القيامَة معّجزة ضَرورية تدل عَلى قُدرة الله اللانهائية

مقدمة

نشرنا لك كتاباً من قبل عنوانه "تأملات فى القيامة" كان فى غالبيته عن قيامة السيد المسيح له المجد، وما فى ذلك من دلالات ودروس روحية ولاهوتية.

أما هذا الكتاب فهو عن القيامة بصفة عامة، أو عن القيامة العامة لجميع الناس فى اليوم الأخير.

لماذا القيامة؟ وما هى أعماقها الروحية، والدروس التى توحيها القيامة لنا؟ وكيف أن القيامة ضرورية ولازمة، والأسباب التى تدعو إلى ذلك...

وأيضاً القيامة ممكنة، وتعتمد فى ذلك على قوة الله القادر على كل شئ، الذى استطاع أن يخلق الإنسان من العدم، وهو قادر أن يقيمه بعد الموت، وهو يريد ذلك...

ويتحدث الكتاب عما هو بعد القيامة: عن الدينونة والحساب، ومجازاة كل إنسان حسب أعماله...

وأنه لابد من القيامة، لكى يمكن محاسبة الإنسان كله: روحاً وجسداً. لأن الروح والجسد قد اشتراكا معاً فى الخطية أو البر، فيجب أن تكون المجازاة أو المكافأة لهما معاً.. بعد القيامة.

كما يتحدث فى ذلك أيضاً عن السماء، وعن النعيم الأبدى، وحياة الدهر الآتى...

كما يتحدث عن الحياة والخلود، وكيف أن القيامة هى قيامة الجسد فقط. أما الروح فهى حية بطبيعتها، لم تمت حتى تقوم. وما القيامة بالنسبة إليها، إلا عودة هذه الروح إلى الجسد الذى كانت تسكنه من قبل.

ويتحدث أيضاُ عن الأستعداد للقيامة...

هذا الكتاب عبارة عن العظات التى القيناها فى الكاتدرائية، فى أيام عيد القيامة بعد سنة 1986.

ونشرت فى جريدة الأهرام، وأُذيعت فى تلفزيون مصر.

وها نحن قد جمعناها، ورتبناها بطريقة تتناسب مع نشرها فى كتاب، لكى يمكن أن تصلح لأى قارئ...

يمكن أن يقرأها المسلم، كما يقرأها المسيحى.

وأن يقرأها غير المتدين أيضاً. ففيها الفكر الخالص الذى يناسب الكل، دون أن تكون قاصرة على العقيدة المسيحية وحدها...

ونقدم لك هذا الكتاب، مكملاً للكتاب الآول عن القيامة.

وقد تكون له تكملة أخرى، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.

أبريل سنة 1998.

البابا شنوده الثالث.

القيامَة معّجزة ضَرورية تدل عَلى قُدرة الله اللانهائية

يسرنى يا أبنائى وأخوتى أن أهنئكم بعيد القيامة المجيد راجياً لكم فيه حياة سعيدة مباركة. ومصلياً أن يعمَ السلام أرجاء المسكونة كلها.

وإذ نتحدث عن القيامة، إنما نذكر هذه المعجزة المرتفعة جداً فى مستواها، إذ كيف يمكن أن تقوم كل تلك الأجساد التى امتصتها الأرض، وتحولت إلى تراب، أو أكلها الدود، أو أحترق بعضها، والبعض أفترسه الحيوان... كيف يقيم الله كل هذه الأجساد التى تعد بملايين الملايين، من شتى العصور والبلاد. ويأتى بأرواحها من حيث شاء لها أن تقيم، ويجعلها تتعرف على أجسادها وتتحد بها، وتقوم من الموت حية.. إنه أمر مزهل بلا شك..!!

إمكانية القيامة

إن كان العقل يقف عاجزاً أمام فهم القيامة وكيف تكون، فإن الإيمان بالله وقدرته قادر على استيعاب ذلك.

فنحن نؤمن أن الله قادر على كل شئ، ولا حدود لقدرته الإلهية. ومهما كان الأمر صعباً أمام الملحدين أو غير المؤمنين، او أمام الذين يعتمدون على الفكر والعلم وحدهما، فليس شئ عسيراً أمام الله. "إن غير المستطاع عند الناس، هو مستطاع عند الله" (مر10: 27).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إن عملية قيامة الأجساد، أسهل بكثير جداً من عملية خلقها من قبل.

