اَلأَصْحَاحُ الْعِشْرُونَ – سفر أخبار الأيام الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 14- تفسير سفر أخبار الأيام الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ الْعِشْرُونَ

الغزو الأجنبي والخلاص منه بالتسبيح.

يُعتبَر هذا الأصحاح مقالاً عمليًا عن النصرة على عدو الخير بكل طاقاته التي تبدو جبارة وعنيفة خلال التسبيح لله. وفي نفس الوقت يُقَدِّم لنا مفهومًا سليمًا للتسبيح، ألا وهو:

1. مع كل جهادٍ ونصرةٍ، نتوقَّع هياج العدو بلا سببٍ.

2. التسبيح ليس عملاً روتينيًا جافًا، إنما يصدر عن قلبٍ مُلتهبٍ بحُبِّ الله، يطلب الله نفسه ليَتمتَّع بالشركة معه.

3. التسبيح، حتى في الحجرة الخاصة، يحمل تناغمًا وحبًا للجماعة المقدسة.

4. نُسَبِّح الله في إيمان ويقين بعمل الرب بنا وفينا.

5. يليق التسبيح والشكر بعد نوال النصرة أيضًا.

الحرب مرة أخرى.

تَوَقَّفنا في الأصحاح السابق عند انشغال الملك يهوشافاط بإصلاح مملكته، إذ نزع الأوثان والمرتفعات، واهتم بتعليم الشعب وصايا الله وناموسه، وتزويدها بأجهزة العدالة، وتقويم العبادة، فحلَّ السلام والرخاء في مملكته، وخضعت الممالك المجاورة له.

لكن إذ سلك في غير أمانة لله، حيث تحالف مع أرام ضد إسرائيل أخيه، أعلن له ياهو النبي أن غضب الله سيحلُّ عليه. استغل عدو الخير فرصة سقوطه في عدم الأمانة، فأثار عليه موآب يقاومه لأنه صاهر إسرائيل، وكانت هناك عداوة بين موآب وإسرائيل.

دخل في ضيقةٍ شديدةٍ بسبب تَكَاتُف بعض الأمم الوثنية ضده، لكن الله تَمَجَّد في وسط الضيق، وتبعه خلاص مجيد كجزاءٍ جزيلٍ لتقواه واتِّكاله على الله مُخَلِّصه بالرغم من ضعفاته.

أخيرًا، انتهت حياته، ولكن ليست بدون شوائب.

كل ما ورد في هذا الأصحاح باستثناء الآيات 21 - 24، ورد في الملوك الأول.

1. الغزو الأجنبي 1 - 2.

2. الالتجاء إلى الله 3 - 13.

3. إرسال نبي يؤكد النصرة 14 - 17.

4. التسبيح سلاح النصرة 18 - 21.

5. هزيمة الأعداء 22 - 25.

6. ذبيحة الشكر 26 - 30.

7. ختام حياة يهوشافاط 31 - 37.

الأعداد 1-2

1. الغزو الأجنبي

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَى بَنُو مُوآبَ وَبَنُو عَمُّونَ وَمَعَهُمُ الْعَمُّونِيُّونَ،.

عَلَى يَهُوشَافَاطَ لِلْمُحَارَبَةِ. [1].

فوجئ يهوشافاط بتحالُف هذه الأمم ضده ودخولهم بلاده، ولا نَعْلَم سبب هذه الخصومة المفاجئة. غالبًا لم يحتمل عدو الخير ما فعله يهوشافاط بكل جدية للإصلاح.

اتَّحد مع بني موآب في الحرب بنو عمون الذين أَذلَّهم داود وكسرهم قبلاً، كذلك بعض من أدوم (الإيميون Meunim, Moanites الذين من منطقة أدوم أي جبل سعير [تث 2: 10]).

فَجَاءَ أُنَاسٌ، وَأَخْبَرُوا يَهُوشَافَاطَ:

قَدْ جَاءَ عَلَيْكَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ عَبْرِ الْبَحْرِ مِنْ أَرَامَ،.

وَهَا هُمْ فِي حَصُّونَ تَامَارَ (هِيَ عَيْنُ جَدْيٍ). [2].

قيل إنهم جاءوا من عَبْرِ البحر، أي البحر الميت، حيث توجد سدوم، ويبدو أنهم مَرُّوا على مملكة الشمال المقيمين في عبر الأردن، وسمحوا لهم بالسير عبر حدودهم.

يرى البعض أن ما ورد في ع 2 "أرام" جاء في بعض النسخ "أدوم". ففي العبرية الكلمتان "أرام" و "أدوم" يقتربان جدًا، ويسهل على الناسخ أن يمزج بينهما. ذكر "عين جدي" يجعل أدوم هي أقرب إلى الصحة.

لقد مدَّ يهوشافاط يده لاسترداد راموت جلعاد لمملكة الشمال، وتَعَرَّض هو نفسه للقتل.

كانت الأمم المجاورة تخاف يهوشافاط (17: 10)، غير أن تحالفه مع أخآب هزَّ شخصيته أمامهم، وشعروا أن إلهه لا يعود يسنده، لأنه لا يُسَر به بسبب التصاقه بأخآب الوثني. وربما هذا حدث بعد موت أخآب مباشرة، واستلام أخزيا عرش مملكة الشمال.

حصون تامار: اسم قديم لعَيْن جدي، وكانت في يهوذا بقرب بحر لوط عند منتصف البر الغربي على بعد نحو ميل من الشاطئ.

الأعداد 3-13

2. الالتجاء إلى الله

فَخَافَ يَهُوشَافَاطُ، وَجَعَلَ وَجْهَهُ لِيَطْلُبَ الرَّبَّ،.

وَنَادَى بِصَوْمٍ فِي كُلِّ يَهُوذَا. [3].

لم يذكر عنه أنه حشد قواته، الأمر الذي يُحتمَل أنه قام به، لكن اهتمامه كان بالأكثر هو حصوله على تأييد الله وتَدَخُّله ووقوفه بجانبه، لأنه كان قد أُخبِرَ من النبي عن غضب الله بسبب تصرُّفاته، وقد أظهر ندمًا على ذلك. لقد خشي لئلا يسقط تحت التأديب، وكأنه صرخ مع أبيه داود طالبًا أنه يقع في يد الله ولا يقع في يد إنسان.

كان من ثمر أخطائه أنه خاف، خاصة وأن الهجوم جاء مُفاجِئًا له.

عالج يهوشافاط المَوْقِف بحكمة، فقد جعل في المقام الأول الالتصاق بالرب والدخول معه في صداقة. لذلك طلب الرب بمثابرة، واثقًا أن من يطلبه يجده. نادى يهوشافاط بصومٍ في كل يهوذا، وعيَّن يومًا للتذلُّل والصلاة، لكي يشترك الكل، قادة وشعب، في الاعتراف بخطاياهم، وطلب معونة الله. الصوم في مِثْلِ هذه المواقف تعبير عن إدانة الإنسان نفسه عمَّا ارتكبه من خطايا، حيث يشعر الإنسان أنه غير مستحق للخبز الذي يأكله، وأن الله بار وعادل حتى إن حرمه منه. كما يُعَبِّر الصوم عن الرغبة الجادة في الامتناع عن الملذَّات والخطايا.

ربما ما شغل قلب الكاتب ليس ما قام به من حشد جيشه، بل استعداداته الروحية.

  • الصوم يجعل العاقر تلد أولادًا.

الصوم يصنع الأقوياء.

الصوم يجعل المُشرِّعين حكماء.

الصوم حارس للنفس.

الصوم رفيق أمين للجسد.

الصوم سلاح الشجعان.

الصوم تدريب الرياضيين.

الصوم يصد التجارب.

الصوم يُمَهِّد الطريق للتقوى.

إنه رفيق الهدوء وصانع العفة.

الصوم يعمل أعمالاً باهرة في الحروب.

الصوم يُعلَّم السكينة في وقت السلام.

الصوم يُقدِّس النذير[186]، ويجعل الكاهن كاملاً. لأنه كيف يمكن للكاهن أن يُصَلِّي بدون صومٍ؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمرًا ضروريًا، ليس فقط في عبادة العهد الجديد السرائرية، ولكن أيضًا بالنسبة للعبادة الناموسية[187].

  • الصوم هو الذي يقود القدِّيسين إلى الحياة مع الله...

الصوم هو جناح الصلاة لترتفع إلى السماء، وتخترق إلى عرش الله...

هو عماد البيوت؛ حاضن الصحَّة، مُعلِّم الشباب، زينة الشيوخ، صديق الأرواح.

لا تستقيم الفضيلة إلاَّ بالنُسْكِ، لأن النُسْكِ يلجم الشهوات. والطعام لا ينفع الجاهل، هكذا قال سليمان الحكيم. "لا تهتموا لأجسادكم بما تأكلون" هكذا قال السيِّد أيضًا.

ولست أعني بالصوم ترك الطعام الضروري، لأن هذا يؤدِّي إلى الموت. ولكن أعني ترك المأكل الذي يجلب لنا اللذَّة، ويُسَبِّب تمرُّد الجسد.

الصائم الحقيقي هو الذي يتغرَّب عن كل الآلام الجسديَّة حتى الطبيعيَّة[188].

القديس باسيليوس الكبير.

وَاجْتَمَعَ يَهُوذَا لِيَسْأَلُوا الرَّبَّ.

جَاءُوا أَيْضًا مِنْ كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا لِيَسْأَلُوا الرَّبَّ. [4].

إذ خاف يهوشافاط من تحالف الجيوش الثلاثة ضده، جعل وجهه ليطلب الرب. اقتدى الشعب به، فجاءوا من كل مدن يهوذا يسألون الرب [4].

جاءوا من كل مدن يهوذا مع عائلاتهم، يعترفون بخطاياهم، ويطلبون الرحمة. جاءوا بأطفالهم الصغار الأبرياء كي ينظر الرب إليهم، كما نظر إلى أطفال نينوى فيما بعد (يون 4: 11).

جاءوا إلى بيت الرب، مُتطلِّعين إلى الوعد الإلهي "أذناي تكونان مصغيتين إلى صلاة هذا المكان" (1 مل 7: 15).

لا يكف رجال الله عن حثنا على سؤال الرب وطلبه. فهذه هي غاية كل عبادتنا، أن نلتقي مع ربنا يسوع ونطلبه من كل القلب كسرِّ حياتنا.

"لك قال قلبي: قلت اطلبوا وجهي، وجهك يا رب أطلب" (مز 27: 8).

"اطلبوا الرب وقدرته التمسوا، وجهه دائمًا" (مز 105: 4).

"اطلبوا الرب ما دام يوجد، ادعوه وهو قريب" (إش 55: 6).

"اطلبوا الرب فتحيوا، لئلا يقتحم بيت يوسف كنار تحرق ولا يكون من يطفئها من بيت إيل (عا 5: 6).

"اطلبوا الرب يا جميع بائسي الأرض الذين فعلوا حكمه، اطلبوا البرَّ، اطلبوا التواضع لعلكم تسترون في يوم سخط الرب" (صف 2: 3).

يرى القديس كبريانوس في النداء "اطلبوا الرب" دعوة لترك كل شيءٍ لنطلب الرب وملكوته وبِرَّه عندئذ كل شيءٍ يزداد لنا كقول السيد المسيح نفسه (مت 6: 31 - 33) [189].

  • كيف أطلبك يا رب، فإنني إذ أطلبك يا إلهي أطلب الحياة السعيدة. أطلبك فتحيا نفسي، لأن جسدي يحيا بنفسي ونفسي تحيا بك[190].
  • "لا ترفضني يا الله مخلصي" (مز 27: 9). لا تستخف بجسارة مائت يطلب الأبدي، لأنك أنت يا الله تشفي الجرح الذي تركته خطيتي.

القديس أغسطينوس.

  • حيث يوجد زمن، تطلعوا إلى الخلاص الحقيقي الأبدي، وإذ صارت نهاية العالم على الأبواب حَوِّلوا أذهانكم بمخافة الرب إلى الله. لا تبتهجوا بسلطانكم الباطل الذي بلا قوةٍ يسيطر في هذا العالم على الأبرار والودعاء... "اطلبوا الرب فتحيوا" (عا 5: 6). اعرفوا الرب حتى إن كان الوقت متأخرًا... آمنوا به، هذا الذي لن يخدعكم. آمنوا بذاك الذي سبق فأخبركم بحدوث كل هذه الأمور. آمنوا بالذي سيهب الحياة الأبدية للذين يؤمنون. آمنوا بذاك الذي بنيران جهنم يوقع عقوبة أبدية على غير المؤمنين[191].

الشهيد كبريانوس.

  • "لتفرح قلوب الذين يلتمسون الرب" (مز 105: 4). ليفرح الرهبان، لأن القلوب التي تطلب الرب تفرح. إن كانت قلوب الذين يلتمسون الرب مملوءة فرحًا، فكم بالأكثر تكون قلوب الذين يجدونه؟ حقًا إن الذين يجدونه لن يدعوه يذهب عنهم[192].

القديس جيروم.

لم يكن من حق الملك أن يُقَدِّمَ بخورًا أو ذبائح، لكن كان الملوك يُصَلُّون باسم الشعب، ويُعلِّمون الشعب كما فعل سليمان ويهوشافاط.

فَوَقَفَ يَهُوشَافَاطُ فِي جَمَاعَةِ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ،.

أَمَامَ الدَّارِ الْجَدِيدَةِ [5].

وقف يهوشافاط في الهيكل نيابةً عن جميع يهوذا. أخذ يُذَكِّرَ الله بمعاملاته معهم في أيام إبراهيم.

الدار الجديدة: كان للهيكل داران، أي دار الكهنة والدار العظيمة، وكان الاجتماع في الدار العظيمة، وربما سُمِّيَت الدار الجديدة لأن آسا أصلحها. وقف أمام الدار، أي عند فاصل الدارين.

مع بلوغ المؤمنين إلى بيت الرب يتوسل كل منهم إلى الله مترقبًا الفرج. يعلن المؤمن باسم الجماعة أنهم جميعًا موالون وخاضعون. عيونهم إلى يد الرب الحانية، التي لا تكف عن أن تعمل خيرًا.

وَقَالَ: يَا رَبُّ إِلَهَ آبَائِنَا، أَمَا أَنْتَ هُوَ الله فِي السَّمَاءِ؟!

وَأَنْتَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى جَمِيعِ مَمَالِكِ الأُمَمِ، وَبِيَدِكَ قُوَّةٌ وَجَبَرُوتٌ،.

وَلَيْسَ مَنْ يَقِفُ مَعَكَ؟ [6].

اعترف الملك بأن كل ما يحدث على الأرض هو بسماح من الله، قائلاً: "أما أنت هو الله في السماء؟" [6] أليس سلطانك فوق كل سلطان، حتى فوق الممالك الوثنية؟

يطلب من أن الله أن يتدخَّل بنفسه، ويضع حدودًا لشتائم الأشرار وتصرُّفاتهم الشريرة. فبيده القوة والجبروت، ولا يستطيع أحد أن يقف أمامه.

يُذَكِّر الله بعهده مع الآباء: "أما أنت إله آبائنا؟" [7].

يُذَكِّر الله بأن الأرض التي في أيديهم هي هبة من عنده، وعد بها إبراهيم خليله. فهي وديعة بين أيديهم. وكأنه يقول: احفظ يا رب وديعتك، وحَصِّنها ضد كل الدعاوي الظالمة، ولا تسمح بطردنا منها، أو ضياعها من أيادينا. نحن وكلاء وأنت هو المالك، احفظ ما هو ملكك [11]. يليق بنا أن ندرك أن كل ما في أيدينا مِلْك الله، ونحن وكلاء.

بالإيمان ترتفع نفوسنا كما إلى الله الساكن في السماء، في مدينة الله، أورشليم العليا، وبالإيمان يسكن السيد المسيح في قلوبنا، فيجعل منها سماءً جديدةً.

  • ليصعد هذا المُسبَّح. ليُسَبَّح هذا في قلب كل واحدٍ منكم، وليكن كل واحدٍ منكم هو هذا الإنسان، لأنه عندما يقول كل واحدٍ منكم هذا، حيث أنكم جميعًا واحد في المسيح، إنسان واحد ينطق بهذا، فلا يقول: "إليك يا رب نرفع أعيننا"، وإنما "إليك يا رب رفعتُ عينيَّ"، يلزمكم أن تتصوروا أن كل واحدٍ منكم بالحقيقة يتكلم، ولكن الواحد هذا بمعنى خاص يتكلم وهو منبسط في الأرض كلها[193].
  • أنتم تسكنون في بيت (الله السماوي)، فإن سُحِبَ البيت تسقطون. والله يسكن في القديسين، فإن فارقهم يسقطون! [194].

القديس أغسطينوس.

أَلَسْتَ أَنْتَ إِلَهَنَا الَّذِي طَرَدْتَ سُكَّانَ هَذِهِ الأَرْضِ،.

مِنْ أَمَامِ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ،.

وَأَعْطَيْتَهَا لِنَسْلِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ إِلَى الأَبَد؟! [7].

في اجتماع الأمة للصلاة [3 - 12]، جاءت صلاة يهوشافاط تقترب جدًا من صلاة سليمان عند إقامة الهيكل (6: 12 - 40). يعتبر البعض صلاة يهوشافاط امتدادًا وتطبيقًا لصلاة سليمان[195].

في هذه الصلاة يذَّكر الرب أن المقاومين لهيكله هم أنفسهم الأمم الذين طلب الرب عدم إبادتهم [10 - 11: عد 20: 21: تث 2: 1، 4، 5، 8، 19).

دُعي إبراهيم خليل الله في (إش ٤١: ٨؛ يهوديت ٨: ١٩؛ يع ٢: ٣). يقول القديس إكليمنضس الروماني: [إبراهيم الذي دُعِي "الخليل"، وُجِدَ أمينًا إذ أطاع كلمات الله[196].].

فَسَكَنُوا فِيهَا،.

وَبَنُوا لَكَ فِيهَا مَقْدِسًا لاِسْمِكَ قَائِلِينَ: [8].

يذكر أيضًا الهيكل المقدس الذي بنوه باسم الرب، وقَدَّموه له مما أعطاهم، فلا فضل لهم فيه.

يشتكي يهوشافاط من الأشرار، الذين يكافئونه شرًا عن الخير.

اعترف يهوشافاط باعتماده الكُلي على الله، فبالرغم من الجيش العظيم والمُدَرَّب، قال: ليس فينا قوة أمام هذا الجمهور. نعم لا نتوقع نصرة إلا بحضورك وبركتك. ليس لنا ما نفتخر به ونثق فيه سواك. أعيننا نحوك، وإليك نتطلع.

امتاز يهوشافاط عن أبيه بأنه انتفع من معاملات الله الماضية، وألقى بكل كيانه ومشاعره ومملكته وشعبه في يديّ الله.

إِذَا جَاءَ عَلَيْنَا شَرٌّ، سَيْفٌ قَضَاءٌ أَوْ وَبَأٌ أَوْ جُوعٌ،.

وَوَقَفْنَا أَمَامَ هَذَا الْبَيْتِ وَأَمَامَكَ،.

(لأَنَّ اسْمَكَ فِي هَذَا الْبَيْتِ).

وَصَرَخْنَا إِلَيْكَ مِنْ ضِيقِنَا،.

فَإِنَّكَ تَسْمَعُ وَتُخَلِّصُ. [9].

إذ يقف المؤمن أمام بيت الرب الذي دُعِي عليه اسم الرب، يحسب نفسه في حضرته الإلهة، فيطلب بإيمان وثقة. لقد أعلن الله عن مجده وجلاله عند تدشين الهيكل، علامة سكناه فيه وتكريسه، ليمارس المؤمنون فيه العبادة له. لهذا صراخه وقت الضيق هو علامة التجائه إلى الله لا إلى الأذرع البشرية.

وَالآنَ هُوَذَا بَنُو عَمُّونَ وَمُوآبُ وَجَبَلُ سَاعِيرَ،.

الَّذِينَ لَمْ تَدَعْ إِسْرَائِيلَ يَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ حِينَ جَاءُوا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ،.

بَلْ مَالُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يُهْلِكُوهُمْ [10].

فَهُوَذَا هُمْ يُكَافِئُونَنَا بِمَجِيئِهِمْ لِطَرْدِنَا مِنْ مُلْكِكَ الَّذِي مَلَّكْتَنَا إِيَّاهُ. [11].

لقد أوصى الرب شعبه وهم في البرية: "أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم، فاحترزوا جدًا. لا تهجموا عليهم، لأني لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قدم. لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثًا" (تث 2: 4 - 5). كما أمرهم "لا تعادِ موآب، ولا تثر عليهم حربًا" (تث 2: 19). وأيضًا: "فمتى قربت إلى تجاه بني عمون، لا تُعادهم ولا تهجموا عليهم" (تث 2: 19). الآن ها هم الثلاثة يتحالفون ضد شعب الله، ويردُّون السلام بالحرب، والخير بالشر. ها هم قادمون ليطردوهم من أرض الموعد.

كأن الشعب يقف ليُذَكِّرَ الله بوصاياه لهم ألا يهجموا على هذه الشعوب، وها هي الشعوب تهجم عليهم بلا سببٍ!

يَا إِلَهَنَا، أَمَا تَقْضِي عَلَيْهِمْ،.

لأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هَذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ الآتِي عَلَيْنَا،.

وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا نَعْمَلُ،.

وَلَكِنْ نَحْوَكَ أَعْيُنُنَا. [12].

وَكَانَ كُلُّ يَهُوذَا وَاقِفِينَ أَمَامَ الرَّبِّ مَعَ أَطْفَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَبَنِيهِمْ. [13].

يقف الشعب من رجال ونساء وأبناء في تَذَلُّل أمام الرب كمن في ضعفٍ يقرعون طالبين الرحمة. وكما يقول المرتل: "هوذا كما أن عيون العبيد نحو أيدي سادتهم، كما أن عيني الجارية نحو يد سيدتها، هكذا عيوننا نحو الرب إلهنا حتى يتراءف علينا" (مز 123: 2).

  • ليس لهم رجاء في العون والمساعدة من أي مكان آخر، ولا يتطلعون نحو أي مصدر آخر، وذلك كالأَمَةِ والخادم اللذين ليس لهما قوت أو مَلْبَس وكل بقية مستلزمات الحياة، إلاَّ بحفظ أعينهما على سادتهما، إنهما لا يكفان عن ذلك، بل يبقيان هكذا حتى ينالا، فيشكرا. إنها ممارسة يفعلانها على الدوام[197].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

  • يلزم كل أحدٍ أن ينتبه لعمله الخصوصي، ويهتم به برغبةٍ، ويُتَمِّمه بدون ملامة بغيرةٍ ونشاطٍ وعنايةٍ وسهرٍ، لئلا يستحق اللعنة، إذ قيل ملعون من يعمل عمل الرب باسترخاء (إر 48: 10). كما يلزمه أن يعمله على مرأى من الله، وذلك لكي يتهيأ له أن يقول بدالة كل حين: "كما أن عيون العبيد إلى أيدي مواليهم، كذلك عيوننا إلى الرب إلهنا" (مز 123: 2) [198].

القديس باسيليوس الكبير.

الأعداد 14-17

3. إرسال نبي يؤكد النصرة

وَإِنَّ يَحْزَئِيلَ بْنَ زَكَرِيَّا بْنِ بَنَايَا بْنِ يَعِيئِيلَ بْنِ مَتَّنِيَّا اللاَّوِيَّ مِنْ بَنِي آسَافَ،.

كَانَ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ [14].

إذ تحدث يهوشافاط بقلبه، كما بلسانه، بكل كيانه أمام الله، جاءت الاستجابة سريعة للغاية. بينما كان يتحدث مع الله، وقبل أن يصرف الشعب أرسل الله إليه رسالة بالنصرة.

استجابة لهذه الطلبة التي ليهوشافاط، انسكب روح الرب على يحزئيل ليُقَدِّمَ منطوقًا نبويًا [14 - 17]. رسالته نوعًا من النبوة الليتورجية. كانوا يطلبون من أجل العون في المعركة، فإذا بالله يكشف أنه لا حاجة للحرب.

تحدَّث الله في هذه المَرَّة على لسان أحد اللاويين الحاضرين في وسط الجماعة، ولم يكن له امتياز خاص. لم يُقَدِّمْ الله علامة لتأكيد النصرة، لأنها ستتم في اليوم التالي.

فَقَالَ: اصْغُوا يَا جَمِيعَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَأَيُّهَا الْمَلِكُ يَهُوشَافَاطُ.

هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ لَكُمْ: لاَ تَخَافُوا وَلاَ تَرْتَاعُوا بِسَبَبِ هَذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ،.

لأَنَّ الْحَرْبَ لَيْسَتْ لَكُمْ بَلْ لله. [15].

يودّ الله في كل الأجيال أن يسند الراجعين إليه بكل قلوبهم. قال لهم يحزيئيل بن زكريا... [15 - 17]. لقد كَرَّر مرّتين: "لا تخافوا ولا ترتاعوا"، دون أدني عتاب على عدم أمانتهم سواء بالنسبة للملك أو الشعب.

يؤكد الرب أنه عارف بأن شعبه ليس في إمكانياته أن ينتصر، لكن الحرب ليست لهم بل لله نفسه. وضع لهم الخطة، وكشف لهم عن المكان الذي فيه العدو، ولم يطلب منهم أن يحاربوا، بل يقفوا ويثبتوا ويروا بأعينهم خلاص الرب معهم. لقد حَدَّد لهم تحرُّكاتهم، وعَيَّن لهم المكان والزمان.

طلب منهم أن يقفوا ويثبتوا وينظروا خلاص الله العجيب، كما سبق فقال موسى عند عبورهم البحر الأحمر (خر 14: 13).

الحرب ليست لكم بل لله: في بعض الأحيان حارب الله أعداء شعبه دون أن يحاربوا هم، كما حدث عند شق البحر الأحمر، وسقوط أسوار أريحا، ومع جدعون والمديانيين، ومع حزقيا الملك حين حاصره سنحاريب الأشوري الخ. وأحيانا يهب شعبه النصرة وهم يحاربون بقليل القليل.

غَدًا انْزِلُوا عَلَيْهِمْ.

هُوَذَا هُمْ صَاعِدُونَ فِي عَقَبَةِ صِيصَ،.

فَتَجِدُوهُمْ فِي أَقْصَى الْوَادِي أَمَامَ بَرِّيَّةِ يَرُوئِيلَ. [16].

لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحَارِبُوا فِي هَذِهِ.

قِفُوا اثْبُتُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ مَعَكُمْ يَا يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمُ.

لاَ تَخَافُوا وَلاَ تَرْتَاعُوا.

غَدًا اخْرُجُوا لِلِقَائِهِمْ، وَالرَّبُّ مَعَكُمْ. [17].

بكل قوةٍ، قال لهم: "غدًا اخرجوا للقائهم والرب معكم" [17].

الأعداد 18-21

4. التسبيح سلاح النصرة

فَخَرَّ يَهُوشَافَاطُ لِوَجْهِهِ عَلَى الأَرْضِ،.

وَكُلُّ يَهُوذَا وَسُكَّانُ أُورُشَلِيمَ سَقَطُوا أَمَامَ الرَّبِّ سُجُودًا لِلرَّبِّ. [18].

لم يَقُلْ يهوشافاط كما سبق فقال في الحرب السابقة مع زارح الكوشي: "تشدَّدوا وافعلوا" (19: 11)، بل قال: "ليس فينا قوة أمام هذا الجمهور الكثير الآتي علينا. شتَّان ما بين موقفه وهو أمين في علاقته مع الرب وبين موقفه الآن بعد فقدانه أمانته، وإن كان قد رجع إلى الله بالتوبة.

برجوعه مع الشعب إلى الله بروح التواضع اغتصب المراحم الإلهية. هذا ذُكِرَ في (2 مل 8). أعلن الملك وكل القادة والشعب ثِقَتهم في هذا الوعد الإلهي، وقَدَّموا له الشكر بروح التواضع قبل أن يتحقَّق الخلاص، إذ حسبوه كأنه قد تمَّ ورأوه.

فَقَامَ اللاَّوِيُّونَ مِنْ بَنِي الْقَهَاتِيِّينَ وَمِنْ بَنِي الْقُورَحِيِّينَ،.

لِيُسَبِّحُوا الرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ جِدًّا. [19].

لقد سبَّحه اللاويون بصوتٍ عظيمٍ جدًا، وأعلنوا بهجتهم بالخلاص الذي حسبوه قد تَحَقَّق، مادام الرب أعلن عنه. وكما يُرَنِّم المرتل: "الله قد تكلم بقدسه، أبتهج" (مز 60: 6).

يليق بالعاملين في كَرْمِ الرب أن يذكروا أن الكرم هو للرب نفسه، ويثقوا أنه هو الذي يحلّ كل متاعب ومشاكل الخدمة، فلا يقلقوا ولا يضطربوا، مُلْقِين همهم عليه.

  • عندما تَغَنَّى يهوشافاط بتسابيح الرب، وهب الرب عابده نصرة.

مرة أخرى عندما حارب موسى عماليق، غلب لا بالسيف بل بالصلاة (خر 11: 17). لهذا إن أردنا أن نرتفع يلزمنا أولا أن ننبطح! [199].

القديس جيروم.

وَبَكَّرُوا صَبَاحًا، وَخَرَجُوا إِلَى بَرِّيَّةِ تَقُوعَ.

وَعِنْدَ خُرُوجِهِمْ وَقَفَ يَهُوشَافَاطُ، وَقَالَ:

اسْمَعُوا يَا يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ،.

آمِنُوا بِالرَّبِّ إِلَهِكُمْ فَتَأْمَنُوا.

آمِنُوا بِأَنْبِيَائِهِ فَتُفْلِحُوا. [20].

بروح القوة والشكر والتسبيح لله، وقف يهوشافاط أمام الشعب يَعِظهم، فقال: "آمنوا بالرب إلهكم فتأمنوا، آمنوا بأنبيائه فتفلحوا". عجيب أن يقف الملك وهو في نفس الوقت قائد الجيش ليعظ قبل المعركة.

جاءت المعركة فريدة وعجيبة، فقد انطلق الجيش وهم رجال حرب جبابرة، لكننا لم نسمع شيئًا عن معداتهم الحربية من سيوفٍ ورماحٍ وسهامٍ، إنما تَقَدَّمَ الملك، وقَدَّم لهم السلاح في ميدان المعركة ألا وهو الإيمان والتسبيح، إذ قال لهم، "آمنوا بالرب إلهكم فتأمنوا. آمنوا بأنبيائه فتفلحوا".

ليس من سلاحٍ في وقت الشدة أعظم من الإيمان الثابت في قوة الله ورحمته ووعوده وتدابيره. إنه يُرَكِّز أنظارهم على الإيمان بالله، والإيمان بكلمته ووعوده التي ينادي بها أنبياؤه.

وَلَمَّا اسْتَشَارَ الشَّعْبَ، أَقَامَ مُغَنِّينَ لِلرَّبِّ،.

وَمُسَبِّحِينَ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ أَمَامَ الْمُتَجَرِّدِينَ،.

وَقَائِلِينَ: احْمَدُوا الرَّبَّ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. [21].

كان طليعة الجيش هو التسبيح لله والحمد والشكر، وكان المُغَنُّون للرب في زينة مقدسة. كانوا يُرَنِّمون: "احمدوا الرب، لأن إلى الأبد رحمته" [21].

هكذا أعلن الملك ومشيروه عن صدق اعتمادهم على الله. طُلِبَ من المُغَنِّين أن يرتدُّوا زينة مقدسة، لأنهم يقفون أمام الله القدوس، ويُسَبِّحون الله، لأن الله يَقْبَلُ التسبيح أكثر من الذبائح، امتلأ الجيش بروح البهجة والفرح، وارتبك العدو.

الأعداد 22-25

5. هزيمة الأعداء

وَلَمَّا ابْتَدَأُوا فِي الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ،.

جَعَلَ الرَّبُّ أَكْمِنَةً عَلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ وَجَبَلِ سَاعِيرَ الآتِينَ عَلَى يَهُوذَا،.

فَانْكَسَرُوا. [22].

لم تتم هزيمة العدو بالرعد أو البَرَدْ أو بسيف ملاك أو بحد السيف أو بأية مفاجأة مزعجة كالتي حلَّت على المديانيين في أيام جدعون، لكن الرب جعل أكمنة عليهم. ما هذه الأكمنة سوى قوات سماوية، أو من العدو نفسه، حيث حدث ارتباك فيما بينهم، حتى قام الحلفاء على بعضهم البعض، وتَحَوَّلوا إلى أعداء، كل منهم يود تحطيم الآخر حتى لا ينفلت من يده، وبدون سبب.

لقد بدأ يهوذا بالتسبيح والفرح والتهليل، وفي نفس الوقت بدأ العدو يضرب بعضه البعض.

قد نسمع عن غضب الله على صلاة شعبه، إذ قيل: "يا رب إله الجنود إلى متى تُدخّن على صلاة شعبك؟! (مز 80: 4)، لكننا لم نسمع عن غضبه على تسبيحهم.

تحققت نبوة يحزئيل عندما سار اللاويون في موكبٍ دينيٍ متهللٍ، قدام جيش يهوذا. حَلَّ تسبيحهم محل المعركة، إذ انقلب الأعداء على بعضهم البعض.

عندما صَلَّى الشعب وسَبَّح الله على الأرض تَدخَّل إله السماء، وحدث ما لم يكن في الحسبان.

وَقَامَ بَنُو عَمُّونَ وَمُوآبُ عَلَى سُكَّانِ جَبَلِ سَاعِيرَ لِيُحَرِّمُوهُمْ وَيُهْلِكُوهُمْ.

وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ سُكَّانِ سَاعِيرَ سَاعَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى إِهْلاَكِ بَعْضٍ. [23].

تَحَوَّلت المعركة من مقاومة العدو ليهوذا إلى مقاومتهم لسكان جبل ساعير (أدوم)، فغلبوا، لكن عوض الانطلاق نحو جيش يهوذا، ساعد بعضهم على إهلاك بعض. فالفساد يُحَطِّم نفسه، والشر يُفسِد ذاته!

وَلَمَّا جَاءَ يَهُوذَا إِلَى الْمَرْقَبِ فِي الْبَرِّيَّةِ،.

تَطَلَّعُوا نَحْوَ الْجُمْهُورِ،.

وَإِذَا هُمْ جُثَثٌ سَاقِطَةٌ عَلَى الأَرْضِ، وَلَمْ يَنْفَلِتْ أَحَدٌ. [24].

المرقب: بناء كبرجٍ في البرية مُرتفِع، يشرف الرقيب منه على القتال.

فَأَتَى يَهُوشَافَاطُ وَشَعْبُهُ لِنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ،.

فَوَجَدُوا بَيْنَهُمْ أَمْوَالاً وَجُثَثًا وَأَمْتِعَةً ثَمِينَةً بِكَثْرَةٍ،.

فَأَخَذُوهَا لأَنْفُسِهِمْ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَحْمِلُوهَا.

وَكَانُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَنْهَبُونَ الْغَنِيمَةَ، لأَنَّهَا كَانَتْ كَثِيرَةً. [25].

لم نسمع قط عن تقسيم غنيمة كما حدث في هذه المعركة، إذ لم يقدروا أن يحملوها، وصاروا ينهبونها لمدة ثلاثة أيام، لأنها كانت كثيرة جدًا. كثرة الغنيمة دليل على كثرة القتلى والهاربين من أرض المعركة.

لم يكن لجيش يهوشافاط ومن معهم عمل ما، إذ لم يستخدموا أسلحة، ولم يفعلوا شيئًا سوى التسبيح والحمد بفرحٍ وتهليلٍ، ويحملوا الغنائم.

أعطاهم الرب أكثر مما طلبوا، وفوق ما تَخَيَّلوا. كانوا يطلبون النصرة على الأعداء، وكانوا يخشون أن يُدَمِّرهم العدو تمامًا. أما أن يروا العدو جُثثًا مُلقاة على الأرض قاموا بقتل بعضهم البعض، دون أن يموت أحد منهم أو يخسروا سلاحًا، بل يكرّسون طاقاتهم في نهب الغنائم، فهذا ما لم يكن في تصوُّرهم قط!

الأعداد 26-30

6. ذبيحة الشكر

وَفِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ اجْتَمَعُوا فِي وَادِي بَرَكَةَ،.

لأَنَّهُمْ هُنَاكَ بَارَكُوا الرَّبَّ،.

لِذَلِكَ دَعَوُا اسْمَ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَادِي بَرَكَةَ إِلَى الْيَوْمِ. [26].

إن كانوا قد سَبَّحوا الله أثناء الضيقة، فإن النصرة وجمع الغنائم لم يشغلهم عن التسبيح والحمد والشكر لله.

لقد وضح الآن لماذا سمح الله لهم بهذه الضيقة:

1. دخلوا في علاقة صداقة قوية ومصالحة عجيبة مع الله نفسه.

2. تمجَّد الله فيهم، وتَقَدَّم بنفسه إلى المعركة، وحسبها معركته هو.

3. وهبهم روح الفرح والتسبيح في وسط الضيق، فنالوا بركة الإيمان العملي الحقيقي.

4. انهارت الأمم المتحالفة ضدهم، لا بمقاومتهم، بل بمقاومة الأمم لنفسها بنفسها.

5. جاءت الجيوش العظيمة المتحالفة، لا لتحارب، بل لتصير جثثًا مُلقاة على الأرض في عارٍ وخزيٍ.

6. جاءت الجيوش لتُسَلِّمَ غنائمها في يد يهوذا.

7. دُعِي الوادي "وادي بَرَكَة"، لكي تذكر الأجيال القادمة بركة الرب.

8. منح الرب هيبته لشعبه، فارتعبت كل ممالك الأرض حين سمعوا أن الرب حارب أعداءهم [29]، ولم تعد الشعوب تهددهم.

9. استراحت مملكة يهوشافاط، وأراحه الله من كل جانب [30]. ربما كان البعض قد استاءوا حين أنزل الملك تماثيلهم وحسبوا ذلك خسارة، الآن استراحوا للغاية.

  • لتشكر الله ولتُسَبِّح ذاك الذي يختبرك في الأتون. لتنطق بالتسبيح عوض التجديف هذا هو الطريق الذي به عبَّر ذاك الطوباوي عن نفسه[200].
  • إن كنا نمارس هذه الحكمة الروحية (الشكر الدائم)، لن نختبر أي شرٍ، حتى إن سقطنا تحت آلام لا حصرَ لها، بل يكون الرِبْح أعظم من الخسارة، ويطغي الخير على الشر. بهذه الكلمات تجعل الله رحومًا نحوك، ويدافع عنك ضد طغيان إبليس. ما أن ينطق لسانك بهذه الكلمات، حتى يهرب الشيطان منك سريعًا[201].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

  • سَبَّحوا الرب على القيثارة. إن صار لكم فيض من الأرضيات قَدَّموا شكرًا للعاطي. إن كان هناك عوز أو سُلِبتم مما لكم، اعزفوا على القيثارة بفرحٍ. لأنكم لم تُحرَموا من العاطي، وإن كنتم قد حُرِمتم من العطية التي وهبكم إياها. هكذا أُكَرِّر، اعزفوا ببهجةٍ. بثقةٍ كاملة في إلهكم، امسكوا بأوتار قلوبكم كما بقيثارة لتدوي أصواتكم إلي أعماقها صارخين: "الرب أعطى، الرب أخذ[202]".
  • هذا هو الطريق الذي به قَدِّم أيوب ذبيحة (تسبيح) بالرغم من الأحزان المُرعِبة التي فوق الطاقة البشرية قد حلَّت به[203].

القديس أغسطينوس.

  • كيف أَتأهَّل أن أكون في صُحْبَةِ أيوب، أنا الذي لا أَقْبَلُ المِحَن العادية بشكرٍ؟ [204].

القديس غريغوريوس النزينزي.

ثُمَّ ارْتَدَّ كُلُّ رِجَالِ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ وَيَهُوشَافَاطُ بِرَأْسِهِمْ،.

لِيَرْجِعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ،.

لأَنَّ الرَّبَّ فَرَّحَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ. [27].

لم تشغلهم الغنائم عن تمجيد الله، إذ دخلوا أورشليم إلى بيت الرب يُسَبِّحونه.

وَدَخَلُوا أُورُشَلِيمَ بِالرَّبَابِ وَالْعِيدَانِ وَالأَبْوَاقِ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ. [28].

وَكَانَتْ هَيْبَةُ الله عَلَى كُلِّ مَمَالِكِ الأَرَاضِي،.

حِينَ سَمِعُوا أَنَّ الرَّبَّ حَارَبَ أَعْدَاءَ إِسْرَائِيلَ. [29].

حين كان الملك أمينًا نسمع: "وكانت هيبة الله على كل ممالك الأراضي"، وتَكَرَّرَ الأمر عندما أعلن الله أمانته للراجعين إليه بالتوبة (17: 10؛ 20: 29).

وَاسْتَرَاحَتْ مَمْلَكَةُ يَهُوشَافَاطَ وَأَرَاحَهُ إِلَهُهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. [30].

الأعداد 31-37

7. ختام حياة يهوشافاط

وَمَلَكَ يَهُوشَافَاطُ عَلَى يَهُوذَا.

كَانَ ابْنَ خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ،.

وَمَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ،.

وَاسْمُ أُمِّهِ عَزُوبَةُ بِنْتُ شَلْحِي. [31].

وَسَارَ فِي طَرِيقِ أَبِيهِ آسَا، وَلَمْ يَحِدْ عَنْهَا،.

إِذْ عَمِلَ الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. [32].

إِلاَّ أَنَّ الْمُرْتَفَعَاتِ لَمْ تُنْتَزَعْ،.

بَلْ كَانَ الشَّعْبُ لَمْ يُعِدُّوا بَعْدُ قُلُوبَهُمْ لإِلَهِ آبَائِهِمْ. [33].

حسن أن يزيل يهوشافاط المرتفعات التي كانت بها مذابح للأوثان، لكنه أخطأ إذ ترك تلك التي كان بها مذابح للرب.

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يَهُوشَافَاطَ الأُولَى وَالأَخِيرَةِ،.

مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ يَاهُوَ بْنِ حَنَانِي الْمَذْكُورِ فِي سِفْرِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [34].

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اتَّحَدَ يَهُوشَافَاطُ مَلِكُ يَهُوذَا مَعَ أَخَزْيَا مَلِكِ إِسْرَائِيلَ،.

الَّذِي أَسَاءَ فِي عَمَلِهِ. [35].

للأسف بعد أن قَدَّم لنا يهوشافاط صورة غاية في الجمال والإيمان واختبار معاملات معه، عاد فأقام اتِّحادًا مع أخزيا بن أخآب، لا في حرب كما حدث مع أخآب بل في علاقات تجارية بحرية. اشترك معه في تكوين أسطول بحري يسير إلى شرق الهند شرقًا وترشيش غربًا [35 - 36].

للأسف بعد هذا كله تحالف يهوشافاط مع مملكة الشمال. إنها كارثة خطيرة!

فَاتَّحَدَ مَعَهُ فِي عَمَلِ سُفُنٍ تَسِيرُ إِلَى تَرْشِيشَ،.

فَعَمِلاَ السُّفُنَ فِي عِصْيُونَ جَابِرَ. [36].

وَتَنَبَّأَ أَلِيعَزَرُ بْنُ دُودَاوَا مِنْ مَرِيشَةَ عَلَى يَهُوشَافَاطَ، قَائِلاً:

لأَنَّكَ اتَّحَدْتَ مَعَ أَخَزْيَا، قَدِ اقْتَحَمَ الرَّبُّ أَعْمَالَكَ.

فَتَكَسَّرَتِ السُّفُنُ، وَلَمْ تَسْتَطِعِ السَّيْرَ إِلَى تَرْشِيشَ. [37].

يُسَجِّل لنا هذا السفر حلفًا تجاريًّا بين يهوشافاط وأخزيا. وإذ انكسر أسطوله في عصيون جابر، أدرك يهوشافاط تحذيرات الرب له، ورفض تجديد مشروعه السابق ومغامراته مع أخزيا.

من وحي 2 أي 20.

هَبْ لي روح الفرح بك وسط المعركة!

  • تُبَارِكُك نفسي يا أيها القدوس،.

إذ تسمح لي أن أنطلق من معركةٍ إلى معركةٍ.

تُرافقني، فتتهلل نفسي بك على الدوام،.

قبل المعركة وأثناءها وبعد النصرة فيها.

كيف أخشي إبليس وقواته مادمتَ في داخلي!

  • هَبْ لي روح التواضع في مواجهتي لعدو الخير.

أطلبك بكل قلبي، صائمًا عن كل شيءٍ،.

لأنك أنت تُشبِعُ كل كياني.

أؤمن بك، وأثق في وعودك الإلهية،.

وأنطلق إلى المعركة، مختفيًا فيك!

أنت سرُّ فرحي وقوتي ونصرتي!

  • أعماقي تتحوَّل بك إلى سماء جديدة.

أُسَبِّحُك مع إخوتي وفي رفقة السمائيين.

أطلب مجدك، وأسألك خلاص كل إخوتي.

أنت هو قائدي وسلاحي ونصرتي وإكليلي.

أية غنائم أطلبها في كل معركة،.

سوى أن أَتَدَرَّب مع كل معركة على الالتصاق بك؟!

وماذا أُقَدِّم لك، سوى قلبي المتهلل بك؟!

لك الحمد والشكر والتسبيح يا شهوة قلبي!


[186] النذيرون هم جماعة من اليهود مُكَرَّسون لله بقسم، وهم يبتعدون عن شُرْبِ الخمر وعن تناول بعض الأطعمة. من هؤلاء كان شمشون وصموئيل ويوحنا المعمدان.

[187] عظتان عن الصوم عن الصوم: 6: 1.

[188] راجع الأب الياس كويتر المخلصي: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 290.

[189] St. Cyprian: The Treatise of Cyprian, Book 1, 21.

[190] Confession 10: 20.

[191] To Demetrian, 23.

[192] Homily 31 on Ps 104 (105).

[193] On Ps 123 (122).

[194] On Ps 123 (122).

[195] Cf. Patrick Henry Reardon: Chronicles of History and Worship, 2 Chronicles 20.

[196] The First Epistle of Clement, 10.

[197] On Ps 123.

[198] القوانين المطوّلة – سؤال 41.

[199] : Letters 60: 17.

[200] On Ps 128.

[201] Paralytic Let Down through the Roof, 8.

[202] On Ps. 32, Discourse, 2: 5.

[203] On Ps. 50.

[204] The Long Rules, Preface..

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ - سفر أخبار الأيام الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ عَشَرَ - سفر أخبار الأيام الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير أخبار الأيام الثاني الأصحاح 26
تفاسير أخبار الأيام الثاني الأصحاح 26