الإصحاح الأول – تفسير رسالة كورونثوس الأولى – القمص أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس – القس أنطونيوس فكري.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

مقدمة رسالة بولس الرسول الأولي إلي أهل كورنثوس

تقع كورنثوس على برزخ ضيق بين خليجين ولذلك لها مينائين، ميناء على كل خليج.

ميناء (1) يُدعى كنخريا وميناء (2) ويُدعى ليجيوم. وبلاد اليونان تنقسم لإقليمين:

  1. الشمالي هو مقدونية.
  2. والجنوبي هو إخائية. وعاصمة الإقليم الجنوبي كورنثوس وتقع على بعد 40 ميلاً غرب أثينا.

كورنثوس.

وبها مينائين يطلان على بحرين تربط بهما الشرق والغرب، مشهورة بغناها وعظمتها وبكونها مدينة صناعية ضخمة خاصة فى بناء السفن. وهى مركز للفنون المختلفة خاصة الفن المعماري. وهى مدينة مفتوحة على العالم فى التجارة والدورات الرياضية. وكمدينة مفتوحة ضمت ديانات كثيرة، وضمت كثيرين من اليهود الذين طردهم كلوديوس قيصر من روما مثل اكيلا وبريسكلا. وجاءها اليهود أيضاً من فلسطين للتجارة، وكانت مملوءة آلهة مصرية ويونانية ورومانية وبها هيكل للإلهة الإغريقية الزهرة إلهة العشق والشهوة، وهيكل لإفروديت إلهة الحب عند اليونان. وكانت هذه الهياكل مملوءة غانيات وراقصات (1000 لمعبد إفروديت فقط) تخصصوا للطقوس الوثنية الفاجرة. وبسبب إنفتاحها صارت مثلاً للفساد الخلقي والزنا، وصار مثلاً "عش كورنثياً" أي عش فاسداً، وكانت كلمة فتاة كورنثية تعنى فتاة داعرة. ولقد أسماها الفيلسوف شيشرون "نور بلاد اليونان" ولقد ضمت المدينة عدد كبير من العبيد فكان بها (200000 إنسان حر + 400000 عبد)، وكان اليونانيون والوثنيون عموماً يعتبرون العبيد أفضل قليلاً من البهائم، وكان من حق السيد أن يقتل عبده دون مساءلة. وفى حوالي سنة 51 – سنة 52 م أتى إليها بولس الرسول ضمن رحلته التبشيرية الثانية وكرز فيها لمدة 18 شهراً، وكان ذلك بأوامر من الرب مباشرة (أع 18: 9، 10) فتحولت المدينة بإعجاز، بعمل الروح القدس وغيرة بولس للمسيحية. وزارها الرسول فيما بين سنة 54 م، 57 م. وفى هذه الفترة كتب رسالة رومية (1كو16: 6، 7 + 2كو 12: 14 + 13: 1 + رو 16: 27).

زيارات بولس الرسول لكورنثوس ورسائله لها.

  • يرى كثير من الدارسين أن الرسول بولس قد زار كورنثوس 3 مرات على الأقل.
  • ويرى البعض أن الرسول كتب 4 رسائل إلى كورنثوس هم:
  • الرسالة السابقة وهى ما أشير إليها فى (1كو 5: 9). ويقولون أن الرسول كتبها قبل الرسالة الأولى لكورنثوس (الرسالة القانونية).
  • رسالة كورنثوس الأولى والتي وردت بالكتاب المقدس.
  • الرسالة المحزنة (2كو2: 4).
  • رسالة كورنثوس الثانية والتي وردت بالكتاب المقدس.

وأغلب الظن كما يرى البعض الآخر، وهذا هو الأرجح أن ما يسمى الرسالة السابقة وما يسمى الرسالة المحزنة هما إشارة للرسالة الأولى لكورنثوس وبالتالي فلا يوجد سوى رسالتين لكورنثوس هما اللتان وردتا بالكتاب المقدس.

وأصحاب رأى الأربع الرسائل يقولون أن الرسالة السابقة كتبها بولس الرسول قبل الرسالة الأولى القانونية ليحذر المؤمنين من الشركة مع المؤمنين الأشرار، ويقولون أن هذه الرسالة مفقودة. ويعتمدون على الآية (1كو 5: 9) "كتبت إليكم فى الرسالة أن لا تخالطوا الزناة". ولكن بالرجوع للآية (1كو 5: 1) نجد أن بولس الرسول يتكلم بحزن أنهم تركوا فى وسطهم هذا الخاطئ الزانى. وبالتالي يكون في (آية 9) المقصود بالرسالة هو الرسالة الأولى لكورنثوس، ولا داعي أن يكون هناك رسالة خاصة تحمل هذا المعنى، فهو موجود فى نفس الإصحاح. وأصحاب رأى الأربع الرسائل يقولون أن هناك رسالة محزنة إعتماداً على قول الرسول فى (2كو2: 4) "لأنى من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم....". ولكن من يقرأ الرسالة الأولى لكورنثوس يجد هذا المعنى أن الرسول كتب الرسالة الأولى وهو حزين بسبب حالة الزنا التي وجدت في كورنثوس، ونجد كلامه معهم بطريقة عنيفة، وفيها نجد حرمانه للزانى. وبالتالي فالأرجح أن بولس كتب لأهل كورنثوس رسالتين فقط هما اللتان وردتا بالكتاب المقدس.

لماذا كتب بولس الرسول الرسالة الأولى؟

إذ كان الرسول فى أفسس جاءته أخبار من عبيد سيدة شريفة تُدعى خُلوى (1: 11)، كان فى بيتها الكثير من العبيد الذين آمنوا. كما جاء إليه مندوبون من قادة كورنثوس هم استفاناس وفرتوناتوس وإخائيكوس (16: 17) يحملون تساؤلات كنسية وعقائدية. وكانت الأخبار التي وصلته من عبيد خُلوى أخباراً مزعجة عن إنقسامات حادثة فى كنيسة كورنثوس وتشيع البعض لبولس والبعض لأبلوس فأرسل الرسول رسالته الأولى ليصحح هذه الأوضاع ويرد على التساؤلات. وأرسل رسالته غالباً مع تلميذه تيموثاوس لكي يصلح تيموثاوس أيضاً الأوضاع (4: 17 + 16: 10). وكان هذا غالباً سنة 57م. ولقد عانت الكنيسة فى كورنثوس من الخصومات والفساد وعبادة الأوثان والإباحية، وثورة بعض النساء على العادات الموجودة فأرادت بعض النساء خلع غطاء الرأس الذي كانت تلبسه النساء الشريفات علامة خضوعهن لأزواجهن، وأراد بعض الرجال أن يطلقوا شعورهم. وكانت بعض النساء يرفعن أصواتهن في الكنيسة تباهياً بمراكزهن الإجتماعية، وأساء البعض فهم موهبة التكلم بألسنة فتحولت الكنيسة لنوع من التشويش (14: 33، 40). لذلك أتت الرسالة تحوى تقريباً نظاماً متكاملاً لحياة المسيحي بعد المعمودية يحدد سلوكه فيما يخص التحزبات وخطورة الإنقسام (ص1 – ص4). وفى (ص5) نرى سلطة الكنيسة فى عقوبة الزانى وفى (ص6 – ص 7) نرى تعاليم خاصة بالزواج والبتولية والتحذير من الزنا. وفى (ص 8 – ص 10) تعاليم خاصة بالأكل مما ذبح للأوثان موضحاً أهمية عدم إعثار الآخرين رغم الحرية التي لنا في المسيح. وفى (ص 11) يصحح الرسول بعض العادات الإجتماعية فى آداب الحضور للكنيسة والعشاء السابق للقداس، وإظهار قدسية التناول وأهمية الإستعداد له. وفى (ص 12 – ص 14) يناقش موضوع المواهب الروحية، وفى (ص 15) يتحدث عن عقيدة القيامة مؤكداً قيامة المسيح التي كانت طريقاً لقيامتنا. وفى (ص 16) ينظم الرسول خدمة الفقراء ويختم بنصائحه الرسولية لهم.

لماذا كتب بولس الرسول الرسالة الثانية؟

بعد أن كتب الرسول رسالته الأولى والتي كان عنيفاً فيها، وقطع الزانى من شركة الكنيسة، خالجه نوعان من المشاعر، فهو ندم على رسالته، ولكنه أيضاً كان يشعر أنه أرضى ضميره وكتب ما أملاه عليه الروح القدس (2كو 7: 8). فهو ندم إذ خاف أن تكون رسالته العنيفة الأولى قد تسببت فى أن يترك البعض إيمانه. ومحبة الرسول هذه وخوفه على أولاده جعله يُرسل تيطس تلميذه لكورنثوس ليطمئن على أثار رسالته الأولى بينهم. وإستمر ينتظر حضور تيطس ليطمئن منه على أخبار شعب كورنثوس، لكنه لم يستطع الإنتظار بل ذهب من أفسس إلى مكدونية ليقابل تيطس ليسمع منه أخباراً تطمئنه على أهل كورنثوس (2كو 2: 12، 13 + 2كو 7: 5). ولما تقابل مع تيطس وسمع عن أخبار توبتهم فرح وتعزى (2كو 7: 9). وكتب لهم هذه الرسالة الثانية ليعبر فيها عن إرتياحه لنجاح رسالته الأولى.

وهذه الرسالة الثانية هي رسالة نموذجية للخدام، فبولس هنا يمثل الخادم المثالي، فبالرغم من أنهم شككوا فى رسوليته لأنه ليس من الإثنى عشر، بل طلب البعض منهم أن يأتى بولس برسائل توصية من أورشليم، والبعض أشاع أنه خائف من مواجهتهم إذ قال أنه سيأتي ولم يأتى، وإتهمه البعض بأنه يعتمد على الكنائس لكي تعوله. ولكن نجد بولس الرسول مع كل هذا يفيض حباً لهم، ويستعبد نفسه لهم لأجل خلاص كل نفس.

إضطرار الرسول بولس أن يدافع عن رسوليته ليس إعجاباً بنفسه، ولكن لإثبات صدق تعاليمه حتى لا يرتدوا عن الإيمان الصحيح.

ويبدو أن المعلمين المتهودين قدموا رسائل توصية من أورشليم (2كو 3: 1، 2) فطلبوا من بولس أن يقدم هو أيضاً رسالة توصية من أورشليم، ورأى بولس أن فى هذا غباوة، فخدمته فى كورنثوس وإيمان أهلها والتغيير الذي حدث فيهم والمواهب التي صارت لهم هو خير شهادة لصحة رسوليته. هم خيرٌ من أي رسالة مكتوبة، فهو الذي علمهم وبشرهم.

ونرى الرسول هنا بما له (وللكنيسة) من سلطان الحل والربط أنه يحل زانى كورنثوس بعد أن كان قد قطعه، فهو قطعه وأسلمه للشيطان لا ليحطمه بل كان قاصداً توبته وخلاص نفسه.

جزء كبير من الرسالة الثانية هو سيرة شخصية للرسول، لكنه إستخدمها ليظهر إحتماله وصدق رسوليته، وعواطفه ومحبته تجاههم.

وهو يشرح فيها لماذا تعوق عن الحضور حسب وعده فى (1كو 16: 2، 5، 7) فهو إذ لم يستطع أن يأتى إتهموه بالخفة (2كو 1: 17) أي يقول ولا ينفذ أو ربما إتهموه بأنه خائف من المواجهة (2كو 10: 10).

ولقد كتب بولس الرسول الرسالة الثانية من فيلبى (مقاطعة مكدونية) بعد أن جاءه تيطس حاملاً أخبار ردود فعل الرسالة الأولى. وكان ذلك خلال عام من كتابته لرسالته الأولى. ولقد أرسلها بولس الرسول مع تيطس (2كو 8: 16، 17).

نشأة الكنيسة فى كورنثوس.

كانت غالبية شعب كورنثوس من الأمم (12: 2) وكان بها عدد لا بأس به من اليهود، كان الرسول يخاطبهم بقوله عن أبائهم.. أبائنا (1كو 10: 1 – 11) ولقد بدأ بولس خدمته فى المجمع اليهودي، كارزاً لليهود والأمم الدخلاء، وكان يقيم مع أكيلا وبريسكلا ويعمل معهما فى صناعة الخيام، ولما قاومه اليهود ذهب للأمم. ضمت الكنيسة عدداً كبيراً من العبيد (1كو 1: 26 + 7: 21) على أنه كان بينهم شرفاء مثل تيطس (راجع 1كو 11: 21 – 32).

وبعد أن ترك بولس المدينة زارها أبلوس وكان يهودياً إسكندرياً ذا ثقافة يونانية عالية وفصيحاً. وقَبِلَ أبلوس المسيحية وصار يكرز وكانت خدمته ناجحة (1كو 3: 5 – 9)، غير أن البعض أساء إستخدام إسمه فظهرت خصومات فى الكنيسة فتشيع البعض لبولس كأول كارز للمدينة، وتشيع البعض لأبلوس من أجل إقتداره وحكمته، وتشيع البعض لبطرس (صفا) ربما لأنهم إعتمدوا على يديه فى أورشليم، والبعض نادوا بأنهم أتباع المسيح غالباً رغبة منهم فى التحرر من كل إلتزام ليسلك كل واحد على هواه بحجة أنهم لا ينتسبون لقيادات بشرية. وهؤلاء أساءوا فهم الحرية المسيحية.

قوة الله ظهرت فى تغيير شعب كورنثوس.

يظن البعض أن قوة الله لابد أن تظهر فى شفاء أمراضنا أو إنتقاماً فورياً من أعداء يسيئون لنا، أو حل مشكلة مادية مستعصية، ومع أن هذا وارد، إلاّ أن قوة الله تظهر حقيقة فى تحويل الفاجر إلى قديس (رو4: 5). ولاحظ عمل الله فى كورنثوس المشهورة بالزنا في المعابد الوثنية التي تحتوى على ألاف من الفتيات (بل الرجال المأبونون) المخصصون للزنا كطقس من طقوس العبادة، والتي تشمل أيضاً طقوساً مثيرة وموسيقى صاخبة وفُجْر متفشى، إذ بهذه المدينة تتحول إلى حياة القداسة المسيحية، وكان هذا على يد بولس الرسول الضعيف جسدياً والمصاب بشوكة فى الجسد، والذي كان يبشر بنجار مات مصلوباً وسط شعب يعبد القوة والفلسفة ويعيش فى فجر وفساد. وإذا بهذا الشعب يترك فساده وخطيته ليؤمن بهذا المصلوب. هنا نرى حقيقة قوة الله فى التغيير، والتي غيرت هذه المدينة الوثنية المنحلة إلى أقوى كنيسة (1كو 2: 4، 5).

العقائد المسيحية الأساسية فى رسالتى كورنثوس.

بولس الرسول فى رسائله عموماً لا يقدم بحوثاً نظرية فى العقيدة. لكن العقائد المسيحية صارت له حياة يحيا بها. ومن خلال كلماته التي يكتبها في رسائله نجد العقائد التي آمن بها وصارت تشكل وجدانه وحياته، تخرج مع كلماته بعفوية دون أن يقصد أن يقدم بحثاً نظرياً فى رسائله. وهذه مثل أي مسيحي منا حينما يقول لأحد أحبائه "الله يحفظك" وفى يوم آخر يردد "المسيح يحفظك" فهو بهذا يعبر عن إيمانه بأن المسيح هو نفسه الله، لقد صارت هذه العقيدة تشكل وجدانه فأصبح لا يجد فرقاً بين أن يقول المسيح أو يقول الله. ولنأخذ فيما يلي أمثلة على العقائد التي وردت وسط كلمات الرسول فى رسالتي كورنثوس: -.

1 - لاهوت المسيح وأزليته.

  • "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" (1كو1: 3 + 2كو 1: 2). هنا نرى التساوي بين الله الآب والمسيح فكلاهما مصدر للنعمة والسلام.
  • وفى (1كو 1: 3، 7، 8، 9، 10....... الخ) نجد تكرار قول الرسول ربنا يسوع المسيح.
  • وأمّا للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله (1كو 1: 24) وهذه تثبت أزلية السيد المسيح وكونه واحداً مع الله. فلو كان المسيح مخلوقاً كما يقول البعض، فكيف خلق الله لنفسه قوة، وكيف خلق لنفسه حكمة. مستحيل أن يكون هناك زمان لم يكن فيه الإبن الذى هو قوة الله وحكمة الله، وبذلك فالمسيح أزلي. وصفة الأزلية لاتقال سوى لله.
  • الرسول يسمى المسيح رب المجد (1كو 2: 8). وهذه لا تقال سوى عن الله.
  • "ربٌ واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1كو8: 6) إذاً المسيح هو خالق كل شئ. وهذه تتفق مع (يو1: 3) والله هو الخالق.
  • ولا نجرب المسيح كما جرب أناسٌ منهم فأهلكتهم الحيات (1كو10: 9) هو يقصد تجربة اليهود ليهوه في العهد القديم، وبهذا نرى أن المسيح هو يهوه. المسيح هو إبن الله (2كو1: 3 + 2كو1: 19 + 2كو11: 31) المسيح يدين العالم (2كو5: 10) "إننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً".

2 - لاهوت الروح القدس.

قارن الآيات "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم" (1كو 3: 16) مع "ألستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس" (1كو 6: 19).

فالرسول لإيمانه أن الروح القدس هو الله لا يجد فرقاً أن يقول أن جسدنا هو هيكل لله أو أن جسدنا هو هيكل للروح القدس.

وراجع الآيات (1كو 2: 10 – 13) فنجد أن الروح القدس يعرف أمور الله ويفحص كل شئ حتى أعماق الله ويعلن لنا ما يريده من أسرار السماء وهو بالنسبة لله كمثل روح الإنسان للإنسان.

3 - عقيدة الفداء.

"لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1 كو 5: 7).

"لأنكم قد إشتريتم بثمن. فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التي هي لله" (1كو 6: 20) "قد إشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس" (1كو 7: 23).

"فيهلك بسبب علمك الأخ الضعيف الذي مات المسيح من أجله" (1كو 8: 11).

"المسيح مات من أجل خطايانا" (1كو 15: 3 + 1كو 15: 4). كان موته ليصالحنا مع الله (2كو 5: 18 – 21).

من هو الفادى فى العهد القديم؟ كان هو من يسدد الدين الذي على أحد أقربائه فيحرره من العبودية التي وقع تحتها إذ كان غير قادر على تسديد دينه. ونحن بسبب خطايانا صرنا عبيداً فإشترانا المسيح بدمه وسدد ما علينا لله وصالحنا مع الله، ومن يرجع لخطيته ثانية فهو يعود للعبودية ثانية.

4 - عقيدة الثالوث القدوس.

1) الآية الأولى: - "لكن إغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا" (1كو 6: 11) هنا نرى عمل الثالوث فى المعمودية.

بإسم الرب يسوع (الإبن) وبروح (الروح القدس) إلهنا (الآب).

وهذا ما علمه السيد المسيح "عمدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس" (مت 28: 19). ولماذا تكون المعمودية عمل للثالوث القدوس؟ الخلق عموماً هو عمل الثالوث القدوس. "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26) وقولـه نعمل.. صورتنا... شبهنا... بصورة الجمع هو إشارة للثالوث، فالعبرية لا تعرف صيغة التفخيم، فالفرد مهما كان عظيماً لا يقول عن نفسه نحن بل يقول أنا. ولما سقط الإنسان وتشوهت صورته، كان الحل الذي رآه الله، أن يعيد خلقة الإنسان. وكان ذلك بالفداء، ثم المعمودية، لذلك ظهر الثالوث يوم عماد السيد المسيح، فالخليقة الجديدة هي عمل الثالوث، كما أن الخلقة الأولى هي عمل الثالوث. وقول السيد المسيح عمدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس، يعنى بقوة ومقدرة الآب والإبن والروح القدس، وعملهم فى المعمودية ليعاد خلق المعمد من جديد. فالآب يريد والإبن يترجم إرادة الآب إلى عمل الفداء، فيموت بالصليب ويقوم. والروح القدس عمله أن يثبتنا فى المسيح، وإذا كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة (2كو 5: 17). ولاحظ أن نزول المسيح لنهر الأردن ليُعَمَّدْ هو إعلان منه عن قبوله الموت عنا. وهذا هو الطريق الوحيد لنموت نحن بإنساننا العتيق وتغفر خطايانا. وبالمعمودية نعود ونتجدد بحسب صورة خالقنا بعد أن نخلع الإنسان العتيق (كو 3: 9، 10). وكان حلول الروح القدس يوم العماد على المسيح هو حلول الروح القدس على الكنيسة جسد المسيح ليبدأ عمل الروح القدس مع كل معمد ليجعله يموت ويُدفن مع المسيح ويقوم متحداً معهُ ثابتاً فيه (رو6: 3 – 7). ولاحظ قول الرسول "إغتسلتم" إشارة لأن المعمودية بالماء... وقولـه "وبروح إلهنا" إشارة لأن المعمودية هي من الماء والروح كما قال السيد المسيح لنيقوديموس (يو 3: 5).

2) والآية الثانية: - "ولكن الذي يثبتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا هو الله" (2كو1: 21) وفيها نرى أن الله بروحه القدوس يثبتنا فى المسيح الإبن لنصبح أبناء الله.

3) والآية الثالثة: - التي نسمع فيها عن الثالوث والتي يتكلم فيها بولس الرسول عن المواهب وينسبها أيضاً للثالوث (1كو 12: 4 – 6) "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل فى الكل". فالثالوث كما قلنا فى المعمودية يخلق المعمد ليصير خليقة جديدة، وهنا يخلق جسد المسيح، أي الكنيسة خلقة جديدة لتكون جسد المسيح، لكل عضو عمله، فنحن أعضاء جسد المسيح، لكل عضو عمله الذي يحدده الآب. أما الروح القدس فهو الذي يعطى الموهبة أو الإمكانيات أو القدرة على العمل، هو ينفذ إرادة الآب بأن يعطى الموهبة التي يحتاجها العضو (الأفراد) ليقوم بعمله. وبثباتنا في المسيح نصير أعضاء حية هو يستخدم أعضائنا كألات بر (رو6)، فلا حياة لعضو خارجاً عن جسد المسيح. وبهذا نستطيع أن نقوم بالخدمة الموكلة لنا. فالآب يريد والإبن والروح القدس أقنومى التنفيذ. لذلك نجد الرسول ينسب: -.

العمل........... للآب.

والخدمة........ للإبن الذي أتى ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ.

والموهبة........ للروح القدس.

مثال: - فالعين البشرية لها عمل محدد.. هو النظر أو الإبصار. ولكنها لا يمكن أن تقوم بعملها إن لم تكن ثابتة فى الجسم بأوردة وأعصاب. وأيضاً يجب أن تكون سليمة لتقوم بعملها. فى هذه الآية الثالثة نرى عمل الثالوث فى تكوين جسد المسيح أي الكنيسة، بأعضاء (أفراد) عملهم يتكامل معاً.

