اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ – سفر الملوك الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 12- تفسير سفر الملوك الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ

عظام أليشع ترد ميتًا إلي الحياة!

هنا ينتقل بنا الكاتب من أخبار ملوك يهوذا إلى أخبار ملوك إسرائيل.

في هذا الأصحاح ندرك قول السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (يو 5: 17). فإن الله في محبته لا يتوقف عن العمل لحسابنا، لكنه لا يُلزِمنا أن نَقْبَلَ عمله فينا أو لحسابنا. يد الله عاملة خاصة في وقت الضيق (1 - 13)، عاملة بالقليل كما بالكثير (14 - 21)، وعاملة حسب أمانته في عهوده (22 - 25).

1. يهوآحاز يستمر في خطايا أسلافه 1 - 9.

2. يوآش يستمر في خطايا أسلافه 10 - 13.

3. مرض أليشع النبي ونياحته 14 - 20.

4. عظام أليشع ترد ميتًا إلي الحياة 21.

5. تحقيق نبوة أليشع مع يوآش 22 - 25.

الأعداد 1-9

1. يهوآحاز يستمر في خطايا أسلافه

سلك يهوآحاز في الشر، فجلب لإسرائيل العبودية لملوك غرباء [3]، لكنه في وسط الضيق، إذ تضرع إلى وجه الرب سمع له، وخلَّصهم الرب من يد الأراميين. كما يقول المرتل: "لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا" (مز 103: 10).

فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ لِيَهُوآشَ بْنِ أَخَزْيَا مَلِكِ يَهُوذَا،.

مَلَكَ يهوآحاز بْنُ يَاهُو عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً. [1].

ملك يهوآش ملك يهوذا في السنة السابعة لياهو (12: 1)، وملك ياهو 28 سنة، فكان جلوس ابنه يهوآحاز بعد جلوس يوآش ملك يهوذا بمدة 21 سنة. وبما أن هذه المدة هي 21 سنة مع عدة أشهر، وإذا حسبنا جزءًا من سنة في الأول، وجزءًا من سنة في الأخير تصير 23 سنة.

"يهوآحاز" معناها "الرب يمسك". بعد قرنين أٌقيم ملك بنفس الاسم على يهوذا بعد موت أبيه الصالح يوشيا (2 مل 23: 31).

اتبع آحاز ملك إسرائيل سياسة أسلافه، من جهة مساندة عبادة العجل. فصار ارتداد إسرائيل عن عبادة الله الحقيقي في تزايد أكثر مما كان عليه الحال في أيام والده ياهو. لذا حلَّ التأديب بالمملكة بأكثر حزمٍ وحدَّةٍ، أما أداة التأديب فكانت حزائيل الأرامي وابنه القائد بنهدد، بينما كان الجيش الإسرائيلي يضعف من جهة العدد والقوة.

وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ،.

وَسَارَ وَرَاءَ خَطَايَا يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ الَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ.

لَمْ يَحِدْ عَنْهَا. [2].

خطايا يربعام هي السجود للعجلين في بيت إيل ودان، وإقامة كهنة من غير نسل هرون، وتغيير أوقات الأعياد (1 مل 12: 28 - 33). لم يُقل إن يهوآحاز ارتكب شيئًا جديدًا من الخطايا، إنما استمر في خطايا أسلافه التي كان يجب تركها.

فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ،.

فَدَفَعَهُمْ لِيَدِ حَزَائِيلَ مَلِكِ أرام،.

وَلِيَدِ بَنْهَدَدَ بْنِ حَزَائِيلَ كُلَّ الأَيَّامِ. [3].

كان بنهدد الثالث بن حزائيل قائد الجيش في أيام والده، صارت له شهرة في الأيام الأخيرة لوالده (2 مل 13: 24).

قوله "كل الأيام"، لا يقصد بها أيام الملكين الأراميين حزائيل وابنه بنهدد، لأن بنهدد فقد المدن التي كسبتها أرام من يهوآحاز (2 مل 13: 25)، إنما يقصد كل أيام يهوآحاز (2 مل 13: 22) أو كل أيام حزائيل.

وَتَضَرَّعَ يهوآحاز إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ،.

فَسَمِعَ لَهُ الرَّبُّ، لأَنَّهُ رَأَى ضِيقَ إِسْرَائِيلَ،.

لأَنَّ مَلِكَ أرام ضَايَقَهُمْ. [4].

بالرغم من أن يهوآحاز لم يحد عن خطايا بيت يربعام [6]، لكنه إذ سقط في ضيقة شديدة، تضرع إلى وجه الرب، سمع له وأرسل لهم خلاصًا، وذلك من أجل طول أناة الله (1 مل 21: 25 - 29؛ 2 بط 3: 9). سمع الرب، لكنه لم يُعطِ إسرائيل مخلصًا في أيامه، بل في أيام ابنه يوآش [25] وحفيده يربعام (14: 25 - 27).

لقد رجع الشعب إلى الله لكن إلى حين، ولم تكن قلوبهم مستقيمة، إذ لم يحيدوا عن خطايا بيت يربعام، ولا أزالوا تمثال عشتاروت من السامرة. نحتاج في التوبة أن تكون صادقة، نَقْبَلُ الله واهب الخير، وننتزع بكل قوةٍ كل أثرٍ للخطية.

وَأَعْطَى الرَّبُّ إِسْرَائِيلَ مُخَلِّصًا،.

فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِ يَدِ الأراميين.

َأَقَامَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي خِيَامِهِمْ كَأَمْسِ وَمَا قَبْلَهُ. [5].

لم يُحَدَّدْ هنا اسم مُخَلِّص إسرائيل، ربما استخدم الملك الأشوري Adad - Nerari III لإنقاذهم، وذلك كما جاء في إشعياء عن كورش الملك الفارسي الذي وضع الله في قلبه أن يسمح لليهود بالعودة إلى أورشليم، وقد دعاه مسيحه (إش 45: 1؛ 44: 28).

كانت أرام في حدود شمال إسرائيل في حرب دائمة مع إسرائيل. إذ كانت تشعر بأن إسرائيل تسد عنها الطريق التجاري العابر نحو الجنوب، وتشعر إسرائيل بأن أرام تسد الطريق الشمالي لتجارتها. كل منهما تحارب الأخرى، لكي تفتح أمامها المجال لازدهار اقتصادها. لكن ما حدث أنهما انشغلتا بالحروب المستمرة، فحطمت كل منهما الأخرى، ولم تدرك إحداهما خطورة أشور، التي كانت تتزايد في القوة حتى دهمتهما (9: 16؛ 6: 17).

وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَحِيدُوا عَنْ خَطَايَا بَيْتِ يَرُبْعَامَ،.

الَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ، بَلْ سَارُوا بِهَا،.

وَوَقَفَتِ السَّارِيَةُ أَيْضًا فِي السَّامِرَةِ. [6].

عمل أخآب سواري في السامرة (1 مل 16: 32 - 33)، وما يتبعها من رجاسات دنسة. كانت السارية عبارة عن شجرة مقدسة أو عمود من الخشب، وهي علامة مستخدمة في عبادة الإله عشتاروت أو الزهرة. كان لها دور جنسي، تعتبر عبادة خصوبة كنعان. وكان رفع هذه السارية في قاعدة المملكة شهادة دائمة على خيانة إسرائيل.

الله من جانبه يستخدم كل وسيلة، اللطف كما الحزم، لعل المؤمن أو الشعب يرجع إليه، ويتمتع بالشركة معه. لكن الخطورة مع الشعور بالحاجة إلى الرجوع لله، يبقى قلبنا ملتصقًا بخطية أو خطايا معينة، فيعرّج بين طريقين، طريق الحياة المقدسة في الرب، وطريق الارتباط بلذة معينة باطلة.

الله من أجل حبه الشديد لنا وأمانته في مواعيده يسمح بالضيق إلى حين حتى نطلب نعمته، ونرجع بكل القلب إليه.

يُقَدِّم لنا المرتل خبرته: "عند كثرة همومي في داخلي، تعزياتك تلذذ نفسي" (مز 94: 19). هذه التعزيات تصدر منه لا لرفع الضيق فحسب، وإنما إلى ما هو أعظم؛ أي تحويل الضيقة إلى مصدر بنيان للنفس وخبرة حياة مع الله.

لأَنَّهُ لَمْ يُبْقِ لِيهوآحاز شَعْبًا،.

إِلاَّ خَمْسِينَ فَارِسًا وَعَشَرَ مَرْكَبَاتٍ وَعَشَرَةَ آلاَفِ رَاجِلٍ،.

لأَنَّ مَلِكَ أرام أَفْنَاهُمْ، وَوَضَعَهُمْ كَالتُّرَابِ لِلدَّوْسِ. [7].

كثيرًا ما يُشبِّه الكتاب المقدس الشعب حين يسقط تحت التأديب، بحِزَمٍ أو سنابل القمح حيث تُدرَس بالدوس عليها بواسطة الحيوانات وهي تدور عليها بالمِدْراس، كما بالشخص الذي يقود الحيوانات (إش 21: 10؛ مي 4: 12؛ إر 51: 33).

حقًا تحتوي سنابل القمح على كمية ضخمة من القش وكمية أقل من الحنطة، فإن كنا أثناء التأديب نصير تحت الأقدام تدوسنا الحيوانات والبشر، لكن التأديب يقطع عيدان القش إلى أجزاء صغيرة، كما تنقطع السنابل، فيسهُل فرز الحنطة من القش. بالتأديب يتحطم الشر فينا، ويعمل روح الله، لكي نحمل ثمر الروح!

هكذا في أيام يهوآحاز سمح الله بتأديبٍ حازمٍ، فصارت مملكة كما بغير جيش يحميها، بل وبدت المملكة كأنها قد تدمّرت وصارت في التراب!

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يهوآحاز وَكُلُّ مَا عَمِلَ وَجَبَرُوتُهُ،.

مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [8].

إن كانوا قد سقطوا تحت التأديب بهذه الصورة المؤلمة، فإن علة انهيارهم ليست ضعف الملك وعجزه، وإنما فساده، لذلك يؤكد الكاتب بخصوص يهوآحاز: "وكل ما عمل وجبروته". فالملك لا تنقصه الشجاعة، إنما ينقصه برّ الله الذي يسنده.

ثُمَّ اضْطَجَعَ يهوآحاز مَعَ آبَائِهِ،.

فَدَفَنُوهُ فِي السَّامِرَةِ،.

وَمَلَكَ يُوآشُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. [9].

ربما كانت هناك قبور مخصصة لملوك إسرائيل في السامرة، كما لملوك يهوذا في أورشليم (2 أي 28: 27). وكان دفن الملك في قبور الملوك علامة لها اعتبارها له.

الأعداد 10-13

2. يوآش يستمر في خطايا أسلافه

فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ لِيَهُوآشَ مَلِكِ يَهُوذَا،.

مَلَكَ يُوآشُ بْنُ يهوآحاز عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ سِتَّ عَشَرَةَ سَنَةً. [10].

كان على كل من المملكتين ملكًا يدعى يوآش (يهوآش). بدأ يوآش ملك يهوذا كملكٍ صالحٍ، أما يوآش ملك إسرائيل فكان شريرًا.

اشترك يوآش بن يهوآحاز في الحكم لمدة سنتين قبل موت أبيه. هنا يتحدث عن اشتراكه في الحكم قبل نياحة أليشع النبي بمدة قليلة. لقد ملك في السامرة ست عشرة سنة، تضم فيها السنتين لحكمه في شركة مع أبيه.

لعل دعوة حفيد ياهو باسم "يوآش" كان نوعًا من تكريم نسل داود، حيث ملك الطفل يوآش على يهوذا. وكان ذلك في وقت حدث فيه نوع من السلام بين المملكتين.

وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ،.

وَلَمْ يَحِدْ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَا يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ الَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ،.

بَلْ سَارَ بِهَا. [11].

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يُوآشَ وَكُلُّ مَا عَمِلَ وَجَبَرُوتُهُ،.

وَكَيْفَ حَارَبَ أَمَصْيَا مَلِكَ يَهُوذَا،.

مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [12].

في البداية ذَكَرَ الستة عشر عامًا لحكم يهوآش بن يهوآحاز بن ياهو على إسرائيل، ولم يذكر شيئًا بالتفصيل [10 - 13]، غير أنه ذكر ثلاثة أمور تمت في عهده: موت أليشع النبي [14 - 22]، وحملات عسكرية ونصراته على أرام [24 - 25]، وحربه مع أمصيا ملك يهوذا [12؛ 14: 8 - 14].

في حياة ياهو وُجدتْ لحظات صالحة، وتمتَّع ملوك إسرائيل بمكافآت من قبل الرب، لكن لم يوجد لا في ياهو ولا في نسله الذين حكموا إسرائيل لأربعة أجيال ملك واحد خدم الرب بكل قلبه، إذ لم يحد أحدهم عن خطايا يربعام الذي جعل إسرائيل يخطئ (10: 31).

ربما يقصد بجبروت يوآش ملك السامرة نصرته على أمصيا ملك يهوذا (2 مل 14: 12 - 15؛ 3 أي 25: 20 - 27).

ثُمَّ اضْطَجَعَ يُوآشُ مَعَ آبَائِهِ،.

وَجَلَسَ يَرُبْعَامُ عَلَى كُرْسِيِّهِ.

وَدُفِنَ يُوآشُ فِي السَّامِرَةِ مَعَ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [13].

الأعداد 14-20

3. مرض أليشع النبي ونياحته

وسط هذا الفساد على مستوى الملك ورجاله والقادة والشعب وُجِدَ إنسان تقي، هو أليشع النبي، الذي له أيضًا ضعفاته. ولكن من أجل إخلاصه وإيمانه وسلوكه في الرب، قدَّم قوة الله للملك أفضل من كل الجيش، لهذا إذ مرض، بكاه الملك، قائلا: "يا أبي، يا أبي، يا مركبة إسرائيل وفرسانها" [14]. وفي اللحظات الأخيرة قدَّم له فرصة ليقول له: "سهم خلاص للرب، وسهم خلاص من أرام، فإنك تضرب أرام في أفيق إلى الفناء" [17].

مات أليشع ودفنوه، لكن إذ لمس ميت عظامه في القبر قام على رجليه! هكذا يعمل الله بالقلة القليلة المقدسة، ولو كانت شخصًا واحدًا!

وَمَرِضَ أليشع مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ بِهِ،.

فَنَزَلَ إِلَيْهِ يُوآشُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ.

وَبَكَى عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ:

يَا أَبِي، يَا أَبِي، يَا مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا. [14].

مرض أليشع في حوالي السنة العاشرة من يوآش، بهذا يكون قد امتدت مدة خدمة أليشع كنبي 65 عامًا. بكى يوآش على أليشع الشيخ، وكرَّر نفس الكلمات التي نطق بها أليشع عند صعود إيليا النبي (2: 12). وكأن أليشع قد التصق بمُعَلِّمِه منذ بدء خدمته حتى لحظات موته.

خشي الملك يوآش ملك إسرائيل موت أليشع النبي، وكانت قد مضت 43 سنة على الأقل منذ آخر مرة ذُكِرَ فيها أليشع (1: 9)، لكنه كان يشعر ببركة وجوده وصلواته.

كان عُمْرُ أليشع نحو ثمانين سنة، ونزول الملك إليه دليل على اعتباره له وللرب الذي كان أليشع يخدمه.

"بكى على وجهه"، أي نزلت دموعه على وجه أليشع وهو مضطجع على سريره. عبَّر الملك عن إيمانه بأن أعظم قوة لإسرائيل هي معونة الرب بواسطة أليشع، لذلك دعاه "يا أبي".

مع ما اتسم به يوآش ملك إسرائيل من الشر، غير أنه أظهر جانبًا طيبًا وإيمانًا أن الله يحفظ شعبه ويسمع لكلمات نبيه من أجلهم.

إن كان الكتاب المقدس قد شهد على يوآش أنه "عمل الشر في عينيّ الرب"، غير أنه يذكر الجانب الصالح الذي فيه. الله لا ينسى كأس ماء بارد يُقدَّم باسمه.

فَقَالَ لَهُ أليشع: خُذْ قَوْسًا وَسِهَامًا.

فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ قَوْسًا وَسِهَامًا. [15].

نجح يوآش نسبيًا في طاعة أليشع عند موته لكن لم يستمر. لقد وضع أليشع يده على يدي الملك علامة اشتياقه أن يبارك الرب عمله، وبالفعل انتصر على الجيش الأرامي ثلاث مرات، لكنه لم يتمتع بالنصرة النهائية.

  • دعا النبي: "مركبة إسرائيل وفرسانها"، لأن سلام المملكة وانتصارات إسرائيل كانت تتوقف على صلاته وتدبيره.

كافأ النبي الحب الذي لدموعه، وقال له: "خذ قوسًا وسهامًا". ثم وضع أليشع يده على يدي الملك "وأمره أن يفتح الكوّة، ويتجه نحو الشرق ويصوِّب السهام. صوَّب سهمًا، فقال له أليشع:" سهم الرب للنصرة، سهم نصرة على أرام ".

بالحقيقة كانت الكوّة متجهة نحو أرام، "إنك تضرب أرام في أفيق إلى الفناء" [17].

هذه العبارة تحمل معنيين روحيين:

الأول: أن الله ربط نصرة بني إسرائيل بتلك العلامة التي لم تكن بالأمر الجديد، فقد وُجدت من قرون طويلة... عندما أرسل الله ضربات على مصر وحرَّر الشعب، اعتمد ذلك على عصا موسى (خر 4: 17). وأيضًا اعتمد هلاك عماليق على رفع يديّ موسى أثناء الصلاة (خر 17: 9 - 13)، ودمار مدينة عاي على مد يشوع للمزراق الذي بيده (يش 8: 18 - 19).

كان من المناسب للموقف أن يقوم الأمر هكذا حتى يعرف الشعب بكل تأكيد أن معونة الرب قد وُهبت لهم، في لحظة نوال هذه النعمة، وتبقى ذكرى النعمة متغلغلة في قلوبهم. فإن النبي وحده كان يعرف السرّ، بينما كان مخفيًا عن الملك. وإلا ما كان قد توقف عن ضرب الأرض ثلاث مرات، بل جعلها عشرة. وإذ كان مترددًا وانسحب لامه أليشع، ليس لأنه ارتكب خطأ ما، وإنما لأنه حرَّم أبناء شعبه من النصرة والنفع العظيم بإبادة الأراميين وإزالة مملكتهم، الأمر الذي كان يرغبه أليشع بقوة.

صار حزينًا، لأن أمله خاب بواسطة الملك الذي توقف ولم يضاعف الضربات الموصوفة له. أما المانع الحقيقي لتوقف النعمة، فهو ارتداد الملك والشعب، وإرادتهم المتمردة في عبادة الأوثان. هذا هو السبب الذي عاق عطية النعمة التي عنت بها هذه العلامة[426].

القدِّيس أفرآم السرياني.

ثُمَّ قَالَ لِمَلِكِ إِسْرَائِيلَ: رَكِّبْ يَدَكَ عَلَى الْقَوْسِ.

فَرَكَّبَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ أليشع يَدَهُ عَلَى يَدَيِ الْمَلِكِ [16].

وضع أليشع يده على يدي الملك، لكي يعلم الملك أن ما سيعمله بيده إنما بمساندة يد الرب، وليس بقدرته هو.

ما هي يدّ أليشع التي حملت قوة ليديّ الملك سوى كنيسة المسيح التي تُقدِّم للمؤمن كملكٍ قوة الله للخلاص، فيضرب بالصليب "سهم الرب للخلاص" من عدو الخير، ولا يتوقف عن ضربه حتى تتم النصرة النهائية على مملكة الظلمة.

تلامست يدا الملك مع يد أليشع رمز المسيح، وذلك كما لمست الكنعانية هُدْب ثوب المسيح، أي كنيسته، فخرجت منه قوة، وتمتعت بالشفاء!

  • حقيقة أن أليشع وضع يده على يديّ الملك، تُظهِرُ أن يديّ الملك الضعيفتين تتقويان بالقوة التي في يديّ النبي الذي يقف هنا في موضع سيده. حتى يمكن لتلك اليدين أن تحطما أرام، وأن تفنيه بعد أن حطَّم أرام إسرائيل لإفنائه.

واضح أن بني إسرائيل في أيام يورام ضعفوا جدًا، فلم يكن في المدينة الملوكية سوى خمسة خيول، وفي أيام ابنه لم يكن سوى عشر مركبات في البلاد بأسرها وخمسين فارسًا وعشرة آلاف جنديًا من المشاة، كما يقول الكتاب، لأن ملك أرام أهلكهم وجعلهم كالتراب في درس الغلة (2 مل 13: 7). بينما كان للعبرانيين في أيام سليمان 52 ألفًا من الخيول في إسطبلات الملك، وأرسل يربعام 800 ألفًا من الشجعان للحرب الذين تجمعوا من سبطيّ يهوذا وبنيامين.

المعنى الثاني الروحي هو أن العلامة تنقسم إلى رمزين، كل منهما له معناه الخاص به.

القدِّيس أفرآم السرياني.

وَقَالَ: افْتَحِ الْكُوَّةَ لِجِهَةِ الشَّرْقِ، فَفَتَحَهَا.

فَقَالَ أليشع: ارْمِ، فَرَمَى.

فَقَالَ: سَهْمُ خَلاَصٍ لِلرَّبِّ، وَسَهْمُ خَلاَصٍ مِنْ أرام،.

فَإِنَّكَ تَضْرِبُ أرام فِي أَفِيقَ إِلَى الْفَنَاءِ. [17].

طلب منه أن يفتح الكوة لجهة الشرق، لأن أعداء إسرائيل، أي الأراميون، كانوا في الشرق. كان هذا التصرُّف يُستخدَّم كإعلان عن قيام حربٍ. أحيانًا يفعل الشخص هذا الأمر ويكرره دون أن يبدأ بالهجوم حتى يمكن عمل اتفاقيات، فإن لم يحدث استجابة لمدةٍ معينةٍ يبدأ الشخص أو الجيش بالهجوم الفعلي.

  • "سهم الرب للخلاص" يعني بوضوح ربنا ومخلصنا الذي عُلِّق على الخشبة يهب روحه. وبروحه ينزل إلى حصن الهاوية ويخلص الأبرار الذين سُجنوا هناك، وبعد قيامته يُخضِع المسكونة كلها برسله القديسين، ويهب حياة جديدة للذين يؤمنون باسمه.

من الجانب الآخر، إن حقيقة السهم الذي صوِّب من الكُوّة المتجهة نحو الشرق تعني إتمام خلاصنا الذي يتحقق بصعود ربنا، ويصعد إلى ما هو أعلى من السماوات الشرقية (مز 68: 34).

بصعوده يرفع الأبواب الدهرية، ويُصعِدنا كطغمة من النسبيين إلى السماء (أف 4: 8).

مرة أخرى فإن السهم الذي صُوِّب نحو الأرض وسُحب أو ترك الأرض، يشير إلى دفن ربنا وقيامته بعد أن نزل وأقام في قلب الهاوية، في أرض الأموات.

أيضًا لاحظوا بتمييز أن أرض إسرائيل تُضرَب بثلاثة سهام، وأما مملكة أرام فتنهزم في ثلاث معارك، وذلك على شبه جسد ربنا المُكرَّم الذي اُبتلي بالشوك والمسامير والحربة ولم يفسد. حُطِّم سلطان إبليس الخاص بالموت ثلاث مرات. بالحق سحق الشيطان وأزال الخطية والموت.

مرة أخرى صُوِّب السهم ثلاث مرات واستقر على الأرض، وأعطاهم رجاء القيامة التي للقديسين[427].

القدِّيس أفرآم السرياني.

ثُمَّ قَالَ: خُذِ السِّهَامَ. فَأَخَذَهَا.

ثُمَّ قَالَ لِمَلِكِ إِسْرَائِيلَ: اضْرِبْ عَلَى الأَرْضِ.

فَضَرَبَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ وَوَقَفَ. [18].

أولاد الله لن يتوقفوا أو يتهاونوا في معركتهم مع إبليس، حتى يسحقوا بالمسيح رأس الحيّة، ويعلن رب المجد النصرة في أعماقهم.

فَغَضِبَ عَلَيْهِ رَجُلُ الله، وَقَالَ:

لَوْ ضَرَبْتَ خَمْسَ أَوْ سِتَّ مَرَّاتٍ حِينَئِذٍ ضَرَبْتَ أرام إِلَى الْفَنَاءِ.

وَأَمَّا الآنَ فَإِنَّكَ إِنَّمَا تَضْرِبُ أرام ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. [19].

غضب عليه، لأن الملك طلب القليل بينما الرب مستعد أن يعطيه الكثير. لعل تصرُّف الملك دلَّ على ضعف إيمانه.

كان يليق بالملك أن يضرب الأرض بالسهام ولا يتوقف حتى يطلب منه النبي ذلك، محققًا خطة الله العاملة، فينال نصرة على العدو. هكذا يجب ألا نأتمن أفكارنا الجسدية (الأرض)، بل نضرب بسهام الروح القدس المستمرة بلا توقُّف حتى تتقدس أرضنا الداخلية، وتتحوَّل إلى سماء. هكذا تتحقق خطة الله فينا، ونُعلِن طاعتنا له، حيث نصير بالحق وكالة السماء وأيقونة المسيح الحيّة.

وَمَاتَ أليشع فَدَفَنُوهُ.

وَكَانَ غُزَاةُ مُوآبَ تَدْخُلُ عَلَى الأَرْضِ عِنْدَ دُخُولِ السَّنَةِ. [20].

مات أليشع ودُفن جثمانه في قبر، ولم يصعد كمُعَلِّمه في مركبات نارية إلى السماء. لكن كشف الله عن قداسة هذا الجثمان الذي جاهد مع النفس كل هذه السنوات، لذلك سمح الله بإقامة ميت لمجرد لمسه لعظام أليشع.

ذكر دخول هؤلاء الغزاة كأنه أمر عادي يحدث كل سنة، ووصولهم إلى أواسط البلاد دليل على ضعف إسرائيل.

  • دفنه تلاميذه بنو الأنبياء. يبدو أن يوآش رافقه حتى القبر، إذ جلس معه وقت مرضه، وأظهر له حبًا عميقًا، وبكى أمامه، ووضع مراثٍٍ عن موته.

يبدو أن هوشع النبي أخذ مكانه، وقام برئاسة بني الأنبياء، إذ قال هوشع في بدء أقواله إنه تنبأ في أيام يربعام بن يوآش[428].

القدِّيس أفرآم السرياني.

العدد 21

4. عظام أليشع ترد ميتًا إلي الحياة

مات أليشع النبي ودُفن في القبر، وتحلل جسمه، ولم يبقَ سوى مجموعة عظام جافة. لكن هذه العظام تشهد لروح القوة التي عاشها النبي، ولم يستطع الموت أن يُحَطِّمها.

وَفِيمَا كَانُوا يَدْفِنُونَ رَجُلاً، إِذَا بِهِمْ قَدْ رَأَوُا الْغُزَاةَ،.

فَطَرَحُوا الرَّجُلَ فِي قَبْرِ أليشع.

فَلَمَّا نَزَلَ الرَّجُلُ،.

وَمَسَّ عِظَامَ أليشع،.

عَاشَ وَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ. [21].

إذ كان بعض الإسرائيليين يدفنون إسرائيليًا ورأوا الغزاة، لم يُكَمِّلوا العمل، بل طرحوا الميت في أقرب قبرٍ لهم، وكان قبر أليشع. أراد الله إعلان قداسة خدامه والمؤمنين المخلصين، إنه يقدس حتى عظامهم بعد موتهم.

بعد موت أليشع النبي، إذ طرح غزاة موآب رجلاً في قبره، ومس الجثمان عظام أليشع عاش، وقام على رجليه (2 مل 13: 21). هكذا حملت ذكراه قوة ظهرت من عظامه! وقال السيد المسيح عن المرأة التي كسرت قارورة طيب، وسكبته على رأسه: "الحق أقول لكم حيثما يُكرَز بهذا الإنجيل في كل العالم يُخبَر أيضًا بما فعلته هذه تذكارًا لها" (مر 14: 9). وقالت القديسة مريم: "هوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني" (لو 1: 48).

تبقى ذكرى الأبرار تحمل رائحة المسيح الذكية، وتُقدِّم بركات عبر الأجيال، فلا نعجب إن رأينا القديس غريغوريوس النزينزي يرثي أخاه القديس قيصريوس ولا ينكر المشاعر البشرية، لكن يطلب أن تكون باعتدال. يقول: [إنه حتى في دموعي وإعجابي يلزمني أن احترم القانون الذي يُنَظِّم هذه الأمور، فإن هذا ليس غريبًا عن فلسفتنا. يقول: "ذكر الصدِّيق تصحبه البركات". وأيضًا لتنهمر الدموع من عيوننا وتبدأ بالرثاء، كمن أُصبتم بضرر عظيم (بموته)، فتنزع عنا عدم الإحساس والمبالغة.].

  • "ذكر الصدِّيق يُمتدَح". لم يقل هذا ليعني أن النفوس المنتقلة يعنيها مديحنا. إنما قال هذا، لأن الذين يمدحون الراحلين ينالون النفع الأعظم من ذكراهم، لذلك إذ ننال نفعًا كثيرًا من ذكرهم المقدس، ليتنا لا نزدري بكلمات الإنسان الحكيم، بل بالحري نعطي اهتمامًا بها[429].
  • ليس فقط الأجساد، وإنما مقابر القديسين نفسها مملوءة نعمة روحية. لأنه إن كان في حالة أليشع حدث أن جثمانًا لمس القبر، فتفجَّرت قيود الموت، وعاد إلى الحياة، بالأكثر الآن إذ صارت النعمة في أكثر فيض، وصارت طاقة الروح أعظم، يمكن بلمس القبر بإيمان ننال قوة عظيمة، لهذا سمح الله لنا الاهتمام برفات القديسين، مشتاقًا أن يقودنا إلى الاقتداء بهم، مُقدِّمًا لنا نوعًا من الملجأ، وتعزية آمنة من الشرور التي تحدق بنا[430].
  • عندما لم يؤمن أحد، قام رجل ميت. فبالنسبة للذين طرحوه، لم يكن من أجل الإيمان، وإنما عن جبنٍ طرحوه، عن غير قصد ومصادفة، من أجل الخوف من فرقة لصوص. أما الشخص نفسه الذي كان ميتًا وطُرِحَ، فلأن جسم الميت (أليشع) كان مقدسًا قام الميت[431].
  • في مثال أليشع لمس إنسان الجسد فقام، أما هنا فبالصوت أقامهم (الموتى)، بينما كان جسده (أي جسد المسيح المصلوب) لا يزال هنا على الصليب. أنهم ليسوا فقط قاموا، بل والصخور تشققت، والأرض اهتزت، لكي يتعلموا أنه كان قادرًا أن يضرب (صالبيه) بالعمى ويمزقهم أربا… لكنه لا يريد ذلك، فإنه سكب غضبه على العناصر، أما هم فيريد أن يُخلِّصهم بمراحمه[432].

القدِّيس يوحنا الذهبيّ الفم.

  • ليس أحد من الأنبياء بعد موته أقام إنسانًا. لهذا نرى أن روح إيليا استقر مضاعفًا على أليشع.

في الواقع، السلطان الذي وهبه الرب لعظام أليشع هو رمز القيامة وبذرتها. والكرامة التي أُعطيت لها تُظهر المجد الذي سيكون لأجساد القديسين تلتحف به في يوم قيامة كل الأموات[433].

القدِّيس أفرآم السرياني.

  • الذين يعيشون مع الله، حتى رفاتهم ليست بدون كرامة. فإن أليشع النبي بعد رقاده، أقام ميتًا... هذا ما كان يمكن أن يحدث لو لم يكن جسد أليشع مقدسًا[434].

قوانين الرسل القديسين.

  • هل قام إنسان ميت بلمسه عظام أليشع؟ أليس من الأسهل أن يقوم خالق البشرية بقوة الآب؟ حسنًا إنه قام حقًا، وبعد قيامته رآه تلاميذه ثانية... ومع هذا لا تزال توجد شكوك من جهة قيامته؟ [435].

القديس كيرلس الكبير.

  • أتكلم عن إيليا وعن ابن الأرملة الذي أقامه، وعن أليشع الذي أقام ميتًا مرتين: مرة في حياته وأخرى بعد موته.

لأنه في حياته أتم القيامة بنفسه his soul (2 مل 4: 34). لكن لكي تُكرم ليس فقط نفوس الأتقياء، بل ولكي يُصَدَّق أنه في أجساد الأتقياء تكمن قوة، فالجثة التي أُلقيت في قبر أليشع عندما لمست جسد النبي قامت (2 مل 13: 21). فصنع جسد النبي الميت فعل النفس. الذي مات ودُفن أعاد الحياة للميت، ولو أن الذي أعطى حياة (أليشع) استمر وسط الأموات. لماذا؟ لئلا إن قام مرة أخرى يُعزى العمل لـ "نفسه" فقط، وإنما ليظهر أنه حتى في غياب "النفس" تسكن فضيلة في أجساد القديسين بسبب النفس التقية التي سكنت به عدة سنين واستعملتها لخدمتها.

فلا تدعونا نكذب بجهلٍ، كأن هذه الأشياء لم تحدث. لأنه إن كانت المناديل والعصائب التي من الخارج تلمس أجساد المرضى فيشفون، فما بالك بجسد النبي نفسه يقيم الموتى؟ [436].

  • أقام أليشع ميتًا مرتين، مرة وهو حيّ (2 مل 2: 1)، وأخرى وهو ميت (2 مل 13: 21). فهل تُصدِّق أن أليشع وهو ميت أقام الميت الذي ألقي عليه ولمسه، ولا تصدق أن المسيح قام؟!

لكن في تلك الحالة حين لمس الميت أليشع قام بينما بقيَ أليشع ميتًا... وأمّا هنا، فقد قام الميت الذي نتحدث عنه، وأقام معه كثيرين من الموتى دون أن يلمسوه. لأنه "قام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة (واضح أنها ذات المدينة التي نحن فيها الآن) وظهروا لكثيرين" (مت 27: 52، 54).

أقام أليشع ميتًا، لكنه لم يهزم العالم.

أقام إيليا ميتًا، لكن الشياطين لا تخرج باسم إيليا.

إننا لا نقول شرًا في الأنبياء، لكننا نُعظِّم سيدهم بالأكثر جدًا، فإننا لا نكرم عجائبنا بامتهاننا عجائبهم، بل نحن نكسب ثقة أكثر بما حدث معهم[437].

القديس كيرلس الأورشليمي.

  • ماذا إن كان الجثمان خاص بأب بطريرك، أو كان خاصًا بإبراهيم نفسه؟ ماذا إن لمس العظام، هل يُحسب دنسًا؟ ماذا إن لمس عظام أليشع التي أقامت شخصًا ميتًا؟ هل يُحسَب دنسًا من لمس عظام للأنبياء، وبالتالي هل يحسبون من أقامتهم العظام دنسًا؟ انظر كيف أن التفسير اليهودي غير لائق! لننظر أولاً ما الذي نلمسه، أية لمسة تجعل الإنسان دنسًا، وأية لمسة تجعله طاهرًا... يقول الرب في الإنجيل: "إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه" (مت 28: 5). لأن قلبه لمس رذيلة الشهوة، وصارت نفسه دنسة. لذلك فإنه إن كان أحد يلمس شيئًا بطريقة ما، سواء كان خلال اشتهاء امرأة أو اشتهاء مال، أو أي نوع آخر من شهوة الخطية، فإنه يلمس ما هو دنس، فيتنجس[438].

العلامة أوريجينوس.

  • لماذا ندهش أن النفس تُشفَى بكلمة الله، والجسد يرجع إلى العظام، إن كنا نذكر أن الميت قام بلمسه جسم النبي (2 مل 4: 34؛ 13: 21)؟ صلى إيليا، وقام الصبي الميت (1 مل 17: 22). وبطرس باسم المسيح أمر طابيثا أن تقوم وتتحرك (أع 9: 40). والفقراء بفرحٍ آمنوا من أجل خدمتها لهم. لقد اشتروا القيامة لآخر (طابيثا) بدموعهم، فهل لا نؤمن نحن أن نشتري قيامتنا بآلام المسيح؟! [439].

القديس أمبروسيوس.

  • إن كان جثمان أليشع أقام ميتًا، كم بالأكثر يفعل الله عندما يحيي أجساد الموتى، ويحضرهم للدينونة؟! [440].

القديس ايريناؤس.

يصور لنا القديس مار يعقوب السروجي[441] في ميمره الرائع عن عظام أليشع النبي، إمكانيات النعمة الإلهية التي تهب عظام الأبرار المدفونة في القبور قوة وقدرة وكرامة. ماذا يرى مار يعقوب السروجي إلا ما نختبره نحن بسُكنَى روح الله القدوس فينا:

1. لم تتسلل الشهوات إلى جسد أليشع بعظامه، لهذا صارت عظامه كنزًا مملوء حبًا وحنانًا. هذه هي عطية الروح القدس لنا الذي يقدسنا، فننعم بالحب عوض الشهوات، ونمتلئ حنانًا لمن يقترب إلينا، حتى وإن كان ميتًا بالخطايا!

2. قبر أليشع تسكنه قوة فائقة. وكما قال السيد المسيح لتلاميذه ألا يبرحوا أورشليم حتى يُلبَسوا قوة من الأعالي (أع 1: 4 - 8).

3. تفيض أجسادهم كما عظامهم بأشفيةٍ روحيةٍ، هي عطية الصليب (شجرة الحياة).

4. يُشَبِّه مار يعقوب جسد الأبرار بنهرٍ أو ينبوعٍ في جنة عدن، خلاله يحمل المؤمن ثمار الروح المُفرِحة.

5. يقول أن أليشع مات عن العالم ببهجة وجه، أي وهو متهلل؛ إنها عطية الفرح التي لا تفارقه. جاءت وصية السيد المسيح: "اغسل وجهك، لئلا يظهر للناس صيامك"، أي ليكون لك وجه مبتسم وناضر، لأن الثلاثة فتية كان وجههم أفضل من آكلي الملذات.

6. عظام أليشع النبي جعلت الموت أضحوكة، نسخر به!

  • تراب الأبرار الذي تَبَدَّد في الهاوية على الغبار، هو ذهب مختار، وينبوع مملوء بكل الخيرات.

الجسد الطاهر، الذي لم يتدنس بالشهوات، هو تراب الأبرار، وهو كنز الذخيرة الموجود فيه الحنان لمن يقترب منه.

في رميم عبيد الرب تسكن القوة، ومثل جبابرة يفتقدون الموضع القريب منهم.

تفوح روحيًا كل يومٍ رائحة ذكية من عظامهم، لا يشبهها الدهن الطيب...

يجري من أجسادهم جيحون (تك 2: 13) من أجل كل الأشفية، التي كانت تنمو في جوار شجرة الحياة.

كل موت البشر هو موت، موت الصالحين هو شيء آخر بالنسبة لمن يذوقه.

مات الأثيم واستقبلته الحفرة المملوءة رعبًا، ومات البار فعبر قافزًا فوق فخاخ الشرير.

من الخاطي تفوح رائحة كريهة بموته، أما الصديق فهو مبخرة اللاهوت المختارة.

ما أن يبعده الموت من العالم إلى العالم الكبير، حتى يدخل ويقوم في موضعه، ويشرع يهتم برفاقه.

جسد الأبرار يحمل كل يومٍ كل معونةٍ لمن يقترب منه، كينبوع عدن المبارك.

بالموت يقترب الإنسان الإلهي من الله، ومثل وكيلٍ يُوَزِّع الغِنَى على المحتاجين.

لقد عرق في الجهاد، ونال الإكليل في المعركة، وصعد من محاربة البرّ بالنصرة.

رقد في الله وها هي الحياة مستيقظة فيه كل يومٍ، مات عن العالمٍ وصار حيًا لربّه بيهجة الوجه[442].

  • مات أليشع الذي أحيا ابن المؤمنة (الشونمية)، وبعد موته بعثت رفاته أيضًا الحياة.

لم يكن النبي ميتًا بموته، بل كان حيًا، حتى أعطى الحياة للآخرين.

نفس القوة التي كانت موجودة فيه قبل أن يموت، لبثت فيه حين مات، (وفي موته) كان حيًا، وصنع كل خيرٍ.

وُضعت جثة الرجل الإلهي في القبر، وفيه ظهرت حياة الموتى بعجبٍ عظيمٍ.

كان النبي مصفوفًا بين الموتى بعجبٍ عظيمٍ، وفيه كانت قوته التي سكنت فيه أثناء حياته.

دُفِنَ أليشع، وفيه دُفنتْ الحياة الجديدة، ليعطيها أيضًا لآخر إن اقترب منه.

الرب هو الحيّ، والقديسون هم أيضًا أحياء معه، وإذ يموتون فيه يُدفَنون وهم أحياء له.

هلموا نتعجب برجلٍ أحيا ميتًا وهو ميتٍ، وإذ كان راقدًا بسط الحياة لذاك الذي دنا منه.

كان جبَّارًا حين كان حيًا، وأيضًا وهو ميت. قوته لم تضعف في العمل حتى أثناء الموت.

حين كان حيًا أحيا ابن المُمجَّدة، وحين كان ميتًا أحيًا آخر، وتضاعف العجب.

قيامة الميت عظيمة جدًا لمن يتأمل فيها، ولكن إن أحيا ميتٌ ميتًا، فكم يعجب المرء؟

يوم كان أليشع حيًا أحيا ميتًا، وحين مات اهتم أيضًا بحياة الموتى.

لم يستطع الموت أن يأخذ منه قوته، فكانت قوته الفاعلة قوية كما لو كان أثناء حياته.

عندما كان حيًا طمر فيه روحًا محييًا، وعندما مات لم ينطفئ من الاضطرام فيه.

عندما كان في العالم استنار بالله كالمصباح، لهذا لم يجعله الموت مُظلِمًا في القبر.

ذاك اللهيب الباعث اضطرم فيه، وبعد موته أظهر قوته المستيقظة فيه.

طمر في جسده البتولية والقداسة، فأنبتت عظامه حياة الموتى إلهيًا.

يا له من قول عجيب: حُبس الميت في القبر وصمت، ونبعت منه قوة تُحيي الميت في الهاوية[443].

القديس مار يعقوب السروجي.

الأعداد 22-25

5. تحقيق نبوة أليشع مع يوآش

بسبب شرور إسرائيل ضايقهم حزائيل ملك أرام كل أيام يهوآحاز، لكن "حّن الرب عليهم ورحمهم والتفت إليهم، لأجل عهده مع إبراهيم وإسحق ويعقوب، ولم يشأ أن يستأصلهم، ولم يطرحهم عن وجهه" [23]. يبقى الله أمينًا بالرغم من عدم أمانتنا!

وَأَمَّا حَزَائِيلُ مَلِكُ أرام،.

فَضَايَقَ إِسْرَائِيلَ كُلَّ أَيَّامِ يهوآحاز، [22].

فَحَنَّ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ،.

لأَجْلِ عَهْدِهِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ،.

وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْتَأْصِلَهُمْ،.

وَلَمْ يَطْرَحْهُمْ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى الآنَ. [23].

سمح الله لحزائيل ملك أرام أن يضايق إسرائيل لتأديبه، لكن وسط هذا الضيق، "حنّ الرب عليهم ورحمهم والتفت إليهم، لأجل عهده مع إبراهيم وإسحق ويعقوب، ولم يشأ أن يستأصلهم، ولم يطرحهم عن وجهه حتى الآن" [23].

ثُمَّ مَاتَ حَزَائِيلُ مَلِكُ أرام،.

وَمَلَكَ بَنْهَدَدُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. [24].

إذ مات حزائيل، ملك ابنه بنهدد الثالث (802 - 780 ق. م).

المدن التي استرجعها يوآش ليست مذكورة سابقًا، وربما كانت شرقي الأردن. وكان بنهدد قد أخذها من يهوآحاز حينما كان قائدًا عند أبيه حزائيل.

فَعَادَ يُوآشُ بْنُ يهوآحاز،.

وَأَخَذَ الْمُدُنَ مِنْ يَدِ بَنْهَدَدَ بْنِ حَزَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ يَدِ يهوآحاز أَبِيهِ بِالْحَرْبِ.

ضَرَبَهُ يُوآشُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ،.

وَاسْتَرَدَّ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ. [25].

كما تنبأ أليشع ضرب يوآش أرام ثلاث مرات، واسترد مدن إسرائيل، أما النصرة الكاملة على أرام، فتحققت في أيام ابنه يربعام الثاني.

من وحي 2 مل 13.

قدِّسني واسندني بنعمتك!

  • ها أنا بين يديك أعترف بخطاياي وضعفاتي.

من يقدّسني غيرك، يا أيها القدوس.

ليعمل روحك القدوس فيّ،.

وليجعل الخطية مُرَّة في حلقي،.

فلا أترك لها موضعًا في داخلي.

لأقتنيك أيها القدوس،.

فيهرب الشر من أعماقي.

في لطفك بي كما في تأديباتك، لا تتركني إلى الغاية.

لتكن عيناك عليّ، فتقيمني من التراب.

  • عدو الخير يترقب أن يطأني بقدميه،.

فأصير تحته كالتراب، لكن يعجز عن أن يحطّمني!

تحوِّل ضرباته لي إلى فرصٍ للتوبة الصادقة.

ليُحطِّم العدو القش الذي ملأ أعماقي.

أما الحنطة وثمر الروح فلا يقترب إليهما.

  • وضع نبيّك أليشع يده على يديّ الملك الماسك القوس.

ألقى الملك بالسهم،.

فإذا به سهم خلاص الرب من أرام.

أي قوس أحمله سوى وعودك الإلهية.

لتمتد يدّ الكنيسة، وتضعها على يديّ،.

فأتمتع بقوتك الفائقة.

لألمس مع الكنعانية هُدْبَ ثوبك، أي ألتصق بكنيستك المقدسة،.

فأنعم بقوتك الشافية واهبة الخلاص.

هبْ لي ألا أتوقف عن الجهاد بنعمتك،.

حتى تملك في قلبي وكل كياني.

  • خاف حاملو النعش من الغزاة،.

فألقوا بالميت في قبرٍ بجوارهم.

لمس الميّت عظام أليشع، فقام الميت للحال.

أُعلنتْ قوتك المحيية خلال عظام النبي،.

دفعتنا أيها القدوس أن نختبر قوة قيامتك فينا.

  • لنعش معك، فنحيا بك، ونحمل قوة قداستك.

دعاه ملك إسرائيل أباه الذي يحميه:

"يا أبي، يا أبي، مركبة إسرائيل وفرسانها!".

وها هي عظامه الجافة في داخل القبر،.

تحنو على ميِّت وتُعلِن حبها له،.

وتهبه هو وأسرته فرحًا فائقًا!

أبوّته تصدر من نفسه كما من جسده وعظامه!

  • سمحتَ لأليشع النبي أن يُقِيمَ صبيًا في حياته،.

ويُقِيم رجلاً في موته بلمس عظامه!

لتُعلِنَ أن نفسه مُقدَّسة بك، موضع سرورك،.

حتى عظامه بعد مفارقة نفسه لجسده مُقَدَّسة!

أنت تكرِّم نفوس قديسيك، وأيضًا أجسادهم!

تكرِّم عظامهم، والخِرَق التي على أجسادهم!

تكرِّم رفاتهم وظلّهم، كما فعلت مع بطرس رسولك!

  • لك المجد يا أيها القائم من الأموات،.

أقمتَ الموتى من القبور دون أن تلمسهم،.

وأخرجتَ الذين في الجحيم، وعَبَرتَ بهم إلى فردوسك.

أقمتَ الموتى، ولم تَبقَ في القبر ميتًا كأليشع.

وستقيم كل الأموات عند مجيئك على السحاب!


[426] On the Second Book of Kings, 13: 14 - 19.

[427] On the Second Book of Kings, 13: 14 - 19.

[428] On the Second Book of Kings, 13: 20.

[429] Against the Anomoens, homily 6: 3.

[430] Homilies on S. Ignatius and S. Babylas, 5.

[431] Homilies on Matt. Homily 57: 3.

[432] Homilies on Matt. 88.

[433] On the Second Book of Kings, 13: 21.

[434] Constitutions of the Holy Apostles, Book 6: 6: 30.

[435] Orthodox Study Bible.

[436] Lecture 18: 16.

[437] Lecture 14: 16.

[438] Origen: Homilies on Leviticus, 3: 3: 1,2.

[439] On Belief in the Resurrection, Book 2: 83.

[440] Fragments from the Lost Writings of Irenaeus, 35.

[441] الميمر 35 على اليشع لما عاش ميت على عظامه (2 مل 13: 21) (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني). راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 159 - 178.

[442] الميمر 35 على اليشع لما عاش ميت على عظامه (2 مل 13: 21) (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني). راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 164 - 165.

[443] الميمر 35 على اليشع لما عاش ميت على عظامه (2 مل 13: 21) (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني). راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 166 - 168.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ - سفر الملوك الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأَصْحَاحُ الثَّانِي عَشَرَ - سفر الملوك الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر الملوك الثاني الأصحاح 24
تفاسير سفر الملوك الثاني الأصحاح 24