريدك دائما أن تكون.

هذا من جهة علاقتك بالناس، ولكنى أريد أن أخاطبك أيضاً من جهة نظرتك الى نفسك وموقفك أمام الله. ان أردت لروحك أن تنطلق فقف أمام الله كلا شئ، أنكر علمك وحكمتك، أنكر ذكائك وخبرتك، وقف أمام الله كجاهل لا تعرف شيئاً. لست أقصد أن تدعى الجهل أو تتظاهر به، فالله لا ينخدع ولا يحب المدعين، انما اعتقد يقينا – فى تصريف كل أمر – أن ذاتك ينبغى أن تختفى ليظهر المسيح، ليس أمام الناس فحسب، وانما أمام نفسك أيضاً. قل له يارب انى أحكم حسب الظاهر، وقل له يا ربى ضعيف لا استطيع مقاومة الشياطين. قل له أيضاً ان النتائج فى يده، واطلب منه أن يتدخل فيرشدك، أو يسكن فيك ويعمل بك. وعندما يتم الأمر اشكر الله لأنه هو الذي عمل وليس أنت. وعندما يأتي الناس ليمدحوك على فعلك، لا تفتخر ولا تتظاهر بالتواضع، انما اتخذها فرصة أن تجلس معهم وترنم ذلك المزمور الخالد ((لولا ان الرب كان معنا، فليقل اسرائيل لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء... اذن لغرقنا فى الماء وجازت نفوسنا السيل)) (مز123).

وعندما تعرض لك خطية، لا تثق بقوة روحك، ولا بماضيك فى الانتصار ((فقد طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء)) (أم 7: 26) انما اعتقد أن النصرة من عند الله، وإن تخلى عنك فى أبسط الخطايا فسوف تشبه أهل سدوم. إنما رتل ذلك المزمور الجميل. ((... وأنت عرفت سبيلى... فى الطريق التي أسلك أخفوا لي فخا. نظرت الى اليمين وأبصرت وليس من يعرفني. ضاع المهرب مني وليس من يسأل عن نفسى. فصرخت اليك يارب وقلت أنت هو ملجأى ورجائى في أرض الأحياء... نجني من مضطهدي لأنهم قد اعتزوا أكثر مني)) (مز141).

يا أخى الحبيب. انك لست شيئاً، فاعترف بهذا أمام الله وأمام نفسك، وكلما فكرت أنك تستطيع عمل شئ، أرجع الى ذاتك مرة أخرى، وقل: من أنا يارب حتى أقف أمام فرعون وأخرج بنى اسرائيل من مصر! (خر 3: 11) فإن أقنعك الله بأنه سيكون لك فما، وأنه سيتكلم على لسانك، وأنك سوف لا تكون الا أداة، حينئذ استمر فى حياتك. أن سرت فى وادى ظل الموت فسوف لا تخاف شرا، وان قام عليك جيش ففى ذلك ستكون مطمئناً. حينئذ اذكرنى أنا التراب النجس، لكى نتقابل معا، هناك...

إنطلق من رغباتك الأرضية

هل تعرف من أى شئ يجب أن تهرب؟ اهرب من الاغراض، من الآمال، من الرغبات اهرب من كل أولئك، ان كنت تود حقا أن تصل الى انطلاق الروح.

اسمح لى يا اخى الحبيب ان أدخل قليلا الى قلبك، واتحدث اليك فى صراحة. ان لك أمالا عريضة تشغلك كثيرا، وتحتل جانبا من قلبك بل هى تحتل خيالك أيضا فتجلس فى وحدتك وتحلم بها أحلام اليقظة، تأوى الى فراشك فترى هذه الآمال فى نومك. لك أهداف أنت أدرى الناس بها. ولست مستطيعاً ان تنكرها. انك تود أن تكون شيئاً هاما، تود أن يعرفك الناس، ويبجلوك. لك آمال فى الشهرة والصيت، ولك آمال فى السيطرة والنفوذ، ولك رغبات فى المال، وفى المركز الاجتماعى، وفى العلم، وفى الألقاب، وفي المستقبل، وفى المظاهر والسمعة. ولك رغبات فى المسكن والمأكل والملبس، ولذات الجسد المنوعة. انك لا تعيش فى العالم بل العالم هو الذي يعيش فيك، ويستولى على قلبك وفكرك وخيالك ومشيئتك أيضاً. أما روحك التى تعيش حبيسة في هذا كله فإنها تود الانطلاق من رغبات جسدك، الجسد الذى ((يشتهى ضد الروح)).

انك يا أخى الحبيب تشقى بهذه الآمال والأغراض، فهى لا تتحقق جميعها، ولذلك فأنت غير راض. انك تشتاق وتشقى فى اشتياقك ولذلك تعد العدة، وتلتمس الوسائل: تفكر، وتقابل، وتكتب، وتسير وتذهب، وتسعى وتتعب فى سعيك. ثم أنت تجلس وتنتظر، وقد يضيق صدرك، وتمل الصبر والترجى، ويدرك اليأس او القلق أو خوف الفشل، فتشقى بانتظارك. وقد ينتهى السعى والتعب الى لا شئ وتحرم من رغبتك التي تودها فتشقى بالحرمان. وأخطر من هذا كله، فإن آمالك وأغراضك قد تجنح بك عن طريق الصواب فتتعلم بسببها الخداع، أو اللف والدوران، أو التزلف والتملق، أو الكذب، أو ما هو أبشع من هذا... وكما قال أحد الحكماء ((لابد أن ينحدر المرء يوما للنفاق، ان كان فى نفسه شئ يود أن يخفيه)).

انك متعب، وأنا أعرف هذا وأشفق عليك فى تعبك. فإلى متى تعيش في جحيم الآمال! والعجيب فى رغباتك الترابية هذه، أنها تشقيك أيضاً حتى إذا تحققت. فرغبتك عندما تتحقق تتلذذ بها، وتقودك اللذة إلى طلب المزيد. وهكذا كما قال السيد المسيح: ((من يشرب من هذا الماء يعطش)) (يو 4: 13). وعندما يعطش، وكلما يزداد عطشاً، يزداد اشتياقا الى هذا الماء.

لذلك يا أخى الحبيب اود أن أناقش معك الأمر فى هدوء. لماذا تتمسك برغبات معينة فى العالم، والعالم يبيد وشهوته معه. انك غريب مثلي على الأرض، وستأتي ساعة تترك فيها هذا العالم وتترك فيه كل ما أخذته منه. عريانا خرجت من بطن أمك وعريانا تعود إلى هناك. ستترك رغما عنك كل ما فى العالم من عظمة ومال وشهرة وتتوسد حفرة كأحقر الناس، ومهما بلغت فى العالم من سطوة أو متعة او شهرة، فان هذا سوف لا يمنع جسدك الفاني من التعفن، وسوف لا يمنع الدود من أن يرعى فى جثتك حتى يأتى عليها. وستقف بعد هذا كله أمام الله مجردا من مظاهر العالم المنوعة، لم تأخذ من الدنيا غير أعمالك، خير كانت أم شرا. فحرام عليك يا أخى الحبيب أن تركز أغراضك وآمالك فى هذه الأرض، الأرض التى تنبت لك شوكاً وحسكا، والأرض التي قبلت دماء هابيل البار، والأرض التي يحفرون فيها آبارا مشققة لا تضبط ماء. (أر 2: 13).

إن الآباء القديسين الذين عاشوا قبلنا على الأرض. ولم تكن الأرض مستحقة أن يدوسوها بأقدامهم، هؤلاء جميعا لم يصلوا الى ما وصلوا اليه من قداسة، الا بعد أن فرغوا قلوبهم من حب العالم والأشياء التى فى العالم، فلم تعد لهم على الأرض رغبة أو شهوة، ولم يحتفظوا فيه بقنية أو ملك. لم يتمسكوا بشيء فى العالم لذلك سهل عليهم أن يتركوه، بل اشتاقوا الى ذلك اشتياقاً.

أما أنت يا أخى الحبيب فلك رغبات أرضية. ((وحيثما يكون كنزك قلبك أيضاً)). لذلك تعلق قلبك بالتراب ومجد التراب، فقلت قيمة الروحيات في نظرك. إنها التجربة التى حاول بها الشيطان اغراء رب المجد ((أخذه الى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له أعطيك هذه جميعها أن خررت وسجدت لى)). وان ملكت هذه جميعها ماذا تستفيد ان خسرت روحك. روحك الحبيسة فى قفص مذهب من الرغبات، وتود أن تنطلق.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 6
.

إنطلق من سلطان الحواس

انك تؤمن بحواسك الخمس أيمانا شديدا ولا تصدق روحك أن تعارضت مع هذه الحواس فمتى تنجو من سلطان حواسك وتدرك انطلاق الروح.

انك تصدق الشئ الذى تراه بعينيك. أو تسمعه بأذنيك، أو تلمسه بيديك... أما غير هذا فقد يعتريك فيه الشك، فلماذ!! السبب بسيط، وهو أنك ما تزال عائشا بالجسد، تؤمن بالجسد وحواسه.

انك تنظر هنا وهناك، فترى أنه ليس من أحد، ليس من مشاهد ولا من رقيب. فترتكب الخطأ الذي تتحاشى ارتكابه أمام الناظرين. فهل تصدق حقا أنه لم يرك أحد.! لقد كان هناك عينان تنظران اليك فى اشفاق، وفى تأنيب... ولكنك لم تبصر هاتين العينين لأنك كنت تعيش فى الجسد... كان الله يراقبك وأنت لا تراه ولو كنت تعيش بالروح منطلقاً من هذه الحواس القاصرة ولأستطعت أن تقول ما قاله إيليا: ((حي هو رب الجنود الذي أنا واقف أمامه)) (1 مل 18: 15).

تحيط بك المخاطر فتلتفت عن يمين وعن يسار. وإذ ترى نفسك وحيدا تخاف وترتعب. ان الله واقف عن يمينك لكى لا تتزعزع، ولكنك لا تراه. عيناك قاصرتان لا تبصران كل شئ. أنهما عينان ماديتان لا تدركان الروحيات. ليتك يا أخى الحبيب تطلق روحك من سلطان هذه الحاسة الجسدية، روحك التى تفحص كل شئ حتى أعماق الله (1 كو 2: 10)، ليت روحك تنطلق لترى الله عن يمينك وتهمس فى أذنه فرحا ((ان سرت فى وادى ظل الموت لا أخاف شرا لأنك أنت معي)) (مز23). كان جيحزى المسكين خائفا جدا وهو يرى بعينيه الأعداء يقتربون وليس من منقذ. أما اليشع العائش بالروح فكان مطمئنا. كان يرى بالروح ما تراه العين، ويسمع ما لا تسمعه الأذن. وإذ أشفق على الغلام، طلب من الله أن يفتح عينيه ليرى... ونظر جيحزى فإذا الجبل زاخر بجنود الله ومركباته فاطمئن (2 مل 6: 17).

لا تعتمد على حواسك فهى ضعيفة لا تدرك ما تدركه الروح. كانت أرملة صرفة صيدا تنظر الى الكوار فترى فيه حفنة واحدة من الدقيق، والى الكوز فترى فيه قليلاً من الزيت، وترى أن هذا الدقيق وهذا الزيت لا يكفيان الا لصنع كعكة واحدة تأكلها مع ابنها ثم يموتان من الجوع. أما ايليا، رجل الله، فكان يرى بالروح غير ما تراه العيون الجسدية: كان يرى كوز الزيت لا ينقص مهما أخذت منه الأرملة وكذلك كوار الدقيق... وقد كان. (1 مل 17: 14).

كان أليشع واقفا على شاطئ الأردن. عينه الجسدية ترى الأردن نهرا، وترى السير فيه يؤدي حتما إلى الغرق. أما روح اليشع فكانت منطلقة من هذه العين القاصرة. كان نهر الأردن والشاطئ بالنسبة إليها سواء. كلاهما أرض صالحة للسير. أخذ اليشع رداء ايليا الذى سقط عنه عندما استقل المركبة النارية، وضرب الماء بهذا الرداء فانفلق الماء وعبر اليشع (2 مل 2: 14). ان العين العادية ترى ثوب ايليا ثوبا، أما اليشع فكان يراه بالروح قوى عجيبة يستخدمها الله.. ولم يكن فى نظره ثوبا كباقى الثياب.

ان عينك قاصرة يا صديقى حتى فى الماديات. هناك أجسام لا تراها. ومع ذلك فهى موجودة تتحدى بصرك الضعيف، وربما تستطيع أن ترى هذه الأجسام الصغيرة باستعمال المجهر.

فإذا لم يكن هناك مجهر، ولم تر عينك المجردة تلك الأشياء الدقيقة. أتستطيع أن تنكر وجودها لأنك لا تراها.! فإن كان هذا فى الماديات. فماذا تقول عن الروحانيات.

فى الأمور الروحية أترك فرصة للروح لكى تقودك، ولا ترغمها على الخضوع للجسد، أتركها على سجيتها تنطلق وتسبح فى عالم الالهيات ((وطوبى لمن آمن دون أن يرى)) (يو 20: 29).

لابد انك سمعت عن الرؤى يا أخى الحبيب. حينما تسبح الروح فى عالم الملائكة والقديسين وترى ما لا يراه الجسدانيون، هنا نرى الروح منطلقة من سلطان الجسد، تستخدم أعضاءه فى أغراضها الروحية، فتخضع الحواس للروح، وليس الروح للحواس.

قال لي شخص انه سمع بظهور مارجرجس فى احدى الكنائس، فرفض أن يصدق، وذهب بنفسه الى هناك ليتأكد بعينيه من فساد تلك (الخرافات) وفعلا ذهب ولم ير شيئا.

لست أريد أن أعلق على هذه القصة بشئ، ولكني أعرض رأياً وهو أن هذا الشخص وأمثاله قد لا يرون الرؤى لضعف إيمانهم بها، لأنهم يريدون إخضاع الروحيات لحواس الجسد، بينما يكشف الله للبسطاء عن أسرار ملكوته.

لست أريد شيئاً من العالم

هذا هو أول شئ يجب أن يقوله الانسان الذى يحب أن يصل الى انطلاق الروح:

لست أريد شيئاً من العالم، فليس في العالم شيء أشتهيه، أنها تجارب تحارب المبتدئين.

لست أريد شيئاً من العالم، لان العالم أفقر من أن يعطيني.

لو كان الذي أريده فى العالم لانقلبت الأرض سماءاً.

ولكنها ما تزال أرضا كما أرى، ليس فى العالم إلا المادة والماديات، وأنا أبحث عن السماويات، عن الروح، عن الله.

لست أريد شيئاً من العالم. فانا لست من العالم، لست ترابا كما يظنون، بل أنا نفخة ألهية، كنت عند الله منذ البدء، ثم وضعني الله فى التراب، وسأترك هذا التراب بعد حين وأرجع الى الله. لست أريد من هذا التراب شيئاً، من عند الآب خرجت وأتيت الى العالم، وأيضاً أترك العالم وأرجع الى الآب.

لست أريد شيئاً من العالم، لآن كل ما أريده هو التخلص من العالم. أريد أن أنطلق منه، من الجسد، من التراب! وأرجع – كما كنت – إلى الله، نفخة ((قدسية)) لم تتدنس من العالم بشئ.

لست أريد شيئاً من العالم، لأنى أبحث عن الباقيات الخالدات، وليس فى العالم شئ يبقى إلى الأبد، كل ما فيه إلى فناء، والعالم نفسه سيفنى ويبيد. وأنا لست أبحث عن فناء.

لست أريد شيئا من العالم، لأن هناك من أطلب منه. هناك الغنى القوى الذى وجدت فيه كفايتى ولم يعوزنى شئ. انه يعطينى قبل أن أطلب منه. يعطيني النافع الصالح لى. ومنذ وضعت نفسى فى يده لم أعد أطلب من العالم شيئاً...

لست أريد شيئاً من العالم، لأن العالم لا يعطيني لفائدتى، وإنما يعطى ليستعبد. والذين أخذوا من العالم صاروا عبيدا له. يعطيهم لذة الجسد، ويأخذ منهم طهارة الروح. يعطيهم متعة الدنيا، ويأخذ منهم بركة الملكوت. يعطيهم ممالك الأرض كلها ليخروا ويسجدوا له. يعطيهم كل ما عنده لكى يخسروا نفوسهم. أما أنا فقد خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح (فى 3: 8). وهذا العالم الذى يأخذ أكثر وأفضل مما يعطى هذا العالم الذى يستعبد مريديه، لست أريد منه شيئاً..

لست أريد شيئاً من العالم لأننى أرقى من العالم. اننى ابن الله، صورته ومثاله. اننى هيكل للروح القدس ومنزل لله. اننى الكائن الوحيد الذى يتناول جسد الله ودمه. اننى أرقى من العالم، وأجدر بالعالم أن يطلب منى فأعطيه، أنا الذى أعطيت مفاتيح السماوات والأرض. أنا الذى شاء الله فى محبته وتواضعه أن يجعلني نورا للعالم وملحا للأرض (متى5).

لست أريد شيئاً من العالم لأننى أريد أن أحيا كآبائى، الذين لم تكن الأرض مستحقة أن يدوسوها بأقدامهم. هكذا عاشوا لم يأخذوا من العالم شيئاً بل على العكس كانوا بركة للعالم. من أجل صلواتهم أنزل الله الماء على الأرض، ومن أجلهم أبقى الله على العالم حياة حتى اليوم...

لست أريد شيئاً من العالم الآن لأن الخطية قد دخلت إلى العالم فأفسدته. فى البدء نظر الله الى كل شئ فرأى أنه حسن جداً، اذ لم تكن الخطية دخلته بعد، حتى التنين العظيم فى البحر باركه الرب ليثمر ويكثر، أما الآن وقد تشوهت الصورة البديعة التى رسمها الله فى الكون فقد مجت نفسى العالم، ولم أعد أشتهي فهي شيئاً، هذا العالم الذى أحب الظلمة أكثر من النور.

لست أريد شيئاً من العالم، لأنى أريدك أنت وحدك، أنت الذى أحببتنى حتى المنتهى، وبذلت ذاتك عنى. أنت الذى كونتني إذ لم أكن، ولم تكن محتاجاً الى عبوديتى بل أنا المحتاج الى ربوبيتك. أريد أن أنطلق من العالم واتحد بك، أنت الذى أعطيتنى علم معرفتك.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 7
.

من الناس من هم جهلة لم يتعلموا على الاطلاق، ومنهم من قد علمهم الناس وهؤلاء أشد جهالة، أما المتعلمون الحقيقيون فهم الذين تعلموا من الله مباشرة.

التعليم من الله

لقد خلق الله الإنسان على جانب وافر من المعرفة. وعندما كان الانسان يحتاج الى مزيد من العلم، كان الله يعلمه بنفسه، ولو استمر الإنسان هكذا لصار عالما، ولاستطاع أن يأكل من شجرة الحياة ويحيا إلى الأبد، ولكن الانسان قبل لنفسه أن يتلقى العلم على غير الله فبدأت جهالته. وهكذا أخذ أول درس له عن الحية وأكل من (شجرة المعرفة) فصار جاهلا.. وما زال الانسان يسعى الى المعرفة بعيدا عن الله، فيزداد جهالة على جهالته.

إن الإنسان هيكل الله، وروح الله ساكن فيه، هذا الروح الذي قال عنه السيد المسيح: ((يرشدكم إلى جميع الحق)) (يو 16: 13). والذى قال عنه القديس بولس الرسول انه: ((يفحص كل شئ حتى أعماق الله)) (1 كو 2: 10). ولكن الانسان من فرط شقاوته وجهله، كلما يبحث عن المعرفة، لا يطلب أخذها من داخله، من روح الله الساكن فيه، وإنما يفتش عنها فى الخارج عند الناس، وفى الكتب التى يظن أن له فيها حياة...!

وهكذا كثر العلماء وحكماء هذا الدهر، وكانت حكمة هذا العالم جهالة عند الله، ولقد سار أوغسطينوس العظيم فى هذا الطريق فترة طويلة، يبحث عن الله خارجا عن نفسه فلا يجده، ثم وجده أخيرا فناجاه بتلك الأنشودة الخالدة:

((قد تأخرت كثيرا فى حبك أيها الجمال الفائق فى القدم والدائم جديدا الى الأبد)).

((كنت فىّ فكيف ذهبت أبحث عنك خارجاً عنى...)).

((أنت كنت معى، ولكنى لشقاوتى لم أكن معك...)).

ولما بحث اوغسطينوس عن الله فى داخله، وجده وصار قديسا...

وهكذا أنت يا أخى الحبيب ستضل كثيرا فى بحثك عن الله. ان بحثت عنه فى الخارج. اجلس الى نفسك وفكر وتأمل، وادخل الى أعماق أعماقك، واطلب الله، فستجده هناك، وستراه وجهاً لوجه، وتحسه كنبع دافق فياض من المحبة، فتعيش فى فترة من الدهش العجيب وتصرخ من فرحة صامتة ((لقد رأيت الله)).

هذه هى الطريقة التى لجأ إليها آباؤنا القديسون، خرجوا من زحمة الحياة، ومن اضطراب العالم وصخبه، وتركوا كل شئ، وبحثوا عن الله في داخل نفوسهم، وهكذا بالهذيذ والتأمل استطاعوا أن يروا الله، وفى نفس الوقت كان المفكرون والفلاسفة والباحثون والعلماء يفتشون عن الله فى الكتب وعند الناس، فلا يصلون إلا الى جهالة وغموض وتعب.. أقول هذا وانا متألم، لأننى أرى أيضاً كثيرا من الآباء الذين ذهبوا الى القفر، قد أخذوا هم أيضاً يفتشون عن الله فى الكتب أو فى المشروعات أو فى الخدمة، بينما الله فى قلوبهم من الداخل، يريدهم أن يفرغوا من هذه المشغوليات كلها ويجلسوا إليه فيحدثهم عن أسرار لا يعرفها أحد، ويريهم ما لم تره عين.

ليس هذا بالنسبة الى الرهبان فحسب، وانما الى الجميع... أتدرى يا أخى الحبيب ما هى الطريقة الصالحة للتربية الروحية؟ انها ليست فى اعطاء الانسان شيئاً جديدا، فهو يملك كل شئ. والروح الحال فيه يعرف أكثر مما تريد أنت أن تعلمه... انما الوسيلة الصالحة للتربية الروحية هى فى تخليص الانسان مما يملك من معلومات خاطئة، من معرفة أخذها من العالم أو من الناس.

ان الطفل يولد وفى قلبه وفى فكره وفى خياله فكرة واسعة جميلة عن الله، ثم يتولاه المجتمع المسكين بالتعليم، فيقدم له أفكاره عن الله غير أفكاره، ويقدم له صورا عن الله وعن القديسين تحد من خيال الطفل الواسع... وهكذا تتبدل فكرة الطفل عن الله وعن القداسة بمصطلحات عرفية عن الخير والشر، كما يراها الناس، ويأكل الطفل من شجرة معرفة الخير والشر، التي أكل منها آدم وحواء. ويصير مثلهما جاهلاً. ويأتى دور المرشدين الروحيين الحقيقيين، لا لكى يزيدوا على الطفل علما، وإنما لينزعوا منه المعرفة الباطلة التي أخذها من العرف والتقاليد وتفسيرات الناس للدين. وعندما تنطلق روحه من هذا كله يعرف الله على حقيقته، لأن الله ليس غريبا عنه، بل هو ساكن فيه.

انطلق من حب التعليم

حب التعليم خطر كبير... ابتعد عنه يا أخى الحبيب حيثما وجد واهرب منه على قدر ما تستطيع.

إنك تريد أن تعلم الناس، ولكن أى شئ تريد أن تعلمهم؟

ألست معى يا أخى العزيز فى أننا لم ننضج بعد، ولم نتعلم بعد؟ هناك أشياء نفهمها من وجهة نظر واحدة فنسئ فهمها. وعندما ندفع بأنفسنا لتعليم الناس، لا نعلمهم الدين كما هو، وإنما كما نفهمه نحن، وفى سن معينة، ودرجة روحية وعقلية معينة. وقد نكبر فى السن والروح والعقل، ونفهم الدين فهماً آخر غير فهمنا له اليوم، فماذا يكون من أمر الناس الذين علمناهم قبلاً؟!

لذلك ولغيره يقول القديس يعقوب الرسول فى رسالته ((لا تكونوا معلمين كثيرين يا اخوتى. عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم، لأننا فى أشياء كثيرة نعثر جميعاً)) (يع 3: 2، 1).

وهكذا نسمع أرميا يقول لله ((لا أعرف أن أتكلم، لأني ولد)) (أر 1: 6). ويقول إشعياء النبي عن نفسه انه ((انسان نجس الشفتين)) (أش 6: 5). ونجد القديس باخوميوس ياتون اليه يطلبون كلمة تليق، فلا يتحدث، ولكن يدفع إليهم بتلميذه تادرس فيتحدث روح الله على لسان هذا التلميذ القديس..

وأحد الآباء وهو شيخ، يأتي إليه أخ ليأخذ تعليما فيقول له: ((أمكث فى قلايتك وهى تعلمك كل شئ)) فيرجع الأخ منتفعا.. قصص كثيرة، اقرأها يا أخى بنفسك، وانظر أى درس يعطيك الله عن طريقها. ولى ملاحظة قبل أن أترك هذه النقطة وهى أن تعاليم كثيرة للآباء القديسين وصلت الينا عن أحد طريقين: إما أن الأب الشيخ كان في أثناء حديثه مع الأخوة، يتناول راهب ورقة ويدون ما يقوله الشيخ، وإما أن الأب كان يسجل تأملات له لمنفعته، فيجدونها في قلايته بعد نياحته وينتفعون بها.

هناك يا أخى الحبيب فرق شاسع جدا بين التعليم وحب التعليم: التعليم دعا إليه الكتاب المقدس، وعهد به الى أشخاص معينين، أما حب التعليم ففيه خطر كبير، وفى أحيان كثيرة يكون شيطانا متنكرا... مع حب التعليم ياتى فى كثير من الأحيان إحساس خفي أو ظاهر بالجدارة الشخصية، وبالامتياز عن الآخرين، وكلما يتسع عند الشخص نطاق التعليم كلما يكبر عنده هذه الإحساس، حتى ليدخل الى الكنيسة أحياناً لا لينتفع، بل لينقذ ويقيم من نفسه معلما للمعلمين. انه لا يأخذ أبدا وانما يعطى باستمرار، ومثل هذا الشخص الذى لا يأخذ يأتي عليه وقت يجف فيه. ولا يعد لديه شيء ليعطيه..

أما الاباء فكانوا على عكس هذا تماما. كانوا يتعلمون باستمرار ويأخذون نفعا من كل شئ. كان القديس انطونيوس العظيم يأخذ تعلميا من امرأة ((لا تستحى أن تخلع ثيابها لتستحم. أما راهب)). ((والقديس مكاريوس أب برية شيهيت كلها يأخذ تعلمياً من صبى صغير. وأرسانيوس الذى درس حكمة اليونان والرومان يتعلم من مصرى امى)). هؤلاء الآباء كانت أرواحهم تطوف كالنحلة النشيطة فتجنى من كل زهرة شهدا!

هناك خطوة أخرى فى حب التعليم، ذكرنى بها انسان غيور، شغله التعليم عن نفسه: كان يقرأ فى الكتاب المقدس لا لينتفع، وإنما ليحضر درسا. ويحسن الى الفقراء لا لأنه يحبهم وانما ليكون قدوة للناس. ويحترس فى تصرفاته لا لأنه يؤمن بما يفعله، وإنما لكى لا يعثر الآخرين. ويجلس الى الناس لا ليقتبس من أرواحهم شيئاً وانما ليمتحن حديثهم ((كأستاذ)) ثم يلقى بحكمة شارحا الأوضاع السليمة. بل قال مرة انه كان يقف للصلاة فاذا ما افتقده روح الله. وشعر فى الصلاة بشئ، أو سبحت تأملاته فى شئ، يقطع صلاته ويجلس ليسجل هذه الاختبارات ليعلم بها الناس! لقد انقلبت وسائط النعمة عند هذا الانسان، وأصبح التعليم عنده هو كل شئ.

همسة أخرى أريد أن أهمسها في أذنك الحبيبة الى قلبى وهى ((أى شئ ستعلمه للناس؟ أهو الدين؟ هل تظن الدين مجرد معلومات يملأ بها الإنسان عقله؟ أخشى ما أخشاه يا صديقى المجاهد أن طريقة بعض الناس ستحول الدين إلى علم يدرسونه ويمتحنون فيه كسائر العلوم. وما الدين إلا روح وحياة كما تعرف.

قال لى ((ولكنى معلم فى الكنيسة فماذا أعمل؟)). قلت له ((حية هى روحك يا أخى الحبيب. انك لا تعلم تلك النفوس وانما تحبها. وهذه الأرواح التى تراها منطلقة حواليك. لم تطلقها التعاليم وإنما المحبة، المحبة التى ((لا تسقط أبدا)) لأنها الله..

انطلق من الشعور بالامتلاك

كثيرون يدعون أنهم أغنياء يملكون من قنية العالم أشياء كثيرة. أما أنت يا أخى الحبيب فقد تخلصت من الشعور بالامتلاك منذ أيقنت أن الملكية تقيد روحك.

لقد جئت الى العالم بلا شك فقيرا مثلى، لا تملك فيه شيئاً عريانا خرجت من بطن أمك. لا تملك الاقمطة التى قمطوك بها، ولا الفراش التى أضجعوك عليها، وكل ما (امتلكته) فى العالم بعد ذلك لم يكن فى الواقع الا عطية من الله. لم يكن ملكك وإنما أمانة وضعها الله فى يدك لفترة محدودة هى فترة العمر، وعندما تنقضى حياتك على الأرض ستخرج منها فقيراً كما أتيت، وعريانا كما ولدت. أما قنية العالم التى أدعيت ملكيتها عندما كنت على الأرض والتى تركتها رغما عنك، فسيدعى ملكيتها غيرك، وينتقل من الأرض ليدعى ملكيتها ثالث، وهكذا دواليك..

انك لا تملك شيئا ً اذن، حتى ذاتك. لم يكن لك ذات من قبل إذ لم يكن لك كيان أو وجود. كنت عدماً. ثم خلق الله ذاتك. وعندما سقطت وأصبحت هذه الذات ملكا للموت والهلاك، عاد الله واشتراها بدمه وافتداها لنفسه. أنت اذن من كل ناحية لا تملك شيئا حتى ذاتك، لذلك فالذى يخطئ الى ذاته يخطئ الى الله نفسه، لأنه يفسد نفسا ملكا لله، ويفسد جسدا سر الله بعد أن امتلكه أن يجعله هيكلا لروحه القدوس. وبالمثل من يخطئ الى الآخرين، فإنه مخطئ ضد الله نفسه عن طريق مباشر وغير مباشر. لقد أخطأ داود ضد أوريا الحثى وزوجته ومع ذلك قال لله ((لك وحدك أخطأت)) وليس السبب فى ذلك مخالفته لله فحسب، وانما خطيئته أيضاً ضد كائنين هما ملك الله.

ان شعرت بهذا يا أخى الحبيب أدركت خطورة الخطية فى وضعها الدقيق، أنك لا تملك ذاتك حتى تتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم.

أما من جهة المقتنيات فقد شرحنا كيف أنها جميعا ليست ملكك وإنما هى عطية من الله. أنت مجرد إنسان استؤمن عليها ليدبرها بأمانة كما يليق بوكيل صالح. وهذا التدبير سيسألك الله عنه عندما يقول أعطني حساب وكالتك (لو 16: 2). من أجل هذا نجد ملكا غنيا جدا كداود، يرى الأمور على حقيقتها فيقول: ((أما أنا فمسكين وفقير)) (مز69) لم يكن فقيرا حسب العرف البشرى الخاطئ، ولكنه حقا لا يملك شيئا بحسب النظرة الروحية السليمة. ومن أجل هذا أيضاً كنا نجد الآباء القديسين ينذرون الفقر الاختيارى، وينظرون إليه كأحد الأعمدة التى تقوم عليها حياتهم الرهبانية.

وبهذا يمكنك أن تفهم الصدقة بمعناها الصحيح، انك لا تعطى من مالك شيئاً، وإنما أنت تعطي لخليفة الله من مال الله. الأمر اذن لا يدعو الى البر الذاتى أو الى الفخر، ولا يدعو أيضاً أن تفكر فى الابتعاد عن مدح الناس لك، بأن تمدح نفسك بالتصدق تحت إمضاء ((فاعل خير)) أعجبنى متبرع قرأت إمضاءه فإذا هو: ((فاعل شر يرجو الصلاة من أجله)).

إن الكائن الوحيد الذى يتصدق من ماله على الناس هو الله.

ولست أحب أن اسمى الصدقة فضيلة، حيث انها ليست فضلا أو تفضيلا من المتصدق. وهو لا يعدو أن يكون، كما قلنا، موصلا لنعمة الله إلى الآخرين، وما يقال عن الصدقة يقال عن باقى الأعمال الحسنة التى لا يمكن أن تعتبر فضلا من أحد.

يلحق بالصدقة عنصر آخر وهو الشكر عليها، كيف تقبل يا أخى أن يشكرك الناس على شئ لم تدفعه من عندك، إن كان المال مال الله، فكيف تشكر أنت عليه، وكيف ترضى بقبول هذا الشكر؟ أعط مجدا لله، وتوار ليظهر هو، فهو الذي عمل العمل كله.

ان الشعور بالامتلاك قيد يقيد روحك، ويشعرك بما ليس فيك حقيقة، فاهرب منه ليس انكارا لذاتك، وانما اعترافا بحقيقتك وليكن الله معك.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 8
.

انطلق من سلطان ذاتك

انطلق يا أخى من استعباد ذاتك لك لانك ان وصلت الى اتفاق مع نفسك، وتحررت من الداخل، فلن تستطيع كل الظروف المحيطة أن تؤثر عليك، اذ تكون قد وصلت الى انطلاق الروح.

هل تحسب يا أخى الحبيب أن العالم له سلطان عليك؟ وهل تظن أن العثرات والمغريات هى السبب فى سقوطك؟ كلا. تخطئ كثيرا ان ظننت شيئا من هذا. فقد يكون للعالم أو مغرياته بعض التدخل، ولكن السبب الأساسى الحقيقى لسقوطك هو ذاتك من الداخل.

لو لم تكن قابلا للخطية، مرحبا بها، أو محبا لها، لو لم تكن هكذا ما سقطت.

لقد كان يوسف الصديق يعيش فى جو مشبع بالخطية، وقد أحاطت الخطية فعلا بيوسف فى عنف. ولكنه لم يسقط، لأن كل الاغراءات لم تستطع أن تدخل الى قلبه النقى. فانتصر على الخارج كله، لأنه كان منتصرا فى الداخل.

لا تقل انى سقطت لأن العالم ملئ بالمغريات، ولكن الأصح أن تقول: أنك سقطت لأن فى قلبك حنينا الى تلك المغريات وقبولا لها.

اثنان يمران فى الطريق على حانة، فلا يستطيع أحدهما أن يقاوم منظر زجاجات الخمر المعروضة، فيدخل ويشرب ويسكر. وأما الآخر فيمر على الحانة دون أن يشعر بوجودها أو بوجود الخمر فيها. لا يراها معثرة، ولا تترك فى نفسه أثرا، ولا تغريه لسبب واحد: وهو أن قلبه خال من الحنين الى الخمر، خال من محبتها. قلبه نقي من الداخل لا تقوى عليه المؤثرات الخارجية.

انتصارك إذن فى حياتك الروحية يتوقف على عامل حيوي، وهو نتيجة المعركة الداخلية بينك وبين نفسك. ان استطعت ان تصلب ذاتك فى داخلك، ستخرج الى العالم الخارجى بتلك العين البسيطة التي ترى الخير فى كل شئ، والجمال فى كل شئ، وكما يقول الرسول: ((كل شئ طاهر للطاهرين)) (تيطس 1: 15).

بعض الناس يتحاشون الأوساط الخارجية المعثرة، وهذا حسن وواجب، لأن الله منعنا عن مجالس المستهزئين وطريق الخطاة. ولكن الخطأ هو أن هؤلاء البعض يكتفون بتحاشى الأوساط الخارجية تاركين الحيوان الرابض في أحشائهم كما هو فى شهوته للعالم والأشياء التى فى العالم. أمثال هؤلاء قد يصادفهم النجاح بعض الوقت، ولكن ما أسرع ما يسقطون عندما تضغط عليهم التجربة وتقحم الاغراءات ذاتها فى حياتهم... هؤلاء يحبون الخطية وان كانوا لا يفعلونها، والشخص الذى يحب الخطية قد يسقط فيها – ولو بعد حين – مهما تحاشاها.

أمثال هؤلاء يبتعدون عن الشر، ولكنهم يعتقدون فى نفس الوقت أن عملهم هذا تضحية منهم فى سبيل الله. انهم – كالخطاة تماما – ما زالوا يعتقدون أن الشر لذيذ، والخطية حلو مشتهاة، وما زالوا ينظرون الى الشجرة فيجدونها جيدة للأكل وبهجة للعيون وشهية للنظر، ولكنهم يفترقون فى أمر واحد وهو أنهم لا يمدون أيديهم ليقطفوا. انهم لم ينتصروا فى الداخل، ولم يسكن الله فى قلوبهم لذلك فهناك فى العالم ما يغريهم وما يعثرهم، ففيه الخطية المحبوبة التى يشتاقون اليها ولكنهم يهربون منها خوف السقوط فيها.

أستطيع أن أقول أن هؤلاء – من ناحية الفعل – يطيعون وصايا الله، وإن كانوا لا يحبونها ولا يحبونه.

مثل هذا النوع إذا استمر فى جهاده قد يخلص كما بنار، وقد لا يستطيع أن يستمر فى الجهاد فيسقط ويكون سقوطه عظيماً، لأن بيته ليس مؤسسا على الصخر. أما الوضع الصحيح الذى يكون فيه الروح منطلقاً، فهو عدم الاستعباد للخطية وعدم محبتها، حيث يكون الانسان حرا من تأثير الشر عليه. (فالمغريات) في نظر غيره، ليست هكذا بالنسبة إليه لأنها لا تغريه، بل على العكس هو لا يتفق معها بطبيعته المقدسة، لذلك فهو لا يتجاوب معها، بل ينفر منها دون جهاد ودون تعب، اذ قد ترك هذا الجهاد السلبى، وأصبح جهاده سعيا فى سبيل التعمق فى الروح وفى معرفة الله.

ولكن الإنسان – كما قلنا – لا يمكن أن يصل إلى هذه الحالة ما لم يتنق من الداخل، وينتصر في حربه مع نفسه التى تشتهى ضد الروح. على الانسان أن يصل مع نفسه الى اقتناع أكيد بمرارة الخطية وبشاعتها، وبحلاوة الله ومتعة الحياة معه.

وفى هذه الحرب الداخلية ((يقمع الإنسان جسده ويستعبده)) (1 كو 9: 27) بل ويصلب فى ذاته رغباته وشهواته. لا يقيدها ويتركها تصرخ فتحنن قلبه بصراخها ووعودها، وإنما ينظر إليها بمنظار الله فيجدها حقيرة لا تستحق شيئاً فينفر منها... وهكذا يقول مع الرسول ((مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح الذى يحيا فى)). (غل 2: 20). ألست ترى أن هذا بعضاً مما يقوله السيد المسيح ((من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من أجلى يجدها)) (مر 8: 35).

ولكن هذا الأمر لا يمكن أن يتم بدون معونة خاصة من الله لذلك فالجهاد مع النفس لابد أن يصحبه جهاد مع الله. جاهد يا أخى معه فى ضراعة مرددا قول اسرائيل البار ((لا أتركك حتى تباركنى)) (تك 32: 26). قل له أيضاً: ((تنضح على بزوفاك فأطهر، وتغسلنى فأبيض أكثر من الثلج)) (مز50). وثق أنك اذا خرجت من هذه الحرب منتصرا فمن المحال أن تقوى عليك كل قوى الشر ولو اجتمعت.

ولكنك ترى يا أخى الحبيب أن كل هذا يحتاج الى الخلوة، ومن هنا كانت الخلوة عنصرا أساسيا فى حياة أولاد الله. استطاعوا بها أن يجلسوا الى نفوسهم، وان يجلسوا الى خالقهم، وأن يخرجوا من هذا وذاك بأسلحة متجددة تعينهم فى حياتهم الروحية، وتدفعهم باستمرار الى العمق.. انظر الى حياتك جيدا وتأملها فى صراحة فربما كان أسباب سقوطها افتقارها الى الخلوة.

إن الشخص الذى لم يختبر هذه الخلوة، هو شخص لا يعرف نفسه على حقيقتها. وهو شخص فى أغلب الأحوال يجرفه التيار فلا يعلم الى أين يذهب. انه غالبا يفكر بعقلية الجماعة ويسير على هداها، فينحدر ويظل في انحداره حتى يخلو الى نفسه فيحس أنه ساقط.

أما أنت فلا تكن هذا الشخص. حدد لنفسك أوقاتا مقدسة تراجع فيها سيرتك، وتتذكر فيها المبادئ السامية التى اقتنعت بها منذ زمان، ولتسترجع أمامك حياة المنتصرين من أولاد الله، وتغذى نفسك بكلام الله وأقوال الآباء وسيرهم، وتسكب نفسك أمامه فى حرارة وعمق. تأخذ منه خبزك اليومى الذى لا غنى لنفسك عنه.

الله معك يقويك، ويهبك القداسة التى من عنده، ويغفر لنا خطايانا.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 9
.

((هل تحسب أنى سأحاسب وحدي على خطاياى؟.. كلا، بل انكم ستقتسمون الحساب معى... فلو اعتنت بى الكنيسة ما كنت أصل الى هذه الحالة!!)).

مساكين

قال لى وهو ينفث دخان سيجارته فى وجهى: ((لعلك تعجب من حالتى الآن)) فنظرت الى شعره الطويل المصفف اللامع وعينيه الغائرتين، وأسنانه الصفراء، وأصابعه المرتعشة فى عصبية ظاهرة، وشعرت نحوه بكثير من الأشفاق... انه واحد من الذين فداهم المسيح بدمه.. وقبل أن أجيبه بشئ استطرد فى مرارة: ((اننى لم أكن هكذا كما تعلم... كنت قوى الروح، رضى الخلق، مواظبا على الكنيسة، ثم أخذت أفتر شيئاً فشيئاً حتى انقطعت عن حضور الاجتماعات فلم تفتقدنى الكنيسة أو تسع لارجاعى، وزاد غيابى وزاد معه فتورى، وضعفت ارادتى، وظللت أهوى من قمتى العالية قليلا دون أن يفتقدنى أحد.. إلى أن افتقدني الشيطان.. وعندما أتى وجد قلبى مزينا مفروشا ووجد ارادتى منحلة، ولم يجد حولى انجيلا ولا صلاة ولا واحدا من المرشدين الروحيين، وهكذا ضعت فريسة سهلة، وسرت فى الظلام.. الظلام المحبوب الذى أحبه الناس أكثر من النور)). وهز رأسه فى هدوء وقال: ((اننى أشترى الآن أربع علب من التبغ كل يوم)).

وشهقت فى دهشة وألم ولكنه استمر ((وأذهب الى دور الخيالة ما لا يقل عن ثلاث مرات فى الأسبوع، وأقرأ القصص العابثة، واتسلى بالأغاني الماجنة. واصطحب جماعة كأنهم من زبانية الجحيم.. فى بدء سقوطى كنت أقاوم الخطيئة ولا أستطيع، لضعف ارادتى.. أما الآن فانى لا أقاوم على الاطلاق)) ثم ضحك فى استهتار وقال: ((بل أخشى أن أقول إن الخطيئة هى التى تقاومنى، ولكنها لا تستطيع لضعف ارادتها))!

وكنت خلال ذلك حزينا جدا، أما هو فنظر الى نظرة قاسية وقال فى حدة: ((هل تحسب أننى سأحاسب وحدي على خطاياى. كلا. بل انكم ستقتسمون الحساب معى.. فلو اعتنت بى الكنيسة ما وصلت الى هذه الحالة)).

ليس المهم يا صديقى القارئ أن أكمل لك قصة هذا الشاب فإنها واحدة من شبيهات كثيرات. على أنني أقول لك انني رجعت الى منزلى فى تلك الليل وانا فى غاية الألم من أجله ومن أجل نفسى. أخذت أسائل نفسى فى صراحة: كم شخص مثل هذا تدهورت حالته نتيجة لعدم افتقادى وعدم اهتمامى؟ وأخذت أستعرض أسماء الذين لم أفتقدهم منذ مدة، وانتابني خوف وهلع، وشعرت نحوهم بكثير من القلق، ثم تساءلت: ألعل وجودى خادما هو معطل لخدمة الله.. ورنت فى أذنى عبارة الشاب ((انكم ستقتسمون الحساب معى)) وتذكرت قول القديس يعقوب الرسول: ((لا تكونوا معلمين كثيرين يا اخوتى عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم لأننا فى أشياء كثيرة نعثر جميعاً)).

ولما استمرت حالة الاضطراب مدة معى، طلبت اعفائي من الخدمة، واذ رفض طلبى ارتميت أمام الله وبكيت بكاءا مرا عرفت اننى مسكين...

مسكين عندما رضيت أن أكون خادما ولم أقل عبارة أرميا: ((آه يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأنى ولد)). ومسكين عندما كنت أحسب الدرس مجرد محاضرة القيها فى هدوء وانصرف فى هدوء.

يا اخوتى القراء صلوا من أجلى جميعاً، ومن أجلى كل مدرسى مدارس الأحد فانهم مساكين مثلى ومحتاجون.

وإذ أشكو واتألم من مسئولية فصل صغير، ماذا أقول يا اخوتى عن آبائى الكهنة؟ أليسوا هم بالأكثر مساكين جدا، ماذا يفعل الكاهن وهو مسئول عن خمسة أو عشرة الاف نسمة؟ ماذا يجيب عندما يناديه الله ((أعطني حساب وكالتك)).

فى كنيسة الآباء الأول كان يعاون الكاهن جماعة من الشمامسة، يعملون معه ويساعدونه فى الخدمة ويأكلون مثله من مال الكنيسة. أما الآن فان أبانا الكاهن يعمل بمفرده، فصلوا من أجله كثيرا حتى يعينه الله على اتمام واجبه، وأنت يا أبى الكاهن ما الذى دفعك الى الكهنوت؟ هل نظرت إلى امتيازه أم الى مسئوليته؟ ألا تعرف يا أبى أنك مسئول عن كل رعيتك: الكبار والصغار، الرجال والنساء، الشبان والشابات. ولست مسئولا عمن يحضرون الكنيسة فحسب، بل أيضاً عمن فى دور العبث والفساد، عن كل شاب ماجن فى الطريق، وكل سكير فى حانة، وكل نزاع فى أسرة.

ان لم تعرف با أبى أنك مسكين جدا فخير لك أن تعرف هذا من الآن. فادخل الى مخدعك وابك بكاءا مرا. سلم الأمر لله. قل له انك ضعيف، وان حملك ثقيل، جاهد واسهر، لئلا يأتي بغتة فيجدك نائما.

ان كان أبونا الكاهن هكذا فماذا نقول يا اخوتى عن آبائنا الأساقفة، الذين سيسأل الله كل واحد منهم عن حوالى مائتى ألف نسمة أو أكثر، كهنة وعلمانيين؟! ألا تروا معى يا اخوتى أنهم مساكين جدا. فصلوا من أجلهم بلجاجة حتى يساعدهم الله على أداء أعمالهم. وأنت يا أبى الأسقف ما الذى دفعك الى الأسقفية. أهو المنصب أم المسئولية؟ هل اشتهيت فيه المركز والسلطة ولقب ((صاحب النيافة)) وعضوية المجمع المقدس، أم أنك تشتهى تخليص النفوس!

ثم ماذا فعلت يا سيدى الأسقف بخصوص مسئوليتك؟ قارن حال الايبارشية منذ توليتها حتى الآن... هل تقدمت أم زالت كما هى؟ يحسن بك يا أبى الاسقف أن تدخل الى قلايتك وتبكى بكاءاً مراً. تذكر أن الرهبان القديسين كانوا يهربون من هذا المنصب لأن مسئوليته مخيفة. فاذا ما أمسك واحد منهم بالعنف ورسم أسقفاً رغما عنه كان يبكى ويصرخ أمام الله قائلا: ((أنت تعرف يا رب أننى ذهبت الى الدير لأخلص نفسى، وهأنذا قد أرجعت الى العالم ولم أخلص نفسى بعد، ومطلوب منى العمل على تخليص الآخرين أيضاً. وأنا يارب لا أستطيع، فاعمل أنت)) وكان الله يعمل.

ثم ماذا عن آبائنا البطاركة الذين سيسأل الله كل واحد منهم عن حوالى ثلاثة ملايين نسمة فى مصر، وعدد أكثر من هذا فى الحبشة والسودان والخمس مدن الغربية التي نسمع عنها فى القداسات... ماذا نقول عن هؤلاء ومسئولياتهم الخطية؟ أليسوا هم أيضاً مساكين؟... صلوا يا أخوتى من أجل كل بطريرك حتى يتمكن من القيام بواجبه وحتى يعطى جوابا حينما يسأله الله عن نفسه ونفوس الأساقفة والقسوس والشمامسة والرهبان والعلمانيين، وعندما يسأله عن حفظ قوانين الكنيسة وعن نشر الأرثوذكسية فى العالم...

وأنتم يا من سترشحون للبطريركية فى يوم ما، أن عرضت عليكم فاهربوا لحياتكم، وإن دعاكم الله فانظروا إلى مسئولياتها، وادخلوا الى قلاليكم وابكوا أمام الله بكاءا مرا.

يا اخوتى القراء: لا تنظروا الى خدام الله ومن يتحملون المسئوليات نظرة المتفرج تمدحونهم إن أحسنوا وتحاسبونهم إن أساءوا وإنما صلوا من أجلهم حتى ينجح العمل.

وأنت يا سيدى الخادم اهتم بالمسئولية وليس بالمنصب ومتى شعرت بالعبء ألق على الرب همك وهو يعولك.

أغلق الباب وحاجج

فى دجى الليل يسوعا

واملأ الليل صلاة

وصراعا ودموعا

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 10
.

حدث فى تلك الليلة

((... قد كرسوا كل حياتهم لله فكانت كل دقيقة من أعمارهم تنفق فى الخدمة... وهكذا كانوا يعتبرون الخدمة الروحية عملهم الرئيسى، ويرون باقى أعمال العالم أمورا ثانوية)).

فى تلك الليل أننى كنت وحيدا في غرفتى الخاصة، متمددا على مقعدى وناظرا الى لا شئ، واذ بابتسامة خاطئة تمر على شفتى – لعلني كنت أفكر فى نفسى كخادم – وهنا حدث حادث غريب: هل ثقلت رأسي فنمت. أم اشتطت أفكارى فتحولت الى أحلام؟ أم أشهر الله لى احدى الرؤى؟ لست أدرى. ولكننى أدرى شيئاً واحدا وهو أننى نظرت فاذا أمامى جماعة من الملائكة النورانيين، وإذا بهم يحملونني على أجنحتهم ويصعدون بى إلى فوق، وأنا أنظر إلى الدنيا من تحتى فإذا هى تصغر شيئاً فشيئاً حتى تتحول الى نقطة صغيرة مضيئة فى فضاء الكون، وأنصت إلى أصوات العالم وضوضائه فإذا هى تأخذ فى الخفوت حتى تتحول الى سكون، وأتأمل نفسى فاذا بجسمى يخف ويخف حتى أحس كأننى روح من غير جسد – فأتلفت فى حيرة حولى لأرى أرواحا كثيرة سابحة مثلى فى الفضاء اللانهائى، وأرى من الملائكة ألوفا وربوات ربوات – ها هم الشاروبيم ذوو الستة الأجنحة والساروفيم الممتلئون أعينا – وها هى أصوات الجميع ترتفع فى نغم واحد موسيقي عجيب ((قدوس، قدوس، قدوس)) ولا أتمالك نفسى فأنشد معهم دون أن أحس ((قدوس الله الآب... قدوس ابنه الوحيد... قدوس الروح القدس)) واستيقظ عن انشادى لأسمع نغمة قدسية خافتة لم تسمعها أذن من قبل، فاتجه فى شوق شديد نحو مصدر الصوت، فإذا أمامى على بعد مدينة جميلة نورانية معلقة فى ملك الله، تموج بالتسبيح والترتيل، كلما أسمع منها نغما يمتلئ قلبي فرحاً، وتهتز نفسى أشتياقا، ثم أنا انظر فأرى فى المدينة على بعد أشباحا أجمل من الملائكة: هوذا موسى ومعه ايليا وجميع الأنبياء، هوذا أنبا أنطونيوس وأنبا أثناسيوس وجميع القديسين، ها هم آبائى الأساقفة وآبائي الكهنة – وها هو أب اعترافي – ثم ها هم زملائى مدرسى مدارس الأحد... ولم أستطع أن أتأمل أكثر من ذلك بل اندفعت فى قوة نحو تلك المدينة النورانية، ولكن عجبا – اننى لا أستطيع التقدم، فهناك ملاك جبار كله هيبة وجلال ووقار يعترض سبيلى قائلا:

__ ((مكانك قف! الى أين أنت ذاهب؟)) فأجيبه:

__ ((الى تلك المدينة العظيمة يا سيدى الملاك – إلى حيث زملائى واخوتى وآبائي القديسون)). ولكن الملاك ينظر الى فى دهشة ويقول:

__ ((ولكنها مدينة الخدام فهل أنت خادم؟)) فلما أجبته بالإيجاب قال لى:

__ ((انك مخطئ يا صديقى فاسمك ليس فى سجل الخدام)).

وعصفت بى الدهشة فصرخت فى هذا الملاك حارس المدينة:

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 11
.

__ ((كيف هذا؟ لعلك لا تعرفنى يا سيدى الملاك. اسأل عنى مدارس الأحد واجتماعات الشباب واسأل عنى الكنائس والجمعيات. بل اسأل عنى أيضاً فى مدينة الخدام إذ يعرفنى هناك كثير من زملائى مدرسى مدارس الأحد...)). وأجابني الملاك فى صرامة وصراحة:

__ ((اننى أعرفك جيدا، وهم أيضاً يعرفونك، ولكنك مع ذلك لست بخادم فهذا حكم الله)).

ولم أحتمل تلك الكلمات، فوقعت على قدمى أبكى فى مرارة، ولكن ملاكاً أخر أتى ومسح كل دمعة من عينى، وقال لى فى رفق:

__ ((انك يا أخى فى المكان الذى هرب منه الحزن والكآبة فلماذا تكتئب؟ - تعال معي ولنتفاهم)).

وجلسنا منفردين نتناقش فقال لى:

__ ((ان أولئك الذين تراهم فى مدينة الخدام قد كرسوا كل حياتهم لله، فكانت كل دقيقة من أعمارهم تنفق فى الخدمة. أليست هكذا كانت حياة بولس وباقى الرسل؟ أليست هكذا كانت حياة موسى والأنبياء؟ أليست هكذا كانت حياة الأساقفة والكهنة والشمامسة؟ أليست هكذا كانت حياة القديسين؟ أما أنت يا صديقى فلم تكن مكرسا بل كنت تخدم العالم. وكل ما لك من خدمة روحية هو ساعة واحدة فى الأسبوع تقضيها فى مدارس الأحد. وأحيانا كانت خدماتك الأخرى تجعلك تعطى الله ساعة ثانية، فهل من أجل ساعتين فى الأسبوع تريد أن تجلس الى جانب الرسل والأنبياء والكهنة فى مدينة الخدام؟)). وكنت مطرقاً خجلا أثناء ذلك الحديث كله، غير أننى قاومت خجلى وتجرأت وسألت الملاك: ((ولكننى أرى فى مدينة الخدام بعضا من زملائى مدرسى مدارس الأحد وهم مثلى فى خدمتى)) فأجابني الملاك:

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 12
.

__ ((كلا! انهم ليسوا مثلك. حقيقة انهم كانوا يخدمون ساعة أو أكثر فى مدارس الأحد ولكنهم كانوا يقضون الأسبوع كله تمهيدا لتلك الساعة، فكانوا يصرفون وقتا كبيرا فى تحضير الدروس ووسائل الايضاح، وطرق التشويق، والصلاة من أجل كل ذلك، وبحث حالات التلاميذ واحدا واحدا، والتفكير فى طريقة لاصلاح كل فرد على حدة، يضاف الى ذلك انشغالهم فى الافتقاد، وفى ابتكار طرق نافعة لشغل أوقات تلاميذهم أثناء الأسبوع – ثم كانت لهم خدمات أخرى مختفية لا تعرفها، وهكذا كانوا يعتبرون الخدمة الروحية عملهم الرئيسى، ويرون باقى أعامل العالم أمورا ثانوية – لا أعنى أنهم أهملوا مسئولياتهم وواجباتهم العالمية بل كانوا مخلصين لها جدا وناجحين فيها للغاية وان كان عملهم العالمى أيضاً لا يخلو من الخدمة، وهكذا حسبهم الله مكرسين)).

وعجب من هذه العبارة فسألت: ((وكيف أستطيع أن أكون خادما وأنا مشغول بعملى العالمى؟)) فأجابنى الملاك:

((لعلك نسيت يا أخى عمومية الخدمة! يجب أن تخدم الله فى كل وقت وفى كل مكان: فى الكنيسة وفى الطريق وفى منزلك وفى مكان عملك وأينما حللت أو تنقلت)).

لا يجب إذن الفصل بين المهنة والخدمة، فعندما فى مدينة الخدام مدرسون استطاعوا أن يجذبوا كل تلاميذهم المسيحيين الى مدارس الأحد، وأن يصلحوهم ويتعهدوهم بالعناية المستمرة. وعندنا فى مدينة الخدام أطباء لم يتخذوا الطب تجارة وإنما اهتموا قبل كل شئ بصحة مرضاهم مهما كانت حالتهم المالية، فكانوا فى أحيان كثيرة يداوون المريض ويرسلون له الدواء – كل ذلك بدون أجر. بل كانوا يقومون بتأسيس المستشفيات والمستوصفات المجانية، وعندنا فى مدينة الخدام موظفون استطاعوا أن يقودوا كل زملائهم فى العمل الى الكنيسة للاعتراف والتناول من الأسرار المقدسة. وهناك أيضاً مهندسون ومحامون وفنانون وتجار وصناع: كل أولئك كانوا خداما فى مهنهم، فهل كنت أنت كذلك؟)).

فخجلت من نفسى ولم أجب ولكن الملاك قال لى فى تأنيب مؤلم:

__ ((هذا عن الخدمة فى مكان عملك: ثم ماذا عن خدمتك فى أسرتك! – أن يشوع الذى تراه فى مدينة الخدام كان يقول ((أما أنا وبيتى فنعبد الرب)). اما أنت فلم تخدم بيتك بل كنت على العكس فى نزاع مستمر مع أفراد أسرتك، بل فشلت فى أن تكون قدوة لهم وأن تجعلهم يقتدون بك. ثم ماذا عن أصدقائك وزملائك وجيرانك ومعارفك؟ كنت تزورهم فى عيدى الميلاد والقيامة دون أن تحدثهم عن الميلاد والقيامة، وعن الولادة الجديدة والقيام من الخطية بل تفرح معهم فرحا عالميا، وأتيحت لك فرص كثيرة لخدمتهم ولم تستغلها، فهل تعتبر نفسك بعد كل ذلك خادماً؟!)).

وطأطأت رأسى خجلا للمرة الثالثة، ولكنى مع ذلك احتلت على الاجابة فقلت:

__ ((ولكنك تعلم يا سيدى الملاك أننى شخص ضعيف المواهب ولم أكن مستطيعا أن أقوم بكل تلك الخدمة.

واندهش الملاك، وكأنما سمع هذا الرأى لأول مرة، فقال في حدة:

__ ((مواهب؟ ومن قال انك بدون المواهب لا تستطيع أن تخدم! هناك يا أخى ما يسمونه العظة الصامتة: لم يكن مطلوبا منك أن تكون واعظا وإنما أن تكون عظة... ينظر الناس الى وجهك فيتعلمون الوداعة والبشاشة والبساطة، ويسمعون حديثك فيتعلمون الطهارة والصدق والأمانة، ويعاملونك فيرون فيك التسامح والإخلاص والتضحية ومحبة الآخرين فيحبوك ويقلدوك ويصيروا بواسطتك أتقياء دون أن تعظ أو تقف على منبر، ثم هناك صلاتك من أجلهم وقد تجدى صلاتك أكثر من عظاتك)).

__ ((وكان يجب عليك أيضاً – كعظة صامتة – أن تبتعد عن العثرات فلا تتصرف تصرفا مهما كان بريئا فى مظهره إن كان يفهمه الآخرون على غير حقيقته فيعثرهم – وهكذا تكون (بلا لوم) أمام الله والناس كما يقول الكتاب: جاعلا أمام عينيك كخادم قول بولس الرسول: ((كل الأشياء تحل لى، ولكن ليس الأشياء توافق)) (1 كو 6: 12).

وتأملت حياتى فوجدت أننى فى أحوال كثيرة جعلت الآخرين يخطئون ولو عن غير قصد. وقطع على الملاك حبل تأملاتى قائلا فى رفق:

__ ((ولكن ليس هذا هو كل شئ. اننى اشفق عليك كثيراً يا صديقي الإنسان. وقد كنت أشفق عليك بالأكثر أثناء وجودك فى العالم، وخاصة فى تلك اللحظات التى كنت تتألم فيها من (البر الذاتى). كنت تنظر الى خدماتك الكثيرة فتحسب أنك مثال للخدمة بينما لم تكن محسوبا خادما على الاطلاق. ولعلك قد اقترفت أخطاء كثيرة أخرى، منها أن خدمتك كانت خدمة رسميات، فقد كنت تذهب الى مدارس الأحد كعادة أسبوعية، وكعادة أيضاً كنت تصلى بالأولاد، وكنت ترصد الغياب والحضور، فتعطى للمواظب جائزة، وتهمل الغائب كأنك غير مسئول عنه. وهكذا خلت خدمتك من الروح ومن المحبة، ولم تستطع أن تصل الى أعماق قلوب الأولاد، لأن كلماتك وتصرفاتك لم تكن خارجة من أعماق قلبك. ولم يكن فى الترتيل الذي تعلمهم إياه روح البهجة، ولم تكن فى صلاتك معهم روح الانسحاق أو التأمل او التضرع. ولم تكن فى أوامرك لهم روح المحبة. وهكذا لم تحدث فى خدمتك تأثيرا. وكذلك كنت فى عظاتك فى الكنائس أيضاً: تعظ لأن الكاهن طلب منك ذلك فوعدته وعليك أن تنفذ، فكنت تهتم بتقسيم الموضوع وتنسيقه، وإخراجه في صورة تجذب الاعجاب أكثر مما تهتم بخلاص النفوس، وكان صوتك رغم علوه وايقاعه ووضوحه باردا خاليا من الحياة، وكنت تبتهج – ولو داخلياً فقط – بمن يقرظ موضوعك دون أن تهتم هل جدد الموضوع حياة ذلك الشخص أم لا. ألا ترى معى يا صديقى أنك كنت تخدم نفسك ولم تكن تخدم الله ولا الناس. ولعل من دلائل ذلك أيضاً أنك كنت ترحب بالخدمة فى الكنائس الكبيرة المشهورة الوافرة العدد دون الكنائس الصغيرة غير المعروفة كثيرا.

((ثم أنه نقص من خدمتك فى هذه الناحية أمران هما: حب الخدمة وحب المخدومين... أما عن حب الخدمة فيتجلى فى قول السيد المسيح: ((طوبى للجياع والعطاش الى البر)) فهل كنت جوعانا وعطشانا إلى خلاص النفوس؟ هل كنت طول الأسبوع تحلم بالساعة التى تقضيها وسط أولادك فى مدارس الأحد؟ هل كنت تشعر بألم إذا غاب أحدهم، وبشوق كبير الى رؤية ذلك الغائب فلا تهدأ حتى تجده وتعيد عليه شرح الدرس! – ثم الأمر الآخر وهو حب المخدومين: هل كنت تحب من تخدمهم، وتحبهم الى المنتهى مثلما كان السيد المسيح يحب تلاميذه؟ هل كنت تعطف عليهم فتغمرهم بالحنان؟ وهل أحبك تلاميذك أيضاً؟ أم كنت تقضي الوقت كله فى انتهارهم ومعاقبتهم بالحرمان من الصور والجوائز؟ من قال لك ان تلك الطريقة صالحة لمعالجة الأولاد؟ إن المحبة يا صديقى الإنسان هى الدعامة الأولى للخدمة. إن لم تحب مخدوميك لا تستطيع أن تخدمهم، وإن لم يحبوك لا يمكن أن يستفيدوا منك)).

واطرقت فى خجل مرير وقد تكشفت لى حقيقتى بينما نظر الى الملاك نظرة كلها عطف ومحبة وقال:

__ ((أريد أن أصارحك بحقيقة هامة وهى أنه كان يجب أن تقضى فترة طويلة فى الاستعداد والامتلاء قبل أن تبدأ الخدمة – لأنك وقد بدأت مبكرا ولم تكن لك اختبارات روحية كافية، وقعت فى أخطاء كثيرة)).

ونظرت اليه فى تساؤل وكأنما شق على أن أخطئ وقد كلفت باصلاح أخطاء الاخرين، فأجاب الملاك على نظرتى بقوله:

__ ((هناك ولد طردته من مدارس الآحد لعصيانه وعدم نظامه – فأوجد هذا الطرد عنده لونا من العناد وقذف به الى الأحضان الشارع والصحبة الشريرة، فأصبح أسوأ من ذى قبل، وحاقت به من تصرفك أضرار جسيمة، خاصة وأنه فى حالته الجديدة فقط المرشد والعناية، ولابد أنك مسئول عن هذا لأنه فى حدود عملك)).

فأجبت (ولكنه يا سيدى الملاك كان يفسد على الدرس، بل كان قدوة سيئة لغيره).

فأجاب الملاك فى مرارة:

__ ((وهل من أجل ذلك طردته؟ يا لك من مسكين: هل أرسلك السيد المسيح لتدعو أبرارا أم خطاة الى التوبة؟؟ أن تلاميذك القديسين الذين كنت بسببهم تحارب نفسك بالبر الذاتى، ترجع قداستهم إلى عمل الله فيهم. أما ذلك المشاكس فهو الذى كان يجب أن تتناوله بالرعاية. لمثل هذا النوع دعاك الله. ولو أنك كرست جهودك كلها لاصلاح هذا الولد فقط ولم يكن لك فى حياة الخدمة غير هذا العمل، لكان هذا وحده كافيا لدخولك مدينة الخدمة... كان يجب أن تقدر قيمة النفس وأن يكون لك الكثير من طول الأناة.

فخادم مدارس الأحد الذى تخلو مؤهلاته من هاتين الصفتين. لا يستحق أن يكون خادما.

فقلت للملاك فى رجاء: ((وماذا كنت تريدني أن أعمل مع هذا الولد)) فأجاب:

__ ((تخدمه بقدر ما تستطيع، وتختبر نفسيته وتعالجه بحسب ظروفه، وتصلى كثيرا من أجله – فإذا ما فشلت فلا نطرده وإنما حوله الى فصل آخر، فقد ينجح زميل لك من المدرسين فيما فشلت أنت فيه – فاذا لم ينفع هذا أيضاً يمكنكم أن تخصصوا فصلا أو أكثر من مدارس الأحد للآولاد المشاغبين، يعامل فيها هؤلاء الأولاد معاملة خاصة وفق طبائعهم – ويمكن أن تكثروا من افتقادهم ومن تقريبهم إلى قلوبكم على الآ يطرد واحد منهم مهما أدى الأمر. أنهم ليسوا بأكثر شرا من الحالة الأولى لزكا أو المرأة السامرية أو مدينة نينوى. وخادم الله لا يعرف اليأس مطلقا ما دامت له الصلاة المنسحقة والقلب المحب)).

وشعرت بندم على تصرفاتى القديمة، ولكن الملاك استطرد:

__ ((ثم هناك ولد آخر غاب عن فصلك أسبوعا ثم أسبوعين فلم تفتقده وكل ما فعلته كموظف رسمى فى مدارس الآحد (!!!) انك رصدته فى سجلك ضمن الغائبين، واستغل الولد عدم افتقادك فاستمر فى غيابه، وانتهزت أنت فرصة غيابه المستمر: فشطبت اسمه من قائمتك)).

ونظر إلى الملاك فى صرامة وقال:

((لماذا لم تفتقده؟)) وضعفت أمام حدة صوته ونظرته، فصمت خوفا، بينما كرر سؤاله مرة أخرى فى عنف ((لماذا لم تفتقده؟)) وشعرت بعاصفة تجتاح رأسى ولم أجب، بينما ارتعش الملاك وقال فى اضطراب:

__ ((ان حالته الروحية تدعو الآن الى الرثاء، ولو استمر على هذه الحالة فانه سوف...)). واختلج صوت الملاك وصمت قليلا ثم قال:

__ ((اننى وكثير من الملائكة نصلى من أجله حتى ينقذه الله... وعندما يستجيب الله صلاتنا ويرسل إليه خادما آخر أمينا فى خدمته، وعندما ينقذ الولد، فإن انقاذه سوف لا يخليك من المسئولية)).

وكان صوته خافتا متألما لم أحتمل سماعه، فشعرت بالمناظر تدور أمام عيني ثم وقعت مغشيا على...

وعندما أفقت كان الملاك ينظر الى فى اشفاق، وساعدتنى نظرته على التكلم فقلت:

((سامحنى يا سيدى الملاك فقط كان فى فصلى ثلاثون ولدا لم أستطع أن أفتقدهم جميعهم)) فأجابنى: ((وحتى أنت وقعت فى هذه التجربة؟ فى اغراء العدد؟ إن الله لا يقيس الخدمة بعدد التلاميذ، وإنما بعدد المتجددين الخالصين منهم... أنا أعرف أنه كان صعبا عليك أن تهتم بثلاثين ولدا من ناحية النظام والافتقاد والرعاية والتعليم، بل كان من الصعب عليك أن تحفظ مجرد أسمائهم، فلو تستطيع أن تقول من المسيح ((خرافي تعرفني وأنا أعرفها)). ولكن لماذا لم تقتصر فى خدمتك على عشرة أولاد مثلا؟...)).

وفضلت الصمت لأنى لم أجد جوابا. أما الملاك فانه قال فى اشفاق:

__ ((هل تعلم ما هو أهم سبب فى فشلك غير ما قلناه؟ أنه اعتمادك على نفسك. وهكذا نسيت أن تصلى وتصوم من أجل الخدمة. ان زملاءك مدرسى مدارس الأحد الذين فى مدينة الخدام كانوا يقيمون صلاة وصوما خصيصا من أجل فصولهم، وكانوا فى كل يوم من أيام الأسبوع يذكرون أولادهم واحدا واحدا أمام الله طالبين طلبة خاصة من أجل كل واحد، بل كانوا يطلبون من آبائهم الكهنة اقامة قداسات خاصة من أجل الأولاد فهل كنت كذلك؟

((هذا كله عن الخدمة الروحية، ثم ماذا عن خدمتك المادية؟ هل ظننتها أمرا ثانويا؟ ألم تعلم أن الغنى الذى عاصر اليعازر هلك لأنه لم يشفق على اليعازر المسكين؟ ألم تسمع المسيح يقول للهالكين (كنت جوعانا فلم تطعموني، كنت عطشانا... كنت عريانا... كنت مريضا...) فماذا فعلت أنت؟ ألم تتمسك ببعض الكماليات بينما كان اخوتك محتاجين الى الضروريات؟ ألم...)).

ولم أحتمل أكثر من ذلك فصرخت فى ألم ((كفى يا سيدى الملاك، الآن عرفت أننى غير مستحق مطلقا لدخول مدينة الخدام - فقد كنت مغرورا يا سيدى ومغرورا جدا – أما الآن وقد عرفت كل شئ فانى أطلب فرصة أخرى أعمل فيها كخادم حقيقى.

فقال لى الملاك: ((لقد أعطيت لك الفرصة ولم تستغلها ثم انتهت أيامك على الأرض...)).

فألحت عليه وظللت أبكى وأرجوه، أما هو فنظر الى فى اشفاق ومحبة وتركنى ومضى وأنا ما أزال أصرخ ((أريد فرصة أخرى – أريد فرصة أخرى)). فلما اختفى عن بصرى وقعت على قدمى وأنا أصرخ ((أريد فرصة أخرى)) ثم دار الفضاء أمامى ولم أحس بشئ...

ومرت على مدة وأنا فى غيبوبة طويلة، ثم استفقت أخيرا وفتحت عيني ولكني دهشت، وازدادت دهشتي جدا.. وظللت أنظر حولى وأنا لا أصدق، ثم دققت النظر الى نفسى فاذا بى ما أزال وحيدا فى غرفتى الخاصة متمددا على مقعدى... يا لرحمة الله... أحقا أعطيت لى فرص أخرى لأكون خادما صالحا؟... وقمت فقدمت لله صلاة شكرعميقة، ثم عزمت أن أخبر اخوتى بكل شئ ليستحقوا هم أيضاً الدخول الى مدينة الخدام. وهكذا امسكت بعض أوراق بيضاء، وأخذت أكتب ((حدث في تلك الليل...)).

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 13
.

هو ذا تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد الى خاصته.

وَتتركوننى وَحدى

واقف وحده..

كان ذلك المحب الحنون الطيب القلب يجول يصنع خيرا ينتقل من قرية الى قرية ومن مدينة الى مدينة يكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف فى الشعب.. ومع ذلك، اجتاز حياة مليئة بالألم. وكان الجميع يتركونه وحده، على الرغم من أنه فى حنانه لم يترك أحدا. وهكذا وجدناه وحيدا فى متاعبه وآلامه، وحيدا فيما يتعرض له من ظلم واضطهاد: لم يدافع عنه أحد، ولم يقف الى جواره أحد، وإنما ((جاز المعصرة وحده)).

كان يصلى فى بستان جثسيمانى، وكان يكلم الآب فى لجاجة وقد سال ((عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض))، وهو يصرخ في اكتئاب ((يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس)) أما تلاميذه أحباؤه وأصدقاؤه، فقد تركوه وحده وناموا، ثلاث مرات يرجوهم ان يسهروا معه ساعة واحدة وهم لا يستجيبون له؟ (متى 26: 38 - 45).

وعند القبض عليه تفرق تلاميذه كل واحد الى خاصته وتركوه وحده كما سبق أن قال لهم (يو 16: 32). ولما حوكم لم يدافع عنه أحد، وهو الذى دافع عن أشهر الخطاة... وفي آلامه لم يكن هناك من يعزيه. انه درس يعطيه لنا السيد الرب عندما يضطهدنا الجميع، وعندما يتركنا حتى تلاميذنا أيضاً، ويقف كل منا وحده...

وليس فى وقت الآلام فقط، وانما فى كل حياته أيضاً.. كان يكلم اليهود في الهيكل محدثا اياهم عن التناول من جسده ودمه، وإذ صعب على البعض فهم هذا الأمر. يقول القديس يوحنا: ((من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذ الى الوراء ولم يعودوا يمشون معه، فقال يسوع للاثني عشر ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا)) (يو 6: 66).

وفى مرة من المرات دعا البعض إليه، فاعتذر واحد ببقرته التي يريد أن يختبرها، واعتذر الآخر لأنه مشغول بزوجته، واعتذر الثالث لمشغوليته بحقله. وتركه الجميع وحده، مع أنهم كانوا ثلاثتهم ممن أنعم عليهم (لو 14: 18 - 20).

ويعوزني الوقت يا أخي إن حدثتك عن المسيح الواقف وحده الذي ((الى خاصته جاء وخاصته لم تقبله)) (يو 1: 11) ذلك النور الذى جاء الى العالم واحب العالم الظلمة أكثر من النور)) (يو 3: 19).

كل ذلك حدث فى القديم وما زال يحدث حتى الآن. نفس الصورة القديمة: المسيح واقف، والعالم منشغل عنه بملاذه وملاهيه وطيشه، ليس من يهتم بيسوع، ليس ولا واحد، ليس من يجلس اليه كمريم أخت مرثا، أو يتكئ فى حضنه كيوحنا بن زبدى، أو يغسل قدميه كالمرأة الخاطئة. والمسيح نفسه يشعر بهذه الوحدة ويعرف أن غالبية العالم منصرفة عنه بل إن الكتاب ليتساءل أكثر من هذا: عندما يأتي المسيح الى العالم ألعله يجد الإيمان على الأرض؟!

فهل أنت أيضاً تارك الرب يسوع وحده، ألك ما يشغلك عنه – اسأل نفسك؟

كان وحيدا فى تفكيره:

قليلون كانوا يفكرون فى المسيح، وحتى هؤلاء الذين كانوا يفكرون فيه ويتحدثون معه ويستمعون اليه، هؤلاء أيضاً كانت لهم طريقتهم الخاصة فى التفكير، التى كثيرا ما كنت تتعارض مع طريقة المعلم الصالح.

يذهب السيد إلى السامرة فتطرده تلك المدينة الخاطئة وتغلق أبوابها فى وجهه، وهنا يلتفت التلميذان اللذان كانا مع المسيح ويقولان له: ((إن شئت يا رب أن تنزل نار من السماء وتحرق هذه المدينة))! ويرد عليهما السيد: ((لستما تعلمان من أى روح أنتما لأن ابن الانسان لم يأت ليهلك العالم بل ليخلص العالم)). كان هذان التلميذان يفكران بطريقة غير طريقة معلمهما الطيب الذى يشعر أن له فى هذه المدينة كثيرين مختارين.

هذا الشعور العدائي نحو السامريين، اقتبسه التلاميذ من معاصريهم من الفريسيين والكتبة وغيرهم. أما السيد المسيح فكان وحيدا فى تفكيره ازاء هؤلاء، كان يحبهم ويعطف عليهم ويريد أن يجذبهم اليه: وهكذا حدث الناس عن السامرى الصالح، وسار على قدميه مسافة طويلة ليهدى امرأة سامرية خاطئة، ويتحدث الى مدينة السامرة.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 14
.

وهكذا كان السيد وحيدا فى تفكيره ازاء الأمم أيضاً. هؤلاء محتقرين من الناس، أما السيد المسيح فقال جهارا عن قائد المئة الرومانى: ((الحق أقول لكم اننى لم أجد فى اسرائيل ايمانا كايمان هذا الرجل)) (متى 8: 10). وقال هذا الكلام نفسه عن المرأة الكنعانية (متى 15: 28).

وفى أغلب معاملات السيد للناس كان يقف وحده، والعالم يقف بعيدا عنه من ناحية أخرى.

يجتمع اليهود حول امرأة زانية ضبطت فى ذات الفعل، ممسكين حجارة في أيديهم كى يرجموها. الجميع لهم فكر واحد. وهو أن تلك الخاطئة يجب أن تموت، ولكن يسوع له فكر آخر ((من منكم بلا خطية فليقذفها بأول حجر)) (يو 8: 7) هكذا قال لهم، فانصرف الجميع، وقال السيد للمرأة: ((وأنا أيضاً لا أدينك. اذهبي بسلام)).

كان السيد المسيح يقف وحده بهذا القلب المحب، والعالم القاسى يعجب منه، هذا العالم المهتم بالمظاهر أكثر من كل شئ: وليس أدل ذل من حادثتى الأعميين، والأطفال:

كان السيد خارجا من أريحا، فاعترض طريقه أعميان يصرخان بصوت عال ((ارحمنا يا سيد يا ابن داود)). وظن الناس بتفكيرهم العالمى أن هذا الصراخ يزعج رب المجد فانتهروا الأعميين ليسكتا (متى 20: 31). أما يسوع الطيب القلب فنادى الأعميين اليه، وفى حنان شفاهما، أنه لا ينزعج من صراخ الناس وطلباتهم كما ينزعج الغير.

وتكرر هذا التصرف أيضاً عندما ازدحم حواليه الأطفال وظن الناس أن هؤلاء الصغار يضايقونه فانتهروهم. أما هم فقال لهم: ((دعوا الأطفال يأتون الى ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات)) (متى 19: 14).

كان وحيدا في فهمه للخدمة:

بينما كان الجمع يفكر أن السيد قد جاء ليكون ملكاً على اسرائيل، يحكم بأبهة الملوك ويخلص اليهود من اضطهاد الرومان، كان السيد يفكر فى مملكة روحية يملك بها على قلوب الناس قائلا لهم فى أكثر من مناسبة: ((مملكتى ليست من هذا العالم)) (يو 18: 36).

وعلى هذا الأساس كان يفهم الخدمة أنها صليب يحمله الخادم فى أرض مبللة بالعرق والدموع... ولكن هذه الأفكار لم يكن بفهمها حتى تلاميذه أيضا.

وهكذا اذ حدث التلاميذ أنه ينبغى أن يسلم للناس ويقتل ويموت ويقبر، أخذه بطرس الرسول ناحية وبدأ يوبخه قائلا: ((حاشاك يارب. لا يكون لك هذا)) (متى 16: 22) فأجابه السيد له المجد: ((اسكت يا شيطان))، ترى كيف كان يمكن أن يخلص العالم لو نفذت نصيحة بطرس المسكين!

وهكذا أيضاً فيما كان السيد يضع صليبه أمام عينيه باستمرار، نرى التلاميذ يتركون معلمهم وحده فى تفكيره، متناقشين فيما بينهم وبين أنفسهم ((من يكون فيهم رئيسا))! ونرى ابنى زبدى يأتيان اليه مع أمهما ساجدين طالبين أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فى ملكوته! ولكن السيد يرد هذين التلميذين الى المعرفة الحقيقية للخدمة وطريقها ويجيبهما: ((لستما تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التى سوف أشربها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التى أصطبغ بها أنا؟)) (مر 10: 38).

وحتى فى كنه الخدمة نجد السيد المسيح واقفا وحده فى تفكيره. يجمع الناس اليه فيتحدث إليهم بكلام النعمة ساعات طويلة حتى إذا ما أقبل المساء يأتي إليه التلاميذ قائلين: ((أصرف الجموع لكي يمضوا إلى القرى ويبتاعوا لهم طعاماً)) (لو 9: 12) يا للتلاميذ أنهم لم ينضجوا بعد، هل كانوا يفكرون ان الخدمة مجرد كلام يلقى على الناس؟ أم أنها محبة عاملة! وهكذا يرد عليهم السيد: ((لا حاجة لهم أن يمضوا. أعطوهم أنتم ليأكلوا)).

وحيدا فى الخدمة:

العالم مزدحم بخدامه، بل أن الخدام فيه لينافس بعضهم بعضاً، وكل صاحب مشروع يجد كثيرين ينضمون إليه ويعاونونه. اما السيد له المجد فإنه واقف وحده... لقد قال منذ عشرين قرنا تقريبا وما يزال يقول حتى الآن: ((الحصاد كثير والفعلة قليلون. أطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعله لحصاده)) (متى 9: 38) ليس من ينضم الى السيد فى عمله. كل شخص يقول ((أحارس أنا لأخى؟)) (تك 4: 9).

سأصف لك يا أخى العزيز بعض حالات رأيتها بعينى...

[25]. 🞴 امرأة فقيرة وزوجها وثمانية أولاد أكبرهم شاب طائش، والذي يليه فى السن صبي صغير. كل ايراد هذه الأسرة حوالى الأربعة قروش يكسبها الرجل يوميا من بيع الليمون مثلا، يشترى بها خبزا يتخاطفه الأولاد فى جوع، ثم تمر عليهم أوقات لا يجدون فيها من يأكلونه، فتحمل الأم المسكينة البعض منهم الى ملجأ أو جمعية لتتسول لهم طعاما، وماذا اذن عن ملابسهم التي لا تستر من جسمهم شيئاً، وكيف يحتملون بهذه الملابس برودة الشتاء وحرارة الصيف، ثم ماذا عن أجرة حجرتهم وصاحبة البيت التى تهددهم بالطرد وتشبعهم سبا واهانة كلما قصروا فى دفع الايجار.

🞴 امرأة أخرى أرملة وأولادها، كانت تعمل فى جمعية دينية كحائكة للملابس مرضت شهرين، ربما لضعفها بسبب قلة الغذاء، فكانت النتيجة أن استغنت الجمعية عنها بسبب مرضها. ولما قامت الأرملة الفقيرة من المرض ولست أدرى تماما كيف عولجت، وكيف دفعت ثمن الدواء!! أقول انها لما قامت وجدت نفسها وحيدة والدنيا مظلمة حولها.

🞴 أرملة أخر شابة ولها ولدان، تسكن فى حمام فى بدروم فى حجرة حقيرة فى منتهى الرطوبة، تدفع ايجار لها ثلاثين قرشا، وهى وأولادها مهددة بالسل وأمراض أخرى، ومهددة قبل كل ذلك بالارتداد عن الدين وبالفساد والتشرد. وكيف تقتات؟ تعمل كغسالة، ولكنها لجوعها ضعيفة الصحة، لا تقوى على الغسيل، فلا تجد من يستخدمها.

وهناك حالات اخرى كثيرة، والسيد المسيح واقف وحده يعتنى بكل هؤلاء. يقيتهم ويجفف آلامهم، ويعزيهم ويعلمهم الصبر والاحتمال. وفى كل ذلك يريد أن يشرك معه البعض منا نحن الخطاة فى شرف الخدمة، ولكنه مع كل هذا ينظر فيجد الحصاد كثيرا والفعلة قليلين، ويجد الجميع قد انصرفوا كل واحد الى خاصته وتركوه وحده.

من الخاسر فى هذه الوحدة؟

ليس هو السيد المسيح طبعاً فهو ليس وحده، لأن الآب معه، وهو ليس محتاجا الى عبوديتنا بل نحن المحتاجون الى ربوبيته.

وهو عندما يدعونا أن نقف معه فى وحدته، انما يقصد خيرنا نحن بالذات. لأنه ((أن كان الرب معنا فمن علينا)) والذى يسير مع المسيح سيجد لذة روحية خاصة ((تحت ظله اشتهيت أن أبيت)). كما أنه فى صحبة السيد لا يخاف شراً ((ان سرت فى وادى ظل الموت لا أخاف شرا لأنك أنت معى)) ((وان قام على جيش ففى ذلك أنا مطمئن)) ((عصاك وعكازك هما يعزيانني)) (مز23، مز27).

هوذا المسيح ما يزال واقفا وحده يقرع على الباب حتى اذا فتحت له يدخل ويتعشى معك وأنت معه.

فهل لا تزال مصرا أن تتركه واقفا وحده؟



مقالات - إنطلاق الروح - البابا شنودة الثالث

الانطلاق لمعرفة الله.(?) - إنطلاق الروح - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات