الأَصْحَاحُ الثَّانِى – إنجيل يوحنا – مارمرقس مصر الجديدة

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 50- تفسير إنجيل يوحنا – كهنة و خدام كنيسة مارمرقس مصر الجديدة.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأَصْحَاحُ الثَّانِى

عُرس قانا الجليل تطهـير الهيكل.

(1) عُرس قانا الجليل (ع 1 - 11):

1 - وفى اليوم الثالث، كان عُرس فى قانا الجليل، وكانت أم يسوع هناك. 2 - ودُعِىَ أيضا يسوع وتلاميذه إلى العُرس. 3 - ولما فرغت الخمر، قالت أم يسوع له: "ليس لهم خمر." 4 - قال لها يسوع: "ما لى ولك يا امـرأة، لم تأت سـاعتى بعـد." 5 - قالت أمـه للخدام: "مهما قال لكم فافعلوه." 6 - وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك، حسب تطهير اليهود، يسع كل واحد مطرين أو ثلاثة. 7 - قال لهم يسوع: "املأوا الأجران ماء." فملأوها إلى فوق. 8 - ثم قال لهم: "اسـتقوا الآن، وقدموا إلى رئيس المتكأ." فقدموا. 9 - فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحـول خمـرا، ولم يكن يعلم من أين هى، لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا، دعا رئيس المتكأ العريس. 10 - وقال له: "كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولا، ومتى سكروا، فحينئذ الدون. أما أنت، فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن." 11 - هذه بداية الآيات، فعلها يسوع فى قانا الجليل وأظهر مجده، فآمن به تلاميذه.

الأعداد 1-2

ع1 - 2:

تقع بلدة قانا فى شمال فلسطين، بالقرب من منطقة الجليل، وتبعد عن الناصرة 15 كيلومترا شرقا. وبالرغم من عناء التعب والسفر، لم يتأخر السيد المسيح عن الذهاب والمجاملة. فالمشاركة إحدى صور المحبة، وخاصة تلك التى يُبذل فيها تعب، وإكراما للزواج الذى سيجعله من أسرار الكنيسة.

فبعد ثلاثة أيام من دعوة نَثَنائيل، دُعِيَت العذراء مريم، وكذا المسيح وتلاميذه، لحفل الزواج الذى فى مدينة قانا.

الأعداد 3-5

ع3 - 5:

تظهر محبة العذراء وأمومتها، فى إحساسها باحتياج من حولها دون أن يطلبوا. فيبدو أن عدد الذين حضروا إلى العُرس كان أكثر جدا مما كان متوقعا، ففرغت الخمر المعدّة، وهى عصير العنب، المختمر طبيعيا، دون تقطير أو إضافة كحول، أى بفعل البكتريا فقط، وإذا صارت قديمة، يظهر فيها طعم الخل، ولكن لا تصير مثل الخمر المسكرة التى تباع فى الأسواق الآن، والتى يَنْهَى عنها الكتاب المقدس.

وأسرعت العذراء، بحب، تطلب من المسيح إنقاذ أهل العُرس من هذا الحرج. ولم يكن فى تدبير الله بدء معجزاته وبشارته الآن، فقال لها: "ما لى ولك يا امرأة؟" أى أنت إنسانة، ولا تعرفى حكمة الله، والميعاد الذى حدده. ولكنه فى نفس الوقت أكرمها، لأنها أمه القديسة العذراء مريم، واستجاب لشفاعتها.

ويظهر إيمان العذراء فى أن المسيح يقبل شفاعتها، فى طلبها من الخدام أن يعملوا كل ما يأمرهم به.

أخى الحبيب، اطلب من الله كل ما تحتاجه مهما بدا صعبا، فهو يحبك... وتشفّع بالقديسين لعظم مكانتهم عنده، وخاصة العذراء مريم.

الأعداد 6-11

ع6 - 11:

كان فى البيت ستة أجران، أى أحواض كبيرة، يملأونها ماءً ليغتسلوا به فى التطهيرات اليهودية حسب الناموس، وكل جرن يسع حوالى 80 لترا. وقال المسيح للخدام أن يملأوها بالماء تماما، ثم أمر أن يقدموا لرئيس الحفل. فلما ذاق الماء المتحول إلى خمر، شعر أنه من النوع الجيد، فعاتب العريس لتقديمه الخمر الجيدة فى النهاية، والأقل جودة فى البداية، ولم يكن يعلم أن الخمر الثانية قد تحولت من الماء. وشعر الخدام، بل وكل الذين فى الحفل بعد ذلك، أنهم أمام معجزة عظيمة، فهى معجزة خلق، إذ خلق المسيح عصير عنب وكحولا لم يكونا موجودين. هذه أول معجزات المسيح، وتعتبرها الكنيسة أحد الأعياد السيدية الصغيرة، وتعيّد بها ثالث يوم عيد الغطاس.