الله الذى اعطاها نعمة الوجود، هو قادر بلا شك على إعادة وجودها. هو الذى خلقها من تراب الأرض، وهو قادر أن يعيدها من تراب الأرض مرة أخرى.. بل ما هو أعمق من هذا، أن الله خلق الكل من العدم. خلق الأرض وترابها من العدم، ثم من تراب الأرض خلق الأنسان.

أيهما أصعب إذن: الخلق من العدم، أم إقامة الجسد من التراب؟!

إن الذى يقدر على العمل الأصعب، من البديهى أنه يقدر على العمل الأسهل، والذى منح الوجود يقدر بالحرى على حفظ هذا الوجود...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

فالذى يتأمل القيامة من هذه الناحية، إنما يتأمل القدرة غير المحدودة التى لإلهنا الخالق، الذى يكفى أن يريد، فيكون كل ما يريد، حتى بدون أن يلفظ كلمة واحدة. أو يصدر أمراً.. إنها إرادته، التى هى فى جوهرها أمر فعّال قادر على كل شئ...

نسمى القيامة إذن معجزة، ليس لأنها صعبة، وإنما لأن عقلنا البشرى القاصر يعجز عن إدراكها وكيف تكون.. ولكن الإيمان دائرته أوسع وأعمق.. يقبل ذلك بسهولة معتمداً على الوحى الإلهى...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

لذلك فالقيامة هى عقيدة للمؤمنين.

الذى يؤمن بالله وقدرته، يستطيع أن يؤمن بالقيامة. والذى يؤمن بالله كخالق، يؤمن به أيضاً مقيماً للموتى. أما الملحدون وأنصاف العلماء، فلا يصل إدراكهم إلى هذا المستوى. إنهم لا يؤمنون بالقيامة، كما لا يؤمنون بالروح وخلودها، كما لا يؤمنون بالله نفسه...

وعندما أقول أنصاف العلماء، إنما أبرئ العلماء الكاملين فى معرفتهم.

نصف الحقيقة أن الجسد قد تمتص الأرض بعض عناصره، ويتحلل جزء منه، وقد يتداخل فى اجساد أخرى. والنصف الثانى أن المادة لا تفنى. فأينما ذهب الجسد، فمكوناته موجودة، ومصيرها إلى الأرض أيضاً.. والله غير المحدود يعرف تماماً أين توجد عناصر الجسد، ويقدر على إعادتها مرة أخرى إلى حالتها، الله بقدرته اللانهائية. وبخاصة لأنه يريد هذا، ولأنه قد وعد به البشرية على ألسنة الأنبياء. وفى كتبه المقدسة.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إذن القيامة فى جوهرها، تعتمد على الله تبارك اسمه. تعتمد على إرادته، ومعرفته، وقدرته...

فمن جهة الإرادة: هو يريد للإنسان أن يقوم من الموت، وأن يعود إلى الحياة. وقد وعده بالقيامة والخلود. وتحدث عن القيامة العامة بصراحة كاملة وبكل وضوح. ومادام الله قد وعد، إذن لابد أنه ينفذ ما قد وعد به.

ومن جهة المعرفة والقدرة: فالله يعرف أين توجد عناصر الأجساد التى تحللت، وأين توجد عظامها. ويعرف كيفية إعادة تشكيلها وتركيبها. كما يعرف ايضاً أين توجد أرواح تلك الأجساد، ويسهل عليه أن يأمرها بالعودة إلى أجسادها، ويسهّل عليها ذلك. وهو يقدر على هذا كله، جلّ إسمه العظيم، وتعالت قدرته الإلهية. وبكل الإيمان نصدق هذا...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إن الذى ينكر إمكانية القيامة، هو بالضرورة ينكر المعجزات جملة. وينكر الخلق من العدم. وينكر قدرة الله، وقد ينكر وجوده ايضاً.

مثال ذلك الصدوقيون الذين "يقولون إنه ليس قيامة، ولا روح، ولا ملاك" (أع23: 8). حقاً، إن عدم الإيمان بأمر ما، يؤدى إلى عدم الإيمان بأمور أخرى كثيرة.

أما المؤمنون، الذين يؤمنون بالله، ويؤمنون بالمعجزة، ويؤمنون بعملية الخلق من العدم، ويؤمنون بالقدرة غير المحدودة التى للخالق العظيم، فإن موضوع القيامة يبدو أمامهم سهل التصديق إلى أبعد الحدود.