4) والآية الرابعة: - نرى فيها أيضاً عمل الثالوث فى بركة الكنيسة "نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم" (2كو 13: 14). فالله الآب أعلن محبته بتجسد وفداء إبنه ربنا يسوع المسيح وإرسال روحه القدوس ليشترك معنا فى عمل صالح (أوشية المسافرين).

5 - عقيدة الكنيسة فى سلطان الحل والربط.

هذا ما عمله بولس الرسول فى (1كو 5: 5) إذ أسلم الزانى للشيطان أي قطعه وحرمه من شركة الكنيسة. ثم فى (2كو 2: 6، 10) أحله من هذا الحرمان وسامحه. وهذا يتفق مع قول المسيح لتلاميذه "إقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 20: 22، 23 + مت 16: 19 + مت 18: 18).

6 - عقيدة القيامة من الأموات.

يراجع فى هذا إصحاح (1كو 15 بأكمله + 1كو 6: 14) "والله قد أقام الرب وسيقيمنا نحن أيضاً بقوته" + (2 كو 4: 14).

وسنحصل على جسد ممجد فى السماء (1كو 15 + 2كو 5: 1) "لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد أبدى".

7 - الأسرار الكنسية.

  1. المعمودية: - (1كو 6: 11) (راجع ص 12) + (1كو 1: 13 – 17).
  2. الإفخارستيا: - (1كو 10: 15 – 21 + 1كو 11: 23 – 31).

ج - الميرون: - وهو سر حلول الروح القدس في المؤمن المعمد.

راجع الآيات (1 كو 2: 10 – 13) فالروح القدس يحل فينا. وهو الذي يثبتنا في المسيح (2كو 1: 21، 22). ولكن ما نحصل عليه فى الأرض هنا هو عربون الروح (2كو 5: 5).

د - الكهنوت: - بولس يسمى نفسه والخدام الذين مثله "وكلاء سرائر الله" (1كو4: 1) وسرائر هنا جاءت ميستيريون بمعنى أسرار الكنيسة.

هكذا يعيش الإنسان المؤمن، العقيدة عنده حياة يحياها وليست موضوعات للمناقشة والجدل، ليست موضوعات نظرية بل حياة. فالمؤمن يذكر آيات الكتاب المقدس ويقول المسيح يقول كذا وكذا وقد يقول ربنا يقول كذا وكذا، لا فرق فهو يؤمن بأن المسيح هو الله، وهذا ليس موضوعاً للمناقشة والإثباتات.

وعقيدة الشفاعة التي نؤمن بها فأغلبية المسيحيين قد لا يعرفون إثباتاً لها ولكنهم يحيون حياة شركة مع السمائيين، وحياة صداقة ودالة، وإن أثبت هذا شئ فهو يثبت أن المسيح قد صالح السمائيين على الأرضيين وجعل الإثنين واحداً. سمعت هذا السؤال يوماً من بنت صغيرة فى مدارس الأحد "هل يمكن أن يكون لي أصدقاء في السماء كما لي أصدقاء في المدرسة" هذه قد تحولت لها عقيدة الشفاعة لحياة تحياها.

وعقيدة أن الله أب لنا يحبنا حباً لا يوصف تظهر فى تسليم كل أمورنا لهُ حتى ولو كانت تجارب أليمة، وهذا ما عَبَّرَ عنه الرسول هنا فى (1كو 3: 22) "أبولس أم أبلوس أم صفا أم العالم أم الحيوة أم الموت أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة كل شئ لكم".

هذا ما حدث مع فلاحين بسطاء فى روسيا. فبعد أن قامت الثورة الشيوعية أتى الثوار الملحدين ببعض رجال الدين الفاسدين أمام جماهير الفلاحين البسطاء. ودخلوا مع رجال الدين فى حوار لإثبات أنه لا يوجد إله. وطبعاً فبسطاء الفلاحين لم يفهموا هذا الحوار الفلسفي خصوصاً مع تقاعس رجال الدين الفاسدين عن الرد فما كان من الفلاحين إلاّ أنهم وقفوا يصرخون "إخرستوس آنستى" لقد كانت عقيدة قيامة المسيح وألوهيته بالنسبة لهم ليست موضوعاً للحوار والمناقشة بل حياة يحيونها.

الصليب والآلام عند بولس الرسول من خلال رسالتي كورنثوس.

لاحظ بولس الرسول إنتفاخ أهل كورنثوس بسبب مواهبهم وسعيهم للحصول على مواهب فيها مظهرية وأنهم يسعون لكرامات زمنية فأرسل لهم معاتباً "إنكم قد شبعتم (مواهب) قد إستغنيتم. ملكتم بدوننا". وقطعاً فهذا أسلوب ساخر يعبر به عن سعيهم وراء الكرامات الزمنية، ثم يقول عن نفسه ليخجلهم "نحن جهال / ضعفاء / بلا كرامة... نجوع ونعطش ونعرى ونلكم.. صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شئ" (1كو 4: 8 – 13). ويقول عن نفسه حين تحزب البعض له والبعض لأبلوس "فليحسبنا الإنسان كخدام للمسيح" (1كو 4: 1) وجاءت كلمة خدام بمعنى عبيد. ومعنى ما قاله الرسول هنا أنه لا يجب علينا وعلى الخدام بالذات أن نبحث عن كرامات زمنية، بل هو يرى أن كرامة الخادم هي في حمل الصليب كسيده.

لماذا يحتمل الرسول كل هذا؟

لماذا لم يترك الرسول هذه الخدمة الشاقة؟

1 - الرسول يرى أن الخدمة هي تكليف إلهي: - "لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة علىَّ. فويلٌ لي إن كنت لا أبشر. فإنه إن كنت أفعل هذا طوعاً فلي أجر. ولكن إن كان كرهاً فقد استؤمنت على وكالة" (1كو 9: 16، 17). هنا يظهر الرسول أن هناك نوعين من الخدام 1) من يخدم بفرح 2) من يخدم بتغصب. وسواء هذا أو ذاك فمن يخدم فله أجر، ومن يمتتع فويلٌ له. أمّا من يهرب كيونان فسيبتلعه حوت. فالخادم الذي يترك خدمته، تبتلعه هموم العالم، أما من يستمر فى خدمة الرب ويعمل العمل الذي كلفه به الرب فسلام الله الذي فيه يبتلع هموم العالم. والله يرسل خدامه كبولس ويونان إلى شعبه فهو يهتم بخلاص كل نفس، النفس غالية جداً عند الله. لذلك فمن يترك خدمته أو يستعفى من الخدمة يغيظ الله جداً (خر 4: 14).

2 - الخدمة كرامة: - ليست كرامة يسعى إليها الخادم فهذا مرفوض. ولكن هي كرامة يعطيها الله لمن يعمل معه "نحن عاملان مع الله" (1كو 3: 9) والله من محبته لخدامه الأمناء يعطيهم كرامة ونعمة ومحبة فى أعين الناس دون أن يسعوا هم إليها ولاحظ محبة الناس لبولس الرسول وما حصل عليه من كرامات.

أ) وكان بكاء عظيم من الجميع ووقعوا على عنق بولس يقبلونه متوجعين ولاسيما من الكلمة التي قالها أنهم لن يروا وجهه أيضاً (أع 20: 37، 38 + أع 21: 13).

ب) "تجربتى التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها بل كملاك من الله قبلتموني كالمسيح يسوع، فماذا كان إذاً تطويبكم. لأنى أشهد أنه لو أمكن لقلعتم عيونكم وأعطيتموني" (غل 4: 14، 15).

ج) عومل كإله فى لسترة إذ أقام عاجز الرجلين (أع 14: 8 – 15).

ء) صنع معجزات (2كو 12: 12) حتى بالمناديل من على جسده (أع 19: 12).

هـ) أقام ميت (أع 20: 9 – 11).

و) إختطف إلى الفردوس.

ز) كانت له مناظر وإعلانات وبوفرة (2كو 12: 1 – 7) "بفرط الإعلانات".

ح) كانت دعوته عن طريق المسيح شخصياً (أع 9: 1 – 9 + غل 2: 11، 12).

ط) كان خادم للعهد الجديد الذي تفوق كرامته العهد القديم بما لا يقاس (2كو 3: 6 – 11، 18 + 4: 1). ويكفيه فخراً أنه يعمل مع الله (1كو 3: 9).

3 – لكن الخدمة صليب وهوان أيضاً.

راجع (1كو 4: 10 – 13 + 2كو 6: 3 – 10).

فلماذا الصليب؟

فى (1كو 4: 11) يقول إلى هذه الساعة ويعنى ذلك أن الصليب للكنيسة فى كل زمان ومكان.

لماذا الصليب فى حياتنا؟

المبدأ الذي وضعه بولس الرسول نفسه.

مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ (غل 2: 20) والصليب نوعان.

أ) موضوع علىَّ: -.

1 – إضطهاد اليهود والأمم لهُ.

2 – المسيحيون يغيظونه بينما هو فى سلاسل وحبس (فيلبى 1: 14 – 16).

3 - عدم محبة البعض "كلما أحبكم أكثر أحب أقل" (2كو 12: 15).

4 - شوكة جسده (غل 4: 14، 15 + غل 6: 11 + أع 19: 12) وهذه يمكن فهمها أنها ضعف شديد في النظر وقروح متقيحة في جسده.

5 – راجع (1كو 4: 8 – 13 + 2كو 11: 23 – 27).

6 – قالوا عنه: - أ) خفيف (2كو 1: 17) يتكلم ويعد ولا يوفى.

ب) يحتاج لرسائل توصية وفى هذا إنكار لرسوليته (2كو 3: 1).

ج) أنه يفسد ويظلم (يأخذ أموالهم) (2كو 7: 2، 5). ولذلك وحتى لا يعثر أحد كان.

لا يحمل أموالاً بل يرسل رسلاً للجمع (1كو 16: 3، 4 + 2كو 8: 16 – 24).

ء) أنه ليس رسول (1كو 9: 2).

7 – الهرطقات التي واجهها والضعفات التي كانوا فيها والحالة الروحية المتردية جعلته فى حزن "لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة" (2كو 2: 4)... "من يضعف وأنا لا أضعف".. (2 كو 11: 29).

8 – نرى مقدار شدة التجارب التي وصلت به لحد الموت واليأس (2كو 1: 8، 9).

ب) صليب إختيارى.

"أقمع جسدي وأستعبده" (1كو 9: 27) + "كل من يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ" (1كو 9: 25) ومن لا يفعل "يصير مرفوضاً" (1كو 9: 27).

كيف فهم بولس الرسول أهمية الألم والصليب.

Ι) "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حيوة يسوع أيضاً في جسدنا. لأننا نحن الأحياء نسلم دائماً للموت من أجل يسوع لكي تظهر حيوة يسوع أيضاً في جسدنا المائت" (2كو 4: 10، 11). وهذه تناظر "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غل 2: 20) فلكي يحيا المسيح فيَّ يجب أن أقبل الصليب الموضوع علىَّ أو الإختيارى، فالمسيح لم يقم إلاّ بعد أن صلب ومات. ولكي يحيا المسيح فيَّ، وتكون لي حياة المسيح يجب أن أقبل الطريق من أوله وهو الصليب، ومن يقبل الصليب يحيا المسيح فيه. ومن لا يستطيع أن يفرض صليباً على نفسه إختيارياً يساعده المسيح لمحبته فيه ويعطيه صليباً من عنده. فلنقبل الصليب لتكون لنا حياة المسيح القائم من الأموات.

أمّا منطق الشيطان فهو رفض الصليب والسعى وراء ملذات العالم، لذلك حين أراد بطرس أن يبعد المسيح عن الصليب قال له "إذهب عنى يا شيطان" (مت 16: 23). وكان هو أيضاً صوت الشيطان يدعو المسيح أن إنزل عن الصليب إن كنت إبن الله (مت 27: 40 – 43). ولذلك كان منطق كنيستنا زيادة الأصوام والدعوة لشكر الله حتى فى الضيقات والتجارب.

وما هو فهم بولس الرسول لأن يحيا المسيح فىَّ؟

1 - أما نحن فلنا فكر المسيح (1كو2: 16) + نتكلم فى المسيح (2كو 2: 17).

2 - "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية" (1كو 6: 15).

3 - "يسلم عليكم فى الرب" + "محبتي مع جميعكم فى المسيح يسوع" (1كو 16: 19، 24). فحتى السلام والمحبة لا تكون خالصة أمينة إن لم تكن لي حياة المسيح ولى ثبات فيه.

4 - طالما كانت لي حياة المسيح فلقد صرنا "جسد المسيح" (1كو 12: 27).

5 - وصار لبولس وداعة المسيح وحلمه (صفاته) (2كو 10: 1) فحينما صارت لبولس حياة المسيح صار المسيح يحيا فيه، ويعطيه فكره وصارت أعضاؤه هي أعضاء المسيح، ويملى المسيح علي بولس ما يقولـه وما يفعله "نتكلم فى المسيح". بل هو يعطيه أن يحب الناس محبة صادقة وليست غاشة.

П) بولس فهم أن الألم يأتى من الشيطان "أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أرتفع" (2كو 12: 7) ولكن بولس يعلم أنه في يد الله ضابط الكل وأن محبة المسيح تحصره (2كو 5: 14). فكيف يستطيع الشيطان أن يؤذيه؟ لاحظ أن بولس يؤمن "أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله" (رو 8: 28) ويعلم أن كل الأشياء الحياة / الموت / العالم / الأمور الحاضرة أم المستقبلة... كل شئ لكم (1كو 3: 22) أي كل ما يسمح به الله هو من أجل خلاص نفوس أولاده. فإستنتج بولس أن هذا الأذى من الشيطان هو للخير، فبالنسبة لبولس كان غرضه أن لا ينتفخ ويرتفع. الله سمح للشيطان أن يؤذيه لكن كان هذا لخلاص نفسه فإستخدم بولس نفس الأسلوب مع زانى كورنثوس "قد حكمت.. أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1كو 5: 5). فهنا الشيطان يؤذى هذا الشاب جسدياً ليكره الخطية ويتوب فتخلص الروح في يوم الرب. فالآلام إذاً هي نيران أفران بابل التي لم تؤذى الفتية الثلاثة لكن أربطتهم إحترقت، فالله يسمح ببعض الآلام من محبته حتى تحترق الرباطات التي تربطنا بالخطية. والسبب ببساطة أن فى داخلنا نفس متمردة على طاعة الله، والله يؤدب. وكان هذا معنى الحوار الذي دار بين السيد المسيح وبين بطرس (يو 21) أنه إن كنت تحبني فإقبل الصليب الذي أسمح به. وإن كنت غير فاهم الآن ما أنا أصنع لكنك ستفهم فيما بعد (يو 13: 7).

Ш) الله يريد أن يملأ خدامه بركات ومواهب، ولكنه يخاف عليهم من الإنتفاخ، ولاحظ كم حظي بولس الرسول بمواهب وعمل معجزات وتأثير جبار في خدمة أوروبا كلها، وصار له أولاد يحبونه في كل مكان، وكم رأى من رؤى وإعلانات. ولذلك فمن محبة الله وحتى لا ينتفخ هذا الخادم الأمين سمح الله بهذه التجارب له لتموت الأنا (شماله تحت رأسي) ولكن الله لم يتركه وحده في هذه الآلام بل إزدادت له التعزيات (يمينه تعانقني نش 2: 6). ولاحظ قول بولس الرسول "كما تكثر ألام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزياتنا أيضاً" (2كو 1: 5).

فكلما إزدادت المواهب والعطايا إزدادت التجارب والآلام.

وكلما إزدادت التجارب والآلام إزدادت التعزيات.

فالتجارب والآلام تحمى الخادم من الإنتفاخ والكبرياء.

والتعزيات تحمى الخادم من الإنكسار تحت وطأة ثقل الصليب وراجع (2كو 1: 3 – 10) تجد أن كلمة تعزية وردت 10 مرات وكلمة ضيقة ومرادفاتها وردت 10 مرات. فالتعزية بقدر الألم. حتى نحتمل الالم فلا نفشل حتى يتم التأديب، والله يؤدب من يحبه (الذى فيه أمل) (عب12: 6). اما من لا أمل فيه.. "لا أعاقب بناتكم لأنهم يزنين" (هو 4: 14).

ІV) الخادم المتألم المملوء تعزية قادر أن يعزى الآخرين، هو أولاً قادر على الإقناع إذ هو واقع تحت نفس الآلام، وهو إذ يراه الناس مملوء تعزية، يتعزون. وهذا معنى قول الرسول "فإن كنا نتضايق فلأجل تعزيتكم وخلاصكم العامل في إحتمال نفس الآلام التي نتألم بها نحن أيضاً أو نتعزى فلأجل تعزيتكم وخلاصكم" (2كو 1: 6).

ولذلك إختار الله دانيال ليكلم الملوك، لكنه كان لا يقدر أن يكلم الشعب فالذي يعيش في القصور لن يكون مقنعاً للشعب. وإختار الله حزقيال ليكلم الشعب إذ هو واقع تحت الآلام مثلهم، آلام السبي والفقر.

وهذا معنى ما قيل عن السيد المسيح "يكمل رئيس خلاصهم بالآلام" أي يشابهنا في كل شئ حتى الآلام. ولماذا؟ "لأنه فى ما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين" (عب2: 18) أما نحن فنكمل بالألام لنشبه المسيح. وأيضاً "لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مجرَّب في كل شئ مثلنا بلا خطية" (عب 4: 15).

V) "وإن كان إنساننا الخارج يفنى (بالآلام) فالداخل يتجدد يوماً فيوم" (2كو 4: 16) وكم من مريض بمرض صعب تنقى تماماً بسبب مرضه، وكانت تجربته سبب خلاص نفسه (أيوب).

VI) الآلام سبب للمجد الأبدي "خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديا" (2 كو 4: 17) فمهما كانت ضيقتنا الآن صعبة لكنها خفيفة بالنسبة للمجد الأبدي.

  1. يصاحب الآلام تعزيات.
  2. مدة الضيقة الآن هي بالقياس للأبدية لاشيء.
  3. المجد المعد لو وضع في كفة والآلام في كفة لظهر خفة ألآمنا بجانب المجد وهذا ما قاله الرسول أيضا في (رو 8: 17) "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضا معه". "وسنأخذ إكليلا لايفني" (1كو 9: 25). لكن المهم أن ننظر للسماء والأمجاد المنتظرة "ونحن غير ناظرين للأشياء التي تري بل إلي التي لا تري" (2كو4: 18) فهذا يعطي المتألم الصبر والإحتمال.

VII) الرسول بولس يُسَّرْ بضعفاته إذ يشعر أنه كلما ظهر ضعفه كان عمل الله معه بزيادة "أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات والإضطهادات لأجل المسيح لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2 كو 12: 8 – 10) + "أفتخر في ضعفاتي لكي تحل عليَّ قوة المسيح" والسبب بسيط فلو كنت أشعر بقوتي أو فلسفتي، أي بقوة عضلية أو قوة ذهنية من عندي فسأعطل عمل الله، وأفسد خطة الله بتدبيراتي البشرية. وحين أشعر بأنني لا شيء وفي منتهى الضعف تعمل فيَّ قوة الله ولا اقاوم قيادته فيكون عمل الكرازة قويا. ولاحظ أن المسيح لو أظهر قوته وأتي بملائكته لتضرب صالبيه وتبعدهم عنه ماتم الخلاص، لكن الخلاص تم بصورة ضعف المسيح. "لأنه وإن كان قد صلب من ضعف لكنه حيٌ بقوة الله. فنحن أيضاً ضعفاء فيه لكننا سنحيا معه بقوة الله من جهتكم" (2كو 13: 4) ولاحظ أن بولس الرسول في ضعفه ظهرت قوة المسيح في كرازته وتعاليمه وفي ظهور مواهب وقوات في شعب كورنثوس، وفي عقاب المخطئ أيضاً ظهر سلطانه وقوته.

VIII) أدرك بولس الرسول أن تعزيات الله للمتألم ليس معناها أنه ينزع عنه الألم فلا يعود يشعر به بل أنه سيكون هناك ألام في الخارج وتعزيات الروح القدس في الداخل، فمجال عمل الروح القدس في القلب، فهو الروح المعزي (2 كو 4: 7 – 10) + (2 كو 6: 8 – 10) "مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين. متحيرين لكن غير يائسين. مضطهدين لكن غير متروكين... كحزانى ونحن دائماً فرحون...".

من أجل كل بركات الصليب هذه فرض بولس الرسول علي نفسه صليباً إختيارياً إذ كان يقمع جسده ويستعبده فوق كل ما كان يعاني منه من ألام وتجارب.

بولس الرسول كخادم في رسالتي كورنثوس.

  1. إستخدم بولس الرسول أسلوباً مشابهاً لأسلوب السيد المسيح مع أهل كورنثوس، فهو يشجع ويلاطف قبل أن يعاتب. ولاحظ قوله "أشكر إلهي في كل حين من جهتكم..." (1كو 1: 4 – 9). وقارن مع (رؤ 2: 2 – 4) "أنا عارف أعمالك وتعبك... لكن عندي عليك...".
  2. "نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة" (1كو 1: 23). والكرازة بالصليب ليست فقط بالكلام بل بإحتمال آلام الصليب بشكر، بل وبقمع الجسد بفرح، وذلك لإيماننا بأن هناك مجد معه بعد القيامة، لذلك تصلي الكنيسة "بموتك يارب نبشر وبقيامتك نعترف" فالبشارة بموت المسيح هي القبول بأن نموت مع المسيح عن العالم لإعترافنا بحقيقة القيامة. والموت عن ملذات العالم هو ضد فلسفات هذا العالم التي تؤمن بأن نعطي للجسد كل الملذات الممكنة "نأكل ونشرب لأننا غداً نموت" (1كو 15: 32).
  3. كيف فهم بولس الرسول مبدأ "ليس الغارس شيئاً ولا الساقي بل الله الذي ينمي" (1كو 3: 7) وهل قصد بهذا أنه لا قيمة لعمل الخدام طالما أن الله هو الذي ينمي، هل معني هذا أن لا نعمل ونترك الله يعمل وحده.

أ – أولاً كيف ينمي الله الزرع دون أن يغرسه أحد ويرويه آخر لذلك قال الرسول "فإننا عاملان مع الله وأنتم فلاحة الله" (1كو 3: 9) وكان طلب السيد المسيح "الحصاد كثير والفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلي حصاده" (مت 9: 37، 38) بل إن الرسول فهم الخدمة علي أنها خدمة المصالحة مع الله (2كو5: 18 – 20) فكم من أولاد لله في حالة خصام وتصادم مع الله لأنهم لا يفهمون أحكامه، لأنهم لا يدركون محبته.

ب – مع أن الخدمة هي عمل مهم لكن علي الخادم أن يشعر في نفسه أنه لاشيء، وأن الله هو الذي أعطاه هذه النعمة حتى يعمل، والله أعطاه الموهبة التي يخدم بها، فلماذا يفتخر "أي شيء لك لم تأخذه، وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ" (1كو 4: 7) + "لا أنا بل نعمة الله التي معي" (1كو 15: 10). وعلي الخادم أن لا ينتظر المديح من الناس بل من الله "حينئذ يكون المدح لكل واحد من الله" (1كو4: 5) وذلك يوم الدينونة.

ج – علي الخادم أن يكون أميناً حتى أخر لحظة (1كو4: 2).

د – علي الخادم أن لا يسعى وراء المواهب للمجد الباطل ولو فعل يكون هذا كعبادة الأوثان "فالنحاس الذي يطن والصنج الذي يرن" (1كو 13: 1، 2) لايستعملوا إلاّ في هياكل الأوثان. لكن علي الخادم أن يسعى للمواهب لا لمجد نفسه بل لبنيان الكنيسة ولمجد الله "أطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا" (1كو 14: 12). أما أهل كورنثوس فطلبوا الألسنة للمجد الباطل. وبمناسبة الألسنة فنحن نحتاج في الكنيسة لمواهب ألسنة، لا ألسنة تتكلم لغات غير مفهومة بل نحتاج لمن له لسان يبكت به المستهتر ويوبخه، ولمن له لسان يشجع اليائس ويعطي تعزية للمتألم والمريض والحزين فهذه الألسنة تبني.

هـ – علي الخادم أن يخدم بطريقة روحية، ليعرف الناس شخص المسيح، وأهمية الصليب في حياة المؤمن، وكيفية التعزية، حتى لو جاءت التجربة لا ينهار المؤمن تاركاً إيمانه. لأن هناك خدام يركزون علي الأنشطة الإجتماعية والموسيقية والرحلات تاركين الأهم وهو معرفة شخص المسيح. هؤلاء يقول عنهم بولس الرسول "النار ستمتحن عمل كل واحد" (1 كو 3: 13) فالنار هي التجارب، ومن يحتمل التجربة هو من كان قد إختبر شخص المسيح.

و– إنكار الخادم لذاته كما قال يوحنا المعمدان "ينبغي أن هذا يزيد وإني أنا أنقص" (يو 3: 30) وراجع قول بولس الرسول (1كو1: 12 – 14). ونجد أن أبلوس رفض الحضور إلي كورنثوس لما عرف أن هناك من تحزب لهُ (1 كو 16: 12). ولا حظ قول بولس الرسول أن من يتكلم عن نفسه يصير غبياً (2كو11: 1، 16). ولذلك "فمن يريد أن يفتخر فليفتخر بالرب الذي يعمل كل شيء فينا وبنا" (1كو1: 31 + 2كو 10: 17، 18).

ز – الخادم يحتاج لحكمة إلهية في كلامه وفي وعظه وفي إرشاداته "أبشر لا بحكمة كلام، فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة" (1 كو 1: 17) "المسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة" (1 كو 1: 30). "كلامي وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية بل ببرهان الروح والقوة" (1كو 2: 4) + "نتكلم بحكمة الله" (1كو2: 7).

فكيف تكون لنا حكمة الله؟

  1. بأن يحيا المسيح فيَّ فيكون لي فكر المسيح (غل 2: 20 + 1 كو 2: 16).
  2. حل في المسيح كل ملء اللاهوت جسدياً

    الرأس مصدر بركات للمؤمن (جسد المسيح)

    المسيح

    بأن أثبت في المسيح (بالمعمودية والميرون والتوبة والإعتراف والتناول) فيصير لي المسيح حكمة من الله. هذه بركة من بركات التجسد، فالمسيح رأس الكنيسة حلَّ فيه كل ملء اللاهوت جسدياً (كو2: 9) والمسيح بتجسده إتحد بنا جسدياً فصارت لنا كل بركات الله بقدر ما نحتمل، بركات وحكمة وقداسة وبر. ما يحدد عطايا الله لنا هو محدوديتنا.

4 - الخادم قدوة للآخرين.

"بل في كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله فى صبر كثيرفى شدائد.." (2كو6: 4 – 10).

"صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس" (1كو4: 9).

"كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق" (1كو 6: 12).

"كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء تبنى" (1كو 10: 23).

"كل الأشياء تحل لي لكن لا يتسلط علىَّ شئ" (1كو 6: 12).

"كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين" (1كو 10: 32).

"فإذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس. وأما الله فقد صرنا ظاهرين لهُ وأرجو أننا قد صرنا ظاهرين فى ضمائركم أيضاً" (2كو 5: 11).

"يظهر بنا رائحة معرفته فى كل مكان" (2كو 2: 14).

"لأننا رائحة المسيح الزكية.. رائحة حياة لحياة.." (2كو 2: 16).

5 – محبة بولس الرسول وحزمه مع أولاده.

نجد بولس الرسول يفيض من محبته على أولاده فى كورنثوس، ولكن وفى نفس الوقت كان حازماً جداً فى مواجهة الأخطاء.

"إنكم فى قلوبنا لنموت ونعيش معكم" (2كو 7: 3) وهذه تعنى أنني أحبكم وأتمنى أن أعيش معكم العمر كله. ولاحظ حزنه بسبب رسالته الأولى وخوفه عليهم (2كو 2: 12، 13 + 2كو 7: 5 – 10). وبالرغم من كل ما قاله أهل كورنثوس ضده يقول لهم "فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون. قلبنا متسع" (2كو 6: 11) أي هو مستمر فى تعليمه وكرازته لهم. وراجع الآيات (1كو 16: 24 + 2كو 2: 4 + 2كو 4: 5 + 2كو 11: 11 + 2كو 12: 14، 15 + 2كو 11: 29 + 2كو 11: 2 + 2كو 10: 1 + 2كو 12: 20، 21 + 2كو 13: 9). ومن محبته لهم وإهتمامه بخلاص نفوسهم لم يثقل على أحد فى ماديات (2كو 11: 7 – 11). وراجع أيضاً (1كو 4: 21 + 1كو 5: 1 - 8 + 1كو 3: 1 - 4 + 1كو 6: 1 – 11) لنرى حزم بولس الرسول معهم. فمحبة الرسول محبة حازمة.

سلم الدرجات الروحية في (1 كو 5 – 7).

بدأ الرسول في إصحاح (5) بمعالجة الشاب الذي زني مع إمرأة أبيه. وكان هذا المستوي أسفل السلم، بل هناك ما هو أحط أي مضاجعو الذكور. وحين ذكر الرسول هذا المستوي تعجب أن هناك من يوجد فيه والطريق مفتوح أمامه للدرجات الروحية العالية، فإمتد ببصره عبر الإصحاحات (6، 7) ليحدثنا عن الدرجات العالية.

1 – أحط الدرجات هي الشذوذ الجنسي أي مضاجعو الذكور والمأبونون (1كو 6: 9) وقال عنهم "أسلمهم الله لذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق ليهينوا أنفسهم" (رو 1: 24 – 28).

2 – درجة الزنا وهذه قال عنها أن "من إلتصق بزانية هو جسد واحد" (1كو 6: 16) فالزاني صار جسداني يجري وراء شهواته، كأنه جسد بلا روح، وحد نفسه مع زانية.

وهذه الدرجات المنحطة من السلم لا يرثون ملكوت الله (1 كو 6: 9).

3 – تأتي بعد هذا درجة المتزوج الذي ماتت إمرأته (أرمل) ويريد أن يتزوج ثانية لأنه غير قادر أن يضبط نفسه، فالرسول يبيح هذا الزواج (1كو7: 8، 9) ولو أنه لا يفضله، ويفضل عليه أن يحيا المؤمن مكرساً قلبه وعواطفه لله.

4 – الزواج الأول، وأيضاً فالرسول يفضل عليه البتولية وتكريس القلب لله فحينما يعطي المؤمن كل قلبه وعواطفه لله يتذوق طعم السمائيات. لذلك وحتى لا يحرم المتزوج من تذوق السمائيات طلب الرسول أن يمتنع الطرفان عن ممارسة العلاقات الجسدية لفترات يصومون فيها ويصلون، بعدها يعودون ليمارسوا علاقاتهم الجسدية بطريقة طبيعية (1كو 7: 2 – 5) ولكن هناك من يرفض أن يمتنع عن العلاقات الجسدية وقت الأصوام، وهؤلاء يقول لهم الرسول أن الإمتناع له شرط موافقة الطرفين، وذلك حتى لا تفقد الأسر سلامها إذ يمتنع أحد الطرفين، إلا ّ أن من يرفض الامتناع يبقي في درجة أقل، لا يتذوق طعم الحياة السمائية، ومن يمتنع وقت الأصوام عن علاقاته الجسدية مع الطرف الآخر يبقي في درجة أعلي، لأنه يكرس كل عواطفه لله.

5 – هناك درجة أعلي للمتزوجين، وهؤلاء من إستطاعوا ضبط شهواتهم وعاشوا في تعفف لا يبحثون إلا ّعن السمائيات إذ شعروا بإقتراب الأيام وأن أيام غربتهم علي الأرض قد إقتربت نهايتها (1كو 7: 29).

6 – والدرجة الأعلى هي البتولية (1كو 7: 1، 32 – 34، 38) هي درجة يصلب فيها الإنسان شهواته، هي درجة قمع الجسد وإستعباده (1كو 9: 24 – 27). وقارن مع (مت 19: 12) "هؤلاء خصوا أنفسهم لأجل الملكوت".

7 – والدرجات العليا في السلم هي درجات يقترب فيها الإنسان من أن يكون روحاً بلا جسد "وأما من إلتصق بالرب فهو روح واحد" (1كو 6: 17). وكلما مارس المؤمن عملية صلب أهواؤه وشهواته، كلما مارس عملية الإماتة لجسده يرتفع في درجات هذا السلم، بل أن المسيح يساعد مثل هذا الإنسان بوضع صليب عليه يزيد من عملية إماتة الجسد لتسمو الروح. والسبب بسيط كما شرحه بولس الرسول في (غل 5: 17) لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر. وكلما ضعف الجسد، تستطيع الروح أن تحلق في السماويات. وهذا ما عَبَّرَ عنه بولس الرسول حينما إختطف للسماء الثالثة وقال "أفي الجسد أم خارج الجسد لست أعلم" (2كو 12: 1 – 4). وحتى هذه الدرجات الروحية العالية فيها درجات. فنسمع قول يوحنا اللاهوتي "كنت في الروح" (رؤ 1: 10) ثم نسمع عن درجة أعلي "صرت في الروح" (رؤ 4: 2). في الدرجة الأولي إستلم يوحنا بعض الرسائل من المسيح لبعض الكنائس. أما في الدرجة الثانية فلقد رأي عرش الله ورأي رؤى عجيبة.

النمو في الحياة الروحية أو صعود درجات السلم الروحي.

يشبه الرسول الحياة الروحية بالزرع "إن كنا زرعنا لكم الروحيات أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات" (1كو 9: 11) "أنا غرست وأبلوس سقي" (1كو 3: 6). وبالتالي يمكننا أن نفهم أنه كما أن الزرع ينمو هكذا روحياتنا تنمو أي يمكننا أن نرتقي درجات هذا السلم ونفهم أيضاً أنه بقدر ما نزرع بقدر ما نحصد، فمن بذر قليل من البذور في حقله عليه أن لا يتوقع محصول كبير. لذلك يقول الرسول "من يزرع بالشح فبالشح أيضاً يحصد. ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضاً يحصد" (2كو 9: 6). لذلك وحتى ننمو علينا: -.

1 – أن نزرع بالبركات، أي نقضي أوقاتاً طويلة ملتصقين بالله في صلاة [ "متي إجتمعتم فليكن لكل واحد مزمور" (1كو 14: 26). "وأنتم أيضاً مساعدون بالصلاة لأجلنا" (2كو 1: 11)] ودراسة كتاب وخدمة وتسابيح وقداسات، المهم أن نلتصق بالله ومن يفعل يصير روحاً واحداً مع الله (1كو 6: 17).

2 – التأمل المستمر في السماويات "غير ناظرين إلي الأشياء التي تري بل التي لا تري" (2كو 4: 18) "عالمين أن الوقت مقصَّر" (1 كو 7: 29).

3 – إعتزال الشر "إعتزلوا لا تمسوا نجساً" (2كو 6: 14 – 7: 1). فلا شركة للنور مع الظلمة ولا للمسيح مع بليعال (2كو 6: 14، 15).

4 – قبول الصليب بشكر ليتجدد الداخل (2كو 4: 16، 17). بل أن نقمع الجسد ونستعبده في سهر الليالي في الصلاة.. وفي أصوام (1كو 9: 27) + (2كو 11: 27).

5 – بلا خصام مع الإخوة حتى لا نكون جسديين (1كو 3: 1 - 4). بل نسلك في محبة (1كو 13) فينسكب علينا الروح القدس (مزمور 133: 1 – 3).

6 – أن نحذر لئلا نسقط، وأن لا نرضي عن أنفسنا "من هو قائم فلينظر أن لا يسقط" (1كو 10: 12).

7 – أن نعمل كل شيء لمجد الله (1كو 10: 31) + (1كو 6: 20).

8 – أن نحزن حزناً مقدساً أي علي خطايانا، ولا نحزن علي خسارة أي شيء في العالم، وأيضاً لا نفرح بأي شيء في العالم، فهو عالم باطل فانٍ، ولقد قربت ساعة لقائنا مع المسيح (1كو 7: 29 – 31).

ومن يفعل ينمو روحياً فينتقل من مجد إلي مجد (2كو 3: 18) ويرتقي درجات السلم. ويتحول من طفل روحي إلي ناضج روحياً "لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر. ولكن لما صرت رجلا ًأبطلت ما للطفل" (1كو 13: 11). وكان الرسول يعني بهذا أننا علي الأرض إدراكنا محدود كأطفال ولكن في السماء سيكون إدراكنا كامل كإدراك رجل ناضج. ولكننا يمكن أن نطبق هذه الآية علي ثلاثة مراحل: -.

1) الطفولة الروحية علي الأرض.

2) النضج الروحي علي الأرض.

3) الإدراك الكامل في السماء.

ولنأخذ مثال فالطفل غير الناضج روحياً حين تقع عليه تجربة يظن أن الله غير راضٍ عنه ويظل يردد هذا شاكياً قسوة الله عليه، ومع النضج تنفتح عين المؤمن ويدرك في رجولته الروحية محبة الله وأن هذه التجربة هي لصالح خلاص نفسه فيشكر الله عليها. بل هناك من يطلب التجربة ليتنقى (مز26: 2). وفي هذه الآية نجد 3 كلمات:

1) أفطن أي أفهم.

2) وأفكر تعني الإستنتاجات المبنية علي ما فهمته.

3) أتكلم أي ما أردده.

مرحلة الطفولة الروحية: - تتميز مرحلة الطفولة بالأنا. فالطفل لا يفهم إلاّ أن كل شيء له حتى أبيه وأمه. بل أن العالم كله يدور حول محور واحد هو هذا الأنا. والطفل الروحي يفكر بنفس الأسلوب ماذا يفرحني ويعطيني لذة وراحة. وإذا حدث أن كانت إرادة الله مخالفة لهذا الإنسان يحدث تصادم بينه وبين الله، ويتذمر علي الله ويتمرد علي الله وعلي إرادته، ويتساءل لماذا تسمح بهذا يا رب.

مرحلة النضج الروحي: - في مرحلة النضج يظهر الآخر في حياة الإنسان وفي مرحلة النضج الروحي يبدأ الله في الظهور في حياة هذا الإنسان فيتعرف عليه ويدرك محبته، وتختفي الأنا تدريجياً، ويبدأ المؤمن البحث عما يرضي الله. وكلما نضج المؤمن إزداد إكتشافه لوجود الله وإدراكه لمحبته، وتتضاءل الأنا، "ينبغي أن هذا يزيد وإنى أنا أنقص" ويختفي التمرد تدريجياً ويبدأ التسليم لإرادة الله عن حب.

في السماء: - النضج الكامل، هناك سأعرف الله كما عُرِفْتْ (1كو 13: 12) فتختفي الأنا تماماً ويصبح الله الكل في الكل (1كو 15: 28) ويحدث الخضوع الكامل لله (1كو 15: 24 – 28) وينتهي التمرد. ومع إكتشاف مجد الله ومحبته لن يكون هناك سوي التسبيح. بل أن إدراكنا سيتسع يوماً فيوم في السماء. فكل يوم سأعرف عن الله ما هو جديد. وهذا لن ينتهي لأن الله غير محدود. (بل أن بعض البشر لا تعرفهم إلاّ بعد إنقضاء سنين طويلة وحينما تكتشف حلاوة عشرتهم يفرحك هذا) وهذا ما سيحدث مع الله الحلو الصفات، فكل ما أعرف عنه جديداً سيعطيني هذا فرحاً، وهذه المعرفة لن تنتهي وبالتالي فالأفراح لن تتوقف في الأبدية. ولأن طاقة الإنسان النفسية محدودة فسيطلب الإتساع ليتحمل كل هذا الفرح، فيعرف أكثر ويفرح أكثر، ويتسع ليعرف المزيد، وذلك لمزيد من الفرح. فالحياة في السماء معرفة والمعرفة تتحول لفرح أبدي لا نهائي "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي..." (يو 17: 3).

الإصحاح الأول

العدد 1

آية (1): -

"1بُولُسُ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَسُوسْتَانِيسُ الأَخُ،".

شكك الإخوة الكذبة (المتهودين) في صحة رسولية بولس الرسول حتى يثبتوا صدق تعاليمهم الغاشة والمخالفة لتعاليم بولس، وهنا يؤكد بولس صدق إرساليته، وطالما هو رسول لله فعليهم طاعة الأوامر والتعاليم التي سيقولها في هذه الرسالة والتي سبق وعلمها لهم. ولأنه يعالج مشكلة كبريائهم قال الْمَدْعُوُّ رَسُولاً = أي هو ليس له فضل في ذلك فينتفخ بل هي دعوة إلهية. وَسُوسْتَانِيسُ = ورد ذكره في (أع 18: 17) كرئيس لمجمع اليهود وهو قد تعرض للضرب من قِبَل اليونانيين الذين يكرهون اليهود، وبعد أن كان يقف موقفاً معادياً للمسيحية صار مسيحياً، والرسول يذكره في مقدمة الرسالة لأنه كان معروفاً عند أهل كورنثوس، وذِكره فيه أهمية إظهار عمل الله الخلاصي، فهذا الذي كان مقاوماً للمسيحية صار كارزاً بها.

العدد 2

آية (2): -

"2إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا:".

إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ = إذاً هي ليست كنيسة بولس ولا أبلوس ولا صفا، هنا نجد إحتجاج صامت على التحزبات. ولاحظ أن الكنائس كلها لله ونحن نطلق أسماء القديسين عليها إكراماً لهم. الْمُقَدَّسِينَ = أي المفرزين أو المكرسين المخصصين للرب، وهذا التقديس يتم بواسطة الاتحاد مع المسيح يسوع بالإيمان به وبالمعمودية التي هي ميلاد ثانٍ من الماء والروح، وبسر الميرون والذى به يسكن فينا الروح القدس ليساعدنا أن نتقدس وهذا يتم بواسطة أسرار الكنيسة. فالخطية تفصل بيننا وبين الله ولكن الروح القدس الذي يبكت على الخطية (يو 16: 8) ويعين ضعفاتنا (رو 8: 26) ويعطينا الغفران في سر التوبة والاعتراف ويعطينا الثبات في جسد المسيح في سر الإفخارستيا يعيدنا للثبات والإتحاد مع المسيح يسوع. وبهذا تصبح الكنيسة كلها مشتركة مع المسيح في جسد واحد، ولكن علينا أن نسلك في قداسة يعيننا عليها الروح القدس ونسلك بجهاد ضد الخطية. الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ = فمفتاح بركات العهد الجديد هو إتحادنا بشخص المسيح. الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ = أي لا فضل في ذلك لا لأنفسهم ولا لبولس، بل المسيح هو الذي دعاهم، فلماذا التحزب لشخص ما. والقداسة هى التكريس لله والتسامى عن الارضيات فى إتجاه إلهنا السماوى، وبقدر ما نتكرس ونتخصص لله تزداد قداستنا. جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ = وترجمت يبتهلون ويصلون بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ. فِي كُلِّ مَكَانٍ = إشارة لوحدة الكنيسة.

لَهُمْ وَلَنَا = قد تفهم بأنهم يبتهلون لهم ولنا. وقد تفهم أن المسيح رب لهم ولنا.

العدد 3

آية (3): -

"3نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.".

النعمة أولاً ثم السلام، فالنعمة هي التي تملأ القلب سلاماً. والرسول ينسبها لله الآب والإبن يسوع دليل وحدة الجوهر والتساوى بين يسوع والله. والنعمة هي كل هبات الله للإنسان (الفداء، الروح القدس الساكن فينا..) وتسمى خاريزما أي عطية مجانية ليست بسبب إستحقاق الإنسان.

العدد 4

آية (4): -

"4أَشْكُرُ إِلهِي فِي كُلِّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لَكُمْ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ،".

أشكر إلهى على النعمة التي حصلتم عليها كثمر لاتحادكم بالمسيح = فِي الْمَسِيحِ.

العدد 5

آية (5): -

"5أَنَّكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ اسْتَغْنَيْتُمْ فِيهِ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ وَكُلِّ عِلْمٍ،".

نجد الرسول هنا يمدحهم قبل أن يلومهم. وهذا أسلوب السيد المسيح (رؤ 2: 2 – 4). اسْتَغْنَيْتُمْ فِيهِ = كان غناهم في المواهب باتحادهم وشركتهم مع المسيح، فلا بركة خارجة عن المسيح. وإذا كان الله قد أغناهم بمواهب كثيرة فعليهم أن يستغلوها لمجد إسمه عوض التحزب والشقاق ولكن هناك مشكلة أن يشعر أحد بأن غناه في المواهب راجع لاستحقاقه ويشعر أنه ما عاد محتاجاً للمسيح (رؤ 3: 17)، مثل هذا الإنسان الفاتر الذى سمع قول المسيح عنه أنه مزمع أن يتقيأهُ. ولكن من يشعر أن الكل من الله وأنه عطشان، ويلجأ للمسيح ليحصل على المزيد، مثل هذا فطوباه (مت 5: 6) ومثل هذا يمتلئ ويفيض (يو 7: 37 – 39).

كُلِّ عِلْمٍ = معرفة حقائق الخلاص، هذه تشير للمعرفة والفهم.

كُلِّ كَلِمَةٍ = هؤلاء لهم موهبة الشرح والتفسير للكتب المقدسة، والرد على الهراطقة. هؤلاء قادرين على التعبير عما يعرفون.

العدد 6

آية (6): -

"6كَمَا ثُبِّتَتْ فِيكُمْ شَهَادَةُ الْمَسِيحِ،".

أي أن شهادتنا للمسيح التي كرزنا بها في وسطكم قد ثبتت صحتها وتأكدت حقيقتها بهذه النعم والمواهب التي حصلتم عليها، والقوة التي غيرت حياتكم.

ثُبِّتَتْ فِيكُمْ = confirmed in you.

العدد 7

آية (7): -

"7حَتَّى إِنَّكُمْ لَسْتُمْ نَاقِصِينَ فِي مَوْهِبَةٍ مَا، وَأَنْتُمْ مُتَوَقِّعُونَ اسْتِعْلاَنَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،".

إنكم هكذا قد إستغنيتم حتى لم يعد ينقصكم شئ من مواهب الروح القدس وعطاياه. وأنتم تنتظرون بإيمان ورجاء يوم الدينونة الذي سيظهر فيه المسيح. وعلامة المسيحي الحقيقي هي اشتياقه لسرعة مجيء المسيح.

العدد 8

آية (8): -

"8الَّذِي سَيُثْبِتُكُمْ أَيْضًا إِلَى النِّهَايَةِ بِلاَ لَوْمٍ فِي يَوْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.".

سَيُثْبِتُكُمْ = المسيح سوف يثبت أرواحكم ونفوسكم وأجسادكم حتى النهاية، لكي تصيروا غير ملومين في شئ وغير ناقصين في حياة القداسة حتى يوم مجيء الرب، فالله لا يتركنا وحدنا في صراعنا مع العالم والخطية والشيطان.

بِلاَ لَوْمٍ = من يثبت فى المسيح يحسب كاملا وبلا لوم امام الله (كو1: 28 + أف1: 4).

العدد 9

آية (9): -

"9أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.".

أَمِينٌ = الله يفي بكل ما وعد به، وهو أن نشترك في مجد إبنه، فهو إذ دعاهم = الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ = فهو من المؤكد أنه سيحقق لهم حياة الشركة في إبنه لينالوا كل النعم السابقة، والله سيعطيهم كل ما يلزم لخلاصهم ويقويهم للثبات في القداسة للنهاية. هذا طبعاً لمن يريد ولا يرفض عمل الله.

العدد 10

آية (10): -

"10 وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ،".

أَطْلُبُ = في اليونانية أرجوكم وأتوسل إليكم. كَامِلِينَ = في اليونانية تلاحموا معاً وارتبطوا معاً perfectly joined together فالكنيسة جسد واحد هو جسد المسيح، وهناك تكامل بين أعضاء الجسد الواحد. وإنه ليسهل على من تجددت أذهانهم في المسيح أن يكون لهم الفكر الواحد أي التوافق في الأفكار. فالتحزبات لا تخدم سوى عدو الخير. قارن مع (أف 4: 1 – 7) ومع (يو 17: 21 – 23). فالمطلوب إذاً أن تكونوا متكاملين. فالكل جسد واحد، وإذا كان هناك شقاق فكيف نكون متكاملين. عموماً لا يمكننا أن نكون رأى واحد وفكر واحد إلاّ إذا كان المسيح فينا والروح القدس يملأنا، وما عدنا نهتم بالذات، حين يتجدد ذهننا وهذا يكون بأن يعطينا الروح القدس أن يكون لنا اهتماما واحداً هو مجد المسيح. ولكن سبب الشقاقات دائماً هو الأنا أي كل واحد يبحث عن مجد نفسه. فإذا تنازلنا عن الأنا لما صار هناك شقاقات. بل أن الأنا حالت دون إيمان اليهود بالمسيح، إذ تعارض وجوده مع مصالحهم، فهم أسلموه حسداً (مر 15: 10)، وثاروا عليه إذ رأوا الكل وراءه (يو 12: 19 + يو 11: 47 – 50).

العدد 11

آية (11): -

"11لأَنِّي أُخْبِرْتُ عَنْكُمْ يَا إِخْوَتِي مِنْ أَهْلِ خُلُوِي أَنَّ بَيْنَكُمْ خُصُومَاتٍ.".

هو يطلب الوحدة لأنه سمع من عبيد السيدة التي تُدعى خلوى أن هناك خصومات بينهم.

العدد 12

آية (12): -

"12فَأَنَا أَعْنِي هذَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَقُولُ: «أَنَا لِبُولُسَ»، و«َأَنَا لأَبُلُّوسَ»، وَ«أَنَا لِصَفَا»، وَ«أَنَا لِلْمَسِيحِ».".

صارت هناك أحزاب. فبولس تبعه من عرفوه أولاً ككارز لهم. وأبلوس تشيع له اليهود الذين أعجبهم معرفته بالكتاب المقدس، واليونانيين الذين أعجبتهم فصاحته. وربما تشيع لبطرس من عمَّدَه بطرس في أورشليم أو من يدعو للتهود ولا تعجبه أراء بولس في التحرر من فرائض الناموس كالختان. وهناك من قال أنا أتبع المسيح حتى لا يلتزم بأي ترتيبات كنسية، مثل هذا لا يريد أن يخضع للكنيسة، وهذا سبب معظم الهرطقات والإنشقاقات عن الكنيسة. ولاحظ أن وراء كل هذا أيضاً الأنا. فمن يتبع بولس يظن أن بولس الأعظم وبهذا يصير هو الأعظم لأنه يتبع بولس الأعظم. ومن يقول أنا أتبع المسيح ليتحرر من سلطان الكنيسة فهو كأنه يقول أنا حر ولا أحد له سلطان عليَّ ولا حتى الكنيسة.

ملخص ما سيأتى أن بولس يقول لماذا تفتخروا بى أو بغيرى. نحن لاشئ. مهما كنا علماء أو فلاسفة أو غيره. كل هذا بلا قوة على تغييركم وجعلكم تؤمنون بمصلوب، وتتركون خطاياكم، وتمتلأوا مواهب.... كل هذا هو قوة الله.... اذاً إفتخروا بالله فقط.

العدد 13

آية (13): -

"13هَلِ انْقَسَمَ الْمَسِيحُ؟ أَلَعَلَّ بُولُسَ صُلِبَ لأَجْلِكُمْ، أَمْ بِاسْمِ بُولُسَ اعْتَمَدْتُمْ؟".

هَلِ انْقَسَمَ الْمَسِيحُ = الكنيسة كلها جسد واحد هو جسد المسيح فالانقسامات تعنى تقسيم جسد المسيح الواحد الذي كل أعضاؤه مرتبطة بالمسيح الرأس.

أَمْ بِاسْمِ بُولُسَ اعْتَمَدْتُمْ = المعمودية هي عمل الثالوث وبإسم الثالوث (مت 28: 19 + 1كو 6: 11). وقولـه بإسم الثالوث أي بقدرة وقوة الثالوث الذي يعمل على تجديد المُعمَّد المؤمن. وقطعاً هذا ليس عمل بولس أو أي إنسان. وقطعاً إذا كانت المعمودية بإسم الثالوث فهو الذي إمتلكنا وصرنا ملكاً لهُ، به وحده نتعلق.

العدد 14

آية (14): -

"14أَشْكُرُ اللهَ أَنِّي لَمْ أُعَمِّدْ أَحَدًا مِنْكُمْ إِلاَّ كِرِيسْبُسَ وَغَايُسَ،".

أشكر الله لأنكم لو كنتم إعتمدتم على يديَّ لأسأتم إستخدام إسمى أكثر وأكثر، أو لصار لكم سبباً في أن تتحزبوا لي.

الأعداد 15-16

الآيات (15 - 16): -

"15حَتَّى لاَ يَقُولَ أَحَدٌ إِنِّي عَمَّدْتُ بِاسْمِي. 16 وَعَمَّدْتُ أَيْضًا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ. عَدَا ذلِكَ لَسْتُ أَعْلَمُ هَلْ عَمَّدْتُ أَحَدًا آخَرَ،".

بولس يرفض تكوين حزب باسمه في الكنيسة.

العدد 17

آية (17): -

"17لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ بَلْ لأُبَشِّرَ، لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ لِئَلاَّ يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ.".

لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ = هذا من باب التخصيص في العمل، فالعماد يمكن أن يقوم به أي أحد غير بولس، فالشمامسة مثل فيلبس كانوا يعمدون (أع8: 38). بَلْ لأُبَشِّرَ = فالبشارة والكرازة فيها مخاطر أكبر وتتطلب إمكانيات أكبر. لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ = لم تكن كرازتى بفلسفة من عندي ولا بحلاوة لسان: - 1) فلو كانوا قد آمنوا بسبب فصاحته ربما كان لهم بعض الحق أن يتحزبوا لهُ. 2) من المؤكد أنه تكلم بحكمة إلهية وكلام إلهي، فلا يوجد كلام بشرى قادر أن يقنع أحد أن الله يتجسد ويُصلب ويموت، لو كانت الكرازة بحكمة بشرية فسوف يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ = أي تفقد الكرازة قوتها التي تقنع الناس بإله مصلوب، مات وقام ليخلص. بل هل الحكمة البشرية كانت قادرة على تحويلهم لقديسين لهم مواهب. إذاً فليتحزبوا لله فقط.

العدد 18

آية (18): -

"18فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ،".

كَلِمَةَ الصَّلِيبِ = الكرازة بالخلاص الذي تحقق بالصليب. عِنْدَ الْهَالِكِينَ = لا يوجد من دُعِىَ للهلاك، ولكن الهالكين هم من ازدروا بالصليب واعتبروه جهالة. فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ = قوة الله العاملة فينا للخلاص بالصليب موضوع كرازتنا، فالكرازة كانت بقوة إلهية أقنعت الناس، بل وغيرت حياتهم بقوة من مسار الهلاك إلى مسار الخلاص. فالمسيحية تمتاز بما فيها من فاعلية وقوة وتأثير على حياة الذين يعتنقونها، فهي ليست إقناع فقط بل قوة تغيير من حياة الخطية إلى حياة مقدسة. ومن يعيش هذه الحياة المقدسة يخلص. لذلك فمن يرفض المسيحية يرفض قوة التغيير فيهلك. ولاحظ أن الرسول يضع في مقابل كلمة الجهالة ليس كلمة الحكمة بل كلمة القوة = قُوَّةُ اللهِ. فالمسيحية ليست حواراً عقلياً بل قوة إلهية للتغيير.

العدد 19

آية (19): -

"19لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ».".

لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ = (أي5: 12، 13 + إر8: 9 + إش29: 14). سَأُبِيدُ حِكْمَةَ = الله ليس ضد الحكمة ليبيدها، بل هو الذي أعطى الحكمة للإنسان، ولأن الإنسان أساء إستخدام ما وهبه الله من حكمة وفهم فإنتفخ بحكمته، أراد الله كعقاب للإنسان أن يزدرى بحكمة الإنسان المتكبر الحكيم فى عينى نفسه. ويبيد هنا بمعنى أن الله أظهر عجزها عن أن تخلص، فهي قد فشلت في خلاص الإنسان، وخلص البشرية بجهالة الكرازة أي كرازة التلاميذ البسطاء والجهلاء، وبمنطق ضد حكمة العالم الذي يعبد القوة والعظمة. فالله خلص العالم بالمسيح المصلوب في ضعف ولكنه قام بقوة. ولكن ما ظهر للناس هو ضعف المسيح المصلوب. والقوة، قوة القيامة ظهرت في حياة الذين آمنوا.

الْحُكَمَاءِ = حكماء هذا العالم الذين رفضوا الطاعة لكلمة الله (رو 1: 21، 22).

وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ = أكثر الناس ذكاءاً لن يدرك سر الصليب بل يدركهُ المؤمن المتضع. نعم إن كلمة الصليب قد بدت للهالكين جهالة لأنهم لم يستطيعوا أن يدركوا قوة الكرازة ومع ذلك يَدَّعون أنهم حكماء، ومثل هذه الحكمة المزعومة التي لا تحمل أي نفع للبشرية والتي تعطل الإيمان قد سبق ووعد الله أنه سيبيدها. الله يرفض الحكمة البشرية التي تنفخ ويكون هو نفسه مصدراً للحكمة للمتضعين والبسطاء.

العدد 20

آية (20): -

"20أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟".

هذا سؤال استنكاري أراد منه الرسول أن يعلن فشل كل عظماء اليهود والأمم في تخليص الإنسان من خطاياه وإصلاح أثار الخطية أي الألم الذي تعانى منه البشرية عموماً، هم فشلوا أيضاً في إصلاح فساد البشرية. أَيْنَ الْحَكِيمُ = الفيلسوف اليوناني. أَيْنَ الْكَاتِبُ = الكتبة هم دارسي الكتاب المقدس. أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ = المجادل والعالم في الطبيعيات فهي محل بحث دائم. أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ = حكمة الله التي أعلنت في الخلاص بالصليب كشفت جهل حكمة هذا العالم بالطريق الحقيقي للخلاص. الله كشف جهل كل حكمة بشرية وعجزها عن أن تخلص. كل كتب أفلاطون وغيرها هي لا شئ، فلم نعرف الله سوى بالمسيح. ولم تكن هناك قوة لتغيير طبيعة البشر سوى قوة الصليب. الأمم بفلسفاتهم واليهود بتمسكهم بطقوس ناموسهم وإنتفاخهم ببرهم الذاتي عجزوا عن أن يدركوا الحقائق المعلنة، وأن يصلحوا من حال البشرية وبؤسها. أما قوة المسيح فحولت الخطاة إلى قديسين (موسى الأسود).

العدد 21

آية (21): -

"21لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ.".

إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ = الله هو مصدر كل عطية صالحة (يع 1: 17). إذاً الحكمة الموجودة في العالم مصدرها هو الله. والله أعطى للإنسان هذه الحكمة التي بها يدرك وجود الله فيعبده (رو 1: 18 - 32). فالإنسان قادر أن يُدرك وجود الله من خلال خليقة الله. ولأن الإنسان أحب الخطية تشوهت حكمته فصارت حكمة نفسانية شيطانية (يع 3: 15) وأصبح لا يُدرك الله. هذه الحكمة المشوهة التي لا تدرك الله من خلال أعماله، هي التي يرفضها الله لذلك رأى الله أن يخلص العالم بالكرازة عن طريق تلاميذه البسطاء الذين لا يدرون شيئا عن حكمة الفلاسفة ولا فلسفاتهم، وبطريقة للخلاص بدت لحكماء هذا العالم كما لو كانت جهالة أى الصليب = يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ.

العدد 22

آية (22): -

"22لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً،".

آية = اليهود طلبوا معجزات خارقة للطبيعة لكي يؤمنوا (يو 6: 30 + مت 12: 38 + لو 11: 29). يَطْلُبُونَ حِكْمَةً = هذه عن اليونانيين الذين يطلبون فلسفات جديدة وأراء جديدة للمناقشة (أع 17: 20، 21). هؤلاء أرادوا إخضاع الإيمان لحكمتهم البشرية التي ظنوا فيها خلاصهم.

العدد 23

آية (23): -

"23 وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً!

نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا = (راجع المقدمة – بولس الرسول كخادم في رسالتي كورنثوس).

لِلْيَهُودِ عَثْرَةً = ففي شريعة اليهود "ملعون من علق على خشبة" (تث 21: 23) كما أن اليهود إنتظروا المسيا كملك أرضى يخلصهم من الرومان وليس من الخطية وهذا لا يتحقق في نظرهم سوى بالقوة. وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً = فالمسيح في نظرهم لم يهزم أعدائه ويتغلب عليهم في مناقشات فلسفية، ولم يكن له مظهر العظمة. بل أن صليب المسيح في نظرهم خالٍ من أي عظمة وحكمة. أما قوة الصليب فقد ظهرت في خضوع العالم كله لهُ، وعلى يد صيادين بسطاء فقراء وبالصليب غلب العالم والخطية وإبليس والموت، وبه إحتمل الشهداء كل أنواع الآلام وما لا تحتمله الطبيعة البشرية. والرسل بشروا بمسيح مصلوب عمل نجاراً بسيطاً، وكان هذا ضد أفكار وحكمة العالم.

العدد 24

آية (24): -

"24 وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.".

أما للمسيحيين سواء من كان منهم من اليهود أو اليونانيين فإن المسيح المكروز به هو قوة الله التي خلقت العالم (يو1: 3) وتخلقنا من جديد (2كو 5: 17) وتقدسنا. وهو حكمة الله التي تنير ذهن المؤمن. وهذه الآية فيها إثبات للاهوت المسيح راجع المقدمة (لاهوت المسيح وأزليته). فهذه الآية تثبت أن المسيح هو غير مخلوق، فإذا كان هو قوة الله، فكيف خلق الله لنفسه قوة وهو بغير قوة، أي بأي قوة وبأي حكمة خلق الله لنفسه قوة وحكمة. لا يمكن إلاّ أن يكون المسيح أزلياً، كائناً في الآب غير منفصل عنه.

أما للمدعوين: يهودا ويونانيين = من آمن بالمسيح وقبل دعوته إنفتحت عيناه وعرف من هو. وأنه قوة الله الذى خلق العالم ويضبطه "فبه كان كل شئ" (يو1: 3) وهو "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب1: 3). وهو أقنوم الحكمة = حكمة الله اللوغوس أى العقل المنطوق به.

العدد 25

آية (25): -

"25لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ!".

ما يبدو في نظر غير المؤمنين جهالة لهو في الواقع حكمة تفوق حكمة الناس. والصليب الذي يبدو في الظاهر ضعفاً لهو قوة تفوق كل قوة الناس.

العدد 26

آية (26): -

"26فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ،".

الدليل على ما أقول تجدونه في أنفسكم، أنتم الذين دعاكم الله للخلاص فإن دعوتكم لم تكن مبنية على أساس ما لكم من حكمة بشرية أو مراكز سامية = لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ = فكثيرون من مؤمني كورنثوس كانوا من العبيد، فكلمة شرفاء تعنى السادة ذوى المراكز السامية في المجتمع. والله لا يدعونا لسابق مراكزنا العالمية ولا لشرف نسبتنا الأرضي، بل الله يعلم القلب الذي هو مستعد لقبول عمله. ومن يقبل دعوة الله يختبر قوة خلاصه. فأنظروا لأنفسكم يا أهل كورنثوس وأحكموا، لأنكم وحدكم الذين تعرفون ولقد اختبرتم قوة الخلاص عاملة فيكم، ماذا كنتم وكيف أصبحتم.

العدد 27

آية (27): -.

"27بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ.".

الله أظهر في حياة المؤمنين البسطاء فشل الذين إعتمدوا على حكمتهم في الحصول على الخلاص. الله إستخدم تلاميذ كانوا صيادين وخضع العالم لهم. وبعظة واحدة آمن 3000 على يد بطرس (مز 19: 3، 4). الله إختار هؤلاء الذين يحتقرهم العالم وينظر لهم كجهلاء لكي يخزى الحكماء في نظر العالم، وذلك ليفهم العالم أن الحكمة ليست إنسانية بل عطية إلهية. الله ليس ضد الحكمة فهو واهبها للبشر، إنما الله ضد الكبرياء.

العدد 28

آية (28): -

"28 وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ،".

الله إختار من ينظر لهم العالم في إزدراء وإحتقار كما لو كانوا غير موجودين، أي ليس لهم شأن يُذكر = غَيْرَ الْمَوْجُودِ. وكان اليهود يدعون الأمم "غير الموجودين" إشارة لمنتهى الإحتقار. وأنظر لنسب السيد المسيح (راحاب وراعوث وثامار)، ليوبخ هؤلاء الذين ينظر لهم العالم نظرة تقدير وتعظيم (هيرودس ونيرون وقيافا) = لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ فالخلاص ليس بقوة بشرية بل بقوة الله. فلو إختار الله العظماء والشرفاء لظنوا أن الله إختارهم لماهم فيه من علو الشأن، ويرجعوا القوة لأنفسهم، بل هم أصلاً في كبريائهم كانوا سيرفضون دعوة الله. ولاحظ أن هذا الكلام درس في التواضع يلقنه الرسول لأهل كورنثوس المنتفخين بمواهبهم ويطالبون بالمزيد (مثل الألسنة) لتعظيم أنفسهم.

العدد 29

آية (29): -

"29لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ.".

لقد فعل الله هكذا حتى لا يكون هناك مبرر لأن يفتخر أحد أمامه بنسبه أو ماله أو فلسفته كما يفعل اليونانيين أو ببره وقداسته كما يفعل اليهود.

العدد 30

آية (30): -

"30 وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً.".

وَمِنْهُ أَنْتُمْ = عائدة على إختار الله في آيات 27، 28. بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ = صرتم أبناء الله بالمسيح يسوع.

صَارَ لَنَا حِكْمَةً = (راجع المقدمة – كيف تكون لنا حكمة الله؟). فالمسيح رأس الكنيسة حل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً (كو 2: 9) وبإتحادنا بالمسيح، صار لنا المسيح مصدراً لكل الخيرات، حياة وقداسة وحكمة وبر... هذا من بركات التجسد أن نتحد بالمسيح ونصير ثابتين فيه (هذا لمن يحيا في قداسة وطهارة) فيكون المسيح مصدراً لكل هذه البركات لهُ، فالمسيح مصدر لا نهائي للحياة والقداسة والحكمة بسبب حلول اللاهوت فيه، أي في جسده. ولذلك فنحن في المسيح نكون قادرين أن نقتنى الحكمة التي بها نعرف الآب وندرك الأمور الروحية العالية ونفهم وصاياه ونعمل بها.

بِرًّا = هو حمل خطايانا وأعطانا حياته تستخدم أعضاءنا كآلات بر، نسلك بها فى أعمال بر يعملها هو بنا، لنصير نحن بر الله فيه. وبطاعته أوفي كل ما علينا من مطالب الشريعة، هو يكمل ضعفاتنا، نستتر فيه فنصير أبراراً كاملين أمام الآب (كو1: 28).

وَقَدَاسَةً = المسيح هو القدوس وأعطانا روحه القدوس ليقودنا للقداسة.

وَفِدَاءً = المسيح هو الذي حمل عنا كل عقوبة الخطية، وحررنا من كل عبودية. وفى المجيء الثاني سيفتدى أجسادنا لنقوم معه في المجد بأجساد ممجدة.

العدد 31

آية (31): -

"31حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ».".

لأن كل ما فينا من صلاح هو هبة من الرب، فهو مصدر غنانا الروحي لذلك فلنفتخر به، دون تفكير في خصومات، ولا نفتخر فيما بعد ببولس أو أبلوس (إر 9: 23، 24). فان كنتم معجبين بفلسفة بولس او فصاحة أبلوس، لكن يجب أن تعرفوا أن الله هو الذى أعطانا هذا، والله من محبته لكم أرسلنا ووضع الكلام فى أفواهنا وعمل فيكم بقوة لتقتنعوا وتؤمنوا. إذاً إفتخروا بمحبة الله لكم.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الإصحاح الثاني - تفسير رسالة كورونثوس الأولى - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير رسالة كورونثوس الأولى الأصحاح 28
تفاسير رسالة كورونثوس الأولى الأصحاح 28