(2) تطهير الهيكل (ع 12 - 18):

12 - وبعد هذا، انحدر إلى كَفْرَنَاحُومَ هو وأمه وإخوته وتلاميذه، وأقاموا هناك أياما ليست كثيرة. 13 - وكان فصح اليهود قريبا، فصعد يسوع إلى أورشليم. 14 - ووجد فى الهيكل الذين كانوا يبيعون بقرا وغنما وحماما، والصيارف جلوسا. 15 - فصنع سوطا من حبال، وطرد الجميع من الهيكل، الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم. 16 - وقال لباعة الحمام: "ارفعوا هذه من ههنـا، لا تجعلوا بيت أبى بيت تجـارة." 17 - فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: غيرة بيتـك أكلتنى. 18 - فأجاب اليهود وقالوا له: "أية آية ترينا حتى تفعل هذا؟".

العدد 12

ع12:

اتخذ السيد المسيح من كَفْرَنَاحُومَ قاعدة لإقامته وانطلاقه للخدمة من بعد الناصرة، وكانت مدينة هامة تقع على بحر الجليل شمالا.

"إخوته": تؤمن الكنيسة فى عقيدتها وتقليدها، أن القديسة العذراء مريم لم تنجب بالجسد سوى شخص الرب يسوع، مع احتفاظها ببكوريتها، ولم تعرف خطيبها يوسف جسديا مطلقا، مما يؤكد أن المسيح، بالجسد، لم يكن له إخوة من مر يم. وهذا ما قاله حزقيال فى نبوته: "ثم يخرج وبعد خروجه يغلق الباب" (46: 12). أما إخوته، فهم أبناء الخالة، إذ أن التقليد فى الشام، حتى هذا الزمان، أن أبناء الخالة يلقبون بالإخوة.

الأعداد 13-17

ع13 - 17:

كان فصح اليهود أهم أعيادهم الدينية. وكانوا يأتون من أنحاء العالم كله إلى أورشليم، حيث هيكل سليمان، لتقديم الذبائح، والاحتفال بهذا العيد العظيم. وهذا ما صنعه الرب يسوع نفسه. وعند دخوله الهيكل، يكشف لنا يوحنا ما رآه السيد وأحزن قلبه، بل أغضبه، وهو أن أروقة الهيكل تحولت إلى ما يشبه السوق، فهناك الموائد والحيوانات وكل تجارة، والصياح وكل ما يحدث فى الأسواق من جلبة، مما يتنافى مع كرامة بيت الله، وضياع هدف العبادة.

والنص هنا صريح، ويوضح حسم السيد المسيح، وغيرته على بيته وبيت أبيه، مما صنعه.

وهناك فرق بين الغضب المحموم الخاطئ، والذى يبرره كثيرون لأنفسهم، ويدينه الله، وبين الغيرة البارة والغضب المقدس على خطاياى، أو إنقاذ المظلومين، أو لأجل بيت الله وحقوقه.

أخى الحبيب، ما أحوجنا الآن أيضا أن تكون لنا نفس الغيرة على الكنيسة، التى هى بيت الله والملائكة والقديسين. والله يغار على مجده وبيته جدا... ولعلنا نحن أيضا، أبناء الكنيسة، نعثر الآخرين بسلوكنا ومظهرنا الذى لا يتناسب مع كرامة بيت الله – السماء الأرضية – التى يقول عنها داود: "ببيتك تليق القداسة يا رب إلى طول الأيام" (مز 93: 5).

سؤال مخيف جدا نسأله لأنفسنا: ماذا لو جاء السيد الآن وافتقد كنيسته، كما افتقد هيكله؟!! هل كل ما يراه يرضيه؟... ابدأ بنفسك.

العدد 18

ع18:

إلا أن اليهود والكهنة والتجار، لم يتقبلوا ما صنعه السيد. ولهذا، سألوه: "أية آية ترينا"... كما فعل موسى لفرعون ليثبت إرسال الله له؟ ومعناها: بأى سلطان تفعل هذا، فأنت لست من الخدام أو الكهنة، ولست صاحب عجائب أو معجزات، حتى نسمع لك.

وهذا ما يتنافى، فى حياتنا، مع الخضوع لوصايا الله وأعماله. فمن أهم شروط الإيمان، كما أشرنا، هو التصديق بلا مطالب أو تأكيدات مادية.

ونلاحظ أن السيد المسيح، فى مدة خدمته، حضر الفصح 4 مرات: هذه أولها. والثانيـة (ص 5: 1) حيث شفى مريض بيت حسدا. والثالثة (6: 4) حيث أشبع الجموع. والرابعــة (ص 11: 55) حيث صُلب.

وقد طهّر الرب الهيكل مرتين: هذه المرة فى بداية خدمته، والمرة الثانية فى نهاية خدمته على الأرض قبل الصلب بأربعة أيام (مت 21: 12، 13؛ مر 11: 15 - 17؛ لو 19: 45، 46).

(3) المسيح ينبىء عن موته (ع 19 - 25):

19 - أجاب يسوع وقال لهم: "انقضوا هذا الهيكل، وفى ثلاثة أيام أقيمه." 20 - فقال اليهود: "فى ست وأربعين سنة بُنِىَ هذا الهيكل، أفأنت فى ثلاثة أيام تقيمه؟!" 21 - وأما هو، فكان يقول عن هيكل جسده. 22 - فلما قام من الأموات، تذكر تلاميذه أنه قال هذا، فآمنوا بالكتاب والكلام الذى قاله يسوع. 23 - ولما كان فى أورشليم فى عيد الفصح، آمن كثيرون باسمه، إذ رأوا الآيات التى صنع. 24 - لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه، لأنه كان يعرف الجميع. 25 - ولأنه لم يكن محتاجا أن يشهد أحد عن الإنسان، لأنه علم ما كان فى الإنسان.

الأعداد 19-22

ع19 - 22:

عند طلب اليهود آية، فاجأهم السيد المسيح بما لم يتوقعوه، بأن يهدموا الهيكل وهو يقيمه فى ثلاثة أيام. ولأن ما قاله كان نبوة عن موته وقيامته، لم يفهموا، بل استنكروا ساخرين!! أما الستة وأربعون عاما، زمن بناء الهيكل، فلها قصة أخرى... بُنِىَ الهيكل أولا فى نفس الموقع، وبناه سليمان سنة 950ق. م. فى 7 سنين، وهدمه البابليون. ثم بناه زَرُبَّابَلُ سنة 515ق. م. ثم قام هيرودس بترميمه بدءا من سنة 16 ق. م. حتى عام 30م. وقت كرازة المسيح، وهى المدة التى قُصِدَ بها 46 سنة.

ولعل القارئ يربط بين ما قاله السيد هنا، وبين ما ذكر فى (مت 12: 39؛ لو 11: 29)، وذلك عندما طلب اليهود آية (معجزة) من السيد، فأجابهم أيضا إنه لن تُعْطَى لكم آية إلا آية يونان النبى، منبئا أيضا عن موته وقيامته بعد ثلاثة أيام... وبالطبع كان الكلام صعبا وغير مفهوم لليهود... ولكن، هكذا النبوات، فهى كثيرا ما تكون صعبة، وعند حدوثها يثبت صدقها وصدق راويها؛ وهذا ما يؤكده النص أن التلاميذ فهموا، وتحقق إيمانهم بعد قيامة السيد من الأموات.

الأعداد 23-25

ع23 - 25:

بالرغم من إيمان الكثيرين نتيجة المعجزات التى صنعها السيد، ولا نعرف عددها (راجع ص 21: 25)، ولكن المسيح لم يأتمنهم على نفسه. وهذامعناه أنه عرف ما فى قلوب من حوله... فهو يعرف أن هذا ليس إيمانا ثابتا، بل إيمان يقوده الانبهار، وهو إيمان وقتى سطحى لا يدوم. وتعبير "لأنه علم ما كان فى الإنسان"، إشارة قوية للاهوته‘ وهو ما أكده أيضا فى قدرته على إقامة جسده بعد الموت.

فيا تُرَى أيها الحبيب، أى نوع من الإيمان لدينا مما ذُكِرَ فى (مت 3: 23؛ مر 4: 2 - 20)؟ هل هو إيمان راسخ عامل فى قلوبنا بالروح القدس، أم هو إيمان نظرى يظهر فى أوقات الراحة ويختفى عند الصليب؟

والكنيسة تعلمنا ألا نفرح وننخدع بالثمر الكثير والسريع، لعله إيمان يشبه إيمان اليهود، الذين سرعان ما انقلبوا صارخين: "اصلبه... اصلبه..." آمين، يا رب ثبتنا فى إيمانك المستقيم.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

تفاسير إنجيل يوحنا - الأَصْحَاحُ الثَّانِى
تفاسير إنجيل يوحنا - الأَصْحَاحُ الثَّانِى