ضرورة القيامة:

وكما أن القيامة ممكنة بالنسبة إلى قدرة الله، كذلك هى ضرورية بالنسبة إلى عدل الله وصلاحه وجوده.

إنها لازمة من أجل العدل.

من أجل محاسبة كل إنسان على أفعاله التى عملها خلال حياته على الأرض، خيراً كانت أم شراً. فيثاب على الخير، ويعاقب على الشر. ولو لم تكن قيامة، لتهالك الناس على الحياة الدنيا، وعاشوا فى ملاذها وفسادها، غير عابئين بما يحدث فيما بعد! وأيضاً إن لم تكن قيامة، لساد الظلم واستبداد القوى بالضعيف، دون خوف من عقوبة أبدية. أما الإيمان بالقيامة وما يعقبها من دينونة وجزاء، فإنه رادع للناس. إذ يشعرون أن العدل لابد سيأخذ مجراه: إن لم يكن فى هذا العالم، ففى العالم الآخر.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إن الله قد وعد الإنسان بالحياة الأبدية. ووعده هو للإنسان كله. وليس للروح فقط التى هى جزء من الإنسان.

فلو أن الروح فقط أتيح لها الخلود والنعيم الأبدى، إذن لا يمكن أن نقول إن الإنسان كله قد تنعم بالحياة الدائمة، وإنما جزء واحد منه فقط، بينما قد حُرم بالجسد. إذن لابد بالضرورة أن يقوم الجسد من الموت وتتحد به الروح. ويكون الجزاء الأبدى للإنسان كله...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ولولا القيامة لكان مصير الجسد البشرى كمصير أجساد الحيوانات!

ما هى إذن الميزة التى لهذا الكائن البشرى العاقل الناطق، الذى وهبه الله من العلم وموهبة التفكير والاختراع والقدرة على صنع مركبات الفضاء التى توصله إلى القمر، وتدور به حول الأرض وترجعه إليها سالماً.. والذى قد قام بمخترعات أخرى مذهلة كالكومبيوتر والفاكس وغيرهما.. هل يُعقل أن هذا الإنسان العجيب الذى سلَطه الله على نواح عديدة من الطبيعة، يؤول جسده إلى مصير كمصير بهيمة أو حشرة أو بعض الهوام؟! إن العقل لا يمكن أن يصدق هذا...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إن قيامة الجسد تتمشى عقلياً مع كرامة الإنسان.

الإنسان الذى يتميز عن جميع المخلوقات الأخرى ذوات الأجساد، والذى يستطيع بما وهبه الله أن يسيطر عليها جميعاً، وأن يقوم لها بواجب الرعاية والاهتمام إذ أراد، أو أن يقوم عليها بحق السيطرة والاستخدام.. فكرامة جسد هذا المخلوق العاقل لابد أن تتميز عن مصير باقى أجساد الكائنات غير العاقلة وغير الناطقة، التى هى تحت سلطانه...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

والقيامة لازمة أيضاً من أجل التوازن.

ففى الأرض لم يكن هناك توازن بين البشر. ففيها الغنى والفقير، المنعَم والمعذب، السعيد والتعيس.. فإن لم تكن هناك مساواة على الأرض، فمن اللائق أن يوجد توازن فى السماء. ومن لم يذل حقه على الأرض، يمكنه أن يناله فى العالم الآخر، ويعوضه الرب عما فاته فى هذه الدنيا. وقصة الغنى ولعازر المسكين التى وردت فى الإنجيل المقدس (لو16) تقدم لنا الدليل الأكيد على التوازن بين الحياة على الأرض، والحياة بعد الموت.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

القيامة أيضاً لازمة لتقدم لنا الحياة المثالية التى فقدناها هنا.

تقدم لنا صورة الحياة الجميلة الرائعة فى العالم الآخر، حيث لا حزن ولا بكاء، ولا فساد ولا ظلم، ولا عيب ولا نقص. بل حياة النعيم الأبدى، والإنسان المثالى الذى بلا خطيئة.. مع العشرة الطيبة مع الله وملائكته وقديسيه. ما أجمل هذا وما أروعه.

ختاماً فى ظل الحديث عن هذه السعادة، نرجو لبلادنا حياة الرفاهية والرخاء والسلام ونرجو لكم جميعاً حياة سعيدة، وكل عام وانتم بخير.



أضف تعليق

القيامـَة هىَ قيَامة الجَسَد وَحْدَه أمَّا الـروح فهىَ دَائمة الحَياة

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات