الأصحاح الأول – تفسير رسالة بطرس الرسول الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدمة رسالة بطرس الرسول الأولى

مشكلة الألم والحياة الجديدة.

لهذه الرسالة أهميتها الخاصة في حياة الكنيسة، إذ تعالج مشكلة الألم، هذه التي يئن منها كل إنسان، تشغل فكره، وتهز كل كيانه، خاصة حين يسقط تحت ضيقٍ جسدي أو نفسي أو أدبي، فيشعر بالحاجة إلى من يضمد جراحاته العميقة، لا على مستوى فلسفي نظري، وإنما على مستوى الحياة الواقعية العملية. والرسالة في جوهرها دعوة لمقابلة الألم لا بنظرة سوداوية قاتمة، وإنما بروح الرجاء الحي، خلال تمتعنا بميلاد جديد غالب للألم بل وللموت نفسه، إذ يقوم على قوة "قيامة يسوع المسيح من الأموات" (1: 3). عِوَض الارتباك بمرارة الألم يرفعنا الرسول إلى بهجة التمتع بالميراث الأبدي، فننعم بفرح لا ينطق به ومجيد (1: 8)، وعِوَض الانغماس في متاعب الحياة القاتلة للنفس يرفعنا إلى انتظار مجيء القدوس خلال الحياة المقدسة (1: 15 - 16)، مدركين دورنا الحقيقي كحجارة حية في البيت الروحي الكهنوتي (2: 5).

إن كانت هذه الرسالة قد كُتِبَت إلى "المتغربين من شتات بُنتُس وغلاطية..." (1: 1)، فغالبًا لم تُكتَب من أجل اليهود الذين تشتتوا عن وطنهم، بل من أجل جميع المؤمنين، ايًا كان أصلهم، وقد عانوا التشتت بسبب إيمانهم، إذ واضح إنه يُحَدِّث أيضًا مؤمنين من أصل أممي (5: 14، 18؛ 2: 10؛ 4: 3). فالتغرُّب والتشتيت هنا يشير إلى كل مؤمن يشعر بتغرُّبه عن موطنه السماوي (في 3: 20). إنها رسالة موجهة إلى كل إنسان متألم في غربته!

كاتب الرسالة.

1. أجمع مؤرخو الكنيسة وقديسوها أن كاتبها القديس بطرس الرسول.

2. القديس إيريناؤس هو أول من اقتبس منها ذكر اسم الرسول بطرس، غير أننا نجد مقتطفات منها أو ما يناظرها في كتابات آباء سابقين له من القرن الأول، وأيضًا آباء لاحقين؛ مثلما جاء في رسالة برنابا[1]، وكتابات القديس إكليمنضس أسقف روما[2]، وكتاب الراعي لهرماس[3]، وكتابات القديس بوليكربوس الشهيد.

3. أشار إليها القديس إكليمنضس السكندري والعلامة ترتليان، كما ذكر المؤرخ يوسابيوس أن رسالة بطرس الرسول من الكتب التي تقبلتها الكنيسة دون أدنى شك.

4. تتفق الرسالة مع أسلوب عظات الرسول الواردة في سفر الأعمال مثال:

أولاً: أشار إلى الله كديان يحكم بغير محاباة (١: ٧ مع أع ١٠: ٣٤).

ثانيًا: يهتم بالحديث عن الآب الذي أقام المسيح (١: ٢١ مع أع ٢: ٣٢، ٣: ١٥، ١٠: ٤٠).

ثالثا: إعلانه عن السيد المسيح بكونه رأس الزاوية (٢: ٧ مع أع ٤: ١١).

لمن كُتِبَت؟

1. كتبت إلى المؤمنين المتغربين من شتات بُنتُس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينية (١: ١)، وهذه جميعها تقع في آسيا الصغرى.

2. يوجد رأي ينادي بأن الرسول لم يقصد بهذه الأسماء المقاطعات بحسب حدودها الجغرافية الرسمية، فمثلا بنتس كانت ضمن مقاطعة غلاطية حتى سنة ٦٣م. وفريجية التي تشمل جزءًا كبيرًا وسط آسيا الصغرى لم تذكر بين هذه المقاطعات وقد كان غير ممكن لحامل الرسالة أن يجتاز من كبدوكية إلى آسيا دون أن يمر بفريجية، ولهذا فإنه من غير الممكن أن لا نُدخِل مسيحيّي مقاطعة فريجية ضمن قراء هذه الرسالة خاصة وأن عددهم كان كبيرًا (أع ١٨: ٢٣) لهذا فإن هذه الأسماء تؤخذ بمعنى أوسع أي يقصد بها كل آسيا الصغرى[4].

3. كان في يوم الخمسين من يمثل بنتس وكبدوكية وآسيا (أع ٢: ٩).

4. بُنتُس: تقع بالقرب من بحر القزم، وهي مسقط أكيلا. وإذ بدأ الرسول بها لذلك لقب العلامة ترتليان والشهيد كبريانوس والقديس چيروم هذه الرسالة بالرسالة البنطية أو الرسالة إلى أهل بنتس.

5. كبدوكية: وهي تميل إلى غرب بنتس.

6. آسيا: ويقصد بها مقاطعة آسيا التابعة لآسيا الصغرى، وهي موطن أكيلا المختار (أع ١٨: ٢).

7. بيثينية: بالقرب من بنتس من جهة القسطنطينية.

زمان ومكان كتابتها.

يرجح أنها كتبت ما بين سنة ٦٣، ٦٧ م أثناء اضطهاد نيرون (٥٤ – ٦٨ م).

كتبت من بابل (5: ١٣) وقد اختلفت الآراء في تحديد مدينة بابل:

1. يكاد يجمع الرأي أنها ليست بابل التي على نهر الفرات إذ كانت خربة، كما لم يذكر التقليد أن الرسول ذهب إليها، ويبعد جدًا أن يكون القديسان مرقس وسيلا هناك.

2. يدعي الكاثوليك أنها تشير إلى روما مستندين في ذلك إلى أن "بابل" الواردة في سفر الرؤيا تشير إلى روما، لكن ليس هناك ما يسند هذا الرأي بل ما ينقضه:

أولاً: ما الداعي لعدم ذكر الرسول اسم روما صراحةً؟

ثانيًا: ثابت تاريخيًا أن الرسول بطرس لم يصل روما قبل استشهاده بها بفترة طويلة كافية لإرسال رسالتين.

ثالثًا: ترتيب الولايات كما جاء في الرسالة من الشرق إلى الغرب مما يؤيد أن الرسالة كُتبت من مكان ما بالشرق.

3. الرأي الأرجح أن بابل هي "بابلون" أي مصر القديمة. وقد كانت قبلاً موطنًا لجماعة من اليهود ومقر عسكر روماني لا تزال آثاره قائمة إلى يومنا هذا.

وهذا الرأي تسنده التقاليد التاريخية التي تقول بأن القديس مرقس الرسول قدم إلى مصر حوالي سنة ٦١ أو ٦٢م.

خصائص الرسالة.

1. امتازت بكثرة التشابه بينها وبين ما ورد في بعض رسائل بولس الرسول وخاصة الرسالة إلى أفسس[5]، والرسالة إلى أهل رومية[6]، والرسالة إلى أهل غلاطية[7]، والرسالة إلى تيطس[8]... ونجد تشابهًا بينها وبين الرسالة إلى العبرانيين على نطاق واسع، إذ نجد كثيرًا من الألفاظ وردت في الرسالتين دون غيرهما من أسفار العهد الجديد[9].

2. اقتبست الرسالة الكثير من العهد القديم، وذلك لأنه رسول الختان.

3. كثرة الإشارة إلى أقوال السيد المسيح، لأنه كان شاهد عيان لما رأي وسمع من الرب نفسه.

غاية الرسالة.

1. تشجيع المؤمنين لقبول الألم. وتعتبر هذه الرسالة من رسائل التعزيّة الرائعة، ولا يخلو أصحاح من الحديث عنه.

2. الكشف عن الحياة المقدسة العمليّة والعلاقات المتبادلة في العائلة والمجتمع والكنيسة خلال الإيمان بربنا يسوع المتألم.

اعتراضات على كاتب الرسالة والرد عليها.

تحدثنا عن الجانب الإيجابي الذي يؤكد أن الرسالة من وضع القديس بطرس الرسول، غير أن بعض النقاد قدموا اعتراضات على الكاتب، وقد قدم الدارسون ردًا عليها:

أولاً: من الجانب اللغوي: لم يكن القديس بطرس رجلاً أميًا، لكنه في نفس الوقت ليس ذا ثقافة عالية، فقد كان صيادًا (مر 1: 16؛ لو 5: 2 - 3، يو 21: 3)، جاء من بيت صيدا بالجليل (يو 1: 44)، قيل عنه هو ويوحنا أمام مجمع السنهدرين "إنهما إنسانان عديما العلم وعاميان" (أع 4: 13). مع هذا فإن الرسالة تضم أجمل وأروع ما كُتب في العهد الجديد من جهة اللغة اليونانية[10]، فالفكر متقدم والعبارات سهلة وجذابة، تستخدم عبارات فنيّة رائعة كما في (3: 21)، تكشف عن غنى عظيم في المفردات، إذ بها 60 كلمة يونانيّة لم توجد في بقية أسفار العهد الجديد، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن أن تكون قد كُتبت أولاً بالآرامية، اللغة اليوميّة لشعب فلسطين في أيام السيد المسيح، ثم ترجمت إلى اليونانيّة، لأنها تحوي اقتباسات من العهد القديم مقتطفة مباشرة من الترجمة السبعينيّة[11].

يرى[12] R. knoph أن لوقا وكاتب الرسالة إلى العبرانيّين وحدهما يمكن مقارنتهما بكاتب هذه الرسالة من جهة الطابع اليوناني.

أسلوبها اليوناني أكثر سلاسة من أسلوب القديس بولس وأعلى من أن تكون للقديس بطرس[13].

والآن نقدم في اختصار الرد على هذه الاعتراضات:

1. من جهة اللغة والثقافة اليونانيّة، فكما سبق أن قلت في مقدمة الإنجيل بحسب يوحنا إن اليهود اعتادوا أن تكون لهم حرفة، مهما بلغت ثقافتهم أو غناهم، فكان شاول الطرسوسي ضليعًا في المعرفة وله مكانته الاجتماعيّة والدينيّة وفي نفس الوقت يمارس حرفة الخيام، هكذا أيضًا سمعان بطرس وإن كان صياد سمك، فهذا لا يعني أنه ليس بذي ثقافة يونانيّة عالية، خاصة وأن موطنه هو بيت صيدا، قرية على الجانب الشرقي من الأردن ليست ببعيدة عن بحيرة جنيسارت؛ المنطقة يهوديّة لكنها تحمل طابعًا عالميًا. لهذا نجد أخاه أندراوس وأيضًا فيلبس من بيت صيدا (يو 1: 44، 12: 21) يحملان اسمين يونانيين. كل من نشأ في بيت صيدا، يفهم اليونانيّة وله معرفة بالثقافة الهيلينيّة[14].

2. يركز كثير من الدارسين على عبارة الرسول: "بيد سلوانس الأخ الأمين كما أظن كتبت إليكم بكلمات قليلة..." (5: 12)، متسائلين ما هو الدور الحقيقي لسلوانس الذي يدعى سيلا، ويُحسب نبيًا ورافق القديس بولس في كرازته (أع 15 - 18)؟

يرى البعض أنه لم يكن كاتبًا للقديس بطرس وسكرتيرًا له فحسب، كما كان أيضًا بالنسبة للقديس بولس، وإنما ككارز وخادم له دوره الحيوي في الكنيسة، ساهم مع القديس بطرس في الرسالة، من جهة اللغة وأيضًا في الفكر. وربما كان يمثل حلقة اتصال في الفكر بين الرسولين، لذا جاءت الرسالة متقاربة مع بعض رسائل القديس بولس.

يرى بعض النقاد أن سيلا أو سلوانس كان مسيحيًا من أورشليم ذا ثقافة هيلينيّة عالية، لذا كان له دوره الرئيسي كحلقة اتصال بين الرسل والناطقين باليونانيّة. هذا واضح من اختياره مع يهوذا الملقب برسابا للذهاب إلى أنطاكية وسوريا وكيليكيّة يترجم للكنائس ما نطق بها القديس يعقوب في مجمع أورشليم (15: 22 الخ.).

ثانيًا: من الجانب التعليمي أو اللاهوتي: يعترض البعض على الكاتب، بالقول إنه لو كان الكاتب هو القديس بطرس الذي عاش قريبًا جدًا من السيد المسيح لما كتب بعبارات لاهوتيّة وإنما لسجل لنا ما جمعه من السيد. حقًا لقد دعا نفسه "الشاهد لآلام المسيح" (5: 1)، لكنه لم يقدم تفاصيل للآلام.

الفكر اللاهوتي هنا، في رأي بعض النقاد، إنه أقرب إلى مدرسة القديس بولس منه إلى القديس بطرس، لذا يرون إنه يمكن أن تكون من وضع أحد تلاميذ بولس وليس القديس بطرس. يرى[15] F. W. Beare أن للكاتب فكرًا خاصًا به يختلف عن فكر القديس بولس لكنه تشكل خلال كتابات بولس كتلميذ له.

ويرد على ذلك بالآتي:

1. بالنسبة للاعتراض على نسبتها للرسول بحجة أنه لم يكتب ذكرياته أو ما جمعه عن أعمال السيد المسيح الشخصيّة، فإن كثير من الدارسين يجدون في هذا الاعتراض ما يحمل العكس، أي يحمل التأييد لنسبتها للرسول الذي كان الإنجيل واضحًا نصب عينيه، إذ هو يهتم كيف يدخل بالمؤمنين إلى الحياة المُقامة في المسيح يسوع، ويلهب قلوب المتألمين بالتطلع نحو مجيء المسيح الأخير لا إلى تقديم ذكريات شخصيّة.

2. أما بالنسبة إلى ما تحمله الرسالة من فكر مقارب لمدرسة القديس بولس الرسول، فنود أولاً تأكيد جانبين هامين: الأول عدم تجاهل دور الروح القدس في الوحي الإلهي الذي يهب للكتاب المقدس كله وحدة واحدة. فإن كان لكل كاتب سماته الخاصة التي تميزه، لكن الروح واحد. كما يقول الرسول بطرس: "عالمين هذا أولاً أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسانٍ بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 20 - 21). ثانيًا، أنه وإن تمايز القديسان بطرس وبولس في تقديم الفكر اللاهوتي، فلا يعني هذا التمايز اختلافًا في الفكر، بل وحدة الفكر اللاهوتي الأصيل، مع تقديمه بطريقة متمايزة حسب مواهب كل رسول وحسب احتياجات السامعين. وحدة الفكر تقوم على أساس الوحدة في جسد المسيح الواحد خلال عمل الروح القدس الواحد، وتبني التسليم الواحد المُسَلَّم مرة للقديسين.

هذا ولا ننكر أن شركة الحب العامل بين الرسل، ولقاءاتهم المستمرة في المسيح يسوع قد أعطت تفاعلاً فيما بينهم، فيتأثر كل منهم بأخيه، مع وجود القاعدة الإيمانيّة الأساسيّة الثابتة. ففي الرسالة إلى أهل غلاطية يتحدث القديس بولس بكل وضوح: "ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضًا إلى أورشليم... صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً" (غلا 2: 1 - 2). وفي نفس الوقت يقول: "ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملومًا" (غل 2: 11).

هذا ويرى[16] J. W. C. Wand في الرسالة غياب التعاليم البولسيّة مثل التبرير، والناموس، وآدم الجديد، والجسد؛ مع ظهور الملامح الخاصة بفكر القديس بطرس بوضوح مثل فيض الاقتباسات من العهد القديم، والشعور الكنسي والتاريخي، والشعور بالسيد المسيح. إن كان لا يمكن وضع الفكر اللاهوتي الخاص بالقديس بطرس بطريقة علميّة معينة، لكنه متمايز عن الفكر البولسي[17]. فمن ملامح الرسالة الرئيسيّة انطباع قيامة السيد المسيح، التي تلامس معها القديس بطرس، على كل رسالة، خاصة في التعليم بنزول السيد المسيح إلى الجحيم (السجن) ليكرز للأموات مبشرًا إياهم بتحقيق ما ماتوا عنه على الرجاء (3: 19).

ثالثًا: من الجانب التاريخي يعترض البعض كيف يمكن أن يكون الكاتب هو بطرس الرسول، بينما يحدث الكاتب المسيحيّين المُضطهدين (1: 6؛ 2: 12، 15؛ 4: 12، 14 - 16؛ 5: 8 - 9)، بكونهم مُضطهدين من أجل اسم المسيح. هذا يفترض أن المسيحيّة في ذلك الوقت كانت تُحسب جريمة في ذاتها يُعاقب عليها رسميًا، وأن الأمر ليس مجرد ضيق فردي أو من جماعات غير مسئولة. ويرى بعض النقاد من الجانب التاريخي إنه وإن كان الاضطهاد النيروني قد أثُير ضد المسيحيّين في روما، فإن هذا الاضطهاد في نظرهم لم يمتد إلى البلاد المذكورة في هذه الرسالة (بنطس، غلاطية، كبادوكية، آسيا، بيثينيّة)، لهذا فإن هذه الرسالة، في نظر هؤلاء النقاد، كُتبت إما في أثناء اضطهاد دومتيان أو تراجان بينما استشهد القديس بطرس مبكرًا في عهد نيرون.

يؤيد ذلك، غي نظر الناقدين، التقارب بين ما جاء في هذه الرسالة وما جاء في رسالة بليني Pliny للإمبراطور تراجان[18].

يُرد على ذلك بالآتي:

1. من جهة افتراض أن الاضطهادَ المذكور في الرسالة هو اضطهادٌ شامل ورسمي لا يناسب عهد نيرون بل دوميتان، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، لأنه وإن وُجد استشهاد لعدد قليل من المسيحيّين في روما مثل فلافيوس كليمندس ودوميتلا في عهد دوميتان، إلاّ أنه لا يوجد دليل قاطع على قيام اضطهاد شامل في المقاطعات المذكورة في الرسالة، الأمر الذي يصعب معه اعتبار الكاتب معاصرًا لعهد دوميتان.

2. ليس من ضرورة تُلزم بأن الاضطهاد المذكور في الرسالة اضطهاد رسمي ضد المسيحيّين. فإن كان الرسول يذكر أنهم تألموا من أجل اسم المسيح (4: 14)، هذا لا يعني لأنهم يُدعون مسيحيّين، فإن المؤمنين منذ البداية يعتبرون كل ألم يصيبهم هو من أجل اسم المسيح. هذا بالإضافة إلى أن اسم "مسيحيين" لم يكن قد انتشر بعد في هذه المقاطعات.

3. لا يمكن قبول نظريّة بعض النقاد بأن هذه الرسالة كُتبت في عهد تراجان، بسبب التشابه بينها وبين مراسلات بليني الوالي للإمبراطور والتي يكشف عن وضع المسيحيّين، وذلك للأسباب التالية:

أ. ما جاء في بليني لا يكشف عن اضطهاد شامل في كل موضع، أما ما جاء في الرسالة هنا (5: 9) فيعلن عن ضيق يحل بالمسيحيّين أينما وجدوا.

ب. ما جاء في بليني يظهر أن ما يحل بالمسيحيّين ليس بالأمر الجديد، لكنه عمل ممتد من الماضي، أما ما جاء في رسالة القديس بطرس فيظهر كخبرة جديدة (4: 12).

4. ليس ما يمنع من قبول أن الاضطهاد المذكور في الرسالة كان في عهد نيرون، فإن كان ليس هناك من دليل على امتداد الاضطهاد في كل المقاطعات، لكن العلامة ترتليان يقدم لنا تقريرًا عن الـ "Institutum Neronianum" جاء فيه أن المسيحيّين لا يحميهم القانون[19]، (وإن كنا لا نجد ما يؤكد ذلك). على أي الأحوال، بلا شك كانت المقاطعات المذكورة في الرسالة على علاقة بالعاصمة روما، وما حلّ بالمسيحيّين في روما قد بلغ هذه المقاطعات، وكان له أثره على التعامل مع المسيحيّين في كل موضع، بالرغم من عدم صدور منشور رسمي بالاضطهاد. ما جاء في الرسالة لا ينفي قبول هذه النظريّة[20].

5. هل من ضرورة تلزم بأن ما جاء في الرسالة يعني اضطهادًا رسميًا من الدولة الرومانيّة؟ ما جاء في الجزء الأول من الرسالة يتحدث عن الآلام بصفة عامة (1: 6، 7؛ 3: 13 - 17) أما ما ورد في نهاية الرسالة فيكشف عن مقاومة شديدة وضيقة مرّة حلت بهم، إذ يقول: "أيها الأحباء لا تسغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب" (4: 12). غير أن هذا لا يعني بالضرورة دخولهم تحت ضيق الاستشهاد بسفك دمهم بأمر إمبراطوري، إنما هو انعكاس لنظرة المواطنين إليهم بطريقة ممقوتة.

لعل قوله "البلوى المحرقة" يشير إلى ما كان يفعله نيرون حيث استخدام المسيحيّين كمشاعل في الطرق بحرقهم بالنار، وربمًا يعني رمزيًا الضيق المرّ الذي يجعل الإنسان كمن يحترق.

رابعًا: في قول الرسول: "الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ". ما جعل البعض يتشكك في أن يكون الكاتب هو بطرس الرسول، خاصة أن القديس بطرس لم يشاهد آلام السيد المسيح بينما يقول هنا "والشاهد لآلام المسيح"، فيرد على ذلك بالآتي:

1. إن كلمة "شيوخ" في اليونانية "presbyteroi" وتعني "كهنة" أيُا كانت درجتهم (أساقفة أو قسوس أو شمامسة)؛ والقديس بطرس وهو رسول يحمل "الكهنوت". كان هذا اللقب يطلق على الرسل حتى أيام بابياس[21]، فلا يعني في الكنيسة الأولى لقبًا أقل. لهذا يدعو الرسول يوحنا نفسه الشيخ "presbyteros" (2 يو 1، 3 يو 1).

2. يرى H. Windish أن الرسول بطرس تحدث هكذا كواحدٍ بين الشيوخ بروح التواضع، غير مميزٍ نفسه عنهم، ويرى Selwyn أن الرسول بطرس كتب هذا تعاطفًا مع قارئيه.

3. إن كان الرسول بطرس لم يعاين كل آلام السيد، لكنه هو شاهد لها بمعاينته نصيبًا منها.

أقسام الرسالة.

1. الخلاص والآلام الأصحاح الأول.

2. علاقتنا بالمسيح صخرتنا الأصحاح الثاني.

3. علاقاتنا الاجتماعية في الرب يسوع الأصحاح الثاني.

4. علاقاتنا العائلية في الرب يسوع الأصحاح الثالث.

5. علاقاتنا بالمضايقين في الرب يسوع الأصحاح الثالث.

6. الضيق وحياة القداسة الأصحاح الرابع.

7. علاقاتنا الكنسية في الرب يسوع الأصحاح الخامس.

الأصحاح الأول

الخلاص والآلام.

1. تحية افتتاحية ١.

2. عمل الله الخلاصي.

أولاً: حب الثالوث لنا ٢.

ثانيًا: عطايا الله الجديدة ٣ – ٥.

3. موقفنا تجاه الخلاص.

أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة ٦ – ١٢.

ثانيًا: الجهاد والعمل ١٣ – 25.

١. تحية افتتاحية

"بطرس رسول يسوع المسيح إلى المتغربين.

من شتات بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينيية "[1].

"بطرس" وهو الاسم الذي دعاه به الرب (يو ١: ٤٢)، ويسمى بالسريانية "صفا" أو "كيفا"، ومعناه "صخرة"، إشارة إلى الإيمان الذي نطق به من جهة الرب يسوع.

"رسول يسوع المسيح" وهنا يدعو نفسه رسولاً، أي أحد الإثني عشر، وليس برئيس عليهم بل واحدًا منهم.

"إلى المتغربين من شتات بنتس وغلاطية..." وقد سبق لنا الحديث عن هذه البلاد. وهنا يدعوهم بالمتغربين والمشتتين، وهذا يتناسب مع روح الرسالة إذ هي موجهة إلى أناس متألمين. لا تقوم هذه الغربة على مجرد قصر الحياة الزمنية فحسب، لكن على ما هو أسمى وهو انتسابنا إلى ملكوت المسيح السماوي. وكما يقول الرسول، "فإن سيرتنا نحن في السماوات" (في ٣: ٢٠).

هذا الإحساس بالغربة النابع، لا عن نظرة تشاؤمية يائسة، بل نظرة مبهجة، وهو التعلق بالسماويات، هو الأساس لاحتمال الآلام بصبر ورفض الأرضيات، بل هو أساس حياتنا الروحية كلها.

وقد عرَّف القديس يوحنا الدرجي الغربة قائلاً: [الغربة تعني أننا نترك إلى الأبد كل ما في أرضنا من أمر زمني يعوقنا عن الوصول إلى غاية الحياة الروحية. الغربة هي سلوك متواضع... حكمة خفية... فطنة لا يعرفها الأكثرية... حياة مستترة... هدف غير منظور... تأمل غير مرئي... اشتياق للتواضع... رغبة في الألم... عزيمة دائمة على محبة الله... كثرة إحسان... نبذ المجد الباطل... صمت عميق[22].].

الغربة هي انطلاقة بالنفس البشرية بكل طاقاتها لتعبر فوق كل الآلام والأتعاب لتهيم في حب الثالوث القدوس.

٢. عمل الله الخلاصي

أولاً: حب الثالوث لنا

لما كانت الرسالة تدور حول "الألم في حياة المؤمن" فكان لِزامًا على الرسول أن يبدأ حديثه بالخلاص الذي يقدمه لنا الثالوث القدوس في حب لا ينطق به، لأن اكتشاف الإنسان لمحبة الله الباذلة هو الدافع القوي لاحتمال الآلام برضا، لذلك حدثنا عن:

1. حب الآب المُعلَن في اختياره للإنسان.

2. حب الروح القدس المُعلَن في تقديسنا للطاعة.

3. حب الابن المُعلَن على الصليب.

1. اختيار الآب لنا.

"(إلى) المختارين بمقتضى علم الله السابق في تقديس الروح للطاعة.

ورش دم يسوع المسيح "[2].

أعلن الله حبه للإنسان باختيارنا للملكوت. هذا الاختيار فهمه اليهود المتعصبون فهمًا خاطئًا، إذ حسبوه قائمًا على محاباة الله لشعبٍ معينٍ أو جنس معين وإلزامهم بالسلوك في طريقه، لهذا التزم رسول الختان أن يتحدث عن اختيار الآب لنا إذ أوضح:

1. أن الاختيار قائم "بمقتضى علم الله السابق"، هذا العلم غير الإرادة. فمن جهة الإرادة يود أن الجميع يخلصون، لكن بسابق علمه يعرف الذين يقبلونه ويؤمنون به ويثبتون فيه. وكما يقول الرسول: "لأن الذين سبق فغينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه" (رو ٨: ٢٩). على الصليب فتح الابن يديه معلنًا دعوة الآب لكل البشرية. لكن الآب يعرف الذين يتبعونه ويسلكون في وصاياه كما يعرف الابن خرافه (يو ١٠: ١٤).

2. يقول القديس أغسطينوس بأن الرسول يدعو المؤمنين مختارين، ليس لأن جميعهم يثبتون في الاختيار إلى النهاية، لكن من قبيل أن المختارين هم بين صفوف المؤمنين.

3. الاختيار هنا ليس فيه حرمان للإنسان حريته وقسره على سلوك معين، بل هو "في تقديس الروح للطاعة"، أي في الخاضعين لعمل روح الرب، السالكين في الطاعة.

وقد عالج القديس أغسطينوس هذا الموضوع فقال:

[يقول القديس بولس عن فليمون: "الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل، ولكن بدون رأيك لم أشاء أن أفعل شيئًا، لكي لا يكون خيرك على سبيل الاضطرار بل على سبيل الاختيار". وجاء في سفر التثنية "أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، الموت والشر... فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك" (٣٠: ١٥، ١٩). وأيضًا في سفر ابن سيراخ: "هو صنع الإنسان في البدء وتركه في يد اختياره... فإن شئت حفظت الوصايا ووفيت مرضاته. وعرض لك النار والماء فتمد يدك إلى ما شئت" (سي ١٥: ١٤، ١٧). هكذا أيضًا نقرأ في سفر إشعياء "إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم" (١: ١٩ - ٢٠)... فإننا لا نبلغ إلى الغاية بغير إرادتنا، ولكن لا نستطيع أن نكمل الغاية ما لم ننل المعونة الإلهيّة[23].].

2. تقديس الروح للطاعة.

الآب يحبنا فاختارنا له، والروح القدس يحبنا بذات حب الآب لأنه روح الآب، وعمله أن يقدسنا للطاعة. فالإنسان لا يقدر بذاته أن يتقدس، ولا يقدر بذاته أن يجاهد، لذلك وهبنا الله روحه معينًا لنا. فخلال سرّي المعمودية والميرون سكن فينا روح الله وصرنا مُفرزين له. وخلال سر التوبة والاعتراف تغفر لنا خطايانا. وخلال سر الإفخارستيا نثبت في الله. كما يقدم لنا الروح أعماله التقوية من محبة وفرح وسلام ووداعة... بهذا كله يقدسنا الروح ويعيننا على الطاعة والمثابرة[24].

3. "ورش دم يسوع المسيح".

حب الله في اختياره لنا وتقديسه حياتنا كلفة ثمنًا هذا مقداره! دم يسوع المسيح كفارة عن خطايانا وشفاءً لأمراض نفوسنا وعهدًا للشركة معه! أمام هذا الحب العملي الباذل نخجل أن نتذمر من جهة الآلام أو نشكو من ضيقات أو نخاف من الموت!

"لتكثر لكم النعمة والسلام".

إذ قدم لنا كل إمكانية إلهيّة، إذ دفع الثمن ووهبنا روحه معينًا في الجهاد، لذلك فهو يفيض علينا بالنعم والسلام.

1. النعمة: أي نعمه المجانيّة وبركاته الإلهيّة التي تملأ القلب سلامًا.

2. السلام: وهو يقوم على نعمة الله، فتدرك النفس مصالحتها مع الله مصدر سلامها وسعادتها، فتهيم معه في شركة حب وتسمو فوق كل الآلام. وهذا يعكس أيضًا سلامًا مع الغير حتى المضايقين لنا، لأن الداخل قوي وثابت فلا يضطرب الخارج[25]!

ثانيًا: عطايا الله الجديدة

يرسم لنا الرسول عظمة عطاياه المجانية التي نتمتع بها باستحقاقات الدم، فيقول "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية" [3].

لك البركة أيها الآب إذ قدمت لنا برحمتك الغنية أثمن عطية... وهبتنا ميلادًا جديدًا بالمعمودية! هذا الميلاد الذي على أساسه تبني كل عبادتنا لك!

إذ وهبتنا:

1. الميلاد الجديد به نُزِعنا من الزيتونة البرية وطُعمنا في الزيتونة الجديدة (رو ١١: ٢4)، صُلب إنساننا العتيق ووهبنا أن نكون خلقة جديدة (٢ كو ٥: ١٧) "لا بأعمال برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي ٣: ٥).

وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [عندما نغطس في جرن المعمودية، فبفضل صلاح الله الآب وبنعمة روحه القدوس نتعرى من خطايانا، إذ نتخلص من إنساننا العتيق، ونتجدد، ونُختم بقوته لملكيته الخاصة. ولكن عندما نخرج من جرن المعمودية نلبس المسيح مخلصنا كثوبٍ لا يبلى، مستحقًا لكرامة الروح القدس عينها، الروح القدس الذي جددنا ودفعنا بختمه[26].].

2. الرجاء الجديد: إذ يكمل الرسول قائلاً: "لرجاءٍ حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات" [4].

كانت الأنظار، في العهد القديم، تتركز حول أرض الموعد والبركات الزمنية كرمز لأورشليم السمائية والبركات الأبدية، مع تلميح بالأمور الأبديّة قدر ما تستطيع أعينهم أن ترى. أما الآن بعد أن صار لنا الميلاد الذي من أب سماوي وأم سماوية (الكنيسة) فإنه لا يليق بنا أن يكون لنا رجاء في الزمنيات.

هذا الرجاء الجديد يقوم على قيامة الرب من بين الأموات، إذ صار لنا نحن أعضاء جسده السري أن نخلع كل رجاء زمني متطلعين برجاء حي تجاه ميراث أبدي. إنه رجاء حي لأنه ينبع من قلب حي يفيض على الدوام بحياة حب لا ينضب!

3. الميراث الأبدي: المولود من الجسد ينتظر ميراثًا ماديًا. والمولود من الروح يتعلق قلبه بميراث روحي. "فإن كنا أولادًا فإننا ورثةً أيضًا، ورثة الله ووارثون المسيح" (رو ٨: ١٧)... وما هي سمات هذا الميراث الروحي؟

"لميراث لا يفنى" لأنه ليس ميراثًا أرضيًا، بل سماويً.

"ولا يتدنس"، إذ يختلف عن الميراث الأرضي الذي يمكن أن يُغتصب بالخداع أو الاختلاس، كما يمكن أن يتبدد بالإسراف الشرير.

"ولا يضمحل"، إذ لا يزول جماله ولا يفقد بهاءه.

"محفوظ في السماوات لأجلكم"، إذ هو موضوع عناية الله وحراسته، يحفظه لأجلكم أي لأجل كل إنسان. فلا نيأس قط لأنه هيأ السماوات من أجلنا بالرغم مما بلغناه من انحطاط.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظروا إلى طبيعتنا كيف انحطت ثم ارتفعت؟ فإنه ما كان يمكن النزول أكثر مما هوى إليه الإنسان، ولا يمكن الصعود إلى أكثر مما ارتفع إليه المسيح (ورفعنا معه). اليوم (يوم صعود الرب) ارتفعت طبيعتنا فوق كل خليقة[27]!].

4. قوة جديدة: "أنتم الذين بقوة الله محروسون، بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير" [5]. اليد الإلهية التي تحفظ الميراث هي التي تحرسنا نحن مهيئين للميراث، إذ تقدم لنا كل إمكانية لأجل تقديسنا للعرس السماوي الذي يُعلن يوم الرب العظيم.

٣. موقفنا تجاه الخلاص

أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة

يقدم الله كل إمكانية إلهية لأجل خلاصنا، لكننا لن نتمتع بالسير في طريق الخلاص بغير اشتراكنا بالإرادة (النية) والعمل. هذه المشاركة من جانبنا لا تقلل من عمل الله الخلاصي، أو تنفي عنه مجانيته أو تدفع بنا إلى البرّ الذاتي. لأننا نؤمن أن إيماننا ورجاءنا ومحبتنا وأعمالنا رغم ضروريتها، إذ بدونها نحرم من الخلاص، إلاَّ أنها ليست من ذواتنا. لكنها هبة من الله يقدمها للمثابرين والمغتصبين، مبنية على استحقاقات دم المسيح.

فلا تبرير لإنسان بغير الإيمان والرجاء والمحبة (أعمال المحبة)، ولا انتفاع بأعمال الله القوية من أجل خلاصنا بدونها. فما هو التزامنا نحن؟

1. الإيمان: "الذي به تبتهجون، مع أنكم الآن إن كان يجب تُحزَنون يسيرًا بتجارب متنوعة. لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني، مع أنه يمتحن بالنار" [6 - 7].

وإذ يتكلم الرسول عن واجبنا أو موقفنا تجاه خلاصنا الثمين يطالبنا بالإيمان العملي:

أ. حياة مملوءة بهجة: فالإيمان بالرب الفادي يُشعل في النفس بهجة لا تطفئها الآلام أو التجارب أو أي ظرف خارجي. لنفرح ولنبتهج مع أمنا العذراء قائلين: "تبتهج نفسي بالله مخلصي". ولنقل مع المرتل في توبته: "رُد لي بهجة خلاصك".

ب. حياة مملوءة تجارب: "إن كان يجب تُحزَنون" أي أن التجارب ليست أمرًا ثانويًا في حياة المؤمن بل إلزاميّة، خلالها يشترك مع الرب المتألم. ولا يتعرض لتجربة أو اثنتين بل لتجاربٍ متنوعةٍ، حاملاً الصليب مثل سمعان القيرواني مع ربنا يسوع. هذه الآلام يسيرة من حيث أن زمان غربتنا مهما بلغ فهو قليل بالنسبة للأبديّة. هذا الاحتمال يزكي إيماننا، وإن كنا نناله بالجهاد من يدي النعمة الإلهيّة. لهذا فاحتمالنا هذا لا ينفي مجانية الخلاص، ولا يبعث فينا الشعور بفضلٍ إلاَّ فضل الله.

2. الرجاء: "توجد للمدح والكرامة والمجد، عند استعلان يسوع المسيح" [7].

يسند الرجاء المؤمن في التجارب، إذ يرفع أنظاره إلى يوم الرب العظيم ليرى:

أ. المدح من الرب من أجل صبره إلى المنتهى "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص".

ب. الكرامة أمام إخوته المشاركين معه في أورشليم السماوية.

ج. المجد: إذ استحق أن يكون متحدًا بعريس هكذا سماوي ومجيد!

3. المحبة: "الذي إن لم تروه تحبونه، ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن، لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرحٍ لا يُنطق به ومجيد" [8]. إن كنا لا نرى ما سنكون عليه وما سيكون لنا، لكننا نؤمن مترجين المجد الأبدي، لهذا نحب الله فرحين مبتهجين بعمله معنا.

نحب استعلان يسوع المسيح حيث يحمل جسدنا الفاسد عدم فساد، وترى النفس عريسها وجهًا لوجه. هذا هو غاية إيماننا "خلاص النفوس".

وكما يقول القديس أغسطينوس:

[يقول الرسول بولس أيضًا أننا نخلص بغسل الميلاد الجديد، ومع ذلك يعلن في موضع آخر: "لأننا بالرجاء خلصنا. ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر" (رو ٨: ٢٤ - ٢٥). وبهدف مشابه أيضًا يقول زميله في الرسولية بطرس "الذي وإن لم ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبهجون بفرحٍ لا ينطق به ومجيد، نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس" [9]. فإن كان الآن هو وقت الإيمان، وجزاء الإيمان هو خلاص نفوسنا، هذا الإيمان الذي فيه نعمل بالمحبة (غل ٥: ١٦) فمن يشك أنه سيأتي اليوم إلى نهاية. وفي نهايته ننال الجزاء ليس فقط خلاص أجسادنا الذي تحدث عنه بولس الرسول (رو ٨: ٢٣) بل ونفوسنا أيضًا كما قال الرسول بطرس...

إن الزمن الحاضر سينتهي، لذلك فإن الأمر هنا متوقف على الرجاء أكثر منه على نوال المكافأة.

ولكن يلزمنا أن نتذكر هذا وهو أن إنساننا الداخلي، أي النفس، يتجدد يومًا فيومًا (٢ كو ٤: ١٦) ولهذا فإننا ونحن ننتظر الخلود الذي للجسد والخلاص الذي لنفوسنا في المستقبل، فإننا بالعربون الذي نناله هنا نقول أننا خلصنا. حتى أننا ننظر إلى معرفة كل الأمور التي سمعها الابن الوحيد من الآب كأمورٍ نرجو نوالها في المستقبل ولو أن السيد أعلنها كما لو وهبت لنا فعلاً.].

هذا الحب للسماوات والاشتياق للخلاص الأبدي هو:

أ. موضوع نبوة الأنبياء.

ب. موضوع كرازة الإنجيل.

ج. موضوع دهش السمائيّين.

أ. موضوع نبوة الأنبياء: بالحب اشتهوا الأبديّة، فوهبهم الروح القدس "روح المسيح" أن يتنبأوا عن الخلاص إذ يقول الرسول: "الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم، باحثين أي وقت أو ما الوقت الذين كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها" [10 - 11].

لقد فتشوا وبحثوا عنه... وهذا دليل الحب. فوهبهم روح المسيح أن يشهدوا للأبديّة (الأمجاد) مرتبطة بالآلام التي للمسيح، لأنه لا خلاص بدون سفك دم. لقد كان الصليب هو محور الرموز والنبوات. تعلق به الآباء والأنبياء بعدما رأوه من بعيد، إذ يقول الرب "إبراهيم أبوكم رأى يومي فتهلل".

رأوا الآلام بطريقة تفوق إدراكهم (دا ١٢: ٨ - ٩). وهنا يستخدم صيغة الجمع ليكشف الرسول عن شدتها وكثرتها، والأمجاد أيضًا بالجمع لأنه كلما كثرت الآلام تزداد الأمجاد. هنا تشويق خفي للنفس أن تحمل آلام المسيح ولا تستكثرها، لأنها تبغي أيضًا مشاركة أمجاد فائقة الوصف. وهذا هو مفهوم الحب الحقيقي.

ب. موضوع كرازة الإنجيل: إن كان الأنبياء خلال الظلال والنبوات أحبوا الرب واشتهوا أن يروا صليب الرب وأمجاده، فكم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحبه إن كان هذا كله من أجلنا نحن!

"الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم،.

بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أخبرتم بها أنتم الآن.

بواسطة الذين بشروكم في الروح القدس المُرسل من السماء ".

لقد جاء بنا ملء الزمان الذي به نُبَشَّر ونُبَشِّر بما اشتهى الأنبياء أن يسمعوه ويروه. هنا يقول الرسول عن الأنبياء "يخدمون بهذه الأمور"، أي لم تكن موضوع كبرياء لهم بل خدمة وتواضع.

ج. موضوع دهش السمائيّين "التي تشتهي الملائكة أن تطلع عليها" [١٢].

الحب من سمات الملائكة أيضًا، لذلك تشتهي أن تطلع على خلاص الإنسان، وشهوتهم هذه ليست من قبيل حب الاستطلاع لكن مشاركة للإنسان، واشتياقًا نحو توبته ورجوعه (لو ١٥: ١٠).

صنيع الرب معنا هو موضوع دهش الملائكة وتسبيحهم للخالق!

ثانيًا: الجهاد والعمل

إذ نتطلع إلى الخلاص الذي يقدمه لنا الله، ونؤمن به ونترجى الميراث ونحب الأبديّة ماذا نفعل؟

1. "لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين".

كأن الرسول يوقظ العروس الراحلة لملاقاة عريسها مكررًا لها النداء "اصحوا" ثلاث دفعات (4:

7، 5: 8) حتى تكون دائمة متهيئة لعريسها ممنطقة أحقاء ذهنها!

أ. أخذ الرسول هذا التشبيه مما كان يصنعه المسافرون، إذ كانت ملابسهم طويلة، فيشدوا أحقاءهم حتى لا تُعيقهم.

ب. وربما لأن الإنسان يقوم برفع أكمامه على ذراعيه (تشمير ساعديه) عندما يستغرق في تفكير عميق لأمر هام.

ج. أو لأن الصيادين اعتادوا أن يمنطقوا أحقاءهم عندما يغوصون في الماء حتى رُكَبهم.

إذن لنمنطق ذهننا بالبرّ ساهرين في حياة مقدسة متشبيهن بعريسنا. يقول البابا أثناسيوس الرسوليٍ: [لنمنطق أحقاء ذهننا متشبهين بمخلصنا يسوع المسيح الذي كتب عنه ويكون البرّ مِنطقة مَتنَيْهِ والأمانة مِنطقة حقويْه "(إش ١١: ٥) [28]ِ.].

2. "فالقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم، عند استعلان يسوع المسيح" [١٣].

السهر بغير رجاء يخور، لهذا يلزم أن يكون كل رجائنا مُنصبًا في المجد (النعمة) الذي يؤتى به إلينا عند ظهور ربنا.

ليكن الرب هو رجاءنا (١ تس ١: ٣)، وليكن ظهوره أمام أعيننا، لأنه ليس ببعيدٍ عنا بل يؤتى به إلينا، وفي النص اليوناني تعني أنه في الطريق إلينا لنناله. وليكن رجاؤنا في الأبديّة "بالتمام" أي بكمال ونضوج، لأنه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الرجاء بالتأكيد يشبه حبلاً قويًا مُدَلَّى من السماوات يُعين أرواحنا، رافعًا من يمسك به بثبات فوق هذا العالم وتجارب هذه الحياة الشريرة، فإن كان الإنسان ضعيفًا وترك هذا الهلب المقدس يسقط للحال ويختنق في هوة الشر[29].].

3. "كأولاد الطاعة، لا تشاكلوا شهواتكم السابقة في جهالتكم" [11].

لنتطلع إلى حقيقة مركزنا أننا أولاد الآب سماوي كلي الصلاح، فكأولاد مطيعين لا نعود بعد نَسْلك فيما كنا فيه أيام جهلنا. وكما يقول القديس أغسطينوس:

[لنا والدان ولدانا على الأرض للشقاء ثم نموت. ولكننا وجدنا والدين آخرين. فالله أبونا والكنيسة أمنا، ولدانا للحياة الأبديّة. لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا؟ لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا... وجدنا لنا أبًا في السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض. لأن من ينتسب لأبٍ كهذا عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه[30].].

وأي سلوك يليق بنا؟

"بل نظير القدوس الذي دعاكم،.

كونوا انتم قديسين في كل سيرة.

لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس.

وإن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد،.

فسيروا زمان غربتكم بخوف "[15 - 17].

أوضح لنا الرسول: ما هو سلوكنا؟ ومصدره ودافعه ومجالاته.

أ. سلوكنا هو القداسة أي حب السماويات وبغض الخطية.

ب. دافعه هو:

أولاً: أن نسير كما يليق بالدعوة التي دُعينا إليها.

ثانيًا: كأولاد للطاعة نخضع لإرادة الآب القدوس وكما يقول العلامة ترتليان: [إرادة الله قداستنا (١ تس ٤: ٣)، لأنه يريد منا نحن صورته، أن نكون على مثاله، لنكون قديسين كما هو قدوس (لا ١١: ٤٤) [31].].

ثالثًا: يضعنا الرسول أمام الدينونة كدافع لحياة القداسة والورع.

ج. مصدره: الله القدوس، وهو أبونا. وهذه هي كل المسيحية، أن ندرك أبوة الله لنا ونتمتع بها. هذه الأبوة لا تقوم على أساس المحاباة، بل مبنية على مراحم الله وعدله، إذ "يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد"، فلا نيأس لأنه أبونا، ولا نستهتر لأنه ديان. هو أب عادل وديان مملوء حنانًا. بهذا نزع رسول الختان الفكر اليهودي الخاطيء من جهة أن الله يحابي جنسهم على حساب البشرية وعلى حساب عدله.

د. مجالاته: "في كل سيرة"، وفي اليونانية تعني طريق الحياة أو السلوك، أي في كل تصرف: في الصمت كما في الكلام، في الأفكار الخفية كما في العمل الظاهر، ليكن كل ما هو فينا "قدس الرب".

4. التأمل في عظمة الخلاص.

إن كنا مُطالَبين بالسهر والرجاء والطاعة والقداسة والسير بخوف الله، هذه جميعها نحمل فيها أتعابًا وآلامًا نقبلها باختيارنا، وأما ما يدفعنا لهذا، فهو تأملنا المستمر في عظمة الخلاص إذ هو:

أ. ليس بفضة أو ذهب! د. يهبنا إمكانيّة التطهير.

ب. فداء أزلي! ه. أعطانا ميلادًا جديدًا.

ج. يُثَبِّت إيماننا ورجاءنا في الآب!

أ. ليس بفضة أو ذهب.

"عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب.

من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء.

بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح "[18 - ١٩].

كان يُدفَع فضة أو ذهب فدية عن أسرى الحرب أو للعتق من العبوديّة، أما الرب فلم يَدفع هذا أو ذاك ليفدينا من سيرتنا الباطلة التي أُسِرْنا فيها، بل قدم دمًا كريمًا، آلامًا وأتعابًا احتملها ابن الله، انتهت إلى عار الصليب!

قَدَّم دمًا كريمًا كما من حملٍ بلا عيب، والحمل هو أطهر البهائم (خر ١٢: ٥، تث ٢٨: ٣) لذلك كان حمل التقدمة إشارة للسيد المسيح القدوس الذي بلا شر (عب ٧: ٢٦، يو ١: ٢٩).

وكما يقول العلامة ترتليان: [قد اشتُريتم بثمن أي بالدم. قد نُزِعتُم من إمبراطورية الجسد لتمجدوا الرب في أجسادكم[32].].

التأمل في صليب الرب يُشوِّق النفس للآلام ويُزهِدها في غنى العالم، ويحثها على طلب الغنى الأبدي. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [صليب الرب هو حكمتي! موت الرب هو خلاصي! لأننا نخلص بدمه الثمين كقول الرسول بطرس[33].].

ويُحَدِّث القديس أمبروسيوس الأغنياء ليتأملوا هذا الثمن قائلاً:

[لا يظن أحد أنه قد دُفع عنه ثمن مختلف بسبب غناه. فالغنى في الكنيسة هو الغنى في الإيمان، إذ المؤمن له كل عالم الغنى. أي عجب في هذا إن كان المؤمن يملك ميراث المسيح الذي هو أثمن من العالم؟

لقد قيل للجميع، وليس للأغنياء وحدهم: فقد افتُديتم بدم كريم.

فإن أردتم أن تكونوا أغنياء أطيعوا القائل "كونوا أنتم قديسين في كل سيرة"...

إنه يقول "فسيروا زمان غربتكم بخوف"، وليس بترفٍ أو تنعمٍ ولا في كبرياءٍ بل "بخوفٍ".

إن لكم هنا على الأرض زمانًا ليس أبديًا، فاستخدموه كعابرين منه حتمًا[34]!].

ب. فداء أزلي.

"معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم،.

ولكن قد أُظهِر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم "[20].

لنتأمل محبته الأزليّة، فهذا العمل الفدائي ليس بجديدٍ، لكنه قبل أن يخلقنا، بل قبل تأسيس العالم، منذ الأزل خطة الله مدبرة تجاه الإنسان العاصي ليدفع عنه أجرة عصيانه.

هذا هو موضوع لذة المؤمنين الحقيقيّين أن يدركوا محبة الله الباذلة "من أجلهم هم"، فإن هذا يدفعهم لتقبيل الصليب، وحمله بسرورٍ بالرب يسوع.

ج. يثبت إيماننا ورجاءنا في الآب.

"أنتم الذين به تؤمنون بالله الذي أقامه من الأموات،.

وأعطاه مجدًا حتى أن إيمانكم ورجاءكم هما في الله "[21].

لعل الرسول خشى من البدعة التي نادى بها فيلون السكندري فيما بعد إذ نادى بوجود إلهين: إله العهد القديم قاسي، يعاقب الخطاة ويهلكهم. وإله العهد الجديد وديع ومترفق بهم. لهذا يؤكد الرسول أن ما قام به الابن إنما في طاعة للآب، فإيماننا ورجاؤنا بالمسيح هما في الله الآب، وليس منفصلاً عنه.

لقد أطاع المسيح الآب فـ "مع كونه ابنًا تعلم الطاعة مما تألم به" (عب ٥: 8)، مُسَلِّمًا الإرادة للآب. فأخلى ذاته وتجسد وتألم وقام، وأخذ المجد الذي له بإرادة الآب التي هي وإرادة الابن واحدة[35].

د. يهبنا إمكانيّة التطهير.

"طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح،.

للمحبة الأخوية العديمة الرياء،.

فأحبوا بعضكم بعضًا من قلبٍ طاهر] بشدة "[22].

لنتأمل عظمة هذا الخلاص إذ لا يسلب الإنسان حريته، بل طالبه بالعمل: "طهروا نفوسكم"، فلا خلاص لإنسان لا يُطَهِّر نفسه. هذا التطهير يتم بطاعة الحق بالروح، أي طاعة المسيح يسوع بالروح القدس.

فالطاعة هي بإرادتنا حيث نُخْضِع هذه الإرادة لإرادة المسيح فيعمل قصده فينا، والطاعة تستلزم الجهاد والعمل لكن سندنا في ذلك روحه القدوس!

هذه الطاعة تتلخص في حبنا الأخوي، لأن هذا هو قصد الرب يسوع، وهذه هي وصيته، لذلك يقول الرسول:

"للمحبة الأخوية"، حيث يتسع القلب لكل البشرية بلا تمييز أو محاباة.

"عديمة الرياء"، إذ لا تنبع عن دوافع مظهرية بل حب داخلي.

"من قلب طاهر"، قد تَطَهَّر بالروح القدس، وصار نقيًا في غاياته.

"بشدة"، لأنها على مثال حب المسيح الذي مات عنا.

ه. أعطانا ميلادًا جديدًا.

"مولودين ثانية لا من زرع يفنى،.

بل مما لا يفنى،.

بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد.

لأن كل جسد كعشب،.

وكل مجد إنسان كزهر عشب.

العشب يبس وزهره سقط.

وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد.

وهذه هي الكلمة التي بُشِّرْتُم بها "[23 - 25].

يركز الرسول حديثه على "الولادة الثانية".، لأن خلالها نتمتع بعظمة الخلاص، وخلالها يكون لنا حق الميراث، ونجتاز الآلام والأتعاب ببهجة قلب.

هنا يقارن بين الميلاد الروحي والميلاد الجسدي. فالميلاد الروحي من زرع لا يفنى، مصدره كلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد. ويعني بهذه الكلمة:

1. "اللوغوس[36]" أو الكلمة المتجسد إذ خلال صليبه ودفنه وقيامته صار لنا أن ندفن معه بالمعمودية ونقوم لابسين المسيح (غل ٣: ٢٧).

2. كلمة الكرازة "التي بشرتم بها" وهي تدور حول الصليب الذي بدونه ما كان الميلاد السماوي أن يقوم. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [لأن الماء بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ كما ألقى موسى النبي الخشب في تلك العين، هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب، فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة[37].].


[1] قارن رسالة برنابا ١: ٥ مع ١ بط ٩ – ٤: ١٢ مع ١: ١٧ – ٥: ١ مع ١: ٢ – ٥: ٦ مع ١: ١١ – ١٦: ١٠ مع ٢: ٥.

[2] قارن رسالة إكليمنضس أسقف روما (طبعة ١٩٦٨) ٧: ٤ مع ١ بط 3: 20 – ٩: ٤ مع ٣: ٢٠ – ٣٦: ٢ مع ٢: ٩ – ٣٠: ٢ مع ٥: ٥ – ٤٩: ٥٠ مع ٤: ٨.

[3] راجع كتاب الراعي لهرماس ٣: ٥، ٤: ٣، ٤.

[4] دراسات في رسالة بطرس الأولى للدكتور موريس تواضروس.

[5] قابل ١ بط ١: ١ - 3 مع أف ١: ١–٣؛ ١: ٢٠ مع ١: ٤؛ ٢: ٩ مع ١: ١٤؛ ٣: ٢٢ مع ١: ٢١؛ ٢: ٥ مع ٢: ٢١، ٢٢؛ ٣: ١–٦ مع ٥: ٢٢–٢٤.

[6] قابل ١ بط ١: ٢١ مع رو ٤: ٢٤؛ ٤: ١ مع ٦: ٦، ٧؛ ٢: ٢٤ مع ٦: ١١؛ ٥: ١ مع ٨: ١٨؛ ٣: ٢٢ مع ٨: ٣٤، ٢: ٥ مع ١٢: ١؛ ١: ١٤ مع ١٢: ٢؛ ٤: ١٠، ١١ مع ١٢: ٣ – ٨؛ ١: ٢١ مع ١٢: ٩؛ ١٠، ٣: ٨ – ١٢ مع ١٢: ١٤ – ١٩؛ ٣: ١٣، ١٤ مع ١٣: ١ – ٤؛ ٢: ٦، ٧ مع ٩: ٣٣.

[7] قابل ١ بط ١: ٤ مع غلا ٣: ٢٣؛ ٢: ١٦ مع ٥: ١٣.

[8] قابل ١ بط ١: ١ مع تي ١: ١؛ ٢: ٩ مع ٢: ١٤؛ ١: ٣ مع ٣: ٥؛ ٣: ٧ مع ٣: ٧؛ ١: ١٨ مع ٢: ١٤.

[9] راجع دراسات في رسالة بطرس الرسول الأولى للدكتور موريس تواضروس.

[10] A.. C. R. Leany: The New Testament. , 1972, p. 195.

[11] Oscar Cullmann: The New Testamen, SCM, 1968, p. 98.

[12] Die Biefe und Juda, 1912, p. 16.

[13] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 784.

[14] Oscar Cullmann: The New Testamen, SCM, 1968, p. 98, 99.

[15] M. Dibelius: A Fresh Approach to the New Testament and the Early Christian Literature, 1936, p. 188.

[16] The General Epistles of St. Peter and St. Jude, 1934, p. 17f.

[17] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 785.

[18] B. H. Streeter: The Primitive Church, p. 122f.

[19] Ad Nationes VII.

[20] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 783.

[21] Eusebius: H. E. 3: 39: 4.

[22] سلم السماء ودرجات الفضائل ٣: ١.

[23] Augustine: Man’s perfection in Righteousness 19.

[24] راجع الحب الإلهي، 1967، باب "الله مقدسي" أيضًا ٨٠١ – ١٠٤٤.

[25] راجع تفسير ٢ يوحنا ٣.

[26] الحب الإلهي، 1967، ص 852.

[27] الحب الإلهي، 1967، ص ٧٣٧ – ٧٤٠..

[28] رسائل القيامة رسالة ٣ أيضًا ٥٢.

[29] ستعود بقوة أعظم "للقديس يوحنا الذهبي الفم.

[30] الصلاة الربانية طبعة ٦٨ ص ٩.

[31] Tert. On Exhortation to Chastity.

[32] Tert.: On Modesty 16.

[33] On the Christian Faith 3: 5.

[34] Letter 63.

[35] إذ لا يسمح المجال بالإطالة أرجو الرجوع إلى مقال "طاعته للآب" في كتاب الحب الإلهي، 1967، ص ٢٢٥ – ٢٢٨.

[36] راجع الأب هيببوليتس The Refutation of all heresies 4: 5.

[37] الأسرار للقديس أمبروسيوس – مجلة مرقس..



أضف تعليق

الأصحاح الثاني - تفسير رسالة بطرس الرسول الأولى - القمص تادرس يعقوب ملطي