قاموس القديسين و الشخصيات حرف م

هذا الفصل هو جزء من كتاب: قاموس القديسين و الشخصيات التاريخية. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.


م

مابّاليكوس ورفقاؤه الشهداء

كان اضطهاد داكيوس Decius للمسيحيين منظماً وشاملاً وأراد الإمبراطور به استئصال المسيحية التي اعتبرها تهديداً له إذ كانت تخضع لسلطان آخر مختلف عن سلطانه الإمبراطوري. وفي يوم محدد صدرت الأوامر لكل مواطني الإمبراطورية بتقديم القرابين للآلهة ولرمز الإمبراطور، ومن يرفض التنفيذ يُقبَض عليه ويعاقب.

حين وصلت هذه الأنباء إلى قرطاجنة Carthage، إذ علم القديس كبريانوس Cyprian أسقف المدينة أنه سيكون أول المقبوض عليهم هرب إلى أحد المخابئ خارج المدينة حتى يستطيع منها أن يقود ويشجع قطيعه. ولم يتم تنفيذ أوامر الإمبراطور بكل قوة وعنف إلا حينما حضر الوالي في إبريل سنة 250 م، الذي لم يمكث في المدينة بل تجول في أنحاء الولاية مستخدماً كل عنف حتى أن كثيرين من الذين ظلوا ثابتين في الإيمان حتى هذا الوقت ضعفوا أمام الاضطهاد.

كان في مقدمة اضطهاد قرطاجنة معترف اسمه مابّاليكوس الذي يذكره القديس كبريانوس بكل تقدير ومديح، فبعد تعذيبه بمخالب حديد وبأنواع مختلفة من التعذيب حتى استشهد على أثرها. وبعد قليل لحق به شهداء آخرون نالوا إكليل الشهادة بطرق مختلفة، واحد بالتعذيب وآخر في المناجم وخمسة عشر استشهدوا جوعاً حين ألقوهم في زنزانتين وتركوهم حتى الموت.

Butler, April 17.

ماتوي أو ماطوس الأب

سيامته كاهنًا

خرج الأب ماتوي من رايثو إلى نواحي مغدولون وكان أخوه معه. فأمسكه الأسقف وسامه كاهنًا. ولما كانوا يأكلون، قال الأسقف: "سامحني يا أبتِ، أعلم أنك لم تكن تريد ذلك، إلا أني تجاسرت وفعلت هذا لكي أتبرّك بك". فأجاب الشيخ بتواضع: "لقد رغب فكري في هذه السيامة قليلاً، إلاّ أن هناك أمرًا يزعجني وهو أنه ينبغي أن أنفصل عن الأخ الذي معي، لأني لا احتمل أن أتلو كل هذه الصلوات بمفردي". فقال الأسقف: "إذا كنت تظن أنه مستحق، أرسمه كاهنًا". أجاب الأب ماتوي: "لا أعرف إذا كان مستحقًا، إلا أني أعرف أنه أفضل مني".

مفهوم الكمال

قال الأب يعقوب: كنت في زيارة للأب ماتوي. ولما أردت العودة، قلت له: أريد أن أزور القلالي. فقال لي: بلّغ سلامي إلى الأب يوحنا. ولما جئت إلى الأب يوحنا قلت له: يسلّم عليك الأب ماتوي. قال لي الشيخ: "الأب ماتوي إسرائيلي حقًا لا غش فيه" (يو 4: 49). وبعد مرور سنة كاملة زرت الأب ماتوي ونقلت له تحية الأب يوحنا. فقال الشيخ: "إني لا استحق كلام الأب. إنما في جميع الأحوال، عندما تسمع شيخًا يمتدح قريبه أكثر من نفسه، اعلم أنه قد بلغ درجة من الكمال رفيعة، لأن هذا هو الكمال، أن تمجد قريبك أكثر من نفسك.

كلمة منفعة

قال الأب ماتوي: ذهب إلى الأب بفنوتيوس المسمّى بكلافاس ثلاثة آباء لكي يسألوه أمرًا: فقال لهم الشيخ: وماذا تريدون أن أقول لكم؟ أأمرًا روحيًا تريدون أم جسديًا؟ قالوا: روحيًا. قال لهم الشيخ: اذهبوا وأحبوا الضيق أكثر من الراحة، والاحتقار أكثر من المجد، والعطاء أكثر من الأخذ.

الثلب

قال الأب ماتوي: جاءني أخ وقال لي إن الثلب أسوأ من الزنى. فقلت له: قاسية هي هذه الكلمة.

قال لي: وكيف تريد أن يكون هذا الأمر؟

فقلت: الثلب شرّ، لكن شفاءه سريع، لأن من يثلب يندم مرات عديدة قائلاً: لقد نطقت شرًا، أما الزنى فهو موت طبيعي.

الراهب والتواضع

سأل أحد الاخوة الأب ماتوي قائلاً: قل لي كلمة. أجابه: اذهب وتضرع إلى الرب أن يجعل في قلبك الحزن والتواضع، وانتبه لخطاياك دائمًا، ولا تدن أحدًا. كن دون الجميع. لا تصاحب ولدًا، ولا تكن لك معرفة بامرأة أو صديق هرطوقي. اقطع التكلم علانية وامسك لسانك وبطنك. تجنّب الخمر. وإذا تحدث أحد في أمر ما لا تجادله. فإذا قال ما هو حسن، فقل نعم. وإذا نطق بالسوء، قل له: أنت تعرف ما تقول. لا تحاججه في ما يقوله. هذا هو التواضع.

الوحدة والشعور بالضعف

سأل أحد الاخوة الأب ماتوي قائلاً: ماذا أعمل ولساني يزعجني؟ عندما أكون بين الناس لا أقدر أن أضبطه، بل أدين الجميع وأبكّتهم على كل شيء، ماذا أعمل؟ أجابه الأب: إذا كنت لا تقدر أن تمسك نفسك، اذهب واعتزل، لأن في ذلك ضعفًا... وقال الشيخ: وأنا لست وحدي بسبب الفضيلة، إنما بداعي الضعف، لأن الذين يأتون إلى الناس هو أقوياء.

من أقواله

أريد عملاً خفيفًا ودائمًا لا عملاً متعبًا في البدء ولكن لا يدوم.

كلما دنا الإنسان من الله يرى كم هو خاطئ. وإشعياء النبي عندما رأى الله، قال عن نفسه إنه بائس ودنس (6: 5).

عندما كنت شابًا كنت أقول في نفسي: لعلّني أقوم بعملٍ صالحٍ. ولكن لما شخت، أيقنت أنه ليس فيّ عمل صالح البتة.

الشيطان لا يعرف بأي هوى تستسلم النفس. لكنه يبْذر دون أن يعرف إن كان سيجني أفكار الزنى، الثلب، وسائر الأهواء الأخرى. وحيثما يَرى ميل النفس يقدم لها بذار الشر.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983.

ماجستريانوس الشهيد

عذراء من مدينة كورنثوس

كانت هناك عذراء جميلة الصورة نذرت بتوليتها للمسيح وجاءت من مدينة كورنثوس. اتهمها الوثنيون أمام الحاكم بأنها تحتقر الحكومة الرومانية والأباطرة وتجدّف على الآلهة وتحتقر الذبائح الوثنية. لما رآها الوالي التهب قلبه بالشهوة، وحاول اغتصابها بخدع ماكرة من كل نوع. وإذ لم يستطِع ثار عليها وسلّمها للتعذيب، فجلدوها بشدة، ثم أمر الشرير أن تكتسب قوتَها من تجارة الدنس، فسلّمها إلى رجل سيئ السمعة وأمره أن يسلمه ما يحصل عليه من المال نظير تقديمها للزناة.

أما العذراء الطاهرة التي سلمت حياتها للرب، فقد أعلنت لهؤلاء الأشرار أنها مصابة بمرضٍ ما وأن من يقترب منها سوف يكرهها، وعليهم أن ينتظروا حتى تطهر، وأنهم سيحصلون على ما يريدون بدون مقابل. بذلك كانت تطرد كل من يأتي إليها، وتصلي إلى الله بكل قلبها وهي ساجدة فترات طويلة، حتى ينقذها ويحفظ عفتها بدون دنس.

ماجستريانوس الحكيم

استجاب الرب لصلواتها الطاهرة، فأرسل لها شابًا يدعى ماجستريانوس وكان حكيمًا. فتوجه إليها كما لو كان يهواها، وأعطى الرجل الذي كان يحبسها خمسة دراهم، وطلب منه أن يسمح له بأن يمكث مع الفتاة تلك الليلة، فأذن له. ولما دخل إلى مخدعها قال لها: "قومي وخلصي نفسك"، ثم قدّم لها ملابسه الرجالي الخارجية، فارتدتها وغطّت نفسها بعباءته، ثم رسمت وجهها بعلامة الصليب المقدس وهربت.

انكشف الأمر في اليوم التالي وسلّموا القديس إلى الوحوش الجائعة، وتتوّج بإكليل الشهادة وإكليل العفة بعدما أنقذ أخته في المسيح.

بستان القديسين، صفحة 39.

ماجنا البتول

✥ نشأتها:

وُلدت في مدينة أنقرة بتركيا، التهب قلبها بالحب الإلهي، فكانت تقضي معظم الليل في الصلاة والتسبيح لله.

اُعتقل والدها وهي صغيرة السن، وإذ تقدم لها عريس اعتذرت لوالدتها معلنة لها رغبتها في حياة البتولية وتكريس قلبها ووقتها لعريسها السماوي. لكن الأم لم توافق على ذلك وأرغمتها على الزواج.

✥ حياة البتولية:

إذ تمت مراسيم الزواج كانت ماجنا تطلب من الله أن يهبها الحكمة ويقودها في طريق البتولية.

كانت ماجنا تقدم الأعذار لعريسها فلم يقترب إليها. وإذ كانت تشتهي البتولية بكل حبٍ صادقٍ مرض زوجها وسرعان ما انتقل من هذا العالم.

✥ حياة الرهبنة:

قامت ماجنا بتوزيع كل ما ورثته عن زوجها على الفقراء والأرامل والكنائس وبيوت الغرباء، ثم التحقت بأحد أديرة الراهبات بأنقرة، حيث كان يضم قرابة ألفين راهبة.

آمنت ماجنا بضرورة العمل اليدوي المستمر، فكانت تقوم بتنظيف الدير بفرحٍ شديدٍ مع ممارسة الصلوات والجلسات الهادئة مع الكتاب المقدس، وكانت تأكل مرة واحدة في المساء.

كانت موضوع دهشة الراهبات وحبهن. حتى أنه إذ أصيبت بمرض شديد تدفق الراهبات على قلايتها، وبصعوبة بالغة أوصتهن بالجهاد المستمر حتى يتمتعن بالإكليل السماوي.

وضعت يديها على صدرها على شكل الصليب وسلمت روحها الطاهرة في يدي خالقها ومخلصها.

ماجورينوس

بعد نياحة منسيروس Mansurius أسقف قرطاجنة عام 311م عقد مجمع من أساقفة نوميديا Numidia، واختاروا ماجورينوس للكرسي عام 312م عوض سيسيليانCaecilian الذي سبق أن اُختير ليكون خلفًا. هذا سبّب انقسامًا في مرحلة بدائية، صارت فيما بعد حركة الدوناتست.

لم يبق في الكرسي كثيراً إذ تنيّح عام 314م، خلفه دوناتس.

E. Ferguson: Encyclopedia of the Early Church.

مارتان الأسقف القديس

الجندي الراهب

يُعتبر القديس مارتان مجد بلاد الغال Gaul، وضياء الكنيسة الغربية في القرن الرابع الميلادي. كان من أهل ساباريا Sabaria إحدى مدن بانونيا Pannonia، وكان والداه وثنيين.

إذ كان أبوه ضابطًا في الجيش اضطرت الأسرة إلى السفر إلى بافيا Pavia في إيطاليا، وفي الخامسة عشر من عمره وجد مارتان نفسه مدفوعًا للالتحاق بالجيش. ومع أنه لم يكن قد تعمَّد بعد إلا أنه عاش كراهبٍ أكثر منه جندي.

السيد المسيح يلبس نصف معطفه

أثناء وجوده في أميان Amiens حدثت له واقعة مشهورة، ففي أحد أيام البرد الشديد أثناء عاصفة ثلجية، قابل القديس عند بوابة المدينة رجل فقير شبه عارٍ، يرتجف من شدة البرد ويطلب صدقة من العابرين. إذ رأى مارتان أن العابرين لا يعيرون التفاتًا لذلك البائس تحنن عليه وأراد مساعدته، ولكنه لم يكن يملك سوى ملابسه وسلاحه.

استل سيفه وقطع معطفه نصفين وأعطى الشحاذ نصفه والتحف بالآخر. في تلك الليلة رأى مارتان في حلم السيد المسيح يلبس نصف المعطف الذي أعطاه للفقير ويقول: "مارتان مع أنه مازال موعوظًا إلا أنه كساني بهذا المعطف". وفي الصباح تذكر هذه الرؤيا وذهب للتو لينال سرّ المعمودية.

ذهابه إلى بواتييه

لم يترك مارتان خدمة الجيش بعد ذلك مباشرة، لكنه وهو في سن العشرين حدث هجوم من البربر على الغال، فوقف مارتان وجنوده أمام يوليانوس قيصر Julian Caesar استعدادًا لبدء حملتهم للدفاع عن الغال. قال مارتان لقيصر: "لقد خدمتك كجندي فدعني الآن أخدم المسيح، فإني جندي له ولا يليق بي أن أذهب للحرب". ثار القيصر لهذا الكلام واتهم مارتان بالجبن، فأجابه بأنه مستعد أن يقف أعزل من السلاح في أول خطوط الحرب ويقف أمام الأعداء باسم السيد المسيح. أُلقي القديس في السجن، ولكن إذ انتهت الحرب أُطلِق سراحه، فذهب إلى بواتييه Poitiérs حيث استقبله القديس هيلاري Hilary الأسقف وجعله ضمن تلاميذه.

كرازته

إذ رأى في حلم من يدعوه لزيارة بلده، عبر جبال الألب حتى وصل بانونيا، حيث استطاع تحويل أمه ومجموعة أخرى إلى المسيحية بينما ظل والده على وثنيته. وفي Illyricum قاوم الأريوسيين بكل حماس وغيرة حتى جلدوه علانية واضطروه إلى ترك المدينة.

حياة الوحدة

اشتهى مارتان أن يمارس حياة الوحدة، فمنحه بواتييه قطعة أرض ليسكن عليها، حيث انضم إليه فيما بعد مجموعة من المتوحدين، والتي تعتبر أول مجتمع رهباني في الغال، أخذت تنمو حتى صارت ديرًا كبيرًا.

عاش مارتان هناك عشرة سنوات موجهًا تلاميذه، ومبشرًا في القرى المحيطة، حيث أجرى الكثير من المعجزات أيضًا.

أسقفيته

في سنة 371 م طلبه أهل تور Tours ليكون أسقفًا عليهم، وإذ كان رافضًا ذلك المنصب استخدموا الحيلة في دعوته لزيارة أحد المرضى في المدينة، ولما توجه إليها أخذوه إلى الكنيسة ورسموه هناك رغم اعتراض بعض الأساقفة الموجودين على أهليته لتلك الكرامة نظرًا لتواضع منظره وهيئته.

في البداية استمر مارتان في نفس نظام حياته الرهبانية، فعاش في صومعة قرب الكنيسة، ولكن إذ كثر زواره ولم يستطع تحمل الإزعاج اعتزل في برية قريبة من المدينة، وسرعان ما التفَّ حوله ثمانون راهبًا.

خدمته بين الوثنيين

كان من ثمرة تدينه ومعجزاته وغيرته الروحية أن تناقص الوثنيون ليس في تور فقط بل وفي بلاد الغال كلها، وهدم القديس كثير من معابد الوثنيين.

في إحدى المرات إذ أراد قطع إحدى أشجارهم المقدسة، وافق كبير كهنة الوثنيين أن يقوم هو ومساعدوه بقطعها بأنفسهم على شرط أن يقف القديس تحتها في المكان الذي يحددوه له. وافق القديس دون تردد، فربطوه إلى الناحية التي كانت تميل إليها وبدأوا يقطعونها، ولما بدا أنها ستسقط عليه رشم عليها علامة الصليب فسقطت إلى الناحية الأخرى.

مرة أخرى إذ كان يهدم أحد المعابد هجم عليه أحد الوثنيين شاهرًا سيفه، فكشف القديس صدره للمهاجم، فما كان منه إلا أن رجع إلى الخلف وسقط على ظهره وأخذ يتضرع في خوفٍ إلى القديس أن يسامحه.

كان يواظب في كل عام على زيارة كل بلاد إيبارشيته، مسافرًا على قدميه أو على دابةٍ أو في مركبٍ.

من أعماله أنه كان يعارض بشدة المطالبين بإعدام الهراطقة طالبًا بالأحرى الاكتفاء بإعلان هرطقتهم وحرمانهم بواسطة أساقفتهم.

نياحته

أخيرًا علم القديس بدنو نياحته وأخبر تلاميذه بذلك، فكانوا يبكون متضرعين إليه ألا يتركهم، فصلى قائلاً: "يا إلهي إذا كان شعبك مازال يريدني فلن أتراجع عن العمل، ولكن لتكن مشيئتك".

أخيرًا تنيّح بسلام بعد مرض أخير، وذلك في الثامن من نوفمبر سنة 397م، وبنوا كنيسة كبيرة فوق قبره.

Butler, November 11.

مارتورينوس القديس

عاش القديس مارتورينوس أو ماثورين Mathurin في القرن الرابع.

وُلد من أبوين وثنيين في إحدى بلاد مقاطعة سين Sens. وفي الثانية عشر من عمره نال نعمة المعمودية، وكان أول من آمن بسببه هما والداه، وفى سن العشرين أصبح كاهنًا، وكانت له موهبة إخراج الشياطين، وكان أسقف مدينته يثق فيه حتى وكَّله على رعاية الكنيسة حين اضطر للسفر إلى روما. واستطاع أن يحوّل الكثيرين إلى الإيمان فذاعت شهرته وبلغت إلى روما.

كُلِّف بالسفر إلى روما في مهمة وهناك تنيّح بسلام، وأُعيدت رفاته إلى موطنه في سين.

Butler, November 1.

مارتيال الأسقف القديس

مؤسس أسقفية ليموج

أسّس كرسي أسقفية ليموج Limoges، وصار أول أسقف عليها، وبحسب التقليد الذي سجّله القديس غريغوريوس St. Gregory of Tours كان أحد السبعة المبشرين الذين أُرسِلوا من روما إلى بلاد الغال Gaul قبل سنة 250م. فقد بشر القديس جاتيانSt. Gatian في تور، والقديس تروفيمس St. Trophimus في آرل Arles، والقديس ناربون St. Narbonne في بول Paul، والقديس مارتيال في ليموج، والقديس ديونيسيوس (دينيس) St. Dionysius (Denis) في باريس، والقديس ساتورنينُس St. Saturninus في تولوز Toulouse، والقديس أُسترِمونيوس St. Austremonius في أوفيرن Auvergne. بشر كل واحد منهم في المنطقة التي اختارها وصار أول أسقف عليها.

أحد الرسل الاثنين والسبعين

في تقليد آخر ولكنه غير مؤكد يقال أنه كان أحد رسل السيد المسيح الاثنين والسبعين، وكان هو أيضًا الطفل الذي قدّم الخمس خبزات والسمكتين، وأنه صحب بطرس الرسول إلى إنطاكية ثم إلى روما ومن هناك أرسله الرسول للبشارة في بلاد الغال. وهناك أخرج روحًا نجسًا من ابنة مُضِيفَهُ، وأقام من الموت ابن الحاكم الروماني، فآمن 3600 شخصًا بالسيد المسيح واعتمدوا.

وحين حاول كهنة الأوثان الهجوم على القديس أصيبوا بالعمى وبصلوات القديس أعاد إليهم البصر. وآخرون ضربوه وسجنوه في ليموج فأصابتهم صاعقة وقتلتهم ولكن القديس صلى وأعادهم إلى الحياة. وكان أحد هؤلاء الكهنة هو أوريليان Aurelian الذي كتب سيرة القديس مارتيال. ونتيجة لكل هذه المعجزات تحوّل أعداد كبيرة من الوثنيين إلى المسيحية.

فالريا العذراء

كان من بين الذين آمنوا على يد القديس مارتيال عذراء اسمها فالريا Valeria، هذه نذرت أن تكرّس بتوليتها للسيد المسيح، قُطِعت رأسها بأمر الدوق استيفين Duke Stephen الذي كانت مخطوبة له من قبل. قيل أن بعد تنفيذ حكم الإعدام ظهرت الشهيدة ورأسها المقطوعة على يديها ودخلت إلى الكنيسة التي كان فيها مارتيال، فآمن استيفين بالسيد المسيح وذهب إلى روما حيث تقابل مع بطرس الرسول وروى له عن أخبار القديس مارتيال وتقدم البشارة في بلاد الغال.

وفي السنة الأربعين للقيامة، أُعلِم القديس مارتيال في رؤيا عن قرب نياحته، وفعلاً تنيّح بعد خمسة عشر يومًا من هذه الرؤيا.

Butler, June 30.

مارتيال وفاوستوس وجانواريوس الشهداء

استشهد هؤلاء الشهداء الثلاثة حوالي سنة 304م في مدينة كوردوفا بأسبانيا، وهي المدينة التي شهدت اعترافهم الشجاع بإيمانهم بالسيد المسيح.

قد وردت سيرتهم في حرف "ج" تحت "فاوستوس، جانواريوس ومارتيال الشهداء".

مارتينيان المتوحد القديس

وُلد في قيصرية فلسطين في منتصف القرن الرابع، في وقت حكم الإمبراطور قسطنطيوس Constantius، وكان غنيًا جدًا، بهي المنظر، جليل القدر. أحب الرب جدًا، والتهب قلبه شوقًا إلى العبادة، وفي الثامنة عشر من عمره اعتزل في جبل لتابوت أو "مكان الفُلك". مارس حياة الفضيلة، واشتهر اسمه حتى تعجب منه شيوخ المتوحدين.

حربه مع الشيطان

إذ نما في حياة الوحدة صار إبليس يحاربه بتجارب كثيرة نهارًا وليلاً، أما هو فكان يزداد قوة بالمسيح يسوع مخلصه. ظهر له تارة وهو يصلي على شكل تنين مخيف. صار يحفر أساسات قلايته حتى كادت القلاية تسقط عليه. أدرك القديس أنها حرب شيطانية فلم ينشغل بما يدور حوله. وإذ انتهى من صلاته تطلع إلى الشيطان وهو هادى القلب جدًا، ثم قال له: "ما أحسن ما تفعله الآن على الأرض يا من كنت قبلاً تريد أن ترتفع فوق الكواكب وتجلس عن يمين العليّ. أذكر أن يسوع المولود من العذراء قد سحق رأسك، ومن ثم لا تقدر أن تؤذيني ولا أن تخيفني ما دام يسوع يقويني ويعضدني.

تحول الشيطان إلى شكل شاب واخذ يتوعده وقال له بصوت مخيف: "انتظر قليلاً يا مارتينيوس، يا أيها المتوحد، الوقت قريب فيه انتصر عليك وأخزلك وأطردك خارج قلايتك التي تعتبرها كحصنٍ حصين لا تقدر عليه قوات الجحيم. إني بنفسي أزعزعك وأجعلك كورقة انتثرت من شجرة وقد عبث بغصونها الريح وذهب". فلم يبالِ القديس بكل هذه التهديدات.

توبة زو من قيصرية

بعد انقضاء خمسة وعشرين عامًا في البرية وهو يمارس حياة النسك والفضيلة بكل نشاط نصب له الشيطان فخًا. إذ اتفق أن بعض الأشخاص كانوا مجتمعين في مدينة قيصرية وكانوا يمدحون الآباء المتوحدين خاصة القديس مارتينيان. سمعتهم سيدة شريرة باغية تدعى زو Zoe فقالت لهم أن ما تقولونه عن المتوحدين لا حقيقة فيه. انهم يشبهون التبن الذي يحتفظ بطبعه مادام لم يلمسه نار أو كدب يظن أنه قوي وهو في جحره لا يخرج. ثم قالت لهم إني مستعدة أن أبرهن على ذلك، وطلبت منهم مبلغًا من المال وهي تغريه وتسقطه في الخطية وتكشف لهم عن حقيقة مارتينيان. ووافق الكل.

سارت في الصحراء متجهة إليه في شكل امرأة فقيرة وقد ارتدت ثيابًا رقيقة جدًا حتى وصلت في وقت متأخر من الليل حيث قلاية هذا الأب وصرخت وكانت تتحدث بلهجة حزن أسيف أنها تهلك بسبب البرد القارص وتقترب من الموت من شدة الإعياء وأنها معرضة أن يفترسها وحش.

سمع الأب أناتها وصار في صراع بين الرحمة والحنو على سيدة في وسط البرية تتعرض للموت وبين التزامه بالحذر على طهارته وعفته. وإذ طال الصراع قليلاً غلب الحنو على الخوف. اقتنع مارتينيان أن يبقيها تلك الليلة في قلايته. وفتح الباب ثم اوقد لها نارًا، وقدم لها طعامًا، وطلب منها أن تترك القلاية باكرًا جدًا. ثم ذهب ليبيت في قلاية أخرى، وبقى الليل كله ساهرًا يصلي كعادته.

أما المرأة فنهضت باكرًا جدًا وألقت جانبًا ملابسها البالية وظهر تحتها أفخم الملابس المزخرفة وتزينت ومكثت تنتظر القديس.

وإذ فتح باب القلاية ظانًا أنها انطلقت فوجئ بهذا المنظر فسألها "من أنت؟" أجابته أنها المرأة التي أوت عنده الليلة، وأنها قد جاءت من قيصرية ولديها أملاك عظيمة وثروة هائلة، عرضتها كلها عليه لتكون تحت أمره بالإضافة إلى نفسها أيضًا. جاءت لكي تخدمه وتطيعه وتعيش معه. وإذ أخبرها أنه راهب متوحد بدأت تتحدث معه عن قديسين أغنياء متزوجين مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء والآباء. لم يهرب القديس بل سقط في الفخ إذ شعر بأن نيران الشهوة قد تأججت في داخله.

سمع مارتينيان لكلامها ووافق في قلبه لاقتراحها، وإذ كان يتوقع بعض الزوار القادمين لأخذ بركته قال لها أنه سيذهب لمقابلتهم في الطريق ويصرفهم ثم يعود إليها. خرج من قلايته بهذه النيّة ولكن في الطريق شعر بتأنيب الضمير فرجع مسرعًا إلى قلايته حيث أشعل نارًا عظيمة ووضع قدميه فيها وهو يقول: "جرب يا مارتينيان الشقي هل تستطيع أن تحتمل النار الأبدية؟" خرج من النار عاجزًا عن السير فركع أمام الله يعلن توبته عن نيران الشهوة التي اشتعلت في فكره.

كان ألمه شديدًا جدًا حتى أنه لم يستطع منع نفسه من الصراخ. وعندما سمعت المرأة صوته أسرعت داخلاً ووجدته يتلوى على الأرض من الألم وقدماه قد احترقتا. فلما رآها صاح قائلاً: "إن كنت لم أستطع تحمل هذه النار البسيطة فكيف أحتمل نار الجحيم؟" للحال قدّمت زو توبة وتوسّلت إليه أن يضعها في طريق التوبة والخلاص، فأرسلها إلى دير القديس بولا ببيت لحم حيث عاشت بقية حياتها في التوبة.

وحدته على صخرة

ظل مارتينيان غير قادر على النهوض من الأرض مدة سبعة شهور، وما أن شُفيت قدماه قرر الهروب إلى برية أخرى لا تقدر سيدة ما أن تأتى إليها، فاعتزل إلى مكان آخر عبارة عن صخرة محاطة بالمياه من كل جانب حتى يحصن نفسه من الخطر واحتمالات الخطية. نزل إلى ساحل البحر وسأل البحارة عن مكان مهجور فأجابوه أنه توجد جزيرة بها صخرة عالية جدًا غير أن الموضع مخيف ولا يمكن أن يسكن فيه أحد ترجاهم أن يعرفوه عن هذا الموضع فذهب معه أحدهم واتفق معه أن يحضر إليه ثلاث مرات في السنة يحضر فيه خبزًا وماء وسعف نخل يشتغل به. ووعده القديس أنه سيصلى من اجله وأن يقدم له المقاطف التي من عمل يديه. وكان متهللاً بالروح، يعبد الله وسط حر الصيف وصقيع الشتاء.

سفره إلى أثينا

في أحد الأيام رأى سفينة تتحطم بالقرب من جزيرته وقد غرق كل من فيها ماعدا فتاة واحدة تعلقت بلوحٍ خشبي دفعتها الأمواج إلى الشاطئ وصرخت طالبة النجدة. فنزل مارتينيان وأنقذها، ولكن لخوفه مما حدث له قبلاً ولكن تحت الشعور بالمسئولية والمحبة حمل خبزًا وماءًا وقدمه لها وسألها أن تبقى في موقعها حتى يأتي البحار الذي يحضر له مئونته بعد شهرين قال لها أنه لا يليق أن يبقى التبن مع النار. رسم نفسه بعلامة الصليب وصرخ إلى الله ثم ألقى بنفسه في البحر قائلاً: "يا رب أني أخاطر بحياتي ولا أخاطر بعفتي.

إذ عاد البحار إلى الجزيرة وجد الفتاة ولم يجد المتوحد خاف جدًا وأراد أن يهرب فصرخت وروت له ما حدث وأكدت له أنها مؤمنة. فتقدم إليها وقدم لها المئونة العادية. طلبت منه أن يعاملها كما كان يعامل القديس المتوحد، وأن يحضر لها المئونة كل أربعة اشهر، فإنها لا تريد العودة إلى العالم. طلبت منه أن يأتي إليها بثوبٍ رهباني وأن يحضر معه زوجته وخادمته وأن يحضر لها صوفًا تغزله له جزاء إحسانه عليها. هكذا اختارت أن تقضي بقية حياتها على الصخرة تمثلاً به. عاشت ستة سنوات حتى أسلمت روحها الطاهرة فحمل البحار وزوجته جسدها إلى قيصرية حيث دفنت بإكرام عظيم.

أما القديس فوضع ثقته بالله وألقى بنفسه في البحر حتى وصل إلى اليابسة. انتقل من مدينة إلى أخرى حتى بلغ أثينا وهناك مرض جدًا فدخل الكنيسة وطلب منه كاهن أن يستدعى الأسقف. فظنه الكاهن في غير وعيه لكنه اخبر الأسقف وكان قد شاهد رؤية أنه سيرى هذا القديس. طلب من القديس أن يذكره في الفردوس. وطلب القديس منه أن يناوله، فتناول وأسلم روحه في يد مخلصه.

وتنيّح وله من العمر حوالي خمسين عامًا.

مع أن سيرة القديس مارتينيان غير مذكورة في سِيَر القديسين لكنيسة روما، إلا أنه لقي احترامًا شديدًا في الشرق، خاصة في القسطنطينية.

Butler, February 13.

الأب بطرس: مروج الأخبار في تراجم الأبرار، بيروت 1999، شباط 14.

مارتينيان ورفقاؤه الشهداء وماكسيما العذراء القديسة

عبيد شهداء

أثناء الاضطهاد الذي حدث في أفريقيا سنة 458م في عهد الملك الأريوسي جينسيريك Arian king Genseric، استشهد مارتينيان وساتوريان Saturian وشقيقتما.

كانوا عبيدًا وتحوّلوا إلى المسيحية بواسطة جارية كانت معهم اسمها ماكسيما العذراء. وبسبب ثباتهم في الإيمان المستقيم جلدهم سيدهم الهرطوقي، حتى برزت عظامهم. وتحمّلوا بعد ذلك عذابات كثيرة لمدة طويلة، ولكن في كل مرة كانوا يظهرون في اليوم التالي لتعذيبهم دون أي اثر للتعذيب أو الجروح.

كرازة في النفي

قرر سيدهم نفيهم، وهناك استطاعوا تحويل الكثير من البرابرة إلى الإيمان بالسيد المسيح، فأرسلوا يطلبون كهنة لتعميدهم.

أخيرًا ربطوا أرجلهم في عربة جرتهم فوق الحجارة والأشواك في الغابة إلى أن استشهدوا. بينما أُطلِق سراح ماكسيما، بعد أن اجتازت سلسلة من العذابات، بمعجزة إلهية، وأنهت حياتها بسلام في أحد أديرة الراهبات، بعد أن صارت أُمًا لعددٍ كبيرٍ من العذارى.

Butler, October 16.

مارسِلِّينا العذراء القديسة

رعاية أخويها

هي الأخت الكبرى للقديس إمبروسيوس أسقف ميلان. تنتمي هذه العذراء الشماسة إلى أسرة عريقة في الغنى وفي الإيمان. كان والدها حاكمًا لفرنسا في أيام الإمبراطور قسطنطين الصغير.

في بداية حياتها ذهبت إلى روما مع عائلتها، وفي هذه السن المبكرة بدأت تكرس قلبها لطلب الله وحده. وإذ أخذت مسئولية رعاية أخويها، شحنتهما بمحبة الفضيلة لا ككلمات أو شكل يمارسونه، لكن كحياة فاضلة مقدسة. عاشت كأم روحية لأخيها إمبروسيوس الذي صار أسقفًا على ميلان.

عذراء مكرسة

كان قلب مارسيلينا ملتهبًا بالحب الإلهي، تسهر الليالي في القراءات الروحية، وتقف الساعات الطويلة في الصلاة بلا مللٍ. وكانت تعين والدتها في شئون المنزل اليومية. وكَلّلت حبها له حين قرّرت ترك العالم.

رفضت مارسيلينا الزواج، إذ وضعت في قلبها أن تكرس حياتها لعريسها السماوي.

في عيد الميلاد لعام 353م أقامها ليبريوس Liberius أسقف روما مكرسة للعبادة والخدمة في كاتدرائية القديس بطرس. وفي عظته لهذه المناسبة حثّها الأب الأسقف أن تحب الرب يسوع من كل قلبها، وأن تحيا في الصلاة الدائمة وإماتة الجسد وأن تقدس الكنيسة وتحترمها.

كانت في تدبيرها تمارس حياة روحية عالية، فكانت تصوم يوميًا إلى المساء، وتقضي معظم اليوم والليل في الصلاة والقراءات الروحية. وقد استمرت في روما بعد نياحة والدتها، وكانت تعيش في بيت خاص مع امرأة أخرى. وقد عاشت بعد نياحة شقيقها القديس إمبروسيوس.

كانت تساعد أخاها في خدمة الفقراء والمحتاجين، وفي افتقاد الشابات والنساء. كما كانت تخدم في الكنيسة وفي معمودية النساء اللواتي قبلن الإيمان المسيحي.

التف حولها كثير من العذارى اللواتي دخلن حقل التكريس وميدان الخدمة، كما التحقت بعضهم بأديرة الراهبات.

أهدى القديس إمبروسيوس كتاباته عن كرامة البتولية إلى شقيقته، وبعد رسامته أسقفًا لميلان زارته هناك عدة مرات ليتحدثا في الأمور الروحية ولتساعده في تدبير أمور العذارى المكرسات هناك.

كانت نياحتها حوالي سنة 398م.

Butler, July 17.

مارسِللينوس الأسقف القديس

مارسِللينوس الكاهن

هو أول أسقف لمدينة إمبرون Embrun. كان كاهنًا من أفريقيا، واستطاع بمعاونة اثنين من رفقائه هما القديسان فينسنت St. Vincent ودومنينوس St. Domninus الكرازة بالمسيحية في منطقة واسعة، وهي التي عرفت فيما بعد باسم دوفين Dauphine.

جعل مارسِللينوس مركز قيادته في إمبرون حيث بنى أولاً منبرًا للوعظ على تلٍ قرب المدينة، ثم بنى كنيسة كبيرة لاستيعاب الشعب كله الذين تحوّلوا من الوثنية إلى المسيحية بواسطة القديسين مارسِللينوس ودومنينوس. وكان في الكنيسة معمودية جرى فيها العديد من معجزات الشفاء. ويشهد القديسان غريغوريوس Gregory of Tours وأدو Ado of Vienneأنه حتى في زمانهما كان جرن المعمودية يمتلئ من تلقاء نفسه ويفيض في بعض أيام الأعياد، وكان لهذه المياه قوة شفاء جبارة.

مارسِللينوس الأسقف

لأمانته وغيرته أقامه القديس يوسابيوس St. Eusebius of Vercelli على كرسي الأسقفية. وفي أواخر أيامه عانى القديس مارسِللينوس من اضطهاد الأريوسيين مما اضطره إلى الهروب، وعاش بقية أيامه هاربًا في الجبال، وكان بين الحين والآخر ينزل ليلاً متسللاً إلى إمبرون لتوجيه الإكليروس والشعب الأمين وتشجيعهم. وأخيرًا تنيّح القديس مارسِللينوس سنة 374م.

Butler, April 20.

مارسِللينوس أسقف روما القديس

جلس القديس مارسِللينوس أسقفًا على كرسي روما سنة 296م خلفًا للقديس غايوس Caius، واستمر في منصبه ثمان سنوات.

يقول عنه ثيؤدورت Theodoret أنه اكتسب مجد عظيم في الأوقات العصيبة التي اجتازتها الكنيسة أثناء اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس. ولكن من جهة أخرى كان هناك اعتقاد قوي في العصور الوسطى أنه ضعف أمام الاضطهاد وسلَّم الكتب المقدسة وبخَّر للأوثان، إلا أنه تاب عن خطيته واعترف بذنبه، وأعلن تخلّيه عن منصبه، ويقال أيضًاً أنه كفَّر عن خطيته ونال شرف الاستشهاد سنة 304م، ودفن في مقبرة القديسة بريسكلا Priscilla.

Butler, April 26.

مارسللينوس الشهيد

صديق القديس أغسطينوس

أهدى القديس أغسطينوس كثير من أعماله بما فيها "مدينة الله" لصديقه القديس مارسللينوس سكرتير الإمبراطور هونوريوس Honorious، كما احتفظ القديس أغسطينوس والقديس جيروم بالكثير من أعماله بعد استشهاده.

مشكلته مع الدوناتست

في عام 409م أعطى الإمبراطور حق حرية العبادة لطائفة مسيحية منشقة تدعى الدوناتست Donatists، كانت لهم بعض الآراء المتطرفة مثل رفضهم السماح بتناول التائبين الذين بعد تعميدهم سقطوا في خطايا كبيرة أو لم يستطيعوا الصمود في وقت الاستشهاد. اتخذ الدوناتست في شمال أفريقيا من هذا السماح ذريعة لكي يضطهدوا الأرثوذكس، الذين استنجدوا بالإمبراطور. أُرسِل مارسللينوس إلى قرطاجنة Carthage لكي يرأس مجمع من أساقفة الكنيسة الجامعة أمام أساقفة الدوناتست، وليكون حكمًا بين الطرفين. وبعد ثلاثة أيام من الاجتماعات حَكَم ضد الدوناتست، وصدرت الأوامر بإلغاء الامتيازات الممنوحة لهم وأُمِروا بعودتهم للشركة مع اخوتهم المؤمنين. وكان من نصيب مارسللينوس وأخوه أبرينجيوس Apringius تطبيق هذه القرارات بالقوة، وفعلاً بدأ الاثنان في تطبيقها بحزمٍ. ومع أن القانون الروماني كان يجيز استخدام الحزم في تطبيق القرارات، إلا أن ذلك أثار اعتراض القديس أغسطينوس كما أثار الدوناتست ضدهما، فاتهموهما بالتورط في ثورة ضد الإمبراطور هراقليان Heraclian.

استشهادهما

قبض عليهما القائد مارينوس Marinus وألقاهما في السجن، وزارهما القديس أغسطينوس في السجن وحاول الإفراج عنهما ولكن دون جدوى، إذ أُخِذا من السجن وأُعدِما بدون محاكمة، وكان ذلك سنة 413م. وفيما بعد لام الإمبراطور القائد مارينوس بشدة وتكلم عن مارسللينوس على أنه رجل "ذو الذكرى المجيدة"، وأُضيف اسمه في كتاب الشهداء بواسطة الكاردينال بارونيوس Baronius.

Butler, April 6.

مارسللينوس وبطرس الشهيدان

كان مارسللينوس من أبرز كهنة مدينة روما إبان حكم دقلديانوس Diocletian بينما اشتهر بطرس بموهبة إخراج الشياطين. قُبِض عليهما وأُلقيا في السجن ضمن المسيحيين الذين اضطهدوا بسبب إيمانهم.

اشتهر مارسللينوس وبطرس بغيرتهما على تثبيت المؤمنين المحبوسين وتبشير غير المؤمنين، وكان من بين من آمن على أيديهما سجانهما أرثيميوس Arthemius وزوجته وابنته، الذين نالوا في النهاية إكليل الشهادة على يد الوالي سيرينوس Serenus.

أما مارسللينوس وبطرس فقد أُخِذا منفردين إلى غابة تسمى Silva Nigra حيث قطعت رأسيهما، وكان الوالي يقصد بذلك إخفاء مكان دفن جسديهما. ومع ذلك عُرف المكان في الغالب بواسطة الجلاد الذي تحوّل إلى المسيحية، واهتمت امرأتان هما لوسيلا Lucilla وفيرمينا Firmina بدفن جسديهما في أحد مدافن المسيحيين. وقد بنى الملك قسطنطين كنيسة فوق قبرهما حيث دفنت فيها فيما بعد أمه القديسة الملكة هيلانة.

كان استشهاد القديسان مارسللينوس وبطرس سنة 304م. وفي سنة 827م قام البابا غريغوريوس الرابع Gregory IV بنقل رفاتهما إلى الأديرة التي كان قد بناها، حتى تتبارك من جسديَّ هذين القديسَين.

Butler, June 2.

مارسيللا أو مارسيل الأرملة القديسة

نشأتها

لقّبها القديس جيروم "مفخرة السيدات الرومانيات". انتقل والدها من هذا العالم وهي صغيرة، فاهتمت والدتها ألبينا بتربيتها. فقدت زوجها بعد سبعة شهور فقط من الزواج. وإذ كانت هذه الأسرة من أشراف روما تقدم إليها القنصل الروماني سيرياليس Cerealis، اتفق مع والدتها أن يتزوجها حيث كان قد طعن في السن ولديه غنى كثير، فأراد لها أن ترثه، لكن مرسلا رفضت ذلك وهى أرملة نذرت نفسها لتكريس كل حياتها للرب.

توسلت مارسيللا إلى والدتها ألا تضغط عليها، فقد أرادت ألا تنشغل بأمور العالم، بل تكرس كل حياتها لعريسها السماوي الذي لا يموت. وعزمت على التمثل بمنهج الشرقيين في التقشف، فامتنعت عن أكل اللحم وشرب الخمر وكانت تقضي وقتها كله في القراءات المقدسة والصلاة وزيارة الكنائس، ولا تتكلم مع رجل وحدها.

بيت العذارى

اهتمت بخدمة الأرامل، فكانت تحثهن على الحياة المقدسة في الرب والحشمة. كما كان الكتاب المقدس موضوع لهجها المستمر. في وقت قصير تبعتها كثير من العذارى والأرامل في روما كن من أصل شريف، وتمثلن بمنهجها إذ قمن بتوزيع ممتلكاتهن على الفقراء والمساكين، وكرّسن حياتهن للعبادة، ووضعن أنفسهن تحت رعايتها وإشرافها. وُجِدت ستة عشر رسالة من القديس جيروم بها ردود على أسئلتها الدينية.

عندما جاء القديس جيروم مع القديس إبيفانيوس وبولنيوس إلى روما سألته تفسير بعض عبارات من الكتاب المقدس فكان يشرح لها. وبعد سفره إلى أورشليم اهتمت بتفسير الكتاب القدس لبعض النسوة. أحبت حياة الخلوة، فغادرت روما، وإذ قرأت عن دور القديس باخوميوس في تأسيس أديرة راهبات بصعيد مصر لبست ثوب الرهبنة واجتذبت كثيرات من النساء الرومانيات وأنشأت أديرة كثيرة للعذارى والراهبات في روما.

دخل الجنود البرابرة البرابرة القوط على روما سنة 410م وحرقوا المدينة ودمروا ما بها، وكان الجنود يقتلون كل من يلتقون بهم. دخل الجنود بيت العذارى، وأساءوا معاملتها حتى تُظهِر كنوزها التي كانت في الواقع قد وزعتها من قبل على الفقراء والمحتاجين. ولم تتأثر القديسة بتلك المعاملة، وإنما اهتزت فقط من أجل تلميذتها برينشيبا أو برينسيبيا Principia (ربما لأنها وحدها كانت معها أثناء إساءة معاملتها) ووقعت عند أقدام الجنود وتوسلت إليهم ألا يوجهوا إليها أية إهانة، وحنن الرب قلوبهم عليها فأشفق الجنود عليها وتركوها عند كنيسة القديس بولس. وقد عاشت القديسة مارسيللا بعد ذلك فترة قصيرة وتنيّحت بين يديّّ تلميذتها برينسيبيا في أواخر شهر أغسطس سنة 410م، ويعيّد لها الغربيون يوم 31 يناير من كل عام.

Butler, January 31.

الأب بطرس: مروج الأخبار في تراجم الأبرار، بيروت 1999، 31 كانون الثاني.

مارسيللا أو مارسيل الشهيدة

والدة بوتامينا

شهيدة مصرية من بنات الإسكندرية في أوائل القرن الثالث الميلادي.

كانت مارسيللا امرأة مسيحية فاضلة لها ابنة وحيدة هي بوتامينا (التي وردت سيرتها في حرف "ب")، فربّتها على مبادئ العفة المسيحية وهذّبتها بكل التعاليم الإلهية، وكانت تأخذها في كل حين إلى مدرسة الإسكندرية اللاهوتية لتستمع إلى آباء الكنيسة القديسين في عظاتهم الروحية، وكانتا مواظبتين على المناقشة واستجلاء ما غمض عليهما من نصوص الكتاب المقدس.

مساندتها لابنتها أثناء استشهادها

لما قبض الوالي على بوتامينا عذّبها بعذابات كثيرة شديدة، ومع ذلك كانت ثابتة شامخة. أمر بالقبض على والدتها مارسيللا أملاً أن تثني ابنتها بوتامينا عن الصمود أمام التعذيب. وقدم لها كل الوعود بأن يجعل ابنتها حرة طليقة، ولكن الأم صرخت نحو ابنتها قائلة:

"لقد خطبتِك لعريس سماوي هو يسوع المسيح فلا ترضي عنه بديلاً.

اثبتي في محبته فهو عريسك الذي هيّأ لكِ إكليلاً سماويًا وعرسًا حقيقيًا، يفوق في جماله كل أفراح الأرض وملذاتها.

لا تخافي يا بوتامينا من الذين يقتلون الجسد وأما نفسِك فلا يستطيعون أن يمسوها ".

أخذت مارسيللا تشجعها بهذه الكلمات فاستشاط الوالي غضبًا، وأمر بوضع بوتامينا في القار المغلي أمام عينيّ أمها، فأخذت والدتها تشجعها بالأقوال الإلهية ملفتة نظرها إلى العلاء، حيث إكليلها منتظرًا لخروج نفسها، لتُزف عروس طاهرة لعريسها السماوي يسوع المسيح.

استشهاد مارسيللا

بعد تعذيبها طويلاً استشهدت بوتامينا، فأمر الوالي الشرير بعد ذلك أن توضع أمها مارسيللا في أتون النار، وألقوها في الأتون، فأسلمت روحها في يد الآب السماوي، تاركة مثالاً بديعًا في الأمومة المسيحية، والحنان الحقيقي الذي يفوق كل حنان جسدي وعطف بشري، وفازت مع ابنتها الوحيدة بالعرس الحقيقي والخلود الدائم في فردوس النعيم.

الشهيدات لوسي، سيسيل، مارسيل وأغاثي. صفحة 25.

مارسيللوس الأسقف الشهيد

ثيؤدوسيوس الكبير ينشر المسيحية

كانت رغبة الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير أن ينشر المسيحية في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وفي سنة 380م أرسل منشورًا يقضي بأن يعترف كل الشعب بإيمان أساقفة روما والإسكندرية.

وبعد ثمانية أعوام أرسل مندوبًا عنه إلى مصر وسوريا وآسيا الصغرى مهمته التأكيد على أمر الإمبراطور بهدم المعابد الوثنية في كل البلاد، وكان طبيعي أن يثير ذلك القرار غضب الوثنيين.

حين وصل المندوب الإمبراطوري إلى أباميا Apamaea بسوريا، أرسل الجنود لتحطيم معبد زيوس هناك، ولأن المعبد كان كبيرًا ومبنيًا بطريقة قوية لم يستطِع الجنود هدمه. كان أسقف المكان واسمه مارسيللوس حاضرًا الهدم، فقال للمندوب أن يأخذ جنوده إلى مهمته التالية ويترك له مهمة هدم ذلك المعبد. في اليوم التالي مباشرة حضر أحد الرجال إلى الأسقف وأخبره أن بإمكانه تنفيذ المهمة بالكامل إذا دفع له الضعف، فوافق الأسقف وبدأ العمل بالحفر تحت بعض الأساسات الرئيسية للمبنى حتى يسقط. ثم كرر مارسيللوس نفس الطريقة مع معابد أخرى، حتى وصلوا إلى معبد تحصَّن فيه الوثنيين واستماتوا في الدفاع عنه، مما اضطر مارسيللوس للاختباء من السهام التي كانوا يستخدمونها، ولكن بينما كان يختبئ في مكمنه تقدم نحوه بعضهم وألقوه في النيران فنال إكليل الشهادة سنة 389م.

وقد أراد أبناؤه، إذ كان متزوجًا، الانتقام له منعهم حاكم المنطقة قائلاً: "جدير بكم أن تفرحوا أن الله وجد أباكم مستحقًا أن يموت من أجله".

Butler, August 14.

مارسيللوس الأسقف القديس

ولد في باريس وعاش حياة القداسة منذ صباه مكرسًا نفسه للصلاة والنمو في الفضيلة، حتى بدا أنه لا ينتمي إلى العالم أو الجسد. وبسبب شخصيته الجذابة ونموه في التعاليم المقدسة رسمه برودنتيوس Prudentius أسقف باريس قارئًا ثم بعد ذلك رئيس شمامسة. ومنذ ذلك الوقت وهبه الله صنع العديد من المعجزات، حتى أنه بعد نياحة برودنتيوس اختير هذا القديس بالإجماع ليخلفه.

بسبب صلواته نجّا شعبه من غارات البربر، كما يُنسب إليه أعاجيب عديدة منها نجاتهم من وحش ضخم. أخيرًا تنيّح بسلام في أوائل القرن الخامس الميلادي، ودفن على إحدى ضفاف نهر السين Seine، في المكان الذي صار الآن من إحدى ضواحي المدينة، ويسمى سان مارسييو Saint - Marceau.

Butler, November 1.

مارسيللوس الأول أسقف روما القديس

كان كاهنًا أيام القديس مارسللينوس Marcellinus وخلفه على كرسي روما في عام 308م، بعد أن ظل الكرسي خاليًا لمدة ثلاث سنوات ونصف. يقول عنه القديس داماسوس أنه بتشدده في تنفيذ التأديبات الدينية جلب على نفسه عداوة الكثير من الفاترين والمتمردين، ولتشدده تجاه أحد المُرتَدين نفاه ماكسنتيوس Maxentius. وقد تنيح سنة 309م في مكان غير معروف نُفى إليه. ويذكر أن إحدى الأرامل في روما واسمها لوسينا Lucina حوّلت بيتها إلى كنيسة بعد نياحته وسمت الكنيسة باسمه.

اعتُبِر في الكنيسة الأولى من الشهداء بسبب جهاده، ودُفِن جسده في روما تحت الهيكل الرئيسي في كنيسة أثرية تحمل اسمه.

Butler, January 16.

مارسيللوس القائد الشهيد

كان قائد مائة في الجيش واستشهد سنة 298م في زمن الإمبراطور دقلديانوس قبل اندلاع الاضطهاد الكبير في زمن هذا الإمبراطور. كان يعتقد أن الخدمة العسكرية تتنافى مع إيمانه المسيحي، مع أنه لم يُطلب منه الذبح للأوثان أو ممارسة أي عملٍ من أعمال الوثنيين.

في مدينة تينجيس Tingis (Tangier) وفى زمن رئاسة القائد فرتناتوس Fortunatus، أثناء الاحتفال بعيد ميلاد الإمبراطورين دقلديانوس ومكسيميان، وقف القائد مرسيللوس مناديًا بوثنية هذا الاحتفال، وخلع ردائه العسكري أمام جنوده، واعترف بصوتٍ عالٍ قائلاً: "أنا جندي يسوع المسيح الملك الأبدي ولا اخدم الإمبراطور وارفض آلهتكم المصنوعة من الخشب والحجارة، فما هي إلا أوثان صماء". اعتُقِل مارسيللوس وسيق إلى فرتناتوس الذي بعد محاكمته حوّله إلى رئيسه أجريكولان Agricolan. اعترف الشهيد أمام أجريكولان بكل ما حدث، وأصر على رأيه أنه مسيحي يخدم السيد المسيح ولا يخدم جيوش العالم، وأمام إصراره حُكِم عليه بقطع رأسه بالسيف، فسار في طريق الاستشهاد مصليًا من أجل اجريكولان.

Butler, October 30.

David Farmer: Oxford Dictionary of Saints.

مارسيللوس وأبوليوس الشهيدان

يقال أن هذان الشهيدان كانا من تلاميذ القديس سيمون ماجوس Simon Magus، الذي آمن بالسيد المسيح على يد بطرس الرسول واستشهد في روما بعد تعذيبه. غير أننا لا نعلم أي شئ عن سيرتهما أو تاريخ استشهادهما.

Butler, October 8.

مارسيللوس ورفقاؤه الشهداء

وقف سبعة عشر مواطنًا أمام قائد الكتيبة الطيبية، قيل أنهم كل مسيحيِّي أوكزيرينخس Oxyrynchus، بتهمة معارضة الأوامر الإمبراطورية بعبادة الآلهة الوثنية. كان على رأس المجموعة الشريف مارسيلوس وزوجته مامايا Mammaea وولداهما وأسقف وثلاثة كهنة وجندي وسبعة رجال وامرأة. أُحضرت المجموعة مقيدة بالسلاسل أمام حاكم ثمويس Thmuis، الذي حاول إخضاعهم لطاعة أوامره ولكنهم ثبتوا على إيمانهم، فحكم بإلقائهم للوحوش. في صباح اليوم التالي حاول مرة أخرى أثناء نزولهم للمسرح المُعَد لإلقائهم للوحوش، فصرخ فيهم: "ألا تخجلون من عبادة رجل قُتِل ودُفِن منذ سنوات طويلة بأمر بيلاطس بنطس؟" لكن كلامه هذا لم يؤثر في ثباتهم، وأخذ الأسقف ميليتيوس Miletius يتلو اعترافًا بلاهوت السيد المسيح. ألقوهم للوحوش التي لم تقترب منهم، حاولوا إحراقهم فلم تشتعل النار، أخيرًا قطعوا رؤوسهم بالسيف حوالي سنة 287م.

Butler, August 27.

مارسيللوس وفالريان الشهيدان

هروب الكاهن مارسيللوس

أثناء المذبحة التي أقامها ماركوس أوريليوس في ليون Lyons استشهد الأسقف بوثينوس Pothinus، بينما بتدخل إلهي هرب الكاهن مارسيلوس إلى إحدى المدن واستضافه رجل وثني.

رأى مارسيللوس مضيفه يقدم العبادة أمام تماثيل الأوثان، فناقشه وأقنعه ببطلان هذه العبادة، فاقتنع وآمن بالمسيح وتعمد.

إكليل الاستشهاد

اتجه مارسيللوس شمالاً وفي الطريق تقابل مع الحاكم بريسكوس Priscus الذي دعاه إلى احتفال يقيمه بمنزله فقَبِل الدعوة. وهناك وجد مارسيللوس أن الاحتفال يتضمن طقوسًا وثنية فاعتذر لكونه مسيحيًا. أثار هذا الرد الواقفين وأرادوا التنكيل به وقتله بعد أن رفض تقديم العبادة للأوثان، فربطوه بين شجرتين قربوهما من بعضهما ثم أطلقوهما، ثم دفنوه حيًا حتى وسطه في حفرة قرب النهر، فمات بعد ثلاثة أيام من الجوع والعطش، ونال بذلك إكليل الاستشهاد حوالي سنة 178م.

يربط البعض بين الشهيد مارسيللوس وشهيد آخر اسمه فالريان، هرب من السجن في نفس الوقت تقريبًا مثل مارسيللوس، وقُطِعت رأسه من أجل الإيمان في تورنوس Tournus.

Butler, September 4.

مارقيان الشهيد

هو أسقف هِراقليا Heraclea كرسي تراقيا the metropolis of Thrace، واستشهد سنة 304م أثناء اضطهاد دقلديانوس.

Butler, October 22.

مارقيان ولوسيان الشهيدان

درسا السحر الأسود واشتغلا به ثم تحولا إلى الإيمان المسيحي حين اكتشفا أن سحرهما يفقد قوته أمام شابة مسيحية عذراء، وبعد ذلك استشهدا في زمن اضطهاد ديسيوس للمسيحيين.

وقد وردت سيرتهما تحت اسم "لوسيان ومارقيان الشهيدان".

مارقيان ونيكاندر الشهيدان

عاش نيكاندر وماركيان في القرن الرابع الميلادي في الغالب في ديوروستورُم Durostorum ببلغاريا Bulgaria، وخدما لفترة في الجيش الروماني، ولكن حين صدرت مراسيم اضطهاد المسيحيين تركا الجندية، فكان ذلك سببًا في القبض عليهما وإحضارهما للمحاكمة أمام ماكسيموس Maximus حاكم الولاية.

أعلمهما القاضي بالأمر الإمبراطوري الذي يأمر الكل بالتبخير للأوثان فأجاب نيكاندر بأن هذا الأمر غير مُلزِم للمسيحيين لأنهم لن ينكروا الإله الحي لكي يعبدوا أخشاب وحجارة. أثناء ذلك كانت داريا Daria زوجة نيكاندر واقفة تشجع زوجها، فصرخ ماكسيموس نحوها: "أيتها المرأة الشريرة لماذا تريدين الموت لزوجك؟" أجابته داريا: "أنا لا أريد موته بل على العكس أن يعيش في الله فلا يموت أبدًا". وحين ادعى ماكسيموس أنها تريد موت زوجها لرغبتها في الزواج من آخر أجابته: "إذا كنت تشك في ذلك فعلاً اقتلني أنا أولاً".

تحوّل ماكسيموس إلى نيكاندر مرة أخرى وقال له: "راجع نفسك الآن وقرّر ما إذا كنت تريد الموت أم الحياة"، فأجابه نيكاندر: "لقد قررت بالفعل أن سلامتي هي ما أرغب فيه الآن". اعتقد القاضي أن نيكاندر قرر التبخير للأوثان للنجاة بنفسه، ولكن القديس خيَّب ظنه حين وقف وصلى بصوت عالٍ معلنًا فرحته للنجاة من ضيقات وتجارب هذا العالم. سأله القاضي: "كيف يكون هذا؟ إنك منذ قليل أعلنت رغبتك في الحياة والآن تطلب الموت؟" أجابه القديس: "الحياة التي أطلبها هي الحياة الأبدية وليس الحياة المؤقتة في هذا العالم. الآن أنا أسلم جسدي إليك لتفعل به ما تشاء، فإني مسيحي".

التفت القاضي إلى المتهم الآخر: "وما رأيك أنت يا مارقيان؟" فأعلن تمسكه بكل ما قاله زميله في المحاكمة، وعند ذاك أمر ماكسيموس بوضعهما في السجن حيث مكثا عشرين يومًا.

أُحضِرا مرة أخرى أمام القاضي الذي سألهما إن كانا ينويان إطاعة أوامر الإمبراطور، فأجابه مارقيان: "كل ما تقوله لن يجعلنا نترك ديننا أو ننكر إلهنا الذي نؤمن بوجوده معنا وأنه يدعونا إليه، فنرجو منك ألا تتأخر في إرسالنا إليه ذاك الذي صلب من أجلنا". إذ أعرب الحاكم عن رغبته في ضرورة تنفيذ الأوامر الصادرة إليه أمر بقطع رأسيهما، فشكره القديسان قائلان: "ليكن لك السلام أيها القاضي الطيب".

سارا فَرِحَين إلى مكان الإعدام وهما يمجدان الله أثناء مشيهما، وكانت تسير وراء نيكاندر زوجته داريا وطفله بابينيان Papinian الذي كان يحمله بين يديه شقيق الشهيد باسيكراتس Pasicrates. وأيضًا تبعت الشهيدان زوجة مارقيان ولكنها كانت تبكي وتنتحب محاولة بكل قوتها أن تثنيه عن عزمه فكانت تذكِّره بابنهما الصغير. وعند مكان الإعدام قبَّل مارقيان ابنه ونظر إلى السماء وقال: "يا سيدي وإلهي كلِّي القدرة، أنت تأخذ هذا الطفل تحت رعايتك وحمايتك"، ثم وبّخ زوجته لضعف إيمانها وطلب إليها أن تمضي بسلام لأنها لن تكون لها الشجاعة أن تراه يموت.

ظلّت زوجة نيكاندر بجواره وكانت تشجعه على الثبات والفرح، وقالت له: "ليتقوى قلبك يا سيدي. عشر سنوات عشتها في منزلي بعيدًا عنك ولم أكف عن الصلاة لكي أراك مرة أخرى، والآن قد استرحت وأحسب أنك ماضٍ إلى المجد وأحسب نفسي زوجة لشهيد. قدم لله الشهادة اللائقة بقداسته حتى تنتشلني أيضًاً من الهلاك الأبدي"، وكانت تعني أنه بعذاباته وصلواته لعله يجلب لها الرحمة. أخيرًا غمَّى الجلادون أعين الشهيدين بمناديل ثم قطعوا رأسيهما ".

Butler, June 17.

مارقيان القديس

وُلد هذا القديس بمدينة سيروس Cyrrhus بسوريا، وكان والداه من أصل شريف. إذ وضع مارقيان في قلبه ألا ينشغل بالله والعالم في وقت واحد، ترك أصدقاءه ومدينته واعتزل في برية شالكيس Chalcis بين إنطاكية والفرات، واختار أبعد منطقة من تلك البرية وبنى لنفسه صومعة ضيقة لدرجة أنه لم يكن يستطيع أن يقف أو يرقد دون أن يثني جسمه.

كانت وحدته فردوسًا، يقضي كل وقته في الترنيم بالمزامير والقراءة والصلاة والعمل. كان الخبز هو طعامه يحرص أن يأخذ القليل منه يوميًا حتى تكون فيه قوة لعمل ما يريده الله. وقد أشرق الله عليه بنوره الإلهي لتعزيته ومَنَحه معرفة أسرار الإيمان العظيمة. انتشر صيته وقداسة سيرته في كل مكان حتى أتى الكثيرون ليتتلمذوا على يديه، وكان أول تلميذين له يوسابيوس وأغابيتوس Agapitus.

في أحد الأيام أتى لزيارته فلافيان بطريرك إنطاكية مع عدد من أساقفته، وطلبوا إليه بإلحاح أن يكلمهم كلمة روحية. وقف مارقيان صامتًا أمام هذا الجمع العظيم، ولما ألحّوا عليه أن يتكلم قال: "إن الله يكلمنا كل يوم في خليقته وفي الكون من حولنا، يكلمنا في إنجيله ويعلمنا فيه ما يجب أن علينا أن نعمله لأنفسنا وللآخرين، فهل يستطيع مارقيان أن يضيف إلى كل ذلك شيئًا مفيدًا؟" وقد منحه الله موهبة عمل المعجزات حتى وُصِف بصانع المعجزات، وفي أحد الأيام أتاه أحد الرهبان نيابة عن رجل كانت ابنته مريضة يطلب منه بعض الزيت المقدس، فرفض مارقيان بكل شدة، إلا أن البنت شفيت في تلك الساعة.

قد عاش هذا القديس زمنًا طويلاً، وفي أواخر أيامه كان منزعجًا بسبب رغبة الكثيرين في الحصول على رفاته بعد نياحته، بل أن البعض في أماكن عديدة بنوا كنائس أملاً في دفن جسده بها. لذلك أوصى مارقيان تلميذه يوسابيوس واستحلفه أن يدفن جسده في السرّ، وقد تم له ذلك إلا أن بعد خمسين سنة من نياحته - التي كانت حوالي سنة 387م - أكتُشِف مكان دفنه ونُقِل رفاته بإكرام شديد، حيث صار مزارًا للكثيرين.

Butler, November 2.

مارك أسقف روما القديس

كان رومانيًا بالمولد وخدم الله ضمن إكليروس هذه الكنيسة. وكان أول أسقف لروما يُنتَخَب بعد تحرير الديانة المسيحية بيد الملك قسطنطين. لم تُثنِهِ الظروف الجديدة عن يقظته في رعاية شعبه، بل ضاعف من جهاده أثناء فترة السلام التي مرت بها الكنيسة، عالمًا أن الشيطان لن يترك المؤمنين طويلاً في هدوء.

لما أكمل جهاده تنيّح بسلام في الثامن عشر من يناير سنة 336م.

Butler, October 7.

مارك ومارسيليان الشهيدان

القبض عليهما

كانا شقيقين توأمين من أصل روماني شريف، تحولا إلى المسيحية في شبابهما وتزوجا.

في الاضطهاد الذي اندلع ضد المسيحيين بعد مُلك الإمبراطور دقلديانوس مباشرة قُبِض عليهما وأُلقيا في السجن وحكم عليهما خروماتيوس Chromatius نائب حاكم روما بقطع رأسيهما.

استطاع أصدقائهما إصدار عفو مؤقت لمدة ثلاثين يومًا على أمل أن يقنعاهما في تلك الفترة بتقديم القرابين حسب الأوامر، وانتقلا من السجن إلى منزل نيقوستراتُس Nicostratus الكاتب.

إطلاق سراحهما

التف حولهما زوجتاهما وأطفالهما الصغار ووالداهما الوثنيان ترانكيلينُس Tranquillinus ومارتيا Martia، وسعوا لديهما بإلحاح ودموع كثيرة لتغيير ثباتهما، ولكن القديس سيباستيانSebastian الذي كان في ذلك الوقت ضابطًا للإمبراطور كان يزورهما يوميًا ويشجعهما على الثبات. وكان من نتيجة اللقاءات الكثيرة والمحاورات التي جرت مع القديسين أن آمن أهلهما وأقاربهما، ونيقوستراتُس، وأخيرًا بعد فترة قصيرة خروماتيوس الذي أطلق سراحهما واستقال من منصبه مفضلاً حياة الاعتكاف.

استشهادهما

بعد خروماتيوس تولى المنصب فابيان Fabian الذي أعاد القبض عليهما وأمر بربطهما إلى عامودين خشبيين وسمّر أرجلهما فيهما وتركهما على هذه الحال لمدة أربع وعشرين ساعة، ثم طُعِنا بالحراب فاستشهدا، وكان ذلك في سنة 287م.

نُقل جسداهما من السراديب إلى كنيسة القديسين قزمان ودميان، وحاليًا توجد رفاتهما في كاتدرائية القديس براكسيدِس St. Praxedes بروما.

Butler, June 18.

David Farmer: Oxford Dictionary of Saints.

ماركيانا العذراء الشهيدة

كانت من سكان رُسكَّر Rusuccur بموريتانيا Muritania، وأثناء اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس احتقرت كل مجد العالم من أجل اقتناء النعمة السمائية، فأعلنت رفضها للآلهة الوثنية. ضُرِبت بشدة وأهانوا عذراويتها بتقديمها للجنود الرومان، لكن الرب أنقذها وحفظ عفتها بطريقة معجزية، فكانت سببًا في إيمان أحد هؤلاء الجنود بالمسيح. أخيرًا استشهدت سنة 303م حين مزقها ثور متوحش بقرونه، وذلك في مسرح مدينة قيصرية بموريتانيا، على بعد حوالي 100 ميل من مدينة الجزائر الحالية.

Butler, January 9.

مارو القديس

توحد القديس مارو بالقرب من مدينة قورش بسوريا، وعاش متعبدًا وحيدًا وكان يسكن كوخًا صغيرًا مغطى بالجلود ولكنه نادرًا ما كان يستخدمه مفضلاً البقاء في الهواء الطلق، وعندما عثر على بقايا معبد قديم للأوثان حوّله ليكون مكان صلاته وهكذا خصّصه للإله الحقيقي. وكان القديس يوحنا الذهبي الفم يقدّره ويحترمه، وكتب له من مكان نفيه في القوقاز Cucusus يطلب إليه الصلاة من أجله ويرجو أن يسمع منه قدر المستطاع.

تعلّم القديس مارو الصلاة من معلمه القديس زيبينوس Zebinus فكان يكرس أيامًا وليالٍ يقضيها في الصلاة دون ضجر، وكان يصلي واقفًا بخشوع مستندًا على عصاه إذ كان متقدمًا جدًا في السن. وكان يقدم نصائحه لسائليه وطالبي مشورته في أقل الكلمات، إذ كانت رغبته عظيمة في قضاء كل أوقاته في الشركة مع الله بالصلاة والتأمل.

كان القديس مارو يشبه معلّمه في إيمانه وطريقة صلاته، ولكنه كان يعامل زواره بطريقة مختلفة، فلم يكن فقط يستقبلهم بكرم وعطف عظيمين، بل وكان يشجعهم على البقاء معه فكان بعضهم يبقى ويقضي الليل معه واقفًا يصلي.

منحه الله مواهب كثيرة كما منحه موهبة شفاء العقل والجسد. وإذ شاع صيته كأب روحي قصده الكثيرون طالبين مشورته وتلمذ عددًا كبيرًا من المتوحدين وأسس عدة أديرة، نعرف على الأقل ثلاثة أديرة للراهبات حملت اسمه. ويقول ثيؤدورت Theodoret أسقف قورش أن عددًا كبيرًا من الرهبان الذين انتشروا في إيبارشيته كانوا ثمرة توجيهات هذا القديس. وأخيرًا سنة 433م بعد فترة مرض قصيرة بسبب ضعفه الشديد تنيّح القديس مارو، وبُنيت فوق مقبرته كنيسة عظيمة وحولها دير كبير.

وإلى هذا القديس يعود أصل تسمية المارونيت Maronites الذين كانوا يعيشون في لبنان ويعتبرون القديس مارو أباهم الأكبر ويذكرونه في قداساتهم.

Butler, February 14.

ماروتا الأسقف القديس

في اليوم الثاني والعشرون من شهر أمشير تحتفل الكنيسة بتذكار نياحة القديس ماروتا أسقف ميافرقين ونقل أعضاء القديسين الذين استشهدوا بها أيام دقلديانوس.

كان ماروتا رجلاً عالمًا فاضلاً، ولذلك وقع اختيار الملك ثيؤدوسيوس الكبير لإرساله إلى ملك الفرس لمفاوضته في أمر الهدنة التي كانا يرغبان في توقيعها. فأكرم الملك سابور وفادته وأسكنه في قصر ملكي، ولما علم ماروتا أن للملك ابنة مجنونة، طلب إحضارها إليه وصلى عليها فبرئت وفرح سابور بذلك وزاد في إكرامه. فطلب القديس من الملك أجساد القديسين الذين استشهدوا في بلاد فارس، فأذن له بذلك فأخذها وبنى لهم كنيسة ثم حصنًا كبيرًا حولها، وفيما بعد بنيت مدينة داخل ذلك الحصن دعوها باسمه "ماروتا".

وبعد أن أتمَّ عمله عاد إلى الملك ثيؤدوسيوس وأقام إلى أن تنيّح بروما.

السنكسار، 22 أمشير.

ماروثا السرياني الراهب القديس

الأنبا مقاريوس ويوأنس كامي في رؤيا

من بين الذين عاشوا في القرن التاسع الميلادي واستهوتهم قداسة الأنبا يحنس كامي راهب سرياني اسمه ماروثا. ففي ذات ليلة رأى ماروثا حلمًا عجيبًا أحس فيه بأنه اختطف إلى السماء ووقف بين القديسين والملائكة المحيطين بعرش النعمة، وبينما هو يتأمل هذه الجموع استلفت نظره رجلان بينهم، ثم همس في أذن ملاك قريب منه: "من هم هذان اللذان يشع منهما النور؟" أجابه الملاك: "إن الطويل منهما هو الأنبا مقاريوس أب رهبان برية شيهيت، والذي بجانبه هو يوأنس كامي الذي نهج منهجه".

ذهابه إلى مصر

غمرت النشوى قلب ماروثا لهذا الحلم لازمته إلى ما بعد يقظته، وكان من أثر هذه النشوى أن أمسك ماروثا بريشته ورسم صورة هذين القديسين كما رآهما في حلمه. وداوم على عمله ليل نهار فأتمه في أيام قليلة لكي تأتي الصورة مطابقة للرؤيا السماوية، وما أن فرغ من رسم هذه الصورة حتى غادر بلاده وجاء إلى مصر. ثم قصد لفوره إلى برية شيهيت وكان أول دير زاره هو دير الأنبا مكاري الكبير، ثم قصد إلى دير الأنبا يوأنس القصير ومنه إلى دير الأنبا يوأنس كامي. وقد وصل ماروثا حينما كان الأب شنودة هو مدبر رهبان هذا الدير، فقص الحلم الذي رآه على الرهبان ثم أراهم الأيقونة التي رسمها، ففاضت قلوب الرهبان فرحًا وشكرًا لله. وقضى ماروثا بضعة أيام بين رهبان دير يوأنس كامي فاستهوته حياتهم بما فيها من محبة وتواضع وخدمة، ومن ثَمَّ أعلن لهم رغبته في أن يقضي بقية حياته معهم فرحبوا به. وهكذا عاش ماروثا في الدير، ولما دنت ساعته أهدى للدير الصورة التي كان قد رسمها نتيجة للحلم الذي رآه ثم انتقل في هدوء وسلام.

قد نهج عدد من الرهبان السريان منهج ماروثا فجاءوا إلى مصر وعاشوا في دير الأنبا يوأنس كامي، فاعتاد المصريون أن يطلقوا اسم "دير السريان" على هذا الدير نسبة إلى هؤلاء الرهبان، ولا تزال هذه التسمية شائعة حتى اليوم.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثاني صفحة 469.

ماروثاس الأسقف القديس

أسقف مَيفركات

من آباء الكنيسة السريانية العظام في نهاية القرن الرابع الميلادي. كان أسقفًا على مَيفركات Maiferkat بين نهر دجلة Tigris وبحيرة فان Lake Van، بالقرب من الحدود مع بلاد فارس. كان يجمع سِيَر الشهداء الذين عُذِّبوا في عهد الملك سابور Sapor، وأحضر أجساد الكثيرين منهم إلى كنيسته، وكتب مدائح كثيرة عنهم باللغة السريانية.

سفره إلى القسطنطينية

حين اعتلى يزديجارد Yezdigerd عرش فارس سنة 399م، سافر القديس ماروثاس إلى القسطنطينية لكي يُقنِع الإمبراطور أركاديوس Arcadius باستخدام نفوذه مع ملك فارس الجديد ليخفف من اضطهاد المسيحيين هناك، ولكن في القسطنطينية وجد البلاط الإمبراطوري مشغولاً بقضية القديس يوحنا الذهبي الفم.

وفي رسالة إلى القديسة أوليمبياس Olympias، يكتب الذهبي الفم من منفاه طالبًا منها أن تبحث عن ماروثاس وتستفسر منه عن أحوال الكنيسة في بلاد فارس.

صداقته مع ملك فارس

ذهب ماروثاس إلى بلاط فارس ممثلاً للإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير، طالبًا من ملكها معاملة حسنة للمسيحيين في مملكته. ويقول المؤرخ سقراط Socrates أن معرفة هذا القديس بالطب مَكَّنته من علاج يزديجارد من صداعٍ عنيفٍ كان يصيبه، ومنذ ذلك الوقت أسماه الملك "صديق الله".

خاف المجوس أن يتحول ملكهم إلى المسيحية، فلجأوا إلى حيلة بأن خبَّأوا رَجُلاً تحت أرض معبدهم وحين أتى الملك للعبادة صرخ الرجل: "أَخرِجوا من هذا المكان المقدس ذاك الذي يُصَدِّق كاهنًا من المسيحيين". نتيجة لتلك الحيلة كان الملك يزديجارد ينوي طرد الأسقف، ولكن ماروثاس أقنعه بالعودة مرة أخرى إلى المعبد مؤكدًا له وجود حيلة، وفعلاً عادا ووجدا الرجل المختبئ في أرضية المعبد. عندئذٍ سمح الملك للأسقف ببناء كنائس أينما أراد، وكان الملك يحترم ماروثاس ويقدره، واستفاد الأسقف من ذلك في إعادة النظام إلى الكنيسة في بلاد فارس، واستمر هذا النظام قائمًا حتى دخول الإسلام في القرن السابع الميلادي.

الملك يضطهد المسيحيين

على أن أمل المسيحيين في أن يكون الملك يزديجارد "قسطنطين بلاد فارس" لم يتحقق، إذ أن مجهودات ماروثاس في زرع السلام حطّمه عنف أبداس أسقف سوسا Abdas of Susa الذي تسبب في عودة اضطهاد الملك يزديجارد للمسيحيين قرب نهاية حُكمِه، ولكن في الغالب أن ماروثاس لم يَعِش ليعاين هذا الاضطهاد، إذ كان قد تنيّح سنة 415م، بينما مات الملك يزديجارد سنة 420م. ويقول تاريخ القديس ماروثاس أنه اشتهر بعمل المعجزات، وكان محل احترام الجميع حتى معارضيه. وبسبب كتاباته يُعتبر أحد أعمدة الكنيسة السريانية بعد القديس مار إفرام.

Butler, December 4.

ماري أو مريم العذراء المعترفة

عبدة شاهدة للسيد المسيح

عاشت في القرن الرابع الميلادي وكانت عبدة لأحد أكابر الرومان يدعى ترتوللوس Tertullus وكانت مسيحية منذ طفولتها ولكنها كانت المسيحية الوحيدة في بيت سيدها. كانت تكثر من الأصوام والصلوات خاصة أثناء الاحتفال بالأعياد الوثنية، وكان ذلك سببًا في تذمر سيدتها عليها، ولكن كان يشفع لها أمانتها واستقامتها.

تسليمها للحاكم

حين بدأ اضطهاد المسيحيين حاول ترتوللوس إجبارها على ترك الإيمان ولكنه فشل في تحريك ثباتها. وخوفًا من فقدها إن هي وقعت في يد الحاكم، جلدها بكل قسوة ثم أخفاها في حجرة مظلمة في المنزل. عُرِف الأمر واتهم الحاكم ترتيللوس بإخفاء أحد المسيحيين في منزله، فاضطر إلى تسليمها للحاكم.

وقفت القديسة لتحاكم وحين سمع الجمع اعترافها باسم السيد المسيح طالبوا بحرقها حيّّة، فرفعت قلبها بالصلاة أن يعطيها الله ثباتًا ثم قالت للقاضي: "الرب الذي اعبده هو معي، لذلك لا أخشى تعذيبك الذي لا يستطيع إلا أن يأخذ حياتي، التي اطرحها من أجل السيد المسيح". أمر الوالي بتعذيبها وكانت تعذب بوحشية حتى أن الواقفين صرخوا من هول المنظر وطلبوا إطلاق سراحها.

تنيّحت بعد ذلك بميتة طبيعية، ولكن التقليد الروماني يعتبرها ضمن الشهداء من أجل العذابات التي تحملتها من أجل السيد المسيح.

Butler, November 1.

ماري وآداي الأسقفان

كانا حاضرين يوم الخمسين وكرزا في سوريا. وقد وردت سيرتهما تحت اسم "آداي وماري".

ماريام الصالح القديس

جاء في السنكسار الأثيوبي (النسخة العربية) أنه تنيّح في 21 بابه0

كانت والدته رمّانة الذهب ابنة داود ملك أثيوبيا، وكان أبوه الملك فاج.

حدث اضطهاد شديد على الكنيسة بسبب الإسلام. أمسك به المسلمون وخصوه، فحسب ذلك ربحًا من أجل إيمانه بالسيد المسيح. أرسلوه إلى الملك وكان تركيًا. وفى الطريق عذبوه، تارة بتعليقه منكسًا على الجمل، وأخرى بتركه عاريًا في حرارة الشمس القاسية مع العطش الشديد. وإذ مات الملك أُفرج عنه، فعاد إلى أثيوبيا وبنى الكثير من الكنائس، واهتم بالفقراء والمساكين وأعياد القديسين. عند قرب نياحته عتق عبيده وإماءه.

ماريان ويعقوب الشهيدان

استشهد هذان القديسان في لامبيزا Lambesa بنوميديا Numedia أثناء الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور فالريان. كان ماريان (ماريانوس) قارئًا ويعقوب شماسًا، واعتُقِلا في كيرتا (حاليًا قسطنطينية Constantine بالجزائر)، وقُدِّما للتعذيب العنيف. وقد روى ماريان أنه نام هذه الليلة بعد العذابات الشديدة، فرأى في حلم القديس كبريانوس - الذي كان قد استشهد في العام السابق - يدعوه للاستشهاد، بينما رأى يعقوب في حلم آخر اقترابه من النصرة.

بعد محاكمتهما أمام الوالي، اُرسِلا إلى لامبيزا على بعد حوالي ثمانين ميلاً. كان المكان عبارة عن وادي نهر يميل جانبيه إلى الارتفاع التدريجي، كما لو كان مقاعد طبيعية في مسرح. كان طابور الاستشهاد طويلاً، وعملت سيوف الجلادين في رقاب المؤمنين واحدًا بعد الآخر. وقبل أن يأتي دوره تكلم ماريان بروح النبوة عن العواقب السيئة التي تنتظر قتلة المؤمنين. أخيرًا قطعوا رأسه بحد السيف، وأخذت أمه مريم جسده واحتضنته وقبَّلته ودفنته مع رفيقه يعقوب، وكان استشهادهما سنة 259م.

Butler, April 30.

مارينا الشهيدة

نشأتها

نشأت القديسة مارينا بمدينة إنطاكية بيسيدية، في وسط آسيا الصغرى بفريجية على حدود بيسيدية، وهي غير "إنطاكية العظمى" مقر الكرسي الإنطاكي التي تقع على نهر العاصي على مسافة خمسة عشرة ميلاً من البحر الأبيض المتوسط.

كان دقلديانوس حاكمًا للبلاد وقد عُرف بشراسته في اضطهاد المسيحيين. وقد أصدر أوامره على كل المملكة أن كل من يسجد لغير أوثانه يعرّض نفسه للعقاب الشديد والموت. وخرج المنادون يصرخون "إن كل من لا يعبد الأوثان ويسجد لها يُطرح للوحوش الجائعة ويُعذب وتُؤخذ رأسه بحد السيف"، ونظم دقلديانوس عبادة الأوثان وأقام لها الهياكل وعيّن لها كهنة ورؤساء كهنة. وكان مقر رئيس هؤلاء الكهنة في إنطاكية بيسيدية ويدعى اسمه داسيوس وهو والد القديسة مارينا. وكان داسيوس بحكم وظيفته مثابرًا على عبادة أوثانه، كثير الانشغال بقرابينه وبخوره بإخلاص تام. ولما بلغت مارينا عامها الخامس ماتت والدتها وهي على عبادة الأوثان فرأى أبوها أن يسند تربية ابنته إلى مربية تقوم برعايتها أحسن رعاية وأفضل تربية.

القديسة في بيت مربيتها

كانت هذه المربية تقطن بلدة صغيرة مجاورة لمدينة إنطاكية بيسيدية تبعد عنها حوالي خمسة عشر ميلاً. هناك عاشت مارينا مع المربية القديسة بعيدًا عن أوثان أبيها وعن ممارساته. كانت هذه المربية على قدر كبير من الإيمان، والورع ومحبة الملك المسيح، كما كانت مولعة بسير القديسين وتعاليمهم. عاشت هذه الطفلة تتمتع ببركات المربية الفاضلة لا تسمع إلا الصلوات والابتهالات، ولا ترى إلا الوداعة والإيمان والرجاء. استطاعت مربيتها أن تلقنها الإيمان الحقيقي، لا بالكلام فقط بل بالقدوة الصالحة، والمعاملة الرقيقة والعطف الحاني والنبل في الخدمة. شعرت مارينا في هذا البيت بالراحة والفرح الذي أنساها والديها بسبب ما رأته ولمسته من مربيتها المسيحية من رحمة وإنسانية، فأحبّّت مربيتها حبًا جمًا وتعلقت بها نفسها وشبت على الخلق الكريم من شجاعة وطهارة وصدق مع الناس ومع نفسها.

عاشت مارينا مع مربيتها عشرة سنوات حتى بلغت الخامسة عشرة. ومات أبوها وهي في هذه السن، ففضلت القديسة البقاء في بيت مربيتها. كما كانت مربيتها تعتبر بقاء مارينا معها بعد وفاة والديها من نعم المسيح عليها.

جهاد القديسة

سمعت مارينا من مربيتها الكثير من سير الشهداء القديسين، عن ثباتهم في الإيمان واستبسالهم أمام الحكام والولاة. سمعت عن الشهداء الأطهار أنهم كانوا يتسابقون للشهادة ولسفك دمائهم من أجل عظم محبتهم في الملك المسيح. فنهضت تصلي قائلة: "أيها السيد المتحنن؛ أنت تعرف ضعف البشرية. وأنا أسألك أن تقويني لكي أغلب المضادين لك وأقدم لك السبح إلى الأبد. آمين".

وفي أحد الأيام قدم الوفارنوس الوالي الجديد لإنطاكية بيسيدية، وكان مكلفًا بالقبض على المسيحيين وتعذيبهم. وفيما كان مع جنوده يفتش عن المسيحيين إذا بالقديسة مارينا خارجة مع مربيتها فأبصرها وهو جالس في مركبته ورأى جمالها فعزم على أن يتخذها زوجة له مهما كلّفه ذلك. أرسل جنوده للقبض عليها فلما هموا بذلك شرعت تصلي قائلة: "ارحمني يا الله مخلصي ولا تهلك نفسي مع الكفار ولا حياتي مع سافكي الدماء ولا تتخلى عني، لئلا يُهلك الآثمة نفسي، ويدنّسوا مسامعي ويغيّروا فهمي، بل أرسل من العلاء وامنحني نعمة لأتقوى بقوتك؛ وأثبت بغير جزع وأجاوب هذا النجس بحسب سؤاله، لأني أنظر نفسي المسكينة كالشاة بين الذئاب الخاطفة، أو كالعصفور بين المقتنصين، وكالسمكة في شباك الصيادين. فتعالَ إلىَّ يا سيدي يسوع المسيح وخلصني من يد هذا الكافر النجس، ولك ينبغي السبح والكرامة إلى الأبد. آمين". ولما فرغت المختارة مارينا من مناجاة الرب يسوع رجع الجند إلى الوالي قائلين: "لم نتمكن من القبض على هذه الصبية لأنها تدعو باسم المسيح"، فاضطرب الوالي بمجرد سماعه أن الفتاة مسيحية.

أمام الوالي

غضب الوالي جدًا وحرّكه الشيطان ليُرهب هذه الفتاة الصغيرة بآلات التعذيب والتهديد بالموت. فأمر جنوده أن يحضروا (الجارية) أمامه فلما أحضروها قال لها الوالي: "من أي جنس أنت؟" أجابته أنا نصرانية ولست بأمة ". فقال لها:" فمن أية قبيلة أنتِ؟ وما اسمكِ؟ "أجابته القديسة مارينا قائلة:" أنا من قبيلة يسوع المسيح واسمي مارينا ". قال لها الوالي:" فأنتِ تدعين باسم يسوع الناصري الجليلي الذي صلبه اليهود؟ "أجابت القديسة:" نعم؛ أنا أدعو باسمه وإن كنت لست أهلاً لكي ينعم على نفسي الضعيفة ويخلصني من كفرك ونجاسة قلبك ". عند ذلك أمر الوالي أن يتحفظ عليها حتى لا تدخل المدينة. فلما دخل الوالي إنطاكية ليقدم الذبائح والبخور لآلهته أمر بإحضار القديسة مارينا. ولما مثلت بين يديه قال لها:" اعلمي يا مارينا إني أشفق على شبابك وحسن بهائك، فارجعي واطيعي أوامري واسجدي واذبحي للآلهة فتنالي مني أعظم العطاء، ويكون لك بذلك فضل على غيرك ". فأجابته القديسة المختارة" إني لا أتزعزع عن عبادة الله الحي؛ وإني أذبح ذبيحة الشكر لله العظيم مخلص الجميع. وإني أتمسك بعبادته وحده إلى الأبد ".

حينئذ خاطبها الوالي قائلاً: "بهذا الإصرار يا مارينا ستعرضين نفسكِ للعذاب الشديد، وتُبتر أعضاؤك بالحديد والنار. وستجتازين نيران غضبي، وليس من يخلصك من يدي سوى طاعتك لأوامري، وتخليكِ عن عنادكِ هذا، فتسجدي لآلهتي وتربحين نفسكِ وتحفظين جمالكِ. وإن فعلت هذا أغدق عليك أثمن العطايا وأرفعك إلى أعلى المراتب، فتصيرين لي زوجة وتصبحين من الأميرات". أجابته القديسة قائلة: "أتظن أني أفزع من تهديداتك؟ أنا أؤمن أن إلهي الصالح سوف يقويني ويرسل لي عونًا من قدسه. أنا أعلم أنه ليس لك سلطان إلا على جسدي، أما روحي فليس لك سلطان عليها كما يقول إلهي في إنجيله المقدس... وأما أنا فإني على أتم استعداد لقبول أي عذاب لكي يؤهلني هذا للراحة مع العذارى الحكيمات اللواتي فُزن بالعريس الحقيقي يسوع المسيح، وصرن أهلاً للمضي معه إلى العرس. لأن سيدي يسوع المسيح الذي أعبده بذل نفسه للموت من أجلنا، وأنا لست مستحقة أن أبذل جسدي وأن أحتمل جميع العذابات من أجله". عند ذلك أمر الوالي أن تُربط يداها بالحبال وأن تقيد رجلاها وتضرب بالعصي والسياط.

مجد الألم

كان نظر القديسة متجهًا إلى السماء وهي تقول: "إليك يا رب رفعت نفسي. إلهي عليك توكلت، فلا تدعني أخزى ولا تشمت بي أعدائي، لأن كل منتظريك لا يخزون؛ ليخز الغادرون بلا سبب... لأنني احتمل هذه العذابات من أجل اعترافي باسمك القدوس. ارسل رحمتك وتحننك لكي يتحول حزني هذا إلى فرح." وبينما كانت القديسة مارينا ترنم مسبحة كان الجند يضربونها ضربًا مبرحًا حتى تمزق جسدها وسال دمها غزيرًا، وعندئذ ظهر لها رئيس الملائكة الجليل ميخائيل وقال لها: "عظيم إيمانك يا مارينا، تقوِ في الإيمان أكثر لأن باعترافك الحسن تحيا نفسك وستنالين المعمودية المقدسة".

وكان الشعب الواقف ينظر إليها ويبكي وقال بعضهم: "يا مارينا إن جسدك الجميل المشرق أهلكه هذا الوالي القاسي، وهو مزمع أن يمحو اسمك عن وجه الأرض فاخضعي لأوامره وآمني بآلهته حتى تخلصي من عذابه." فأجابت القديسة قائلة: "إن الله قد أعانني وأرسل رئيس الملائكة ميخائيل لي وحمل عني هذه الآلام، وشفي أوجاعي وقواني وكشف عن عيني فرأيت عجائب الرب، فماذا تريدون أنتم يا قليلي الإيمان؟ فإن كان جسدي يهلك، فإن روحي تتجدد، وتكون مع أرواح العذارى الحكيمات. أما أنتم فاسمعوا وآمنوا بالرب فإنه يسمع لكل الطالبين إليه. أما أنا فلا أسجد لآلهة بكماء عمياء مصنوعة بأيدي الناس".

ثم نظرت مارينا إلى الوالي وقالت له: "كلما أردت أن تصنع حسب تعاليم أبيك الشيطان فاصنعه بأقصى سرعة. لأن إلهي قد عزّاني وهو لي معين. وإن كان لك سلطان على جسدي فليس لك سلطان على روحي، لأن إلهي وحده له سلطان عليها، وهو يخلصني من يديك، لأن قوة الله بعيدة عنك وستحل بك العقوبة الأبدية".

أمر الوالي أن يمشطوها بأمشاطٍ من حديد، فرفعت القديسة المختارة مارينا نظرها إلى السماء وقالت: "لأنه قد أحاطت بي كلاب جماعة من الأشرار اكتنفتني وقبضوا عليّ. وأنت يا الله أسرع إلى معونتي من القوم الغرباء ونجِ وحيدتك وخلصني من فم الأسد..." (مز 22: 16)، عند ذلك أمر الوالي أن تُطرح في السجن.

في السجن

عند دخولها رشمت نفسها بعلامة الصليب قائلة: "أيها القدوس مثبت كل الأمور الصالحة بيديك. ومن خوف مجدك ترتعد كل الخليقة. أنت رجاء التائبين ومحرر المأسورين. أنت أب اليتامى وقاضي الأرامل. أنظر إلى ذلي ومسكنتي ونجني ولا تتخلى عني يا إلهي، لأني قد رفعت نفسي إليك يا إلهي، وليس لي رجاء غيرك".

وكان ثاؤفيموس كاتب سيرتها يحضر لها الخبز والماء من عند مربيتها من طاقة السجن وكانت تكتب له كل ما يحدث لها. فبينما كانت تصلي في الليل ظهر لها ميخائيل رئيس الملائكة ورشمها بعلامة الصليب المقدس، فتلاشت من جسدها كل جراحاتها وأوجاعها، وكانت تنظر إلى الضوء المحيط بالسجن وكان أبهى من ضوء الشمس. ثم قال لها رئيس الملائكة: "تقوِ يا عروس المسيح القديسة المختارة مارينا فستنالين ما سألتِ؛ ستقاتلين عدوكِ الشيطان وتنظرينه وجهًا لوجه وتغلبينه، وستنالين المعمودية المقدسة، وسترتفع روحك إلى النعيم الأبدي." ثم أعطاها ميخائيل السلام وصعد إلى السماء بمجد عظيم. وبقيت القديسة مارينا تصلي إلى الصباح، حين أمر الوالي باستدعائها.

مزيد من التعذيب الوحشي

لما حضرت ونظر إليها لم يرَ في جسمها شيئًا من أثر الألم فقال لها: "يا مارينا بحق قد ظهر سحرك اليوم!" فقالت له: "لست بساحرة، بل أنا عبدة ليسوع المسيح، والآن لتفضح أنت وأوثانك النجسة". حينئذ أمر الوالي أن تنشر بمنشار حديد قائلاً: "حتى أبصر إن كان المصلوب يخلصك من يدي"، ثم أمر أن يقطع لحمها بالسكاكين، وتطرح في السجن حتى ينتن جسدها ظانًا أنها ماتت. فما أن دخلت السجن حتى أتى إليها رئيس الملائكة ميخائيل وقال لها: "تقوِ لتغلبي أعداءك وتظفري بإكليل الفرح." ثم رشمها بعلامة الصليب المقدس فعوفيت تمامًا.

التنين

بينما هي قائمة تصلي خرج إليها من أحد أركان السجن تنّين عظيم مفزع، فعندما رأته القديسة فزعت وركعت تصلى قائلة: "أيها الإله غير المنظور الذي ربط الشيطان وحلّ من ربطهم الشيطان، محيي الموتى، وكاسر قوة التنّين العظيم، أنظر إليّ وارحمني لأغلب هذا الوحش الرديء بقوتك". وتقدم التنّين من القديسة وفتح فاه وابتلعها وكانت يدا القديسة مرفوعتين بعلامة الصليب وهي في جوف الوحش، فانشق جوفه وخرجت منه القديسة، ولم يمسها أذى، أما التنّين فمات لوقته.

الشيطان

ظلت مارينا واقفة تصلي ثم التفتت إلى ركن السجن الأيسر فرأت الشيطان بشبه إنسان جالسًا على الأرض وقد عقد يديه على ركبتيه. فصلت مارينا قائلة: "يا سيدي يسوع المسيح بدء الحكمة ملك الملوك صخر الدهور، أشكرك يا إلهي صخر الملتجئين إليه، مدبر السائرين، إكليل العذارى، مخلص العالم". فلما صلت أمسكت الشيطان بيدها فقال لها: "يا مارينا اطيعي الوالي فيما يأمرك به". فالتفتت مارينا حولها ووجدت مطرقة فأخذتها وشرعت تدق بها رأس العدو ثم وضعت قدمها على عنقه، وقالت: "كف عني يا شرير فإن إلهي يخلصني من كل خطية لأني بالحق أعبده". فلما قالت هذا أشرق عليها نور باهر في السجن وظهر لها صليب المسيح وشبه حمامة فوقه؛ وقالت للقديسة: "أيتها العذراء القديسة مارينا قد أعد لك إكليل النور والفرح وها أبواب الفردوس مفتوحة في انتظارك".

عادت وربطت الشيطان بعلامة الصليب و "صلّبت" على الأرض فانشقت وصارت هاوية وانطرح فيها.

العماد

في الغد أمر الوالي بإحضار القديسة وأعاد عليها أوامره بالسجود للأصنام، ولما رفضت أمر جنده أن يجروها ويعلقوها ثم يحرقوها. ففعل الجند كما أمرهم الوالي ثم إزاء إصرار القديسة على عدم الإذعان لأوامر الوالي بعبادة أصنامه أمر الوالي أن تُربط يدا مارينا ورجلاها وأن توضع في ماءٍ يغلي. فلما فعل الجند وألقوا القديسة في الماء نظرت نحو السماء قائلة: "أيها الساكن في السماء أسألك أن تحل ربطي، وأن تجعل لي هذا الماء معمودية؛ وألبسني ثوب الخلاص. وانزع عني الإنسان العتيق، وألبسني الجديد، واجعلني أهلا بهذا العماد لأرث الحياة الأبدية، وثبِّت فيَّ إيماني".

عند ذلك حدثت زلزلة عظيمة وانحلت رباطات مارينا وغطست في الماء ثلاث مرات باسم الآب والابن والروح القدس وخرجت من الماء وهي تسبح الله. ثم جاء صوت من السماء سمعه كل الحاضرين قائلاً: "أيتها المباركة مارينا ها أنت قد اصطبغت بالمعمودية المقدسة. طوباكِِ لأنك استحققت إكليل البتولية." في تلك الساعة آمن كثيرون واعتمدوا في الماء ونالوا إكليل الشهادة حينئذ أمر الوالي بقطع رؤوسهم جميعا بحد السيف.

الاستشهاد

تحقق الوالي أن وجود مارينا يشكل خطرًا على أوثانه وعبادتها فأمر بقطع رأسها. فأخذها الجندي المكلف بهذا وخرج بها خارج المدينة وهناك قال لها أنه يؤمن بالمسيح وقال: "إني أنظر يسوع المسيح مع الملائكة." حينئذ قالت له القديسة: أسألك أن تمهلني قليلاً لكي أصلي، فأذن لها فشرعت القديسة المختارة مارينا تصلي.

وعند انتهاء صلاتها صارت للوقت زلزلة عظيمة، وإذا بالمخلص مع الملائكة القديسين يوافون القديسة المختارة فارتعدت مارينا جدًا؛ وطرحت نفسها على الأرض أمام المخلص فقال لها: "لا تخافي يا مارينا، لقد أتيت إليكِ لأكمل لك جميع طلباتك". ومد السيد يده وأقامها وقال لها: "قومي يا مارينا، طوباك لأنك ذكرت في صلاتك جميع الخطاة، وسأعطيكِ كل ما طلبتِ وأكثر مما طلبت..."

هنا قالت القديسة للسياف: "أيها الأخ افعل ما أُمرت به". فأجابها: "لا أستطيع أن أقتل عبدة المسيح المباركة." فقالت الشهيدة المختارة: "إن أنت لم تتمم ما أُمرت به فليس لك معي نصيب في ملكوت السموات". عند ذلك تقدم السيّاف مرتعبًا وقطع رأس الشهيدة القديسة وهو يقول: "يا رب لا تقم لي هذه الخطية". ثم قطع رقبته على اسم إله مارينا الشهيدة ووقع عن يمينها. عندئذ تزلزلت الأرض وهرع كثيرون من المرضى وذوي العاهات إلى جسدها يتباركون به ويطلبون شفاعتها، فبرئوا من أمراضهم وعاهاتهم، ورأى كثيرون الملائكة يزفون جسد الشهيدة قائلين: "ليس لك شبيه يا رب". وآمن جمع غفير واستشهد أكثرهم حين رأوا مجد شهادة القديسة المختارة مارينا ونالوا أكاليل المجد معها.

دكتور إميل بشاي: الشهيدة القديسة المختارة مارينا، 1997.

مارينا الناسكة القديسة

بين أيدينا قصة فتاة تحدّت الطبيعة، فتزيّت بزي الرجال لتمارس الحياة النسكية القاسية بفرح. ووُجه إليها اتهام سبب لها متاعب حتى لحظات انتقالها ولم تدافع عن نفسها. استطاعت أن تحرك السماء للدفاع عنها بعد انتقالها، وأن تكون سبب توبة وبركة لكثيرين.

نشأتها

غالبًا ما ولدت في بلاد بيثينية في القرن الثامن. كانت هذه القديسة ابنة رجل غني جدًا وكانت تسمى مريم. تيتّمت من أمها سارة، وهي صغيرة جدًا فربّاها أبوها أوجاتيوس وأدّبها بكل أدب، ولما أراد أن يزوجها ويمضى هو إلى أحد الأديرة ليترهب هناك، إذ قال لها: "الآن قد بلغتِ سن الزواج، وسيؤول كل هذا المال والأملاك والخدم والماشية إليكِ... لقد خطر ببالي أن أودِعكِ ومالكِ وخدمكِ عند أحد أقربائنا، أو تتزوجين بإنسانٍ مبارك يخاف الله وترزقين منه أولادًا مباركين. فإني زهدت في العالم الزائل وجميع مقتنياته ولذّاته ونعمته التي ليس لها دوام. وسأتوجّه إلى أحد الأديرة لكي ألبس الإسكيم الملائكي وأبكي علي خطاياي الكثيرة، لعلّي أقدر أن أخلّص نفسي الشقية وأنجو من سائر الأفكار الرديئة".

فلما سمعت مريم ذلك بكت بمرارة ثم ألقت نفسها بين يدي أبيها قائلة له: "لماذا يا والدي تخلّص نفسك وتُهلك نفسي؟" فأجابها: "ماذا أصنع بكِ وأنتِ امرأة؟" فقالت له: "انزع عني زي النساء وألبسني زي الرجال". ونهضت في الحال وحلقت شعر رأسها وخلعت ما عليها ولبست زي الرجال. فلما رآها أبوها قوية في عزمها، مجتهدة في إتمام غرضها، صرف جميع الخدم، ووزّع كل ماله على الفقراء والمساكين والضعفاء والأرامل والأيتام والمأسورين، وأوْقف علي الكنائس بعض أملاكه، ولم يبقِ شيء له أو لابنته. وقفا يصلّيان معًا وخرجا من منزلهما طالبين رحمة الله ومغفرة خطاياهما.

ثم أخذها والدها بيدها وانطلقا معًا سيرًا علي الأقدام حتى بلغا إلى الدير. قبلهما الأب المسئول بفرح بعد أن قدم الأب ابنته علي أنها ابنه مارينا، وأعطاهما قلاية ليعيشا معًا.

جاء في كتاب مروّج الأخيار بأن الأب ترهب أولاً وإذ خاف علي ابنته طلب من رئيس الدير أن يُحضر ابنه الصغير فسُمح له فالتقى بابنته وأتي بها إلى الدير بكونها ابنًا له، وكان الرهبان يدعونه "الأخ مارينا".

قال الرهبان للأب رئيس الدير: "لقد أوصيتنا يا أبانا أن نختبرهما ونعلّمهما، ونحن يلزمنا أن نتعلم منهما، ولا سيما من الشاب الصغير الذي ليس له لحية. إن ذكرنا له وصايا من الكتب وجدناه يحفظها، وإن ذكرنا نبوّات وجدناه يتلوها، وإن ذكرنا الأناجيل الأربعة فهو يستوعبها..."

بعد الاختبار البسهما الأب إسكيم الرهبنة. عاشا معًا قرابة عشرة سنوات ثم مرض الشيخ المبارك. أوصي ابنته ثم طلب من رئيس الدير أن يهتم بابنه مارينا، وأسلم الروح.

الأب مارينا

بقيت القديسة وحدها فضاعفت صلواتها وأصوامها وزادت في نسكها، ولم يعرف أحد أنها امرأة بل كانوا يظنّون أن رقة صوتها إنما هو من شدة نسكها وسهرها في صلواتها. وذاع صيتها في بقاع كثيرة، وأخذ كثيرون يتردّدون علي الدير بسببها.

إيفاد مارينا في مهمة خارج الدير

اتفق أن رئيس الدير أرسلها مع ثلاثة من الرهبان لقضاء مصالح الدير فنزلوا في فندق للمبيت، وكان أحد جنود الملك فيه تلك الليلة فأبصر الجندي ابنة صاحب الفندق فاعتدى على عفافها، ولقّنها بأن تقول لأبيها أن الأب مارينا الراهب الشاب هو الذي فعل ذلك. فلما حبلت وعرف بها أبوها سألها فقالت: "أن الأب مارينا هو الذي فعل بي هذا الفعل". فغضب أبوها لذلك وأتى إلى الدير وبدأ يسب الرهبان ويلعنهم. ولما اجتمع به الرئيس طيّب خاطره وصرفه، ثم استدعى هذه القديسة ووبّخها كثيرًا، فبكت عندما وقفت على الخبر وقالت: "إني شاب وقد أخطأت فاغفر لي يا أبى". فحنق عليها رئيس الدير وطردها من الدير، فبقيت على الباب زمانًا. ولما ولدت ابنة صاحب الفندق ولدًا حمله أبوها إلى القديسة وطرحه أمامها فأخذته وصارت تتنقل بين الرعاة وتسقيه لبنًا. ثم زادت في صومها وصلاتها مدة ثلاث سنين وهى خارج الدير إلى أن تحنّن عليها الرهبان وسألوا رئيسهم أن يأذن بدخولها، فقَبِل سؤالهم وأدخلها الدير بعد أن وضع على القديسة قوانين ثقيلة جدًا، فصارت تعمل أعمال شاقة من طبخ وكنس وسقى الماء خارج عن الفروض الرهبانية والقوانين التي وضعت عليها.

الابن أفرآم

طلبت مارينا من رئيس الدير تعميد الطفل بعد أن صنعت مطانية وقالت: "أرجوك يا أبتِ أن تعمد هذا الطفل ولا تؤاخذه بخطية أبويه". وإذ كبر الطفل لبس زي الرهبنة ودعي "أفرآم"، وحلّت نعمة الله عليه. وكان أفرآم يشفق علي مارينا، فكثيرًا ما كان يقول له: "استرح يا أبي، فإني شاب وأستطيع أن احتمل التعب ولا أخور بسرعة". وكان مارينا يحبه حبًا جمًا، وتعزّي به.

محبتها للغرباء

اعتادت مارينا أن تملأ جرتها ماء وتحملها إلى شجرة بجوار الدير وتضعها بالليل ومعها نصيبها من الطعام إذ لم تكن تترك لنفسها إلا القليل جدًا. وتترك الماء والطعام لعابري الطريق الذين يستظلّون تحت الشجرة فيجدون ماءً وطعامًا يوميًا.

لاحظ راهب قس ما تفعله مارينا فانتظر إلى عودتها، وإذ أغلقت الباب بدأت تصلي من أجل الاخوة الذين توسّلوا عنها لدي رئيس الدير لإنقاذها من البقاء في الصحراء مع طفلها، كما كانت تصلي من أجل رئيس الدير الذي قبلها.

شعر القس بأن مارينا حتمًا راهب مظلوم، فانطلق إلى رئيس الدير يروي له ما رآه كل ليلة وهي تقدم طعامها لعابري الطريق، وتصلي بحرارة من أجل رئيس الدير وكل الرهبان. قال له: "يا أبي إني أري أن مارينا برئ من هذه التهمة". أما الأب الرئيس فقال له: "لقد اعترف مارينا علانية أنه أخطأ، وهو يقدم توبة يومية عن ذنبه".

بقيت مارينا في هذه السيرة الحسنة لمدة 40 سنة (ربما بما فيها مدة بقائها مع والدها في الدير). وكان الشاب يعمل بمحبة وبشاشة وصار محبوبًا جدًا في كل الدير.

نياحتها

مرضت مارينا حتى لم تستطع الذهاب إلى كنيسة الدير، وكان أفرآم يخدمها وهو يبكي. أما هي فكانت تعزّيه من الكتاب المقدس.

عرف الرهبان بمرض مارينا فجاءوا إليه ليعزوه ويصلّوا من أجله. وإذ أخبروا الأب الرئيس بذلك ظن أن المرض بسبب القوانين الصارمة التي وُضعت علي مارينا، فأرسل طعامًا وشرابًا.

بعد ثلاثة أيام من مرضها أوصت أفرآم بالطاعة للوصية الإلهية والأب الرئيس والرهبان. ثم أسلمت روحها الطاهرة بهدوء، فصرخ أفرآم بمرارة وجاء الاخوة وبكوا.

أمر الرئيس أن يحملوا مارينا إلى الموضع الذي يُغسل فيه كل من يتنيّح. وعندما نزعوا ثيابها وجدوها امرأة فصاحوا جميعا قائلين: "يا رب ارحم". وأعلموا الرئيس فأتى وتعجب وبكى نادمًا على ما فعل، ثم استدعى صاحب الفندق وعرّفه بأن الراهب مارينا هو امرأة. فذهب إلى حيث هي وبكى كثيرًا. وبعد الصلاة على جثتها تقدموا ليتباركوا منها، وكان بينهم راهب بعين واحدة فوضع وجهه عليها فأبصر للوقت. ولما دُفنت أمر الله شيطانًا فأخذ ابنة صاحب الفندق والجندي صاحبها وظل يعذبهما إلى أن أتى بهما إلى قبرها وأقر الاثنان بذنبهما أمام الناس. وقد أظهر الله من جسدها عجائب كثيرة، صلاتها تكون معنا آمين.

يوسف حبيب: القديسة مارينا الراهبة - عن مخطوطات دير البراموس.

مارينوس القديس

كان يعمل قاطعًا للحجارة، وإذ علم أن أسوار مدينة ريميني Rimini بإيطاليا يعاد بناءها مضى إليها مع صديقه القديس لاون St. Leo بحثًا عن عمل. أثناء عملهما تعرَّفا على مجموعة من المسيحيين من أصل شريف، حُكِم عليهم بالعمل في الحجارة عقابًا لهم على تمسكهم بإيمانهم المسيحي. عمل مارينوس ولاون على مساعدتهم وتعزيتهم وتشجيعهم على الثبات في الإيمان، كما استطاعا أن يحوِّلا مجموعة أخرى من العمال إلى المسيحية.

بعد ثلاث سنوات أقيم لاون كاهنًا في ريميني على يد أسقفها، بينما رُسِم مارينوس شماسًا وعاد لممارسة عمله في الحجارة حتى يستمر في خدمته في تثبيت المعترفين وتحويل غير المؤمنين. وظل في عمله هذا 12 سنة، وكان نموذجًا للصانع الماهر والمسيحي القدوة. ثم حدث له حادث غريب إذ ادَّعت امرأة أن مارينوس هذا هو زوجها الذي هجرها منذ مدة طويلة. فقد مارينوس صوابه وهرب من أمامها واختبأ في أحد الكهوف إلى أن فقدت الأمل في العثور عليه، بينما فضَّل هو أن يُكْمِل حياته كمتوحدٍ في كهف. وقد بُنى في هذا المكان بعد ذلك دير، قامت في موضعه مدينة سان مارينو، وكانت نياحة هذا القديس في القرن الرابع الميلادي.

Butler, September 4.

مارينوس وأستيريوس الشهيدان

في تاريخ الكنيسة الذي كتبه يوسابيوس Eusebius يصف استشهاد مارينوس سنة 262م الذي كان من عائلة شريفة من قيصرية بفلسطين، ولخدمته المتميزة في الجيش تقرر منحه أحد الأوسمة الرفيعة. كان ينافسه في الحصول على نفس التكريم والوسام أحد زملائه الذي اعترض مدّعيًا عدم استحقاق مارينوس لهذا الوسام لكونه مسيحيًا وبالتالي لم يقدم البخور للإمبراطور، ويطلب استبعاده من هذا الشرف.

قام الحاكم أكايوس Achaeus باستجواب مارينوس، وحين اعترف بإيمانه منحه ثلاث ساعات لكي يعيد التفكير في موقفه. وحال خروج القديس من المحكمة قابله ثيئوتِكْنُس Theotecnus أسقف المدينة، الذي قاده إلى الكنيسة وأوقفه بالقرب من المذبح. أشار الأسقف إلى السيف المتدلي بجانب مارينوس ثم إلى الكتاب المقدس، وطلب إليه أن يختار بين الاثنين، وبدون تردّد مدَّ مارينوس يده وأخذ الكتاب المقدس. قال له الأسقف: "اُثبت في الله حتى يقويك، وحتى تستطيع بهذه القوة أن تنال ما قد اخترته. اذهب بسلام".

عند عودته أمام القاضي اعترف بإيمانه بكل شجاعة وتصميم مثل المرة السابقة، فعلى الفور أُخِذ ليتم إعدامه. وكان أستيريوس أحد أشراف روما ومن المقربين من الإمبراطور حاضرًا عند استشهاد مارينوس، فلفَّ جسد الشهيد في عباءته وحمله بين يديه ودفنه بإكرام. ومع أن يوسابيوس لا يذكر أن أستيريوس نفسه قد استشهد، إلا أن روفينُس بالإضافة إلى السنكسار الروماني والسنكسار اليوناني يكرمانه كشهيد.

Butler, March 3.

مارية القديسة

راجع سيرة مارينا الراهبة.

بستان القديسين، صفحة 83.

ماريوس الفارسي وأسرته الشهداء

كانت مرثا إحدى الشريفات ببلاد فارس (إيران)، أشرق عليها نور الإيمان فقبلت هي وزوجها ماريوس أو ماريس Maris وابناهما أباخم Abachum وأوديفاكس Audifax الحياة الجديدة في المسيح يسوع. تهللت نفوسهم بالله مخلصهم، فكانوا يقضون أوقاتًا طويلة في الصلاة، كما كانوا محبين للفقراء. باعوا كل ممتلكاتهم ووزعوها على الفقراء تحقيقًا لوصية السيد المسيح: "إن أردت أن تكون كاملا، اذهب وبع كل أملاكك وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" (مت11: 19).

في روما

انطلقت هذه الأسرة من فارس إلى روما للتمتع ببركة أجساد بعض الرسل والشهداء.

وفي روما كان الإمبراطور كلوديوس Claudius يضطهد المسيحيين في ذلك الوقت، وبأمره سيق الكثير منهم إلى المسرح الكبير حيث استشهدوا بعد أن أطلق عليهم الجنود سهامهم، ثم أخذوا أجسادهم وأحرقوها. كانت ساحات الاستشهاد مليئة بالمؤمنين. وكان الجنود الرومان يجدون لذتهم في ضرب المسيحيين بالرماح وإحراق أجسادهم أمام الجماهير الوثنيين بغير رحمة.

جمع الجواهر الثمينة

تشبهت هذه الأسرة بالقديس يوليوس الأقفهصي الذي كان يجمع رفات الشهداء بكل احترام ويرسلها إلى بلادهم ويكتب سيرتهم. ففي وسط نيران الاضطهاد كانت مرثا وماريوس وابناهما ينطلقون نحو الجند ويدفعون لهم أموالاً بسخاء ليسمحوا لهم بجمع رفات الشهداء بكونها جواهر ثمينة.

أمام الإمبراطور

سمع الإمبراطور عن شجاعة هذه الشريفة الفارسية وكل أسرتها فاستدعاهم. أما هم فوقفوا أمامه بلا خوف ولا اضطراب، فقد ارتفعت قلوبهم إلى أورشليم العليا لتتمتع بالشركة مع السيد المسيح المصلوب.

حاول الإمبراطور إغراءهم بكل الوسائل فلم يفلح. بدأ يستخدم العنف والتعذيب موجهًا إليهم ثلاثة اتهامات خطيرة، عقوبتها الإعدام. الاتهام الأول هو الإيمان بالسيد المسيح، والثاني هو جميع أجساد الشهداء ورفاتهم، والثالث هو حث المسيحيين على عصيان الإمبراطور وعدم إنكار الإيمان بالمسيح.

إذ فشل الملك بكل وسائله أمر بإغراق مرثا في المياه على بعد 13 ميلاً من روما في مكان يسمى الآن سانتا نينفا Santa Ninfa، وقطع رؤوس الزوج والابنين، فنالوا إكليل الشهادة. وكان استشهادهم حوالي سنة 260م.

Butler, January 19.

ماكرينا العذراء القديسة

سيرة القديسة ماكرينا التي سجّلها أخوها القديس غريغوريوس أسقف نيصص هي إنجيل حي عملي مفتوح أمام أعيننا، ترفع النفس إلي السماء لكي يتمتع المؤمن بالوعود الإلهية الصادقة. سيرتها تكشف بقوة عن دور المرأة المسيحية في حياة الكنيسة، فقد قدمت لنا شخصيات قيادية نادرة بفضل اهتمامها بهم.

نشأتها

وُلدت حوالي سنة 330م من أبوين مسيحيين تقيّين غنيّين ذوي صيت، في مدينة قيصرية الكبادوك، يُسميان باسيليوس وإميليا. وكان باسيليوس هذا محاميًا وخطيبًا، ذا مركز سامٍ في المجتمع، له خمسة أبناء وخمس بنات، وكانت القديسة ماكرينا أكبرهم.

في أيام الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس هرب أجدادها إلى منطقة بُنطس Pontus الجبلية لأجل الأمان، وقد عانوا متاعب كثيرة. قيل أن جدّها –لأمها - قد استشهد وفقد ممتلكاته. لكن بعد سنوات قليلة يبدو أن العائلة عادت إلى العاصمة "قيصرية الكبادوك" أو "قيصرية الجديدة" في بنطس واستقرت هناك.

كانت والدتها إميليا تشتهي أن تحفظ بتوليتها، لكن والديها توفيا فبقيت يتيمة. وكانت جميلة جدًا فذاع صيت جمالها، وخشيت لئلا يغتصبها أحد المغرمين بجمالها فقبلت الزواج من باسيليوس التقي.

إذ حان موعد أول طفل لها رأت في حلم أنها تمسك بطفلتها في يديها وقد ظهر لها رجل وقور دعي الطفلة تكلا. وإذ استيقظت ولدت ماكرينا التي حملت سمات القديسة تكلا. ربّاها والداها تربية مسيحية وعلماها القراءة والاهتمام بأعمال المنزل والتزاماته، وكانت تواظب على قراءة الإنجيل ولاسيما سفريّ الحكمة والمزامير. يروي لنا أخوها أنها كانت تردّد المزامير عند بدء ممارستها لأي عمل وعندما تنهيه، وأثناء الأكل وبعده، وقبل النوم وبعده "كانت مزامير داود علي شفتيها بشكل متواصل، ورفيقة لحياتها".

السماء المفتوحة

كان الشبان يتراكضون إلي أهلها يطلبون يدها، إذ لم يكن من يضارعها في الجمال. هذا ما دفع والدها علي التفاهم معها فقبلت أن تُخطب في الثانية عشر من عمرها من شابٍ تقيٍ. ولكن أصُيب خطيبها بحمى فمات. عزفت عن الزواج ورفضت كل من تقدم بعد ذلك لخطبتها، ووضعت في قلبها أن تصير عروسًا للسيد المسيح.

رأت السماء مفتوحة أمام قلبها، والموت عاجز عن أن يفصلها عن خطيبها. كانت تقول بأن رجلها لم يمت، بل انتقل وهو حي في الله علي رجاء القيامة، وأنه من العار عليها ألا تحفظ الأمانة لرجلها الذي انتقل عنها.

صاحبة القلب المتسع

تمتعت القديسة ماكرينا منذ صباها بالقلب السماوي المتسع بالحب العملي المستمر حتى آخر نسمة من حياتها.

مات والدها باسيليوس في سن صغير، تاركًا أبناءه وبناته تحت رعاية جدّتهم ماكرينا وأمهم إميليا. وقد عُرفت الجدة والأم بحياتهما المسيحية الملتهبة بالروح والتقوية. وقد ساهمت معهما الابنة ماكرينا الحاملة اسم جدتها في تربية إخوتها وتعليمهم، وقد دّعيت ملاك الأسرة. كرست حياتها لمساعدة أمها في تربية اخوتها وأخواتها الصغار الذين كان من ضمنهم: القديس باسيليوس الكبير والقديس بطرس أسقف سبسطية Sebestea، والقديس غريغوريوس النيسي. وكان لها دورها الفعّال في حياة اخوتها بما تمتعت به من مواهب فكرية وتقوية ونسكية. كان لها الفضل في تعليمهم احتقار العالم وأباطيله ومحبة الصلاة والكتاب المقدس.

أثرها على إخوتها

يدين لها القديس باسيليوس هذا الكوكب المشرق في كنيسة المسيح بالكثير، قيل أنه بعد أن تعلم في المدرسة رجع مغرورًا جدًا ومتهورًا، ولكن كان لأخته الفضل في تعلمه التواضع. وبالنسبة لبطرس الأخ الأصغر كانت له بمثابة الأب والأم والمعلم والمرشد فكان يتطلع إلي أخته كنموذجٍ ومثالٍ لكل صلاح.، ذلك لأن والدهم توفي بعد ولادته مباشرة. اهتمت به روحيًا وعلميًا، فصار حاذقًا في كل الفنون اليدوية في سن الصبا دون معلمٍ أو مرشدٍ. وأما بالنسبة للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، ففي الوقت الذي فيه كان الكثيرون يعظمونه ويمتدحونه لنبوغه الفلسفي تقربت إليه القديسة، وسحبت قلبه إلي الفلسفة الحقيقية، فاشتاق إلي الحياة الرهبانية. كان ملتصقًا بها جدًا. لقد دعاها "معلمته"، وخصص كتابًا سجل فيه حياتها، وخاصة ساعة نياحتها حيث كان حاضرًا معها. فيما بعد كتب حوارًا على شاكلة Phaedo لأفلاطون، يحوي حوارًا "عن النفس والقيامة"، مظهرًا أن هذا الحوار قد تم بينه وبين أخته في لحظاتها الأخيرة على الأرض.

أثرها على والدتها

تميز أخوها نفكراتيوس، الثاني بعد القديس باسيليوس، بمواهبه الطبيعية وجمال جسده مع القوى وسرعة البديهة. ذاع صيته وهو في الثانية والعشرين من عمره، وقد فضل أن يعيش في بقعة صحراوية بالقرب من نهر ايرس (ايريذه) Iris. وكان يخدم الشيوخ والفقراء والمرضي الذين كانوا بالقرب منه. كان ماهرًا في صيد السمك. بعد مرور خمسة أعوام وهو في طريقه إلي النهر ليصطاد سمكًا كعادته ليقدمه للشيوخ مات فجأة دون إصابته بمرض. استطاعت ماكرينا بحكمتها أن تشجع والدتها وتعزيها لتنتشلها من الحزن العميق.

ترهب والدتها

مارست القديسة ماكرينا الحياة النسكية في بيتها، وكانت نموذجًا حيًا لوالدتها التقية وإذ تحرّرت الأم من مسئولية تربية أولادها وبناتها اشتاقت أن تسلك كابنتها، فكانتا بعيدتين من كل اهتمام دنيوي باطل، وتشبهتا بحياة الملائكة. كان عملها المستمر دراسة الإلهيات والصلاة الدائمة والتسبيح ليلاً ونهارًا بلا توقف. كانت حياتهما سامية مصحوبة بالقوات الملائكية. بعد مدة استقرت هي وأمها في بيت بالقرب من نهر ايريس في بونتس Iris in Pontus، وهناك انضمت لهما سيدات أخريات في حياة شركة ونسك.

اشتركت مع والدتها إميليا في إقامة جماعة ديرية نسائية في ممتلكاتهما ببنطس في منطقة أنسيس Annesis على ضفاف نهر Iris. اقتفي أخوها باسيليوس أثرها وكرَّس حياته مثلها وصار متوحدًا في نفس المنطقة. اجتذب إليه صديقه غريغوريوس النزينزي، وعكفا على العبادة ودراسة كتابات أوريجينوس، وأقاما ديرًا.

شاخت إميليا جدًا ثم انتقلت إلى الرب وكانت بين يدي ولديها ماكرينا فاتحة بطنها وبطرس خاتم بطنها. بسطت يديها علي رأسيهما وهي تقول: "إليك يا رب أقدم فاتحة بطني وخاتمتها... فإن كل الأبكار وأعشار جميع الثمار لك بحسب الناموس..." بعد وفاة أمها إيميليا تنازلت ماكرينا عن المنزل للفقراء وأصبحت تعيش على ما تكسبه من عمل يديها. توفي أخوها باسيليوس سنة 379م، ثم مرضت مدة تسعة شهور. كان القديس غريغوريوس منشغلاً بالأحداث الناجمة عن الآريوسيين وقام بزيارتها بعد ثماني سنوات. وتعزى إذ رأى الشجاعة والفرح الذي هيأت نفسها به استعداداً للموت، وتنيّحت في اللحظة التي أضاءوا فيها مصابيح المنزل.

نياحتها

وكان تقشفها شديدًا حتى أنها كانت تنام على سرير عبارة عن لوحيّ خشب، وبعد وفاتها لم يجدوا غير طرحتها الرديئة ورداءها ليغطوا بهما جسمها لدفنها. تقدم أراكسيوس Araxius أسقف المكان وغريغوريوس وحملا الجسد، وكانا طوال الطريق يرددان المزامير والألحان، وشاركهما الكثير من الشعب ولاسيما من النساء في توديعها.

اللحظات الأخيرة

سمح الله للقديس غريغوريوس أن يحضر اللحظات الأخيرة ليسجل لنا اشتياقها الحق للعبور إلي السماء. فقد سار أخوها طريقًا طويلاً ليراها بعد ثماني سنوات. في الليلة السابقة من وصوله إلى الدير رأي في حلم أنه ممسك برفات شهداء يشرق منها بهاء شديد بهر عينيه. تكرر الحلم ثلاث مرات في نفس الليلة ولم يعرف له تفسيرًا.

وإذ بلغ الدير جاء النساك من دير الرجال يستقبلونه، وقفت الراهبات في الكنيسة ينتظرن إياه. وقد لاحظ أن أخته، رئيسة الدير، ليست بينهن، فأدرك أنها مريضة.

انطلق إلي قلايتها فوجدها ممدة علي الأرض فوق لوح خشبي، عاجزة عن القيام لاستقباله. هذا الجسم الذي صار هزيلاً بسبب المرض لم يحطم نفسها الملتهبة بحب السماويات، إذ يقول القديس غريغوريوس:

"أخذت تتحدث كلامًا عذبًا عن النفس، وقد أفرحتني بأسئلتها. عندما تحدثنا عن ذكر باسيلويس الكبير حزن قلبي فورًا وتجهم وجهي. أما الطوباوية ماكرينا فكانت بعيدة كل البعد عن أن تحزن مثلي...

تحدثت كثيرًا عن الحياة الآتية، وكأنها مستنيرة بالروح القدس حتى شعرت بأن ذهني قد ارتفع بأقوالها، وأني خرجت من الطبيعة البشرية... إلي السموات، بقيادة أقوالها…

إن كان المرض قد أنهك قواها وقرّبها من الموت... كان ذهنها مأخوذًا في معاينة العلويات دون أن يعيقه المرض بالكلية ".

دفنها

انتقلت من هذا العالم ووجها نحو الشرق وقد رشمت نفسها بالصليب، وكانت تصلي بقلبها وتحرك شفتيها، إذ عجزت عن الكلام. سأل القديس غريغوريوس عما يكفنونها به، فأجابت لامباذيا وهي الأولي في مصاف الراهبات وشماسة:

"لباس البارة هو حياتها الفاضلة والطاهرة. هذه كانت زينتها وهي حيّة. فتكن الآن لباسها في موتها…

ما هو الشيء الذي يمكن أن يكون محفوظًا لدينا؟ فها هو أمامك كل ما تملك. هذا هو لباسها. هذا هو غطاؤها. وها هي أحذيتها. هذا هو غناها. هذه هي ثروتها. لا تملك شيئًا آخر عما تراه، لا في صندوق ولا في قلاية. فإنها قد عرفت مخزنًا واحدًا لغناها، ألا وهو السماء ".

كأخ وأسقف طلب أن يقدم لها شيئًا لدفنها، وإذ كانت جميلة جدًا صار وجهها يشرق ببهاء عجيب متذكرًا الحلم الذي رآه. قالت له إحدى الأرامل: "من الأفضل ألا تظهر القديسة علي أعين الراهبات محلاة هكذا كعروس. إني أملك لباسًا أسود اللون كان لوالدتكم فمن الأفضل أن نضعه فوق جسدها المقدس كي لا يظهر جمالها الطاهر المشع من جسدها والذي اشتد لمعانه بهذا اللباس الغريب عنها".

استمر بهاء وجهها مشرقًا حتى بعد تغطية جسدها باللباس الأسود.

Butler, July 19.

ماكرينا الكبرى الأرملة القديسة

في أكثر من رسالة من رسائله يشير القديس باسيليوس الكبير إلى ماكرينا جدته لأبيه، التي يبدو أنها قامت بتربيته واهتمت بإعطائه التعاليم الدينية السليمة، حتى أنه فيما بعد لم ينحرف وراء أية أفكار غير مستقيمة احتاج إلى العدول عنها فيما بعد.

وأثناء اضطهاد غالريوس Galerius وماكسيمينوس عانت هي وزوجها الكثير، فاضطرا إلى هجر منزلهما والاختباء من المضطهِدين في غابات بونتُس Pontus لمدة سبع سنوات. أثناء ذلك احتملوا الجوع لفترات طويلة، ويقول القديس غريغوريوس النزينزي أنهما في بعض الأوقات اعتمدوا في طعامهم على الحيوانات المفترسة التي - كما يعتقد القديس غريغوريوس - تحولت طبيعتها المفترسة بمعجزة وأسلمت أنفسها ليُقبَض عليها وتُذبَح. وحتى بعد انتهاء هذا الخطر ثار اضطهاد آخر فصودِرت أملاكهما، وبسبب كثرة ما عانياه من ضيق واضطهاد اعتُبِرا ضمن المعترفين من أجل الإيمان.

عاشت ماكرينا بعد نياحة زوجها، وإن كان تاريخ نياحتها غير معروف بالتدقيق إلا أنه من المرجح أنها قد تنيّحت سنة 340م.

Butler, January 14.

ماكسنتينا العذراء الشهيدة

كانت ابنة أحد الأمراء في أيرلندا Ireland، كرَّست نفسها لله منذ صغرها. إذ أراد أبوها تزويجها من أحد الوثنيين هربت من منزلها ومعها خادم وخادمة وعبرت البحر إلى بلاد الغال، واستقرت في المنطقة المسماة الآن Pont Sainte Maxence.

في أحد الأيام فوجئت بمجموعة من الفرسان خارج كوخها، وكان بينهم خطيبها الذي أخذ يبحث عنها منذ هروبها. طلب إليها العودة معه ولكنها رفضت بكل شدة، هدّدها فلم تَخَف ولما فشل معها جذبها من شعرها بيده وقطع رأسها فنالت إكليل الشهادة ومعها خادماها المُخلِصَان اللذان نالا نفس المصير.

Butler, November 20.

ماكسيما ودوناتيلا وسيكوندا الشهيدات

ثلاث فتيات من مدينة ثيوبربو Thuburbo بشمال أفريقيا، استشهدن أثناء الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس ومكسيمينوس. قد وردت سيرتهن في حرف "د" تحت: "ماكسيما، دوناتيلا وسيكوندا الشهيدات.

ماكسيميان وبونوسيوس الشهيدان

كانا من كبار الموظفين في إنطاكية واستشهدا في زمن يوليانوس الجاحد. وقد وردت سيرتهما تحت اسم "بونسيوس الشهيد".

Butler, August 21.

ماكسيميليان الأسقف الشهيد

بشّر القديس ماكسيميليان بالمسيحية في جزء من الإمبراطورية الرومانية كان يسمى نوريكم Noricum، بين ستيريا Styria وبافاريا Bavaria، حيث يقال أنه أسس كنيسة لورش Lorch بالقرب من باساو Passau حيث استشهد.

أما سيرته التي كتبت في القرن الثالث عشر فتقول أنه وُلد في سيللي Cilli في ستيريا، وحين بلغ السابعة سلّمه أبواه إلى أحد الكهنة لتعليمه. كان والداه غنيّين ولما كبر ماكسيميليان وزّع ميراثه على الفقراء، وعزم على زيارة روما للتبرّك بها، وهناك أرسله البابا سيكستوس الثاني Sixtus II إلى نوريكم ليبشر فيها بالمسيحية، حيث أسس كرسي أسقفية لورش. وقد عاصر الاضطهادات التي أثارها فالريانValerian وأوريليان Aurelian، وظل يبشر بها حوالي عشرين سنة حيث استطاع تحويل الكثيرين إلي المسيحية.

لكن في عصر نومريان Numerian أصدر حاكم نوريكم أمرًا باضطهاد المسيحيين، وعلى أثره قُبِض على ماكسيميليان وأُمِر بالذبح للأوثان، فلما رفض قُطِعت رأسه خارج أسوار سيللى حوالي سنة 284م.

Butler, October 12.

ماكسيميليان الشهيد

في مدينة ثيفيستي Theveste بنوميديا Numidia (الآن تيبيسا Tebessa بالجزائر Algeria) أُحضِر فابيوس فيكتور Fabius Victor إلى المحكمة ومعه ماكسيميليان. قام المدّعي العام بفتح القضية في وجود فاليريان كوينتيان Valerian Quintian نائب القيصر وسأل ماكسيميليان عن اسمه وطلب من الحاجب أن يعطيه شارة الجندية، لكن ماكسيميليان أجاب أنه لن ينضم للجندية لأنه مسيحي (إذ كان بعض المسيحيين الأوائل يرفضون مبدأ أن يكونوا جنودًا للعالم والمسيح في نفس الوقت).

القاضي: "يجب أن تخدم في الجندية وإلا ستقتل".

ماكسيميليان: "لا يمكنني أن أخدم، تستطيع أن تقطع رأسي لكني لن أكون جنديًا للعالم لأني جندي المسيح".

القاضي: "ما الذي وضع هذه الأفكار الغريبة في رأسك".

ماكسيميليان: "ضميري والله الذي دعاني لخدمته".

طلب القاضي من فابيوس فيكتور أن يؤثّر على ابنه ويعيده إلى صوابه، ولكنه أجابه أنه يعلم ما يؤمن به ولن يغير رأيه. حاول القاضي عدة مرات مع ماكسيميليان مرة أخرى حتى يقبل شارة الجندية، لكن القديس أجابه: "لن آخذ الشارة وإذا صممت فسوف أشوهها. أنا مسيحي وغير مسموح لي أن ألبس هذا الختم الثقيل على رقبتي لأني بالفعل أحمل علامة المسيح المقدسة، ابن الله الحي الذي لا تعرفه أنت، المسيح الذي تحمّل الألم والموت لأجل خلاصنا، ونحن المسيحيون نتبعه بكل قلوبنا ونخدمه كل أيام حياتنا".

القاضي: "ولكن هناك جنود مسيحيين يخدمون حكامنا دقلديانوس وماكسيميان وقنسطنطيوس وغاليريوس، فلماذا لا تكون مثلهم؟"

ماكسيميليان: "هذا شغلهم. أنا أيضًا مسيحي ولن أخدم".

القاضي: "إن لم تلتزم بالخدمة فسوف أحكم عليك بالموت لانتهاكك واجبات الجندية".

ماكسيميليان: "أنا لن أموت بل إذا رحلت من هذه الأرض فإن روحي ستعيش مع المسيح".

حكم القاضي على القديس بقطع رأسه حتى يكون عبرة للآخرين، وكان ذلك في سنة 295م، وكان عمره آنذاك 21 سنة وثلاثة أشهر، وفي طريقه للموت قال للمسيحيين المجتمعين: "اخوتي الأحباء أسرعوا لتتمتعوا برؤية الإله، وتستحقوا الإكليل مثلي بكل قوتكم وبأشواقكم العميقة". ثم التفت إلى والده وقال: "أرجو أن أستقبلك في الفردوس وأمجد الله معك"، ثم قطعت رأسه بعد ذلك. وعاد فيكتور إلى بيته متهللاً وشاكرًا الله الذي سمح له بإرسال هذه الهدية للسماء، متشوقًا أن يتبع ابنه بعد قليل.

قد اهتمت سيدة اسمها بومبيانا Pompeiana بجسد ماكسيميليان، فأخذته وحملته إلى قرطاجنة Carthage حيث دفنته هناك.

Butler, March 12.

ماكسيمينوس الأسقف القديس

كان في الغالب من أهل بواتييه Poitiers، تركها في شبابه المبكر متوجهًا إلى تريف Triér، منجذبًا بسيرة أسقفها القديس أغريتيوس Agritius. هناك أكمل تعليمه، ثم فيما بعد صار أسقفًا للمدينة خلفًا للقديس أغريتيوس.

حين ذهب القديس أثناسيوس الرسولي منفيًا إلى تريف سنة 336م، استقبله القديس ماكسيمينوس بكل تكريم معتبرًا نفسه محظوظًا جدًا أن يتشرف باستضافة خادم الله. وقد مكث عنده القديس أثناسيوس سنتين، وتوضح كتاباته الشجاعة والتدقيق والفضائل التي كان يتميز بها مضيفه، الذي اشتهر أيضًا بالمعجزات التي كانت تجري على يديه. وحين نفى الإمبراطور قسطنطيوس Constantius القديس بولس أسقف القسطنطينية أيضًا إلى تريف وجد في ماكسيمينوس أسقفها مدافعًا قويًا عنه. وقد أرسل ماكسيمينوس إلى الإمبراطور قسطنس Constans - الذي كان دائمًا يفضل السكنى في تريف - منبهًا ومحذرًا من أخطاء الأريوسيين، وكان القديس نفسه يهاجمهم في كل مناسبة، حتى أن اسمه ارتبط بالقديس أثناسيوس في الرسائل التي كتبها الأريوسيون ضد خصومهم.

لسنا نعلم بالتحديد موعد نياحته، إلا أنها كانت بالتأكيد ليس بعد سنة 347م لأن معروف أن خَلَفه بولينوس Paulinus كان يجلس على كرسي تريف في تلك السنة. ومع أنه يبدو أن ماكسيمينوس قد كتب كتابات عدة، لم تصل إلينا أيًا من كتاباته.

Butler, May 29.

ماكسيمينوس القديس

قيل أنه كان أحد رسل السيد المسيح الاثنين والسبعين، ترك فلسطين بعد صعود المسيح مع القديسات مريم المجدلية ومرثا ولعازر ومريم كليوباس ومريم سالوما وقديسين آخرين، حيث أتوا للتبشير في منطقة بروفنس Provence. وقد جعل ماكسيمينوس مركزه في أيكس Aix وفيما بعد صار أول أسقف على المدينة.

لما قربت نياحة القديسة مريم المجدلية حُمِلت من المغارة التي كانت تعيش فيها عند Sainte - Baume إلى المكان المسمى الآن Le Saint Pilon، والذي تقع بجواره كنيسة سانت ماكسيمين Saint - Maximin، والتي شيّدت في نفس مكان كنيسة قديمة على اسم القديس ذاته، والتي كانت تحوي رفات القديس ماكسيمينوس والقديسة مريم المجدلية. وقد نُقِل جسد القديس فيما بعد سنة 1820م إلى أيكس، والتي يعتبر هو شفيعها الأول، بينما يُعتَقَد أن رأس القديسة مريم المجدلية مازال موجودًا في مدفن قديم بكنيسة سان ماكسيمين.

Butler, June 8.

ماكسيمينوس وجوفنتينوس الشهيدان

كان هذان الشهيدان من ضباط الإمبراطور يوليانوس الجاحد واستشهدا بقطع رأسيهما في السجن في انطاكية، وذلك في 25 يناير سنة 363م. وقد وردت سيرتهما في حرف "ج" تحت "جوفنتينوس وماكسيمينوس الشهيدان".

Butler, January 25.

مالخُس القديس

عاش هذا القديس في القرن الرابع الميلادي، وقد روى سيرته القديس جيروم الذي سمعها من القديس مالخُس نفسه. ذلك أنه عندما ذهب إلى إنطاكية حوالي سنة 375م زار مارونيا Maronia، التي تبعد ثلاثين ميلاً عن إنطاكية، ولَفَت انتباهه هناك رجل وقور عجوز اسمه مالخُس (مالك Malek) وسمع سيرة حياته.

توحده

وُلِد مالخُس في نصيبين Nisibis وكان الابن الوحيد لوالديه. ولما بلغ سن الزواج أراد والداه أن يزوّجاه، ولكنه كان قد نذر حياته لخدمة الرب فهرب من أهله وانضم لمجموعة من المتوحدين في براري خالكيس Khalkis.

العودة إلى أمه

بعدما قضى عدة سنوات في الدير، جاءته أفكار المُجرِّب عدو الخير بأنه نظرًا لوفاة أبيه ينبغي أن يذهب لأمه يعزيها، ثم يبيع الأملاك بعد موتها ويوزعها على الفقراء ويشيِّد بالباقي ديرًا يصير فيه رئيسًا على الرهبان. واشتدت الحرب عليه بهذه الأفكار فذهب لأبيه الروحي وأخبره برغبته في الذهاب لبيته ليعزي والدته ويرعاها. فقال له: "لا تصغِ يا بني لهذه الأفكار لأنها من فخ الشيطان الذي بمكره دفع ببعض الرهبان إلى الوراء بعيدًا عن طريق الرب، مثل كلب عاد إلى قيئه، ففقدوا ميراث الملكوت، بعدما انحدروا إلى الهاوية، لأن آدم وقع في تجربة كهذه. وقد أوصى مخلصنا: أن من يضع يده على المحراث لا ينظر إلى الوراء".

أشار عليه مالخُس أنه قد صار وارثًا لبعض الأموال التي بها يستطيعون توسيع مباني الدير، إلا أن رئيس الدير كان رجلاً صادقًا ومخلصًا ومقتنعًا برأيه الذي لم يكن ليغيره لأي سبب، وطلب من مالخُس أن يبقى في الدير. ولكن مالخُس كان بالمِثل مقتنعًا بواجبه مثلما كان رئيس الدير مقتنعًا بوجهة نظره، فترك الدير بدون إذن، إذ كان إبليس يقول له: "إن مرشدك يقول لك ذلك لأنه يريد أن يتمجد بكثرة الرهبان تحت رئاسته".

لما رآه أبوه الروحي مصرًا على هذه الأفكار قال له: "يا ابني لقد تعلق قلبك بمحبة المال. الحَمَل الذي يبتعد عن الراعي يصبح فريسة سهلة للذئاب".

تذكَّر كلام أبيه وقال لنفسه: "يا نفسي ها هي الثروات التي تذهبين لترثيها! رث ثروتك إذن أيها البائس واسعد بها". ثم أخذه الإعرابي ووضعه على جمل مع إحدى النساء، وساروا في الصحراء السورية، وخوفًا من أن يسقطا كانا يمسكان ببعضهما، ثم حمله إلى خيمته وأمره أن يعلن ولاءه لامرأته وأن ينحني لها ويدعوها "سيدتي"!

أسره

خوفًا من أخطار الطريق الجبلي ذهب إلى الرُها في انتظار جماعة من الناس يعبر معهم الصحراء. ولما تجمع عدد من الرجال والنساء ساروا معًا، إلا أنهم فوجئوا بمجموعة من اللصوص من الأعراب البدو يقبضون عليهم بين حلب والرُها، وأسروه هو وامرأة شابة وحملوهما على الجمال إلى قلب الصحراء وراء نهر الفرات. أمره الإعرابي أن يرعى غنمه، فكانت حرفة تعزية له في همه، لأنها أبعدته عن هؤلاء الأشرار. صار مالخُس يعمل كراعٍ للخراف والماعز، ولم يكن غير سعيد بعمله إذ شعر أنه يشابه القديس يعقوب وموسى النبي، فكلاهما كانا رعاة في البراري. كان القديس مالخُس يقتات على البلح والجبن واللبن، وكان يصلى متواصلاً في أعماق قلبه، وكان يرتل المزامير التي كان قد تعلمها وسط الرهبان في الدير. وشكر الله الذي أعطاه هذا العقاب الخفيف على عدم طاعته، وتذكر كلمات الرسول بولس القائل: "أيها العبيد اخضعوا لسادتكم، ليس الصالحين فقط ولكن للأشرار أيضًا" (كو22: 3؛ أف5: 6)

تزويجه

كان سيده سعيدًا به لأن على خلاف الآخرين الذين كانوا يقعون في الأسر إذ نادرًا ما يكونوا مطيعين وراضين. إزاء أمانته في العمل أراد سيده الإعرابي أن يكافئه بأن يزوجه بتلك المرأة التي كانت أسيرة معه. انزعج القديس من هذه الفكرة، ليس فقط لأنه راهب ولكن أيضًا لأنه عَلِم أن المرأة كانت متزوجة في بلدتها. فأجابه قائلاً: "أنا راهب ولا أستطيع أن أفعل ذلك". ولما أصر الإعرابي على رأيه أخذ المرأة وأتى بها إليه وقال: "إن لم تتزوجها سأقتلك بهذا السيف"، وأدخلهما إلى مغارة، فبكى القديس بشدة وقال: "الويل لي أنا الخاطئ. ماذا حدث لي؟ أن أصير زوجًا؟ أين هي أمي وأين هي تلك الأملاك؟ كل هذا بسبب عدم طاعتي لأبي الروحي. تحملي يا نفسي البائسة بعدما تخليتي عن الرب". وأخذ سيفًا في يده وقال: "أيتها المرأة البائسة إنني أفضل أن أكون شهيدًا من أن أصبح زوجًا". فخافت من كلامه وقالت: "أستحلفك باسم يسوع المسيح رب المجد أن لا تقتل نفسك من أجلي. واعلم أنني مثلك أريد أن أحفظ طهارتي في المسيح بعيدًا عنك. فتذرع بمعونة الله ودعنا نحب بعضنا بمحبة روحية كأخ وأخت وأمام سيدنا الإعرابي نظهر ما يدل على وجود علاقة جسدية بيننا". ويقول القديس مالخُس للقديس جيروم أنه أحب هذه المرأة كأخته.

تعجب القديس من كلام المرأة وحكمتها، وقَبِل نصيحتها بفرح في المسيح، ولم يتطلع إليها أو يقترب منها خوفًا من حرب الجسد. وهكذا تركهما الإعرابي معًا لفترة طويلة ولم يكن خافًا من هربهما لأنه تركهما معًا في الصحراء شهرًا كاملاً، وكان كلما يزورهما ويرى اهتمام القديس بالقطيع يرجع مبتهجًا.

هروبه

في أحد المرات فيما كان القديس متفكرًا في حياته الروحية السابقة في الدير رأى أمامه جماعة من النمل وتعمل كجماعة، تحمل أكثر من وزنها حتى تدخر لها طعامًا للشتاء. فتأمل نظامها وتذكر كلام سليمان الحكيم أن نتعلم من النمل المخلوق الضعيف (أم6: 6). تذكر حياة الشركة في الدير وفجأة شعر بالوحدة والحنين إلى ذكريات سعادته الماضية في الدير مع الرهبان.

ولما رأت المرأة الكآبة على وجهه وسألته عن السبب، أعلمها بحاله وبرغبته في الهروب ليعود ‘لى الدير، فطلبت منه أن يأخذها معه ويودعها بيتًا للراهبات. إذ هي أيضًا إذ كانت تتطلع أن تجد زوجها حقيقي مرة أخرى ‎ وافقته على رغبته وقررت المغامرة مع القديس.

أخذا يصليان بدموع طالبين معونة الله ورسما خطة للهروب، فذبح نعجتين كبيرتين وصنع من جلدهما قِرَبًا للماء، وسارا ليلاً خوفًا من الإعرابي. وبهذا الجلد الذي كانا قد نفخاه استطاعا أن يعبرا الفرات بسلام. وبعد مسيرة خمسة أيام لمحا الإعرابي ورفيق له يركبان جملين وفي أيديهما سيفان، فخافا وطلبا معونة السيد المسيح، ثم دخلا كهفًا مملوء بأنواع كثيرة من الثعابين والحيات والعقارب التي تختفي بداخله من حرارة الشمس الشديدة. ولما تتبع الإعرابي ورفيقه آثار أقدامهما جاءا إلى الكهف ونزلا من على جمليهما، وأمر الإعرابي خادمه أن يدخل إليهما. ونظرًا لأنه سار في الشمس مدة طويلة فقد زغللت عيناه ولم يستطع أن يبصرهما جيدًا، فبدأ يخيفهما بصوته قائلاً: "أيها العبدان الشريران المستحقان للموت اخرجا بسرعة لأن سيدكما بالخارج". وفي أثناء ذلك هجمت عليه لبؤة وشبل ومزقتاه من رقبته، فمجدا الله الذي أنقذهما، بينما كان الإعرابي ثائرًا ويصرخ قائلاً: "أسرع بإحضارهما لأقتلهما شر قتلة"، ثم دخل هو الآخر وفيما كان يتقدم وثبت عليه اللبؤة ومزقته وألقت برأسه على الأرض. فمجدا الله وشكرا معروفه معهما، وبعد ذلك أخذت اللبؤة شبلها وخرجت من المغارة. وفي الصباح خرجا وقادا الجملين وكانا محملين بطعام الإعرابي وخادمه، فأكلا وشربا وشكرا الرب الذي خلصهما من أعدائهما. ثم ركبا الجملين ورحلا. إلى أن وصلا إلى الدير،

عودة إلى الدير

بعد سفر لمدة عشرة أيام وصلا إلى معسكر روماني في الميصة حيث استمع الضابط إلى حكايتهما وأرسلهما إلى الرُها، ومن هناك عاد القديس مالخُس إلى منطقة المتوحدين في خالكيس ومنها مضى إلى مارونيا Maronia لكي ينهي حياته، حيث قابله القديس جيروم هناك وسمع سيرته.

أما رفيقته فإنها بحثت عن زوجها كثيرًا ولم تجده، وفي حزنها اتجهت بعقلها لرفيقها الذي شاركها العبودية وعاونها على الهروب، فذهبت إليه وأودعها بيتًا للعذارى بجوار ديره، وهما يرددان وعد الرب: "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مت25: 10). واستقرت بالقرب منه واهبة وقتها لخدمة الله، وهناك تنيّحت في شيخوخة صالحة.

Butler, October 21.

مالّونَس الأسقف القديس

مالّونَس أو ميلانيوس Mellanius هو أول أسقف لمدينة رون Rouen، عاش في أوائل القرن الرابع الميلادي، غير أنه غير معروف أي شيء عن حياته. ويُقال أنه كان وثنيًا وتحوّل إلى المسيحية في روما، وأرسله البابا إسطفانوس الأول ليكرز بالإنجيل في بلاد الغال Gaul.

Butler, October 22.

ماماديوس الشهيد

كان شابًا يعيش في مصر في عصر المماليك الشراكسة، ويتضح من اسمه ومن مسلكه أنه كان مسلمًا، ثم آمن بالمسيح ونال صبغة المعمودية وتَسَمى "ميخائيل". وكان كلما عاقبه الحكام وكانوا يسألوه فيجيب: "اسمي الأول الذي أطلقه عليَّ أبواي هو ماماديوس أما اسمي الذي أموت وأحيا به فهو ميخائيل".

وظل ثابتًا لا يعطي غير هذا الجواب إلى أن قطعوا رأسه بحد السيف فنال إكليل الشهادة.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 250.

ماماس الشهيد

استشهاد والديه

كان والدا القديس وهما ثيؤدوتس وروفينا حارّين في الروح، مواظبين علي العبادة، يفتقدان العائلات ويثبتانها في الإيمان، ويخدمان الفقراء والمحتاجين فاحبهما الشعب جدًا. لكن عدو الخير أوعز إلي بعض الناس أن يشوا بهما لدي الحاكم الكسندروس. استدعاهما وأمرهما بعبادة الأوثان وإذ رفضا جلدهما وألقاهما في السجن. وإذ لاحظ إصرارهما علي الإيمان أرسلهما إلي فوستوس حاكم قيصرية، وكانا قد تعبا جدًا من طول السفر علي الأقدام بغير طعام. هددهما فوستوس بالقتل أما هما فلم يباليا بالتهديد.

سقط ثيؤدوتس ميتًا بسبب التعب الشديد، ثم ولدت روفينا طفلا ذكرًا وماتت في الحال قبل أن تدعوه باسم معين. هكذا وُلد الطفل في السجن ولم ينظراه والداه.

دعوته ماما أو ماماس

رأت سيدة مؤمنة تقية تدعي أميا رؤيا أثناء صلاتها، حيث دُعيت أن تذهب إلي السجن وتسأل عن طفلٍ حديث الولادة يتيم الوالدين. ذهبت إلى السجن ودبر لها الرب أن تستلم الطفل وأن تأخذ الجثمانين حيث دفنتهما في بستان كانت تملكه، وكانت تفوح منهما روائح عطرية.

اهتمت أميا بالطفل وحسبته وديعة السماء لها. كبر الطفل وكان ينادي والدته التي تبنته "ماما" (باليونانية ماماس)، ولفرحها الشديد به كانت تناديه "ماما".

تمتع بكلمة الإنجيل وتعلم الصلاة وكان يفرح بسير القديسين الشهداء، خاصة سيرتي والديه. وفي الخامسة من عمره التحق بمدرسة الكنيسة حيث تعلم الكثير عن الكتاب المقدس.

إذ بلغ الثانية عشر من عمره ماتت مربيته أميا، فقدم كل ما ورثه عنها للكنيسة التي قامت بتوزيعه علي الفقراء.

كان يشهد للسيد المسيح بين الوثنيين فاجتذب كثير من الشبان للإيمان.

استدعاؤه

يذكر القديسان باسيليوس وغريغوريوس النزينزي عن القديس ماماس أنه كان راعيًا للغنم بقيصرية كبادوكيا، اهتم برعاية بعض الأغنام حيث كان يشرب من لبنها ويصنع جبنًا. وكان منذ حداثته يسعى إلى ملكوت الله من كل قلبه، فكرس نفسه للخدمة. اجتمع حوله كثيرون فكان يشهد للسيد المسيح ويكرز ببشارة الخلاص، كما كان يهتم بإطعامهم جسديًا. وبسبب إيمانه تحمل تعذيبًا وحشيًا بكل فرحٍ إلى أن نال إكليل الشهادة حوالي سنة 275م.

بحسب التقليد الشرقي استشهد القديس ماماس في زمن الإمبراطور أوريليان Aurelian عن طريق الرجم بينما كان ما يزال حدثًا. ولكن التقليد الغربي يذكر عنه أنه تعرض لتعذيب طويل جدًا منذ كان حدثًا إلى أن صار شيخًا.

وشي به أهل الشبان الذين قبلوا الإيمان لدي الحاكم الجديد ديمقريطوس، فاستدعاه وحاول إغراءه فلم يفلح.

بعث به إلى الإمبراطور الذي استخف به كصبي صغير. أمر الإمبراطور بضربه بالعصي حتى تهرأ جسده وأودع في السجن أوقدوا نارًا لإرهابه، أما هو فاشتهي أن يُقدم محرقة للرب. لم يُلق في النار إذ لم يصدر الإمبراطور أمرًا بذلك.

أمر الملك بربطه بالسلاسل وطرحه في البحر، لكن عناية الله أنقذته إذ قذفته الأمواج الي الشاطئ، وانطلق ماماس إلي التلال المجاورة وسكن بين الوحوش كصديقٍ لها.

اتهامه بالسحر

حسده عدو الخير فأثار البعض ضده، إذ وشوا ضده لدي حاكم المنطقة وادعوا أنه ساحر. أرسل إليه جماعة من الجند للقبض عليه، فاستقبلهم بكل محبة وبشاشة، واستأذنوه أن يذهب معهم إلي الحاكم. شهد الجند بأنه ليس ساحرًا ولا بالإنسان الشرير. اغتاظ الحاكم فأرسله إلى الإمبراطور الذي أمر بتعليقه وتمشيط جسمه وتقطيع لحمه ثم إلقائه في السجن.

ضمد الرب جراحاته، فجاء إليه المسجونون وكانوا يئنون من شدة الجوع، فصلي لأجلهم وأرسل الله لهم من يقدم لهم طعامًا، ثم انفتحت أبواب السجن وخرج المسجونون.

أمر الإمبراطور بإلقائه في أتون نار، وإذ سقطت أمطار غزيرة انطفأت النيران. أمر الإمبراطور بقطع رأسه فسلم الروح، وكان عمره حوالي 15 عامًا. دُفن في مدينة قيصارية الكبادوك بآسيا الصغرى.

روى أورفيوس Orpheus عنه أنه خرج ليعيش في القرية مع الحيوانات، وكان يتغذى على اللبن والعسل. ولما أطلق عليه المُعَذِّبين الحيوانات المفترسة عاملته الوحوش كراعٍ وسط حملانه، فكانت تستلقي عند قدميه في خضوعٍ وسعادةٍ. ثم أطلقوا عليه أسدًا ضخمًا فكان يلعق قدميّ الشهيد، وحين ذهب الجنود المُعَذِّبين لرؤيته أمسكهم الأسد وألقاهم عند قدميّ الشهيد. تعيد له الكنيسة القبطية في 4 توت.

هذا الشهيد هو راعي هذه المدينة (قيصارية الكبادوك) الآن بوجود أعضائه المكرمة فيها. وكما كان راعيًا للأغنام عديمة النطق في حياته الزمنية، الآن يرعى نفوس سكان هذه المنطقة بشفاعته والبركات التي يحصلون عليها بصلواته.

القديس غريغوريوس الثيئولوغوس

Butler, August 17.

مانحة الشهيدة

دعوة للاستشهاد

هي أمة الشريف الحارث بن كعب رئيس قبائل نجران باليمن، من شهداء الحميريين. كانت شريرة في حياتها، منبوذة من الجميع، وكانت جريئة بحيث خافها أسيادها أنفسهم بسبب شرها. ولما سمعت عن مذبحة المسيحيين في المدينة هرولت إلى الشارع وصاحت:

"أيها الرجال والنساء المسيحيين، أنه الوقت أن توفوا فيه للمسيح ما أنتم مدينون به له. فاخرجوا وموتوا من أجل المسيح، كما مات هو من أجلكم.

فمن لا يخرج اليوم إلى المسيح فليس هو له.

ومن لا يستجيب اليوم للمسيح فلن يُستجاب له غدًا.

غدًا يُغلق الباب، ولن تدخلوا إليه.

إني أعلم أنكم تبغضونني، ولكنني لن أكون لكم عدوة منذ اليوم.

تطلَّعوا إليَّ وانظروا فإنه ليس حولي شر ولا خلفي ".

مثولها أمام الملك

لما رآها اليهود الذين كانوا يعرفونها قالوا للملك: "هوذا شيطان المسيحيين".

فقالت مانحة للملك: "لك أقول أيها اليهودي الذابح للمسيحيين قم واذبحنى أنا أيضًا لأني مسيحية. إنني أمة الحارث بن كعب الذي قتلته بالأمس. فلا تظن أنك قد غلبت سيدي، بل سيدي هو الذي غلبك. أجل... إنك غلبت لأنك كذبت، أما سيدي فقد غلب إذ لم يكذب ويكفر بالمسيح".

استشهادها

أمر الملك بأن يعروها من ثيابها فقالت له: "إنك فعلت هذا لخزيك وخزي اليهود رفاقك. أما أنا فلا أستحي إذ كنت قد أتيت هذا الأمر مرات عديدة من تلقاء نفسي لأنني امرأة كما خلقني الله، أما أنت إذ تعرضت للحرب مع الأثيوبيين استنجدت بجحشون التاجر الذي انبرى يحلف بدلا منك بالإنجيل المقدس انك مسيحي، وبهذه الوسيلة نجيت أيها اليهودي من الموت".

هكذا عيَّرت هذه الأمة الملك. وأمر الملك فأتوا بثور وحمار ثم ربطوا برجليها حبالا وربطوا الرجل الواحدة بالثور والأخرى بالحمار، ثم تناول اليهود عصيًا وأخذوا يضربون الثور والحمار معًا وطافوا بها شوارع المدينة ثلاثًا حتى أسلمت روحها بالشهادة من أجل المسيح. ثم جاءوا بها مقابل باب المدينة الشمالي تجاه قصر سيدها الحارث حيث كانت شجرة ضخمة علقوها بها منكسة الرأس حتى المساء. وكان اليهود يرشقونها بالحجارة والسهام، وفي المساء أنزلوها عن الشجرة وسحلوها ثم طرحوها في الوادي. وكان ذلك في حوالي 523م.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 270.

ماني الغنوصي أو مانيخايوس

المانوية

كلمة "ماني" معناها "الرجل المجنون". ظهر في النصف الثاني من القرن الثالث (216 - 277) وكان فيلسوفًا من بلاد فارس، حاول إيجاد ديانة توفق بين الديانات الفارسية والبوذية والمسيحية. وقد رحب به سابور الأول ملك الفرس في بداية الأمر. ولكن كهنة المجوس ثاروا عليه فاضطر إلى الهروب من البلاد.

بعث إرسالياته إلى بابوس Papos وتوماس Thomas في مصر، فاستقروا في ليكوبوليس Lycopolis (أسيوط) شمال طيبة، على نهر النيل. استطاعوا أن يكسبوا بعض تلاميذ من الفيلسوف الأفلاطوني الكسندر الأسيوطي فأثاروه وكتب مقالاً ضدهم.

يبدو أنهم قاموا أيضًا ببترجمة الكتابات المانوية، وقد وجدت في مدينة المعادي (1930 - 1931) باللغة القبطية اللهجة الأخميمية التي كان يستخدمها سكان ليكوبوليس وما جوارها.

إذ عاد ماني إلى وطنه تبعه جمع كثير، ولكن حكم عليه الملك فارانس الأول بالإعدام سنة 277م.

انتشار شيعته

انتشرت المانية بسرعة بين المسيحيين وظلت لأجيال عديدة. أحبها بعض المفكرين من بينهم أغسطينوس قبل توبته، وعلة ذلك هو غموض تعاليمها مع إحكام نظامها، وتظاهرها بحل مشكلة الشر، ومظهر تابعيها بالقداسة والتقشف.

أهم مبادئه

1. وجود إلهين، إله الخير وإله الشر، أو إله النور وإله الظلمة.

2. لكل إنسانٍ ملاكه الحارس، الذي يهب المعرفة لمن يشبهه أو يتفق معه؛ وفي نفس الوقت يحتاج الشخص إلى رجل أو امرأة ينتمي إليه أو إليها، إذ لا يستطيع أن يدخل البليروماPleroma أي العالم الروحي، بدون نصفه الآخر.

3. أن كل شخص يتبع ماني له اثنان يوحيان إليه ويقودانه إلى النور. وأن يسوع نفسه السرمدي يعاني من المادة ويخلص بواسطة الغنوصي.

في هذا الوقت ظهر ذلك الرجل المجنون، اسمه مشتق من هرطقته الجنونية. حصَّن نفسه بقلب أوضاع عقله وتفكيره، كما أقامه إبليس، الشيطان وعدو الله، لهلاك كثيرين.

كانت حياته وحشية في القول والعمل وطبيعته شيطانية جنونية، تظاهر بموقف كموقف المسيح. وإذ انتفخ في جنونه نادى بأنه الباراقليط، الروح القدس نفسه. اقتدى بالمسيح فاختار اثني عشر تلميذًا كشركاء له في تعليمه الجديد.

مزج معًا تعاليم مزورة وكافرة، جمعها من أقوال بعض الآباء الملحدين التي انقرضت منذ زمن بعيد، فبعث بها كسمومٍ قاتلة جاء بها من الفرس إلى هذا الجزء من العالم الذي نعيش فيه.

يوسابيوس القيصري

يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة 7: 31، ترجمة القمص مرقس داود.

Fr. Tadros Malaty: School of Alexandria, Book 1, 1995, 150 - 151.

مانيا القديسة

كانت في أنقرة عدة عذارى قديسات، عشن في أديرتهن في حياة نسكية مباركة، وقد بلغ عددهن نحو ألفين. وكانت بينهن واحدة مشهورة تدعى مانيا، أرغمتها أمها على الزواج، ولكنها كانت تعتذر لزوجها عن العلاقات الجسدية بمرضٍ كان بها. وهكذا عاشت معه فترة قصيرة إلى أن مات فكرست حياتها للمسيح.

عاشت في حياة مقدسة في خوف الله، وكانت العذارى يتباركن منها ويخجلن من خطاياهن حينما يشاهدنها.

كانت دائمة العطف على المساكين والغرباء، وعبدت الرب من القلب إلى أن انتقلت إلى دار المجد بسلام.

بستان القديسين، صفحة 44.

ماهارسابور الشهيد

كان فارسيًا من أصل شريف، اشتهر بغيرته الشديدة على الإيمان المسيحي. بدأ الملك يزديجارد Yezdigerd اضطهاده للمسيحيين بسبب تدمير معابد مجوسي Mazdean temple، وكان هذا القديس مع نارسيِس Narses وسابوتاكا Sabutaka من أوائل الذين قبض عليهم. وقف نارسيِس وسابوتاكا أمام القاضي - الذي كان في الأصل عبدًا - للمحاكمة، فحكم عليهما بالقتل بعد أن اجتازا سلسلة من العذابات.

ثم وقف ماهارسابور أمام نفس القاضي، فأمر بتعذيبه ثم ألقاه ثلاث سنوات في سجن مظلم ذو رائحة كريهة. وقف أمامه مرة أخرى، وإذ رأى القاضي ثباته في الاعتراف بالسيد المسيح أمر بإلقائه في جب حتى يموت من الجوع والعطش. بعد عدة أيام من تنفيذ الحكم، فتح الجنود باب الجب فوجدوه قد استشهد وكان جسمه يشع نورًا، وفي وضع الصلاة ساجدًا على ركبتيه، وهكذا استطاع الشهيد أن يظهر أنه بروح الصلاة قد انتصر، وكان استشهاده في عام 421م.

Butler, October 10.

متاؤس الأول البابا السابع والثمانون

في القرن الرابع عشر لم تكن الكنيسة تخرج من محنة إلا لتجوز أخرى، وكأنّ أبواب الجحيم قد فتحها الشيطان ونسي عدو الخير الوعد الإلهي الصادق "أبواب الجحيم لن تقوى عليها".

نشأته

في نهاية القرن الرابع عشر ترأس الكنيسة عملاق ممن بلغوا الذروة في الكمال والقداسة، إذ شابَه القديس أثناسيوس بولعه بممارسة الشعائر الدينية في صغره. وشابه الأنبا شنودة رئيس المتوحدين في أنه كان يرعى الغنم ويوزع طعامه على الرعاة لينصرف للصلاة وكانت الوحوش ترهبه عند رؤياه أو حتى تسمع صوته بل وكان بعضها يستأنس به في البرية. وشابه الأنبا أنطونيوس في ظهور الشياطين له دون أن يرهبها، ومتقشفًا مثل الأنبا بولا أول السواح. كان أشبه بملاكٍ يلبس صورة إنسان، عاش بين الناس أكثر من نصف قرن وكان كما من ظهورات الملائكة.

رهبنته

ترهب البابا متاؤس الأول - الشهير بالمسكين - في دير بالصعيد وهو في الرابعة عشر من عمره وظل راعيًا للغنم يصوم معظم الوقت ولا يأكل سوى أقل القليل في الصيف والشتاء، وقد كان أسقف المنطقة يرقبه دون أن يعرف، ولما بلغ الثامنة عشر كرسه قسًا راهبًا. وهو غير القديس متاؤوس (متى) المسكين الذي من دير "الفاخورى" بأصفون المطاعنة شمال غرب مدينة إسنا بصعيد مصر، المشهور بصداقته للوحوش.

هروبه إلى دير الأنبا أنطونيوس

هرب من الكرامة إلى دير أنبا أنطونيوس دون أن يعلن أنه كان كاهنًا وخدم كشماس ولكن الله كشفه أمام اخوته. تارة إذ كان يقرأ الإنجيل المقدس خرجت يد من الهيكل وقدمت له البخور ثلاث مرات واختفت، ففهم الأخوة مكانته الكهنوتية ومستقبل أيامه.

هروبه إلى بيت المقدس ثم عودته إلى الدير

هرب مرة ثالثة إلى القدس وانشغل بتشييد المباني نهارًا والعبادة ليلاً. ولما ذاعت فضائله عاد إلى أحضان أب الرهبان ثانية ووصل إلى رئاسة الدير، وأثناء تضييق الخناق على الأقباط كان من نصيبه ومن نصيب الشيخ مرقس الأنطوني القبض عليهما والنقل إلى القاهرة وسط الإهانات والضرب. ولما لم يسمح لهما الحراس بالماء أسعفتهما السماء بمطرٍ غزيرٍ وسط الصيف! وحالما وصلا إلى مقر سجنهما صدر الأمر بإطلاق سراحهما فعاد القديسان إلى الدير، وانتقل أبونا المسكين إلى دير المحرق ليعمل أعمال القديسين من غسل وطهي وكنس وخدمة المرضى والشيوخ والزوار.

إنقاذ ضبعة صغيرة

حدث في إحدى المرات أن كان أبونا المسكين في خلوته في الصحراء وإذا بضبعه تقترب منه وتقوده إلى حيث لا يدرى وإذا بها تصل به إلى مغارة فيدخلها معها وينظر فإذا بالضبعة الصغيرة ابنة الكبيرة ساقطة في بئر جاف فينزل وينقذها وسط مظاهر فرح الضبعة الأم.

سيامته بطريركًا

كان الأراخنة والأساقفة يتباحثون في من يعتلى السدة المرقسية، وحالما سمع أن اسمه ذُكِر هرب واختفي في قاع مركب فأنطق الله طفلاً يرشد الباحثين عنه. ولما قبضوا عليه قطع لسانه لكي يظهر ناقصًا ولكن الكرامة الإلهية أكملت ضعفه في الحال وعاد لسانه سليمًا فلم يجد مفرًا من القبول بعد استشارة شيوخ الدير، وهكذا انتقل من رعاية الغنم إلى رعاية القطيع البشري في مراعي ملكوت السموات وسط الضيق، وتمت مراسم السيامة في المرقسية بالإسكندرية في 25 يوليو سنة 1378م.

تواضعه

لم تغيره رتبة البطريركية عن تواضعه ونسكه وسهره وصلواته وخدماته للكل خصوصًا الرهبان والراهبات إذ كان حنانه قويًا عليهم كأبٍ. وقد وضع جرسًا في منارة القلاية البطريركية بحارة زويلة لينبه به المؤمنين إلى الصلاة ولا يزال هذا الطقس موجودًا إلى الآن في الأديرة خصوصًا في تسبحة نصف الليل.

مع محبته لشعبه وتواضعه كان يعاون العمال في أدنى الأعمال، لكنه كان مهوبًا للغاية. حين يقف أمام الهيكل يسطع وجهه بنورٍ سماويٍ وتلمع عيناه جدًا، متطلعًا إلى السيد المسيح الذي كثيرًا ما كان يظهر له.

ليس غريبًا أن نجد أن المخازن تمتلئ وسط الضيقة والمجاعة وتتحول البطريركية إلى مصدر لإطعام الجميع في مصر دون تفريق، والعجيب أن الذي "أكل خبزي رفع عليَّ عقبه" فكان الذي يشبعون من خير القبط يتحولون ليخربوا الكنائس.

امتاز هذا البطريرك بالشفافية العجيبة ورؤية الأحداث قبل وقوعها. فقد حذر الرهبان من المجاعة كما حذر كثيرين من سوء أفعالهم. وسقط شماس ميتًا عندما كذب وأخفي وثيقة ملكية حديقة ليتامى.

كان صاحب المشورة الصالحة للحكام ولكل من يلجأ إليه. وقد حدث ذات مرة أن أحد البنائين في كنيسة حارة زويلة وقع من أعلى الكنيسة ووقع عليه الحجر الذي يحمله فمات، ولما علم البابا رفعه إلى حيث أيقونة القديسة العذراء مريم شفيعته وصلى ورش عليه الماء فكان كل جزء ينزل عليه الماء يتحرك وقام الميت.

حاول الرعاع كالعادة - رغم تدخل الوالي - أن يحرقوا كنيسة العذراء المعروفة بالمعلقة وكان البابا بالدير، ورموا جمرة متقدة وعندما همَّ الرهبان بإطفائها ساعدتهم السماء إذ أمطرت بغزارة. وحاول المعاندون مرة أخرى حرق دير شهران فسارع البابا إلى الدير وواجههم بذاته وحده صارخًا: "من منكم له سلطان فليقتلني أولاً" فهرب الجميع.

اهتمامه بأولاده

كان ساهرًا على رعيته، يزورهم ويقضى حاجات المعوزين منهم ويوصى رجال الحكم علي أولاده فنالوا بفضله إكرامًا وتكريمًا، ومن كان منهم في ضيقة أمام رئيسه كانت تتحول إلى نعمة بفضل صلواته. إذ أنكر أحد الرهبان الإيمان وكان عنيفًا يفتري على الرهبان لدى الحكام سأله البعض أن يدعو عليه، أما هو فقال لهم أنه يدعو له ليرده الله إلى الإيمان ويمنحه إكليل الاستشهاد، وقد تحقق له ذلك.

وهبه الله أيضًًا نعمة إخراج الشياطين لأن من كان طعامه الصلاة والصوم قوته ترهبه الشياطين.

علاقته بالسلطان برقوق

كان الشعب يأتي إليه للاستشارة في كل أمورهم الخاصة من أجل حكمته السماوية، حتى السلطان برقوق لم يقبل السلطنة إلا بعد استشاراته، الذي بدوره طلب صلوات الأب مرقس الأنطوني.

لما خلع المملوكان الأميران منضاش ويلبغا السلطان برقوق ونفوه إلى سوريا حاولوا أن يعيثوا فسادًا في مصر عامة ومع الأقباط خاصة ولم يسلم من أيديهم. قام الأول بتعذيب البابا الذي احتمل بشجاعة أخجلت الأمير. أما الثاني فكان عنيفًا في اضطهاده فتحدث معه البابا بشجاعة. فقام بحبسه وأمر بضرب عنقه بالسيف. وإذ قدم البابا رقبته قائلاً: "اضرب سريعًا" ذهل الأمير وأطلقه. وقد سُجن يُلبغا ومات سجينًا بالإسكندرية.

لم تنقض فترة وانقلب المتآمرون على أنفسهم وعاد برقوق إلى مصر وسط تهليل الجميع وعلى رأسهم البابا القبطي وكهنته.

وعندما أراد السلطان برقوق توطيد العلاقة مع أثيوبيا لم يجد سوى البابا القبطي وسيلة لإحلال السلام، فلم يكتب البابا إلى الملك الذي كان على العرش، وكان يدعى "ويدم أصغر" وكان شريرًا، بل كتب لأخيه داود، وعندما تحير حاملو الرسالة نصحهم بعدم التسرع بالحكم عليه، فلما وصلوا إلى أثيوبيا وجدوا أن الملك المغتصب كان قد عُزِل وحل محله من كتب إليه البابا الخطاب. ففرح بالرسالة وسألهم: "أين هديتا البابا: الصليب والمنديل؟" وإذ تعجبوا كيف عرف ذلك قال لهم أنه رأي البابا داخلاً عليه وقد أعطاه صليبًا ومنديلاً هدية، وقد كانت رسالة البابا إليه بالحقيقة كما رأى في رؤياه.

مات برقوق وتولى ابنه الناصر فرج فسلك مسلك أبيه، لكن الأمير سودون اغتصب منه الحكم، وكان عاتيًا، وقد تآمر من رفاق الشر على القضاء على الأقباط. فاعتكف البابا في كنيسة الشهيد أبى سيفين لمدة سبعة أيام بأصوامٍ وصلواتٍ حتى ظهرت له القديسة مريم وطمأنته، فخرج وجهه يسطع كملاكٍ، وإذ طلبه سودون صارحه بكل ما كان ينوي عليه ضد الأقباط ثم أطلقه.

تكرر الضغط على القبط فوجَّه إلى الأمير العاتي الملاك ميخائيل فأرداه قتيلا. وعندما حاول أمير المماليك جمال الدين الفتك بالبابا شخصيًا وأرسل في طلبه صرف البابا الرسل مكرمين طالبًا أن يمهلوه إلى اليوم التالي، وعندما عادوا إليه في اليوم التالي كان قد لبى نداء السماء وفاضت روحه الطاهرة. لكن الله سمح بغضب السلطان عبد العزيز بن برقوق على الأمير فأخذ ماله وأمر الجنود بضربه حتى مات.

حسب وصية البطريرك، الذي كان قد أعلن لتلاميذه موعد انتقاله دفن في دير الخندق (الأنبا رويس حاليًا)، وكانت نياحته في 31 ديسمبر من سنة 1408م.

من العجيب أنه في ليلة وفاة البابا سُمِع من رفات القديسين في دير الأنبا مقار صوت قائل "قوموا افتحوا الباب لأن متاؤس قد حضر"، ولما عرف الرهبان الخبر علموا بالروح أنه انتقل إلى الأمجاد. هذا وقد رؤي البابا يبخر بين الموتى بعد رقاده، وكأنه يجول مفتقدًا أولاده بعد رقاده، وبالحقيقة فان خدام الله يخدمونه في كل وقت حتى وبعد انتقالهم، فإنهم أرواح خادمة.

القس روفائيل فريد واصف: كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)

كامل صالح نخلة: سلسلة تاريخ بطاركة كرسي الإسكندرية.

متاؤس الثاني البابا التسعون

بعد نياحة البابا يوأنس الحادي عشر، اتفقت الآراء على أحد رهبان الدير المحرق وكان راهبًا ناسكًا بسيطًا، اتخذ لقب الصعيدي لكي يميزه عن سميه العظيم البابا متاؤس البسيط، وتمت رسامته في الإسكندرية سنة 1445م وكان مقره الرئيسي كنيسة العذراء بحارة زويلة مقر البطريرك سلفه.

في حبرية البابا متاؤس تولى السلطنة أربعة تميزوا بالاعتدال، فانصلحت الأحوال الداخلية للبلاد في عصر هذا البابا المبارك وعادت مصر ترسم أساقفة وكهنة لأثيوبيا، ورسم لهم البابا القبطي مطرانًا جديدًا عوض الذي تنيح. كانت الفرصة مواتية لكي يزور البابا شعبه في معظم البلدان والأديرة، ويقوم بعمل الميرون.

كما عاش في هدوء الملائكة هكذا أيضًا انتقل سنة 1458م، ودفن بجوار سميه العظيم في دير الخندق.

القس روفائيل فريد واصف: كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)

متاؤس الثالث البابا المائة

مساندة الملك.

نياحته

في زيارته الرعوية إلى الوجه البحري زار برما وطنطا ثم اتجه إلى موطنه الأصلي طوخ النصارى الذي قابله شعبها بحفاوة بالغة، وطلبوا إليه أن يمكث وسطهم، فظل بينهم ما يقرب من العام. وفي سبت لعازر سنة 1646م، بعد أن انتهى من القداس الإلهي وبارك الشعب وصرفه دخل إلى حجرته ونام نومته الأخيرة ووجهه مشرقًا، مسلمًا روحه الهادئة في يد خالقها، راقدا في شيخوخة صالحة ودفن بكنيسة مارجرجس بطوخ دلكة (طوخ النصارى)، وكان ذلك في أيام السلطان إبراهيم الأول وكان والي مصر محمد باشا بن حيدر باشا.

القس روفائيل فريد واصف: كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 3)

متاؤس الرابع البابا المائة واثنان

كان يدعى الراهب القمص جرجس الميري وكان رئيسًا لدير البراموس، سيم بطريركًا سنة 1660م في أيام السلطان محمد الرابع. وفي نفس السنة نقل الكرسي البطريركي من حارة زويلة إلى حارة الروم 1660م.

في سنة 1669م حدث حريق كبير في أيامه جهة حارة زويلة مات فيه كثيرون. وفي سنة 1670 م انتشر وباء عظيم بمصر وضواحيها.

اضطهاد الأقباط

عاني البابا من سوء معاملة الأتراك له إذ كان الوحيد من دون بطاركة الطوائف الأخرى الموضوع تحت مراقبة الأتراك، فكان ممنوعًا من الخروج، كما كان محرمًا عليه الاتصال بالجاليات الأجنبية، وغير مسموح له بالسفر إلى أية جهة، وكانت حياته مهددة في كل لحظة. كان الأقباط هم الطائفة الوحيدة من غير المسلمين التي تُعامَل باضطهاد شديد من المسلمين يعاملون للقبط بإهانة أكثر من يهود مصر. فكانوا يسيئون إليهم ويغلقون لهم الكنائس ويقفلون عليهم أبواب بيوتهم لأتفه الأسباب ويظلمونهم ظلمًا فاضحًا حتى يرغمونهم بدفع غرامات مالية باهظة. وفي سنة 1672م قاسى الأقباط اضطهادًا فظيعًا لأن بعض الجند الأتراك قاموا بذبح امرأة خليعة وألقوا بجثتها قريبًا من بركة الأزبكية، فقام العساكر ظلمًا وعدوانًا بغلق بيوت النصارى المتاخمة لهذه المنطقة وأجبروهم على دفع غرامة قدرها ألف دينار دية لهذا الدم المسفوك إذا أرادوا أن يفتحوا بيوتهم ويذهبوا إلى إعمالهم.

شفاعة القديس مرقوريوس

حدث ذات مرة أن أراد الغوغاء أن يهدموا كنيسة القديس مرقوريوس بمصر القديمة، ولكي يصبغوا على عملهم بصبغة قانونية عينوا من قِبَل الدولة أغا للقيام بتنفيذ هذه المهمة. فلما بلغ الخبر للبابا متاؤس اغتم غمًا شديدًا وأقام ليلة ساهرًا متشفعًا وطالبًا مساعدة القديس مرقوريوس، وما كاد الجند يقتربون من الكنيسة حتى وقع عليهم حائط بجوارهم فماتوا جميعًا، وشاع الخبر في المدينة كلها فاضطربوا وعدلوا عن مشورتهم الرديئة.

أخيرًا تنيح البابا متاؤس سنة 1675م ودفن في مقبرة البطاركة بمصر القديمة.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 275.

متروفانِس الأسقف القديس

غالبًا ما كان أول أسقف لبيزنطية Byzantium أيام الإمبراطور قسطنطين، إذ كانت قبل ذلك تابعة لأسقفية هيراقليا Heraclea. اشتهر في أنحاء الكنيسة الشرقية بقداسته حتى بنيت كنيسة على اسمه بعد وفاة الإمبراطور قسطنطين بمدة قصيرة، وحين تهدمت في القرن السادس أعاد الإمبراطور جوستنيان Justinian تجديدها.

حسب التقليد اليوناني كان متروفانِس بن دومِتيوس Dometius شقيق الإمبراطور بروبُس Probus، تحول دومِتيوس إلى المسيحية وانتقل إلى بيزنطية حيث أنشأ صداقة حميمة مع الأسقف تيتوس Titus. وبعد نياحة تيتوس نال دومِتيوس جلس على كرسي الأسقفية. وبدوره بعد نياحته، خَلَفَه إبناه: بروبُس الذي جلس على الكرسي اثني عشر عامًا ثم متروفانِس. ويبدو أن اختيار قسطنطين لمدينة بيزنطية لتكون عاصمته الجديدة سببان: الأول موقعها المتميز وثانيها قداسة حياة الأسقف دومِتيوس.

حين انعقد مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، لم يستطع القديس دومِتيوس الحضور بسبب شيخوخته وضعفه، إلا أنه أرسل سكرتيره ألكسندر Alexander ليمثله في المجمع. وعند عودة الإمبراطور والإكليروس بعد انتهاء المجمع أخبرهم دومِتيوس متنبئًا أن ألكسندر سوف يخلفه على الكرسي، ومن بعده سيكون القارئ بولس هو أسقف المدينة. وبعد ذلك ببضعة أيام تنيح القديس دومِتيوس.

Butler, June 4.

متوحدة مجهولة!

إذ كان بعض الرهبان في طريقهم لشراء بعض مستلزمات hلدير سمعوا وهم في الصحراء صوت أنين. صاروا ينصتون إلى الصوت، أنه صوت إنسان مريض في إحدى الشقوق تحت الأرض.

دخل الأباء الرهبان كهفًا فوجدوا عذراء متوحدة يبدو عليها علامات الإعياء الشديد. دار بينهم وبينها الحوار التالي:

ما هو اسمك؟

استحسن ألا يعرف أحد اسمي، لكي لا تكون لي ذكرى في هذا العالم.

متى أتيتِ إلى هنا؟

لي في هذا الموضع ثمانية وثلاثون عامًا داخل الكهف.

من يخدمك؟

لا يخدمني أحد، ا أنا خادمة للسيد المسيح.

ماذا تأكلين؟

أتغذى على الأعشاب الطبيعية الموجودة بجواري.

هل تعرضتِ لحروب الفكر؟

لابد من حروب الفكر، خاصة في بدء حياتي. لكن التمسك بوعود الأب السماوي يملأ قلبي بالعزاء والصبر، فهو متكلي ورجائي.

هل رأيتِ أحدًا في الفترة الماضية؟

أنتم أيها الأباء أول من رأيتهم. فلم أنظر إنسانًا منذ خروجي من هذا العالم، وقد رتّب الله حضوركم كوعد السيد المسيح لي لكي تقدموا لي خدمة جليلة.

وما هي هذه الخدمة؟

لم تجب العذراء على السؤال، إنما رشمت نفسها بعلامة الصليب المباركة، وأغلقت عينيها، وصمتت. ثم فاح بخور طيب ملأ الكهف. عندئذ أدرك الآباء أن الله أرسلهم لكي يهتموا بتكفين جسدها المقدس بعد الصلاة عليه.

متى الرسول

من الجليل ويدعى لاوي. كان عشارًا، يجمع الجزية لحساب الرومان المستعمِرين، لذلك كان ممقوتًا لدى الشعب ومعتبرًا خاطئا في نظر عامة الناس. دعاه الرب أن يتبعه وكان جالسًا عند مكان الجباية، فترك كل شيء وقام وتبعه (مت 9: 9 - 24). إذ عملت نعمة الرب في قلبه.

لازم الرب يسوع وسمع تعاليمه وشاهد عجائبه وعاين قيامته المجيدة وامتلأ من الروح القدس يوم الخمسين. قيل أنه كرز بالإنجيل في بلاد اليهودية وأثيوبيا، وقيل أنه بشر في بلاد الفرس والبارثيين، وكتب الإنجيل الذي يحمل اسمه.

الكنيسة في عصر الرسل، صفحة 324.

متى المسكين القديس

عاش هذا القديس في القرن الثامن الميلادي في عصر الأنبا الكسندروس الثاني البابا 43 الذي تولي الباباوية سنة 704م إلى سنة 739 م.

وُلد هذا القديس العظيم في مدينة الأقصر من أبوين مسيحيين، وكان والده يشتغل بصناعة الفخار، دعاه متاؤس. وكان منذ صباه مداومًا علي العبادة والقداسة. وكان يتردد على دير الأنبا اسحق السائح بجبل أغاثون جنوب غربي مدينة إسنا.

رهبنته

لما كبر التحق بدير أنبا باخوميوس بجبل أصفون، يبعد حوالي 12 كم شمال غرب مدينة إسنا على الضفة الغربية من النيل و7 كم غرب أصفون.

أصفون بلدة قديمة ذكرها المقريزي في كتابة الخطط المقريزية، وهي مازالت تابعة لمركز إسنا. ذكرها جوتيه في قاموسه فقال بأن اسمها المقدس هو موطن الإله هوريس، واسمها المدني ومعناها قصر الملك سنوفرو.

محبته لحياة الوحدة ورئاسة الدير

إذ أحب حياة الوحدة والسكون عمل له مغارة صغيرة في الجبل بالقرب من الدير من الناحية الغربية، وسكن فيها مصليًا في سكون واتحاد مع الله.

بعد نياحة الأنبا مرقس رئيس الدير اختير الأب متاؤس رئيسًا للدير، فقام بنهضة عمرانية ورهبانية كبيرة.

منحه الله نعمة شفاء المرضى وإخراج الشياطين. ومن ذلك أنهم قدَّموا إليه امرأة بها مرض خفي حار في معرفته الأطباء، فعلم بالروح حالها وأمرها أن تُقِّر بخطيتها أمام الحاضرين، فاعترفت أنها تزوجت بأخوين فاعتراها هذا الداء، فصلى القديس من أجلها وبرئت للحال.

قد بلغ من الفضائل هذا الأب أن الوحوش كانت تألفه وتتناول طعامها من يده. ولما بلغ سعيه تنيح بسلام في يوم 7 كيهك بالغًا من العمر 105 سنة، عاش منها 45 سنة في الرهبنة و50 سنة كرئيس للدير. وما زال جسده المبارك مدفونًا في مقبرة من الرخام داخل حجرة صغيرة في مدخل حصن الدير.

القمص سمعان السرياني: مدينة الشهداء إسنا، 1985.

متى باسيلي القمص

خدمة القرى

ينتمي لعائلة تعيش في قرية البعيرات على الضفة الغربية من النيل مقابل الأقصر وتميزت بالروحانية العميقة. اشتغل قبل رسامته بالزراعة إذ كان الأخ الأكبر وكان أبوه قد تنيح بسلام، ثم نال كرامة الكهنوت من يد الأنبا مرقس مطران الأقصر وإسنا وأسوان في 7 مارس سنة 1930م في كنيسة السيدة العذراء بالأقصر على أن يكون خادمًا لدير المحارب وكنيسة قريته وفي كنائس الضبعية والمريس وغيرهما من القرى المجاورة، وكان ابن عمه قد نال الكرامة عينها في نفس الساعة فخدم الاثنان معًا.

المحبة للجميع

أهم ما تميز به القمص متى المحبة الحقيقية الصادرة من عمق القلب فأحب كل مواطنيه بلا تفرقة، فكان إذا دعاه أحد أفراد الشعب من المسيحيين أو المسلمين في ضيق أو مرض إلى بيته للصلاة من أجلهم، كان يذهب معه بدون تردد.

هذه المحبة التي ملأت قلبه استمرت تعمل حتى بعد نياحته، فمثلا كانت هناك بائعة خضر اسمها نفيسة اعتادت أن تطلب بركته باستمرار، فبعد أن تنيح القمص متى باسيلي أصيبت بمرض في الغدة الدرقية أسفل الرقبة وقال لها الطبيب بوجوب إجراء عملية جراحية. فانزعجت وخرجت من عنده إلى مقبرة القمص متى واستشفعت به ثم أخذت من التراب الذي فوقها وبللته ودهنت به رقبتها فشفيت تمامًا حتى أنها حين عادت للطبيب هنأها بسلامتها وأبدى دهشته من الآية التي جرت.

يقين في العناية الإلهية

وكانت ثقته بالمراحم الإلهية راسخة رسوخ الجبال. حدث أن جاءه أحد مزارعيه يطلب مبلغًا من المال لشراء بذور للموسم الجديد ولم يكن عنده آنذاك غير ما يكفي للمصروف اليومي، فقال له: "تعالَ غدًا وربنا يبعت"، وفي صباح اليوم التالي وقبل حضور المزارع جاء رجل يحمل إلى أبينا ضعف المبلغ المطلوب وفاء لنذر كان عليه، فلما حضر طالب المال أعطاه أبونا ما يريد وقال له: "ربنا مخازنه ملآنة".

لما كانت عائلة القمص متى تعيش الحب المسيحي بالفعل فقد قدمت سبعة من أبنائها لخدمة المذبح المقدس، وكان أبونا متى أكبرهم سنًا فكان يقول لهم: "ليتخير كل واحد منكم الكنيسة التي يريد الصلاة فيها هذا الأسبوع، والتي تبقى أصلي أنا فيها". وكانوا هم بدورهم يعتبرونه أباهم، فكان إذا ما تلقى أحدهم أي مبلغ من المال أو الهبات العينية يقدمه لأبينا بأكمله وهو يوزعه عليهم كما يتراءى له فيقبلون توزيعه برضى. ومما يجب ذكره أنه اعتنى أيضًًا بالكنائس التي خدم فيها فرممها وجددها ووسع البعض منها.

نياحته

قد أمدّ الله في عمره حتى تخطى القرن، وفي الصوم الأربعيني لسنة 1968م اضطرته الشيخوخة إلى ملازمة الفراش، وقرب نهاية الصوم قال لابنه: "خلاص يا ابني أنا مروَّح يوم أربعاء البصخة"، وأمام توكيد أبيه أرسل إلى كل الأهل والأحباء يبلغهم الخبر، فتجمهر الجميع على مدى أيام ليأخذوا بركته، وبالفعل انتقل إلى الفردوس في الساعة التاسعة من يوم الأربعاء 4 إبريل سنة 1968م الذي كان أربعاء البصخة في تلك السنة. وفي نصف الساعة الأخيرة من حياته جلس على السرير ومنح البركة لجميع الحاضرين ثم اضطجع بسلام.

السنكسار الأمين، 26 برمهات.

متياس الرسول

كان أحد السبعين رسولاً الذي عينهم الرب، ولازمه منذ البداية وسمع تعاليمه وشاهد آياته. فلما سقط يهوذا الإسخريوطي من رتبته بعد خيانة سيده وانتحاره، كان لا بد أن يُقام آخر عوضًا عنه إتمامًا لنبوة المزمور عن يهوذا: "لتصر داره خرابًا... وليأخذ وظيفته آخر"، فاجتمع التلاميذ ليختاروا آخر بدلاً عنه، فتكلم بطرس وناشدهم أن يختاروا واحدًا ممن اجتمعوا كل الزمان الذي فيه دخل إليهم الرب يسوع وخرج منذ معمودية يوحنا إلى وقت صعوده ليشهد معهم بقيامته. فأقام التلاميذ اثنين من السبعين: يوسف المدعو بارسابا الملقب يسطس ومتياس، وصلّوا إلى الرب طالبين اظهار ارادته في أي الإثنين يختاره، ثم ألقوا قرعة فوقعت القرعة على متياس، فحُسب مع الأحد عشر رسولا (أع 1: 15 - 26).

امتلأ من الروح القدس يوم الخمسين نظير سائر الرسل، ولا نعرف على وجه التحقيق حقول كرازته. قيل أنه بشر في اليهودية والسامرة وبعض مقاطعات آسيا الصغرى، وختم حياته شهيدًا.

الكنيسة في عصر الرسل، صفحة 325.

متياس الشهيد

في 24 أمشير تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديس متياس بمدينة قوص.

السنكسار، 24 أمشير.

متياس تاوضروس القمص

رجل كنسي

ينتمي إلى عائلة عائلة القمامصة التي قدمت ومازالت تقدم أبنائها كهنة للعلي.

بدأ تعليمه في الكُتَّاب كما كانت العادة، فأتقن التعاليم الكنسية، وكان ولوعًا بالتسبحة والألحان، ومنحه الله صوتًا عذبًا حنونًا يتهلل سامعوه به.

بدأ خدمته الكنسية كشماس فالتف الشعب حوله. ولشدة تعلقه بالكنيسة جمع كل ما يمكنه من الكتب عنها وكوَّن لنفسه مكتبة خاصة ليزداد تعمقًا في معرفة الموضوعات الكنسية. اجتذبت مزاياه قلوب الشعب فألحوا في رسامته كاهنًا لهم، فرفض طلبهم مرارًا لتواضعه ولإدراكه بعِظَم المسئولية الموضوعة على الكاهن، إلا أنه سلم حياته بجملتها إلى الإرادة الإلهية.

روح النبوة

كان الأنبا مرقس مطران الأقصر وإسنا وأسوان لا يقبل وساطة إنسان مهما عَلَت مكانته مؤكدًا أن الكهنوت ليس مسئولية كبرى، وشاء الرب أن يعلن له في رؤيا عن جدارة هذا الشماس ومن ثَمَّ رسمه في 7 مارس سنة 1930م باسم متياس، وقد خدم في كنيسة دير المحارب وكنيستي السيدة العذراء بالمريس وأرمنت وفي كنيسة يوحنا الحبيب بالضبعية وكنيسة الملاك ميخائيل بالأقالته، إذ كان يتبادل الخدمة بهذه الكنائس مع أقاربه الكهنة وكلها تقع على الضفة الغربية من النيل.

كان قلب القمص متياس يفيض محبة لشعبه ولاخوته الكهنة وكان يحس بأحاسيس الغير من غير أن يكاشفوه بها بل حتى أن كانوا بعيدين عنه أيضًا. كذلك منحه الله معرفة الأمور قبل حدوثها، فمثلا حين تنيح الأنبا إبرآم أسقف الأقصر انتدب البابا شنودة الثالث الأنبا أغاثون أسقف الإسماعيلية لرعاية الشعب إلى أن يُرسَم الأسقف المختار، وفي ذات صباح بينما كان الكهنة مجتمعين قال لهم الأنبا أغاثون: "صلوا لكي يمنحكم الله راعيًا صالحًا ساهرًا"، فأجابه القمص متياس ببساطة وتلقائية مشيرًا إلى الراهب أنجيلوس المرافق للأسقف: "ها هو أسقفنا المبارك في وسطنا. أنه هو الذي سيحمل عبء الرياسة الكهنوتية". وقد تحققت كلمته.

نياحته

علم القمص متياس بالروح موعد انتقاله إلى الفردوس فمرض بضعة أيام، وأراد القس بسادة أن يدعو له طبيبًا فرفض قائلا: "يا ولدي لا تتعب نفسك لأنني مسافر إلى السماء". ولما اشتد عليه المرض ازداد فرحه، وكان يتلذذ آنذاك بترنيم ترنيمة الأحد الثالث من الصوم الكبير. وقبل نياحته بأسبوع ظهرت له السيدة العذراء ومعها مار جرجس وقالت له: "يا متياس سأريحك من هذا العالم"، وأضاف مار جرجس: "سنأتيك يوم الخميس لاستصحابك معنا". وفي اليوم المعين الموافق 27 يوليو سنة 1980 م انتقل إلى السماء في هدوء وسلام.

السنكسار الأمين، 18 أبيب.

مرتا الشهيدة

في التاسع من برمهات تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديسين أندريانوس ومرتا زوجته وأوسابيوس وأرما وأربعين شهيدًا، بعد عذابات شديدة على اسم ربنا يسوع المسيح.

السنكسار، 9 برمهات.

مرتيانوس القديس

راجع مارتينيان المتوحد القديس St. Martinian.

مرتيانوس ومرقوريوس الشهيدان

كان التلميذان مرتيانوس ومرقوريوس تلميذين للشهيد بولس بطريرك القسطنطينية، وقد حدث أن الإمبراطور قنسطنطينوس ابن الإمبراطور قسطنطين الكبير اعتنق مذهب أريوس فعارضه البطريرك، فنفاه الإمبراطور إلى بلاد الأرمن وأرسل إليه رجلاً قتله هناك مخنوقاً.

ولما علم الإمبراطور أن مرتيانوس ومرقوريوس حزنا عليه حزناً شديداً وأنهما يتبعانه في عقيدته، أحضرهما إليه وأمر بقتلهما بالسيف ودفن جسديهما في المكان الذي قتلا فيه. حتى جاء زمان القديس يوحنا ذهبي الفم فلما علم بأمرهما، نقل جسديهما إلى مدينة القسطنطينية وأقام عيداً سنوياً لهما.

موسوعة تاريخ الأقباط: الجزء 11 الكتاب الخامس، صفحة 93.

مرتينوس الأسقف القديس

وُلد بمدينة تدعى سافاريه من أبوين مسيحيين، ونشأ وديعًا عابدًا محافظًا على الإيمان القويم، ولم يفتر عن مقاومة الأريوسيين فكمنوا له مرارًا في الطريق وضربوه. وإذ بالغوا في مطاردته ترك المدينة وذهب فسكن في مغارة قريبة من ساحل البحر الأبيض وكان يتغذى فيها بنبات الأرض.

إقامة ميت

لما شاع خبره وذاع صيته في البلاد اختاروه لأسقفية ثراكي، فسار سيرة رسولية وزاد في المحبة والرحمة على كثيرين من الناس. وأجرى الله على يديه آيات كثيرة، منها أنه كان مارًا فأبصر إنسانًا أوقف جنازة ميت ومنع أهله من دفنه مدعيا أن له عليه أربعمائة دينار، فتوسل إليه القديس أن يطلق الميت فلم يقبل، فصلى وابتهل إلى الله أن يُظهر الحقيقة فقام الميت في الحال وبكَّت الرجل الذي ادعى عليه مظهرًا كذبه أمام الحاضرين وعلى أثر ذلك مات الرجل الظالم أما الذي قام من الموت بصلاة القديس فعاد إلى منزله وعاش سنين كثيرة.

أكمل هذا الأب حياته بسيرة مرضية وتنيح بسلام.

مرثا الفارسية وماريوس وابناهما الشهداء

راجع ماريوس St. Marius وأسرته الشهداء.

مطرانية جرجا: بستان القديسات ج 4.

مرثا القديسة

أخت لعازر ومريم الذين من بيت عنيا، وكانت مرثا شغولة بخدمة السيد المسيح (لو 10: 38 - 42، 12: 1 - 2)، وهي التي قال لها السيد المسيح: "أنا هو القيامة والحياة"، مثيرًا اعترافها بالإيمان: "أنا أؤمن أنك أنت المسيح ابن الله".

وتُعتَبَر القديسة مرثا شفيعة المهتمين بخدمة المحتاجين، وتُعيِّد لها الكنيسة الغربية في التاسع والعشرين من شهر يوليو.

The Penguin Dictionary of Saints, page 226.

مرثا المصرية القديسة

وُلدت من أبوين مسيحيين غنيين. ولما بلغت سن الشباب اندفعت وراء الأهواء الشريرة، فهوت في نجاسة السيرة.

حدث أنها أرادت أن تذهب إلى الكنيسة ليلة عيد الميلاد، ولما توجهت إلى الكنيسة وهمَّت بالدخول منعها الأبوذياكون. فحصلت بينهما ضجة سمعها الأسقف فأتى إلى الباب ليعلم السبب. فلما رآها قال لها: "أما تعلمين أن بيت الرب مقدس ولا يدخله غير الطاهر؟"

توجعت في قلبها من هذا الكلام وبكت وقالت: "اقبلني أيها الأب فإني تائبة من هذه اللحظة ومصممة على عدم العودة للخطية". فأجابها الأسقف قائلاً: "إن كانت توبتكِ صادقة فاحضري ملابسك الحريرية وزينتك الذهبية". فمضت وجاءت بكل ما لها بين يديّ الأسقف، فباعه ووزع ثمنه على الفقراء، ثم أرسلها إلى دير للراهبات، فجاهدت جهادًا عظيمًا وقامت بعبادات كثيرة. وكانت في كل صلواتها تقول: "يا رب أن كنت لم أحتمل الفضيحة من خادم بيتك فلا تفضحني أمام ملائكتك وقديسيك".

ظلت تجاهد 25 سنة حتى تنيحت بسلام. وتعيد لها الكنيسة في 3 بؤونة.

قديسات تائبات، صفحة 63.

مرسلا الأرملة القديسة

راجع مارسيللا (مارسيل) Marcella St. الأرملة القديسة.

مرقس أسقف إسنا وأسوان

حبه للعلم

نشأ في قرية دير تاسا بأعالي الصعيد ولما بلغ الثالثة والعشرين ترهبن في الدير المحرق في أيام رئاسة القمص بولس الدلجاوي (الذي صار فيما بعد القديس الأنبا إبرآم أسقف الفيوم). وفي سنة 1876م سافر إلى القاهرة وأقام فترة في الدار البابوية، ثم اقترح عليه الأنبا كيرلس الخامس أن يذهب إلى دير البراموس ليعلِّم الرهبان هناك، فذهب لساعته وقضى ثلاث سنوات في هذا العمل. وإذ كان البابا كيرلس مولعًا بالعلم وبمن يقومون به اختاره سنة 1879م ليكون أسقفًا على إسنا وأسوان باسم الأنبا مرقس.

حبه للتعمير

منحه الله أن يرى كل المشروعات التي استهدفها قد تحققت بالفعل، وهي:

1. جدد دير مار مينا بناحية "هو" مركز فرشوط بقنا.

2. بنى كنيسة باسم السيدة العذراء في أسوان.

3. بنى كنيسة باسم مار جرجس في وابورات أرمنت.

4. وكنيسة باسم رئيس الملائكة ميخائيل بقامولا.

5. وكنيسة باسم الأنبا باخوم بإدفو.

6. وأخرى باسم القديس عينه في أسوان.

7. وثالثة باسم القديس نفسه في الزينية بحري (الأقصر).

8. وكنيسة باسم مار جرجس بأرمنت الحيط.

9. رمم دير الشهداء بإسنا وكنائسه الثلاثة.

10. بنى كنيسة جديدة باسم الشهداء داخل ديرهم.

11. رمم دير القديس متى المعروف بالفاخوري في جبل أصفون.

12. أنشأ مدرستين: إحداهما في إسنا والثانية في أسوان.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الخامس صفحة 98.

مرقس الأب تلميذ الأب سلوان

طاعته

كان عند الأب سلوان تلميذ في الإسقيط يدعى مرقس. وكان مرقس هذا مطيعًا جدًا وخطاطًا ماهرًا. فأحبه سلوان لطاعته. وكان للأب سلوان أحد عشر تلميذًا آخرين كانوا يتضايقون لأن سلوان كان يحب مرقس أكثر منهم. فلما علم الآباء بهذا حزنوا وجاءوا إليه في إحدى المرّات وعاتبوه. أمّا هو فأخذهم وذهب وإياهم خارج القلاية وقرع بابها قائلاً: "يا أخي فلان، تعال إلى ههنا، لأني بحاجة إليك". فلم يستجب أحد منهم لطلبه فورًا. لكن لما جاء إلى قلاية تلميذه مرقس، قرع الباب وقال: "يا مرقس". وللحال ما أن سمع مرقس قرع الباب وأن أباه يناديه حتى قفز خارجًا، فأرسله للخدمة. ثم قال للشيوخ: أين هم الاخوة الآخرون يا آبائي؟ ولما دخل قلايته، تفحّص دفتره، فوجد أنه قد وضع يده ليكتب حرف الياء، لكن عندما سمع صوت الشيخ، للحال لم يدر قلمه لإكمال الحرف. فقال الآباء: "في الحقيقة يا أبتي، إن مرقس الذي تحبه نحبه نحن أيضًا، والله أيضًا يحبه".

قالوا عن الأب سلوان إنه، بينما كان يمشي مع الشيوخ في الإسقيط، أراد أن يظهر لهم طاعة تلميذه التي من أجلها يحبه. فلما رأى خنزيرًا برّياّ صغيرًا، قال له: "هل ترى ذلك الجاموس الصغير يا ولدي؟" أجابه التلميذ: "نعم يا أبتِ". "وقرناه، ألا تراهما جميلين؟" قال: "نعم يا أبتِ". فتعجب الشيوخ من جوابه وتشددوا بسبب طاعته.

قالوا عن الأب سلوان إنه لما أراد أن يرحل إلى سوريا، قال له تلميذه مرقس: "يا أبتِ، لا أريد الخروج من هنا، وأنت نفسك لن أدعك تخرج أيضًا. لكن أقم ههنا ثلاثة أيام". وفي اليوم الثالث رقد.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983

مرقس الأسقف المعترف

هدمه معبدًا للأوثان

أسقف أريثوسا Arethusa بجبل لبنان ومن المعترفين، الذي هدم معبدًا فخمًا للأوثان أثناء حكم الإمبراطور قسطنطيوس Constantius وأقام مكانه كنيسة، وحَوَّل الكثيرين إلى الإيمان المسيحي.

بعمله هذا أثار حقد جماعة الوثنيين، الذين كتموا غيظهم غير قادرين على الانتقام منه لكون الإمبراطور مسيحيًا.

ولكن الفرصة واتتهم حين مَلَك يوليانوس Julian الجاحد وأصدر أوامره بأن من هدم معابد للأوثان عليه إما أن يعيد بنائها مرة أخرى أو يدفع غرامة طائلة. إذ كان مرقس ليس ليده القدرة ولا النية على طاعة الأوامر هرب من ثورة أعدائه، ولكن حين علم أن البعض من رعيته قد انزعجوا واضطربوا عاد وسَلَّم نفسه.

اضطهاده

أمسكوا الرجل المسن وجرّوه من شعره في شوارع المدينة، جلدوه وضربوه، ثم ألقوه في بالوعة المجاري، وأخذوا يغرسوا الأقلام المدببة في جسده.

ربطوا رجليه بالحبال عامدين إلى تقطيع لحمه، وأخيرًا غطوا جسمه بالعسل وحبسوه في قفص علقوه في منتصف النهار في حر الصيف ليلسعه النحل والحشرات.

في وسط عذاباته كان في منتهى الهدوء شاكرًا العذابات التي رفعته قريبًا من السماء. بعد مدة تحول الجمع من العنف إلى مدح وتقدير القديس حتى أطلقوا سراحه، بينما أرسل الحاكم إلى يوليانوس يطلب منه العفو عن القديس، الذي وافق على الطلب قائلاً أنه لا يرغب في منح المسيحيين أيًا من الشهداء.

يقول المؤرخ سقراط Socrates أن أهل أريثوسا تأثروا جدًا من موقف الأسقف وثباته وشجاعته حتى طلبوا تعليمهم ذلك الدين القادر على منح ذلك الثبات، وفعلاً تحول الكثيرون منهم إلى المسيحية. ويقال أن يوليانوس حماه من استمرار التعذيب، إذ يقول البعض أن ذلك الأسقف كان قد أنقذ يوليانوس وهو في سن السادسة من المذبحة التي قضت على كل أفراد أسرته. تنيح سنة 365م.

Butler, March 29.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. III, page 825.

مرقس الأنطوني القديس

نبوة عن قداسته

عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، وكان معاصرًا للبابا متاؤس الأول البطريرك السابع والثمانين الشهير بمتاؤس المسكين. نشأ في بلدة منشاة النصارى بالصعيد، ولما بلغ الخامسة من عمره كان سائرًا ذات يوم مع أمه فقابلهما الأنبا ساويرس أسقف أسيوط فحمله على ذراعه وسأله عن اسمه، فأجاب الولد "مرقس"، فتهلل وجه الأسقف وقال له: "حقًا يا ولدي إنك ستشابه مرقس صاحب كورة مصر"، ثم باركه وأرجعه إلى أمه موصيًا إياها برعايته.

أصوامه

شب مرقس على عادة الصوم الانقطاعي يوميًا منذ الخامسة من عمره تشبهًا بوالديه، كما تعلم منهما الصلاة، فكان يظل واقفًا حتى ينتهيا من صلاتهما. إذ كان أبواه فقيرين اضطر للعمل منذ طفولته، فاشتغل بالفلاحة وكان يوزع الطعام الذي تعطيه له أمه على من يجده أكثر احتياجًا ويظل هو صائمًا إلى أن يعود مساءً لأمه.

رهبنته

لما بلغ الثالثة والعشرين من عمره اشتاق إلى حياة الرهبنة، فاستأذن من أمه - إذ كان أبوه قد تنيح - وقصد إلى أحد الأديرة القريبة من منطقته، ولكنه دُهش حين رأى الرهبان لا يصومون طيًا بل ويتهاونون حتى في الصلوات، ولما لم يرقه هذا السلوك عاد إلى أمه. وما أن وقعت عيناها عليه حتى قال له: "لقد ظننت أنك متْ عن هذا العالم، فما الذي أتى بك؟ أحذر يا بني لأن الذي يضع يده على المحراث لا ينظر إلى الوراء أبدًا لئلا يفشل في أن يكون صالحًا لملكوت السماوات". وحالما سمع كلماتها تركها لساعته وقصد إلى دير كوكب البرية الأنبا أنطونيوس، وكان القمص روفائيل النعناعي أبوه الروحي في الدير ساعة وصوله، ففرح به وتولى رعايته بضعة أيام ثم أخذه إلى دير الأنبا بولا لقلة عدد رهبان ذلك الدير وحتى يعيش مرقس في شبه عزلة كي لا تعوقه المخالطة عن جهاده الروحي.

في الدير حفر لنفسه مغارة بجانب بستان الدير ودرب نفسه على الاختلاء فيها، وأخذ أيضًا يدرب نفسه على الصوم يومين فثلاثة حتى استطاع أن يقضي أسبوعًا بأكمله صائمًا. ولم يعقه الصوم عن العمل إذ كان يشتغل حمالاً للحطب في برية الأنبا بولا. وعاش في دير الأنبا بولا ست سنوات على هذا النحو فأنهك جسمه إلى حد أن الرهبان حملوه ذات يوم وذهبوا به إلى دير الأنبا أنطونيوس ورجوا من رهبانه أن يعتنوا به ويجعلوه أن يأكل ما يشدد به جسمه.

مضايقة أمير يلبغا له

حينما استبد الأمير يلبغا بالأنبا متاؤس واقتحم دير الأنبا أنطونيوس ساق هذا الشيخ ضمن من ساقهم أمامه، ولم يحترم قداسته ولا شيخوخته بل ضربه ورمى به على الأرض ورفض طلبه حين ترجى منه أن يعطيه من الماء، وعند ذاك رفع مرقس عينيه نحو السماء وقال للأمير في ثقة تامة: "ما دمت ترفض أن تعطينا ماء فإن الله تعالى سيروينا من يده"، وما كاد يتفوه بهذه الكلمات حتى نزل سيل جارف من المطر رغم أن الوقت كان صيفًا. ومع هذا لم يلين قلب الأمير القاسي إذ لم يكف عن أذية هؤلاء القديسين حتى وصلوا إلى أطفيح واضطر إلى إطلاق سراحهم بناء على أمر من السلطان.

مد عمره عامين

قد مد الله في أيامه فبلغ شيخوخة صالحة، وكان يجمع الرهبان ويوصيهم بالمحبة الأخوية والإرشادات المحيية، وذات مرة حين رآهم يبكون لأنه كان يحدثهم عن قرب رحيله قال لهم: "لا تبكوا يا أولادي لأنني رأيت الكوكبين الساطعين أنطونيوس وبولا يسجدان أمام العرش ويطلبان إلى السيد المسيح أن يتركني معكم قليلاً. فاستجاب لهم رب المجد وأخبرهما بأنه سيهبني سنتين أخرتين". وعاش القديس السنتين اللتين تحدث عنهما ولكنه كان ضعيفًا إلى حد أنه قضاهما ملازمًا الفراش ولكنه ظل صاحي العقل، ثم انتقل في هدوء تام إذ أسند رأسه على كتف تلميذ له في سكينة ووداعة.

روى أحد نساك الدير بأنه رأى ساعة انتقال القديس جمهورًا من الأجناد السماوية نزلوا إلى الدير وأحاطوا به إلى أن جاءت امرأة حاملة طفلاً يغطي جلالها نور الشمس فجلست إلى جانبه وتقبلت روحه حتى أصعدتها إلى السماء. كذلك عرف الأنبا رويس - الذي كان معاصرًا له - بالروح ساعة نياحة هذا القديس وخاطبه من مكانه بدير الخندق.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثالث صفحة 351.

مرقس الرسول

✥ نشأته:

هو يوحنا الملقب مرقس الذي تردد اسمه كثيرًا في سفر الأعمال والرسائل. حمل اسمين: يوحنا وهو اسم عبري يعني "يهوه حنان"، ومرقس اسم روماني يعني "مطرقة".

✞ وُلد القديس مرقس في القيروان Cyrene إحدى المدن الخمس الغربية بليبيا، في بلدة تُدعى ابرياتولس، من أبوين يهوديين من سبط لاوي، اسم والده أرسطوبولس، ووالدته مريم امرأة تقية لها اعتبارها بين المسيحيين الأولين في أورشليم.

✞ تعلم اليونانية واللاتينية والعبرية وأتقنها.

إذ هجمت بعض القبائل المتبربرة على أملاكهم تركوا القيروان إلى فلسطين وطنهم الأصلي وسكنوا بأورشليم. نشأ في أسرة متدينة كانت من أقدم الأسر إيمانًا بالمسيحية وخدمة لها.

✞ علاقته بالسيد المسيح:

تمتع مع والدته مريم بالسيد المسيح، فقد كانت من النساء اللواتي خدمن السيد من أموالهن، كما كان لكثير من أفراد الأسرة صلة بالسيد المسيح. كان مرقس يمت بصلة القرابة للرسل بطرس إذ كان والده ابن عم زوجة القديس بطرس الرسول أو ابن عمتها. ويمت بصلة قرابة لبرنابا الرسول بكونه ابن أخته (كو 4: 10)، أو ابن عمه، وأيضًا بتوما.

✞ فتحت أمه بيتها ليأكل الفصح مع تلاميذه في العلية، فصار من البيوت الشهيرة في تاريخ المسيحية المبكر. وهناك غسل رب المجد أقدام التلاميذ، وسلمهم سرّ الأفخارستيا، فصارت أول كنيسة مسيحية في العالم دشنها السيد بنفسه بحلوله فيها وممارسته سرّ الأفخارستيا. وفي نفس العُلية كان يجتمع التلاميذ بعد القيامة وفيها حلّ الروح القدس على التلاميذ (أع 2: 1 - 4)، وفيها كانوا يجتمعون. وعلى هذا فقد كان بيت مرقس هو أول كنيسة مسيحية في العالم اجتمع فيها المسيحيون في زمان الرسل (أع 12: 12).

✞ أما هو فرأى السيد المسيح وجالسه وعاش معه، بل أنه كان من ضمن السبعين رسولاً، لذا لقبته الكنيسة: "ناظر الإله".

كان القديس مرقس أحد السبعين رسولاً الذين اختارهم السيد للخدمة، وقد شهد بذلك العلامة أوريجينوس والقديس أبيفإنيوس.

✞ ويذكر التقليد أن القديس مرقس كان حاضرًا مع السيد في عرس قانا الجليل، وهو الشاب الذي كان حاملاً الجرة عندما التقى به التلميذان ليُعدا الفصح للسيد (مر 14: 13 - 14؛ لو 22: 11). وهو أيضًا الشاب الذي قيل عنه أنه تبع المخِّلص وكان لابسًا إزارًا على عريه فأمسكوه، فترك الإزار وهرب منهم عريانًا (مر 14: 51 - 52). هذه القصة التي لم ترد سوى في إنجيل مرقس مما يدل على أنها حدثت معه.

✞ كرازته:

بدأ الرسول خدمته مع معلمنا بطرس الرسول في أورشليم واليهودية.

* يسجل لنا سفر أعمال الرسل أنه انطلق مع الرسولين بولس وبرنابا في الرحلة التبشيرية الأولى وكرز معهما في إنطاكية وقبرص ثم في آسيا الصغرى. لكنه على ما يظن أُصيب بمرض في برجة بمفيلية فاضطر أن يعود إلى أورشليم ولم يكمل معهما الرحلة. عاد بعدها وتعاون مع بولس في تأسيس بعض كنائس أوروبا وفي مقدمتها كنيسة روما.

* إذ بدأ الرسول بولس رحلته التبشيرية الثانية أصر برنابا الرسول أن يأخذ مرقس، أما بولس الرسول فرفض، حتى فارق أحدهما الآخر، فانطلق بولس ومعه سيلا، أما برنابا فأخذ مرقس وكرزا في قبرص (أع 13: 4 - 5)، وقد ذهب إلى قبرص مرة ثانية بعد مجمع أورشليم (أع 15: 39).

* اختفت شخصية القديس مرقس في سفر الاعمال إذ سافر إلى مصر وأسس كنيسة الإسكندرية بعد أن ذهب أولاً إلى موطن ميلاده "المدن الخمس" بليبيا، ومن هناك انطلق إلى الواحات ثم الصعيد ودخل الإسكندرية عام 61م من بابها الشرقي.

✞ دخل مار مرقس مدينة الإسكندرية على الأرجح سنة 60م من الجهة الغربية قادمًا من الخمس مدن. ويروي لنا التاريخ قصة قبول أنيانوس الإيمان المسيحي كأول مصري بالإسكندرية يقبل المسيحية... فقد تهرأ حذاء مار مرقص من كثرة السير، وإذ ذهب به إلى الإسكافي أنيانوس ليصلحه له دخل المخراز في يده فصرخ: "يا الله الواحد"، فشفاه مار مرقس باسم السيد المسيح وبدأ يحدثه عن الإله الواحد، فآمن هو وأهل بيته... وإذ انتشر الإيمان سريعًا بالإسكندرية رسم أنيانوس أسقفًا ومعه ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة.

✞ هاج الشعب الوثني فاضطر القديس مرقس أن يترك الإسكندرية ليذهب إلى الخمس مدن الغربية (برقه بليبيا) ومنها إلى روما، حيث كانت له جهود تذكر في أعمال الكرازة عاون بها الرسول بولس، لكنه ما لبث أن عاد إلى مصر ليتابع العمل العظيم الذي بدأه.

✞ عاد إلى الإسكندرية عام 65م ليجد الإيمان المسيحي قد ازدهر فقرر أن يزور المدن الخمس، وعاد ثانية إلى الإسكندرية ليستشهد هناك في منطقة بوكاليا.

✞ وحدث بينما كان الرسول يحتفل برفع القرابين المقدسة يوم عيد الفصح - واتفق ذلك اليوم مع عيد الإله الوثني سيرابيس - أن هجم الوثنيون على الكنيسة التي كان المؤمنون قد أنشأوها عند البحر، في المكان المعروف باسم بوكاليا أي دار البقر. ألقوا القبض على مار مرقس وبدأوا يسحلونه في طرقات المدينة وهم يصيحون: "جرُّوا التنين في دار البقر". ومازالوا على هذا النحو حتى تناثر لحمه وزالت دماؤه، وفي المساء وضعوه في سجن مظلم، وفي منتصف تلك الليل ظهر له السيد المسيح وقواه ووعده بإكليل الجهاد. وفي اليوم التالي أعاد الوثنيون الكرَّة حتى فاضت روحه وأسلمها بيد الرب، في آخر شهر برمودة سنة 68م. وإمعانًا في التنكيل بجسد القديس أضرم الوثنيون نارًا عظيمة ووضعوه عليها بقصد حرقه، لكن أمطارًا غزيرة هطلت فأطفأت النار، ثم أخذ المؤمنون الجسد بإكرام جزيل وكفَّنوه.

✞ وقد سرق بعض التجار البنادقة هذا الجسد سنة 827م وبنوا عليه كنيسة في مدينتهم، أما الرأس فما تزال بالإسكندرية وبُنِيت عليها الكنيسة المرقسية.

* تعتقد لبنان أن القديس كرز بها، هذا وقد كرز أيضًا بكولوسي (كو 4: 10)، وقد اتخذته البندقية شفيعًا لها، وأكويلاً من أعمال البندقية.

* نختم حديثنا عن كرازته بكلمات الرسول بولس في الرسالة إلى فليمون يذكره الرسول بولس في مقدمة العاملين معه (فل 4: 2)، وفي الرسالة إلى كولوسي يذكره بين القلائل العاملين معه بملكوت الله بينما كان هو أسيرًا مدة أسره الأول في روما. وفي أسره الثاني - بينما كان يستعد لخلع مسكنه - كتب إلى تيموثاوس يطلب إليه إرسال مرقس لأنه نافع له للخدمة (2تي 4: 11).

✞ إنجيله:

القديس مرقس هو كاتب الإنجيل الذي يحمل اسمه، وهو واضع القداس المعروف حاليًا باسم القداس الكيرلسي نسبة للقديس كيرلس عمود الدين البطريرك السكندري الرابع والعشرين لأنه كان أول من دوَّنه كتابة وأضاف إليه بعض الصلوات.

✞ إنشاء المدرسة اللاهوتية:

للقديس مرقس الرسول الفضل في إنشاء المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية، تلك المدرسة التي ذاع صيتها في العالم المسيحي كله شرقًا وغربًا، وأسدت للمسيحية خدمات جليلة بفضل علمائها وفلاسفتها الذين خرَّجتهم.

✞ القديس مار مرقس والأسد:

يُرمز للقديس مار مرقس بالأسد، لذلك نجد أهل البندقية وهم يستشفعون به جعلوا الأسد رمزًا لهم، وأقاموا أسدًا مجنحًا في ساحة مار مرقس بمدينتهم. ويعلل البعض هذا الرمز بالآتي:

أولاً: قيل أن القديس مرقس اجتذب والده أرسطوبولس للإيمان المسيحي خلال سيرهما معًا في الطريق إلى الأردن حيث فاجأهما أسد ولبوة، فطلب الأب من ابنه أن يهرب بينما يتقدم هو فينشغل به الوحشان، لكن الابن طمأن الأب وصلى إلى السيد المسيح فانشق الوحشان وماتا، فآمن الأب بالسيد المسيح.

ثانيًا: بدأ القديس مرقس إنجيله بقوله: "صوت صارخ في البرية"... وكأنه صوت أسد يدوي في البرية كملك الحيوانات يهيء الطريق لمجيء الملك الحقيقي ربنا يسوع المسيح. هذا وإذ جاء الإنجيل يُعلن سلطان السيد المسيح لذلك لاق أن يرمز له بالأسد، إذ قيل عن السيد أنه "الأسد الخارج من سبط يهوذا" (رؤ 5: 5).

ثالثًا: يرى القديس أمبروسيوس أن مار مرقس بدأ إنجيله بإعلان سلطان ألوهية السيد المسيح الخادم "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (1: 1)، لذلك بحق يرمز له بالأسد.

القمص تادرس يعقوب ملطي: الإنجيل بحسب مرقس.

الكنيسة في عصر الرسل، صفحة 341.

مرقس الثاني البابا التاسع والأربعون

في دير القديس مقاريوس الكبير

أثناء جولات البابا يوأنس الرابع البطريرك الثامن والأربعين الرعوية وجد بين الشباب شماسًا متبتلاً متبحرًا في العلوم الروحية اسمه مرقس، وقد حباه الله صوتًا عذبًا روحانيًا، ففرح به البابا وأحبه وعينه سكرتيرًا له. ثم بعد مدة استصحبه إلى دير الأنبا مقار وهناك ألبسه الإسكيم المقدس، وما أن تمت هذه الشعائر المقدسة حتى تقدم ناسك شيخ وصافحه مهنئًا ثم قال: "إن هذا الشماس يستحق أن يجلس على كرسي أبيه العظيم مرقس الرسول".

سيامته بطريركًا

إذ تنيح أسقف بابلون طلب الشعب من البابا أن يرسم لهم الراهب مرقس سكرتيره أسقفًا لهم، ففرح البابا لهذا الطلب لِما كان يعلمه من استحقاق مرقس لكرامة الأسقفية. فلما سمع الراهب بنية البابا اختفى عن الأنظار وعبثًا حاول المؤمنون أن يعرفوا مكانه، فاضطر البابا في النهاية إلى رسامة راهب غيره، وظل مرقس مختفيًا حتى بعد رسامة أسقف بابلون مما جعل البابا يستمر غاضبًا عليه، ولكن ضميره أنَّبه على ذلك فبعث برسالة إلى راهب شيخ متوحد في ضاحية البرلس يعلمه بغضبه على تلميذه. رد عليه المتوحد برسالة قال فيها أن الله كشف له عن صونه ليجلس على كرسي مار مرقس في الوقت المناسب. فرح البابا بهذه الرسالة، ولما دنت وفاته وسأله الشعب عمن يجلس بعده أعلمهم أن ملاك الرب أعلمه أن مرقس تلميذه هو المختار من الرب. بعد نياحة البابا هرب مرقس إلى البرية إذ علم بنية الأساقفة، فبحثوا عنه حتى وجدوه وقيدوه وساقوه إلى الإسكندرية حيث رسموه سنة 790م (506ش).

صداقة مع الوالي

بعد رسامته قام زيارة لبيب الدولة والي مصر، وما كاد الوالي يرى البابا حتى نشأت بين الاثنين مودة وثيقة، وسأل الوالي من البابا أن يطلب ما يشاء فيحققه له، فكان الطلب أن يسمح له ببناء الكنائس اللازمة لخدمة الشعب وترميم المتهدم منها، فأجابه الوالي إلى طلبه.

رسالة شركة إلى أخيه بطريرك إنطاكية

كتب رسالة الشركة إلى أخيه بطريرك إنطاكية الذي رد عليه بمثلها معبرًا عن ابتهاجه وابتهاج شعبه بوحدة الإيمان الأرثوذكسي.

قرارات مجمع خلقيدونية

وكان بين الأقباط عدد غير قليل قد وافق على قرارات مجمع خلقيدونية، فكان البابا يصلي من أجلهم ليل نهار بدموع حتى يرجعوا عن طريق ضلالهم، واستجاب الرد لصلواته ودموعه فحرك قلب رئيس هذه الجماعة ويدعى إبراهيم كما حرك قلب أبيه الروحي جُرجَه إلى التوبة الصادقة، فقبلهما البابا مع كل جماعتهما وناولهم من الأسرار الإلهية.

فساد سياسي ومضايقات

في عهده كان الخليفة العباسي في ذلك الوقت هو هارون الرشيد الذي ازدهرت في عصره العلوم والفنون، ثم توفي هارون الرشيد واختصم ابناه المأمون والأمين على الخلافة أدت إلى حرب طاحنة بينهما وكان نصيب مصر من الشقاء نتيجة لهذه الحرب نصيب الأسد. كما عانت مصر أيضًا من وفود خمسة عشر ألف لاجئ من بلاد الأندلس إليها، كانوا قد قاموا بثورة فاشلة ضد الخليفة الأموي الذي قهرهم وأمر بنفيهم، فعاثوا في مصر فسادًا إذ كانوا يضرمون النار في بيوت العبادة ويتحرشون بالمصريين الآمنين.

رأى البابا أن يواسي شعبه في محنته فكان يتجول بينهم يعزيهم ويشددهم غير أن الأندلسيين أخذوا يضيقون على البابا الخناق حتى اضطروه في آخر الأمر إلى ترك الإسكندرية، وأخذ يتنقل من بلد إلى بلد لمدة خمس سنوات لا يستقر في مكان حتى لا يقع في أيديهم، إلى أن استطاع الأمير عبد العزيز إعادة الاستقرار إلى البلاد.

مرارة نفسه ونياحته

قرب انتهاء هذه القلاقل إذا بشدة جديدة تصيب البابا، إذ أغارت قبائل البربر على وادي النطرون وخربوا الأديرة وقتلوا الرهبان القاطنين فيها، ولم ينجُ من أيديهم سوى عدد قليل تشتتوا في أنحاء الصحاري الشاسعة. فعاود الحزن قلب الأنبا مرقس الثاني وبكى بكاءً مرًا على الأديرة وساكنيها وتضرع إلى الله أن يجعل هذه الكارثة خاتمة حياته، لأن ما حل في عهده من بلايا قد حطم قلبه وملأه ألمًا على ألم، فاستجاب الرب لتضرعاته وأرسل إليه ملاكًا يقول له: "لا تجزع أيها الخادم الصبور لأنك ستنتقل إلى الأخدار السمائية يوم عيد القيامة المجيدة، وهذه هي العلامة: حين تنتهي من خدمة القداس الإلهي ليلة العيد وتتناول من الأسرار المقدسة ستنطلق روحك من أسر هذا الجسد".

لما استيقظ البابا مرقس صبيحة تلك الليلة أخبر الأساقفة الذين كانوا معه بالحلم الذي رآه. وقد تحقق حلم البابا السكندري إذ لم يكد ينتهي من شعائر القيامة المجيدة حتى انطلقت روحه إلى بيعة الأبكار.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثاني صفحة 403.

مرقس الثالث ابن زرعه البابا الثالث والسبعون

اُختير للبطريركية سنة 1166م بعد نياحة البابا يوحنا الخامس، في وقت زادت فيه اضطراب الأحوال الداخلية والخارجية للبلاد. كان تاجرًا شماسًا بتولاً ناسكًا يسمى "مرقس أبي الفرج بن أبي السعد" وهو معروف بابن زرعه، سرياني الجنس قبطي المذهب، وتمت مراسم السيامة في الإسكندرية كالعادة.

ضيق شديد

لأن هذا البابا يعيش مشاعر الناس ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، نزل إلى سائر أنحاء البلاد يعزي القلوب ويضمد الجراح ويشدد من أزر ضعاف النفوس والقلوب خصوصًا بعد أن لمس الضيق الشديد الذي حل بالقبط من جراء تشدد أسد الدين شركوه ووزيره بهاء الدين قراقوش الذين قتلوا ونهبوا الأموال واغتصبوا النساء بالإضافة إلى السياسة البغيضة للقبط. فما كان من البطريرك إلا أن التجأ إلى الصوم والصلاة فنظر الله إلى دموعه ومات شيركوه فجأة.

في عصر الأيوبيين

تولى صلاح الدين الأيوبي وبدأ عصر جديد في الدولة والموقف من القبط. فانتقل الحكم إلى الأيوبيين وبدأ عهد من الاستقرار والعدالة، وأحس المصريون جميعًا بالعدالة والسماحة والكرم، بل وأكثر من هذا أمر ببناء ما تهدم من الكنائس واختار من كبار رجال الدولة الشيخ الرئيس صفي الدين بن أبي المعالي. وكان من مظاهر الاستقرار أيضًا بناء القلعة التي بناها صلاح الدين على الطراز البيزنطي إذ أعجبه نظام بناء الكنائس القبطية على هذا النسق والنظام، وأشرف على بنائها مهندسان قبطيان هما أبو منصور وأبو مشكور، وحال الانتهاء من بنائها نقل إليها مقر الحكم فصارت مركزًا للحكم لمدة 666 سنة أي حتى 1874م في عصر الخديوي إسماعيل الذي بنى قصر عابدين ونقل إليه مقر الحكم.

انتشبت في عهده الحروب الصليبية واشتد الخلاف بينه وبين مرقس بن قنبر المبتدع. وبدت نهاية أيام البابا مرقس الثالث هادئة بدرجة ملحوظة رغم أن بداية أيامه كانت صعبة، ورحل ذلك الرجل البار سنة 1189م.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)، صفحة 33.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 466.

مرقس الرابع البابا الرابع والثمانون

سيامته بطريركًا

كان في الأصل كاهنًا راهبًا لكنيسة العذراء المعروفة بالمعلقة، ومن ضمن الآباء الذين شاركوا في الصلاة على زيت الميرون المقدس أيام حبرية البابا بطرس الخامس، وكان له اسم الملاك المبشر جبرائيل (غبريال)، فأجمعوا عليه الرأي وصار راعيًا أعلى للكنيسة المجاهدة وتمت رسامته في 5 سبتمبر سنة 1348م وذلك في الأيام الأخيرة لابن قلاوون، وقد عاصر ابنه الصالح الثاني.

ضيق بسبب الأسبان

من الأحداث الهامة في حبرية البابا مرقس الرابع أن طلب الأسبان فتح كنائس الملكانيين والإفراج عن أسير أسباني، وبعد أن وافق السلطان عاد وطلب فدية كبيرة عن الأسير، فرفضت أسبانيا ووقع الخلاف. وتحمَّل الأقباط المشاركون في المسيحية وإن اختلفوا في المعتقد الضيقات بإيعاز من حسود شرير، ومن مراحم الله أن مات ابن قلاوون وخلفه ابنه الصالح الثاني ولم يكن يحمل من صفات اسمه شيئًا. فكان غضب السماء عليه فانتشر وباء الطاعون وحصد الكثيرين، والعجيب أنه وسط هذا كان الاضطهاد واضحًا إذ قبضوا على رجل قبطي أتى من الريف إلى القاهرة وكان ينادى على اخوته بحفظ الإيمان ويوبخ الجاحدين وعذبوه مدة أسبوع وبعد ذلك قطعوا رأسه وأحرقوا جثته على قارعة الطريق، وان كان غير القبط قد عانوا من الطاعون فقد عانى القبط من الاضطهاد والطاعون.

هدم الكنائس وإحراقها

بدأت مرحلة جديدة من هدم الكنائس وإحراقها ونهب محتوياتها وصودرت أموال القبط وألزموهم بالملابس الخاصة بأهل الذمة الزرقاء وسجنوا البطريرك مُعَذَبًا. ومن مراحم الله أن تأتى النجدة من الحبشة ومن خارج مصر من النوبة. ويهدد الكل بمعاملة المسلمين من رعاياهم بالمثل، فأمام الإرهاب الخارجي يهدأ الإرهاب الداخلي.

قضى البابا مرقس الرابع بقية حياته بين شعبه يشدد من أزرهم ويحافظ على إيمانهم ويقبل من يرجع إلى الإيمان معترفًا بخطيته ويرفع الصلوات مع القلوب المحبة لكي يرفع الله الغمة عن شعبه. فتتجاوب السماء وتريحه من الظلم والبطش بعد أن قضى في الخدمة البابوية قرابة الخمس عشر عامًا، وكانت نياحته في يوم 31 يناير سنة 1363 م في أيام السلطان محمد المنصور ودفِن بدير شهران.

القس روفائيل فريد واصف: كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)

مرقس الخامس البابا الثامن والتسعون

سيامته بطريركًا

من دير القديس مقاريوس الكبير ببرية شيهيت، اتفق الأساقفة والأراخنة على اختيار الراهب "مرقس المقاري" الذي من بلدة البياض ببني سويف، وتمت مراسيم سيامته في كنيسة القديس مرقوريوس (أبى سيفين) بنفس اسم كاروز الديار المصرية في 26 بؤونة 1327ش 1603م ليكون الثامن والتسعين من باباوات الإسكندرية، وذلك في أيام السلطان محمد الثالث.

بدأ البابا الجديد أيام خدمته على الأرض بافتقاد شعبه في كل مكان حتى إلى القدس ليقوى عزائمهم ويثبت إيمانهم مستخدمًا ما وهبه الله من سعة العلم والتضلع في الشرائع.

متاعب للبابا من داخل الكنيسة

ومن العجب أن تأتى المتاعب للبابا الجديد من داخل الكنيسة، إذ اتجه الموسرون من القبط إلى الزواج بأكثر من واحدة، ولما وبخهم البابا وحرمهم للتعدي على الشرائع المسيحية غضبوا وأوعزوا للوالي العثماني بالقبض عليه وسجنه وفعلاً تم القبض على البابا وسجنه.

والمرجح أن أسقف دمياط انضم إلى هؤلاء المارقين ظنًا منه أنه يستطيع أن يحل محل البابا، ولكن وقف القبط وقفة رجل واحد حتى أفرج الوالي عن باباهم، وانعقد مجمع مقدس حرم من تزوج بأكثر من واحدة، وحرم الأسقف الذي انحاز مع الهوى. وليس غريبًا أن الوالي ينقلب على هؤلاء المنحرفين ويطردهم من مناصبهم فيتشتتون في كل صوب بعد مصادرة أموالهم وأملاكهم.

متاعب من الأتراك

تجلت وطنية الأقباط في عدم اشتراكهم في الثورات التي قامت من طنطا إلى القاهرة ضد الحكم التركي، ومع هذا عندما أخمدها الترك لم يفرقوا بين غادر وعابر.

متاعب من روما

نجح البابا الروماني في استمالة ملك أثيوبيا واعتبر من ليس معه فهو عليه، فأغلق كنائس القبط وحتم إعادة معمودية الأقباط وإعادة تكريس الكنائس التي استولى عليها فثار الشعب بمساندة المطران القبطي، وقامت حرب أهليه استمرت ما يزيد على ست سنوات راح ضحيتها الكثير من الأثيوبيين. ولم تفلح المناورات الرومانية في الاستمرار في أثيوبيا، كما لم تفلح الضيقة العثمانية التي أحكمها الولاة على أقباط مصر، ووسط الدفاع الإلهي عن كنيسة الآباء والأجداد انتقل البابا مرقس سنة 1619م في أيام السلطان عثمان وولاية مصطفى باشا على مصر، وتمت المراسيم الجنائزية على جسده الطاهر في كنيسة العذراء بحارة زويلة - المقر البابوي آنذاك - ثم نقل بعدها جسده إلى ديره ببرية شيهيت.

القس روفائيل فريد واصف: كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 3)

مرقس السادس البابا المائة وواحد

سيامته بطريركًا

لم تنقضِ عشرون يومًا على نياحة الأنبا متاؤس الثالث حتى اختير الراهب مرقس البهجوري الأنطوني بناء على مشورة أرخن ذي رأى مسموع اسمه "بشارة"، فوصلوا إلى ديره واستحضروه إلى القاهرة حيث تمت سيامته في أيام الخماسين المقدسة، وصار البابا الواحد بعد المائة على كرسي الإسكندرية.

نشأ هذا الأب في ناحية بهجورة بالوجه القبلي، وترهب بدير القديس الأنبا أنطونيوس باسم الراهب مرقس الأنطوني. وقد سيم بطريركًا في سنة 1646م وكان ذلك في أيام السلطان إبراهيم الأول وكان محمد باشا بن حيدر باشا واليًا على مصر.

عودة الرهبان إلى أديرتهم

في مستهل بابويته أصدر أمرًا بوجوب عودة الرهبان إلى صوامعهم وأديرتهم مما يتفق مع القوانين الكنسية والقواعد الرهبانية.

استاء من هذا القرار بعض الرهبان فلم يرضخوا له بل والتجأوا إلى الوالي يشكوه سوء معاملة البطريرك، فوجدها الوالي التركي فرصة طيبة للقبض على البابا القبطي وإيداعه السجن، ولم تنقضِ أيام حتى عاد زعيم المارقين واسمه "قدسي" إلى رشده واتجه إلى الوالي ينفى الاتهامات ويطلب الإفراج عن البابا ولكن الوالي فرض ضريبة ضخمة على الكنيسة وأكابر القبط.

اضطهاد الأقباط

تنقل البابا بين ربوع مصر لمدة أربع سنوات ليس من أجل رعاية شعبه ولكن لجمع الأموال قصرًا من الكنائس وكبار القبط حتى ولو بطريقة غير لائقة وأسلوب عنيف، وانتهز الوالي الفرصة فصب على الأقباط جام غضبه وأصدر أوامر مشددة بأن يمتنع أي قبطي عن ركوب الخيل ولا حق لهم في ارتداء الملابس الملونة الحمراء وإنما فرض عليهم الملابس الزرقاء فقط. وأصدر أوامر أخرى أشد تعسفًا بأن يرث الوالي من يموت من القبط، فحرم بذلك الأرامل والأيتام حقوقهم الشرعية والطبيعية، ولكي تزداد ثروة الوالي كان يأمر بقتل قبطي أو اثنين يوميًا حتى بلغ من قُتلوا في أيامه من القبط - من أجل الميراث - ألف ومائتي رجلاً.

نياحته

ليس غريبًا أن مثل هذا البابا ينتقل إلى دار البقاء يوم الجمعة العظيمة إذ ينشغل الكل بأحداث الصلب والفادي وبالتالي تقل قيمة كل إنسان سواه وصُلى على جثمانه ساعة من ساعات البصخة كالمعتاد ثم تمت صلوات التجنيز يوم سبت النور ودُفِن في كنيسة القديس مرقوريوس أبو سيفين بمصر القديمة بعد أن قضى على الكرسي البابوي ما يزيد على العشر سنوات، وكانت نياحته سنة 1656م، وخلى الكرسي بعده أربع سنوات وسبعة شهور وستة عشر يومًا.

الكاتب القبطي يوسف أبو دقن المنوفي

كتب يوسف أبو دقن المنوفي دافعًا عن الإيمان المستقيم بأسلوب مهذب لا يخدش أية طائفة أخرى، كما أوضح كيف استؤمن القبط على أموال الدولة وخدماتها. وعند حديثه عن الرهبان والراهبات أشاد بنسكهم وتقشفهم ودقة تعاليمهم ومحافظتهم على الطقوس الكنسية وتواجد أديرة الراهبات بجوار الكنائس.

ومن كتابات هذا الأرخن المؤرخ "مختصر دقيق لطقس رفع بخور عشية وباكر" وطقس تقديم الحمل المقدس. وأشاد بمهارة القبط في صناعة المجوهرات والحلي بالإضافة إلى النجارة والحدادة والخياطة وصنع الأحذية والحفر على الخشب والجلد والمعادن إلى جانب حذق الأقباط في الهندسة والعمارة والفلك، وكانت الكتاتيب (المدارس) الملحقة بالكنائس يتعلم فيها الجميع دون تفريق مبادئ القراءة والحساب والجغرافيا واللغتين القبطية والعربية.

بالرغم من موقف القبط هذا من الدولة، إلا أن التعصب الأعمى جعل الترك يزعمون أن اضطهاد القبط هو مفتاح للجنة فقتلوا الكثيرين، مع أن القبط كان لهم دورهم الكبير في حياكة الستور والأغطية التي يستتر وراءها جدران الكعبة في مكة عندما أعيد بناؤها بعد نزول سيل جارف عليها فهدمها آنذاك.

القس روفائيل فريد واصف: كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 3)

مرقس السابع البابا السادس بعد المائة

رفع المؤمنين من الأرض إلى السماء!

اسمه سمعان، ترك العالم ودخل دير الأنبا بولا أول السواح ورسمه البابا يوأنس السابع عشر قسا لما امتاز به من الرحمة وحب الخير للجميع وعذوبة الصوت وفصاحة المنطق، فكان عندما يصلى يرفع المؤمنين من الأرض إلى السماء فيتمتعون بتسبيح السيرافيم مؤكدًا ما جاء في القداس الأغريغوري: "اقبل منا نحن أيضًا تسبيحنا مع غير المرئيين، احسبنا مع القوات السمائية".

سيامته بطريركًا

بعد مرور أربعين يوما على نياحة البابا يوأنس السابع عشر كانت الآراء قد اتفقت على اختياره ليصبح البابا السادس بعد المائة باسم "مرقس"، وذلك في ذكرى دخول السيد المسيح له المجد أرض مصر.

ولان مرقس هذا كان رجل صلاة ولم يكن ممن اختبروا مرارة الحياة وضنكها فقد تركته العناية الإلهية لمدة عامين لكي يتبلور ويؤهل لمواجهة الصعاب والضيقات، وفعلا بعد عامين من هدوء نسبى ساد عصره التقى فيها بشعبه فعرفهم وعرفوه وصلى معهم وعنهم وصلوا معه وعنه لكي يؤازره الله ثم بعدها تبدد السلام بفتنه بين الأمراء والعسكر المماليك استمرت 8 شهور.

أول أسقف على "الشعب القبطي الكاثوليكي"

حالما انتهت الضيقة الخارجية بدأت الضيقة الداخلية إذ بادر الكاثوليك برسم أول أسقف على "الشعب القبطي الكاثوليكي"، ومن سخريات القدر أن رسموه باسم "أثناسيوس" وأقام هو في أورشليم، وأقام نائبا عنه في مصر اسمه "يسطس المراغي".

كتاباته

وسط هذا وذاك يسهر الراعي على رعيته من الذئاب الخاطفة فتظهر لنا كتابات أصيلة عنه: المعمودية وشروط الاعتراف والتوبة وتفسير الوصايا وتطهير القلب والصوم والصلاة وفائدة حضور القداس الإلهي وموضوعات عن الموت والقيامة ونهاية الأيام وعن الجحيم وعذاباته. كما انه لأول مره يظهر كتاب "الخدمات الكنسية" وفيها القراءات على جرن المعمودية والقراءات على المرأة التي تلد ابنًا والتي تلد ابنة والصلوات من أجل الموعوظين. وهكذا كانت العظات والرسائل البابوية والكتب الطقسية زادا يملأ النفوس بهجة وسرور وسط آلام الدهر.

نياحته

في كنيسة العذراء بالعدوية حيث كان يحلو له البقاء التقت روحه مع أرواح السمائيين يوم تذكار جند رئيس جند السمائيين الملاك ميخائيل وعيد استشهاد العفيفة دميانة وذلك سنة 1770م. وقد ظهر ساعة نياحته القديسان المضيئان في الأرض والسماء أنبا بولا وأنبا أنطونيوس، وذلك بعد حوالي ربع قرن من جهاده على الكرسي المرقسي.

العجيب أن هذا البابا الصبور الذي عرف بالروح ساعة انتقاله من هذا العالم، رأى بثاقب فكره ألا يترك الكنيسة في حرج بعد نياحته، فأوصى أنبا بطرس مطران جرجا وهو كبير مطارنة الوجه القبلي على شعبه، مؤتمنًا إياه على الرعية لحين اختيار من يخلفه.

القس روفائيل فريد واصف: كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 3)

مرقس الثامن البابا المائة وثمانية

نشأته

وُلد في أواسط الجيل الثامن عشر في بلدة طما من أعمال مديرية جرجا، ودعي باسم يوحنا. اشتاق إلى الحياة الرهبانية فالتحق بدير القديس أنبا أنطونيوس. ولما رقد سلفه الأنبا يوأنس البطريرك 107 خلا الكرسي لمدة أربعة شهور ثم اختير هذا الأب بطريركًا بواسطة القرعة الهيكلية. تمت السيامة بكنيسة السيدة العذراء بحارة الروم في يوم الأحد 28 توت سنة 1513ش، سنة 1796 م، في عهد السلطان سليم الثالث بن السلطان مصطفى الثالث العثماني، وشيخيّ البلد إبراهيم بك ومراد بك.

نقل مركز البطريركية

كانت مصر يحكمها المماليك، وكان الولاة يعينون من قبل الدولة العليا. وقد عانى هذا الأب وشعبه المرارة إذ عاصر ثلاث حكومات: الولاة العثمانيون ثم دخول الفرنسيين مصر بعد سيامته بسنتين، ورجوع العثمانيين مرة أخرى.

في أيامه حدثت مواقف كثيرة مؤسفة ومظالم للكنيسة وللأقباط، منهم حرق الكنيستين العليا والسفلى بحارة الروم.

قد امتاز عهد البابا مرقس الثامن برجال عظام اشتهروا في مجال الدين والسياسة امتيازًا عظيمًا، منهم الأنبا يوساب الأبح أسقف جرجا وأخميم، المعلم جرجس الجوهري، المعلم ملطي والجنرال يعقوب.

كما في أيامه انتقل مركز البطريركية من حارة الروم إلى الأزبكية، وذلك لأنه إذ دخل الفرنسيون مصر أصاب الأقباط إهانات مرة وقاسى البابا الكثير فانتقل إلى الأزبكية في مواضع كان قد بناها المعلم إبراهيم الجوهري قبل وفاته. حيث نجح المعلم إبراهيم الجوهري في أخذ فرمان ببناء كنيسة بالدرب الواسع وبناء مقر بطريركي، وقام أخوه المعلم جرجس بإتمام هذا المشروع وتم نقل مقر البابا إلى هذه الكنيسة التي أطلق عليها اسم كاتدرائية الكاروز مرقس، فعرفت باسم الكنيسة المرقسية.

في عهد تأسيس المسيحية بمصر على يد القديس مرقس الرسول كان الكرسي بالثغر السكندري. وفي أيام الأنبا إخرستوذولس (عبد المسيح) السادس والستين من البطاركة سنة 1039، انتقل إلى كنيسة العذراء بقصر الشمع المعروفة بالمعلقة. ثم بعد ذلك إلى دير الشهيد مرقريوس (أبي سيفين) بمصر القديمة بعد تأسيس القاهرة على يد جوهر القائد في ايام الفاطميين. ثم نقل إلى حارة زويلة فكنيسة حارة الروم السفلى ثم الأزبكية في أيام هذا البابا، ودفن في مقبرة البطاركة بالأزبكية، وهو أول بطريرك يدفن فيها.

الحملة الفرنسية

في أيامه جاءت الحملة الفرنسية على مصر. إذ احتلت عساكر نابليون بونابرت القطر سنة 1798 ودخل الجنود الإسكندرية هاج رعاع المسلمين وأذاقوا الأقباط كؤوس المرارة بالرغم من اجتهاد أمرائهم الذين أخبروهم بأن هؤلاء المسيحيين من جملة رعايا الدولة، وإن من يمس شرفهم يمس شرف الدولة نفسها. لكن لم يرهبهم هذا ولا خشوا سطوة بونابرت.

إذ انتصر الفرنسيون على المماليك تجمر المسلمون في الجامع الأزهر وساروا في الشوارع منادين، "فليذهب كل من يوجد الله إلى الجامع الأزهر. هذا هو يوم الجهاد في محاربة الكفار وأخذ الثأر". هاجت المدينة وظن كثيرون أن دخول الإفرنج إنما بخيانة الأقباط وإيعازهم السري معهم، فجالوا ينهبون بيوت المسيحيين على اختلاف أجناسهم ويقتلون كل من يلتقون به سواء كان رجلاً أو امرأة، شيخًا أو طفلاً.

عندما اُنقضت المعاهدة بين القائد كليبر الفرنسي والصدر الأعظم بأمر من الباب العالي دارت رحى القتال بين الفريقين في المطرية. اغتنم المسلمون فرصة خروج العسكر الفرنسيين من القاهرة وثاروا على المسيحيين. وكان نصيف باشا أحد قواد الجيش العثماني جاء إلى المدينة مع جماعة من المماليك ونادى بأنهم قد غلبوا الإفرنج وأمر بقتل ما تبقى من المسيحيين، فكانوا يجزرونهم غير مميزين بين قبطي وسوري والإفرنجي. استدرك عثمان بك أحد ضباط الأتراك الأمر وجاء إلى نصيف وقال له: "ليس من العدالة أن تهرقوا دماء رعايا الدولة، فإن ذلك مخالف للإرادة السنية"، وأمر بالكف عن قتل المسيحيين.

الفرنسيون يضايقون الأقباط

عندما تولى مينا قيادة الجيش الفرنسي بعد موت كليبر قتلاً اعتنق الإسلام ودعى نفسه عبد الله وطرد الأقباط من الديوان وعهد للمسلمين جباية الخراج.

وقد تنيح البابا مرقس سنة 1809م.

مرقس المتوحد القديس1

راجع القديس مالخُس St. Malchus.

مرقس المتوحد القديس2

جاءت سيرة هذا الناسك، في مخطوطة يونانية قديمة، ونصها كما يلي:

كان الأنبا سيرابيون أبا لستة آلاف راهب يعيشون (متوحدين) في مغارات أرسينوي، وهى الفيوم الحالية، وذات مرة قرر القديس زيارة راهبٍ آخر في البرية (في صحراء ليبيا).

وبعد سفر طويل، استراح عند راهبٍ يدعى يوحنا. وهناك رأى حلمًا، وإذا باثنين (من الملائكة) في زي نسكي، كانا يتحدثان معًا عن شيخ متوحد، يسكن جبل برقة في ليبيا. وجاء في حوارهما أن له من العمر مائة وثلاثين عامًا، منها 95 سنة لم يرَ فيها وجه إنسان. وذكرا أيضًا أنه سيرحل من العالم خلال أربعين يومًا، لينضم إلى زمرة النساك الذين انتقلوا إلى السماء، بعدما قضى حياة حافلة بالجهاد.

ولما استيقظ القديس سيرابيون فجأة من نومه، قص حلمه على الراهب يوحنا. وكان الأخير يعرف عدة أماكن (بليبيا)، إلا أنه لم يسمع عن برقة من قبل، ومع ذلك نصحه بالسفر إلى القديس (الذي أشار إليه الملاكان في الحلم). وودعه متمنيًا حفظ الله له في الطريق، وطلب منه أن يصلى القديس من أجله (عندما يصل إليه).

فاتجه الأنبا سيرابيون إلى الإسكندرية، حيث التقى بقائد لإحدى القوافل الصحراوية (يعرف دروبها). وسأله قائلاً: "هل جبل برقة الليبي بعيد جدًا؟!" فأجابه "نعم"! ثم قال له: "إن السفر عن طريق البحر (المتوسط) أسرع كثيرًا، بينما الطريق البرى (الساحلي) يحتاج إلى نحو ثلاثين يومًا، 0ربما يعنى باستخدام وسائل الانتقال السائدة وليس بالطبع سيرًا على الأقدام).

لكن القديس (سيرابيون) لم يتردد في الرحيل إليه (سيرًا على الأقدام) وملأ جرته ماء، وطلب معونة الله وإرشاده... وسار في صحراء مارماريكا الموحشة. ومشى عشرين يومًا، دون أن يشاهد طيرًا أو حيوانًا.

وبدأ الماء ينفذ وشعر بالعطش وأشرف على الموت. وطرح نفسه أرضًا متضرعًا إلى الله (لكي ينقذه) وإذ به يجد الشخصين (الملاكين) اللذين رآهما فى الحلم قد اقتربا منه، وقالا له: "قم يا رجل الله، واتبع أثر خطواتنا". فأحس بالراحة (فورًا) وأشار أحدهما (إلى نبع ماء)، وقال له: "تطلع إلى هناك وخذ من الماء الذي يخرج من بين الرمل".

وأشار (الملاك) إلى أعواد نبات جافة، وقال له: "كل منها واستمر في طريقك متكلاً على قوة الله". ثم خاطباه (الملاكان) بأن يسرع الخطى، لأن الأنبا مرقس يريد لقاءه قبل أن يتنيح ثم اختفيا عنه.

وهكذا سار القديس - دون أن يشعر بالتعب - سبعة أيام أخرى، إلى أن وصل إلى سفح جبل برقة وهم بالصعود إليه. ورأى منظر الزهور الجميلة فوق الهضبة وتحتها مياه البحر الزرقاء (وهو نفس الطريق، ونفس المنظر الذي شاهدناه على الطريق البرى من السلوم إلى بنغازى). وتناول بعض الأعشاب البرية، وجذبه النسيم العليل إلى الخلود للنوم والراحة ".

وقضى القديس الأيام التالية في البحث عن الناسك العجيب بين الجبل والغابة الخضراء. ورفع قلبه للسماء شاكيًا من فشله فى العثور عليه. وفى منتصف إحدى الليالي، لمح فجأة ملائكة الله تهبط إلى بقعة قريبة منه، وسمعها تقول: "طوباك يا أنبا مرقس لأنك وجدت نعمة عند الله وقد وصل إليك الأنبا سيرابيون الذي كنت تتمنى أن تعرفه، وهو ههنا، وعندما يقابلك استقبله ببشاشة".

وبعد ذلك سمعه القديس سيرابيون يردد هذه العبارات: "يا سيدي الرب، إن يومًا واحدًا فى حضرتك خير من ألف عام في قصور البشر".

ثم تحدث مع نفسه وقال: "إن روحك تبتهج كثيرًا يا مرقس لأنها لم تتدنس بالمعيشة (في هذا الموضع) طوال قرن من الزمان. وان جسدك لسعيد جدًا يا مرقس، لأنه لم يعرف الشهوات الفاسدة. وان عينيك تفرحان كثيرًا يا مرقس لأن الشيطان لم يدنسهما بالمناظر الخارجية (الشريرة). وان يديك أكثر غبطة يا مرقس لأنهما لم يمسا أو يمتلكا أشياء أرضية. وقد شبعت نفسك من غذاء الروح، وتقدس جسدك بمخالطة الملائكة... باركي يا نفسي الرب ولا تنسى كل حسناته".

ثم خرج من المغارة، ووجهه مبتل بالدموع، ونادى بصوت مرتفع وقال: "يا أنبا سيرابيون أنا أعرف أنك قد وصلت بسلام الله... اقترب منى يا ابني". وعانقه بتأثر، ثم قال: "ليتبارك اسم الرب، الذي قادك إلى هنا... ها قد مرت 95 سنة لم أرَ فيها وجه إنسان، وأنت أول من أقابله... أرجوك الجلوس".

وقد انتهز القديس سيرابيون فرصة وجوده مع هذا الأب الفاضل وسأله عدة أسئلة. فأجابه القديس عن كل أسئلته بكل تواضع وقال:

"ها قد مرت خمسة وتسعون سنة، قضيتها فى هذا الكهف. وعلى هذا الجبل المقدس، لم أذق فيها أي طعام بشري، ولم أرتدِ ملابس ما عدا تلك... وفى الثلاثين عاما الأولى عانيت بشدة من الجوع والعطش والعرى. وماذا يكون كل هذا (التعب) إذا ما قورن بفخاخ الشيطان؟... كان طعامي طين الغدير، وشرابي ماء البحر... وقد أقسمت الشياطين ألف مرة على خنقي ودفعي إلى هوة سحيقة إلى أسفل الجبل. وكانوا يطلقون صيحات مزعجة ويقولون:" اخرج من هذه المنطقة التي اغتصبتها منا، لأنه منذ خلق العالم لم يتجاسر إنسان على التواجد فيها ".

وبعد فترة طويلة من تجارب (حروب) الشياطين أشفق الله عليّ وسترني بستر مظلته، ومنح جسدي قوة خاصة، وكانت الملائكة تلازمني باستمرار، وقد ذقت يا ابني سعادة الفردوس، ورأيت نعيم الملكوت المعد للذين يعيشون بالتقوى (في الفضيلة)، كما شاهدت جنة عدن، وشجرة معرفة الخير والشر التي أكل منها آدم وحواء. ورأيت أخنوخ وايليا، في مقرهما غير المعروف على الأرض. وبالإيجاز فان الله لم يرفض لي أية رغبة في التعمق في المعرفة وفى التأملات (الروحية) ".

ثم سأله الأنبا سيرابيون: "كيف أتيت إلى هذا الجبل؟" فأجابه بقوله: "يا ابني لقد ولدت في أثينا، حيث عشت سني حياتي الأولى. وتعلمت في مدارسها الفلسفية المشهورة. ولما اختطف الموت أبي ثم أمي كنت أقول لنفسي: لا بد أنك ستموت لا محالة، فما الحاجة بعد إلى علوم تعطيك مركزًا مرموقًا في العالم… إذن فلنعش للرب فقط، ولنتحلل من كل رباطات العالم، ولنتجه نحو الممارسات الروحية (وحدها)".

وفى الحال سافرت إلى شاطئ الصحراء (الليبية)، ثم أتيت إلى هذا المكان، ولست أعرف كيف جئت إلى هنا... "

وسأله الأنبا مرقس الناسك بدوره عن أحوال العالم وعن حكامه (في تلك الأيام)، وعن انتشار الإيمان المسيحي (في العالم المعمور)، وما قابله المسيحيون من متاعب (من السلطات)، ومن المسيحيين من أصحاب الهرطقات. واختتم أسئلته للأنبا سيرابيون بقوله: "هل يعيش قديسون في أيامنا هذه؟ هل يوجد خدام يجرون العجائب، كما أعلن السيد المسيح فى إنجيله؟ فأجابه القديس سيرابيون بقوله:" إن الإيمان (المسيحي) ينتشر وينمو، كنمو حبة الخردل (التي تصير شجرة كبيرة بعد نموها) ".

وقال الأنبا مرقس: "ما أشقى الأرض... لأن المسيحيين ليس لهم سوى الاسم فقط، وليس لهم الإيمان الذي يطالبهم به المسيح". وأضاف قائلاً: "أباركك يا إلهي لأنك قدتني إلى الصحراء، وحفظتني هكذا من الاتصال برجال آخرين، ومنعتني من المعيشة في أرض ملوثة بالآثام".

ولما اختفى قرص الشمس وراء أمواج البحر، قال القديس: "يا أنبا سيرابيون لقد حل وقت تسبيح الله، وليقدم (الله) لنا أجمل واجبات الضيافة"!

ولما نطق بهذه الكلمات المباركة، قام وبسط يديه نحو السماء، وبدأ فى تلاوة مزمور (الراعي) وقال: "الرب راعي فلا يعوزني شيء، في مراع الخضر يربضني، إلى مياه الراحة يوردني،... ترتب قدامي مائدة تجاه مضايقي الخ." يا إلهي كم هي جميلة كأس الخمر التي أمسكها بيدي "!

قال وهو يزرف الدموع: يا ابني لقد أعدت لنا المائدة! فلندخل ولنتناول من الوجبة التي أرسلها الرب لنا ". فدخل الأنبا سيرابيون إلى المغارة بدون تردد وأحس كأن غمامة قد ظللتها، فلم يرَ شيئًا. وبعد قليل رأى مائدة وبجوارها مقعدين وفوقها مفرشًا جديدًا عليه خبز طازج أبيض كالثلج، وسمكتين مشويتين، وحلوى شهية، وزيتونًا وتمرًا وعسل النحل.

ولما جلسا قال مرقس: "يا أنبا سيرابيون أرجوك أن تبارك الطعام الذي سنأكله". ولم يجد سيرابيون الوقت لقبول أو رفض الدعوة (للصلاة على المائدة)، لأن يدًا خفية ظهرت من أسفل المائدة، ورسمت صليبًا كبيرًا على هذا الطعام العجيب!

ولما انتهت الوجبة قام مرقس وخاطب خدامه الغير مرئيين قائلاً: "يا أولادي! ارفعوا المائدة". وفى لحظة اختفى كل شيء!

وحينئذ خاطب القديس ضيفه الذي كان في دهشة من أمره وقال له: "يا ابني أنظر إلى الحب الذي يمنحه الله لخدامه. إذ أنه لم يكن يرسل لي يوميا سوى سمكة واحدة. ومن أجلك أرسل لنا (الرب) سمكتين. وقد حفظني هذا الطعام إلى هذه السن المتقدمة بدون مرض وبلا ضعف ما ولا تعب من أي نوع! والآن أيامي قد كملت وقد قادك الرب إليَّ لتقدم لي الفرائض الدينية الأخيرة. وسامحني عما سأسببه لك من متاعب. وسأرحل هذه الليلة إلى الأبدية. فلنقضها معا في الصلاة وبعد موتي ادفن جسدي في هذه المغارة ثم سد مدخلها بحجارة كبيرة وخذ طريقك إلى ديرك، لأن الرب لا يريدك أن تقطن هنا".

وزرف سيرابيون الدموع وقال: "يا أبي صلِ إلى الرب من أجلي واطلب منه لكي أتبعك حيثما تذهب، لأنني لا أعرف من أي طريق أعود إلى مصر"!

فقال له أنبا مرقس: "يا ابني لا تحزنني بهذه الدموع، لأنها اللحظة التي فيها منتهى فرحي. والرب سيحفظك بأمانٍ تامٍ حتى تصل إلى وطنك، وسأدخل حالاً إلى موضع الراحة الأبدية".

وفجأة أضيئت المغارة بنور مبهر، وتعطرت برائحة جميلة جدًا. ثم قال القديس:

"وداعًا أيتها المغارة الغالية التي عشت فيها مع الله روحًا وجسدًا، وستحتفظين بجسدي حتى يوم القيامة...

وداعًا أيها الجسد موضع الكد والتعب والعوز، بسببك عانيت من الجوع والعطش، والبرد والحر.

والآن تقلد المجد والبهاء.

وداعًا يا عيناي اللتان سهرتا الليالي. الآن اغلقا الجفون.

وداعًا يا قدماي العاريتان اللتان كلتا من الوقوف طويلاً خلال الصلاة.

وداعًا يا اخوتي النساك القديسين الذين يعيشون في مغارات الجبال، والمتوحدين في الصحارى.

وداعًا أيها المسجونون والمضطهدون من أجل ملكوت السموات.

وداعًا يا مؤمنو الكنيسة.

وداعًا أيها المساكين بالروح.

وداعًا أيتها الأرض. ليعش كل من عليك في سلام وفى محبة المسيح ".

ثم عانق الأنبا سيرابيون وقال له: "وداعًا لك يا ابني وأخي المحبوب. ليكافئك المسيح عن تعبك فى هذه الرحلة الطويلة... استحلفك باسم الرب ألا تنزع شيئا من جسدي البائس، ولا شعرة واحدة، ولا تضعه في أي رداء... اتركه في الحالة التي خلقه الله عليها"!

حينئذ سمع سيرابيون صوتًا جميلاً كالموسيقى ينبعث من السماء ويقول: "تعال يا ابني مرقس، تعال استرح إلى الأبد فى مواضع السعادة الحقيقية والفرح الروحي". فصاح القديس مرقس قائلا: "لنركع على ركبتينا، ولنرفع أيدينا نحو السماء".

وفى تلك اللحظة دخل ملائكة غير مرئيين المغارة وصعدوا إلى السماء بروح مرقس وهى متوجه بإكليل المجد. وظل (سيرابيون) يرنم طوال الليل. وفى الصباح حفر حفرة ودفن فيها الجسد، ثم وضع عدة أحجار على فم المغارة. وصلى طالبًا معونة الله لكى يساعده على الرجوع (إلى قلايته). وانحدر ببطء نحو الصحراء. ولما حل المساء ظهر له الملاكان اللذان رآهما (في الحلم) عند القديس يوحنا، وقالا له: "في الصباح أقمت قبرًا لرجل لم يكن العالم مستحقًا له.... لقد قمت بعملٍ من أعمال الرحمة، يرضى الله كثيرًا. ومن الأفضل لك أن تسير ليلاً، لان الجو يكون أكثر اعتدالاً منه بالنهار".

وأطاعهما القديس (سيرابيون) وسارا (الملاكان) وهو يتبعهما ليلاً. وكانا يختفيان عنه بالنهار ويقودانه بالليل إلى أن وصل إلى صديقه الراهب يوحنا ".

مرقس المصري الأب

عدم الإدانة

قالوا عن الأب مرقس المصري إنه أقام في قلايته ثلاثين سنة لم يخرج منها قط. وكان من عادة الكاهن أن يأتي إليه لكي يصنع له القربان. فلما رأى الشيطان صبره الفاضل غضب، وأراد أن يجربه بالإدانة. فأوعز إلى إنسان فيه روح شرير أن يأتيه بحجة الصلاة. فجاء هذا إلى الشيخ، وقبل البدء بأية كلمة خاطب الشيخ قائلاً له: "إن كاهنك له رائحة الخطيئة، فلا تدعه بعد اليوم يدخل إلى قلايتك". أما الشيخ الملهم من الله فقال له: "يا ولدي، الكل يطرحون الفساد خارجًا، أما أنت فقد أحضرته إليّ. ولكنه مكتوب:" لا تدينوا لئلا تدانوا "(مت 7: 1). فالكاهن وإن كان خاطئًا إلاّ أن الرب يخلصه. لأنه قد كتب أيضًا:" صلّوا من أجل بعضكم لتشفوا "(يع 5: 16).

بهذه الكلمات أخرج الأب مرقس الشيطان من الإنسان، بعد أن صلّى عليه ثم أطلقه صحيحًا معافى. أمّا الكاهن، فكان يأتي حسب مألوف العادة إلى الأب مرقس، وهذا كان دائمًا يقبله بفرح. فحينما رأى الله الصالح براءة مرقس أظهر له آية.

عندما أزمع الكاهن أن يقف أمام المائدة المقدسة، كما تحدث الشيخ، كان الأب مرقس يرى ملاك الرب ينزل من السماء ويضع يده على رأس الكاهن فيستحيل إلى عامود من نار. أما الأب مرقس فلما تعجب لهذا المنظر سمع صوتًا يقول: "يا أيها الإنسان، لماذا تتعجب لهذا الأمر؟ إن كان الملك الأرضي لا يترك الذين أمامه، فكم بالأحرى القوة الإلهية! ألا تطهّر القوة الإلهية الذين يقيمون الأسرار المقدسة منتصبين أمام المجد السماوي؟"

استحق مرقس المصري، مجاهد المسيح، هذه الموهبة، لأنه لم يرد أن يدين ذلك الكاهن.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983

مرقس الناسك القديس

يُعتبر القديس مرقس الناسك من مشاهير الآباء المصريين الأمجاد. وبالرغم من إننا لا نعرف عن ظروف حياته إلا القليل، غير أن بالاديوس الذي حظي بمقابلته شخصيًا يصف هدوءه ووداعته بأنهما فائقان لا يُقارنا. وأنه كان منذ حداثته مولعًا بدراسة الأسفار المقدسة، حتى أنه حفظ منذ حداثته العهدين القديم والجديد عن ظهر قلب.

وقد ارتفع إلى درجة عالية من الكمال الروحي، باستقامة حياته مع نقاوة قلبه. وقد شهد له القديس مقاريوس السكندري، إذ رأى في رؤيا خاصة أثناء التناول شهادة من النعمة الإلهية توضح عظم إيمان القديس مرقس الناسك ومدى اتقاد محبته للرب وتواضعه الشديد.

يقول القديس بالاديوس: [أخبرني مقاريوس الطوباوي هذا إذ كان كاهنًا، "لاحظت أثناء توزيع الأسرار إنني لم أعطِ قط الأسرار لمرقس الناسك، بل بالأحرى كان ملاك يقدمه له من المذبح. لاحظت فقط رسغ يد الكاهن الخادم".]

عاش القديس مرقس أكثر من مائة عام، ويرجح أنه رقد في بداية القرن الخامس تقريبًا. غير أنه قد رأى الرعيل الأول الذي أخذ نموذج حياته وتعاليمه عن القديس أنطونيوس، ويحتمل أن يكون قد قابل القديس أنطونيوس نفسه.

وقد أكسبته النعمة الإلهية وخبرة الحياة ودراسة كلمة الله معرفة زاخرة بأسرار الحياة الروحية، فلم يُخفِ هذه الموهبة بل علَّم وكتب الكثير، إلا أن ما وصل إلينا من كتاباته قليل.

من كتابته

العماد والحرية الإنسانية

تهبنا المعمودية المقدسة حرية كاملة، ومع ذلك فإن للإنسان مطلق الحرية والإرادة، إما أن يُستعبد مرة أخرى برباطات شهوانية، أو يبقى حرًا في تنفيذ الوصايا.

فان التصق بالفكر إحدى الشهوات، فهذا من عمل إرادتنا الخاصة، وليس رغمًا عنا. إذ يقول الكتاب إنه قد أُعطى لنا سلطان "هادمين ظنونًا" 2 كو 5: 10.

ويكون الفكر الشرير، بالنسبة لمن يهدمونه، علامة على حبهم لله وليس للخطية. لأن وجود الفكر الشرير ليس فيه خطية، إنما تكمن الخطية في حديث العقل معه حديث ود وصداقة.

إننا لسنا مُغرمين بالفكر الشرير، فلماذا نتباطأ نحن فيه؟ فما نبغضه من كل القلب، يستحيل أن تطيل قلوبنا الحديث معه، إلا إذا كانت لنا شركة خبيثة معه؟!

كل خطية تسلمنا إلى أخرى

توجد علاقة وثيقة بين شهواتنا وأفكار الشر المضايقة لنا، وكأنما قد جمعتهما رباطات القربى الشريرة.

فكل فكر يتأصل في الإنسان الذي يرحب به، يسلمه إلى (الفكر) القريب التالي له، حتى أن الإنسان الذي ينساق في عادةٍ ينحرف إلى الأخرى رغمًا عنه.

من يقدر أن يهرب من الكبرياء إن كان مملوء مجدًا باطلاً؟!

كيف لا يستسلم للأفكار الدنسة، من ينام كفايته ويستسلم للملذات؟!

وكيف لا يُؤسر بالقسوة وعدم الرحمة من اختار الاغتصاب؟ وكيف يقدرون أن يهربوا من الثورة والغضب من يتلذذون بهذه جميعها؟!

مرقس الوالي الشهيد

هو والي البرلس والزعفران ووالد الشهيدة دميانة. كان مسيحيًا هو وزوجته ولم يرزقا سوى دميانة التي أحسنا تربيتها.

في الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس، طُلِب إليه مع بقية الولاة أن يصحبه إلى الهيكل ليبخر للأصنام معه. ضعف مرقس وخاف أن يفقد مركزه فاشترك في التبخير للآلهة. وما أن سمعت دميانة بالخبر حتى تركت عزلتها وقابلت والدها ووبخته بقولها: "كان الأهون على نفسي أن أسمع خبر انتقالك إلى دار الخلود من أن أسمع أنك أنكرت فادينا الحبيب". ألهبت هذه الكلمات قلبه، فذهب لفوره وقابل دقلديانوس وندم أمامه على ما أتاه واعترف بالإيمان المسيحي، فأمر الطاغية بقطع رأسه.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 131.

مرقس بن قنبرالمنشق

عاش في القرن الثاني عشر ورسمه أسقف دمياط كاهنًا إحدى بلاد الصعيد وكان حائزًا على قسط من العلوم والمعرفة فضلاً عن معرفة اللغتين العربية والقبطية، وكان يحسن اللغة اليونانية، فترجم منها بعض الكتب ونقلها إلى العربية وألَّف أيضًا جملة كتب نادى فيها بمبادئ مخالفة لمبادئ الكنيسة المرعية، فجاهر بعدم فائدة البخور. وطلب الأساقفة والشعب من البابا يوحنا الخامس أن يحرمه، فتمهل عليه لعله يرجع عن غيه، ولكنه سمع عنه فيما بعد أنه ترك زوجته وصار راهبًا طمعًا في الحصول على رتبة الأسقفية، فتأكد البطريرك من سوء تصرفه وحرمه وقطعه من شركة الكنيسة، فلم يبالِ بذلك بل دأب على القيام بالوعظ والتبشير، ولما كان يتبعه كثيرون قاوم أيضًا عادة الختان بحجة أنها خاصة باليهود لا المسيحيين.

لما تبوأ البابا مرقس بن زرعة الكرسي البطريركي كتب إليه أساقفة وعلماء الصعيد يرجون منه أن يتلافى الخطر المحدق بالكنيسة من جراء الفتن التي يجتهد مرقس في إيقاظها، فاستقدمه البطريرك ونصحه فقبل النصيحة واعترف بخطئه فحله من حرمه ورجع إلى بلدته.

ولكنه عاد إلى سيرته الأولى، فلما رأى البطريرك ذلك عقد مجمعًا من 60 أسقفًا وافق فيه على حرمه وتجريده من رتبته الكهنوتية. فطلب مرقس من الحكومة المصرية أن تنظر في دعواه، فرغب الحكام أن يتداخلوا في أمره ولكن البطريرك والأساقفة أبوا بالكلية قبول طرح المسألة أمام الحكام وارتضوا بتحكيم الأب ميخائيل بطريرك إنطاكية، فسعى هذا جهده لإيجاد الصلح ولكنه لم يفلح. وبعد ذلك رأى مرقس بن قنبر أن يرتمي في أحضان الكنيسة الملكانية وكانت حينئذ ضعيفة النفوذ فرجع مرقس منها بعد قليل نادمًا طالبًا من البطريرك أن يقبل توبته، ولكن الأقباط ازدروا به لكثرة تلونه، وكان أتباعه قد رجعوا إلى كنيستهم الأصلية فعاد ثانية إلى الكنيسة الملكانية ولكنها لم تقبله لعدم ثباته فبقى مدة حياته مطرودًا.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 476.

مرقورة الأسقف

في الأول من شهر برمهات تحتفل الكنيسة بتذكار الأنبا مرقورة الأسقف.

السنكسار، 1 برمهات.

مرقوريوس المعلم

من كبار أراخنة الأقباط الذين كانوا في أيام البابا بطرس السادس البطريرك المائة والرابع، وكان يشتهر بلقب "ديك أبيض".

كان كاتبًا للجورجي إبراهيم الصابونجي أحد أمراء المماليك، وقد أقامه البابا بطرس السادس ناظرًا على كنيسة السيدة العذراء المعروفة بالعدوية فاهتم بتجديدها وإصلاحها وتزيينها، كما كان يقوم بعمل الخير في الكنائس ومساعدة الفقراء في مدة حياته حتى تنيح بسلام.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 284.

مرقوريوس وافرآم الشهيدان

كانا أخوين بالروح وقريبين بالجسد وقد ولدا باخميم ثم ترهبا بأحد أديرة الصعيد ومكثا فيه مدة عشرين سنة.

لما أثار العدو الاضطهاد على الكنيسة الأرثوذكسية ودخل الأريوسيون ليقدسوا على مذابح الأرثوذكسيين، تقدم هذان القديسان إلى الهيكل ورفعا الخبز والخمر من على المذبح وقالا: "من لا يعتمد باسم الثالوث القدوس لا يحق له أن يقدم قرابينه إلا على مذابح الأوثان". فمسكهما الأريوسيون وضربوهما ضربًا كثيرًا حتى أسلما روحيهما بيد الرب ونالا إكليل الشهادة.

السنكسار، 30 أبيب.

مرقيانوس أومركيانوس ومرقوريوس الشهيدان

كانا تلميذين للشهيد بولس بطريرك القسطنطينية، وقد حدث أن الإمبراطور قسطنطينوس ابن الإمبراطور قسطنطين الكبير اعتنق مذهب أريوس فعارضه البطريرك، فنفاه الإمبراطور إلى بلاد الأرمن وأرسل إليه رجلا قتله هناك مخنوقًا.

وكان هذان القديسان قد بكيا عليه يوم نفيه ووصفا الملك قائلين: "أنه يعتقد اعتقاد أريوس المحروم". فوَشَى بهما أحد الأريوسيين، ولما علم الإمبراطور أن مرقيانوس ومرقوريوس حزنا عليه حزنًا شديدًا وأنهما يتبعانه في عقيدته، أحضرهما إليه وأمر بقتلهما بالسيف ودفن جسديهما في المكان الذي قتلا فيه. قد بقيا إلى زمان القديس يوحنا الذهبي الفم فلما علم بأمرهما، نقل جسديهما إلى مدينة القسطنطينية وبنى لهما هيكلاً ونقل جسديهما إليه وأقام عيدًا سنويًا لهما.

تم استشهادهما في الثامن والعشرين من بابه سنة 351م.

السنكسار، 28 بابه.

مِركوري الشهيد

كان جنديًا سكيثي الأصل Scythian، حارب بشجاعة أمام هجمات البرابرة فنال إعجاب وتقدير الإمبراطور ديسيوس Decius، ولأنه مسيحي رفض الاشتراك في تقديم الذبائح للآلهة أرطاميس Artemis. بعد عذابات كثيرة وظهورات ملائكية لتشجيعه حُمِل إلى موطنه في كبادوكيا وأُعدِم في قيصرية.

وتُعيِّد له الكنيسة الغربية في الخامس والعشرين من شهر نوفمبر.

The Penguin Dictionary of Saints, page 236.

مركيا القديس

✥ محبته للبتولية:

كان هذا الرجل المبارك من مشاهير مدينة الإسكندرية، واشتاق أن يحيا مكرسًا حياته لله طاهرًا بتولاً، ولمحبته للبتولية ترهب في أحد الأديرة القريبة من الإسكندرية وأقام بالبرية زمانًا طويلاً يتنسك بتعب عظيم وسهر دائم وتسابيح وصلوات حارة.

✥ حروب الشهوة:

بدأ الشيطان يحاربه بحروب الشهوة خمسة عشر سنة وهو لا يهدأ ولا يكف عن مقارعته، والأنبا مركيا صابر بنعمة المسيح متسلح بالصلاة والصوم الدموع والسجود المتواتر بانسحاق قلب. وبعد هذه السنوات الطويلة والحرب التي لم تنقطع، فكر القديس في قلبه قائلاً: "ها لكَ الآن يا مركيا المسكين خمسة عشر سنة وأنت مُحَارَب من قِبَل العدو والمعاند بلا هوادة. فقم الآن واذهب إلى مدينة الإسكندرية واجعل نفسك هبيلاً لعلك تستطيع بنعمة المسيح أن تنتصر على هذه الحرب المستمرة". وحقق القول بالفعل وقام وذهب إلى الإسكندرية وجعل نفسه هبيلاً وبدأ يمشي في المدينة، حتى أصبح معروفًا عند أهل المدينة، وكان البعض يعطف عليه كمسكين فكان يجمع أحيانًا نقودًا كثيرة فيعطيها صدقة، وهو يستمر صائمًا طول اليوم، وكان البعض ينظر إليه أنه هبيل وكان أحيانًا يمشي خلفه بعض المجانين.

✥ ظهور قداسته:

أراد الله أن يظهر قداسته قبل نياحته، فأرسل الأنبا دانيال لإظهار قداسة الأنبا مركيا، إذ اتفق أن ذهب الأنبا دانيال إلى مدينة الإسكندرية في عيد الفصح لأخذ بركة البابا كعادته، فتقابل مع هذا القديس وهو عريان وخلفه مجانين يمشون معه وهم يطوفون في المدينة، وكان الأنبا مركيا يسكن بظاهر مدينة الإسكندرية. فلما أبصره الأنبا دانيال قال لتلميذه: "أسرع يا ابني واعرف أين يسكن هذا الهبيل". فمشى التلميذ وسأل حتى عرف أنه يسكن بظاهر الإسكندرية، ثم مضى الأنبا دانيال وقابل البابا ولما خرج من البطريركية صادف مركيا الهبيل فأمسكه لتوه ولم يرد أن يتركه وصرخ قائلاً: "تعالوا يا أهل الإسكندرية وانظروا عبد الله". فعندئذ اجتمع نحوه الكثيرون وقالوا له يا أبانا اتركه لئلا يؤذيك لأنه هبيل ". فقال لهم الأنبا دانيال:" أنا الهبيل فإنه لا يوجد في البراري ولا في المدينة مثل هذا القديس، والعالم كله ما يستحقه ". ثم أخذه وهو ممسك بيده إلى البابا البطريرك وقال له" يا أبانا ليس في هذا العصر إنسان يشبه هذا الصديق "، ففي الحال علم البابا البطريرك أن الله كشف للأنبا دانيال أمر هذا القديس، فألحَّا عليه كثيرًا لكي يعرفهما سيرته التي يتبعها ويحتملها، فأراد أن يخفي عنهما ولكنهما أرغماه.

فقال لهما: "أنا راهب قد حوربت بالشهوة خمسة عشر سنة، فقمت وأتيت إلى هذه المدينة وتهابلت من أجل الله، والآن لي ثمان سنوات وأنا مثابر على صلواتي ونسكي وأسهاري وأصوامي على الدوام".

فلما سمعا بكيا، ونام الأنبا دانيال تلك الليلة في البطريركية، وفي الصباح قال لتلميذه: "يا ابني أمضِ واستدع الأنبا مركيا ليصلي علينا قبل أن نعود إلى البرية".

فلما مضى التلميذ إليه وجده قد تنيح، فرجع وعرَّف الأنبا دانيال، وكان ذلك في اليوم العاشر من هاتور. فعرَّف الأنبا دانيال البابا بالأمر، فاجتمعت جموع كثيرة وأحضروه وصلوا عليه بإكرام جزيل، وظهرت من جسده عجائب كثيرة من شفاء أمراض وإخراج الأرواح الشريرة، ثم دفنوه بكرامة عظيمة وهم يمجدون الله الذي يكرم الذين يكرمونه ويصنعون إرادته.

✞ فردوس الأطهار، صفحة 137.

مركيانوس البطريرك البابا الثامن

البابا المعلم

كان من مواليد الإسكندرية وكان عميدًا للمدرسة اللاهوتية، وعند نياحة البابا أومانيوس البطريرك السابع أجمع الأساقفة رأيهم على تقديم مركيانوس للكرسي البابوي ورسموه رئيسًا عليهم، فسار في خطة أسلافه واعظًا ومرشدًا لقطيع الرب.

كان مشهودًا له بالأخلاق والفضائل الحميدة وبعلمه وتقواه وتواضعه، وقد ارتقى السدة المرقسية في شهر هاتور سنة 146م في عهد الإمبراطور أنطونيوس بيوس، وحقق آمال من انتخبوه من هداية النفوس وتهذيب الأخلاق رغم الاضطهاد الشديد الذي كان مشتدًا على المسيحيين وقتئذ، إلا أنه لم يبالِ بهذا الاضطهاد بل كان شجاعًا في كل المواقف ومبشرًا وواعظًا وحقق مكاسب عظيمة للكرازة المرقسية فأقام على الكرسي راعيًا رعية السيد المسيح تسع سنين وشهرين مداومًا على تعليم رعيته حارسًا لها من التعاليم الغريبة والفلسفات الوثنية إلى أن رقد بسلام كما عاش بسلام في 6 طوبة سنة 155 م.

قد خلفه في نظارة المدرسة اللاهوتية الفيلسوف الذائع الشهرة العلامة بنتينوس.

بطاركة عظماء لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية (ج 1)، صفحة 42.

مركيانوس ومرقوريوس الشهيدان

راجع: مرقيانوس ومرقوريوس الشهيدان.

مريم وأفخارستوس الباران

مع ما اتسم به كثير من الآباء الرهبان بروح التواضع كانوا يتمتعون ببركات ومواهب إلهية كثيرة. فكانوا يتساءلون إن كان يوجد من هم أسمى منهم روحيًا لعلهم يقتدون بهم. من بين هؤلاء القديس أنبا أنطونيوس، فأعلن له الرب عن شخصية أنبا بولا أول السواح، والقديس أنبا مقار، فكشف له الرب عن امرأتين متزوجتين في الإسكندرية تعيشان بروح الحب والقداسة والنسك، والقديس زوسيما القس أرشده الرب على القديسة مريم المصرية.

زوجان أفضل من راهب

تبادر ذات الفكر لدى أحد الآباء الرهبان الشيوخ فجاءه صوت يقول له أنه توجد في مصر زوجة قديسة تُدعى مريم تعيش مع زوجها أفخارستوس في قرية بمصر على مستوى روحي أعظم منه.

بإرشاد ملاك الرب انطلق الراهب نحو القرية ليلتقي بهذين الزوجين اللذين يفوقانه في الحياة الروحية. أرشده الملاك إلى المنزل فقرع الباب وفتحت له مريم وكان زوجها يرعى الغنم. في المساء جاء افخارستوس واستقبل الراهب الضيف. وإذ أعد مع زوجته المائدة رفض الراهب أن يأكل حتى يعرف سرّ حياتهما.

لم يشأ أخفارستوس أن يتحدث عن حياته مع زوجته بل أجاب: "أنا راعي غنم، وهذه زوجتي". أصر الراهب الشيخ أن يعرف أمرهما، قائلاً للزوج أن الله هو الذي أرسله إليه. عندئذ تحدث الرجل بخوف الله قائلاً:

"إنني أرعى الغنم الذي ورثناه عن والدينا. فإن صنعنا ربحًا قليلاً بعون الله نقسمه إلى ثلاثة أجزاء. الثلث للفقراء، والثلث لضيافة الغرباء والثلث الأخير لاحتياجاتنا الشخصية. ومنذ زواجنا تعيش معي زوجتي كأخت لي، كل منا ينام بمفرده، بالليل نرتدي المسوح، وفي النهار نرتدي الثياب العادية، ولا يعلم أحد شيئًا عن حياتنا".

أطرقت مريم برأسها نحو الأرض وتوسلت إلى الراهب الشيخ أن يكتم سرّ حياتهما حتى نياحتهما.

مريم الأرمنية الشهيدة

أسيرة تستشهد

كانت أسيرة عند رجل مسلم من جنود الملك الظاهر زكي الدين بيببرس سلطان مصر، فعرض عليها أن تجحد إيمانها بالسيد المسيح فلم تطاوعه على ذلك بل اعترفت أنها مسيحية. فعذبها عذابًا عظيمًا في داره وهي ثابتة على إيمانها. ولما ضجر من عذابها وهي لا تنكر إيمانها بالمسيح عرض أمرها على السلطان قائلاً: "إن لي جارية مسلمة وهي تدعي أنها مسيحية". فأحضرها السلطان بين يديه وعرض عليها الإسلام فلم تلتفت إلى قوله ولم تطع أمره بل صممت على الاعتراف بإيمانها المسيحي.

أمر الملك بحرقها وعمل لها حفرة عند باب زويلة بالقاهرة واجتمع هناك جموع كثيرة، ثم أحضروا مريم على رأس الحفرة وظلوا يوقدون عليها مدة طويلة فقالت: "حسنًا يا مولانا السلطان أن أُلقي روحي بين يديَّ سيدي وإلهي ومخلصي يسوع المسيح". ثم ألقت نفسها بسرعة في الأتون فنالت إكليل الشهادة.

السنكسار، 27 مسرى.

مريم الإسرائيلية الشهيدة

في بداية حياتها لم تكن تعرف السيد المسيح وكانت محبة للسيرة الرديئة، ولما اقترب وقت توبتها ورجوعها إلى السيرة الصالحة، أرسل لها الرب رجلاً قديسًا قام بوعظها وعرّفها طريق الخلاص بالإيمان بالسيد المسيح وأن النفس لابد أن تُعطي جوابًا عن جميع أعمالها يوم القيامة، وأنها بعد الموت وفراق هذا العالم ستحاسب عما فعلت. فقالت له: "ما هو الدليل على قولك هذا الذي لم تأتِ به التوراة التي أعطاها الله لموسى النبي كما لم يقل بهذا آبائي؟ فاثبت لي صحة قولك بالبراهين الشرعية والعقلية". فقدم لها ما طلبت، ولما ثبتت أقواله في عقلها قالت له: "إن تبت عن أعمالي النجسة فهل يقبلني الله؟" فأجابها: "إن آمنتِ بالمسيح أنه قد جاء إلى العالم لخلاص البشر وسلكتِ سبيل التوبة يقبلكِ الله". فآمنت وتابت، ثم لما بلغ خبرها للوالي أحضرها أمامه فأصرّت على مسيحيتها. أمر بقطع رأسها بحد السيف، فضُرِب عنقها ونالت إكليل الشهادة.

السنكسار، 7 برمهات.

مريم التائبة القديسة

رهبنتها

وُلدت هذه القديسة في مدينة الرُها وتيتمت في سن الطفولة، فأتى بعض من جيرانها إلى القديس المتوحد الأنبا إبراهيم وذلك لأنه عمها بالجسد. وقد فكر هذا الأب في كيفية تربية هذه الصغيرة، واهتدى تفكيره إلى أن يُسكنها في الغرفة الداخلية لقلايته، وأخذ يقوم بتربيتها في حب وحنان أبوي معلمًا إياها طريق الفضيلة فشبت على حب العبادة والنسك.

لما كبرت الصبية ووصلت إلى سن الشباب وبناء على رغبتها أقام لها عمها الأب إبراهيم قلاية بالقرب منه، وكان يرشدها في كيفية الانتصار على حرب الشيطان.

أقامت هذه الراهبة في قلايتها تنمو في القامة الروحية، ناظرة إلى حياة التقوى والفضيلة وإلى مسيحها الذي أحبها وأسلم نفسه عنها. وقد استمرت على هذا الحال إلى أن بلغت العشرين من عمرها.

زنا فيأس

وقد دبر عدو الخير حيلة ماكرة لإسقاط تلك الراهبة المتوحدة، فكان في ذلك الوقت يتردد على الأب إبراهيم أحد الاخوة لكي يسترشد به في حياته الروحية، فنظر ذات مرة هذه الراهبة ومن الناحية الأخرى استمال الشيطان قلب مريم إلى حياة الفتور الروحي، فتردد هذا الشاب على معلمه كثيرًا ولكن بغرض أن ينظر إلى تلك الراهبة نظرات شريرة. ولما تحين الوقت المناسب لخروج الأب إبراهيم ليتمشى ويتأمل في البرية ذهب إليها وسرعان ما استمال قلبها إلى الخطية فسقطت معه في خطية الزنا.

أراد الشيطان أن يقطع جذور هذه الفتاة من تربة الرهبنة بعد هذه السقطة الشريرة، فملك عليها شيطان الكآبة وأحست بشناعة الإثم الذي ارتكبته، وأخذت تلطم خديها وتنتحب وتبكي بشدة وتمنَّت الموت. ومع ذلك منعها شيطان الخجل من أن تقدم توبة وتعترف، ومَلَك عليها شيطان اليأس، وأخذت تقول في نفسها: "ماذا سيفعل عمي؟ إنه سيموت حزنًا عليَّ. لقد أُغلِقَت جميع أبواب المراحم الإلهية في وجهي لأنني نجسة ولست بمستحقة أن أنطق باسم إلهي".

في بيت للرذيلة

خرجت القديسة الساقطة من البرية قاصدة العالم دون أن يعرف عمها ومرشدها الروحي بما حدث لها، ونزلت في أحد المدن وهناك أجهز عليها الشيطان ودبر لها مكان عبارة عن بيت للرذيلة، ومكثت هناك تمارس الخطيئة حوالي العامين كان خلالها القديس إبراهيم في حيرة شديدة وارتباك لا يعرف عنها أي شئ وظن أنها تركت المغارة قاصدة أحد الأماكن في البرية للتأمل والنسك، ولكنه طال انتظاره فتزايد قلقه ومخاوفه عليها.

عمها يكتشف أمرها

وقد وضع الأنبا إبراهيم قانونًا على نفسه بصوم زائد وصلوات كثيرة ودموع غزيرة إلى أن يكشف له الرب ما حدث لابنة أخيه، فبعد وقت ليس بكثير من صومه كشف له الرب في رؤيا وكأن تنينًا ضخمًا دخل إلى قلاية القديسة وأخذ حمامة وافترسها، فأخذ يبكي ثم رأى رؤيا أخرى وكأن التنين انشق وخرجت منه الحمامة سليمة.

فلما استيقظ من نومه أخذ يبكي بصوت عالٍ وينادي ابنة أخيه ولكن ليس من مجيب. وقد طلب من أحد أصدقائه القريبين منه وهو القديس مار إفرام الذي كان يقضي خلوة روحية بجواره أن يبحث معه عن مكان الغائبة لكي يريح الله قلبه، وبعد عدة أيام حضر إليه صديقه مار إفرام وأعلمه أنها في منزل لارتكاب الخطيئة.

التهب قلب هذا الأب حبًا في رجوع الراهبة الساقطة، فتنكر في زي إنسان غريب مغيرًا ملامح هيئته قاصدًا المدينة والمنزل المقيمة فيه هذه الساقطة. ولما دخل المنزل أخذ يتجول بعينيه لعله يجد ضالته المنشودة، ولما لم يرها تصنَّع أنه يريد طعامًا فاخرًا ليأكله. فطلب من أحد المهتمين بهذا العمل إحضاره، فحضرت مريم بعد أن تبدلت ملامحها إلى هذا القريب مقدمة له ما يحتاجه من طعام ومتعة حسبما هو متبع. وكان الأب إبراهيم يلبس ملابس معينة للتخفي ولكنها قد لاحظت أنه يلبس من تحتها ملابس النسك والطهارة وكانت تتنسم منه رائحة بخور، فتذكرت حالاً حياتها الأولى وجهادها في الفضيلة وعمها الأنبا إبراهيم الذي قام على تربيتها وأنشأها على حب الفضيلة والطهارة.

توبتها

فأخذت القديسة تبكي بحرقة وكأنها تذكرت ما فعلته، أما صاحب الفندق فسألها: "يا مريم ما الذي يؤلمك وما الذي يبكيكِ؟" فقالت له: "كنت أود أن أموت قبل ذلك بعامين". فتذكر عمها أنها خرجت من البرية منذ عامين، وتدارك الموقف طالبًا من صاحب الفندق أن يحضر لها مشروبًا.

وأخذ الأنبا إبراهيم يحدثها عن محبة الله للأشرار والزناة والتائبين وأنه سيغفر لهم إن رجعوا عن شرهم ومعاصيهم، فارتجفت القديسة وأخذت تبكي، فقال لها:

"انظري إليَّ فأنا عمك الراهب إبراهيم الذي قد تربيتِ عنده.

إنني أبحث عنكِ في كل مكان، وأول ما رأيتك أخفيت دموعي لكي لا يشك أحد في شئ.

إن السيد المسيح قال لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، والله لا يشاء موت الخاطئ مثلما يتوب وتحيا نفسه ".

وفي لحظة وبدون أن يشعر أحد تسلل الاثنان خارج مكان الخطيئة تاركين مكان الإثم والفجور.

إلى قلايتها مرة أخرى

بعد هذه الأحداث دخلت الراهبة إلى قلايتها مرة أخرى باكية حزينة على ما حدث منها، وكان كل من يمر بجوارها يسمع صوت بكاء التوبة. أثناء ذلك انتقل عمها الأنبا إبراهيم إلى أورشليم السمائية عن 85 عامًا وتعيد الكنيسة له في 30 طوبة.

وعاشت القديسة المجاهدة ما يقرب من خمسة أعوام بعد نياحة عمها في بكاء وتسبيح حزين، وقد أعطاها الله علامة مغفرته لخطيئتها فأنعم عليها بموهبة شفاء المرضى في آخر حياتها.

ثم مرضت قليلاً وتنيحت بسلام ووجهها يضئ من نعمة التوبة.

بستان القديسات، الجزء الأول صفحة 116.

مريم الحبيسة القديسة

✥ شريفة تترهب

كان والدا القديسة مريم الحبيسة الناسكة من أشراف مدينة الإسكندرية، وطلبها كثيرون من أولاد عظماء المدينة للزواج فلم تقبل. ولما توفي والداها وزعت كل ما تركاه لها على الفقراء والمساكين واحتفظت بجزءٍ يسير منه، ثم دخلت أحد أديرة العذارى التي بظاهر الإسكندرية، ولبست ثوب الرهبنة، وأجهدت نفسها بعبادات كثيرة مدة خمس عشرة سنة، ثم لبست الإسكيم المقدس وجعلت لباسها من الشعر.

✥ الحبيسة

استأذنت رئيسة الدير وحبست نفسها في قلايتها وأغلقت بابها عليها وجعلت فيها طاقة صغيرة تتناول منها حاجتها الجسدية والروحية. وقد قضت في هذه القلاية اثنين وعشرين سنة، كانت تصوم خلالها يومين يومين، وفي أيام الأربعين المقدسة كانت تصوم وتفطر كل ثلاثة أيام على قليل من البقول المبتلَّة.

✥ نياحتها

في اليوم الحادي عشر من شهر طوبة طلبت قليلاً من الماء المقدس وغسلت يديها ووجهها ثم تناولت من الأسرار الإلهية وشربت من الماء المقدس. ومرضت فلزمت فراشها إلى الحادي والعشرين من شهر طوبة، حيث تناولت الأسرار الإلهية أيضًا واستدعت الأم الرئيسة وبقية الأخوات وودعتهن على أمل أن يفتقدنها بعد ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الرابع والعشرون من شهر طوبة افتقدنها فوجدنها قد تنيحت بسلام. فحملنها إلى الكنيسة وبعد الصلاة عليها وضعنها مع أجساد العذارى القديسات.

السنكسار، 24 طوبة.

مريم الشهيدة

وُلدت في أتريب وتزوجت من رجل صالح يدعى ثاؤذورس وأنجبت ابنًا اسمه سرجيوس.

ذهب ابنها إلى الوالي كرياكوس واعترف بمسيحيته، فعذبه الوالي وأتى له بصنم ليسجد له، فركله سرجيوس فتحطم. نتيجة لذلك آمن الوالي كرياكوس بالمسيحية في الحال وهو يقول: "إله لا يقدر أن يخلص نفسه كيف يقدر أن يخلص غيره؟"

تقدم الوزير أوهيوس وصار يعذب سرجيوس بالنار والهنبازين، فأتت أمه وأخته وبكتا على شدة عذابه، وأخيرًا قطع رأسه.

تقدمت مريم وزوجها وابنتها واعترفوا باسم المسيح فقُطعت رؤوسهم ونالوا إكليل الشهادة في الثالث عشر من أمشير.

شهيدات المسيحية، صفحة 91.

مريم العذراء

وُلدت هذه العذراء بمدينة الناصرة حيث كان والداها يقيمان، وكان والدها متوجع القلب لأنه عاقر. وكانت حنة أمها حزينة جدًا فنذرت لله نذرًا وصلَّت إليه بحرارة وانسحاق قلب قائلة: "إذا أعطيتني ثمرة فإني أقدمها نذرًا لهيكلك المقدس".

فلما جاء ملء الزمان المعين حسب التدبير الإلهي أٌرسِل ملاك الرب وبشر الشيخ يواقيم والدها الذي أعلم زوجته حنة بما رأى وسمع، ففرحت وشكرت الله، وبعد ذلك حبلت وولدت هذه القديسة وأسمتها مريم.

لما بلغت مريم من العمر ثلاث سنوات مضت بها أمها إلى الهيكل حيث أقامت إثنتي عشرة سنة، كانت تقتات خلالها من يد الملائكة. وإذ كان والداها قد تنيحا تشاور الكهنة لكي يودعوها عند من يحفظها، لأنه لا يجوز لهم أن يبقوها في الهيكل بعد هذه السن. فقرروا أن تخطب رسميًا لشخصٍ يحل له أن يرعاها ويهتم بشئونها، فجمعوا من سبط يهوذا اثني عشر رجلاً أتقياء ليودعوها عند أحدهم وأخذوا عصيهم وأدخلوها إلى الهيكل، فأتت حمامة ووقفت على عصا يوسف النجار، فعلموا أن هذا الأمر من الرب لأن يوسف كان صِديقًا بارًا، فتسلمها وظلت عنده إلى أن أتى إليها الملاك جبرائيل وبشرها بتجسد الابن منها.

بعد صعود السيد المسيح إلى السماء، إذ كانت العذراء مريم ملازمة الصلاة في القبر المقدس ومنتظرة ذلك الوقت السعيد الذي فيه تُحَل من رباطات الجسد، أعلمها الروح القدس بانتقالها سريعًا من هذا العالم الزائل. ولما دنا الوقت حضر التلاميذ وعذارى جبل الزيتون، وكانت السيدة العذراء مضطجعة على سريرها وإذا بالسيد المسيح قد حضر إليها وحوله ألوف من الملائكة، فعزاها وأعلمها بسعادتها الدائمة الذاهبة إليها، فسُرَّت بذلك ومدت يدها وباركت التلاميذ والعذارى، ثم أسلمت روحها الطاهرة بيد ابنها وإلهها فأصعدها إلى المساكن العلوية. أما الجسد الطاهر فكفنوه وحملوه إلى الجسمانية، وفيما هم ذاهبون به اعترضهم بعض اليهود ليمنعوا دفنه، وأمسك أحدهم بالتابوت فانفصلت يداه من جسمه وبقيتا معلقتين حتى آمن وندم على سوء فعله، وبتوسلات التلاميذ القديسين عادت يداه إلى جسمه كما كانت.

لم يكن توما الرسول حاضرًا وقت نياحتها واتفق حضوره عند دفنها فرأى جسدها الطاهر مع الملائكة صاعدين به، فقال له أحدهم: "أسرع وقبِّل جسد الطاهرة مريم"، فأسرع وقبَّله. وعند حضوره إلى التلاميذ أعلموه بنياحتها فقال لهم: "أنا لا أصدق حتى أعاين جسدها، فأنتم تعرفون كيف شككت في قيامة السيد المسيح". فمضوا معه إلى القبر وكشفوا عن الجسد فلم يجدوه فدهش الكل وتعجبوا، فعرَّفهم توما الرسول كيف أنه شاهد الجسد الطاهر مع الملائكة صاعدين به، وقال لهم الروح القدس: "إن الرب لم يشأ أن يبقى جسدها في الأرض". وكان الرب قد وعد رسله الأطهار أن يريها لهم في الجسد مرة أخرى، فكانوا منتظرين إتمام ذلك الوعد الصادق حتى اليوم السادس عشر من شهر مسرى حيث تم الوعد لهم برؤيتها. وكانت سنو حياتها على الأرض ستين سنة جازت منها اثنتي عشرة سنة في الهيكل وثلاثين سنة في بيت القديس يوسف البار وأربعة عشرة سنة عند القديس يوحنا الإنجيلي كوصية الرب القائل لها: "هذا ابنك" وليوحنا: "هذه أمك".

قد بنيت أول كنيسة على اسمها بمدينة فيلبي، وذلك أنه لما بشر الرسولان بولس وبرنابا بين الأمم آمن كثيرون منهم بمدينة فيلبي وبنوا فيها كنيسة على اسم البتول والدة الإله.

باركت السيدة العذراء أرض ببركة خاصة مرتين: الأولى في اختصاصها مصر للهروب إليها مع الطفل يسوع ويوسف النجار من وجه هيرودس، والثانية في تجليها في مناظر روحانية نورانية داخل قباب الكنيسة المدشنة على اسمها الطاهر في منطقة الزيتون من ضواحي مدينة القاهرة وفوقها وذلك في يوم 2 إبريل سنة 1968م (24 برمهات سنة 1684 ش) والذي استمر لعدة ليالي متوالية.

تُعيِّد الكنيسة بتذكار ميلادها في يوم الأول من بشنس، وتذكار دخولها الهيكل في الثالث من شهر كيهك، وتذكار نياحتها في الحادي والعشرين من شهر طوبة، وتذكار صعود جسدها إلى السماء في يوم السادس عشر من شهر مسرى، وتذكار بناء أول كنيسة على اسمها في الحادي والعشرين من شهر بؤونة، وتذكار تكريس الكنيسة التي على اسمها بدير المحرق والتي باركها السيد المسيح بحلوله فيها مع تلاميذه وقت تكريسها في السادس من شهر هاتور، وتذكار تجليها في كنيسة الزيتون في 24 برمهات.

السنكسار: 3 كيهك، 21 طوبة، 24 برمهات، 1 بشنس، 21 بؤونة، 16 مسرى.

مريم المجدلية القديسة

شفاها السيد المسيح بأن أخرج منها سبعة شياطين، وكانت إحدى النساء اللاتي كن يخدمنه في الجليل (لو 8: 1 - 2)، وكانت حاضرة عند صلبه وذهبت إلى القبر مع اثنتين آخرتين فوجدن القبر فارغًا. ويقول القديس مرقس في إنجيله أنها أول من ظهر لهم السيد المسيح بعد قيامته (مر 16: 9)، ويضيف القديس يوحنا أن السيد أعطاها رسالة لتنقلها إلى الاخوة (يو 20: 11 - 18).

من ضمن النساء اللاتي يُذكَرن في الإنجيل: "المرأة الخاطئة" (لو 7: 37 - 50) التي لم يُذكَر اسمها، ومريم من بيت عنيا ومرثا أختها (لو 10: 38 - 43). وبحسب التقليد الشرقي فإنهن - بالإضافة إلى المجدلية - يُعتَبَرن ثلاثة أشخاص مختلفين، أما في الغرب فإنهم يتبعون القديس غريغوريوس الكبير في اعتبارهن شخصًا واحدًا (المرأة الخاطئة ومريم أخت مرثا ومريم المجدلية)، إلا أن رأي القديس أمبروسيوس بعد ذلك أن يُترَك هذا السؤال بدون إجابة. وبسبب هذا التقليد الغربي، يُنظَر إلى القديسة مريم المجدلية كنموذج مذهل للإنسان التائب.

ومنذ سنة 1969م أُخِذ في الاعتبار التقليد الشرقي في التقويم الروماني الجديد، وتُعيِّد لها الكنيسة الغربية في الثاني والعشرين من شهر يوليو.

The Penguin Dictionary of Saints, page 230.

مريم المصرية القديسة

زوسيما في دير قرب نهر الأردن

عاشت في القرن الرابع الميلادي وروى سيرتها راهب قس في أحد أديرة فلسطين ويدعى زوسيما. عاش هذا القديس في أحد الأديرة 53 سنة، وبدأت تحاربه أفكار العظمة فأرسل الله له راهبًا اقتاده إلى دير قرب نهر الأردن وأمره أن يقضي فيه بقية حياته.

كان رهبان هذا الدير من النساك الكبار الذين أضنوا حياتهم بالنسك، وكان الدير قريبًا من البرية التي أمضى فيها السيد المسيح الصوم الأربعيني، وكانت عادة رهبان هذا الدير أن يقضوا فترة الصوم الأربعيني في هذه البرية خارج الدير ولا يعودون إليه إلا يوم أحد الشعانين. كان الرهبان يتناولون الأسرار المقدسة بعد قداس الأحد الأول من الصوم ثم يخرجون للبرية، وهكذا فعل زوسيما.

رؤيته مريم المصرية

قبيل نهاية الصوم وهو في طريق عودته إلى الدير أبصر شبحًا فظنه في بادئ الأمر شيطانًا ورشمه بعلامة الصليب، ولكنه تحقق بعد ذلك أنه إنسان. أسرع زوسيما - رغم شيخوخته - نحو هذا الإنسان لكنه كان يجري منه، فكان يصرخ إليه أن يقف. فتوقف هذا الشبح ودخل في حفرة في الأرض، فتكلم هذا الشخص المجهول وناداه باسمه وقال له أنا امرأة، إن أردت أن تقدم خدمة لخاطئة فاترك لها رداءك لتستتر به واعطها بركتك. تعجَّب زوسيما لأنها نادته باسمه وترك لها رداءه فوضعته على جسدها وسألته أن يباركها فقد كان كاهنًا، وزاد عجبه حين علمت بكهنوته وطلب هو منها أن تباركه وتصلِّي عنه. سألها باسم المسيح أن تعرِّفه شخصيتها ولماذا أتت إلى هذا المكان وكيف استطاعت أن تبقى في هذه البرية الموحشة المخيفة، وكم لها من السنين وكيف تعيش؟

القديسة تروي قصتها

بدأت تعترف بخطاياها، وقالت له لا تفزع من خطاياي البشعة بل فيما أنت تسمعني لا تتوقف عن الصلاة لأجلي. وبدأت تروي قصتها.

قالت أنها مصرية من الإسكندرية، ومنذ سن الثانية عشر بدأ ذهنها يتلوث بالخطية من تأثير الشر الذي كان سائدًا، وما كان يمنعها من ارتكاب الخطية الفعلية إلا الخوف المقترن بالاحترام لوالدها، لكن ما لبثت أن فقدت أباها ثم أمها فخلا لها الجو وانحدرت إلى مهاوي الخطية الجسدية الدنسة. أسلمت نفسها للملذات مدة سبع عشرة سنة، ولم يكن ذلك عن احتياج سوى إشباع شهواتها.

وفي أحد الأيام وقت الصيف رأت جمعًا من المصريين والليبيين في الميناء متجهين إلى أورشليم لحضور عيد الصليب المقدس، ولم تكن تملك قيمة السفر في إحدى السفن الذاهبة إلى أورشليم، لكنها وجدتها فرصة لإشباع لذاتها مع المسافرين. ونظرت إلى الأب زوسيما بخجلٍ وقالت له: "أنظر يا أبي قساوتي. أنظر عاري. فقد كان الغرض من سفري هو إهلاك النفوس".

سافرت مع زمرة من الشبان وحدث ما حدث في الطريق، وأخيرًا وصل الركب إلى أورشليم وارتكبت شرورًا كثيرة في المدينة المقدسة. أخيرًا حلَّ يوم عيد الصليب واتجهت الجموع إلى كنيسة القيامة وكان الزحام شديدًا، ولما جاء دورها لدخول الكنيسة، وعند عتبتها وجدت رِجلَها وكأنها مُسَمَّرة لا تستطيع أن تحركها وتدخل، وكانت هناك قوة خفية تمنعها من الدخول، وكررت المحاولة أكثر من مرة دون جدوى.

أحسَّت أنها الوحيدة المطرودة من الكنيسة فالكل يدخلون بلا عائق أو مانع. عندئذ اعتزلت في مكان هادئ بجوار بوابة الكنيسة وانتهت في فكرها إلى أن منعها من الدخول يرجع إلى عدم استحقاقها بسبب فسادها. انفجرت في البكاء وتطلعت فأبصرت صورة العذراء فوق رأسها، فصرخت في خزي: "يا عذراء إني أدرك مدى قذارتي وعدم استحقاقي لأن أدخل كنيسة الله، بل إن نفسي الدنسة لا تستطيع أن تثبت أمام صورتك الطاهرة. فيا لخجلي وصغر نفسي أمامِك".

طلبت شفاعة العذراء من كل قلبها ووعدت بعدم الرجوع لحياتها الماضية، وطلبت إليها أن تسمح لها بالدخول لتكرم الصليب المقدس، وبعدها سوف تودِّع العالم وكل ملذاته نهائيًا وطلبت إرشادها.

أحسَّت أن طلبتها استجيبت وأخذت مكانها بين الجموع، وفي هذه المرة دخلت كما دخل الباقون بلا مانع ولكنها كانت مرتعدة. سجدت إلى الأرض وسكبت دموعًا غزيرة على خشبة الصليب المقدسة وقبَّلتها، وأخذت تصلي - دون أن تحس بالوقت - حتى منتصف النهار. طلبت في أعماقها معونة الله بشفاعة العذراء أن تعرف ماذا تفعل، فسمعت صوتًا يقول لها: "اعبري الأردن فهناك تجدين مكانًا لخلاصِك".

أمضت تلك الليلة قرب الكنيسة وفي الصباح سارت في طريقها، فقابلها رجل أعطاها ثلاث قطع من الفضة وقال لها: "خذي ما أعطاكِ الله". توقفت عند خباز واشترت ثلاث خبزات وطلبت إليه أن يرشدها إلى الطريق المؤدي للأردن. عبرت باب المدينة وأحسَّت أنها تغيرت، ووصلت إلى كنيسة على اسم يوحنا المعمدان قرب النهر، وهناك أخذت تبكي وغسلت وجهها بماء النهر المقدس ودخلت الكنيسة واعترفت بخطاياها وتناولت من الأسرار المقدسة. عبرت الأردن وطلبت شفاعة العذراء وأخذت تسير في الصحراء القاحلة حتى وصلت إلى المكان الذي تقابلت فيه مع القديس زوسيما، وكانت قد أمضت به 45 سنة وكان الله يعولها.

محاربتها

بناء عن سؤال القس زوسيما أخذت تروي أخبار محاربتها. فقالت أنها أمضت سبعة عشر عامًا في حروب عنيفة مع الشهوات الجسدية كما لو كانت تحارب وحوشًا حقيقية، وكانت تمر بذاكرتها كل الخطايا والقبائح التي فعلتها، وعانت من الجوع والعطش الشديدين. ومما قالته: "مرات كثيرة أخرى كانت تهاجمني آلاف الذكريات الحسية والأفكار الدنسة، وكانت تجعل في قلبي آلامًا شديدة بل كانت تجري في عروقي مثل جمر مشتعل، حينئذ كنت أخُّر على الأرض متضرعة من كل قلبي. بل كنت أحيانًا كثيرة أبقى على هذا الوضع أيامًا وليالٍ، إلى أن يحوطني النور الإلهي مثل دائرة من نار لا يستطيع المجرب أن يتعداها.

وكانت العذراء معينة لي بالحقيقة في حياة التوبة، فكانت طوال هذه المدة تقودني بيدها وتصلي من أجلي. ولما فرغت الخبزات كنت آكل الحشائش والجذور التي كنت أجدها في الأرض ".

أما عن ملابسها فقد تهرَّأت من الاستعمال، وكانت حرارة الشمس تحرق جسدها بينما برودة الصحراء تجعلها ترتعد لدرجة أنها كان يُغمى عليها. وقالت له أنها منذ عبرت الأردن لم ترَ وجه إنسان سواه، وقالت أن الله لقَّنها معرفة الكتب المقدسة والمزامير.

القس زوسيما يباركها

ولما انتهت من كلامها انحنت أمام القس زوسيما ليباركها، وأوصته ألا يخبر أحدًا عنها وطلبت إليه أن يعود إليها في يوم خميس العهد من العام التالي ومعه التناول المقدس، وقالت أنها ستنتظره عند شاطئ الأردن.

تناولها

وفي الصوم الأربعيني المقدس في العام التالي خرج الرهبان كعادتهم، أما زوسيما فكان مريضًا بالحمَّى على نحو ما أخبرته مريم في لقائها معه. وبعد قداس خميس العهد حمل القس زوسيما جسد المسيح ودمه الكريمين، كما أخذ معه بعض البقول والبلح وذهب لينتظر مجيء القديسة عند شاطئ النهر.

انتظرها طويلاً وكان يشخص نحو الصحراء، وأخيرًا رآها على الضفة المقابلة ورشمت بعلامة الصليب على مياه النهر وعبرت ماشية على الماء. وإزاء هذه الأعجوبة حاول القديس زوسيما أن ينحني أمامها لكنها صاحت: "أيها الأب أيها الكاهن ماذا أنت فاعل؟ هل نسيت أنك تحمل الأسرار المقدسة؟"

حينئذ تقدمت وسجدت بخشوع أمام السرّ المقدس وتناولت من الأسرار المقدسة. وبعد قليل رفعت يديها نحو السماء صارخة: "الآن يا سيد تطلق عبدتك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك".

طلبت إليه أن يحضر إليها في العام القادم ويتقابل معها في المكان الذي تقابلا فيه أولاً، وطلبت إليه أن يصلي عنها، ورشمت على النهر بعلامة الصليب وعبرته راجعة واختفت من أمامه.

نياحتها

في العام التالي وفي الموعد المحدد توجه إلى المكان الذي التقيا فيه أولاً، ووجدها ساجدة ووجهها متجهًا للشرق ويداها بلا حركة ومنضمتان في جمود الموت، فركع إلى جوارها وبكى كثيرًا وصلى عليها صلوات التجنيز. وحتى هذه اللحظة كان لا يعرف اسمها، ولكن عندما اقترب منها ليفحص عن قرب وجهها وجد مكتوبًا: "يا أب زوسيما ادفن هنا جسد مريم البائسة واترك للتراب جسد الخطية هذا، صلّي من أجلي".

اكتشف أنها تنيحت بالليل بعد تناولها من الأسرار المقدسة، ويقال أن ذلك كان سنة 421م.

عاد زوسيما إلى ديره وهو يقول: "حقًا إن العشارين والخطاة والزناة سيسبقوننا إلى الملكوت السماوي". وكانت سيرتها مشجعًا أكثر على الجهاد. وتعيِّد لها الكنيسة القبطية في يوم 16 برمودة من كل عام.

باقات عطرة من سير الأبرار والقديسين، صفحة 249 - 253.

مطرا الشهيد1

استشهد القديس مطرا في عهد البابا ديمتريوس الكرام، بطريرك الإسكندرية الثاني عشر في زمان ديسيوس الملك. ذلك أنه لما سمع مرسوم الملك بعبادة الأوثان يُقرأ، مضى وأخذ يد الصنم أبلون وكانت من ذهب خالص قطعها قطعًا ووزعها على الفقراء.

ولما لم يجدوا هذه اليد قبضوا على كثيرين بسببها، فأتى هذا القديس وقال لهم: "أنا الذي أخذتها". فعذبوه كثيرًا ثم طرحوه في النار فأنقذه ملاك الرب منها، فقطعوا يديه ورجليه وسمروه على خشبة، وأتى رجل أعمى وأخذ من الدم النازل من فيه وطلى به عينيه فأبصر. بعد ذلك قطعوا رأسه فنال إكليل الشهادة.

السنكسار، 10 مسرى.

مطرا الشهيد2

كان هذا الشيخ من أهل الإسكندرية مؤمنًا مسيحيًا. ولما ملك داكيوس أثار عبادة الأوثان واضطهد الشعب المسيحي في كل مكان، ووصلت أوامره إلى الإسكندرية فوقع الاضطهاد على أهلها.

سعى بعضهم ضد هذا القديس فاستحضره والي الإسكندرية وسأله عن إيمانه، فاعترف بالسيد المسيح أنه إله حق من إله حق. أمره الوالي بالسجود للأصنام ووعده بوعود عظيمة فلم يقبل منه، فتوعده بالعقاب فلم يرجع عن رأيه بل اعترف قائلاً: "أنا لا أسجد إلا للمسيح خالق السماء والأرض". فغضب الوالي وأمر بضربه، فضُرِب ضربًا موجعًا وعلقوه من ذراعه ثم حبسوه، وجرحوا وجهه وجنبيه بقضيب محمى، وأخيرًا إذ بقي مُصِرًا على إيمانه ضربوا عنقه خارج المدينة فنال إكليل الشهادة.

السنكسار، 8 بابه.

مطرونة العذراء الشهيدة

في السنكسار الروماني توجد ثلاث قديسات يحملن ذلك الاسم.

الأولى كانت من تسالونيكي Thessalonica وولدت من أبوين مسيحيين وكانت تخدم في بيت امرأة يهودية كأمةٍ، وكانت سيدتها تطلب منها أن تترك المسيحية وتعتنق اليهودية فكانت مطرونة ترفض. أخذت سيدتها تزيد من أعمالها وخدمتها وتعذبها كثيرًا. وفي أحد الأيام أوصلت مطرونة سيدتها إلى مجمع اليهود وذهبت إلى الكنيسة لتصلي، فلما علمت سيدتها بذلك غضبت وضربت مطرونة ضربًا أليمًا، ثم حبستها في مكان مظلم أربعة أيام دون أكل أو شرب ثم أخرجتها وضربتها بالسياط وأرجعتها إلى الحبس حيث صعدت روحها إلى فاديها. خافت سيدتها أن ينكشف أمرها لدى الوالي فأخذت الجثة لتلقيها من أعلى المنزل وتقول أن خادمتها سقطت من فوقه، فزلت قدم السيدة ووقعت ميتة، وكان استشهاد القديسة مطرونة في العاشر من شهر توت.

الثانية كانت من مدينة برشلونة Barcelona وأُخِذت إلى روما، وهناك بسبب الخدمات التي كانت تقدمها للمسيحيين المحبوسين قُبِض عليها وحُكِم عليها بالموت وأُعيد جسدها مرة أخرى إلى مدينتها.

أما الثالثة فلم تستشهد ولكن عاشت حياة القداسة وكانت من أصل شريف من بلاد البرتغال Portugal، وعانت بشدة من مرض الدوسنتاريا والتي بسببها ذهبت إلى إيطاليا بحثًا عن علاج، وتعيد لها الكنيسة الغربية في الخامس عشر من شهر مارس.

شهيدات المسيحية، صفحة 88.

Butler, March 15.

معاني أبو المكارم بن بركات

من مشاهير الأقباط في عصر الأيوبيين.

كان كاتب قبطي من أهالي المحلة الكبرى وأقام بها، قد يكون من أصل سرياني وتَقَبَّط عن طريق النسب حينما استوطن أهله في أرض مصر، فقد كان بمدينتيّ سنباط والمحلة الكبرى جالية كبيرة من السريان اختلطوا بالقبط وتناسبوا معهم وأصبح نسلهم قبطيًا.

عَمَّر أبو المكارم طويلاً، وقد كتب سيرتيّ البابا مرقس بن زرعة البطريرك 73 والبابا يوأنس 74، وأسهب في ذِكر حوادث حروب الدولة الأيوبية في تاريخ البطاركة.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 177.

مقاريوس الأسقف الشهيد

هو أسقف ادكو (مركز رشيد بمديرية البحيرة) وأحد الثلاثة مقارات القديسين، نفي مع البابا ديسقورس بعد مجمع خلقيدونية. أظهر حرارة في الإيمان وثباتًا على المعتقد الأرثوذكسي، فأنقذه البابا ديسقورس من منفاه سرًا إلى الإسكندرية لتثبيت المؤمنين.

بوصوله إليها وجد رسول الملك مركيان ومعه طومس لاون يحاول إقناع الآباء بقبوله والتوقيع عليه. ولما طلب رسول الملك إلى القديس مقاريوس التوقيع رفض، وأخذ يحض الباقين على التمسك بإيمان الآباء. اغتاظ منه رسول الملك وهجم عليه وركله بقدمه بقوة، فسقط ميتًا لوقته نظرًا لشيخوخته.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 80.

مقاريوس السكندري القديس

كان هذا الأب معاصرًا للقديس مقاريوس الكبير أب الرهبان، ولهذا أُطلِق عليه اسم مقاريوس الصغير، وترهب في أحد الأديرة القريبة من الإسكندرية. ونظرًا لتزايده في النسك فقد صار أبًا ومرشدًا لجميع القلالي القريبة من الإسكندرية ولذا فقد دُعي أب جبل القلالي. وقد بلغ أتباعه من المتوحدين خمسة آلاف شخصًا ينهلون من فضيلته وقداسته وحكمته. ولما اكتظت القلالي بالرهبان هجرها إلى مركز جديد وهو الإسقيط، وكان اشد وعورة من سابقيه، وتبعه إلى هناك عدد محدود من تلاميذه المقربين له والمعجبين به.

نشأته

وُلد بالإسكندرية حوالي عام 306م من والدين فقيرين، اشتغل خبازًا بضع سنين، وكان محبًا للناس، وكان قصير القامة ليس له لحية، وله شارب رفيع.

تعمَّد في الأربعين من عمره، وبعد ذلك اتخذ قراره بترك كل شئ في العالم، وذهب إلى القديس أنطونيوس وتتلمذ له وترهب بوادي النطرون في أيام الأنبا مقاريوس الكبير. بعد ذلك توجه إلى الصحراء المجاورة للإسكندرية إلى سيليا التي كانت قفرًا موحشًا ليس فيها طريق من أي نوع ولا أي أثر لكائنات حية، وكان هذا المكان بين نتريا والإسقيط. يبعد عن نتريا حوالي 15 كيلومترًا، وبينه وبين الإسقيط حوالي 119 كيلومترًا.

نسكه وعبادته

قام بعبادات كثيرة وتحلى بفضائل عظيمة وباشر نسكيات زائدة، من ذلك أنه لبث مرة خمسة أيام وعقله في السماء.

بعد أن قام بإدارة مدارس طالبي العماد اعتكف في صحراء وادي النطرون حيث تولى رئاسة الأديرة الكائنة في هذا الوادي وهي التي كان يطلق عليها وقتئذ اسم القلالي. وحدث أن سار في البرية عدة أيام في طريق غير ممهدة وكان يغرس في الطريق قطعًا من البوص لتهديه في العودة، ولما أراد الرجوع وجد الشيطان قد قلعها ليضله، فلما عطش أرسل الله له جاموسة، فشرب من لبنها حتى ارتوى إلى أن عاد إلى قلايته.

إرشاده الباخوميين بالعمل

سمع عن الدير الباخومي في طبانسين بصعيد مصر، بالقرب من الأقصر، وكيف يعملون في خدمة الشعب بروح تقوي تحت قيادة العظيم أنبا باخوميوس أب الشركة.

استبدل القديس مقاريوس ثيابه بثياب فلاح وذهب إلى الدير ماشيًا لمدة خمسة عشر يومًا. سأل عن القديس باخوميوس وكان الله قد أخفي عنه شخصية القديس مقاريوس.

سأله الزائر: "أرجوك يا أبي أن تقبلني في ديرك، ربما اصير راهبا!" أجابه الأنبا باخوميوس: "ماذا تريد يا أخي؟ أراك أنك شخص مسن، ولا تقدر بجسمك هذا أن تمارس التقوى مثل الأخوة المتقشفين. لن تستطيع أن تحتمل الاستمرار في التدريب، ربما تعثر وتذهب تتكلم ضدهم. اذهب إلى مسكن الضيافة والفلاحين وامكث هناك وسوف أطعمك إلى أن ترغب في العودة".

هكذا لم يقبله أن يعيش بين الرهبان في اليوم الأول ولا في اليوم الثاني حتى السابع. ضعف أنبا مقاريوس إذ بقي بدون طعام طوال الأسبوع فقابل رئيس الدير وقال له: "اقبلني يا أبي، وإن كنت لا أصوم ولا اتقشف، ولا أشتغل بيدي مثلهم فاطردني من ديرك". حينئذ أرسله إلى الاخوة الرهبان وكان عددهم ألفًا وأربعمائة، وأقام هناك مدة الأربعين المقدسة لم ينظره أحد في أثنائها آكلاً أو جالسًا، بل كان في كل هذه المدة يضفر الخوص وهو واقف، فقال الاخوة للقديس باخوميوس: "من أين أتيت بهذا الشي؟ أخرج عنا هذا الرجل لأنه ليس له جسد. أتيت به هنا لكي يذلنا. اجعله خارج هذا المكان وإلا نهرب جميعنا". فقال لهم: "تأنوا قليلاً حتى يكشف لنا الله أمره". فلما سأل الرب عنه عرَّفه أنه مقاريوس السكندري.

أحضره في وسط المكان الذي كانوا يجتمعون فيه بعد صلاة القداس الإلهي حتى يراه كل جموع الرهبان، وقال له: "هيا إلى هنا أيها الشيخ الجليل، كيف يكون هذا؟ هل أنت هو الأنبا مقاريوس وقد أخفيت نفسك عنا؟ كم من الزمان أسمع عنك وأرغب أن أراك! ولكنني أشكرك لأنك وعظتنا كلنا وعلّمت الاخوة الشبان ألا يفتخروا بأعمالهم التقوية ولو بذلوا غاية جهودهم، فلن يقتربوا قط من مقياس الأربعين يومًا التي لسيدنا ومخلصنا يسوع المسيح ابن الله الحي. وخصوصًا أعمالك التقوية أيها الرجل فعد إلى مكانك بسلام، فقد وعظتنا وأرشدتنا كلنا بما فيه الكفاية. صلِ من أجلنا".

فرح به الرهبان جدًا وتباركوا منه. حينئذ عاد إلى ديره بينما كانوا يتوسلون إليه ويرجونه أن يصلي من أجلهم.

مع ليديا المتوحدة

سمعت عنه ليديا المتوحدة فأتت إليه من تسالونيكي وكانت كاتبة ناسكة محبة للوحدة. امضت عامًا كاملاً في مغارة، وكانت تقابل القدير أنبا مقاريوس ولم يرها أحد قط في كل الجبل إلا في يوم تركها البرية وعودتها إلى بلدها وقد انتفعت بارشادات وصلوات هذا الأب، وعادت تمجد الله.

كان القديس يجتهد لكي يزيد في إذلال نفسه عن المتوحدين الآخرين معترفًا أنه أحقرهم. وسمع أن بعض الرهبان لا يتناولون طوال الصوم شيئًا مطبوخ ففعل مثلهم واكتفى بالخضار لمدة سبع سنوات. وفيما بعد حين سمع أن أخًا لا يأكل سوى قليل من الخبز كسر الرغيف الذي كان معه وأسقط الكسر في إبريق وقرر ألا يأكل إلا ما تأتي به يده التي يضعها في فتحة الإبريق الضيقة.

وفي مرة قرر أن يغلب النعاس فلم يدخل قلايته لمدة عشرة أيام وعشرة ليالٍ متوالية.

كان يعتبر الفضيلة التي تُعرَف وتذاع أنها عديمة الجدوى، وكان إذا سمع عن إنسان أنه يمارس فضيلة لم يمارسها هو لا يهدأ باله حتى يتقنها أكثر منه.

كانت له ثلاث قلايات في شهيت: واحدة في وسط الصحراء الداخلية الكبرى، وكانت بلا باب إذ لم يكن يصل إليها أحد. وكانت ضيقة لا يقدر أن يبسط قدميه فيها وهو نائم. والثانية في وسط البرية شيهيت، والثالثة بالقرب من العمران علي مسافة صغيرة.

شفافيته

ذكر عنه تلميذه: "قال لي أبي أنه لا يمر سبت أو أحد دون أن أرى ملاك المذبح بالقرب من المكان الذي يكون أمامي حينما أقدم الذبيحة".

قيل انه كثيرا ما كان يدخل الهيكل المقدس لتقديس الأسرار المقدسة حتى كان يعاين الهيكل مملوءً بالملائكة والقديسين، فينتابه خوف ورهبة شديدة.

حرب المجد الباطل

أتعبته أفكار الكبرياء ومحبة المجد الباطل إذ كانت الأفكار الشريرة تلح عليه أن يذهب إلى روما، بلد الملوك لكي يشفي مرضاهم. جلس علي عتبة قلايته وقال للشياطين: "إذ كانت عندكم القوة الكافية فانقلوني من هنا بعنف".

وإذ اشتدت حرب الشيطان صرخ بغضب: "لقد قلت لكم الآن ليس لي أرجل، إذا كانت عندكم القوة احملوني واذهبوا بي إلى روما، لأني سأبقى هنا حتى مغيب الشمس".

وإذا أتعبته الأفكار ثانية في وسط الليل حمل سلة ووضع بها كيلين من الرمل وصار يطوف بها في الصحراء. فقابله قوم من الاخوة وقالوا له: "لماذا تحمل هكذا يا أبانا؟ ولماذا تتعب نفسك؟" فقال لهم: "إني أتعب من يتعبني، فإني إذا أرحته يجلب علّي أفكارًا، قائلاً قم واذهب إلى الخارج". فلما مكث طويلاً يجوب الصحراء دخل قلايته وهو منهوك القوي.

عنقود العنب

قُدم إليه عنقود عنب فاخر وكان القديس لم يذقه منذ مدة طويلة. لكنه انتصر علي شهوته وقدم العنب إلى أخٍ مريضٍ فشكره الأخ، وهو بدوره قدّمه لآخر حاسبًا أنه محتاج إليه أكثر منه. وحُمل العنقود بهذه الطريقة إلى صوامع سيليا وفي النهاية عاد إلى القديس مقاريوس لم يمسّه أحد، ففرح بمحبة الرهبان لبعضهم البعض، وتقديم كل واحدٍ الآخر عن نفسه.

يرى البعض أن هذا حدث مع القديس مقاريوس الكبير.

معجزاته

كان القديس يشفي أناسًا عديدين بهم أرواح نجسة وجموعًا غفيرة لا تُحصى، وكان له قوة إخراج الشياطين بمجرد إشارة الصليب. وأتته مرة ضبعة وبدأت تجر ثوبه فتبعها إلى مغارتها، فأخرجت له أولادها الثلاثة، فوجدهم ذوي عاهات. تعجب من فطنة الحيوان وصلى ووضع يده عليهم فعادوا أصحاء، وغابت الضبعة وعادت وفي فمها فرو قدمتها له، وظل يفترشها حتى نياحته.

حدث أنه لما امتنع نزول المطر بالإسكندرية استدعاه البابا البطريرك، فحين وصوله هطلت الأمطار ولم تزل تهطل حتى طلبوا منه إيقافها، فصلى إلى الرب فامتنعت.

شفاء كاهن تآكل لحم وجهه

جاءه كاهن وكان وجهه مهرأ بسبب المرض الذي كان يُسمي السرطان. لم يكن يظهر فيه سوي العظم، فكان منظره بشعًا للغاية، وقد أنفق كل ماله علي الأطباء ولم يُشف.

سقط الكاهن عند قدميه متوسلاً أن يصلي إليه، لكن القديس أدار وجهه عنه، وإذ رجاه الحاضرون وقالوا له: "يا أبانا كن رحيمًا علي هذا الرجل. أنظر إليه، واستجب إلى حاجته"، قال لهم: "اتركوه فإنه لا يستحق الشفاء، لأنه يذهب إلى مكان الذبيحة وهو دنس!"

صار الكاهن يترجاه لمدة ثلاثة أيام وأخيرًا أشفق علي دموعه وناداه قائلاً له: "هل تعرف لماذا جلب الله عليك هذا العقاب؟" فأجابه قائلاً: "نعم يا سيدي!" قال الشيخ: "مادمت تعرف خطاياك إذن تُب فتخلص". وطلب منه الشيخ أن يترك العمل الكهنوتي حتى يخلص من العذاب الأبدي. وإذ وعده الشيخ بذلك دهن وجهه ورأسه بالزيت والرب شفاه. عندئذ استأذن وذهب قائلاً: "سأبقي من الشعب إلى أن أموت!"

سرقة قلايته

إذ حدث غلاء في الأرض جاء بعض لصوص ليبيين يبحثون في الصحراء حتى وجدوا قلايته. فأخذوا كل شغل يديه وسعف النخيل وحملوا الأواني التي كان يستخدمها لإضافة الزائرين. وإذ كانوا علي وشك القيام لم تستطع الناقة أن تقف، وكانت تصرخ حتى حل نور الصباح.

جاء إليهم الأنبا مقاريوس وكان يظن من بعيد أنهم جاءوا إليه باحتياجات الرهبان ويأخذوا عمل يديه. وإذ عرف أنهم لصوص وقد سجدوا قدامه نادمين لم يغضب بل دخل فورًا إلى قلايته وأخرج لهم آنية بها زيتون كانت وراء الباب. وقال لهم: "أتريدون أن تعلموا لماذا لم تستطع الناقة أن ترفعها؟" فقالوا: "نعم" فقال لهم: "لأنكم نسيتم هذا الزيتون". وأصر أن يأخذوا كل ما حملوه ومعه الزيتون. وإذ وضعوا الآنية علي الناقة قامت، وتركهم يذهبون بسلام.

في اليوم التالي جاء إليه بعض الاخوة من السفر يرغبون أن يأكلوا قليلاً، وإذ لم يكن في قلايته شيء بالمرة قال لهم: "توجد أربعة أرغفة في حقيبتكم. أحضروها إلى هنا لنأكل قليلاً، لأن المؤنة التي كانت بالمسكن أعطاها الله إلى بعض العلمانيين، إذ لهم نساؤهم وأولادهم فقراء، يحتاجون إليها في المجاعة القائمة.

اختطاف عقله إلى السماء

دخل قلايته التي في الصحراء الداخلية لكي لا يلتقي بأحد وقد حاربه عدو الخير بعنفٍ شديدٍ، تارة يظهر كأسدٍ يمزق رجليه بمخالبه وأخري كالثعابين تلتف حول رجليه، وثالثة كألسنة نار أحرقت ما حوله.

وهبه الله أن يتمتع عقله بالسماء لمدة خمسة أيام ثم عاد لحياته الطبيعية حتى لا يسقط في الكبرياء.

جاء في الذكصولوجية الخاصة بعيده (6 بشنس):

"تشهد عنك بالحقيقة المغائر المظلمة التي سكنت فيها يا أنبا مقار القس، حتى أنك استحققت أن تقف أمام الرب خمسة أيام وخمس ليالٍ وعقلك في السموات، تسبح مع الملائكة والطغمات السماوية وكل مصاف القديسين ممجدًا الثالوث.

أطلب عنا يا أنبا مقار القس وأولاده لابسي الصليب ليغفر لنا خطايانا ".

نفيه ونياحته

نفاه الملك فالنس الأريوسي إلى جزيرة أنس الوجود بأعلى الصعيد مع القديس مقاريوس الكبير حيث نالتهما عذابات كثيرة مدة ثلاث سنوات بناء على أمر الملك. وكان أهل تلك الجزيرة يعبدون الأوثان وكان كاهن هيكل الأصنام محل احترام الجميع وكانت ابنته مصابة بروح نجس، ولما صلى القديسان على الفتاة شُفيت وللحال آمن كثير من أهل الجزيرة، فقاما بهدايتهم إلى الإيمان المسيحي إلى أن عادا إلى مقريهما.

وقد أكمل حياته في سيرة روحانية حتى وصل إلى شيخوخة صالحة وتنيح بسلام سنة 404م. زاره القديس بالاديوس الذي ربطته به صداقة، وجلس بالقرب من باب قلايته قبل نياحته لكي يسمع ماذا يقول، وكان الأنبا مقاريوس عمره مائة سنة.

سمعه وهو وحده يقول: "ماذا تريد أيها الشيخ الشرير مقاريوس؟ ها أنت تشرب خمرًا وتأخذ زيتًا، ماذا تريد أيضًا؟"

وكان يحدث شيطانا قائلاً: "أعندك شيء ضدي؟ لن تجد فيّ شيئا لك؛ اذهب بعيدًا عني".

وكان يحدّث جسده قائلاً: "هيا أيها الجواد الخائن! لا تجبن طالما أنا معك!"

كتاباته

له قوانين كثيرة، طُبعت في باريس سنة 1637م؛ وله رسائل عن نفوس الأبرار بعد الموت، طبعت في سويسرا عام 1696م.

من كلماته

منذ اليوم الذي صرت فيه راهبًا لم أكل خبزًا حتى الشبع، ولم أنم حتى الشبع. وكل الآباء الشجعان لم يمرضوا، لأنهم كانوا يضبطون أجسادهم بحسب القدر المحدود

السنكسار، 6 بشنس.

يوسف حبيب: القديس مكاريس الاسكندري، 1970.

مقاريوس الشهيد

في الثلاثين من هاتور تحتفل الكنيسة بتذكار القديس مقاريوس الشهيد.

السنكسار، 30 هاتور.

مقاريوس الكبير القديس

القديس مقاريوس

(حوالي سنة 300 - 390م) هو مؤسس الرهبنة في برية الاسقيط. تأثر جدًا بالعظيم أنبا أنطونيوس، وقد زاره علي الأقل مرتين.

دعاه المؤرخ سقراط "الإناء المختار"، بينما قال عنه بالاديوس: "تأهل لنوال نعمة الإفراز هكذا حتى رعي الشيخ الشاب، وقد نال موهبة شفاء المرضي ومعرفة أسرار المستقبل".

نفاه الأسقف الأريوسي لوقيوس إلي جزيرة في النيل بناء علي منشور صدر من الإمبراطور فالنس خوله هذا الحق. وكان القديس في سن متأخرة، وقد تنيح بعد عودته إلي البرية بوقتٍ قصيرٍ.

* نشأته وزواجه:

وُلد هذا القديس في شبشير من أعمال منوف من أبوين صالحين بارين، اسم أبيه إبراهيم ولم يكن له ولد. فحدث في إحدى الليالي أن أبصر شخصًا من قِبَل الرب يقول له أن الرب سيرزقه ولدًا يكون ذكره شائعًا في أقطار الأرض ويُرزَق أبناء روحانيين. وبعد زمن رُزِق ولدًا فسماه مقاره أي الطوباوي، وكان مطيعًا لوالديه وقد حلت عليه نعمة الله منذ صغره.

أقيم مقاريوس الشاب المحبوب من الكهنة ومن شعب القرية قارئًا "أغنسطس".

* ولما كملت قامته زوجه والده بغير إرادته فتظاهر بالمرض أيامًا، ثم استسمح أباه أن يمضي إلى البرية لتبديل الهواء فسمح له. فمضى وصلى إلى الرب يسوع أن يساعده على عمل ما يرضيه، فلما صار في البرية أبصر رؤيا كأن كاروبًا ذا ستة أجنحة قد أمسك بيده وأصعده على رأس الجبل وأراه كل البرية شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، وقال له: "يقول لك الله أنه منحك أنت وأولادك هذا الجبل كله لتكرس كل وقتك للعبادة. كثير من القادة يأتون إلي هذه البرية. اسهر وتذكر ما أقوله لك: إن سلكت بكمال أظهر لك وأعلن لك كلمات الله…" وقد قيل أن الكاروب صحبه كل حياته تقريبًا ".

* لما عاد من البرية وجد زوجته قد ماتت وهي بعد عذراء، فشكر السيد المسيح كثيرًا. وبعد ذلك مات أبواه فوزع كل ما خلَّفاه له على المساكين، ورأى أهل شبشير طهره وعفافه فأخذوه إلى أسقف أشمون فرسمه قسًا عليهم، وبنوا له موضعًا خارج البلد وكانوا يأتون إليه ويتقربون منه، وعينوا له خادمًا ليبيع له شغل يديه وقضاء ما يحتاج إليه.

* بعد فترة قصيرة من سيامته كاهنًا ذهب إلى قرية أخري إذ حسب نفسه غير أهل للكهنوت ولتكريم شعبه له. تذكر بعض المخطوطات أنه لم ينل نعمة الكهنوت إلا بعد ذهابه إلي الاسقيط.

* في الإسقيط

لما رأى الشيطان تعاليمه في الفضيلة جلب عليه تجربة شديدة، وذلك أنه أوعز إلى فتاة كانت قد ارتكبت شرًا مع شاب بأن تدَّعي بأن القديس مقاريوس هو الذي أتى معها هذا الشر. فلما علم أهلها بذلك أهانوه وضربوه ضربًا موجعًا فتحمله وهو صامت. ولما داهم الطلق هذه المرأة لتلد لبثت أربعة أيام معذبة ولم تلد حتى اعترفت بكذبها على القديس، وذكرت اسم الشاب الذي أغواها. فلما رأى ذلك أهل الفتاة توجهوا إليه يستغفرونه عما حصل منهم له، فهرب منهم تنكرًا لمجد العالم، وكان له من العمر وقتئذ 30 عامًا، وإذ فكر ألا يعود إلى قلايته ظهر له ملاك الرب وسار معه يومين حتى وصلا إلى وادي النطرون، ثم قال له القديس: "حدد لي يا سيدي مكانًا أسكن فيه"، فأجابه: "لا لئلا تخرج منه فيما بعد فتكون مخالفًا لقول الرب، بل البرية كلها لك فأي موضع أردت أسكن فيه". فسكن في البرية الداخلية حيث الموضع الذي فيه دير القديسين مكسيموس ودوماديوس وهو المعروف الآن بدير البراموس.

* لما ذهب لزيارة القديس أنطونيوس قال عنه حينما رآه: "هذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه"، ثم ألبسه الإسكيم المقدس وعاد مكانه. ولما تكاثرت عنده الأخوة بنى لهم كنيسة وذاع صيته وسمع به الملوك لكثرة العجائب التي كان يعملها. وظهر له ملاك الرب وأتى به إلى رأس الجبل عند البحيرة الغربية المالحة الماء وأعلمه أن يتخذ له هذا المكان مسكنًا، وبنى له قلاية وكنيسة لأن شعبًا كثيرًا سيجيء إليه.

* حبه للوحدة:

أكد القديس مقاريوس أن برية الاسقيط تفقد قيمتها الرهبانية عندما تدخل إليها المدنية. قال: "عندما ترون القلالي اتجهت نحو الريف، اعرفوا أن نهاية الاسقيط قد اقتربت. وعندما ترون أشجارًا فاعلموا أنها علي الأبواب. وإذا رأيتم أطفالاً احملوا ثيابكم الجلدية واهربوا".

* حتى في برية الاسقيط اعتاد القديس مقاريوس أن يهرب من ازدحام الشعب. ويخبرنا بالاديوس أنه حفر سردابًا تحت الأرض يمتد من قلايته إلي حوالي نصف ميل وينتهي بمغارة صغيرة. فإذا ما جاءت إليه جموع كثيرة يترك قلايته سرًا إلي المغارة فلا يجده أحد. وقد أخبرنا أحد تلاميذه الغيورين أنه اعتاد أن يتلو 24 صلاة في طريقه إلى المغارة و24 صلاة في العودة.

* رجل الحب

اكتشف القديس مقاريوس أن الفهم الحقيقي للتوحد ليس هو مجرد العزلة عن البشر، بل هو الرغبة الصادقة للاتحاد مع الله محب البشر. المتوحد الحقيقي يهرب بالجسد عن البشر لكنه عمليًا يحب كل إنسان.

* كان روح الحب والحنو يسود بين رهبانه كانعكاس لحب القديس لهم. وقد روي لنا روفينوس قصة عنقود العنب الذي قُدم للقديس فقدمها بدوره لراهبٍ مريضٍ، وعبر هذا العنقود من راهبٍ إلى آخر في كل القلالي دون أن يمسه أحد منهم ليقدمه للغير.

* عُرف القديس بسمته الخاصة بستر الخطايا فقيل عنه: "صار إلهًا علي الأرض، فكما أن الله يحمي العالم ويحتمل خطايا الناس هكذا كان الأب مقاريوس يستر الأخطاء التي رآها أو سمعها كأنه لم يرَ أو يسمع شيئا".

* بحبه كسب وثنيين للإيمان، فقد جاء عنه أنه إذ كان ذاهبًا من الاسقيط إلي نتريا مع تلميذه سبقه التلميذ الذي التقي بكاهن للأوثان كان يجري. فقال له التلميذ: "إلي أين أنت تجري أيها الشيطان؟" فاستدار الكاهن وصار يضربه حتى تركه بين حي وميت. وإذ التقي بالقديس مقاريوس مدحه القديس: "لتصحبك المعونة يا رجل النشاط". دُهش الكاهن ونُخس قلبه ولم يترك القديس مقاريوس حتى جعله راهبًا.

* ذات يوم ذهب الأب مكاريوس ليقطع الخوص، وكان الأخوة معه. فقالوا له في اليوم الأول: هلمّ وكل معنا يا أبانا،. فمضى وأكل. وفي اليوم التالي طلبوا منه أن يأكل معهم أيضًا. فأبى أن يأكل، وقال لهم: "أنتم تحتاجون إلى الطعام يا أولادي، لأنكم ما تزالون جسدًا، لكن أنا لا أريد أن آكل الآن".

* زار الأب مكاريوس الأب باخوميوس الطابنسيني، فسأله باخوميوس: عندما يكون عندنا اخوة بطّالون، هل يحسن أن نعاقبهم؟ أجابه الأب مكاريوس: عاقب واحكم بعدل من هم تحت أمرك، لكن لا تدن أحدًا من خارج، لأنه قد كتب: "أنتم ألا تدينون الذين هم من داخل، أما الذين من خارج، فالرب يدينهم؟" (1 كور12: 5).

* كان الأب مقاريوس يزوره أجد الاخوة يوميًا لمدة أربعة أشهر. فلم يجده ولا مرة قد فرغ من الصلاة، فتعجب وقال له: أنت ملاك أرضي حقًا.

* مواهبه:

تشير الأبوفثجماتا باتريم "أقوال الآباء" إلى صراعه ضد الشياطين. كما روى لنا بالاديوس عن إقامته ميتًا لكي يهدي هرطوقيًا لا يؤمن بقيامة الأجساد. ونال موهبة صنع المعجزات.

* القديس مقاريوس والمرأتان:

طلب يومًا من الرب أن يريه من يضاهيه في سيرته، فجاءه صوت من السماء قائلاً: "إنك إلى الآن لم تبلغ ما بلغت إليه امرأتان في مدينة الإسكندرية"، وسأل حتى وصل إلى منزلهما، فلما دخل رحبتا به وغسلتا قدميه، ولما استعلم منهما عن سيرتهما قالت له إحداهما: "لم تكن بيننا قرابة جسدية، ولما تزوجنا هذين الأخوين طلبنا منهما أن يتركانا لنترهَّب، ولما لم يسمحا لنا عاهدنا أنفسنا أن نقضي حياتنا بالصوم إلى المساء والصلاة الكثيرة. وقد رُزِقت كلٍّ منا بولد، متى بكى أحدهما تحضنه الواحدة وترضعه حتى وإن لم يكن ولدها، ونحن في عيشة واحدة ووحدة الرأي رائدنا واتحاد القلوب غايتنا، وعمل زوجينا رعاية الغنم ونحن فقراء ونكتفي بقوت يومنا وما يتبقى نوزعه على المساكين". فحينما سمع القديس هذا الكلام هتف قائلاً: "حقًا إن الله ينظر إلى استعداد القلوب ويمنح نعمة روحه القدوس لجميع الذين يريدون أن يعبدوه"، ثم ودعهما وانصرف راجعًا إلى البرية.

* كان بأوسيم راهب قد أضل قومًا بقوله أنه لا قيامة للأموات، فحضر إلى القديس مقاريوس أسقف أوسيم وشكا إليه أمر هذا الراهب، فذهب إليه ولم يزل به حتى أرجعه عن ضلاله.

* نياحته:

في يوم نياحته رأى القديسين أنطونيوس وباخوميوس وجماعة من القديسين والملائكة، وأسلم الروح بالغًا من العمر سبعًا وتسعين سنة وكان ذلك في اليوم السابع والعشرين من برمهات سنة 392 م، وكان قد أوصى تلاميذه أن يخفوا جسده، فأتى قوم من أهل شبشير وسرقوا جسده وبنوا له كنيسة وضعوه نيف ومائة وستين سنة إلى ثم أرجعوه إلى ديره.

* من أقواله:

+ إن كنت وأنت تنتهر أحدًا يتحرك فيك الغضب، فأنت تشبع هواك، ففي خلاص أخيك لا تخسر نفسك.

+ إن احتفظنا بتذكر الأخطاء التي ارتكبها الناس ضدنا، فإننا نحطم القدرة علي تذكر الله.

+ إن طول الروح هو الصبر... والصبر هو الغلبة... والغلبة هي الحياة... والحياة هي الملكوت... والملكوت هو الله.

+ البئر عميقة، ولكن ماءها طيّب عذب. الباب ضيّق، والطريق كَرِبَة، ولكن المدينة مملوءة فرحًا وسرورًا. البرج شامخ حصين ولكن داخله كنـــوز جليلة. الصوم ثقيل صعب، ولكنه يوصِّل إلى ملكوت السموات. فعل الصلاح عسير شاق، ولكنه ينجِّي من النار برحمة ربنا الذي له المجد.

القمص تادرس يعقوب ملطي: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة نسك، 1986.

مقاريوس الليبي الشهيد

نشأ في إحدى الخمس مدن الغربية، ولما بلغ سن الشباب اشتاق أن ينال بركة زيارة الكنيسة المرقسية في الإسكندرية التي تحوي رأس القديس مار مرقس الرسول، وقد منحه الله أن يحقق اشتياقه.

كان يتميز بالغيرة في معاونة اخوته الواقعين تحت عذاب الاضطهاد الروماني وبالبسالة في تقوية عزائمهم وتدعيم إيمانهم، وكان فوق ذلك نموذجًا حيًا لما يجهر به من التعاليم المسيحية. فكان معاصروه مثل البابا ديونسيوس السكندري يطوِّبونه أثناء حياته متخذين من اسمه وسيلة لهذا التطويب، فكانوا يقولون أن اسمه معناه "المُطَوَّب" وهو ينطبق عليه وعلى أفعاله. وكانت هذه المميزات سببًا في جعله هدفًا لغضب المُضطَهِدين، فأصدروا أمرًا بالقبض عليه.

حاول القاضي المرة بعد المرة أن يقنعه بالتبخير للآلهة بدلاً من تعريض حياته للضياع، ولكن القديس ظل ثابتًا على ولائه للسيد المسيح. فلما وجد القاضي أن كل محاولاته ضاعت سدى أمر بإحراقه، فنال إكليل الاستشهاد سنة 250 م.

السنكسار الأمين، 4 هاتور.

مقاريوس ماغنس

ربما من رجال بدء القرن الخامس، وهو أحد المدافعين ربما كان أسقفاً لمغناسيا Magnesia. هو واضع العمل Apocritius، وهو عبارة عن ديالوج بين وثني ومسيحي. يحوى مادة من عمل بروفري المفقود، أحد قادة الأفلاطونية الحديثة الذي هاجم الإيمان المسيحي خاصة الكتاب المقدس.

E. Ferguson: Encyclopedia of the Early Church.

مقدم ابن ملك الهاشمي الشهيد

إهانة الأسرار المقدسة

كان ببغداد إنسان يدعى مقدم ابن ملك ويعرف بالهاشمي، ولم يكن يهتم قط بشيء من أمور المملكة سوى أنه كان يركب في كل يوم ومعه الجند ويرصد كنائس النصارى في وقت القداس، فيدخلها راكبًا ويأمر بأخذ القربان من على الهيكل ويكسروه ويخلطوه بالتراب ويقلب الكأس، وكل ما فعل ذلك في كنيسة مضى إلى أخرى وفعل فيها ذلك، حتى كادت بغداد تخلو كنائسها من القداسات وامتنع أكثر الكهنة عن القداس خوفًا من هذا.

كانت معونة الله تجذبه ولا يدري، فلما كان في بعض الأيام دخل إلى كنيسة كعادته، ففتح الله عينيه فأبصر في صينية القربان طفلاً جميلاً نبيلاً، وفي وقت القسمة أبصر الكاهن وقد ذبحه وصفى دمه في الكأس وفصل لحمه قطعة قطعة في الصينية، فبُهِت الهاشمي ولم يستطع الحركة. ثم خرج الكاهن يقرب الشعب باللحم وكأس الدم وهو ينظرهم، فتعجب وقال لجنده: "ألا تروا ما هذا الذي فعله؟" وكان يقصد بذلك الكاهن، فقالوا له: "نحن نراه"، قال لهم: "نصبر لهذا؟ هل يأخذ طفلاً يذبحه ويقسم لحمه على هذا الجمع العظيم ويسقيهم من دمه؟" قالوا له: "الله يوفقك يا سيدنا ما نرى نحن إلا خبزًا وخمرًا". فزاد خوفه وتعجبه، وبقي الشعب متعجبين لوقوفه باهتًا ولم يفعل بالقربان ما جرت به عادته. فلما فرغ الكاهن وخرج الناس استدعاه وقال له ما رآه، فقال له: "يا سيدنا ما هو إلا خبز وخمر". فلما علم أن هذا السرّ ما ظهر إلا له فقط، قال له: "أريد أن تُعرِّفني سرّ هذا القربان وبدايته".

عرَّفه الكاهن كيف أسس المسيح الإفخارستيا، ثم قال له: "إنما الله أظهر لك هذا السرّ الخفي الحقيقي المقدس خلاصًا لنفسك". ثم أخذ يقرأ عليه كتب الكنيسة وبيَّن له الأسرار حتى طاب قلبه لاعتناق المسيحية، فأمر أصحابه بالانصراف وبات هناك مع الكاهن وعمده بالليل وصار نصرانيًا.

استشهاده

لما كان الغد أتاه أصحابه بالدابة فطردهم ولم يكلمهم، وإذ علموا الخبر مضوا إلى أبيه وأعلموه بما كان، فأحضره بالقوة وحاول معه باللين والتخويف كي يرجع فأبَى، عند ذلك أسلمه للعذاب، فعُذِب عذابًا شديدًا فلم يرجع عن أمانته، فقُطِعت رأسه بالسيف على اسم السيد المسيح وتمت شهادته، وقد كرَّم مسيحيو بغداد جسده وبنوا عليه كنيسة عُرِفت باسم كنيسة الهاشمي.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 109.

مقدونيوس القديس

عاش هذا الراهب السرياني أربعين سنة على الشعير المبلل بالماء، وعندما وجد أن صحته قد اعتلَّت بدأ في أكل الخبز مؤمنًا أنه ليس من حقه أن يهمل في حياته. وقد نقل هذا الرأي أيضًا للأم ثيؤدورا Theodora مقنعًا إياها أنه في الأوقات التي تشعر فيها بضعف صحتها عليها باستخدام الطعام المناسب الصحيح كنوعٍ من العلاج. وقد روت الأم ثيؤدورا عن القديس مقدونيوس قصصًا ومعجزات شفاء كثيرة كان من بينها شفاء أمه ذاتها، وذلك باستخدام الماء بعد رشمه بعلامة الصليب.

كان مولد القديس مقدونيوس بمعجزة نتيجة لصلوات قديس ناسك بعد أن ظلت أمه ثلاث عشرة سنة بدون إنجاب، وقد تنيح سنة 430 م وهو في التسعين من عمره.

Butler, January 24.

مقروفيوس القديس

تركه الولاية وانضمامه هو واخوته للرهبنة

هو ابن حاكم مدينة قاو، ولما كان الأنبا ساويرس الإنطاكي يجول في أنحاء الصعيد ووصل إلى مدينة قاو، كان مقروفيوس قائمًا بخدمته وصَحِبه في رحلته إلى دير القديس موسى القريب من العرابة المدفونة. هناك رأى مقروفيوس في قداسة الرهبان ونسكهم وتقشفهم فطلب من الأنبا موسى أن يرهبنه، فبين له شظف العيشة الرهبانية وأتعابها ولاسيما وأنه قد تربى في الدلال وأن الذي يرقد على الحرير لا يستطيع العيشة الخشنة. ولما رأى الأنبا موسى من مقروفيوس ثبات العزم طلب منه أولاً أن يتخلى عن وظيفته التي كان يتولاها بعد أبيه وأن يترك ممتلكاته، فذهب إلى بَلَدِه قاو وعين أخاه مكانه ورجع ولبس ثوب الرهبنة. ولما علم اخوته الثلاثة بولس وإيلياس ويوسف بما عمله أخوهم حضروا إليه وترهبنوا على يد الأنبا موسى.

انشاء أديرة للرهبان وأخرى للراهبات

شيّد الأنبا مقروفيوس جملة أديرة واجتمع عنده حوالي ألف راهبٍ، كما بنى أديرة للراهبات بلغ عددهن ألفًا أيضًا. وقد استخدم أمواله في بناء كثير من الأماكن للضعفاء الذين لم يترهبنوا، وكان يعول آلاف النفوس التي تلجأ إليه، ثم أرسل إلى الأنبا موسى طالبًا إرسال اخوة ليرهبنوا الذين اجتمعوا عنده فحضروا ورهبنوهم. وأتى إليه قوم مسيحيون من مدينة أسيوط وشطب والبلاد المجاورة وقدموا له هدايا كثيرة وأموالاً جزيلة مساعدة في بناء الكنائس والأديرة فقبلها منهم وباركهم. وتعالى الأنبا مقروفيوس في الفضيلة وتزايد في النسك وتقديم الصدقات للضعفاء والمحتاجين والأرامل والأيتام وكانت صدقاته من ماله الخاص لا من النذور.

موهبة الشفاء

وهب الله مقروفيوس موهبة الشفاء، فكانوا يحضرون إليه المرضى بكل نوع فيشفيهم بقدرة الله وحسب إيمانهم. سمع به الأب البطريرك ثيؤدوسيوس فكتب إليه يمتدحه ويشجعه على الثبات في الفضيلة والنسك ومحبة الغرباء ثم يستدعيه ليتبارك منه شعب الإسكندرية. ولما حضر إليه فرح به البطريرك ودعا شعب الإسكندرية لنوال البركة منه ثم رسمه قسًا.

عاد مقروفيوس إلى حيث أديرته فتلقاه أهل أسيوط وشطب وسرجة والبلينا بالتراتيل حتى وصلوا ديره. وقد جرت على يديه جملة معجزات، ولما أكمل جهاده الصالح تنيح بسلام واجتمع حوله عدد غفير من أهل أسيوط وشطب وسرجة وأبي تيج وقاو والمدن المجاورة، وكفنه أخوه الأنبا يوساب الذي عين خلفًا له في تدبير الأديرة.

ظهور جسده

قد كان ظهور جسده في اليوم السابع من شهر طوبة بعد نياحته بسبعمائة وثلاث وثلاثين سنة على يد الشماس لوس التلاوي خادم كنيسة ديره في أيام الأنبا يوساب أسقف أخميم والأرخن اسحق كاتب الأمير عز الدين الحموي، فتولى أسقف أخميم إخراج الجسد من مقبرته بالجبل ونزل به إلى كنيسة الدير وهناك دفنوه بالتراتيل والتسابيح.

السنكسار، 7 برمودة.

مكاريوس أسقف أورشليم القديس

دوره في اكتشاف الصليب المجيد

محفوظ في تاريخ يوسابيوس الخطاب الذي كتبه الملك قسطنطين إلى مكاريوس أسقف أورشليم يأتمنه على بناء كنيسة في الموضع التي اكتشفت فيه الملكة هيلانة صليب السيد المسيح، وحمله مسئولية التصميم واختيار العمال والأدوات، وقد عاش القديس حتى أتمَّ بناء الكاتدرائية التي تعهدها.

نعلم من شهادة القديس أثناسيوس عنه أن مكاريوس كان رجلاً مخلصًا ومستقيمًا مملوءً من الروح الرسولي الحقيقي، وقد خلف الأسقف هرمون Hermon سنة 314م على كرسي أورشليم في الوقت الذي بدأت بدعة أريوس تهدد فيه الكنيسة. ونعلم من شهادة القديس أثناسيوس الرسولي أيضًا أنه قد أثبت أنه بطل من أبطال الإيمان وكان على رأس الأساقفة الفلسطينيين الذين حضروا مجمع نيقية.

بحسب التقليد فإن مكاريوس لم يحضر فقط اكتشاف الصليب المجيد بل أنه ساعد فعلاً في اكتشافه. فحين قاموا بالحفريات واكتشفوا الثلاثة صلبان ولم يستطيعوا تمييز صليب السيد المسيح من بينها، كان في أورشليم امرأة مريضة على فراش الموت وكان مكاريوس أسقف المدينة وقتها، وحين رأى الملكة هيلانة والآخرين واقفين بجانبه قال لهم: "احضروا الصلبان الثلاثة والرب سوف يكشف لنا صليبه". دخل إلى المرأة المريضة وركع مصليًا: "إلهي الذي من خلال ابنك ألهمت قلوب عبيدك لاكتشاف الخشبة المقدسة التي بها خلاصنا، أرنا أيهم هو صليبك الذي به خلصت عبيدك، فحين يلمس هذه المرأة أعطها الشفاء وأنقذها من الموت". حين أنهى صلاته لمسها بالصليب الأول ولكن شيئًا لم يحدث، فلمسها بالثاني وأيضًا لم يحدث شئ، وأخيرًا حين لمسها بالثالث استعادت قوتها.

بناء كنيسة الصليب المقدس

في الحال وبدأت تمجد الله وأخذت تجري في البيت بمنتهى القوة أكثر من ذي قبل. وحين تحققت الملكة من الصليب أمرت ببناء كنيسة عظيمة في المكان الذي وجدت فيه الصلبان، وانتهى بنائها يوم 13 سبتمبر سنة 335م، وهي نفس السنة التي تنيح فيها القديس مكاريوس بعد أن أشرف على بناء الكنيسة حتى النهاية.

Butler, March 10.

مكاريوس الأول البابا التاسع والخمسون

وُلد في قرية اسمها شبرا بالقرب من الإسكندرية، إلا أنه كان قد هجر منزل أبويه لينعم بسكون الصحراء فترهب بدير الأنبا مقاريوس الكبير باسم الراهب مكاري. وذاع عنه انه راهب شديد التقشف كثير التأمل وقد قربته هذه الصفات إلى قلوب جميع من عرفوه. وحين تنيح البابا قزما الثالث سنة 923 م اتفقت كلمة الجميع على رسامته بطريركًا، ومن ثَمَّ قصد مندوبو الأساقفة والأراخنة إلى دير القديس مقاريوس الكبير وأمسكوه وأخذوه إلى الإسكندرية حيث تمت رسامته سنة 923م (639ش).

زيارات رعوية

كان أول عمل قام به هو رحلة رعوية ليفتقد شعبه ويعرف أحوالهم بنفسه، وفي أثناء هذه الرحلة مر بشبرا مسقط رأسه وقصد إلى البيت الذي قضى فيه طفولته، وحدث أن أمه كانت في تلك الساعة جالسة أمام الباب تغزل فحياها وردت هي التحية عليه دون أن ترفع نظرها نحوه. فقال لها: "سلام لك يا أمي، ألا تعرفين من أنا؟ إنني ابنك وقد تركتك لأقضي حياتي في الدير راهبًا متعبدًا، لكن النعمة الإلهية قد منحتني أن أكون خليفة لمار مرقس كاروزنا الحبيب". وعندها رفعت أمه عينيها إليه فإذا بدموعها تنهمر كالسيل على خديها، فانزعج وسألها: "ماذا بكِ يا أماه؟" أجابته: "إن الكرامة التي نلتها كرامة عظمى حقًا ولكن مسئولياتها غاية في الخطورة. فأنت كنت مسئولاً عن نفسك فحسب حين كنت راهبًا بسيطًا في الدير، أما الآن وقد جلست على كرسي مار مرقس فقد أصبحت مسئولاً عن شعب الكرازة المرقسية. لهذا لا يسعني إلا أن أبكي ضارعة إلى الله تعالى الذي ائتمنك على هذه الوديعة أن يغمرك بنعمة فيمكنك من القيام بمسئولياتك الجسام". واهتز الأنبا مكاريوس حتى الأعماق لكلمات أمه إذ تجلت أمامه حقيقتها، فقضى حياته يعلم الشعب ويحثه على مداومة قراءة الأسفار الإلهية وتعاليم الآباء.

في عهده تولى واليًا جديدًا على مصر هو الأخشيد الذي وصلها في أغسطس سنة 935م (651ش)، وكانت مصر قد بلغت إذ ذاك حالة من الفوضى والارتباك بسبب اشتداد المنافسة بين الأمراء وما تسبب فيه جنودهم من السلب والنهب والقتل دون رحمة ولا تروٍ، فأعاد الأخشيد هدوءها واستقرارها ورخاءها وثبت قواعد النظام خلال الإحدى عشرة سنة التي تولى فيها الأمور.

اهتمامه بالتعمير

قام البابا خلال فترة الاستقرار التي مرت بها البلاد بزيارة رعوية ثانية، قام فيها أيضًا بزيارة برية شيهيت وقضى فيها بضعة أسابيع، وقد تهلل قلبه إذ وجد عدد الرهبان يتزايد رغم الأحداث والضيقات. ولم يعكر عليه صفوه غير شعوره بما يقاسيه الشيوخ الساكنون في دير الأنبا يحنس كامي من تعب لاضطرارهم إلى الذهاب للصلاة في دير الأنبا يوأنس القصير إذ لم يكن في ديرهم كنيسة، فقرر لساعته أن يبني لهم واحدة في ديرهم وبدأ بالعمل فورًا. وبينما كان العمل جاريًا عاد إلى مقر رياسته ليحتفل بصلوات عيد الغطاس المجيد، وما أن انتهى من الاحتفالات حتى عاد إلى شيهيت ثانية ليكرس كنيسة دير الأنبا يوأنس كامي.

لما رأى البابا السكندري السلام منتشرًا في مصر انشغل في بناء عدة كنائس. وقد قضى الأنبا مكاريوس في رعاية الشعب عشرين سنة جاهد خلالها الجهاد الحسن لأنه لم ينس قط كلمات أمه ودموعها التي استقبلته بها في مستهل باباويته.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثاني صفحة 486.

مكاريوس الثاني البابا التاسع والستون

كان راهبًا بدير القديس مقاريوس ورُسِم بطريركًا سنة 1102م، ورغم جلوسه على كرسي مار مرقس نحو ستة وعشرين سنة إلا أن هذه المدة لم يحدث فيها ما يستحق الذكر سوى أمرين:

أولاً: بعد أن خلا كرسي مصر، يبدو أن هذا البطريرك طمع في ضم أسقفية مصر إليه ولا يقيم أسقفًا عليها، فاجتمع أراخنة مصر وقالوا: "كما أنه لا يجوز لنصراني أن يكون له زوجتين كذلك لا يجوز أن يكون لأسقف كرسيين، والأنبا مكاريوس هو أسقف مدينة الإسكندرية فكيف يمكن أن يكون له أسقفية مصر؟" وأخذوا يفكرون فيمن يصلح للأسقفية لهذا الكرسي الذي كان يعتبر تاليًا للبطريرك، ثم اختاروا أربعة كان أولهم مرقورة الحبي بابيار، ثم أقاموا قداسًا إلهيًا وعملوا قرعة بين هؤلاء الأربعة وتقدم صبي شماس وأخذ من الرقاع واحدة وكانت باسم يوأنس بن سنهوت، وعملوا محضرًا بذلك وأرسلوه للبطريرك ومعه رسالة من الشعب، وهكذا تمت رسامة أسقف لمصر. وهذه القصة توضح حق الشعب في اختيار أسقفهم وتفهم الآباء البطاركة لهذا الأمر.

ثانيا: في عهده هاجمت أول حملة صليبية البلاد المصرية، فقد اتجه بولدوين Boldwin ملك مملكة بيت المقدس اللاتينية إلى البلاد المصرية لغزوها وكان ذلك سنة 1117م ووصل إلى الفرما وفتك بأهلها بلا أدنى تمييز بين مسلمٍ ومسيحيٍ وأشعل النار فيها، واستمر في زحفه حتى وصل إلى تانيس لكنه اضطر إلى العودة بعد أن مَرِض مَرَض الموت. ولم يحاول المصريون الانتقام من ذلك الهجوم ووقفوا موقفًا سلبيًا حتى نهاية الخلافة الفاطمية.

مما يذكر أن الوزير الأفضل لقي حتفه أواخر سنة 1121م مقتولاً بتدبير الخليفة الفاطمي الآمر. ولا شك أن الأفضل كان إنسانًا حكيمًا أحسن معاملة الأقباط لكن غيرة الخليفة من نفوذ وزيره قادته إلى هذه الجريمة الشنعاء. ويُذكر أن عن الخليفة الآمر أنه كان يتردد على دير نهيا بجوار الجيزة ويقضي فيه بضعة أيام، وكان في كل مرة يزور الدير يمنح رهبانه ألف درهم، أما في زيارته الأولى فقد أوقف عليه ثلاثين فدانًا لا يدفعون عنها مالاً، وبلغ جملة ما قدمه للدير أكثر من ثلاثين ألف درهم.

وقد تنيح البابا مكاريوس في سنة 1128م.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 142.

مكاريوس الثالث البابا المائة والرابع عشر

زهده

وُلد في المحلة الكبرى سنة 1872م وترهب بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون تحت اسم الراهب عبد المسيح سنة 1888م ورُسِم قسًا سنة 1892م. وفي سنة 1895م استدعاه الأنبا كيرلس الخامس ورسمه قمصًا وعينه سكرتيرًا خاصًا له، ثم رُسِم مطرانًا لأسيوط سنة 1897 م باسم الأنبا مكاريوس.

قد كان على جانب كبير من الزهد والتقشف، بل لقد بلغ به الزهد حدًا جعله يحتاج في الكثير من الأيام إلى المال الذي يشتري به القوت الضروري لأنه كان يوزع ما يأتيه من التقدمات على إنشاء المدارس والكنائس وعلى الفقراء. وفي سنة 1911م دعا الأنبا مكاريوس إلى عقد مؤتمر قبطي في أسيوط للإصلاح الكنسي، كما قدم للبابا كيرلس الخامس سنة 1920م رسالة عن المطالب الإصلاحية.

تم تنصيبه بطريركًا سنة 1944م بعد نياحة البابا يوأنس التاسع عشر.

خلاف بين البابا والمجلس الملّي

في أيامه حدث خلاف بين البابا والمجلس الملّي اضطر البابا في هجر العاصمة والاعتكاف بحلوان ثم في دير الأنبا بولا، وقد تدخلت الحكومة وطالبت المجلس الملّي بالعمل على عودة البابا، فعاد واستمر النزاع حتى تنيح البابا في 31 أغسطس سنة 1945م.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 410.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب السادس (أ) صفحة 140 وصفحة 174.

مكاريوس القديس

القتل خطأ

لما كان شابًا في الثامنة عشرة من عمره وكان يرعى الغنم بالقرب من بحيرة مريوط، قتل إنسانًا خطأ دون قصد منه، ففر هاربًا إلى الصحراء حيث ترهب في خوف الله. وقضى ثلاثة أعوام في العراء دون سقف يظلله رغم حرارة الشمس صيفًا وبرد الجو شتاءً، ثم بنى له قلاية مكث فيها خمسة وعشرين عامًا. وأعطاه الله نعمة السلام الداخلي فكان سعيدًا بعشرته مع الرب.

سُئِل مرة: "هل تفكر بعد في تلك الخطية (القتل الخطأ)؟" فأجاب بأنه لم يعد يتضايق من ذكرها، وأضاف قائلاً: "لأن هذه الخطية قد عرفتني طريق الفادي المسيح، والكتاب المقدس به الكثير من الشواهد على قبول الله للخطاة. فموسى النبي لم يؤَهَل للنعمة والظهور الإلهي في سيناء إلا بعد هروبه بعد قتل المصري خطأ، وتقديمه توبة لله". وكان يقول: "نحن نذكر ذلك لكي نعرف أن الله يغفر الخطية حينما يتوب الخاطئ مهما كانت جريمته".

نياحته وهو يصلي

كان مكاريوس يصلي دائمًا وهو يضع ذراعيه فوق بعضهما على مثال الصليب. ولما قرب موعد رحيله من العالم بعد مرض طويل، مد ذراعيه هكذا وصلى، فتقدم إليه أحدهم وانتظر طويلاً لعله يفرغ من صلاته، ثم خاطبه قائلاً: "يا سيدي المبارك" فلم يجبه بكلمة، فوجده قد فارق الحياة وهو راكع ويداه مبسوطتان على شكل صليب، ولم يستطع الاخوة أن يجعلانهما على جانبيه، فحفروا له قبرًا على شكل صليب.

بستان القديسين، صفحة 21.

مكاريوس بن باسيليدس الشهيد

هو أحد أفراد عائلة بعثت للسماء أبطالاً في الإيمان كثيرين مثل باسيليدس وزير الإمبراطور نوماريوس وبقطر بن رومانوس وأبادير وإيريني ويسطس بن رومانوس وثاؤكليا وأبالي وأقلاديوس وهو أحد أقرباء دقلديانوس نفسه.

ترك قصر دقلديانوس فغضب عليه وأرسله في صحبة بعض الجنود إلى الإسكندرية ليعذب ويُقتَل هناك. ودع أمه بإنطاكية ووصل إلى الإسكندرية وبقي محبوسًا بها بعض الوقت، ثم مثل أمام أرمانيوس واليها واعترف الاعتراف الحسن بمسيحه، ووبخ الوالي على عبادته للأصنام بشجاعة إنجيلية فأمر الوالي بتعذيبه. قيدوه بالسلاسل، وبتروا أصابعه ووضعوا عليها خلاً، ودحرجوه على مسامير حديد محماة بالنار، وصبوا فوق رأسه قارًا مغليًا حتى غشي عليه. لكن الرب أقامه معافى صحيحًا بعد أن رأى السيد المسيح في رؤيا وحوله جمهرة من القديسين أخذوا يعزون القديس. اندهش الوالي للأمر وأمر بمزيد من العذابات، فوضعوا سيخين محميين بالنار في حنجرته.

أرسله أرمانيوس إلى مدينة بشاتي، وفي الطريق مات أحد الجنود بعد أن صدمته عربة الوالي، فصلَّى مكاريوس وبقوة الرب أقامه حيًا، فآمن ذلك الجندي بل آمنت مدينة بشاتي كلها بالمسيح. سقوه سمًا مزجه له ساحر ماهر فلم يؤذه، وهكذا بعد عذابات كثيرة أكمل جهاده الحسن في مدينة شطانوف بعد أن قُطِعت رأسه بحد السيف.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 123.

مكراوي الأسقف الشهيد

اضطهاده

كان هذا الأب من أكابر أهل أشمون جريس ورُسِم أسقفًا على نقيوس. وحدث أن ثار الاضطهاد على المسيحيين فاستدعاه يوفانيوس الوالي للمثول بين يديه. وقبل أن يذهب إليه دخل إلى المذبح المقدس ورفع يديه وصلى، ثم وضع أواني المذبح وبدلة التقديس في مكان من الهيكل وصلي ثانية إلى السيد المسيح أن يحرس كنيسته، ثم توجه مع الرسل إلى الوالي الذي إذ تقصَّى منه عن اسمه ومدينته وعلم أنه أسقف المدينة، أمر أن يُضرَب ويهان، وأن يذاب جير في خل ويصب في حلقه، ففعلوا به ذلك ومع هذا فقد حفظه الله ولم ينله أذى.

أمام أرمانيوس والي الإسكندرية

أرسله هذا الوالي إلى أرمانيوس والي الإسكندرية، وهذا أودعه في السجن، فأجرى الله على يديه آيات كثيرة منها أن أوخارسطوس بن يوليوس الأقفهصي كاتب سِيَر الشهداء كان مصابًا بالفالج، فصلَّى عليه هذا القديس فشفاه الله بصلاته وقدَّس في بيت يوليوس وناولهم واتفق معه أن يهتم بجسده ويكتب سيرته. بلغ إلى مسامع أرمانيوس ما يعمله هذا القديس من الآيات فأمر أن يُعَذَّب بأنواع العذابات بأن يُعصَر وتبتر أعضاؤه ويُلقَى للأسود الضارية ويغرق في البحر ويوضع في أتون النار، ولكن الرب كان يقويه فلم تؤذه تلك العذابات. كان لهذا القديس أخت عذراء تقوم بخدمة الكنيسة تدعى مريم وشقيقان يدعى أحدهما يوأنس والآخر اسحق، فحضروا جميعًا إليه وهو في السجن وبكوا أمامه قائلين: "لقد كنت لنا أبًا بعد أبينا فكيف تمضي وتتركنا أيتامًا؟" فعزاهم وشجعهم وواساهم وطلب إليهم أن يمضوا بسلام. وأخيرًا أشار يوليوس الاقفهصي على الوالي قائلاً: "أُكتُب قضية هذا الشيخ تسترِح منه"، فسمع لقوله وأمر بقطع رأسه.

دفنه في أشمون جريس

فأخذ يوليوس جسده ولفه في لفائف فاخرة مذهبة ووضع صليبًا من ذهب على صدره وأرسله في سفينة صحبة غلمانه إلى مقر كرسيه في نقيوس. فسارت السفينة حتى وصلت بلدة أشمون جريس ووقفت دون أن تتحرك كما لو كانت مربوطة بسلاسل وعبثًا حاولوا تحريكها، وبينما هم كذلك إذا بصوت يخرج من الجسد قائلاً: "هذا هو الموضع الذي سر الرب أن يوضع جسدي فيه". وقد أعلموا أهل البلد بذلك، فخرجوا حاملين سعف النخل وحملوه بإكرام عظيم إلى بلدهم. وكانت جملة حياته مائه وواحد وثلاثين سنة، منها ثلاثين سنه قسًا، وتسع وثلاثون سنة أسقفًا، وأكمل جهاده الحسن ونال إكليل الحياة، بركة صلاته تكون معنا آمين. السنكسار، 2 برمهات.

مكدونيوس أو مقدونيوس المبتدع

أريوسي في البداية

كان من الأريوسيين الذين تمكنوا بنفوذهم عند قسطنس أن يرسموه بطريركًا لكرسي القسطنطينية سنة 343، فدخل المدينة محفوفًا بالجنود وثار شغب بين المؤمنين والأريوسيين، قتل فيه كثيرون. وكان مقدونيوس يضطهد أتباع بولس البطريرك الشرعي المعزول وقيل أنه أرسل فخنقه. وفيما بعد غضب عليه قسطنس لأنه نقل جثمان أبيه قسطنطين من مدفن إلى آخر، فأمر بطرده من كرسيه سنة 360م.

عدو الروح القدس

إذ كان بطريركًا لم يكن يعلم إلا تعليم أريوس إلا أنه لما عزل أراد أن يكون مبتدعًا بدعة جديدة. وكان المبتدعون الذين سبقوه قد أنكروا لاهوت الآب ولاهوت الابن، فأراد أن ينكر لاهوت الروح القدس فادعى أن الروح القدس عمل إلهي منتشر في الكون وليس بأقنوم متميز عن الآب والابن، واعتبره أنه مخلوق يشبه الملائكة ذو رتبة أسمى منهم. أخذ يبث ضلاله في كثيرين وكان قد نفي إلى مكان يدعى بيلي فشاخ هناك وعأجلته نقمة الله إلا أن بدعته استمرت بعد موته، وكان أخص القائمين بنشرها تلميذه مارانتينو أسقف نيقوميدية وامتدت بدعته في أديرة كثيرة للرهبان وانتشرت في تراقيا وبيثينية وكان العامة يدعون أتباع مقدونيوس "أعداء الروح القدس".

لما رجع البابا أثناسيوس الرسولي من منفاه إلى كرسيه سنة 362 عقد مجمعًا بالإسكندرية شجب فيه هذه البدعة وتبعه بعض الأساقفة فشجبوها. ولما وصل خبرها إلى مسامع الإمبراطور ثيؤدوسيوس أمر بعقد مجمع القسطنطينية سنة 381 اجتمع فيه 150 أسقفًا فحكموا على مقدونيوس وقضى المجمع بسلطانه على تلك البدعة.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 251.

مكسيموس الأسقف المعترف

أسقف أورشليم

الأربعون من سلسلة أساقفة أورشليم بعد الآباء الرسل، جلس على كرسي الأسقفية بعد نياحة سلفه الأسقف مكاريوس سنة 336م. وقد كان من بين المعترفين إذ يقال أنه احتمل التعذيب من أجل الإيمان في زمن اضطهاد ماكسيميان Maximian، ونتيجة لهذا التعذيب تشوه جسده، إذ فقد إحدى عينيه وتقطعت أربطة أحد ذراعيه وإحدى رجليه بينما كان يخدم ككاهن في كنيسة أورشليم.

يقول سوزومين Sozomen أن سَلَفه الأسقف مكاريوس رشحه لكرسي ديوسبوليس (الّلد Diospolis (Lydda ولكن مكسيموس كان معروفًا ومشهورًا في أورشليم، فقوبِل هذا الترشيح بعدم الرضا الشديد مما هدد بحدوث ثورة شعبية في المدينة. لذلك رشَّح مكاريوس شخصًا آخر لكرسي اللّد واستبقى مكسيموس في أورشليم كمساعدٍ له، وبالتالي خليفة له بعد نياحته. ومما شجعه على عمله هذا ثقته في أرثوذكسية إيمان مكسيموس، وخوفه من نجاح يوسابيوس وباتروفيلُس Patrophilus في إحضار أسقف أريوسي ليخلفه بعد نياحته.

ضعف شخصيته

يبدو أن مكسيموس كان يتميز بشخصية ضعيفة، مخلص لكنه خجول، وبساطته جعلته أداة في أيدي الآخرين. ومما نعرفه عن حياته أنه حضر مجمع صور Tyre سنة 335م، ويقول سقراط Socrates وسوزومين أنه وقف موقفًا معاند لأثناسيوس، إذ أعمته بساطته وطبيعة شخصيته عن حِيَل أعداء الأرثوذكسية. ولكن روفينُس يروي كيف أن الشيخ المعترف بفنوتيوس أسقف طيبة Paphnutius of Thebaid الذي بسبب تشوهات جسده نتيجة التعذيب اجتذب أنظار الجميع في المجمع، حين رأى موقف مكسيموس ذهب إليه وأمسك بيده وقاده حيث كان تقف المجموعة الصغيرة المؤيدة لأثناسيوس، قائلاً أنه لا يليق بمن يحملوا في أجسادهم سِمات احتمالهم من أجل الإيمان أن يجتمعوا مع أعداء الإيمان. وقد روى سوزومين نفس القصة أيضًا.

نعرف القليل عن موقف مكسيموس من المشاكل التي اثارها الأريوسيون بين مجمع صور سنة 335م ومجمع سارديكا Sardica، ولكن في هذا المجمع الأخير وقف مكسيموس موقفًا مؤيدًا للأرثوذكسية، ويأتي اسمه من أوائل أساقفة فلسطين الذي وقَّعوا على قراراته. ثم بعد ذلك أظهر ندمه الشديد على موقفه السابق المتذبذب، بالترحيب والحفاوة التي أظهرها لأثناسيوس أثناء عبوره في أورشليم عائدًا إلى مقر كرسيه في الإسكندرية، إذ جمع مجمعًا من الأساقفة للترحيب بالضيف كما كتبوا رسائل لأساقفة مصر لتهنئتهم بعودة راعيهم، وكان مكسيموس أول الموقعين عليها.

وقد تنيح مكسيموس سنة 350 أو 351م، وخَلَفه الأسقف كيرلس الذي كان قد رُسِم شماسًا بيد الأسقف مكاريوس، ثم كاهنًا بيد الأسقف مكسيموس.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. III, page 877.

مكسيموس البابا الخامس عشر

ولد هذا البطريرك من أبوين مسيحيين في مدينة الإسكندرية وعلماه وهذباه وألحقاه بمدرسة الإسكندرية أيام أن كان أوريجانوس مديرًا لها، وقد تفقه في اللغة اليونانية ثم درس العلوم الدينية والفلسفية، وكان رجلاً يخاف الله فرسمه البابا ياروكلاس الثالث عشر شماسًا على كنيسة الإسكندرية ثم رسمه البابا ديونيسيوس الرابع عشر قسًا وعينه واعظًا للكنيسة المرقسية فتفانى في خدمة الشعب وتعليمه.

ونظرًا لتقدم القس مكسيموس في الفضيلة والعلم اختاره الآباء الأساقفة لكرسي البطريركية بعد نياحة البابا ديونيسيوس، وقد تمت رسامته بطريركًا لما كان مشهودًا به من أنه قد تحمل الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور ديسيوس بصبرٍ عجيبٍ وهدوء ورضى، فذكر له الشعب هذا الاحتمال وانتخبه ليكون الخليفة الخامس عشر للقديس مرقس. وقد تمت رسامته في 13 هاتور سنة 265م، وفي عهده استتب السلام لأن نار الاضطهادات التي كانت مشتعلة في رئاسة البابا ديونيسيوس كانت قد أخمدت.

رسائل إيمانية:

بعد مدة يسيرة وصلت رسالة من مجمع إنطاكية المكاني تتضمن أسباب حرم بولس الساموساطي وأتباعه، فانتهز البابا هذه الفرصة وقرأها على كهنة الإسكندرية ثم حرر رسالة إلى شعبه يطلعه فيها على سموم هذه البدعة وحذره من الانزلاق فيها. كذلك حذرهم من بدعة ماني، فكتب رسالة أوضح فيها ما تنطوي عليه من ضلال فكانت هذه الرسالة الرعوية أشبه بالبلسم الشافي للقلوب الجريحة.

استمر هذا البطريرك في رعاية شعبه مجاهدًا وحارسًا لهم ومثبتًا للإيمان بالعظات والرسائل الرعوية والإنذارات. على أن ما اشتهر به من قداسة ومداومة على التعليم جعلت شعبه يجله مدى حياته وبعد مماته. وقد قضى في الكرسي البابوي مدة سبعة عشر سنة وخمسة أشهر وانتقل في 14 برمودة سنة 282 م.

بطاركة عظماء لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية (ج 1)، صفحة 66.

مكسيموس الشهيد

يذكر التاريخ الروماني أن استشهاد هذا القديس حدث في اليوم الرابع عشر من مايو عام 250 م، إما في أفسس أو في لامبساكس Lampsacus.

لما أصدر الإمبراطور دقلديانوس مرسومًا ضد المسيحيين، أسلم مكسيموس - الذي كان تاجرًا بسيطًا وخادم حقيقي للرب - نفسه للحاكم في آسيا الصغرى. أُحضِر أمام أوبتيموس Optimus الوالي الذي سأله عن اسمه وحالته فأجاب:

مكسيموس وقد ولدت حرًا ولكني عبد للسيد المسيح.

أوبتيموس: ما هي وظيفتك؟

مكسيموس: أعمل بالتجارة.

أوبتيموس: هل أنت مسيحي؟

مكسيموس: نعم، ولكنى لا أستحقها.

أوبتيموس: ألم تسمع عن المراسيم التي أصدرها الإمبراطور العظيم، والتي تأمر المسيحيين أن يكفوا عن خرافاتهم الفارغة، وأن يعترفوا بالملك الحقيقي ويعبدوا الآلهة؟

مكسيموس: أنا أعلم بالمرسوم الذي أصدره إمبراطور هذا العالم، لذلك فقد سلمت نفسي إليك.

أوبتيموس: إذن ضحى للآلهة.

مكسيموس: أنا أضحى لربٍ واحدٍ فقط الذي يسعدني أن أضحى له منذ طفولتي.

أوبتيموس: لو ضحيت للآلهة ستصبح حرًا، وإن لم تفعل ستعذب حتى الموت.

مكسيموس: هذا ما أريده، فقد أنكرت ذاتي وأشتهي أن أبدل هذه الحياة القصيرة التعيسة بحياة أبدية.

حاول أوبتيموس معه كثيرًا، ولما لم يستطع التأثير عليه، عُلِّق مكسيموس على آلات التعذيب ولكنه ظل ثابتًا، فأصدر أوبتيموس أمرًا برجمه حتى الموت ليكون عبرة لباقي المسيحيين. سيق مكسيموس إلى خارج المدينة لقتله، أما هو فكان يشكر الرب يسوع الذي أعطاه نعمة الاستشهاد.

Butler, April 30.

مكسيموس القديس

ابن فالنتيانوس قيصر الغرب الروماني وشقيق القديس دوماديوس، اللذان وردت سيرتهما في حرف "د" تحت "مكسيموس ودوماديوس القديسان".

مكسيموس المعترف

كاهن روماني ومن المعترفين سنة 250م، وقد تولى قيادة جماعة المعترفين بعد وفاة مويسيس Moyses (أنظر أيضًا موسى المعترف).

يُقال أنه انقاد إلى بدعة نوفاتيان Novatian، إلا أنه بعد توبته ورجوعه عنها استعاد رتبته الكهنوتية في الحال.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. III, page 883.

مكسيموس ورفقاؤه الشهداء

في أول هاتور تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديسين مكسيموس ونوميتيوس وبقطر وفيلبس، الذين استشهدوا في أيام ديسيوس الملك.

وقد وردت سيرتهم في حرف "ب" تحت "بقطر الروماني الشهيد.

ملاتيوس الاسقف القديس

نشاته

ولد ملاتيوس (ميليتيوس) Meletius بميليتينا Melitene ببلاد الارمن فى بدء القرن الرابع، وكان من شرفاء بلده. عاش بروح التقوى والصلاح فكان قدوه فى كلماته وحركاته وسلوكه. وكان بهي المنظر ثاقب الفكر، فاحبه الجميع واكرموه. وقد مدحه كثيرون مثل القديسين يوحنا ذهبى الفم وغريغوريوس أسقف نيصص وامفيلوكيوس أسقف أيقونية.

اسقف سبسطية

إذ تنيح أسقف سبسطية Sebastea من أعمال أرمينيا اتفق الجميع على انتخاب ملاتيوس أسقفًا. والعجيب أن الآريوسيين أنفسهم وافقوا عليه مما شكك الأرثوذكس في صحة إيمانه. لكن ما لبث أن زال هذا الشك عندما تلامسوا مع جهاده فى رد النفوس الضالة إلى الإيمان المستقيم.

لاحظ القديس ان جهوده تضيع باطلاً فهرب من الأسقفية وسكن في بيرويا Beroea بسوريا. لكن سرعان ما اجتذبت سيرته الكثيرين.

لم يحتمل الكرامة والشهرة فهرب من البرية إلى مدينة حلب بسوريا متخفيًا حتى يعيش مجهولاً من الناس، لكنه لم يكن قادرًا أن يخفى بهاء النور المشرق فيه.

بطريرك إنطاكية

إذ عزل اودكسيوس الآريوسى البطريرك الدخيل تفرغ كل من الآريوسيين والأرثوذكس فى البحث عن أسقف لهم. تحنن الله على هذه الكنيسة التي عانت قرابة ثلاثين عامًا من نير الآريوسيين. تحرك الفريقان لاختيار ملاتيوس بطريركًا. فالآريوسيون لم يتشككوا فيه لأنه سبق أن انتخب في سبسطية برضا حزبهم والأرثوذكس كانوا على يقين من إيمانه. ولعل استقامة سيرته وفصاحة لسانه وعذوبة حديثه كان لها فاعليتها فى قبول الكل له. وترجى الكل أن يحل الهدوء والسلام على الكنيسة بإنطاكية خلال رعايته.

إذ كان قنسطنس الآريوسى فى إنطاكية ذهب إليه الآريوسيون يطلبون ملاتيوس بطريركًا على كرسي إنطاكية، ووافق الأرثوذكس عليه بكل قلوبهم.

سمع ملاتيوس بذلك فعزم على الهروب لكن رسل الملك منعوه وأعادوه إلى إنطاكية حيث خرج الأساقفة والكهنة والشعب، حتى اليهود والوثنيون أيضًا استقبلوه بفرحٍ شديدٍ.

نفيه الأول

بدأ خدمته بالتركيز على الحياة المقدسة والنمو في الفضيلة فتأثر به كثيرون. غير أن الآريوسيين أرادوا التعرف على إيمانه فطلبوا من الملك أن يسأله عن ذلك. استدعاه الملك واستدعى معه أسقفين آخرين وطلب منهم تفسير عبارة "الرب خلقني في ابتداء طرقه" (أم 8: 23). بدأ جاورجيوس أسقف اللاذقية بتفسيرها بالفكر الآريوسى وتلاه أكاسيوس أسقف قيصرية بنفس الطريقة. أما ملاتيوس فبدأ يفسرها بفصاحة ودقة لاهوتية مؤكدًا وحدة الآب والابن فى ذات الجوهر ومساوتهما. اغتاظ الكل حتى تجاسر أحد الشمامسة ومد يده ليسد فم البطريرك، أما هو فلم يضطرب بل ازداد شجاعة وأكمل حديثه بقوة جذبت كثير من الحاضرين.

أحبه الأرثوذكس جدًا حتى انتسبوا إليه ودعوا ملاتيوسيين. أما الآريوسيون فاوغروا صدر الإمبراطور ضده فنفاه في بلاد أرمينيا.

لما عاين ذلك القديس أوسابيوس أسقف سامس خرج من مجمع الأساقفة الذين كانوا قد انتخبوا ملاتيوس بطريركًا وأخذ معه صك انتخابه المختوم بختوم الأساقفة. بعث إليه الآريوسيون من قبل الملك رسولاً وطلبوا منه تسليم الصك من قبل الملك. وكان الملك قد كتب أمرًا بقطع يمين الأسقف إذا رفض تسليمه. أما القديس فإذ قرأ أمر الملك قدم حالاً للجندي يديه الاثنتين ليقطعهما. وإذ سمع الملك تعجب لشجاعته ومدحه أمام الجميع.

نفيه الثاني

إذ تولى يوليانوس الجاحد الملك وأعاد المنفيين إلى كراسيهم رجع البطريرك ملاتيوس إلى كرسيه سنة 362م. وكانت نفسه مرة لأسباب كثيرة منها:

1. عرف أن يوليانوس الجاحد قد جعل مركزه في إنطاكية.

2. قاومه الآريوسيون والوثنيون.

3. وجد انقسامات داخل الكنيسة نفسها.

لم يقف البطريرك مكتوف الأيدي بل بذل كل جهده لكسب النفوس، وإذ سمع الملك يوليانوس نفاه وفى سنة 363م مات يوليانوس واستولى جوفيانوس التقي الملك فعاد ملاتيوس إلى كرسيه.

نفيه الثالث

لم يبقَ جوفيانوس فى المُلك سوى ثمانية أشهر توفى بعدها واحتل فالنس الآريوسى مكانه. استمر القديس ملاتيوس يعمل بكل غيرة، وكان حينئذ تحت إرشاده القديس يوحنا الذهبي الفم. جاء فالنس إلى إنطاكية وحاول اجتذاب البطريرك إلى حزب الآريوسيين وإذ وجده راسخا في الإيمان المستقيم نفاه. خرج به القائد وتجمهرت الجموع حوله وأرادوا الفتك بالقائد رجمًا لكن البطريرك أنقذه من الموت.

مات فالنس ميتة بشعة وتولى الحكم غراسيانوس فعاد البطريرك إلى كرسيه وكان شيخًا مسنًا، لكنه افتقد كل ايبارشيته ورد كثيرين إلى الإيمان المستقيم، ثم عقد مجمعًا في إنطاكية ثبت فيه الإيمان النيقاوي. أثناء ذلك رأى ثيؤدوسيوس الكبير قائد جيش الملك شيخًا ذا هيبة مرتديًا ثياب الكهنوت يضع الثوب الملوكي عليه.

مجمع القسطنطينية

بعد قليل طلب غراسيانوس من القائد أن يشاركه في الحكم، وسلم له بلاد الشرق. وإذ صار ثيؤدوسيوس ملكا أراد أن يعيد إلى الكنيسة سلامها، فعقد مجمعًا في القسطنطينية حضره 150 أسقفا وكان القديس ملاتيوس متقدمُا فى المجمع. إذ أبصره الملك قال: "هذا هو الذي وضع على ظهري الثوب الملوكي في حلم". فأقبل عليه وعانقه وأكرمه جدًا. وقد أظهر البطريرك سعة علمه وبلاغته مع تقواه.

تنيح أثناء انعقاد المجمع فى عام 381 م، فدفنه الآباء بإكرام عظيم، وحضر الملك جنازته.

الأب بطرس: مروج الاخبار في تراجم الأبرار، بيروت 1999، شباط 12.

Butler, February 12.

ملاخي الشهيد

في الثاني عشر من شهر برمهات تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديس البار ملاخي المستشهد بأرض فلسطين.

السنكسار، 12 برمهات.

ملطي المعلم الشهيد

لم يشتهر المعلم ملطي وإبراهيم الجوهري وجرجس الجوهري والمعلم يعقوب والمعلم غالي وغيرهم في التاريخ، بأسماء آبائهم ونسبتهم إليهم، بل هم صاروا رؤساء عائلات.

ارتبط اسم المعلم ملطي بالحملة الفرنسية. كتب عنه الجبرتي كشاهد عيان.

كان كاتبًا عند أيوب بك الدفتردار من مماليك محمد بك أبي الذهب الذي تولى الإمارة بعد موت أستاذه، وكان ذا دهاء ومكر يتظاهر بالدفاع عن الحق وحب الأشراف والعلماء، قُتل في واقعة للفرنسيين مع الأمراء المصريين في واقعة الأهرام.

كانت وظيفة الدفتردار أشبه بناظر المالية، وكان كاتبه "ملطي" أشبه بمدير عام للحسابات. فلما احتل الفرنسيون القاهرة وشرعوا في تنظيمها. أُقيم مجلس لتنظيم نوعًا من الضريبة للفرنسيين حسب إمكانية كل شخص، فقام الشعب وقاتلوا الفرنسيين قتالاً شديدًا، آل الأمر إلى قتل كثير من أهالي البلد والعلماء، وتعطل المجلس الذي كان يدير هذا الأمور. بعد أن حدث هدوء أقاموا المجلس من اثنى عشر عضوًا عِوض الستين، وهو الديوان، ودعوه محكمة القضايا وجعلوا المعلم يعقوب قاضيه الكبير أو رئيس المجلس التجاري. فقد توسموا فيه الفكر الواسع والعقل الرشيد مع الذكاء.

وضع مع آخرين تعريفه رسوم التسجيل، كما فوضوا إليه الفصل في القضايا التجارية والأمور العامة والمواريث والدعاوى، ووضع معهم قواعد ثابتة، وطلبوا من الكل أن يسجلوا ملكياتهم خلال ستين يومًا وإلا تضاعفت الرسوم. رتبوا أيضًا الميراث، فيلزم فتح التركة بعد 24 يومًا من الوفاة، وعلى من يدعي دينًا على الميت أن يثبت ذلك بديوان الحشريات الخ.

كان غاية هذا الأنظمة حماية الضعفاء من سطوة الأقوياء، وتامين السبل لتوسيع نطاق التجارة.

أُلغي الديوان الكبير في 23 أكتوبر 1798 ثم أعيد بعد شهرين في 26 ديسمبر وانتخب منهم أربعة عشر عضوًا دائمين يرأسهم المعلم ملطي.

تشاوروا في أمر المواريث فقال الفرنسيون أنه لديهم لا يورثون الولد بل البنت، لأن الولد أقدر على الكسب من البنت. وقال ميخائيل كحيل الشامي أن المسلمين والقبط يقسم لهم المواريث المسلمون والتمس من المشايخ أن يكتبوا كيفية القسمة ووعدوهم بتنفيذها.

هذا سبب لغطًا بين الشعب، البعض خضع للأمر الواقع والآخرون رفضوا، فاجتمع الغوغاء مع بعض المتعمِّمين وظهرت أول فتنة في القاهرة ونهبوا الدور، وأخذوا الودائع فدخل الفرنسيون الجامع الأزهر.

لا يخفِ أنه كان للوالي القادم من الاستانة مجلس يتألف من البكوات أمراء المماليك للنظر في الأمور العامة يسمونه أيضًا الديوان. فلما دخل الفرنسيون مصر أخرجوا المماليك منها، وفي جملتهم أعضاء ذلك الديوان وشكلوا حكومة جعلوا رؤساءها من الفرنسيين وبعض الوطنيين حتى يزيدوهم بغضة للمماليك، ودعوه الديوان الوطني، ووضعوا نظامًا يحدد اختصاص الديوان.

في يوم الأربعاء 4 ربيع الأول سنة 1216 ارتحل الفرنسيون وأخلوا القصر العيني والروضة والجيزة وارتحل معظم الإنجليز نحو خمسة آلاف من العسكر... وفي يوم الخميس 27 محرم سنة 1218 قبضوا على المعلم ملطي من أعيان كتبة القبط، الذي كان قاضيًا أيام الفرنسيين وفرموا رقبته عند باب زويلة، كما قطعوا رأس المعلم حنا الصبحاني أخي يوسف الصبحاني من تجار الشوام عند باب الخلق.

توفيق إسكاروس: نوابغ الأقباط ومشاهيرهم في القرن التاسع عشر، 1913م،

مماتي المعلم

هو أبو المليح الشهير بمماتي. عاش في القرن الحادي عشر الميلادي في خلافة المستنصر ووزارة بدر الدين الجمالي أمير الجيوش، واشتهر بالغنى وسعة الحال وعمل الخير والإحسان. وسبب تسميته مماتي أنه لما اشتد الغلاء بمصر كان يجود بما عنده على المحتاجين وكان أولاد المسلمين إذا رأوه صاحوا خلفه قائلين: "مماتي"، فكان يشفق عليهم ويهبهم غلالاً لدفع جوعهم.

وهو جد أسعد بن مهذب بن زكريا الذي أسلم في وزارة شيركويه في أيام العاضد.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 455.

منسى يوحنا القس

نبوغه وتقواه

ولد سنة 1899 م بناحية هور مركز ملوي من أبوين مسيحيين تقيين، ومات أبوه وهو في سن الطفولة فعنيت أمه بتربيته وتشرَّب منها التقوى والحكمة والبر بالفقراء والمساكين. دفعته غيرته على تقدم الكنيسة ونموها على أن يكرس حياته لخدمتها، فالتحق بالمدرسة الإكليريكية وهو في السادسة عشرة من عمره ونبغ فيها بالرغم من صغر سنه. ولما تخرج من المدرسة الإكليريكية عُين واعظًا لكنيسة ملوي القبطية فقوبل فيها أولاً مقابلة شاب في العشرين من عمره ولكن سرعان ما وجد فيه شعبها واعظًا تقيًا قديرًا، فأحبه الجميع حبًا جمًا. وقد رُسم كاهنًا لكنيسة ملوي في يناير سنة 1925م بناء على تزكية إجماعية من شعبها، وكان يوم رسامته يومًا مشهودًا اشترك في الاحتفال به جميع أهل المدينة على اختلاف مذاهبهم.

وكان كثير القراءة إلى حد بعيد، واستطاع أن يستوعب مئات الكتب وهو بعد في حداثة سنه، وعلى الرغم من عمره القصير ولكنه كان دسم عامر بالإنتاج الذي لم يستطعه الشيوخ، فكان كارزًا إكليريكيًا عظيمًا وأشهر وعاظ الصعيد في عصره بمركز ملوي. وقد ألَّف خمسة عشر كتابًا في موضوعات روحية ولاهوتية وعقائدية، كما كتب عن الكتاب المقدس وفي تاريخ الكنيسة، بالإضافة إلى العديد من المقالات في الصحف والمجلات. وبرز أثناء الحركة الوطنية فكان فيها خطيب ملوي الفذ.

وقد حلت به في سنيّ حياته القصيرة تجارب متنوعة تحملها بصبر مقدمًا عنها لله خالص الشكر، جرب في أبنائه فكان كلما رزق ابنًا اختطفه الموت منه، وجرب كثيرًا في صحته، ثم توفت والدته سنة 1928م وكان حزنه عليها شديدًا.

وأخيرًا عرف القس منسى يوحنا يوم نياحته فقال لمن حوله يوم 16 مايو سنة 1930م "سأموت الليلة فأرجو أن تُصّلّوا عليَّ في ملوي وتدفنونني في هور"، وتنيح في تلك الليلة. وقد أحبه الجميع حتى الطوائف غير الأرثوذكسية وبكوه بكاءً حارًا. وكان القس منسى يوحنا محبوبًا جدًا من المسلمين حتى أنهم كانوا يتهافتون على حمل نعشه يوم وفاته.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 402.

منصور بن بطرس ورفقاؤه الشهداء

كان إبراهيم السرياني مسيحيًا وجحد الإيمان في مصر في عصر المماليك الشراكسة، بل سعى بمنصور بن بطرس ورفيقه داود وجرَّهما من برية شيهيت إلى مصر رغبة في أن يدفعهما إلى جحد الإيمان. لكنهما صبرا وصرعا الشيطان بأن نالا إكليل الشهادة. وقد نفذت بسالتهما إلى قلب إبراهيم فتاب وسار بدوره في طريق الاستشهاد ليكفِّر عن خطيئته.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 250.

مارقس منكوكيوس فيلكس

أفريقي درس القانون ومارس المحاماة في روما ونبغ فيها. كان رواقيا قبل الإيمان المسيحي فالتهب قلبه بالكرازة بين الوثنيين المثقفين. وضع حوارًا علي لسان صديقه أوكتافيوس الذي كان قد هدي كايكيليوسCaecilius إلي الإيمان. قدم في هذا الحوار اعتراضات كايكيليوس علي المسيحية ورد اوكتافيوس على اعتراضاته. إذ يكتب إلي الوثنيين لم يعتمد في حواره علي الكتاب المقدس بل علي بعض الفلاسفة مثل شيشرون في رسالته عن الطبيعة الإلهية وأخري في الألوهية وعلي مقالي سنكى في العناية والخرافة. وقد جاء حواره منسقا فخم الأسلوب. اقتبسه أرنوبيوس في رده علي الوثنيين في كتابه الثامن.

مهرائيل الشهيدة

نشأتها

عاشت في القرن الرابع الميلادي وورد اسمها في بعض المخطوطات "مهراتي" ومعناه بالعربية "سلامة الله". نشأت في كنف أبوين مسيحيين صالحين ببلدة طموه بمحافظة الجيزة. كان أبوها القس يوأنس كاهنًا تقيًا مداوم على الصلوات والعبادة وزوجته امرأة فاضلة اسمها إيلاريا. وإذ لم يرزقا بنسل كانا يصليان بحرارة من أجل أن يعطيهما الرب نسلاً، وقد تنبأ لهما الأنبا بيصاري أسقف منف بأن الله سيعطيهما نسلاً، وفعلاً استجابت السماء لهذه الطلبة ورزقا بهذه القديسة.

رؤيا لوالدها

تربت هذه القديسة على حياة التقوى مواظبة على العبادة بقلب لا يفتر، وحينما بلغت الثانية عشر من عمرها ظهرت السيدة العذراء لأبيها القس يوأنس وقالت له: "إنني جئت إليك بسبب ابنتك مهرائيل أدعوها إلى عرس ولدي إلى مدينة أورشليم السمائية حيث لا جوع ولا تعب ولا عطش بل تكون في الفرح والسرور الدائم". فأجاب القس يوأنس وقال للسيدة العذراء: "كيف أفعل هذا وأسلم ابنتي إلى أرض بعيدة وغريبة؟" فقالت القديسة مريم: "حي هو الرب الإله ضابط الكل إني بعد نياحة ابنتك سوف أرسل جسدها إليك لتدفنها في أي موضع تختاره".

ثم دهنت السيدة العذراء القديسة مهرائيل بعطرٍ، فبدأت تجري على يديها آيات وعجائب، وكان كل من به عِلَّة من المرض إذا ما صلت على قليل من الزيت وتدهن به العليل كان يبرأ من وقته.

اضطهادها

وقد تحقق وعد السيدة العذراء لها بأنها ستنال إكليل الشهادة، فحين أعلن الإمبراطور الوثني دقلديانوس اضطهاده للمؤمنين واستشهد أعداد كبيرة منهم خرجت مهرائيل إلى شاطئ النهر ووجدت قاربًا يحمل جمعًا غفيرًا من المساقين إلى الاستشهاد فمضت معهم دون أن تخبر والديها. ولما وصلت المركب إلى مدينة أنصنا وقفت مهرائيل ذات الإثني عشر عامًا بين المتقدمين للاستشهاد، ففكر الوالي في أن يطلق سراحها لصغر سنها ولكنها جاهرت بإيمانها أمامه ولعنت آلهته الوثنية. فاستشاط غضب الوالي وأمر بتعذيبها ولكن الرب حفظ القديسة من كل سوء.

أخيرًا أمر الوالي بوضعها في صندوق به ثعابين وعقارب ويضعوها في المركب ثم يرموها، فسارت المركب ثلاثة أيام والقديسة بداخل الصندوق تسبح الله، ثم في اليوم الرابع ظهر لها السيد المسيح وقال لها: "سلام لكِ يا شهيدة، يا قديسة. السلام لمهرائيل النقية. هوذا قد أوصلتك إلى بيت أبيكِ القس يوأنس حسب ما وعدت به والدتي. والعطر الذي سكبَته على رأسِك والدتي أنا أجعل رائحته في جسدك إلى انقضاء أجيال. وكل من يبني كنيسة على اسمِك أكتب اسمه في ملكوت السماوات. وكل من يسمي ابنته على اسمِك أحفظه من كل سوء". وكان كل من بالمركب يشم رائحة عطر ولا ينظروا أحد بل يسمعوا الصوت فقط، فلحقهم خوف عظيم.

نياحتها

بعد ذلك بقليل انتقلت روحها إلى الرب، وقد حدثت ريح شديدة أوقفت المركب عند طموه بلدها، فغادر الجنود المركب وتركوها على الشاطئ وذهبوا ليشتروا مأكولات من البلد، فلما رجعوا نظروا نورًا عظيمًا جدًا فأحضروا أهل البلد وشاهدوا هذا النور، فأخبر الجنود أهل البلد بما حدث مع الشهيدة مهرائيل، ثم حضر أبوها القس يوأنس مع جمع كبير من أهل المدينة وأخذوا جسدها وكفنوه بكرامة ونقلوه من هناك وبنوا كنيسة فوقه وكانت تجرى منه آيات وعجائب كثيرة.

في عهد الإمبراطور قسطنطين أمر ببناء كنيسة باسمها في طموه وتم تكريسها في الثاني والعشرين من شهر مسرى وأودع فيها جسد الشهيدة. وقد أعيد الاحتفال بها بعد 600 سنة من اندثار كنائسها في عيد استشهادها في 14 طوبة (22 يناير).

جريدة وطني، عدد 1839: 23 مارس 1997، صفحة 3.

الشهيدة مهرائيل عروس المسيح: للقس يوسف تادرس الحومي، مارس 2000.

موتيوس الأب

الراهب وعدم الظهور

سأل أخ الأب موتيوس قائلاً: إذا تركت العالم لأسكن في مكان، كيف تريدني أن أعيش هناك؟ أجابه الشيخ: إذا سكنت في مكان، لا تفكر أن يكون لك فيه اسم في أي شيء. أي لا تخرج إلى الاجتماع ولا تأكل في وليمة المحبة، لأن هذه تولد اسمًا كاذبًا ومن ثم تنال الغم والانزعاج. فالناس يتهافتون حيث يجدون مثل هذا ". قال له الأخ: إذًا ماذا أعمل؟ أجابه الشيخ:" حيث تقيم، ليكن سلوكك كسلوك الجميع. ومهما يفعل الأتقياء الذين تثق بهم، افعله أنت أيضًا فترتاح، لأن التواضع هو أن تكون مساويًا لهم. فالناس إذ يرونك تعمل بالقانون ولا تحيد عنه، سيجعلونك في رتبة الجميع، وهكذا لا يزعجونك ".

فرحه بمن يعاديه ويزعجه

تحدث عن الأب موتيوس تلميذه الأب اسحق (وصارا فيما بعد أُسقُفَين)، لقد بنى الشيخ للمرة الأولى ديرًا في أراكلة. ولما انتقل إلى موضع آخر، بنى ديرًا آخر. وبفعل الشيطان وُجد هناك أخ كان يعاديه ويزعجه. عندئذ نهض الشيخ وتوجّه إلى قريته، وبنى فيها ديرًا حبس نفسه فيه. وبعد مدة جاء إليه شيوخ الدير الذي غادره، وأخذوا الأخ الذي كان يسبب له الحزن وقصدوا الدير متضرعين أن يقبله فيه. فلما دنوا من الموضع الذي كان فيه الأب سوريس، تركوا أمتعتهم والأخ الذي أحزنه. ولما قرعوا الباب، وضع الشيخ السلّم وانحنى من الشباك، ولما عرفهم قال: أين هي ملابسكم؟ قالوا: إنها هنا مع الأخ. فما إن سمع الشيخ اسم الأخ الذي كان يزعجه حتى ضرب الباب بالفأس وكسره من فرحه وطفق يركض إلى حيث كان الأخ. ولما دنا منه سجد له وعانقه وأدخله إلى قلايته، وسُر به ثلاثة أيام. ففرح الأخ لهذا الاستقبال فرحًا عظيمًا، وهذا أمر لم يكن معتادًا على القيام به. ثم نهض وذهب معهم. وبعد حين رسم أسقفًا، لأنه كان يصنع العجائب. أما تلميذه اسحق، فقد رسمه المغبوط كيرلس أسقفًا أيضًا.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983

موجي الشهيدة

راجع سيرة الشهيدتان تكلا وموجي.

مورا وبريجيد الشهيدتان

كانتا أميرتين بريطانيتين من Northumbria، ذهبتا للتبرك من مدينة روما. وفي طريق عودتهما في بلاد الغال قبض عليهما الخارجون على القانون وساقوهما إلى الموت، ودُفِنتا وكان شاهد القبر يصفهما بالشهيدتين، وكان ذلك في القرن الخامس.

في القرن السابع حاولت الملكة نقل رفاتهما، ولكنها مُنِعت بواسطة إعلان سمائي. وفي وقت لاحق كان يُشاهَد نور ساطع فوق قبريهما، وظهرتا لأحد الأساقفة وأعلنتا له أنهما العذراوتان المتوحدتان مورا وبريجيد، وطلبتا منه بناء مذبح فوق موضع جسديهما.

Butler, July 13.

مورا وتيموثاوس الشهيدان

وردت سيرتهما في حرف "ت" تحت "تيموثاوس ومورا".

موريس ورفقاؤه الشهداء

عندما قامت إحدى مناطق بلاد الغال بثورة، تقدم إليهم ماكسيميان هركُليوس Maximian Herculius وأعدَّ جيشًا لإخماد ثورتهم. وكانت إحدى وحدات هذا الجيش المسماة "الكتيبة الطيبية" مكونة من أفراد أتوا من صعيد مصر وكانوا كلهم من المسيحيين.

الكتيبة الطيبية ترفض العبادة الوثنية

حين وصل الجيش إلى أوكتودورَم Octodorum على نهر رون Rhone قرب بحيرة جنيف بسويسرا أصدر ماكسيميان أمرًا إلى كل الجيش بالاشتراك في تقديم ذبائح شكر للآلهة لنجاح مهمتهم. وعند ذلك انسحبت الكتيبة الطيبية وعسكرت بقرب المنطقة التي تسمى الآن سان موريتز St. Maurice - en - Valais، رافضة الاشتراك في هذا الاحتفال. أمرهم ماكسيميان عدة مرات بطاعته ولكن أمام ثباتهم ووحدة رأيهم في الرفض أمر بقتل كل عاشر فرد من الكتيبة، محاولاً بذلك إرهابهم وإجبارهم على طاعته. فشلت المحاولة مع أول مجموعة فأمر بقتل كل عاشر فرد من الباقين، ولكنهم أجابوا بأنهم مستعدين لتحمل أي عقاب عن أن يعملوا ما يتنافى مع دينهم، وكان يقودهم ويشجعهم في هذا ثلاثة من ضباطهم وهم: موريس Maurice وإكسوبِريوس Exuperius وكانديدَس Candidus.

حاول ماكسيميان مرة أخرى إرهابهم قائلاً أنهم إذا استمروا في عنادهم فلن يبقى فرد واحد حيًا من الكتيبة، فكان ردهم:

"نحن جنودك ولكننا عبيد الإله الحقيقي.

نحن ندين لك بالطاعة والولاء العسكري ولكننا لا نستطيع أن نرفض خالقنا وسيدنا بل وخالقك أنت أيضًا مع أنك ترفضه.

نحن مستعدون لطاعتك في كل ما لا يتعارض مع أوامره، فنحن نقاوم كل أعداءك أيًا كانوا، ولكننا لن نغمس أيدينا في دماء أبرياء.

لقد أقسمنا بطاعتنا لله قبل قسمنا بطاعتك، وإذا حنثنا بقسمنا الأول لله فإنك لن تثق بقسمنا الثاني لك.

أنت تأمرنا بمعاقبة المسيحيين بينما نحن كذلك ونعترف بالله الآب خالق كل الأشياء وابنه يسوع المسيح.

لقد شاهدنا زملاءنا يُقتَلون ونحن نفرح من أجلهم، ولا تظن أن هذا أو أي اضطهاد آخر سوف يؤثر في قرارنا.

إننا نحمل أسلحة بين أيدينا ولكن ليس في نيتنا المقاومة لأننا نُفَضِّل أن نموت أبرياء من أن نحيا بالخطية ".

كانت هذه الكتيبة تتكون من ستة آلاف وستمائة رجل، وإذ رأى ماكسيميان ثباتهم وفشله في التأثير عليهم أمر بقية الجيش بحصارهم وتقطيعهم إربًا. لم يُظهِروا أية مقاومة حينما سيقوا للذبح مثل الخراف، حتى تغطَّت الأرض بجثثهم وسالت دماءهم مثل النهر على الجانبين. سمح ماكسيميان لجنوده بالاستيلاء على ممتلكات الشهداء، وفيما هم يقتسمونها رفض أحدهم ويدعى فيكتور الاشتراك معهم، وحين سألوه إن كان مسيحيًا رد بالإيجاب فوقعوا به وقتلوه.

كانت مذبحة الكتيبة الطيبية حوالي سنة 287م، وقد بنيت كنيسة كبيرة فوق موضع دفنهم، وحدثت معجزات كثيرة بشفاعتهم. وقد سعى كثيرون حتى من خارج حدود سويسرا للحصول على أجزاء من رفاتهم للتبارك منها، وصار القديس موريس شفيعًا للجنود وصناع السلاح.

Butler, September 22.

موسى الأسقف المتوحد القديس

قبائل سراسن

كانت القبائل العربية المنتشرة في رينوكلورا Rhinoclura فيما بين الحدود المصرية الشرقية وبين الشواطئ الآسيوية تعبد الكواكب؛ اعتنقت المسيحية بمجهودات أوريجينوس سنة 226م. وحدث أن تكتلت هذه القبائل التي تدعى سراسن Saracen فألَّفت فيما بينها دولة واحدة تحت ملكة اسمها مافيا Mavia، فكونوا بوحدتهم قوة أفزعت الإمبراطور فالنس الأريوسي وجعلته يسعى إلى عقد معاهدة معهم.

جدير بالذكر أن اسم سراسن أطلقه الإغريق والرومان على قبائل الرُحَّل في منطقة الصحراء السورية العربية Syro - Arabian desert.

اختيار موسى القبطي أسقفًا

إذ اتحدت هذه القبائل شعرت بالحاجة إلى أسقف يرعاها، وكان يعيش في الصحراء الشرقية وقتذاك راهب متوحد اسمه موسى أحبه أفراد هذه القبائل وقرروا أن يختاروه أسقفًا لهم. فلما عرض الإمبراطور فالنس على الملكة مافيا عقد معاهدة معها ومع قومها أعلمته باستعدادها لإبرام هذه المعاهدة بشرط واحد هو أن يُمكِّن موسى القبطي من الذهاب إلى الإسكندرية لرسامته أسقفًا، ولم تكن الملكة مافيا قد اعتنقت المسيحية بعد ولكنها فيما اشترطت قد عبرت عن رغبة شعبها. ووافق الإمبراطور على هذا الطلب لرغبته الملحة في عقد المعاهدة مع القبائل المتكتلة.

رفضه السيامة بأيدٍ أريوسية

وصل موسى القبطي إلى الإسكندرية فوجد فيها لوسيوس الأريوسي الدخيل مغتصب الكرسي المرقسي كما وجد جميع الأساقفة الأرثوذكسيين منفيين. وعندما وقف في وسط الكنيسة المرقسية قال بصوت جهوري: "إنني لا أستحق كرامة الأسقفية ولكني قبلتها استجابة للمحبة التي أولاني إياها من اختاروني وأولوني ثقتهم، ولن أقبل بحال ما أن يضع عليَّ اليد واحد من ناكري لاهوت سيدي ومخلصي الحبيب. فإن أوصلتموني إلى أسقف أرثوذكسي قبلت من يده هذه الكرامة العظمى، وإلا أعيدوني إلى وحدتي في الصحراء".

وعبثًا حاول أتباع الإمبراطور أن يثنوه عن عزمه، وعبثًا حاولوا إقناع الملكة موفيا أن ترجع عن تأييد الراهب موسى في موقفه الحازم، وعبثًا حاولوا زحزحة الشعب عن اختيار هذا الراهب، فاضطروا في نهاية الأمر إلى الإذعان، وصحبوا الراهب موسى إلى أقرب منفى للأساقفة الأرثوذكسيين حيث وضعوا عليه اليد بين تهليل الشعب الذي امتزج فرحه بإعجابه بالراهب موسى الذي رفض في جرأة وعزة أن يذعن للحكام الغاشمين وأظهر زيف سلطان الأريوسيين وعجزهم.

ذهب الأسقف موسى إلى شعبه الذي أحبه وأكرمه، كرس الأنبا موسى حياته وجهوده في خدمة هذا الشعب الذي ناصره على خصوم الأرثوذكسية. كان في خدمته يتنقل من مكان لآخر، حتى أنه لم يكن له مقر لكرسيه، معلمًا وواعظًا ومحولاً عدد كبير من الشعب إلى المسيحية. وقد نجح في النهاية إلى اكتساب الملكة موفيا إلى الدين المسيحي، كما نجح كذلك في استتباب السلام بين شعبه والرومان، ومن ذلك العهد انضمت بلاد العرب إلى الكرازة المرقسية. تنيح حوالي سنة 372م.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الأول صفحة 347. Butler, February 7.

موسى الأسود الشهيد

عاش منكرًا لنفسه حتى أن حاكمًا سمع بفضائله فاشتاق أن يراه. وإذ علم موسى بهذه الزيارة هرب، وفي أثناء هروبه تقابل معه الحاكم وسأله عن قلاية الأب موسى فقال له: "وماذا تريد أن تسأله؟ إنه رجل عجوز وغير مستقيم". اضطرب الحاكم وقصد الدير وقال لهم ما حدث، فلما سألوه عن أوصاف ذلك الشخص اتضح أنه هو نفسه الأب موسى وانه قال ذلك إنكارًا لذاته.

نال من الله موهبة عمل المعجزات وصنع العجائب بسبب حبه وتواضعه وجهاده ونسكه الشديد.

ذُكِر عن أحد الرهبان أنه سقط في زلةٍ ما، فانعقد مجمع لمحاكمته، وأرسلوا يدعون الأب موسى. أماّ هو فلم يرد أن يأتي. فأرسل إليه الكاهن رسالة قائلاً: هلمّ يا موسى، الشعب ينتظرك. فلما ألحّوا عليه نهض وأتى يحمل كيسًا مثقوبًا فيه رمل. فلما رآه الإخوة الذين خرجوا للقائه تعجبوا، وقالوا له: ما هذا يا أبانا؟ أجابهم: "أنتم تدعونني لأحكم على أخٍ لي في زلةٍ، وهذه ذنوبي خلفي تجري دون أن أراها ولا أحس بها". فخجلوا منه وعفوا عن الأخ المذنب.

ذات مرة صدرت في الاسقيط وصية بالصوم في ذلك الأسبوع. وحدث أثناء ذلك أن زار بعض الإخوة الأب موسى قادمين من مصر، فأعدّ لهم طعامًا. فلما رأى الإخوة الدخان المتصاعد، قالوا للآباء: "انظروا ها قد أوقف موسى صيامه وأعدّ لنفسه طعامًا". أمّا هم فقالوا لهم: عندما يأتي إلينا سنكلمه. ولما جاء السبت ورأى الآباء عمله الصالح، قالوا له أمام الإخوة: يا أبانا موسى، لقد حللت وصية الناس وحفظت وصية الله (أي ضيافة الغرباء).

استشهاده

أتي البربر إلى الدير وكان بالروح يعلم بمجيئهم قبل وصولهم. قال ذلك للأخوة وكان عددهم سبعة، وطلب إليهم أن يهربوا. فلما سألوه عن نفسه وقالوا له: "وأنت ألا تهرب يا أبانا؟" قال: "منذ زمن طويل وأنا انتظر هذا اليوم لكي يتم قول السيد المسيح من يأخذ بالسيف بالسيف يُؤخَذ" (متى 26: 52). قالوا له: "نحن أيضًا لا نهرب ولكن نموت معك"، فقال لهم: "هوذا البربر يقتربون إلى الباب"، فدخل البربر وقتلوهم ولكن واحدًا منهم كان خائفًا فهرب إلى الحصن ورأى سبعة تيجان نازلة من السماء توّجت السبعة، فتقدم هو أيضًا ونال معهم إكليل الشهادة.

هكذا أكمل الأنبا موسى سعيه وجهاده في اليوم الرابع والعشرين من شهر بؤونة سنة 408م، وكان في سن الخامسة والسبعين أو الخامسة والثمانين. ونال ثلاثة أكاليل: الأول للحب والنسك الشديد والثاني للرهبنة والكهنوت والثالث للشهادة.

يعتبر أول شهيد في الاسقيط، وله تعاليم مفيدة للغاية، وجسده محفوظ مع جسد مرشده الروحي الأنبا ايسوذورس في أنبوبة واحدة بدير البراموس.

من كلماته

زاره أحد الإخوة في الاسقيط وطلب منه كلمة: فقال له الشيخ: اذهب واجلس في قلايتك، وهي تعلّمك كل شيء.

إن من يهرب من الناس يشبه كرمة حان قطافها. أمّا الذي يقيم بين الناس فيشبه الحصرم.

إذا حفظنا وصايا آبائنا فإني أضمن لكم أن البرابرة لا يأتون إلى هنا. ولكن إذا لم نحفظها، فإن المنطقة هذه ستقفر.

قال الأب بيمن إن أخًا سأل الأب موسى: بأية طريقة يميت الإنسان نفسه عن قريبه؟ قال له الشيخ: إذا لم يضع الإنسان نفسه عقليًا في القبر ثلاثة أيام، لا يمكنه أن يبلغ إلى قامة هذا الكلام.

ينبغي للمرء أن يموت عن قريبه حتى لا يدينه في شيء.

ينبغي للإنسان أن يميت نفسه عن كل أمرٍ شريرٍ قبل خروجه من الجسد لكي لا يسيء إلى أحد.

إذ لم يشعر الإنسان في أعماقه أنه خاطئ، لا يصغي إليه الله. سأله أخ: وما معنى قولك أن يشعر الإنسان في أعماقه أنه خاطئ؟ أجابه الأب إن من يحمل خطاياه لن يرى خطايا قريبه.

إذ لم تتفق الصلاة مع السيرة، عبثًا يكون التعب. قال أخ: وما معنى اتفاق الصلاة مع السيرة يا أبتِ؟ أجاب الأب: أقصد أن نعمل ما نصلىّ من أجله، إذ عندما يتخلى الإنسان عن مشيئته يتصالح مع الله، ويقبل الله صلاته.

سأله أخ: في كل مسعى للإنسان، ما الذي يساعده فيه؟ قال الشيخ: الله هو الذي يعين، لأنه مكتوب: "الله لنا ملاذ وقوة، عون لنا في الشدائد التي تكتنفنا" (مزمور45: 2).

قال الأخ: وما نفع الأصوام والأسهار إذًا يا أبتِ؟ أجابه الشيخ: هذه من شأنها أن تجعل النفس وديعة متواضعة، لأنه مكتوب: "أنظر إلى تعبي وتواضعي وامح كل سيئاتي" (مزمور 24: 18). فإذا ما جنت النفس كل هذه الثمار، فإن الله لأجل هذه يتحنن عليها.

وقال الأخ للأب: وماذا يعمل الإنسان بكل تجربة تأتيه أو بكل فكر من الشرير؟ قال الشيخ: ينبغي أن يبكي أمام صلاح الله كي ما يعينه. ويرتاح للحال، إذا ما كانت صلاته بمعرفة، لأنه مكتوب: "الرب معيني فلن أخشى ماذا يصنع بي الإنسان" (مزمور 117: 6).

سأله الأخ إذا ما ضرب إنسان عبده لخطيئة اقترفها ماذا يقول العبد؟ أجابه الشيخ: إذ كان عبدًا صالحًا يقول: ارحمني لأني أخطأت. فقال الأخ: ألا يقول شيئا آخر؟ أجابه الشيخ: لا، لأنه ما أن يجعل اللوم على نفسه ويقول أخطأت حتى يتحنن عليه الرب للحال، ونهاية هذه جميعها أن لا يدين الإنسان قريبه. في الواقع عندما قتلت يد الرب أبكار المصريين لم يعد هناك بيت لا ميت فيه. فقال الأخ: وما معنى هذا أيضا يا أبت؟ أجابه الشيخ: إذا عكفنا عن معاينة خطايانا، لن نرى خطايا القريب، لأنه من الجهل أن يترك الإنسان ميته ويذهب يبكى ميت قريبه. أن تموت عن قريبك يعني أن تحمل خطاياك وأن لا تكترث لأي إنسان، صالحًا كان أم شريرًا. وأن لا تسيء إلى أحد، وأن لا تفكر بإساءة أحد في قلبك، وأن لا تحتقر من أخطأ، وأن لا تطيع من يسيء إلى قريبه ولا تفرح له. لا تثلب أحدًا، إنما قل إن الله يعرف كل واحدٍ. لا توافق المتكلم بالسوء على قريبه. هذا هو معنى الدينونة. لا يكن لك عداوة مع أحد. لا تحقد في قلبك على أحدٍ. لا تمقت من يعادي قريبه. هذا هو السلام.

موسى السائح

سياحته

وُلد في الإسكندرية ولما بلغ ثلاثة عشر عامًا مضى إلى برية شيهيت وسكن عند راهبٍ في قلاية صغيرة لمدة عشرين سنة. ثم توجه إلى البرية وسكن في روضة بها شجر زيتون ونخيل، يأخذ ما يسقط منها على قدر حاجته ويشرب ماء الأمطار. وكان لباسه من ليف النخيل وسعفه، وكانت الحيوانات تأنس إليه، وظل على هذا الحال خمسة وثلاثين عامًا.

سقوطه وتوبته

حسده الشيطان فتقدم إليه في صورة شيخ وحكى له أنه إنسان غني كان يحيا حياة الفساد ثم وزع ماله على الفقراء، وانه يسكن مدينة في الخمس مدن الغربية بالقرب من برقة، وأن الله كشف له أن ساعة موته قد قربت. وصارا يمشيان معًا في البرية حتى وصلا إلى قصرٍ عظيم، فقال له الشيخ أن بوفاته يصير هذا القصر له وابنته يتخذها له زوجة. ولما رأى القديس أن الشيخ قارب الوفاة وافقه على طلبه. فانتبه لوقته ليجد نفسه وسط البرية خائفًا وجائعًا ولا وجود للقصر، فعلم أنه وقع في حيلة عدو الخير.

نزل إلى الإسكندرية فقابله الشيطان في صورة فتاة، أقنعته أن يبيت عندها. ثم قالت له أنها ابنة أحد الملوك وتريد أن تتزوجه. فوافقها بعد أن أقنعته بكرامة الزواج تَمثُلاً بإبراهيم واسحق ويعقوب. ثم ادعت أنها يهودية وأنه لابد أن يصير على إيمانها حتى يتزوجا، فجحد المسيح. أخذته إلى البرية وهناك هزأ منه الشيطان، فتمرغ في التراب وأطال التضرع والبكاء إلى الله الحنون الذي أرسل إليه القديس الأنبا صموئيل والذي أعلمه أنه سيتنيح بعد ثلاثة أيام. ثم أخذه وناوله من الأسرار المقدسة بعد أن اعترف له بكل ما فعله الشيطان به.

تنيح بسلام، فدفنه الأنبا صموئيل وكتب سيرته وسلمها لرجل مسافر إلى الإسكندرية لمنفعة المؤمنين.

الآباء السواح، الجزء الثاني صفحة 25.

موسى الليبي القديس

كان من ليبيا وكان شديد التواضع، كثير العطف على الجميع، وبذلك اقتنى موهبة شفاء الأمراض.

قال مرة: "إنني عندما كنت صغيرًا سكنت في دير، وقد حفر ثمانية أخوة رهبان بئرًا، وقام سبعون آخرون ببناء سور حوله، وكانوا يتوقعون أن يجدوا ماء. ولما وصل الحفر إلى عشرين ذراعًا لم تخرج منه المياه فحزنوا وأرادوا أن يطمروه، ولكن عندما جاء الأنبا بيؤور وقت الظهيرة إلى موضع الحفر قال لهم: لماذا صغرت نفوسكم يا قليلي الإيمان؟" ثم نزل بسلم إلى قاع البئر وصلى هناك، ثم أخذ قضيبًا من حديد وغرسه في الأرض ثلاث مرات قائلاً: "يا إله القديسين لا تضيع جهد هؤلاء بدون جدوى، بل أرسل لهم ماءً بوفرة". وسرعان ما انفجر الماء من البئر حتى ابتل الحاضرون، ثم صلى معهم صلاة شكر لله ورحل عنهم. ولما أمسكوا به ليأكل معهم قال لهم: "إن الأمر الذي جئت من أجله قد انتهى ولم آت لآكل". وكان ذلك درسًا للاخوة في الإيمان والاتكال على الله.

بستان القديسين، صفحة 69.

موسى المعترف أو الشهيد

كاهن روماني من أصل يهودي، وكان من الأعضاء الرئيسيين في جماعة من المعترفين أيام الشهيد كبريانوس، نحو بداية ظهور بدعة النوفاتيين Navatianist. أما بقية أسماء جماعة المعترفين فهي: الكاهن مكسيموس Maximus، والشماسان نيكوستارتوس Nicostratus وروفينوس Rufinus، ويوربانوس Urbanus وسيدونيوس Sidonius ومكاريوس Macarius وسيليرينوسCelerinus.

يقول عنهم كبريانوس أنهم كانوا أول مجموعة من المعترفين في زمن اضطهاد ديسيوس Decius، ويبدو أنهم قد حُبِسوا في الوقت الذي استشهد فيه فابيان Fabian (20 يناير سنة 250م). وقد كتبوا في بداية الاضطهاد رسالة يحثون فيها المعترفين في قرطاجنة على الالتزام بالنظام، كما كتبوا رسالة أخرى إلى كبريانوس.

وبعد أن أمضوا حوالي سنة في السجن، وبالتحديد إحدى عشر شهرًا وبضعة أيام، تنيح موسى في واعتُبِر من بين المعترفين بل ومن الشهداء.

يقال أنه قبل نياحته بفترة قصيرة رفض موسى الاتصال بنوفاتيان Novatian والخمس كهنة الذين كانوا يساندونه ويؤيدونه في رأيه، إذ رأى أن إيمانهم ورأيهم لم يكن مستقيمًا.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. III, page 948.

Butler, November 25.

موسى المتوحد القديس

كانت القبائل العربية المنتشرة فيما بين الحدود المصرية الشرقية وبين الشواطئ الآسيوية قد اعتنقت المسيحية نتيجة لمجهودات أوريجانوس سنة 226 م. وحدث أن تكتلت هذه القبائل فألَّفت فيما بينها دولة واحدة تحت إمرة ملكة اسمها موفيا، فكونوا بوحدتهم قوة أفزعت الإمبراطور فالنس الأريوسي وجعلته يسعى إلى عقد معاهدة معهم.

وإذ اتحدت هذه القبائل شعرت بالحاجة إلى أسقف يرعاها، وكان يعيش في الصحراء الشرقية وقتذاك راهب متوحد اسمه موسى أحبه أفراد هذه القبائل وقرروا أن يختاروه أسقفاً لهم. فلما عرض الإمبراطور فالنس على الملكة موفيا عقد معاهدة معها ومع قومها، أعلمته باستعدادها لإبرام هذه المعاهدة بشرط واحد: هو أن يُمكِّن موسى القبطي من الذهاب إلى الإسكندرية لرسامته أسقفاً، ولم تكن الملكة موفيا قد اعتنقت المسيحية بعد ولكنها فيما اشترطت قد عبرت عن رغبة شعبها. ووافق الإمبراطور على هذا الطلب لرغبته الملحة في عقد المعاهدة مع القبائل المتكتلة.

ووصل موسى القبطي إلى الإسكندرية فوجد فيها لوسيوس الأريوسي الدخيل مغتصب الكرسي المرقسي كما وجد جميع الأساقفة الأرثوذكسيين منفيين، وعندها وقف في وسط الكنيسة المرقسية وقال بصوت جهوري: "إنني لا أستحق كرامة الأسقفية ولكني قبلتها استجابة للمحبة التي أولاني إياها من اختاروني وأولوني ثقتهم، ولن أقبل بحال ما أن يضع عليَّ اليد واحد من ناكري لاهوت سيدي ومخلصي الحبيب. فإن أوصلتموني إلى أسقف أرثوذكسي قبلت من يده هذه الكرامة العظمى، وإلا أعيدوني إلى وحدتي في الصحراء". وعبثاً حاول حام الإمبراطور أن يثنوه عن عزمه وعبثاً حاولوا إقناع الملكة موفيا أن ترجع عن تأييد الراهب موسى في موقفه الحازم وعبثاً حاولوا زحزحة الشعب عن اختيار هذا الراهب، فاضطروا في نهاية الأمر إلى الإذعان، وصحبوا الراهب موسى إلى أقرب منفى للأساقفة الأرثوذكسيين حيث وضعوا عليه اليد بين تهليل الشعب الذي امتزج فرحه بإعجابه بالراهب موسى الذي رفض في جرأة وعزة أن يذعن للحكام الغاشمين وأظهر زيف سلطان الأريوسيين وعجزهم.

بعد أن تمت رسامته ذهب الأسقف موسى إلى شعبه الذي أحبه وأكرمه، ومن ذاك الوقت كرس الأنبا موسى حياته وجهوده في خدمة هذا الشعب الذي ناصره على خصوم الأرثوذكسية. وقد نجح في النهاية إلى اكتساب الملكة موفيا إلى الدين المسيحي، ومن ذلك العهد انضمت بلاد العرب إلى الكرازة المرقسية.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الأول صفحة 347.

موسى المعترف

كاهن روماني من أصل يهودي، وكان من الأعضاء الرئيسيين في جماعة من المعترفين أيام كبريانوس Cyprian، وذلك نحو بداية ظهور بدعة النوفاتيين Navatianist. اما بقية أسماء جماعة المعترفين فهي: الكاهن مكسيموس Maximus، الشماسان نيكوستارتوس وروفينوس Nicostratus and Rufinus، يوربانوس، سيدونيوس، مكاريوس وسيليرينوس Urbanus, Sidonius, Macarius and Celerinus.

يقول عنهم كبريانوس أنهم كانوا أول مجموعة من المعترفين في زمن اضطهاد داكيوس Decius، ويبدو أنهم قد حُبِسوا في الوقت الذي استشهد فيه فابيان Fabian (20 يناير سنة 250م). وقد كتبوا في بداية الاضطهاد رسالة يحثون فيها المعترفين في قرطاجنة على الالتزام بالنظام، كما كتبوا رسالة أخرى إلى كبريانوس.

وبعد أن أمضوا حوالي سنة في السجن، وبالتحديد احدى عشر شهرًا وبضعة أيام، تنيح موسى في الأول من يناير سنة 251م واعتُبِر من بين المعترفين بل ومن الشهداء.

يقال أنه قبل نياحته بفترة قصيرة رفض موسى الاتصال بنوفاتيان Novatian والخمس كهنة الذين كانوا يساندونه ويأيدونه في رأيه، إذ رأى أن إيمانهم ورأيهم لم يكن مستقيمًا.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. III, page 948.

موسيوس الشهيد

كان كاهنًا مسيحيًا واستشهد في زمن اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس. وتقول سيرته أنه كان خطيبًا مسيحيًا بارعًا، وكان يعظ مبشرًا في أمفيبوليس Amphipolis بمكدونية Macedonia.

حدث في عيد باخوس Bacchus أن القديس أطاح بمذبح الوثن ملقيًا القرابين الموضوعة عليه إلى الأرض. كادت الجموع تفتك به لولا تدخل الوالي الذي قبض عليه وساقه للمحاكمة. وهناك حكم القاضي عليه بالموت حرقًا، فكان القديس يمشي في النار دون أن تؤذيه وكان بصحبته ثلاثة من الغرباء. ثم أُرسِل القديس إلى هراقليا Heraclea حيث عُذِّب بواسطة العجلة وبعدها أُلقي للوحوش الضارية التي رفضت أن تلمسه.

أخيرًا أُرسِل إلى القسطنطينية حيث قُطِعت رأسه سنة 304م.

Butler, May 13.

مونتانُس المنشق

نشأته

وطنه هو أردابو Aradabau قرية في فريجية، ظهر في المنتصف الثاني من القرن الثاني (حوالي سنة 170 م). سبب انشقاقًا في الكنيسة انتشر بصورة شاسعة، بقيت أثاره إلي القرن الرابع.

كان في الأصل وثنيًا ويري القديس ديديموس الضرير أنه كان كاهن وثن (الثالوث 3 - 41).

مبادئه:

1. علم بأن الإعلانات الإلهية الفائقة لم تنتهِ بنياحة الرُسل. بل أنه من المتوقع وجود إعلانات أكثر عجبًا من عصر الرسل وذلك بتدبير الباراقليط. بهذا ظهرت حركة الانفعالات العاطفية المثيرة بين المسيحيين في آسيا الصغرى، عرفت بالهرطقة الفريجية Phrygian heresy، كما عرفت باسم مؤسسها "المونتانية" Montanism.

يرى البعض أن مونتانس ادعي أنه الباراقليط، لكن أغلب الظن أنه ادعي بأنه أداة تتمتع بوحي الروح القدس الذي ينطق علي لسانه. فكان أتباعه يحسبونه كلماته هي كلمات الله نفسه.

قيل أنه نبي وتكلم كمن يتمتع بحالة دهش ورؤى إلهية.

يتحدث عن علاقة النبي بالله أنه كآلة موسيقية يلعب عليها الله، فما يخرج من فم النبي لا يحسب كلامًا بشريًا. إنما ينطق باسم الله ولحسابه. فجاء في إحدى مقتطفات له وردت في القديس ابيفانيوس: "فقد جئت لا ملاكًا ولا سفيرًا، بل الله الآب".

من بين تلاميذه هما سيدتان بريسكلا أو بريسكاPrisca وماكسيملا اللتان سقطتا في حالة انفعال شديد وتطلع إليهما مونتانس وأتباعه أنهما نبيتان مكرمتان جدًا.

لقد وعد القديس إكليمنضس السكندري أنه سيكتب عن "النبوة" كرد على المنتانيين (متفرقات 4: 13)، وأشار إليهم كأنبياء كذبة. أما ترتليان فدافع عنهم في عمله المفقود في 6 كتب عن الدهش. وجاء كثيرون من بلاد بعيدة ليلتقوا مع المنتانيين ويستمعوا اليهم.

2. عُرف المونتانيون بالنسك الشديد، مع كثرة أيام الصوم كانوا يمتنعون عن اللحوم والخمر والاستحمام والمشروبات كعصير الفواكه (فيما عدا السبوت والآحاد).

3. كانت الكنيسة تتطلع إلي الزواج الثاني بعد وفاة الشخص غير مستحب لكنه كنسي، أما المونتانيون فحرموه وحسبوه زنا.

4. كان المونتانيون يتسمون بالعنف في قبول الذين سقطوا في خطايا خطيرة.

يوسابيوس والبدعة الفريجية:

خصص المؤرخ يوسابيوس عدة فصول (باب5، فصول 16 - 19) للحديث عن هذه البدعة حيث اقتبس من أبوليناريوس الذي من هيرابوليس وغيره الكثير ضد هذه البدعة.

جاء عنه وعن تلاميذه في يوسابيوس القيصري:

بسبب تعطشه الذي لا يُحد للقيادة أعطي الخصم فرصة ضده، وأصبح خارج عقله. وإذ صار في حالة خبل وذهول صار يهذي وينطق بأمورٍ غريبةٍ، ويتنبأ بحالة مغايرة لعادة الكنيسة السليمة المُسلمة إليها من التقليد منذ البداية. (5: 16: 7 ترجمة القمص مرقس داود)

اشتد غضب بعض من سمعوا أقواله الزائفة وقتئذٍ ووبخوه كشخص قد مسه خبل، وساقط تحت سلطان إبليس، ومدفوع بروح مضل ومضلل للشعب، فمنعوه من الكلام، متذكرين نصيحة الرب نحو ضرورة التمييز (مت 7: 15)، الحذر من مجيء الأنبياء الكذبة... (5: 16: 8)

قيل أن مونتانُس ومكسميلا ماتا بنوع آخر، فإن الأخبار التي وصلتنا هي أنهما شنقا نفسيهما، إذ اعتراهما روح جنون. (5: 16: 13)

وتروي أيضًا الأنباء المتواترة عن ذلك الشخص العجيب، أول وكيل لنبوتهم المزعومة، المسمي ثيؤدوتس، الذي كان يقع في غيبوبة في بعض الأحيان، كأنه قد أصعد إلى السماء، وسلم نفسه إلي روح الضلال، تروي هذه الأنباء أنه أقيم كهدف ومات ميتة شنيعة. (5: 16: 14)

أطلق علي ببوزا وتيميون (مدينتان في فريبجية) اسم أورشليم، لرغبته في جمع الناس إليهم من كل الأرجاء. (5: 18: 2)

قد بينا أن هؤلاء النبيات هجرن أزواجهن حالما امتلأن من الروح، إذن فقد كذب الذين يقولون عن بريسكلا أنها عذراء. (5: 18: 3)

هذه مقتطفات مما ذكره يوسابيوس، كما أشار إلى أخطاء أتباع مونتانُس أو أتباعه مثل الاسكندر الذي حاكمه والي أفسس لا من أجل اسم المسيح بل من أجل السرقات التي ارتكبها بسبب ارتداده عن الحق.

Wace & Piercy: A Dictionary of the Early Christian Biography.

مونتانُس ولوسيوس ورفقائهما الشهداء

كانا ضمن ثمانية من تلاميذ الشهيد كبريانوس استشهدوا سنة 259 م في قرطاجنة.

وردت سيرتهم في حرف "ل" تحت "مونتانُس ولوسيوس ورفقائهما الشهداء".

مونيكا القديسة

طفولتها

"أنت الذي جبلتها يا الله...

أما أبواها فلم يعلما في ذلك الحين قيمة الدُرَّة الخارجة من أحشائهما ".

وُلدت سنة 332م في قرية تاغستا (سوق الأخرس الآن) بشمالي أفريقيا، وتربت تربية مسيحية صادقة. كانت وهي طفلة تترك رفيقاتها أحيانًا وتترك لعبها وتختفي وراء شجرة تركع وتصلي. وكلما كانت تكبر كانت تتفتح في قلبها رياحين المسيحية. كان جمالها بارعًا، وقامتها فارعة، وعقلها سديدًا، وحكمتها عظيمة، ونفسها كبيرة، وعاطفتها قوية.

حياتها الزوجية:

"كانت هي خادمة خدامك يا إلهي. كل من عرفها مجّد اسمك القدوس الذي فيها وسبَّحه وأحبه".

تزوجت مونيكا بغير إرادتها من رجلٍ وثنيٍ شريرٍ يدعى باتروشيوس، كان يشغل وظيفة كبيرة، فخُدِع أهلها به. كانت أمه حسودة شريرة كما كان الخدم أشرارًا، لكنها أيقنت بعد زواجها أن الله يريدها أن تحمل الصليب، فلم تتذمر لشرور زوجها وحماتها بل كانت تظهر لهما جمال المسيحية ووداعتها.

هُزمت حماتها أمام تواضعها وطول أناتها ولم تعد تسمح للخدم أن يشوا بمونيكا لديها أو لدى باتروشيوس، بل وطلبت من ابنها جلد الخدم الأشرار.

كانت مونيكا تقابل ثورات غضب زوجها بالحلم والصمت والصبر. وحينما كان يهدأ كانت تشكو له برقة وحنان ما نالها من غضبه فكان يلوم نفسه ويّعِد بإصلاح ذاته، لكنه كان يعود لسيرته الأولى. رزقت بثلاثة أولاد كان أكبرهم أغسطينوس، فكانوا موضع عنايتها وكانت تتعزى بهم عن حماقة زوجها وشراسته.

حياة الصلاة مع العمل:

أهم ما تتصف به هذه القديسة البارة هو إيمانها بقوة الصلاة، لقد تم فيها قول الآباء: "طوبى لمن يقف على باب الصلاة". بالصلوات الحارة الخارجة من قلبها المفعم بالإيمان كسبت كلاً من زوجها الشرير وابنها الذي انحرف، شأن شباب عصره.

وضعت في قلبها أنها لابد أن تربح نفس زوجها، وكان إيمانها وطيدًا حتى كانت ترشد المُعَذَبات مثلها بأن الصلاة هي مفتاح الفرج. كانت الثمرة الأولى لصلاتها هي إيمان زوجها الوثني، ففرحت لذلك جدًا ونسيت آلامها، لكنه ما لبث أن مرض ومات وترملت في شبابها.

استجاب الله لدعاء مونيكا فقبل زوجها باترشيوس الإيمان في الوقت الذي كان أغسطينوس في السابعة عشر من عمره.

بعد وفاة زوجها تفرغت لأولادها ولخدمة القريب وأعمال العبادة، فكانت تذهب كل يوم إلى الكنيسة. وهبها الله نعمة الدموع حتى اشتهرت بين قديسي الكنيسة بهذه الفضيلة.

وكانت تخصص أوقاتًا طويلة لزيارة المرضى وخدمتهم وخدمة الفقراء وتعزية الأرامل وتقوية قلوب الزوجات المتزوجات بأزواج أشرار والأمهات اللواتي لهن أولاد شاردون.

انحراف أغسطينوس:

أتم أغسطينوس دراسته في مدرسة مادورا Madaura بثاجست Thagaste وكان متفوقا حتى على معلميه إذ كان موهوبًا وذكيًا.

أراد والده أن يرسله إلى قرطاجنة ليقضى عامين في الدراسة. وكان لا بد من قضاء سنة في بيته حتى يدبر له والده المال اللازم لنفقات الدراسة. وكانت هذه السنة تمثل وباء أفسدت حياة أغسطينوس إذ كان في بطالة وكسل لا عمل له سوى أصدقاء السوء. كان قائدًا لهم في سرقة الكمثرى من حدائق جيرانهم مع أن حديقته كانت مليئة بتلك الثمار. لكنه كان يهوى القيادة، يسرق ليلقى بالكمثرى للخنازير.

برع في دراسته بقرطاجنة وفاق الجميع واشتعل قلبه بحب الحكمة. وكانت أمه تطمع له في المزيد من العلم، إذ كانت تأمل أن العلم يرتقى به إلى معرفة الله.

ما أن وصل ابنها أغسطينوس إلى سن الشباب حتى انحرف انحرافًا خطيرًا، إذ أن سيدة تكبره أغوته وهو شاب صغير. ووصل الأمر به أن صار له خليلات عشيقات وابن غير شرعي.

كانت نصائحها له غير مجدية على الإطلاق. فيقول أغسطينوس بعد توبته في مناجاة لله:

"أمي التقية قد تكلمت، وصوتها على ما أرى كان صدى صوتك.

فلأنها كانت تلح عليَّ بشدة لأعتزل الغواني وكل أنواع الفجور، لم أكن أعيرها أذنًا صاغية ولا أكترث بأقوالها، لأنها أقوال امرأة، بينما هي صادرة من لدنك.

فكان امتهاني لها امتهانًا لك، وعدم اعتباري لها عدم اعتبار لأقوالك ".

وضعت كل ثقلها في الدموع والصلاة والصوم لكي يعيد الله ابنها. يقول القديس أغسطينوس:

"باتت أمي تبكي عليَّ بكاءً فاق بكاء الأمهات على فقد أولادهن بالموت الجسدي.

وأنت يا مولاي قد استمعت لها.

ولم تزَل تلك الدموع التي كانت تذرفها في صلواتها بين يديك حيث كانت تبلل وجه الأرض بدموعها ".

أخذت تركض وراءه من بلدٍ إلى بلدٍ، وهو الابن الضال، وتسأله بدون تذمر أو يأس، وبقيت على هذه الحال عشرين سنة.

رؤيا مطمئنة:

إذ سكبت القديسة مونيكا الدموع لسنوات من أجل ابنها، وطلبت من الكاهن أن يصلي لأجله قدم لها الله تعزية في حلم.

رأت نفسها تقف علي منصة خشبية وإذا بصبي مشرق الوجه يبتسم بينما كان الحزن يملأ كيانها. جاء الصبي يسألها عن سبب حزنها ودموعها المستمرة التي لا تجف، فأجابته: "إنني أبكي من أجل ضياع نفس ابني".

قال لها الصبي: "انظري وتأملي أيتها الأم، في المكان الذي تقفين يقف ابنك أيضًا"، تلفتت مونيكا وإذا بها تقف علي منصة عالية ومعها ابنها أغسطينوس.

روت هذا الحلم على ابنها، أما هو فقال لها: "لا تيأسي يا أمي! فربما تصيرين حرة يومًا ما مثلي". أما هي ففي يقين بعمل الله قالت له: "كلا! إنه لم يقل لي حيث يكون ابنك تكونين، بل حيثما تقفين فهناك يقف ابنك أيضا".

جهادها لخلاص ابنها:

في عام 382م سافر القديس أغسطينوس إلى روما بإيعاز من أصدقائه طلبًا للمجد الزمني والغنى. حاولت والدته أن تصدّه عن ذلك فلم تفلح، لذلك عزمت على السفر معه. احتال عليها بقوله أنه ذاهب ليودع صديقًا له على السفينة تاركًا إيّاها غارقة في دموعها.

طلب حاكم ميلان من حاكم روما أستاذًا للبيان فأرسل إليه أغسطينوس، هناك التقى بالقديس أمبروسيوس أسقف ميلان. أحبه أغسطينوس وأعجب بعظاته لما فيها من قوة البيان، دون أن يهتم بخلاص نفسه.

لم تستسلم القديسة مونيكا بل أبحرت إلى ميلان لتلتقي بابنها.

توسلت في إحدى المرات إلى القديس أمبروسيوس أن يتناقش مع ابنها ليردّه إلى صوابه. ولكنه اعتذر، لأنه كان يدرك أنه لا جدوى من النقاش مع إنسان يعتز بعقله وذكائه وله أسلوب في المراوغة، وطلب إليها الأسقف أن تصلي. لكنها ألحَّت عليه أكثر، فردَّ عليها بعبارة مشهورة:

"اذهبي في طريقك والرب يباركك.

ثقِِ يا امرأة أن ابن هذه الدموع لن يهلك ".

تركها أغسطينوس إلى روما حيث الشهرة، وكانت الأم تبكي وتتوسل إلى ولدها لكي يبقى إلى جوارها، ليس من أجل راحتها وحنانها وشوقها إليه، إنما كانت دموعها من أجل بُعدِه عن الله، لأنه لم يكن قد نال نعمة العماد بعد ولم تكن هناك بارقة أمل في توبته.

أخيرًا بعد هذه السنوات الطويلة أتت نصيحة الأسقف ثمارها وأنبتت دموع الأم غرسًا مباركًا. تاب أغسطينوس وحق أن يُدعى "ابن الدموع"، وصارت له أمه مونيكا أمًا بالجسد والروح، فقد تمخضت به وولدته إنسانًا للعالم، وناحت عليه حتى ولدته ابنًا للمسيح والكنيسة.

يتذكر أغسطينوس بعد توبته ومعرفته لله أمه ودموعها السخية فيقول في مناجاته لله:

"خادمتك، عبدتك، التي حملتني في الجسد لأولد للنور الزمني.

وحملتني في القلب لأولد للنور الأبدي.

أمي التي أنا أؤمن أن كل ما يفيض فيَّ من حياة يرجع إليها، إلى الدموع الأمينة إلى الدموع الدائمة، إلى دموع أمي وُهِبْتُ حتى لا أهلك ".

سافرت إلى ميلان بإيطاليا وحضرت عماد ابنها أغسطينوس على يد أسقفها العظيم أمبروسيوس مرشده الروحي، وكانت فرحتها لا توصف. وارتفع قلبها إلى عرش الله مع من كانوا يسبحون قائلين: "نسبحك ونباركك يا الله. بالحقيقة نعترف أنك ربنا. الأرض وملؤها تسجد لك أيها الآب الأزلي. أنت الذي يقف أمامك الملائكة والرئاسات والسلاطين والقوات. أنت الذي يسجد أمامك الشاروبيم والسيرافيم يمجدونك على الدوام صارخين بغير سكوت قائلين قدوس قدوس قدوس".

بعد العماد أراد أغسطينوس العودة إلى أفريقيا فرافقته أمه مونيكا في السفينة وكانت تقول له: "يا بُنيَّ إن بقائي على الأرض أضحى فضوليًا، ولا أدري لماذا لا أزال حية، لأنه لم يبقَ لي شهوة أطمع فيها فلقد تحققت رغباتي كلها".

وبعد خمسة أيام من هذا الكلام مرضت مرضها الأخير الذي عبر بها إلى الأبدية. وقالت لابنها: "ادفنِّي أينما شئت. أسألك فقط أن تذكرني دائمًا أمام هيكل الله أينما كنت وحيثما اتجهت". وفارقت روحها جسدها وانطلقت إلى المسيح الذي أحبته وهي تصلي وتتشفع بالعذراء الطاهرة والقديسين سنة 387م، ولها من العمر ست وخمسين سنة.

يُعلق القديس أغسطينوس على انتقال أمه بقوله:

"كنت أشعر بأمواج من الأحزان تثور في أحشائي.

وكنت أتماسك لكي لا أذرف الدمع أمام أمي وهي في لحظاتها الأخيرة، بل كنت جاثيًا أمامها كمن يجثو أمام الأيقونات في الكنيسة ".

دار مجلة مرقس: القديسة مونيكا أم أغسطينوس.

موهوب بن منصور الشماس

جمع سير الآباء البطاركة

نشأ في الإسكندرية وأحب الكنيسة وشعائرها إلى أن أصبح شماسًا يخدمها. ولقد أدى هذا الشماس خدمة كبرى لأنه جمع سير الآباء البطاركة، وقد قال في مقدمة هذه السير: "اشتهيت أنا الخاطئ البائس أن أجمع تراجم الباباوات ليكون ذلك ربحًا لي ولمن يقرأها بعدي، فاستعنت بالله تعالى ذكره وسرت إلى دير القديس أبو مقار بالوادي المقدس فوجدت هناك الشماس أبا حبيب ميخائيل الدمنهوري".

اتفق الشماسان على العمل معًا فأخذا ينتقلان في مختلف الأديرة. ووجدا في دير السيدة العذراء بنهيا سيرة اثنين وأربعين من الباباوات ابتداء من مار مرقس، وفي دير الشهيد الجليل تادرس بإبلاج سيرة أربعة منهم: من الثالث والأربعين إلى السادس والأربعين، وعادوا إلى دير السيدة العذراء مرة ثانية فعثروا على سير الآباء من السابع والأربعين إلى البابا الخامس والخمسين. ثم رجعوا إلى دير الأنبا مقاريوس الكبير حيث استكملوا السير من البابا السادس والخمسين إلى البابا الخامس والستين، فجمعا كل هذه السير ونقلاها.

أخذها الأنبا ميخائيل أسقف تنيس (الذي كان الشماس أبا حبيب) وطلب إلى راهب من أبنائه أن ينسخ نسخة له خصيصًا. أما موهوب فانشغل بعد ذلك بتسجيل سيرة الأنبا خريستوذولُس البابا السادس والستين، الذي تنيح سنة 1077م وكان الشماس موهوب معاصرًا له.

السنكسار الأمين، 12 بشنس.

مويسيس أسقف أوسيم القديس

الأسقف الراهب

من أعلام الكنيسة وقديسيها العظام في القرن الثامن الميلادي. نشأ على حب الطهارة والبتولية منذ نعومة أظافره وتعلم علوم البيعة.

ترهب منذ شبابه في برية شيهيت وعاش في طاعة أحد الآباء النساك لمدة ثمانية عشر عامًا، سالكًا في طريق الفضيلة والنسك الشديد. وبسبب ذيوع فضيلته اختير أسقفًا لأوسيم (مركز أمبابه بمحافظة البحيرة) وكانت حياته مدة الأسقفية امتدادًا لحياته الرهبانية في البرية. عاش حياة التجرد واتَّصف بالتقوى والشجاعة، وكان يقضي معظم أوقاته في العبادة حتى قيل أنه كان لا يقابل أحدًا من الشعب إلا في يوميّ السبت والأحد، وكان غيورًا على الإيمان الأرثوذكسي.

مرارة الضيق

نال موهبة صنع الآيات والعجائب وشفاء الأمراض كما أُعطي موهبة النبوة.

جاء وقت على الكنيسة من شدة الضيق عاد الأساقفة إلى أديرتهم ليتفرغوا للصوم والصلاة ليرفع الرب الضيقة، أما الأنبا مويسيس فاستمر مع شعبه يثبتهم ويحفظهم من الذئاب الخاطفة.

أتاه يومًا بعض أراخنة مصر وطلبوا إليه أن يصلي إلى الله ليرفع الضيق عنهم وعن شعبه، لأنهم أحصوا الذين اعتنقوا الإسلام فوجدوا عددهم أربعة وعشرين ألفًا، فقال لهم: "آمنوا يا أولادي أن الوالي الذي يضطهدكم يهلك في بحر هذا الشهر"، وفعلاً تم الأمر كما قال.

سجنه مع البابا

لما اضطهد مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين البابا خائيل، لازمه الأنبا مويسيس واشتهى أن يستشهد ويسفك دمه على اسم المسيح، وما أن وصلا إلى خيمة مروان طرح الجند الأنبا مويسيس على ركبتيه ورفعوا رجليه إلى أعلى وضربوه بدبابيس نحاس على جنبيه ورقبته، وكان المُعذِبون يطبون منه رشوة ليطلقوه أما هو فلم ينطق ببنت شفة لأنه كان لا يفهم لغة الجند العربية. وأمر مروان بقطع رقبة البابا خائيل بالسيف وساقه السياف إلى موضع تنفيذ حكم القتل، فجرى خلفه الأنبا مويسيس. حاول السياف منعه لكنه لم يمتنع، حتى غضب منه أحد الجند ورفع عليه دبوس نحاس ليضربه به، فمد القديس رأسه لكن بعض الموظفين منعوا الجلاد من ضربه، ثم زُجّ به في السجن مع البابا ووضعت القيود في أرجلهما مع كثيرين، لكن الأنبا مويسيس تنبأ بأنهم سيخرجون من السجن سالمين، وبالفعل تم قوله بهزيمة مروان أمام العباسيين.

نبوته عن دولة بني أمية

في أثناء ثورة البشموريين للأقباط سأله تلميذ له عن نهاية الأمر فكان جوابه: "الله لا يترك كنيسته إلى النهاية بل يخلصها، وهذه المملكة (دولة بني أمية) تبيد ويحل محلها دولة أخرى". وقد تمت هذه النبوة بسقوط دولة بني أمية، وقيام دولة العباسيين.

استمر الأنبا مويسيس مرافقًا للبابا خائيل وفيًا له وللكنيسة طوال أيام التجارب المرة، أيضًا مرض وعلم بدنو ساعة رحيله من هذا العالم، فاستدعى رعيته وأوصاهم وباركهم وتنيح بسلام.

كنيسة مارمينا بمريوط

عاصر هذا الأسقف البابا خائيل البطريرك 46، وحاول الخلقيدونيون بأسلوب ملتوٍ وللتشفي أن ينزعوا ما في كنيسة مار مينا بمريوط من زينة رخامية وأعمدة، وعرض بعض الأراخنة على البطريرك أن يدفع رشوة للقاضي، لكن الأنبا مويسيس تصدى لأصحاب هذه المشورة وقال أنه لا يليق بالبطاركة والأساقفة أن يدفعوا رشوة لأحد والله لن يتخلى عنا. وحدث أنه في ذات الأسبوع عُزِل القاضي المرتشي.

تعيِّد له الكنيسة في يوم 11 مسرى.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 57.

مويسيس وسارة أخته الشهيدان

رهبنتهما

وُلدا من أبوين مسيحيين غنيين، ولما تنيح والدهما أراد القديس مويسيس أن يزوج أخته ويُسَلِّم لها جميع مالهما ويترهب. فأجابته: "تزوج أنت أولاً وحينئذ أتزوج أنا أيضًا"، فقال لها: "أنا صنعت خطايا كثيرة وقصدي أمحوها بالرهبنة لأنه لا يمكن أن أهتم بالزواج وبخلاص نفسي". فأجابته قائله: "وكيف يجوز لك أن ترميني في فخاخ العالم وتسعى أنت إلي خلاص نفسك؟" فقال لها: "إن شئتِ يكون لكِ"، فأجابته: "كل ما تفعله أنت أفعله أنا لأننا من أب واحد وأم واحدة".

لما رأى قوة عزمها وزع كل مالهما على الفقراء والمساكين وأدخلها دير للعذارى بظاهر الإسكندرية، ودخل هو أيضا أحد أديرة الرجال. وقضى الاثنان عشر سنوات لم يعاين أحدهما الآخر.

استشهادهما

ولما أثار الملك ديسيوس الاضطهاد على المسيحيين في عهد رئاسة البابا ديمتريوس البطريرك الثاني عشر واستشهد كثيرون، أرسل هذا القديس إلي أخته يودعها ويعرفها أنه يريد الاستشهاد على اسم السيد يسوع المسيح. فأسرعت إلي الأم الرئيسة وطلبت منها إطلاق سبيلها، وبعدما تباركت من أخواتها الراهبات لحقت بأخيها وهو في طريقه إلي الإسكندرية واعترفا معًا بالسيد المسيح. وبعد تعذيبهما بعذابات كثيرة قطعوا رأسيهما فنالا إكليل الشهادة.

السنكسار، 26 مسرى.

مياثيوس الأب

لا يملك شيئًا ماديًا

قالوا عن الأب مياثيوس أنه كان يخرج من قلايته حتى إن جاءه فكر يدعوه عدم مغادرة المكان. ولم يكن يعود إليها، لأنه لم يكن يملك شيئًا ماديًا من هذا الزمان الحاضر، سوى آلة حادة كان يقطع بها الخوص. وكان ينجز في اليوم الواحد ثلاث سلال، أي مقدار ما يحتاج إليه من أجل الطعام.

الصوم

قالوا عن مياثيوس آخر، أنه كان متواضعًا جدًا، وكان قد تدرّب على يد مصريين عديدين وعاشر شيوخًا كثيرين أمثال الأب سيصوي والأب بيمن. وقد أقام عند نهرٍ صغيرٍ في سيناء. وحدث أن زاره أحد القديسين كما قال هو نفسه وقال له: كيف تمضي وقتك في هذه البرية يا أخي؟ أجابه: أصوم كل يومين وآكل خبزة واحدة فقط. فقال لي: إذا أردت أن تسمع لي، تناول طعامًا كل يوم مقدار نصف رغيف. فلما فعل كما أوعز إليه وجد راحة.

سأل بعض الآباء الأب مياثيوس قائلين: إذ فضل طعام لليوم التالي، هل تريد أن يأكله الاخوة؟ قال: إذا فسد، لا يحسن أن نلزم الاخوة به لئلا يمرضوا، لذا نرميه. ولكن إذا كان شهيًّا صالحًا للأكل ورُمي بسبب الترف، وطبخ سواه، فهذا أمر رديء.

الحياة الجماعية البناءة

وقال أيضًا: في البدء، لما كنّا نجتمع معًا ونتباحث في أمور نافعة، بانين بعضنا بعضًا، كنّا نصير أجواقًا أجواقًا ونرتفع إلى السموات. ولكن الآن عندما نجتمع ليدين أحدنا أخاه، فإننا نهبط إلى أسفل.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983

ميثوديوس أسقف اوليمبيس

أسقف أوليمبيس

يدعي Eubulis، يعيد له الغرب في 20 يونيو و18 سبتمبر.

أسقف أوليمبيوس في ليكية Lycia في جنوب أسيا الصغرى ثم أسقف باتراPatara. استشهد في عام 311 في خالقيس ببلاد اليونان. نسيه أو تناساه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري ربما لموقفه المضاد للعلامة أوريجينوس.

لعله غير ميثوديوس أسقف بتارس في سوريا ثم أسقف صور في فينيقية، الذي استشهد في خلقيس سوريا.

ثقافته وأفكاره

قرأ أفلاطون وأحب أسلوبه الحواري لذلك صنف مقالات علي نفس المنهج.

عارض أوريجينوس في الوجود السابق للنفوس وفي قيامة الجسد بالروح، وأن الجسد هو سجن للنفس.

استشهاده

يقول القديس جيروم "نال اكليل الاستشهاد في نهاية الاضطهاد الأخير (أي في الاضطهاد الذي اثاره دقلديانوس)، بينما يؤكد البعض أنه استشهد في عصر ديسيوس وفاليريان في خالقيس Chalcis باليونان". غير أن بعض الدارسين يرفضون فكرة استشهاده المبكر، إذ تحدث عنه يوسابيوس القيصري بكونه معاصرًا له.

كتاباته

استمد ميثوديوس شهرته من كثرة كتاباته، منها:

1. وليمة العذارى Symposion è peri agneias وهي حوار في مديح البتولية، ينتهي بأغنية تترنم بها تكلا، مرتبة علي حروف الهجاء. تعتبر من أوائل الترانيم المسيحية. استعان الكاتب بالمزمور 45 (44) "جلست العروس عن يمين المسيح موشاة بالذهب".

وهو العمل الوحيد له الموجود بكامله، يكشف عن إعجابه الشديد بأفلاطون، إذ اقتبس منه طريقة حواره. لم يقتبس منه عبارات فحسب، إنما اقتبس أيضًا فكرة العمل ككل.

تقدس وليمة أفلاطون المديح في الحب، ويقدس هذا العمل المديح في أمجاد البتولية.

2. "اغلافون أو حول القيامة": فُقد هذا العمل، لكن وُجدت اقتباسات كثيرة منه في أبيفانيوس (ضد الهرطقات 64) وفوتس (Cod. 234) ويوحنا الدمشقي (الأيقونات عظة 2).

أخذ طريقة الحوار الأفلاطونية، فيه يفند أوريجينوس وأتباعه.

فأتباع أوريجينوس يرفضون قيامة الجسد المادي وينادون بأنه يكفي القول بأن الذي يقوم هو شكل الجسد مزينًا وممجدًا. في السماء أجسادنا ستكون روحية، وكما يعلمنا القديس بولس: "يُزرع جسد طبيعي ويقوم جسد روحاني"، إن لحمًا ودمًا لا يرثان ملكوت الله ". ففي رأيهم أن الإنسان كان أصلاً في الفردوس، أي في السماء الثالثة (2 كو12)، ليس لديه إلا جسد روحاني، وإذ أخطأ نزل إلى الأرض حيث صنع الله له قميصًا من جلد، بمعنى أنه صار لنا الجسد المادي كعقوبة. هذا الجسد المادي هو مصدر التجارب للنفس وبدونه لا تقدر النفس أن تخطئ.

عندما نقوم لنوجد حيث لا موضع للخطية نصير مثل الملائكة ونتحرر من الجسد الذي يمثل ثقلاً علي النفس.

يرد علي ذلك القديس ميثوديوس بأن الجسد هو أداة في يد النفس يمكن أن تستخدمه النفس في الصلاح كما في الشر. وحينما يقول الكتاب إننا نصير كملائكة الله فلا يعنى هذا أننا نصير بلا أجساد وإنما نشبههم في عدم الفساد وعدم التغيير.

يقول أيضا أنه بالموت لم يرد أن يقيم منا غير ما خططه لنا في خلقتنا. إنه يشبه الفنان الذي إذا ما وجد صنعة يديه قد فسدت يعيد عجنها ليشكلها من جديد كما كان في ذهنه من نحوها. هكذا بالموت يشكلنا الله فنتحرر من فساد الخطية.

هو حوار جريء في بيت الطبيب اغلافون في باترا. فيه أيد قيامة الجسد الذي شارك النفس جهادها فيشاركها مجدها. وانه ليس بجسد روحاني آخر. لم ينكر ما يتمتع به الجسد من تجديد سماوي إذ يقول عن السيد المسيح:

"صار جسدًا حقيقيًا ومات موتًا حقيقيًا لا بالتشبه، وذلك ليظهر أنه أول القائمين من الموت، محولاً ما هو أرضي إلي سماوي، وما هو فانٍ إلي خالد".

يقول أن الإنسان كان في البدء خالدًا نفسًا وجسدًا، وأن الموت وافتراق النفس عن الجسد من نتائج حسد الشيطان، فإن غاية الفداء جمع ما فرقه الشيطان.

3. يذكر القديس جيروم في كتابه "مشاهير الرجال" ف 83 وفي رسالتيه 48، 70 أن ميثوديوس أجاد الرد علي بورفيري الفيلسوف، وفي دحضه رسائله الخمس عشرة التي وجهها ضد المسيحيين.

4. يخبرنا القديس جيروم عن عمل آخر يدعي العرافة موجه ضد أوريجينوس، وهو حاليًا مفقود.

وهو نفس العنوان الذي استخدمه أؤستاثيوس في كتابه للرد علي العلامة أوريجينوس الذي ظن أن نفس صموئيل النبي كانت تحت سلطان إبليس وقد استدعتها العرافة بواسطة السحر. بلا شك أن رد ميثوديوس كان مختلفًا تمامًا عن رد أؤستاثيوس إذ أعتقد الأخير بأن نفس صموئيل كانت مستدعاة فعلاً.

5. ذكر سقراط (التاريخ الكنسي 6: 13) عملاً آخر لميثوديوس يدعي Xeno، يري البعض أن هذا العمل هو بعينه العمل التالي الذي أشار إليه فوتيوس.

6. "عن الأشياء المخلوقة": حفظ لنا فوتيوس مقتطفات منه. فيه رد علي التعاليم الأوريجانية التي نادت بسرمدية العالم. فإن كان الله أزلي لم يكن هناك وقت لم يكن فيه القدير الخالق، إذ حتمًا لا بد من وجود خليقة منذ الأزل، لأنه لا يوجد خالق بدون خليقة. وقد جاء هذا العمل في شكل حوارٍ يجيب علي هذه الافتراضات الخاطئة.

7. "عن حرية الإرادة": حوار يثبت أن إرادة الإنسان حرة، وهي مسئولة عن الشر. غالبًا كان موجه ضد اتباع فالنتينوس والغنوصيين.

8. أعمال مفقودة مثل: عن الشهداء، تفسير سفر التكوين، وتفسير نشيد الأناشيد.

من كلماته

تنمو الكنيسة يومًا فيومًا في القامة والجمال خلال تعاونها مع اللوغوس واتحادها معه، هذا الذي ينزل إلينا حتى الآن ويستمر نزوله في ذكري آلامه.

لا يتراخى أحد في مقابلة الملك حتى لا يُطرد من جمال العرس.

ليته لا يوجد فينا من يستقبله بكآبة، لئلا يُدان كشرير رافضٍ لاستقبال الملك.

لنأتِ إليه معًا ببهجة، ونستقبله بفرح، ونتمسك بوليمتنا بكل أمانة.

إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس، وأمسك بمصباح مضيئ واذهب لأقابلك.

الدكتور أسد رستم: آباء الكنيسة، القرون الثلاثة الأولي.

Henery Wace& William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

ميخائيل إبراهيم القمص

كاهن معاصر قدّم لنا أيقونة حية للحياة السماوية الجادة المتهللة في الداخل والتي بلاهم. عبر كنسيم هادئ ترك أثاره العذبة علي حياة الكثيرين. سند كهنة كثيرين جدًا وسط آلامهم وقادهم في طريق الإنجيل الحق بروح الحب والتواضع.

الذين عرفوه أو رأوه أو تتلمذوا علي يديه رأوا سلسلة لا تنقطع من قصص معاملات الله الفائقة معه، ونعمة الله السخية في حياته.

نشأته

ولد ميخائيل في أبريل سنة 1899 وتربي في حضن الكنيسة بكفر عبده والتحق بمدرسة الكنيسة، فالتهب قلبه بحب الله والارتباط بالخدمة. كما التحق فيما بعد بمدرسة الأقباط الكبرى. وعين موظفًا بوزارة الداخلية في مراكز البوليس بفوة ثم شربين فكفر الشيخ، ثم بلبيس فههيا حيث قضي عشرة سنوات (1938 - 1948) ثم محافظة الجيزة لمدة ثلاث سنوات. ومنها انتقل إلى الخدمة الكهنوتية في بلدته بكفر عبده، في 16 سبتمبر 1951.

عمله الكهنوتي

بدأ خدمته في كفر عبده بإلغاء الأطباق لجمع التبرعات حتى يقدم كل واحدٍ لله في الخفاء. كما قام بإلغاء الرسوم علي الخدمات الكنسية، فأحبه الشعب جدًا والتف حوله. وبعد عام من سيامته أعطاه الأسقف القمصية في مايو 1952.

بأبوته الحانية ورعايته لكل بيتٍ، بل ولكل شخصٍ جذب الكثيرين إلى حياة التوبة والاعتراف، من كفر عبده والبلاد المحيطة بها.

انسحابه إلى القاهرة

أثار عدو الخير شريكه في الخدمة حاسبًا ما يفعله أبونا ميخائيل نوعًا من المغالاة لا معني له. ثار ضده فانسحب أبونا بهدوء إلى أسرته بالقاهرة عام 1955م، والتجأ إلى كنيسة دير مار مينا بمصر القديمة، وكان يصلي بحرارة ودموع لكي يفتقد الرب شعبه في كفر عبده.

دعاه أبونا مرقس داود ليخدم معه في قداس الأحد بسبب غياب أحد الآباء الرهبان، واستراحت نفسه له فطلب منه أن يخدم معه، وبقي في خدمته بالكنيسة خميرة عجيبة مقدسة تعمل في حياة الكثيرين، حتى يوم نياحته سنة 1975م.

باركني يا ابني!

كان أبونا ميخائيل إبراهيم في زيارة أحد العائلات وفجأة قام ليصلي لكي ينصرف. تعجب أهل البيت من تصرفه هذا، فقالوا له:

لماذا أنت مستعجل يا أبانا؟

ابني إبراهيم (روَّح)!

وليكن، فهو ذاهب إلى بيته.

ذهب إلى الفردوس.

بالفعل عرفوا بعد ذلك أنه في هذه اللحظات أسلم ابنه الدكتور إبراهيم الروح وانتقل من هذا العالم.

أذكر ذلك عن الدكتور إبراهيم الذي تحدث عنه والده في جلستنا معًا في منزل المتنيح القمص مرقس باسيليوس، فقد روى لنا هذه القصة.

إذ كنت جالسًا في حجرة الاستقبال بالمنزل وأنا مستيقظ كنت أفكر في مشكلة معينة لا يعرف حقيقتها إلا ابني إبراهيم. رفعت عينيّ وأنا جالس على الكرسي وقلت: "أليس ممكنًا أن ترسل لي يارب ابني إبراهيم لكي يخبرني بالأمر؟" فجأة وجدت إبراهيم واقفًا أمامي بثوبٍ أبيض جميل. قال لي: "ماذا تريد يا أبي؟"

تطلعت إليه وفرحت جدًا، وقلت له: "أنت لبست الثوب الأبيض يا ابني! لا أريد أن أوسخه لك بالاهتمامات الزمنية... ما أريده هو أن تصلي من أجلي وتباركني".

ختم أبونا حديثه بقوله: "فباركني ابني إبراهيم وانصرف". ربما أخAI بعض أحاديث الحب الروحي والمباركة المتبادلة بينهما!

هل هو صوتها؟!

روى لنا أبونا ميخائيل إبراهيم، نيَّح الله نفسه، هذه القصة التي حدثت معه. جاءه الزوج الشاب يشتكي زوجته، قائلاً: "إنها تسبُني بألفاظ صعبة وقاسية بلا سبب"، ثم بدأ الزوج ينطق ببعض كلمات السبّ، وأبونا يسمع إليه حتى انتهى الزوج من حديثه دون تعليق من جهة أبينا. سأله الأب الكاهن: "هل متأكد أن هذه الكلمات صدرت عن زوجتك؟"

نعم، فأنا لا أكذب.

هل هو صوتها؟

إنه صوتها!

هل أنت متأكد؟

إنها زوجتي، عشت معها كل هذه السنوات، وهي التي تسبّني.

ابتسم أبونا ميخائيل وهو يقول: "إنها ليست زوجتك؛ عدو الخير يتكلم على فمها لكي يحطم بيتكما. هي صالحة، لكن الشيطان يريد أن يهلكها ويهلكك. ارجع إلى زوجتك ولاطفها".

عاد الزوج إلى بيته وصار يُصلي لأجل زوجته ولأجل نفسه، وصار يلاطفها بحبٍ صادقٍ فتحوَّل البيت إلى كنيسة مقدسة مملوءة سلامًا!

درسٌ من شيخٍ ساقطٍ

في بدء خدمتي في الكهنوت جاءني رجل شيخ لا أعرفه وطلب مني أن يعترف. وفي خجلٍ شديدٍ همس قائلاً: "إني لأول مرة أسقط في خطية الزنا". في بساطة ظننته أنه يشكو من نظرةٍ خاطئةٍ هذه التي نحسبها أيضًا زنا... فقال لي إني لست اقصد النظرة. تحدثت معه على أنها لمسة خاطئة، لكنه عاد ليؤكد أنه ارتكب الخطية فعلاً. لم أكن في ذلك الوقت أتصوّر إنسانًا ما يرتكب هذه الخطية.

في مرارة ذهبت إلى أبينا المتنيح القمص إبراهيم ميخائيل وأنا منكسر النفس جدًا. رويت له ما حدث دون ذكر للاسم، خاصة وأن أبانا من القاهرة لا من الإسكندرية. وإذ رآني مرتبكًا للغاية هدأ من روعي قائلاً:

أتعرف لماذا أرسل لك الله هذا الشيخ الساقط؟

لست أعلم!

يريد أن يعطيك في بدء خدمتك الكهنوتية عدة دروس، منها:

الدرس الأول: لا تأتمن جسدك حتى إن بلغت الشيخوخة أو كنت كاهنًا! كن حريصًا وحذرًا!

الدرس الثاني: لا تقسو على شابٍ ساقطٍ، فإن الخطية خاطئة جدًا، وقتلاها أقوياء حتى من الشيوخ... ترفّق بهم لكي تسندهم ضد الخطية.

لست أقول تتهاون مع خطاياهم، لكن لا تُحطم حتى الساقطين، أقمهم بالرجاء الحيّ.

تركني الملاك!

فوجئ المتنيح أبونا يوحنا بكنيسة القديس مارمرقس بشبرا مصر بأبينا القمص ميخائيل إبراهيم بعد أن صرف ملاك الذبيحة ورش الماء، أنه عاد إلى الهيكل بخطواته الهادئة، ثم سجد أمام طفلٍ. قام ليكرر السجود أمامه للمرة الثانية والثالثة.

دُهش أبونا يوحنا للمنظر، خاصة وهو يسمع الكاهن الشيخ يقول للطفل بنغمة مملوءة تواضعًا: "سامحني يا ابني أنا عليت صوتي عليك، سامحني".

قال أبونا يوحنا: "كيف وأنت شيخ يا أبونا تسجد لطفلٍ يُعتبر كأحد أحفادك؟!"

في هدوئه المعهود قال له أبونا ميخائيل:

"لا تعرف يا أبانا ماذا حدث. سأخبرك، لكن أرجوك ألا يعرف أحد شيئًا إلا بعد سفري (انتقالي من العالم).

بينما كنت أذكر أسماء الذين طلبوا مني ذكرهم على القرابين، كنت أرى ملاكًا يقف بجوار المذبح ثم يختفي، وإذ أذكر الاسم التالي يظهر ثم يختفي. وتكرر هذا الأمر حتى رأيت هذا الشماس الصغير يتحرك فشتت أفكاري (مخيلتي)، وإذ صرخت أمامه لكي يهدأ تركني الملاك ولم يعد ".

عليك بركة البسها!

إذ ازدحمت الكنيسة بالمصلين في ليلة العيد لاحظ أبونا القمص ميخائيل إبراهيم شابًا يخرج من حجرة الشمامسة وقد تسللت الدموع من عينيه. ذهب إليه في هدوء وابتسامة وربت على كتفيه وهو يسأله عن سبب حزنه. لم يرد الشاب أن يتكلم، لكن أبانا صمم أن يعرف السبب، فقال له الشاب: "لقد أتيت يا أبي متأخرًا وكنت أود أن أخدم شماسًا في ليلة العيد، لكنني لم أجد التونية. لعل أحد الشمامسة الغرباء أخذها ليشترك في الصلاة".

أمسك أبونا بيد الشاب ودخل به إلى حجرة الكهنة وقدم له تونيته، فرفض الشاب تمامًا، لكن أبانا أصر أن يلبسها الشاب، قائلاً له: "عليك بركة البسها وأخدم، ولا تحزن... افرح، لأنه لا يصح أن تحزن في هذا اليوم!"

لقد سبق فسجلت الكثير من القصص الخاصة به في سلسلة "قصص قصيرة".

ميخائيل أسقف البهنسا والأشمونين العلاّمة

عاش في أواخر القرن السابع عشر وكان من أبرز المطارنة في أيام البابا بطرس السادس البطريرك المائة والرابع، وذلك في عصر الدولة العثمانية.

كان يُلَقَّب بالعلامة، فقد كتب شرحًا وافيًا للعقيدة الأرثوذكسية ردَّ به على لاون الأسقف الروماني الذي عاصر البابا ديسقورس ولعب دورًا مؤسفًا في مجمع خلقيدونية.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الرابع صفحة 114.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 281.

ميخائيل أسقف تنيس

سبق لنا الإشارة إليه أثناء حديثنا عن صديقه الشماس موهوب بن منصور. فقد عملا معًا في جمع سيَّر باباوات الإسكندرية، وذلك قبل سيامته أسقفًا على تنيس إذ كان يُدعى الشماس أبا حبيب ميخائيل الدمنهوري.

نشأته

عاش في عصر الفاطميين وكان معاصرًا للبابا خريستوذولوس. ترهب بدير القديس مقاريوس ببرية شيهيت. وكان خاله مينا مهندسًا من موظفي الدولة، وعن طريقه تعرف بالشماس بقيره الرشيدي حامل الصليب وصارا صديقين حميمين.

رُسِم شماسًا وانشغل بتدوين سير باباوات الكنيسة القبطية، لذا اعتزل بدير الأنبا يحنس كاما عند الراهب بسوس وكان يواصل الليل بالنهار وتمكن بجهد شاق من تجميع وكتابة سير عشر باباوات (من البابا 56 إلى البابا 66). كما تعاون مع الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين حينما كان منشغلاً بكتابة تاريخ البطاركة وذلك بأن ترجم له السير البابوية من القبطية إلى العربية.

كاتب البطريرك إبرام بن زرعة

وقع اختيار البطريرك إبرام بن زرعة البابا 62 عليه ليكون كاتبه وكتب السنوديقا (رسالة الشركة في الإيمان) التي بعث بها هذا البابا إلى البطريرك الإنطاكي كما كانت العادة. واستمر يكتب السنوديقا تحت رياسة خمسة من الباباوات.

سيامته أسقفًا

تقديرًا من البابا خريستوذولوس للراهب الشماس أبو حبيب ميخائيل رقاه لدرجة الأسقفية على إيبارشية تنيس Tinnis، باسم الأنبا ميخائيل.

تنيس مدينة مصرية قديمة اندثرت، كانت تقع بجزيرة في بحيرة المنزلة. ومازالت الجزيرة موجودة حتى اليوم وتُعرَف باسم جزيرة تنيس وتقع على بعد تسعة كيلومترات جنوب غربي مدينة بورسعيد.

مع بطريرك إنطاكية

ومع مسئوليته الأسقفية استمر في عمله ككاتب للسنوديقا، وبعد أن كتب السنوديقا للبابا خريستوذولوس كلفه بحملها إلى بطريرك إنطاكية بصحبة الأنبا غبريال أسقف صا الحجر.

نياحته

أما عن نياحة هذا الأسقف النشيط فيبدو أنها كانت في أواخر عهد البابا خريستوذولوس، وهكذا يكون الأنبا ميخائيل قد عاصر ستة من الباباوات كان مع الأخير منهم أسقفًا.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 126.

ميخائيل أسقف دمياط

عاش في القرن الثاني عشر الميلادي ولا نعرف عنه سوى أنه عُين معاونًا للبابا ميخائيل البطريرك الحادي والسبعين، وأنه عاش إلى عهد البابا السكندري الثالث والسبعين. وقد ترك للآتين من بعده مجموعة من التعاليم لا تزال أربعة نسخ منها باقية إلى الآن وكلها مخطوطة: اثنتان منها محفوظتان في المكتبة الباباوية القبطية بالقاهرة، وواحدة في المكتبة الأهلية بباريس، والرابعة بمكتبة الفاتيكان.

أما تعاليمه فتتعلق بممارسة بعض الفرائض الكنسية وتتلخص فيما يلي: الاعتراف السري، حلق الرأس، الختان، البخور، عدم إبقاء شئ من الأسرار المقدسة من يوم إلى آخر، رسم علامة الصليب، زواج الأقارب، تغطية القربان المقدس بالفول والترمس (كان بعض عبدة النجوم يندسون بين الأقباط ليتناولوا من الأسرار المقدسة وكانوا يعافون الترمس والفول، فاستعان الكهنة بهذه البقول ليتعرفوا بها على هؤلاء الدخلاء).

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثالث صفحة 158.

ميخائيل أسقف مليج وأتريب

يُعرَف باسم ميخائيل الجميل. كان أسقفًا من بلدة مليج بالمنوفية. عاش في القرن السابع عشر وكان معاصرًا للبابا يوأنس السادس عشر، ولا تزال بين أيدينا بعض كتاباته تدلنا على مدى اهتمامه بنشر الوعي الكنسي بين شعبه. ومن هذه الكتابات سنكسار رتبه هو شخصيًا. وكذلك يوجد له كتاب يتألف من خمسمائة وستين ورقة وهو مع ذلك ناقص لأن أوراقه الأخيرة غير موجودة ولا نعرف كم كان عددها، وهذا الكتاب عنوانه: "الطب الروحاني. مجموع من قوانين الآباء القديسين وأسئلة وأجوبة معلمي الكنيسة". وقد ترجم المستشرق الألماني فرانز كولن هذا الكتاب إلى الألمانية ونشره في مجلة "أورينز كريستيانوس" سنة 1906م. وله عدة رسائل.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الرابع صفحة 96.

ميخائيل أسقف نقادة

في الثاني والعشرين من برمهات تحتفل الكنيسة بتذكار نياحة الأب الأسقف المكرم صاحب الشيخوخة الحسنة والذكر الجميل الأنبا ميخائيل أسقف كرسي نقاده.

السنكسار، 22 برمهات.

ميخائيل الأول البابا السادس والأربعون

ضيقة مرة

من دير الأنبا مقاريوس الكبير ببرية شيهيت ورسم سنة 735م (451ش). وكانت السنة الأولى من باباويته مليئة بالتعسف والضيق، ذلك أن أسامة بن يزيد متولي الخراج فرض ضرائب باهظة على المصريين وضاعفها على الأقباط، مما أدى ببعضهم إلى إنكار مسيحيتهم ليفوزوا بالإعفاء من دفع الضريبة.

الصلاة من أجل الضيقة

وقد امتلأ قلب البابا ميخائيل حزنًا بسبب خيانة هؤلاء الأبناء، فلم يجد أمامه وسيلة للمحافظة على شعبه غير الصلاة، فانقطع مع بعض الأساقفة في برية شيهيت صائمين ومصلين ضارعين إلى الآب السماوي أن يرفع عنهم الجور والاستبداد، فاستجاب الرب لضراعتهم وهيأ الفرج إذ قد وصل الأمر من الخليفة مروان الثاني بتعيين حسان مكان أسامة. وقد امتاز حسان بالحكمة التي بدت في خطة العطف واللين التي اتبعها مع المصريين، فتهلل قلب الأنبا ميخائيل لذلك وبادله الزيارات وتوطدت بينهما أواصر الصداقة.

محاولة الخلقيدونيين الاستيلاء على كنيسة مار مينا

في عهده حاول الخلقيدونيون الاستيلاء على كنيسة مار مينا بمريوط إلا أن محاولتهم باءت بالفشل.

سجن البابا

على أن فترة السلام كانت قصيرة، إذ أصدر مروان أمرًا إلى واليه الجديد في مصر بمضاعفة الضرائب والتشدد في جبايتها، وقد غالى الوالي في تنفيذ أوامر مروان فطالب القبط بدفع مبالغ باهظة، ولما لم يستطع الأنبا ميخائيل الأول أن يدفعها أمر الوالي بإلقائه في السجن ووضع طوق من حديد حول عنقه وربط كتلة ثقيلة من الخشب إلى كل من قدميه.

كذلك أمر الوالي بطرح الأنبا مويسيس أسقف أوسيم والأنبا ثيؤدورس أسقف بابلون وإيلياس تلميذ الأنبا مويسيس في السجن. وكان السجن مغارة منحوتة في صخرة ليس بها فتحة واحدة تسمح بالنور أو الهواء، ومع ذلك رمى الوالي فيها عددًا غير قليل من الناس.

وبعد انقضاء شهر من الزمان استحضر الوالي البابا وزملاءه وطالبهم بدفع الجزية المفروضة عليهم، فأعلمه البابا بأنه لا يملك شيئًا ثم طلب إليه أن يسمح له بأن يطوف في الصعيد ليجمع من أبنائه فسمح له.

في عهده قام البشموريون بثورة ضد مروان كما قام والي الإسكندرية بالثورة ضده أيضًا وأعلن استقلاله بحكم هذه المدينة، فأرسل مروان حوثره الذي كان أكثر قواده بطشًا لقمع الثورة في الإسكندرية، فبطش بأهلها وقبض على البابا ميخائيل وزعماء الأقباط. وفي أثناء ذلك هجم الخراسانيون على الحدود المصرية وزحفوا حتى وصلوا إلى الضفة الشرقية من النيل عند الفسطاط، بينما كان مروان وجيشه - ومعهم البابا المقبوض عليه - على الضفة المقابلة. وفي أثناء ذلك كان مروان يهين البابا علنًا ويعذبه ويسخر به، ونوى على قتله ومن معه من الأساقفة لولا مشورة عبيد الله الابن الأكبر لمروان الذي أشار على أبيه أنهم قد يضطرون للهروب إلى السودان من وجه أبي مسلم الخراساني، والسودانيون أولاد روحانيون للبابا ميخائيل فإن هو قتله سيعملون على الانتقام له، وبهذا نجوا من قتل مؤكد.

وبعد سقوط مروان اتصل الخراسانيون بالأنبا ميخائيل وأكرموه وسمحوا له أن يعيد بناء الكنائس التي تهدمت وأن يستعيد أموالها المبددة، وهكذا عاد الهدوء لفترة إلى الحياة المصرية.

ساد السلام ربوع مصر في السنوات الأخيرة لباباوية الأنبا ميخائيل، وكانت التجارب والمحن التي جازها قد أثرت على صحته فانتقل إلى عالم النور بعد أن قاد سفينة الكنيسة ثلاثًا وعشرين سنة ونصف، ودفن جثمانه الطاهر بكل إكرام.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثاني صفحة 350.

ميخائيل الثاني البابا الثامن والستون

اختياره بابا الإسكندرية

توحّد راهب حبيس في صومعة بسنجار (مدينة ابتلعتها بحيرة البرلس)، وقد بلغ عبير رائحته الذكي إلى الأساقفة المجتمعين في القاهرة للصلاة لكي يرشدهم الله إلى من تقع عليه مسئولية تولي الكرسي المرقسي، وأوصلهم إليه زائر دخل إلى اجتماعهم فكان ميخائيل هو ضالتهم المنشودة.

اعتذر ميخائيل لمن وصل إليه ناقلاً له رغبة الآباء، مؤكدًا له عدم استحقاقه. ولما علم أنهم سيحملونه قسرًا وعنوة نزل معهم، وسار الجميع إلى الإسكندرية وتمت مراسيم السيامة سنة 1092م، فتوجه بعدها البابا الجديد إلى دير أنبا مقار ليستمد العون الإلهي في خدمته الجديدة، ثم عاد إلى القاهرة متخذًا كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل على جزيرة النيل مقرًا له.

علاقاته الطيبة برجال الدولة

إذ استتب الأمن بتولي الأفضل شاهنشاه بن بدر الدين الجمالي السلطة وتولي المستعلي بالله أبيه المستنصر رغم مناوشات أخوه الأكبر، وبدت الأمور هادئة للبابا الجديد ليباشر مهمة خدمته، كما أن القدس كانت تحت حكم رجل قبطي نال الحظوة لدى الدولة وهو منصور التلباني.

عندما جاء الفيضان ناقصًا إلى الحد الذي أزعج السلطات، طلبوا إلى البابا الذهاب إلى أثيوبيا لاتخاذ الوسائل التي تسهل مرور مياه النيل، وفعلاً جاءت إرساليته بالبشارة الطيبة وانصلحت العلاقات بين مصر وأثيوبيا بفضل البابا الذي كان أول بابا إسكندري يسافر إلى أثيوبيا رغم استمرار العلاقات بين الكنيستين منذ البابا أثناسيوس الرسولي البابا العشرين، كما رسم لهم مطرانًا جديدًا ثم مطرانًا آخر بدلاً منه عندما أثبت عدم جدارته.

عندما انتشر مرض الطاعون في مصر جال البابا بين أبنائه يواسيهم ويشجعهم ويرفع عنهم الصلوات، حتى أصيب هو ذاته بالمرض ورقد به سنة 1102م في أيام الآمر بأحكام الله بن المستعلي.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)، صفحة 21.

ميخائيل الثالث البابا الواحد والسبعون

البابا البسيط

هو أحد رهبان دير أبو مقار ببرية شيهيت. كان إنسانًا بسيطًا جمع بين الوقار والقداسة والعفة، لكنه لم يكن عالمًا ولا قارئًا للكتب، لزم قانون الرهبنة من غير قراءة قبطي ولا عربي.

عُمِلت قرعة له مع اثنين آخرين وورقة رابعة باسم "السيد المسيح الراعي الصالح"، ووضعوا الأوراق على المذبح وأقاموا القداس ثلاثة أيام متوالية وأحضروا طفلاً ليختار ورقة فكان المنصب من نصيب ميخائيل هذا، وكان مشهودًا له من الجميع بحسن السيرة.

بعد أن أصابته القرعة كرزوه شماسًا فقسًا وفي ثالث يوم قمصًا وكان ذلك في الكنيسة المعلقة بمصر، وتمت رسامته بطريركًا في الإسكندرية سنة 1145م. ويذكر تاريخ البطاركة أنه "بكلفة عظيمة حفظوه قداس باسيليوس خاصة إلى أن قدس به".

كانت مدة بطريركيته قصيرة جدًا لكنها كانت طيبة، ولم يحدث أن أحدًا ارتد عن المسيحية في أيامه، وفي أيامه القلائل رسم ثمانية أساقفة منهم أسقف على كرسي شبرا الخيمة وكرسي شبرا دمنهور وكرسي منية بني خصيب وكرسي أخميم وكرسي البلينا. وكان كل مقامه على الكرسي البطريركي ثمانية شهور وأربعة أيام منها ثلاثة شهور في عافية والباقي وهو خمسة شهور كان مريضًا، وقضى مدة مرضه بدير الأنبا مقار، وتنيح سنة 1146م.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 147.

ميخائيل الرابع البابا الثاني والتسعون

خلف البابا غبريال السادس على كرسي مار مرقس، وكان من سمالوط وقيل سنباط، أقيم بطريركًا في 13 أمشير سنة 1193ش الموافق 1477م في عهد تملك الأشرف أبي النصر قايتباي الظاهري. وأقام في البطريركية سنة واحدة وثلاثة أيام وتنيح في 16 أمشير سنة 1194م ش الموافق 1478م، وخلا بعده كرسي الرئاسة لمدة سنتين وشهرين وسبعة أيام.

الجدير بالذكر أن علاقة الكنيسة القبطية بأثيوبيا في عهده قد بدأت تسوء بسبب سوء العلاقة بين سلطان مصر قايتباي وملوك أثيوبيا.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 519.

ميخائيل البحيري القمص القديس

القمص ميخائيل البحيري

'جاء في جريدة الكرازة بتاريخ 20 يونيو 1980م: "في أول اجتماع للمجمع المقدس حضره نيافة الأنبا شنودة أسقف التعليم (حاليا البابا شنودة الثالث)، وكان ذلك سنة 1963م اقترح أن يُضم إلى عداد قديسي الكنيسة: الأنبا إبرآم أسقف الفيوم، والأنبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية. واقترح أحد الأعضاء أن يُضم أيضًا القمص ميخائيل البحيري (المعاصر للأنبا إبرآم)، ووافق المجمع المقدس بدون مناقشة، إذ كان هؤلاء الثلاثة جميعًا فوق مستوي النقاش... وأصبح الأمر رسميًا."

هو تلميذ القديس الأنبا ابرآم أسقف الفيوم. ولد هذا القديس سنة 1848م في بلدة اشنين النصارى إحدى قرى مركز مغاغة بمحافظة المنيا، من أبوين مسيحيين بارين فاضلين مملوءين من نعمة الله، محبين للخير، مشهودًا لهما من جميع الناس بالتقوى والفضيلة. ولما بلغ الثانية عشر من عمره تنيح أبوه، ثم بعد ذلك بأربع سنوات توفت أمه. يروي لنا القديس: "بعد نياحة والدي أخذني أقاربي إلى أحد البيوت المجاورة خوفًا من أثر البكاء علي صحتي. وبينما أنا جالس في عزلتي علي سطح المنزل إذ بي أري والدي صاعدًا إلى السماء، محاطًا بالملائكة النورانيين، فعرفته وناديته:" يا أبي، يا أبي ". فقالت لي الملائكة: أطلب لكي تكون آخرتك كآخرته"، ثم اختفوا عني.

رهبنته اعتاد أحد الآباء الرهبان يدعي القمص تاوضروس المحرقي أن يذهب إلى قرية اشنين. وكان يلتقي به الشاب الصغير ميخائيل يسمع منه الكثير عن سير القديسين وحياة الرهبنة كحياة سامية في الرب، فكان يمارس هذه التداريب تحت إرشاد أب اعترافه، فذاق الحياة الرهبانية في غرفته الخاصة. في العشرين من عمره ترهب بدير السيدة العذراء بالمحرق في وقت رئاسة القمص بولس الدلجاوي (القديس أنبا إبرآم)، وعاش على طريق معلمه الأنبا ابرآم، فكان متحليًا بالفضائل الكثيرة أبرزها التواضع والمحبة. وأخذ يدرب نفسه على تجليد الكتب، فجلد الكتب القديمة بمكتبة الدير لصيانتها، وأتى زوار الدير إليه بكتبهم أيضًا، وكان يقبل منهم أي أجر ويوزعه على الفقراء من الرهبان والأهالي. وقد دفعه تجليد الكتب إلى قراءتها، ولشغفه بها كان يشجع الرهبان على الاستزادة من القراءة. تتلمذ القديس علي يدي الشيخ المختبر القمص صليب العلواني، فنال معرفة جليلة وتمتع بتداريب روحية للنمو الروحي. وفي طوبة سنة 1591 ش (1874م) طلب معلمه من رئيس الدير سيامته قسًا. وتم ذلك علي يدي الأنبا أثناسيوس أسقف صنبو وديروط

فضائله كان معلمًا فاضلاً ورجل معجزات فنال على يديه كثيرون نعمة الشفاء التي عجز عنها الطب. فكان الكثيرون يقصدونه من جميع البلاد لينالوا منه البركة. تميز بحبه للهدوء والخلوة بعيدًا عن الضوضاء، وكان لا ينام في الليل إلا اليسير ويقضي الليل مسبحًا مرنمًا ساهرًا. منحه الله سلطانًا على الوحوش وكذلك على الأرواح الشريرة وعلى السحرة والمشعوذين. وقد مرَّ بتجارب عديدة من عدو الخير، فكان يتلقى هذه التجارب بقوة وثبات ولا يكل من ضرباته، بل كلما تظهر له الشياطين يبادلها برسم الصليب والتواضع التام، وكان يصارعهم حتى فقد بصره، وكان يحاربهم بأصوامه الكثيرة والصلاة. ومن تواضعه أنه حتى بعد رسامته قمصًا كان يقوم بنظافة كنائس الدير دون تَكبُّر، كما كان يقوم بزراعة البستان داخل الدير من ناحية قصر رئاسة الدير، ومازال منها حتى الآن نخلتان في الناحية الغربية من القصر في الطريق المؤدي إلى الكنيسة الأثرية بدير المحرق تعرفان باسم نخلتيّ أبينا القديس ميخائيل البحيري.

عزل القمص بولس الدلجاوي من رئاسة الدير في عام 1586 ش هبت عاصفة شديدة ضد رئيس الدير القمص بولس الدلجاوي (الأنبا ابرآم) فعُزل من رئاسة الدير وطُرد منه. ترك هذا الأب الدير ومعه أبناؤه، وطلبوا من القمص ميخائيل البحيري مرافقتهم. لكن القمص بولس الدلجاوي لم يوافقهم عل طلبهم وقال لهم: "دعوه في الدير ولا تحرموا المجمع من وجود رجال الله، لئلا يكون محاطًا بالغضب الإلهي. دعوه فإن هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا، ويكون بركة في هذا المكان". حزن القديس لمفارقته أبيه ورئيسه المحبوب. وقد لاقي القديس الكثير من المضايقات، إذ حاول الرهبان أن يرغموه علي ترك الدير. أما هو فاحتمل الكثير في هدوء وصبر طاعة للوصية الإلهية. كمثال إذ كان يقوم بصنع الخبز ذهب أحد المجهولين إلى قلايته وأخذ كل ملابسه ومتعلقاته منه. عاد إلى القلاية وثوبه مملوء بالعجين ومبلل بالماء فلم يجد ما يرتديه. اشتكي لرئيس الدير متوقعًا أن يقدم له ثوبًا يرتديه وإذ به يلومه مدعيًا أنه قد أهان الرهبان واتهمهم بالسرقة، مع أنه لم يتهم أحدًا. واضطر أبوه الروحي القمص صليب العلواني أن يقدم له ثوبًا خشنا كان يرتديه طوال الشتاء ولم يكن لديه ما يستبدله لتنظيفه. ولم يفقد هذا القديس سلامه ولا فرحه الداخلي وسط كل المتاعب، بل هذه كلها كانت تدفعه للجهاد الروحي ليسند الكثيرين.

فقدان بصره إذ فقد بصره وضعف سمعه جدًا وخارت قوته الجسمية كان لا يكل عن الذهاب إلى الكنيسة يوميًا. وإذ سأله أحد أبنائه الذي كان يستعين به للذهاب إلى الكنيسة: "يا أبتاه اجلس في قلايتك ويكفي صلواتك بها فأنت لا تقدر أن تسمع ولا أن تري، فما الداعي لذهابك إلى الكنيسة؟" أجابه: "يا ابني، عندما أذهب إلى الكنيسة أشتم رائحة البخور، هذا يعزيني كثيرا، فأري ما لم تره عين وأسمع ما لم تسمعه أذن".

محبته للفقراء ونسكه لم يكن في قلايته شيء يُذكر فقد تدرب علي يديه معلمه الأنبا إبرآم أن يقدم كل ما في يديه لاخوة يسوع الأصاغر. دعوه في الدير "رجل الرحمة وأب المحتاجين". منذ دخل الدير لم يأكل لحمًا قط؛ وكان يصوم إلى المساء، ولا يعطي جسده راحة في نوم أو أكل أو شرب. لم يعرف الراحة إذ كان محبًا للعمل. ربط عمله ونسكه بحياة الصلاة، فكان يصلي كل يوم جميع المزامير.

مؤانسته للوحوش إذ كان في الخامسة عشر من عمره ذهب مع بعض الشبان للعمل في إنشاء الطرق والجسور. عاد مع أحد رفقائه إلى بلدته ليلاً، وكان من المعروف وجود ضباع في هذا الطريق. فجأة ظهرت ضبعتان فخاف الزميل جدًا أما هو فقال له: "لا تخف، فإنهما كلبان أليفان"، إذ لم يكن قد رأي ضبعًا قبل ذلك. فوجئ الزميل بالضبعين يقتربان من القديس، وكان يداعبهما كما لو كانا كلبين إليفين. وإذ اقترب من القرية اشتمت الكلاب رائحة الضبعين فصارت تنبح مما أزعج القرية وظن أهل القرية أن لصوصًا قد اقتربوا من القرية، فخرجوا من منازلهم حاملين أسلحة، وفوجئوا بهذا المنظر، ومجدوا الله العامل في قديسيه. اعتاد القديس أن يقول: "اذهب يا مبارك" كلما دخل أحد الرهبان إلى قلايته. ولم يعرف أحد سرّ هذه العبارة حتى أصر أحد أولاده الروحيين أن يعرف السًر، إذ قال له: "بحق أبوتك تقول لي من هو هذا المبارك، هل يوجد من يخدمك أو يجلس معك أحد السواح؟" فبكي القديس وقال: "ويحي أنا الشقي لأجل ذلك أريك إياه". عندئذ نادي قائلا: "تعال يا مبارك"؛ عليك ألا تخف يا ابني. وإذ بثعبان ضخم يبلغ طوله ما يقرب من مترين، خرج من وراء "النملية" (دولاب الطعام). وقال له القديس: "هذا هو صديقي، يشاركني طعامي، واستلذ النوم فوق طيات جسمه إذ أضع رأسي عليه. وبعد ذلك قال:" اذهب يا مبارك ". واختفي الثعبان من حيث أتى. بعد نياحة القديس ترك الثعبان القلاية وخرج حزينًا علي صديقه وصار يتلوى في التراب حتى مات من الحزن.

أخيرًا بعد حياة حافلة بالجهاد تنيح يوم 23 فبراير سنة 1922م في الأسبوع الثاني من الصوم المقدس.

من أقواله: أتريد راحة البال؟ حافظ على شروط المحبة، محبة الله ومحبة القريب. اثبت في الله يهبك الجميع. اعتياد الأعمال الصالحة يورث سجية البر والتقوى.

الراهب باخوميوس المحرقي: سيرة القديس القمص ميخائيل البحيري، الطبعة الثالثة.

ميخائيل الطوخي القمص الشهيد

سيامته كاهنًا

وُلد هذا القديس في ضيعة طوخ النصارى بالمنوفية من أبوين مسيحيين تقيين وسُمِي ميخائيل. درس الألحان والتسبحة واللغة القبطية والكتاب المقدس وكافة العلوم الكنسية، ثم رسمه أسقف الإيبارشية شماسًا وهو في الثامنة من عمره. لما بلغ سن الشباب تزوج، وبعد مدة رُسِم إيغومانس (قمصًا) على كنيسة مار جرجس في بلدته.

استشهاده

في ذات مرة إذ كان له من العمر أكثر من خمسين سنة، كان مسافرًا إلى القاهرة وكان بصحبته قوم أشرار مبغضين للمسيحيين تعصبوا ضده فاشتكوه زورًا أنه قال في حقهم كلام رديء لا تطيق الآذان سماعه. أمر القاضي بالقبض عليه وإحضاره مكبلاً بالحديد، فأعلمه القديس أن تلك القصة غير حقيقية وملفقة. لكن هؤلاء الأشرار أتوا بشهود زور لتأكيد كلامهم، فأسلمه القاضي للحبس. أخذه السجان وحفر له في الأرض حفرة وصلبه فيها منكس الرأس ذلك النهار، ولما صار النهار حضر جماعة المدعين عليه وتبعهم قومٌ أشرَّ منهم ووقفوا أمام القاضي في حضرة القديس يدَّعون عليه كلامًا لم يقله، وكان القديس يجاوبهم بقوة قلب وشجاعة ويفحمهم بردوده من الكتاب المقدس. أخيرًا إذ فشلوا في إثبات أية تهمة عليه أخذوه إلى قاضٍ لا يخاف الرب فنصحه بترك دين آبائه حتى يطلقوا سراحه، لكنه رفض بشدة مبرهنًا على صحة إيمانه فأوثقوه وبدأوا التهديد والوعيد، ولكنه أصر على رفضه.

طافوا به في جميع شوارع المدينة حتى وصلوا إلى موضع يسمى بحارة المغاربة، وحاولوا معه مرة أخيرة لكي يترك دينه، فكان القديس يصيح قائلاُ: "هذا هو يوم فرحي. هذا هو يوم سروري".

أوقدوا أتون نار عظيمة وألقوه فيها. رشم ذاته بعلامة الصليب فلم تؤثر فيه حرارة النار بينما أحرقت الحبال التي كان مكبلاً بها، وفي أثناء ذلك رأى السيدة العذراء تنزل إليه بصحبة أربعة ملائكة. خرج سالمًا من الأتون فازدادوا غيظًا، أيضًا ضربه أحدهم ببلطة طويلة على رأسه ودفعه في النار فأسلم روح الطاهرة، وكان استشهاده في يوم الأحد 30 كيهك سنة 1240ش الموافق 27 ديسمبر سنة 1524م.

رأسه موجودة الآن بكنيسة السيدة العذراء بحارة الروم بالقاهرة، وهي بحالة جيدة لم تتحلل كما شهد بذلك كاهن الكنيسة الذي عاينها يوم الجمعة الموافق 14 ديسمبر سنة 1981م.

القديس القمص ميخائيل الطوخي الكاهن والشهيد، إصدار القس أنطونيوس جرجس.

ميخائيل جرجس المعلم

كان والده باشكاتب الأموال بوزارة المالية، ومع أنها وظيفة بسيطة تعكس تواضع الأسرة التي نشأ فيها إلا أن البابا كيرلس الخامس قد حبا هذه الأسرة صداقته إلى حد أنه كان ينزل أحيانًا ضيفًا عليها. وقد ولد ميخائيل في 14 سبتمبر سنة 1873، وما كاد يبلغ الثالثة من عمره حتى أصيبت عيناه بالرمد وفقد الطفل ميخائيل بصره. لكن هذا الواقع الأليم لم يثبط من عزيمة الوالد الذي ألحق ابنه بكُتَّاب المعلم أبو السعد بالأزبكية، فقضى سنتين في هذا الكُتَّاب (1879 - 1881م) ودرس المزامير والتسبحة واللغة القبطية، ثم أدخله أبوه مدرسة الأقباط الكبرى حيث درس لمدة أربع سنوات.

مرتل ومدرس للألحان في الإكليريكية

درس بالأزهر من سنة 1885 - 1891م، وفي هذه الفترة أتقن علوم النحو والصرف والبيان، كما استمع إلى ألفية ابن مالك من الشيخ محمد بصرة. وخلال السنة الثانية من دراسته بالأزهر رأى البابا كيرلس في صوت هذا الناشئ وفي حفظه السليم لكل ما تلقَّنَه من الطقوس والألحان المؤهلات الوافية لرسامته شماسًا فرسمه بيده الكريمة. ولما أتمَّ ميخائيل دراسته بالأزهر عيَّنه البابا مرتلاً بالكاتدرائية المرقسية، وازداد تقدير البابا لهذا المرتل المحب لكنيسته فعينه أيضًا مدرسًا للألحان في الإكليريكية في 2 نوفمبر سنة 1893 م التي كان قد افتتحها قبل ذلك بسنة.

كان قد التحق بالإكليريكية حال تخرجه في الأزهر وهناك درس اللاهوت والعقيدة على يديّ القمص فيلوثاؤس عوض، أما الألحان فقد تلقنها عن المعلمين أرمانيوس وصليب. وإلى جانب ذلك كان يحفظ اللغة القبطية عن ظهر قلب لقلة الكتب وخاصة المكتوبة بطريقة برايل. هذا الحماس للتعلم وهذه الغيرة على كل ما تسلمه أثبت بهما جدارته حتى عينه المسئولون سنة 1895م مدرسًا لطقوس الكنيسة وعلم الدين واللغتين القبطية والعربية بمدرسة المكفوفين بالزيتون.

منحه رتبة البكوية

لحرصه الشديد على تقديم كل معلوماته لتلاميذه استخدم طريقة برايل في تعليم اللغة العربية، وإذ لم يجد لها مثيلاً في القبطية صنع لها بنفسه حروفًا على نفس النمط. وحدث سنة 1903م أن زار الخديوي عباس حلمي الثاني المدرسة، فألقى المعلم ميخائيل بين يديه قصيدة باللغة القبطية ثم ترجمتها العربية، وكان قد لحَّن نشيدًا مناسبًا، ولقنه للتلاميذ فأنشدوه تحت إشرافه، فأبدى الخديوي سروره وارتياحه وحيا المعلم بقوله: "برافو يا ميخائيل بك"، ومعنى هذه الكلمات أنه منح المعلم ميخائيل رتبة البكوية التي كان الكثيرون يشتهون أن يحصلوا عليها.

غيرة على التراث الأبوي

على أن المعلم ميخائيل جمع إلى جانب علمه الوافر وإتقانه للألحان التواضع الجم والبساطة المتناهية حتى لقد شابه الأطفال فيها، كذلك امتلأت نفسه غيرة على التراث الأبوي إلى حد التفاني في تلقينه للأجيال الصاعدة، فلم يكتفِ بكونه مرتلاً لكنيسة كبرى ولا معلمًا بالإكليريكية بل كان ينتقل بين الجمعيات حيث يحيط به جميع راغبي الاستمتاع بالارتواء من نبعه المنساب، لأن الألحان كانت تنبعث من عمق أعماقه فترتفع في تقوى وخشوع وفي عذوبة تهز القلوب. ولقد جمع بين العذوبة والعمق والقوة مما جعل الألحان تنساب عنه انسياب نور الفجر، وكان وهو يعلم يستمع بِكُلِّيته إلى تلاميذه فما أن تصل إلى أذنه المرهفة همسة خاطئة وسط اللحن حتى يطالب بإعادتها مرة ومرات إلى أن يتأكد من أنهم أتقنوها.

يقول عنه أحد محبيه: "في ثوبه البسيط ومعطفه المتواضع كنت تراه في الكاتدرائية أو الإكليريكية بمهمشة أو الأنبا رويس يبذل دمه وأعصابه في تسليم الذخيرة الثمينة التي حفظها باجتهاده وبعصاميته. لم يبخل على أحد قط، كل من يسأل تجويدًا للحن كان يجيبه طلبه على الفور ولو جلس معه الساعات الطوال. كان صوته ينساب باللحن العذب في غسق الفجر وعند سكون الليل، وما كان ليحول دون ذلك قيظ الظهيرة أو لفح الهجير ولا برد الشتاء أو هطول الصقيع. سيان عنده أن يكون طالب المعرفة مبتدئًا أو شيخًا، نفس الاهتمام ونفس الغيرة، فقد كان يعتبر نفسه وكيلاً على أمانة، وكان يريد أن يسلم الأمانة كاملة دون نقصان، فحتى آخر حياته كان لا يفتر عن التفكير في واجبه المرهق".

بعد أن أدى صلوات البصخة المقدسة من يوم أحد الشعانين إلى مساء الأربعاء، كانت نياحته فجر يوم خميس العهد في إبريل سنة 1957م.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب التاسع صفحة 171.

ميخائيل مطران دمياط

الفنان المعلم

عاش في القرن الثاني عشر الميلادي ولا نعرف عنه غير أعماله، فقد كان هذا المطران فنانًا كما كان مصريًا صميمًا. وحين تأمل أبناءه وجد أن الكثيرين منهم يجهلون القراءة والكتابة، فأراد أن يقدم لهم بشرى الخلاص باللغة التي يستطيعون قراءتها وهي لغة الفن. فرسم تسعين صورة للبشائر الأربع، وكل صورة من التي ابتدعها خياله هي مجموعة من المناظر الموضحة للمعجزة أو المثل أو الحادثة، وذلك لكي يدرك كل من يراها تسلسل الوقائع الواردة فيها بالضبط.

فمثلاً حينما أراد أن يوضح مجريات الأمور التي أدت إلى أن يقتل هيرودس الملك أطفال بيت لحم، رسم في ركن من الصفحة صور للمجوس سائرين خلف النجم الهادي تليهم صورتهم وهم واقفون في القاعة الملكية وقد جلس هيرودس على العرش بينما انشغل الكهنة والشيوخ في قراءة النبوات التي تشير إلى مولد الملك المنتظر. أما الصورة الثالثة فتبين هيرودس وهو يعطي تعليماته للمجوس تتبعها صورة المجوس على الطريق خلف النجم مرة أخرى، ثم وصولهم بيت لحم وتقديمهم الهدايا، فعودتهم من طريق آخر. وفي آخر هذه السلسلة من المناظر صورة جند هيرودس يخطفون الأطفال من أمهاتهم ويقتلونهم، ثم مجموعة من أولئك الأمهات الثكلى يبكين ويتساندن إلى شجرة باسقة بينما حمل الجند جثث أطفالهم في مقاطف ليوصلوها إلى هيرودس.

هذه المجموعة من الصور مرسومة على الطريقة الفرعونية، أي أنها في صف واحد من غير فاصل بين الواحدة والأخرى، كما أنها على مستوى واحد من غير مسطحات مختلفة، بل إن الأشخاص جميعًا واقفون جنبًا إلى جنب. وهذا الطراز المصري الصميم لا يتناول التصوير فحسب بل يشمل التلوين أيضًا. وهذه الصور تجتذب القلب قبل أن ترضي العين لبساطتها ودقة تعبيرها. وقد قضى الأنبا ميخائيل سنتين في إتمام هذه الصور التسعين، لأن المخطوط الذي يشتمل عليها يحمل في آخره تاريخ سنة 1179 – 1181م. وهذا المخطوط محفوظ الآن بالمكتبة الأهلية بباريس، ومن الشائع أن الملك لويس التاسع أخذه خلسة حين عاد إلى وطنه بعد أن فشل في حملته الصليبية التي وقع فيها أسيرًا في أيدي المصريين سنة 1250م.

كذلك ترك لنا الأنبا ميخائيل عددًا من المواعظ والتفاسير للكتاب المقدس، ولاتزال الرسائل التي تبادلها وأبا صالح الأرمني باقية للآن، وتتعلق بشخصٍ لابد أنه كان ذا حيثية يتذبذب بين الأرثوذكسية وبين المناصرين للمجمع الخلقيدوني. ورغم هذه المخلفات التي تركها لنا هذا الفنان الذي حظي بكرامة الأسقفية فإننا نجهل سيرته، فلا توجد إشارة إلى تاريخ ميلاده ولا أين ترهب ولا متى نال الأسقفية.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثالث صفحة 195.

ميخائيل مينا القمص

وُلد سنة 1883م في بلدة القصر التابعة لدير الأنبا بلامون وكان الثاني بين خمسة اخوة وتسمى ميخائيل. وقد كان أبوه القس مينا كاهنًا على كنيسة السيدة العذراء في بلدة السلامية. ألحقه أبواه بكتّاب المعلم فلسطين، فدرس فيه اللغتين القبطية والعربية مع التعاليم الكنسية وتفوق فيها.

ترجمة فورية من القبطية إلى العربية

حدث سنة 1879م أن ذهب الأنبا مرقس مطران إسنا وأرمنت والأقصر لافتقاد السلامية التي كانت تابعة له، وأثناء القداس الإلهي قرأ الأسقف الإنجيل بالقبطية وحين بحثوا عن القطمارس العربي لم يجدوه، فتقدم ميخائيل وقرأه بالعربية عن القبطية بترجمة فورية فنال إعجاب الأنبا مرقس الذي فرح به للغاية، وسأل عمن يكون هذا اليافع الذي لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، وحين علم أن أباه هو القس مينا كتب له خطاب تزكية لإلحاقه بالكلية الإكليريكية.

التحاقه بالكلية الإكليريكية

سافر ميخائيل إلى القاهرة ومن هناك ذهب إلى حلوان كي يقابل البابا كيرلس الخامس الذي كان مقيمًا بها آنذاك، وقدم له خطاب التزكية وفي الحال أشَّر قداسته عليه بالقبول. وكان ناظر الإكليريكية في ذلك الوقت هو يوسف بك منقريوس الذي كان أديبًا ومؤرخًا، وإذ لاحظ شغف ميخائيل بالعلوم اللاهوتية خاصة والدينية عامة أعجب به، وكان يحيل عليه كل سؤال يلقيه أي طالب من زملائه ليجيب عليه. وقد قضى ميخائيل في الإكليريكية خمس سنوات عُرِف فيها بتقواه ونبوغه وتفوقه.

ناظر مدرسة الرهبان ببوش والمدارس المدنية

بعد تخرجه ذهب إلى بوش بمحافظة بني سويف حيث العزبة التابعة لدير الأنبا أنطونيوس، وهناك افتتح الأنبا مرقس أسقف الدير مدرسة للرهبان وصار ميخائيل واعظًا ومدرسًا للرهبان، وكان من بين طلبته آنذاك الراهب أقلاديوس الذي صار البابا يوساب الثاني، والأنبا باسيليوس مطران الكرسي الأورشليمي، والأنبا كيرلس مطران قنا، والأنبا تيموثاوس مطران الدقهلية، والأنبا كيرلس مطران الإمبراطورية الأثيوبية، والأنبا ثيؤفيلس مطران القدس، والأنبا إبرآم أسقف الجيزة ومركز قويسنا.

قد رأى ميخائيل أن يمد عمله التعليمي ليشمل أهل بوش، فافتتح مدرسة ابتدائية لأولاد المنطقة لم تلبث أن ازدحمت بهم، وإذ رأى تلهف الشباب وأهلهم على التعليم فرح للغاية وأنشأ قسمًا تجهيزيًا يحصل الطالب بعد دراسته فيه على شهادة الكفاءة (المعروفة الآن بالشهادة الإعدادية). ولقد ظل ميخائيل ناظرًا لمدارس بوش الرهبانية والمدنية ستًا وعشرين سنة.

ناظر مدرسة الرهبان بحلوان

في سنة 1928م جلس على كرسي مار مرقس البابا يوأنس التاسع عشر، وكان شديد التعلق باخوته الرهبان، شديد الرغبة في توسيع مجال ثقافتهم، فدعا المجمع المقدس إلى الانعقاد وعرض على أعضائه فكرة إنشاء كلية لتعليم الرهبان المختارين من جميع الأديرة على أن يكون مقرها في حلوان داخل حديقة كنيسة السيدة العذراء، وتم ترشيح الشماس ميخائيل مينا ليكون ناظرًا لها فوافق الآباء بالإجماع وأرسلوا إليه ليستحضروه. ولما حضر من بوش وأعلن قبوله للتعيين، فرح البابا والأساقفة وافتتحوا الكلية في اليوم التالي مباشرة، وفي الحفل الذي افتتحه البابا وقف ميخائيل مينا خطيبًا فنال إعجاب السامعين. وقد ظل ميخائيل يخدم هذه الكلية على مدى سبع وعشرين سنة معلمًا وواعظًا لعدد وفير من آباء الكنيسة، ومن بين الذين تخرجوا على يديه منها البابا كيرلس السادس والأنبا مرقس مطران أبو تيج والأنبا توماس مطران الغربية والأنبا إبرآم مطران الجيزة وخليفته المباشر الأنبا يوأنس والأنبا ديمتريوس مطران المنوفية والأنبا مكسيموس مطران القليوبية والأنبا أنطونيوس مطران سوهاج والأنبا لوكاس مطران منفلوط والأنبا بولس مطران حلوان والأنبا مكاريوس مطران قنا والأنبا إبرآم أسقف الأقصر والأنبا مينا مطران جرجا.

رهبنته

كان للشماس ميخائيل رغبة قوية في التبتل ميالاً إلى العزلة والاعتكاف، إلا أن أباه أرغمه على الزواج واختار له بنفسه عروسًا من بين قريباته، وقد عاش مع زوجته ثمان سنوات رزقه الله خلالها بنتين، ثم توفت زوجته فعاود عزلته واعتكافه. وحدث سنة 1932م أن ذهب البابا يوأنس لزيارة دير البراموس وكان يصحبه في تلك الزيارة إسماعيل باشا صدقي رئيس الوزراء وتوفيق باشا دوس وزير المواصلات، وكذلك استصحب ميخائيل مينا الذي ألقى خطاب لتحية الضيوف أعجبوا به للغاية، وفي نهاية الزيارة رهبنه البابا ورسمه قمصًا باسمه الأصلي.

عظاته وكتاباته

كان القمص ميخائيل مينا منذ بداية خدمته يعظ في مختلف الكنائس تلبية لدعوة الكهنة والشعب، وكان في تلك العظات يَبكي ويُبكي، ومن دقته أنه كان يحدد نصف ساعة لا يزيد عنها دقيقة حين يقف ليعظ. ومن أهم مؤلفاته كتاب "علم اللاهوت" الذي وضعه في ثلاثة مجلدات ضخمة حتى وكأنه موسوعة لا كتاب، عالج فيه الموضوعات العقيدية والحقائق الروحية والأسرار والطقوس الكنسية، وقد دعمها كلها بالحجج الدامغة. وأيضًا كتاب "تحفة هذا الجيل في شرح التوراة والإنجيل"، وكتاب "المواعظ على مدار السنة"، بالإضافة إلى عدد وفير من المقالات نشرها في مختلف الصحف والمجلات التي كانت تصدر آنذاك.

أخيرًا كانت نياحته يوم الجمعة 17 أغسطس سنة 1956م وهو في الكلية بحلوان وله من العمر ثلاثًا وسبعين سنة، قضى ثلاثًا وخمسين سنة منها في خدمة الكنيسة.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب التاسع صفحة 33.

ميديوس الشهيد

في 13 برمودة تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديس ميديوس الشهيد.

ميروب الشهيدة

غيرتها المقدسة

كانت زوجة تقيّة ووفيّة لأحد الأتقياء بالإسكندرية في عصر الإمبراطور ديسيوس. اتسمت بالشجاعة فكانت تذهب في ظلام الليل وتجزل العطاء للحراس، وتأخذ أجساد القديسين ورفاتهم وتقوم بالحفاظ عليها كجواهر ثمينة.

سمع الإمبراطور عنها، وإذ كان هذا الطاغية يهدف على القضاء على المسيحية ومحو سير المسيحيين وإبادة أجسادهم أمر بالقبض عليها ومحاكمتها.

وجه إليها القاضي ثلاثة اتهامات عقوبتها الموت:

1. إيمانها بالمسيحية كديانة مُحرّمة.

2. تقديم رشوة للجند حراس بقايا أجساد الشهداء.

3. مقاومة السلطات المدنية.

لم تخف القديسة ميروب ولم تنكر بل بشجاعة أعلنت عن إيمانها بالسيد المسيح واهتمامها بأجساد القديسين.

حكم القاضي عليها بالجلد حتى الموت. وبالفعل أُوثقت يداها ورجلاها بالحبال في إحدى الأعمدة المخصصة لذلك، ووقف الجلاد يوجه جلدات عنيفة حتى تهرأ لحمها وتناثر على الأرض. سال دمها وهي تصلي إلى الله حتى أسلمت روحها في يد مخلصها.

ميرون الكاهن الشهيد

وُلد هذا القديس في القرن الثالث الميلادي لأب غني اسمه باترس، وكان له من المال الكثير والممتلكات مالا يحصى لها عدد، وكان ميرون عندما يرى أن مال والده يتكاثر يفكر بالأكثر في فناء هذه الأموال وزوال كيان هذا العالم أجمعه. ولذلك أخذ على عاتقه أن يتفقد المحتاجين والفقراء ويجلس معهم ويعزيهم ويساعدهم بقدر ما يحصل عليه من مصروفه الذي يعطيه له والده. فأحبه الجميع وتكاثر أصدقاؤه وكان يجتمع بهم ليس للسؤال عن احتياجاتهم المادية فحسب بل وللبحث في محبة السيد المسيح للعالم وتعاليمه ووصاياه المحيية.

سيامته كاهنًا

سيم كاهنًا في مدينة كيزيكس من ضواحي أخائية في آسيا الصغرى، فرعى رعية المسيح بإخلاص وتفاني ومحبة قلبية، فلم يجعل أحدًا محتاجًا إلى مال أو إلى أساليب الحياة المادية واهتم بالأكثر بنفوس شعبه وحياتهم الروحية. فانتشرت أعماله كرائحة ذكية كمثل اسمه الذي تفسيره "ذو الرائحة العطرة". فقد حوَّل ضيعته وكل ممتلكاته من قصور إلى ميناء خلاص لكل المؤمنين، فصارت كل ممتلكاته كنائس ومستشفيات وديار للأيتام، وكرَّس لتلك الخدمات الكثيرين من أبنائه الروحيين، أما هو فقد كرَّس ذاته بالكامل لتلبية مطالب شعبه الروحية ونشر الإيمان بالمسيح يسوع له المجد. وكان نشاطه الكبير هذا سببًا في شهرته في ربوع الإمبراطورية الرومانية.

هاج الشيطان عدو كل بر وأهاج الوالي الذي يدعى أنتيباترس، الذي كان تابعًا للإمبراطور ديسيوس، وجمع جنوده وهجم على الكنيسة في ليلة عيد الميلاد المجيد. وأخذوا في ضرب المؤمنين وأحرقوا الكنيسة، ثم قبضوا على الكاهن القديس ميرون وعلى المؤمنين المجتمعين في الكنيسة وكبلوهم بالسلاسل وقادوهم إلى دار الولاية. أخذ الوالي الشرير يتوعدهم بالتعذيب الشديد والقتل إذا لم يسجدوا للأصنام ويتركوا عبادة المسيح المصلوب. لكن الجميع كانوا ثابتين كالصخر أمام هذه التهديدات مع أن مظهرهم كان متواضعًا وكأناس بسطاء وجهلة، فأمر الوالي بجلد القديس ميرون ليكون عبرة لهم جميعًا، فشدوا القديس إلى عامود وجلدوه في ميدان عام أمام كل المؤمنين، ثم ضربوه بالحراب دون أن يوجهوا إليه طعنة مميتة حتى يسببوا له ألمًا كبيرًا.

أمر الوالي بأن يطرحوا القديس والمؤمنين جميعًا في حفرة كبيرة وأوقدوا فيها النيران فاحترقوا فيها، مفضلين الموت على ترك عبادتهم للسيد المسيح، وهكذا نالوا إكليل الشهادة. أما القديس ميرون فلم يمت من النيران فأخرجوه وقطعوا رأسه ونال إكليل الشهادة وذلك في 17 أغسطس سنة 284م.

الشهداء والقديسون، الجزء الرابع. إصدار أبناء البابا كيرلس، صفحة 44.

ميزريكوس الكاهن

كان قديسًا محسنًا يقوم ليلاً ويذهب إلى المحتاجين ليقدم لهم مما أعطاه الله. ولم يهمل زيارة السجون ليتحدث إلى المساجين ليتوبوا، ويزور المرضى في المستشفيات مشددًا إياهم في تجاربهم، وكان يشجع الأغنياء على العطاء ومن خلال كلماته الحلوة يجذبهم إلى صالح الأعمال، ويعيد الصلح للمتخاصمين، ويكسو العرايا، ولهذا كانت كنيسته تمتلئ بالفقراء باستمرار.

ذات ليلة كانت بجوار الكنيسة امرأة تصرخ من ألم الوضع وكان الوقت شتاءً، فترك القديس الصلاة الفردية وخرج إليها، فوجدها على وشك الوضع وليس بجوارها أحد، فقام بدور القابلة دون أن يخجل.

وكان يرتدي ملابس بسيطةً لا تساوي شيئًا، ولهذا لم يحمل همومًا من جهة أمور الجسد، حتى أنه إذ لم يكن له ما يعطي صدقة، باع كتابه المقدس وتصدق به، وظل يمارس أعمال الفضيلة إلى أن تنيح سنة 420 م، مطبقًا الآية المباركة: "كنت جوعانًا فأطعمتموني، كنت عريانًا فكسوتموني" (مت25: 35 - 36).

بستان القديسين، صفحة 54.

ميستيولا الشهيدة

ظن الملك أوريليان أنه قادر أن يمحو كل أثر للديانة المسيحية، وأن يبيد المسيحيين تمامًا. أصدر أمره بتعذيب المسيحيين وقتلهم وإبادتهم. وفي مدينة توسكاني قام الوالي بالقبض على أحد الكهنة الأتقياء يُدعى فيلكس، ثم عذبه وقطع رأسه. قام شماسه إيرينيؤس بدفن جثمانه، وإذ علمت السلطات الحاكمة قامت بسجنه مع آخرين.

في شجاعة نادرة قامت سيدة تُدعى ميستيولا بخدمة هذا الشماس مع جميع المسجونين بعزيمة قوية لا تعرف الكلل.

شجاعة نادرة!

بدأ تعذيب الشماس إيرينيؤس بتمزيق جسده ووضع مشاعل عند جنبيه. لم تحتمل السيدة ميستيولا المنظر، فصرخت في وجه جندي الوالي، قائلة: "أتسفك دمًا بريئًا يا أيها الشرير؟"

سمع الوالي هذا الكلمات النارية فأمر بربط السيدة بالحبال تمهيدًا لمحاكمتها. أظهرت شجاعة نادرة أثناء محاكمتها، فحاول الوالي إغراءها بعطايا ثمينة إن أنكرت الإيمان، أما هي فوبخته أمام الجماهير. أصدر الوالي أمره بجلدها حتى تهرأ جسمها وأسلمت الروح لتنال إكليل الاستشهاد.

ميسروب الأسقف القديس

في سيرة القديس اسحق الأكبر يُذكر عمله في توحيد الشعب الأرمني ووضع أسس اللغة القومية، وذُكِر أن مساعده في ذلك كان القديس ميسروب (ماشتوتس Mashtots) الذي كان موظفًا حكوميًا في ذلك الوقت.

عندما قُسِّمت أرمينيا بين الإمبراطورية وفارس اعتزل ميسروب في حياة وحدة، ثم صار كاهنًا وتابع دراساته باللغات اليونانية والسريانية والفارسية ثم أصبح مبشرًا بين شعبه، ولكنه وجد نفسه معوَّق لأن الكتاب المقدس والطقوس الدينية كانت مكتوبة باللغة السريانية ولا توجد طريقة ملائمة لكتابتها باللغة الأرمينية. لذلك قرر بمشورة القديس اسحق إحياء وإعادة بناء أبجدية أرمينية. استطاع تنفيذ ذلك في فترة وجيزة بمساعدة بعض العلماء الآخرين، وكان الأساس هو الحروف الصغيرة في الأبجدية اليونانية.

وبعد عدة سنوات انتهت الترجمة الأرمينية الأولى للكتاب المقدس من اللغة السريانية، ويقال أن القديس ميسروب كان المسئول عن ترجمة العهد الجديد وسفر الأمثال. وقد راجع هذه الترجمة في الرُها Edessa اثنان من تلاميذه، وأخيرًا تمت المراجعة النهائية للعهد القديم من الترجمة السبعينية، كما تمت ترجمة صلوات القداس إلى الأرمينية.

وقد بشَّر ميسروب وعلَّم في أرمينيا وفي جورجيا Georgia، وانشأ مدارس ووضع أبجدية لجورجيا، ثم عاد إلى مكانه في وطنه حيث أنشأ بتشجيع من القديس اسحق مدرسة تحت إشرافه. وفي هذه المدرسة وبتوجيه من القدِّيسَين تُرجِم الكثير من اليونانية والسريانية.

تنيح القديس ميسروب وله من العمر أكثر من ثمانين عامًا في 19 فبراير سنة 441م.

Butler, February 19.

ميصائيل السائح

لقاء مع الأنبا اسحق

بينما كان الأنبا اسحق رئيس دير القلمون جالسًا في ديره تقدم إليه شاب فرسم على وجهه علامة الصليب كعادة الرهبان وسمح له بالدنو منه، فاقترب وضرب المطانية أمامه وقال له: "يا أبانا الأنبا اسحق اقبل مسكنتي من أجل السيد المسيح وساعدني على خلاص نفسي واحسبني من جملة أولادك". فتعجب منه الرئيس لكونه دعاه باسمه وسأله: "من أعلمك باسمي؟" فأجابه الشاب: "النعمة الحالة عليك هي التي أعلمتني". فقال له الرئيس: "اجلس. الله القدوس يجعلك له هيكلاً مقدسًا. والآن أخبرني بأمرك". أجابه الشاب:

"إنني أدعى ميصائيل، وكان أبي محبًا للعالم، مشتغلاً به عن عبادة الله، وكان حزينًا لعدم وجود ولد له. وفى أحد الأيام استضاف شيخًا راهبًا قديسًا وشكا له حزنه لعدم وجود ولد له يرث غناه، فقال له الشيخ أصلح طريقك مع الله المحب للبشر وهو يرزقك ولدًا مباركًا. فقال له: وكيف ذلك؟ فقال له الشيخ: عِش عيشة الكمال واسلك بحسب وصايا الكنيسة المفروضة على المؤمنين وواظب على الصلاة الليلية والنهارية، ولا تنقطع عن الكنيسة المقدسة، وليكن لك كاهن تستشيره في كل أمورك. فإذا فعلت هذا أنت وزوجتك بلغتما المقصود. ففعل والديَّ جميع ما أوصاهما به الشيخ الراهب، فتم كلامه وحملت بي والدتي كما حدثتني بذلك. ولما بلغت السادسة من عمري مات أبواي فاهتم الأب الأسقف بأمر تربيتي وتعليمي وأموالي ولما أطلعت على الكتب المقدسة اشتقت إلى الرهبنة وجئت إلى هنا.

رهبنته

سُرَّ الرئيس من كلام الشاب ميصائيل وسلمه لأحد الشيوخ، فتعلم منه كيف يكون الجهاد والنسك. وبعد ذلك ألبسوه لباس الرهبنة وإسكيمها المقدس، ومن ذلك الوقت انفرد للعبادة والنسك الكثير. وفى أحد الأيام حضر إليه أحد الاخوة فوجده واقفًا يصلي، ولما طرق باب قلايته فتح له وصليا معًا ثم تباركا من بعضهما البعض وجلسا يتحدثان في الكيفية التي بها يمكن التغلب على العدو الشرير. فقال له القديس ميصائيل: "إن الشيطان يهرب من الصلاة إذا كانت من قلب حار". وبعد الفراغ من أحاديثهما الروحانية سبحا الله وخرج الأخ من عنده، وبعد حين عاد إليه فوجده واقفا يصلي قائلاً: "اللهم خلصني وانظر إلى ذلي واغسلني من إثمي، فإن أبى وأمي قد تركاني والرب قبلني". فلما رآه الأخ وقد صار جسده كالجريدة المحروقة، بكى وقال له: "لقد صار جسمك كالمحترق"، فقال له القديس: "أشكر إلهي الذي وهبني نور عينيَّ وسمع أذنيَّ لأطالع الكتب المقدسة وأسمع الوعظ الإلهي، كما وهبني أيضًا قوة للوقوف في الصلاة".

سياحته

لما سمع رئيس الدير بنسكيات القديس ميصائيل أتاه في أحد الأيام ليفتقده، فقال له ميصائيل: "اعلم يا أبي القديس أنه بعد ثلاثة أيام يأتيك أناس متشبهون بالجنود ويطلبونني منك، فلا تمنعني عنهم ولا تخف ولا تحزن، فإنها إرادة الله. واعلم أيضًا أنه في العام الآتي سيكون غلاء، ولكنى سآتي إليك في ذلك الحين". فلما سمع الرئيس كلام هذا القديس اشترى الكثير من القمح وغيره من الحبوب، وبعد قليل أتى القوم المتشبهون بالجنود وأخذوا القديس ميصائيل ومضوا، ثم نزل الغلاء وندر وجود القمح كما أنبأ القديس بذلك، فجاء الوالي برجاله لأخذ ما يجده في الدير من الحبوب، فظهر له جنود منعته عن ذلك ورجع خائبًا فرحب الرئيس بهؤلاء الجنود وشكرهم ثم قدم لهم طعامًا ليأكلوا. فقالوا له نحن لا نحتاج إلى شئ مثل هذا، ثم برز من بينهم واحد وأمسك بيد الرئيس وانفرد به، وقال له: "أنا ولدك ميصائيل، وهؤلاء القوم المتشبهون بالجنود هم سواح وهم الذين أتوا إلى هنا في العام الماضي وأخذوني معهم، والآن أسألك أن تمضى إلى الأنبا أثناسيوس أسقف بلدي التي تربيت فيها وأعلمه بخبري واطلب منه مال أبي، وابنِ لي به كنيسة على اسمي، ثم أدعُ أبانا الأسقف لتكريسها".

ففعل الرئيس بما قاله القديس ميصائيل واستلم من الأسقف سبعمائة مثقال ذهب وتسعمائة درهم فضة وكتبًا كثيرة وخمسمائة رأس غنم عدا الأقمشة والحلي والأواني، وهدم بيته القديم واشترى ما بجواره من أرض وبنى هناك كنيسة. وفيما كان الأب الأسقف محتفلا بتكريسها إذا بالقديس ميصائيل قد أتى مع الآباء السواح وحضروا صلاة التكريس وتقدم القديس ميصائيل من الرئيس وقال له: "إنك ستنتقل من هذا العالم في العام المقبل"، ثم عادوا من حيث أتوا.

ميلاس الأسقف القديس

كان معاصرًا للبابا بطرس الثاني الذي جلس على كرسي الإسكندرية خلفًا للبابا أثناسيوس الرسولي. وكانت نياحة البابا أثناسيوس هي الفرصة التي يترقبها الأريوسيون إذ كانوا يطمعون في أن يُجلِسوا على كرسي مار مرقس أحد أنصارهم، ولكن هذه الأحلام تحطمت برسامة البابا بطرس سنة 364م. وكان الإمبراطور إذ ذاك هو فالنس الموالي للأريوسيين، فعول على الانتقام من البابا بطرس ومَن رسموه، فبعث إلى واليه في الإسكندرية أمرًا بالمبادرة إلى خلع الأنبا بطرس ونفيه وتنصيب لوقيوس الأريوسي مكانه، وتنفيذ تلك الأوامر ولو بالقوة العسكرية.

حين وصل الجنود إلى رينوكورورا - وهي مدينة تقع على الحدود الفاصلة بين مصر وفينيقية التي هي لبنان الآن - وقت المساء وجدوا الأسقف مشتغلاً بإيقاد القناديل داخل الكنيسة. فزعموا أن عملاً بسيطًا كهذا لا يؤديه أسقف بل يقوم به أحد خدم الكنيسة، فلما سألوه عن الأسقف استصحبهم إلى دار الأسقفية حيث قدم لهم طعام العشاء وخدمهم بنفسه. ولما انتهوا من العشاء أعلن لهم بأنه هو الأسقف ميلاس ضالتهم المنشودة، فدهش الجند وخجلوا مما أبداه نحوهم من كرم وتواضع، وعرضوا عليه فكرة الهروب تجنبًا للنفي. ولكن الأسقف القديس قابل عرضهم بابتسامة هادئة وقال لهم: "إني أفضل النفي في سبيل الإيمان على الحرية في ظل الأريوسية".

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الأول صفحة 345.

ميلانيا الأميرة القديسة

كانت هذه المرأة الفاضلة من أصل أسباني ولكنها تربَّت في روما، وكان أبوها قنصلاً عامًا ويدعى مارسلينوس، وكان زوجها في مركز حكومي كبير في الدولة، وقد ترملت وهي في الثانية والعشرين من عمرها وكان ذلك في عصر الإمبراطور فالنس (364 - 378 م).

في الإسكندرية

لما تولى الإمبراطور الوصاية على ابنها، أخذت ما تستطيع حمله من أموال وعتاد وعبيد وجاءت إلى الإسكندرية حيث باعت كل ما تمتلك وحولته إلى ذهب. ثم ذهبت إلى البرية (وادي النطرون) حيث تقابلت مع الآباء القديسين: بموا وأرسانيوس وسيرابيون وبفنوتيوس وغيرهم، وبقيت معهم هناك نصف سنة.

خدمة المعترفين

لما نفى حاكم الإسكندرية بعض القديسين إلى فلسطين بالقرب من قيصرية، ذهبت تخدمهم من أموالها. وكانت ترتدى ثياب إحدى خادماتها، وكانت تحمل لهم الطعام واحتياجاتهم الأخرى في ساعات متأخرة من الليل. وقبض عليها حاكم فلسطين بعدما اكتشف أنها امرأة ثرية حتى يحصل منها على المال، وحبسها في السجن بحجة مساعدة المحبوسين. ولكنها أرسلت له موضحة نسبها الإمبراطوري وأنها لا تريد أن تستغل هذا النسب في محاكمته لأنها مسيحية. فاعتذر لها وأمر أن تُعطَى التصريح بزيارة القديسين في السجن في أي وقت.

شيدت القديسة ديرًا في أورشليم، بالقرب منها كان يقيم القديس روفينوس الذي من إيطاليا، وهو رجل تقي. قضت فيه سبعة وعشرين عامًا، وكانت تستقبل فيه زوار المدينة المقدسة، وأعطت صدقات كثيرة من أموالها للفقراء علاوة على ما كانت توزعه سرًا على الكنائس.

عودتها إلى روما

في سن الستين عادت إلى روما، حيث جذبت أبرونيوس الوثني، الذي كان في مركز إداري كبير، إلى المسيحية، كما أمالت غيره إلى الإيمان المسيحي وساعدت الفقراء وحملتهم من روما إلى أماكن هادئة ليتعبدوا فيها لله. كما دخلت في حوارٍ مع نساء البرلمان الروماني، وجاهدت معهن، كما لو كانت تصارع وحوشًا، من أجل كسبهن للمسيح، لأن أزواجهن كانوا يقاومونها بشدة، فكانت تقول لهم: "يا أولادي، إنه منذ أربعمائة عام قد كُتِب أن هذا الوقت هو الزمان الأخير (1يو2: 18)، فلماذا تتمسكون هكذا بحب العالم الفاني؟ احذروا لئلا يغلبكم عدو المسيح، ولا تتكلوا على أموالكم أو على ميراث آبائكم". وبهذا التعليم كسبتهم ليس للمسيح فقط بل لحياة الزهد أيضًا.

بعدما عادت إلى أورشليم بأربعين يومًا تنيحت بشيبة صالحة.

بستان القديسين، صفحة 40.

ميلانيا الصغرى القديسة والشريف بنيانوس

زواجها من أحد الأشراف

كانت فتاة مملوءة بالحكمة والمعرفة السمائية، وقد ألزمها والدها على الزواج برجل من أشراف روما، إذ كانت تشتاق إلى حياة البتولية. حفظت في قلبها كلمات جدتها الأميرة ميلانيا الكبرى (المذكورة سابقًا).

إذ انتهت صلوات الإكليل المقدس في وسط فرح الأسرتين انصرف الأهل والأصدقاء. دخلت مع عريسها إلى مخدعهما، ووقفت ميلانيا تصلي بينما كان العريس ينظر إلهيا عسى أن تنتهي من صلاتها.

امتدت صلاتها إلى ساعة متأخرة من الليل. تقدمت العروس نحو عريسها بنيانوس، وبروح هادئة وفي حياء شديد قالت له: "إن كنت تريد أن تحيا معي في حياة العفة سأعتبرك زوجي وسيدي طول حياتي، ولكن إن كنت لا تستطيع لأنك صغير السن، فخذ كل ما لي ودعني حرة، لأني بهذا أرث اسم جدتي". إذ لم يكن يتوقع بنيانوس هذا الأمر أُصيب بصدمة شديدة، بحكمة أخفى مشاعره وبدأ يناقشها في الأمر، موضحًا لها أن الزواج سرّ مقدس. وأنه لن يعطل العبادة. كشفت له عن ضغط والدها عليها للزواج، وأنها قد وضعت في قلبها حياة البتولية وتكريس قلبها ووقتها وإمكانياتها لحساب عريسها السماوي.

ولما تناقشا في الأمر طويلاً أمال الله قلبه إلى رأيها، وألهب الروح القدس أعماقه بنار الحب الإلهي. فزهد أموال العالم وعاش في حياة مقدسة. وكانت ميلانيا قد تزوجته وهي في سن الثالثة عشر فقط، وعاشت معه سبع سنوات هكذا في عفة.

خدمتها

كانت ترسل أموالاً إلى كنائس مصر وإنطاكية وفلسطين. وجعلت عبيدها في منزلة اخوتها وأطلقت من أراد منهم المضيّ.

وباعت أملاكها في أسبانيا وفرنسا وصقلية وأعطتها للأديرة والمحتاجين، وكما كانت تقول حتى لا تتحمل عبء هذه الثروات الثقيل.

التحقت ميلانيا الصغرى بأحد الأديرة وعاشت كأبسط راهبة في حياة نسكية وزهد مع حرارة الروح والسهر في الصلاة. كانت تأكل طعامها كل خمسة أيام، ولكن من أجل كل النساء اللواتي كسبتهن للمسيح كانت تأكل معهن كل يوم مرة.

الراهب بنيانوس

نما زوجها في الحياة النسكية وسكن مع حوالي ثلاثمائة راهبًا في دير أنشأه، وكان مداومًا على قراءة الكتب المقدسة وعمل بيديه في البستان، وتمكن من اكتساب رجل يدعى باخوميوس من عائلة كبيرة للمسيح، وزع من أمواله على الفقراء وأوصى بالباقي للمحتاجين بعد موته. هكذا عاشت ميلانيا وزوجها في حياة سعيدة.

بستان القديسين، صفحة 41.

ميلتيادس البطريرك القديس

كان أصلاً من أفريقيا وانتُخِب بطريركًا لكرسي روما في 2 يوليو سنة 311م على الأرجح، لذلك ترتبط ذكرى هذا البطريرك بنهاية عصر الاضطهاد في الكنيسة. ذلك أن الإمبراطور قسطنطين بعد أن هزم ماكسنتيوس Maxentius في معركة Milvian Bridge في 28 أكتوبر سنة 312م زحف إلى روما، في أوائل عام 313 وأطلق حرية العبادة لكل الأديان بما فيها المسيحية في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. وأعقب ذلك السماح للكنائس بالحصول على مزايا وإطلاق سراح المسيحيين المأسورين في السجون والمناجم، واحتفل الجميع بانتصار المسيح بترانيم المجد لله نهارًا وليلاً، مُصلِّين أن يستمر السلام في الكنيسة بعد طول الاضطهاد.

لكن في وسط بهجة الكنيسة حدث اضطراب نتيجة ظهور مشكلة انشقاق في كنيسة أفريقيا، ذلك حين اختير سيسيليان Caecillian أسقفًا على قرطبة بينما اعترضت مجموعة بقيادة دوناتُس Donatus على هذا الاختيار، بسبب اتهامهم لسيسيليان أنه سَلَّم الكتب المقدسة لمضطهديه تحت تأثير التعذيب. طلب قسطنطين من ميلتيادس فعقد مجمعًا في روما من الأساقفة الإيطاليين والغاليين وقرروا فيه أن اختيار ورسامة سيسيليان كان شرعيًا. وقد امتدح القديس أغسطينوس حكمة واعتدال ميلتيادس واصفًا إياه: "الرجل الممتاز والابن الحقيقي للسلام وأبو المسيحيين". تعتبره الكنيسة الرومانية من الشهداء بسبب العذابات التي تحملها على يد ماكسيميان Maximian قبل رسامته، وكانت نياحته سنة 314م.

Butler, December 10.

ميليتو الأسقف القديس

هو أسقف ساردس Sardis في ليديا Lydia عاش أثناء القرن الثاني الميلادي، وقد كتب دفاعًا عن المسيحية موجهًا إلى الإمبراطور ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius كما كتب كتابات أخرى لاهوتية وأخلاقية. ويذكر يوسابيوس والقديس جيروم عناوين أو موضوعات العديد من هذه الكتابات، ولكن لم يبقَ من الكتب ذاتها إلا البقايا القليلة.

يقول ترتليان Tertullian أن كثيرين كانوا يعتبرون ميليتو كأحد الأنبياء، ومع أن اسمه يُذكَر في الكثير من السنكسارات القديمة إلا أن سيرته غير معروفة، ويبدو أن تاريخ نياحته كان حوالي سنة 180م.

Butler, April 1.

ميليتوس الأسقف المنشق

هو أسقف ليكوبوليس (أسيوط) في زمن البابا بطرس خاتم الشهداء البطريرك السابع عشر.

الانقسام الميلاتي

سرْ هذا الانقسام لا يزال غامضًا، فالمخطوطات المصرية ومؤرخو الأقباط وبعض مؤرخى الغرب اعتمدوا على القديس أثناسيوس الذى كتب فى هذا الموضوع بعد خمسين عامًا معلنا أن ميليتوس قد بخر للأوثان فى عصر الاضطهاد إنقاذا لحياته، وإذ أوقع عليه البابا تأديبًا قاوم. عقد البابا مجمعًا من الأساقفة بالاسكندرية أدان فيه ميليتوس وجرده، ولكن الأسقف خلق انشقاقًا ووضع على عاتقه لا أن يسيم كهنة فحسب بل أساقفة أيضًا.

ومن الجانب الآخر رأى أتباع ميليتوس أن تصرفاته هذه كانت ضرورية حتمية بسبب هروب البابا بطرس من موقعه وسجن الكثير من أساقفة الوجه البحرى...

أما غالبية المؤرخين فقد اعتمدوا على ما ورد فى كتابات القديس أبيفانيوس، وقرورا أنه خلال عام 304 سُجن عدد من الأساقفة المصريين، من بينهم البابا وميليتوس إلى حين. وقد دبّ خلاف بينهما عن موقف الاخوة المرتدين، فقد حمل ميليتوس اتجاها عنيفًا ضدهم بينما كان البابا يحمل موقفًا لطيفًا منهم؛ فأصرّ ميليتوس على طردهم من الكنيسة بغير رجعة، ناظرًا إليهم كجنود خونة أو جبناء فى مواجهة العدو، أما الكهنة فيلزم سيامة غيرهم يحلّون محلهم. احتدم الصراع بينهم بمرارة، وإذ شعر البابا أن ميليتوس بهذا يغلق أبواب الخلاص فى وجه الكثيرين لم يستطع أن يتطلع إليه بل قيل أنه وضع "ستارة" فى وسط الحجرة داخل السجن بينهما. لقد قبل أن يخسر علاقته بالأسقف ولا يخسر خلاص الآلاف إلى الأبد! لكن انضم غالبية الأساقفة والرهبان إلى جانب ميليتوس فى السجن إلى حين، وامتنع الفريقان عن الحديث.

على أى الأحوال أخذ ميليتوس يرسم كهنة من غير أيبارشيته، فبعث إليه أربعة أساقفة من السجن قبل استشهادهم رسالة جاء فيها:

[من هيتيخوس وباخوميوس وثيؤدوسيوس وفيلاس إلى ميليتوس المحبوب وشريكنا الخادم فى الرب، التحية.

فى بساطة الذهن نخبركم أنه نمى إلى علمنا عنك إشاعات لا تُصدق. فقد أخبرنا زائرون عن بعض المحاولات، لا بل والأعمال، تصدر عنك، غريبة عن النظام الإلهي والكنسي، هذه التى لم نكن نود تصديقها من أجل ما فيها من تهور شديد وطياشة فقد شهد كثير من زوارنا الحاليين بصدق ما سمعناه، ولم يترددوا عن تأكيد صحة هذه الوقائع فدهشنا جدًا والتزمنا أن نكتب إليك.

إننا لا نستطيع أن نعبر عن مدى الضيق والحزن اللذين حلا بنا كجماعة وكأفراد عند سماعنا بالسيامات التي قمت بها في إيبارشيات ليست تحت سلطانك.

على أى الأحوال، إننا لم نتأخر عن توجيه هذا اللوم إليك فى اختصار، فإنه يوجد قانون الآباء والأجداد، الذي لا تجهله، مؤسسًا على أساس إلهي وكنسي هؤلاء إذ أرادوا أن يرضوا الله بغيرة نحو الأعمال الحسنة وضعوا أنه لا يجوز للأسقف أن يقوم بالسيامة في غير إيبارشيته، واستقروا على هذا.

هذا القانون الذي تسلمناه له حكمته وأهميته القصوى:

1. لكي يكون سلوك المقدَّمين للسيامة وحياتهم بحق ممحصة بعناية فائقة.

2. منعًا من أي ارتباك أو اضطراب، فكل منا لديه من الأعمال في تدبير إيبارشيته ما يكفيه، عليه أن يسعى باجتهاد باحثًا بعناية فائقة واهتمام شديد ليجد خدامًا مناسبين من بين الذين عاش وسطهم كل حياته، وتدربوا على يديه.

أما أنت فلم تعطِ اعتبارًا لهذه الأمور، ولا تطلعت إلى المستقبل، ولا إلى شريعة آبائنا الطوباويين التي تسلموها عن السيد المسيح بالتتابع، ولا إلى كرامة أسقفنا العظيم وأبينا بطرس الذي فيه نضع جميعًا الرجاء الذي لنا في الرب يسوع المسيح، ولا ترفقت بنا من أجل حبسنا في السجن وما حلَّ بنا من ضغوط وضيقات تاركين كل شئ دفعة واحدة.

ربما تقول: ما صنعته إنما لكي أحافظ على كثيرين بعد أن ارتد الكثير عن الإيمان، وصارت القطعان فى عوز (إلى الخدام) وهى متروكة بغير راعٍ.

بالتأكيد الأمر ليس كذلك، وهم ليسوا في عوزٍ شديدٍ:

1. فإن كثيرًا (من الرعاة) يفتقدونهم كزائرين (للإيبارشية).

2. وإن وجد شئ من الإهمال نحوهم فكان يليق استخدام الطريق السليم بالاهتمام بواجبنا نحوهم. إنهم يعرفون أنهم ليسوا في حاجة إلى خدام، وهم لم يطلبوا ذلك. لقد عرفوا أننا نقوم بعملنا الذي يتجسم في تقديم الإرشاد لهم. بهذا تكون الحجة مرفوضة، إذ يبدو كل شئ في وضعه المناسب... وتعتبر كل الأمور تسير بأمانة حسنة...]

إذ تسلم ميليتوس الرسالة لم يكتب لهم ولا اجتمع بهم في السجن ولا التقى بالطوباوي بطرس، بل دخل إلى الإسكندرية. هناك اكتشف أريوس وايسيذورس مطامعه في الرئاسة على كنيسة الإسكندرية فأسرعا إليه، وللحال رسم كاهنين أحدهم في السجن والآخر في المناجم، وادّعى لنفسه العمل الأسقفي في الكنيسة أثناء غيبة أسقفها الشرعي.

أسرع القديس بطرس بالعودة إلى الإسكندرية وقاوم ميليتوس فحدث تأزمًا وانشقاقًا دام زمانًا طويلاً، حتى أيام القديس أثناسيوس. وقد زاد لهيب الأزمة في فترة الهدوء التي لحقت اعتزال دقلديانوس الحكم، فقد أصدر البابا في عيد القيامة عام 306 أربعة عشر قانونًا تعالج موقف الجاحدين الراجعين... في رسالته الدورية التي تدعى بالرسالة القانونية، وقد حملت ترفقًا بمصير الساقطين.

أما ميليتوس فبالرغم من تجريده بواسطة مجمع إسكندري إلا أنه استمر في سيامته للكهنة والأساقفة. وقد وجد له عونًا بين المعترفين في المناجم، وإذ حكم عليه بالعمل في المناجم اشتهر كمعترف.

بلغ عدد التابعين له عام 325م كقول البابا أثناسيوس 28 أسقفًا، لكن "ما كان لأتباع مليتوس أهمية تذكر سوى تأثيرهم كأساس ارتكزت عليه الآريوسية فى مراحلها الأولى وكموضع إقلاق لأثناسيوس"، فقد مثّلوا خطرًا في سندهم للآريوسيين ضد البابا أثناسيوس، حيث لفقوا له عدة اتهامات عام 331م بقصد تشويه سمعته.

ظل ميليتوس في عناده حتى بعد انتقال خاتم الشهداء إلى السماء إذ تمرد على خليفته البابا أرشيلاوس، ثم تمادى في طغيانه إلى حد دفعه إلى أن يشكو البابا ألكسندروس إلى الإمبراطور قسطنطين. وقد تلمس لنفسه الأعذار في شكواه من هذا البابا وسلفيه بأن ادعى أنهم جميعًا قد غالوا في الترفق بالتائبين متناسيًا ما تردى هو فيه من جريمة عبادة الأصنام. وقد استمر في تمرده حتى انعقاد مجمع نيقية المسكوني الأول.

لما نظر المجمع في تهمة هذا الأسقف رأى أن يترفق به فاقتصر على تجريده من حق الانتخاب في إيبارشيته وأية إيبارشية أخرى، وحفظ له لقب أسقف كلقب شرف فقط. وقال في قانونه السادس من قوانينه العشرين: "إن من يقام أسقفًا بغير مصادقة المتروبوليت (أي أسقف العاصمة) فإن هذا المجمع العظيم يحكم بأن لا يعد أسقفًا". كذلك حكم المجمع أن الأساقفة الذين رسمهم ميليتيوس لا يعدون ضمن رجال الكهنوت إلا إذا صادق البابا السكندري على أسقفيتهم.

القمص تادرس ملطي: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة علم ولاهوت.

ميليتيوس بطريرك إنطاكية

راجع: الأسقف ملاتيوس القديس.

ميليسيوس الأب

كان هذا القديس ناسكًا ومجاهدًا طول أيامه ساكنًا مع تلميذيه في مغارة بجبل خوراسان.

إقامة ميت

بينما كان الأب ميليسيوس يجتاز أحد الأماكن رأى إنسانًا يمسك راهبًا بتهمة القتل، فدنا الشيخ وسأل الأخ عن سبب ذلك. ولما علم أنه قد وُشى به، قال للذين كانوا يمسكون به: أين هو المقتول؟ فأروه إياه، فدنا منه وطلب من الجميع أن يصلوا. ولما مدّ يديه نحو العلاء، قام الميت، فقال له أمام جميع الحاضرين: قل لنا من قتلك؟ فقال: عندما دخلت الكنيسة أعطيت الكاهن مالاً، فنهض وقتلني ثم نقلني ورماني في دير هذا الأب. لكني أستحلفك بالله أن تسترجع الأموال وتعطيها لأولادي. عندئذ قال له الشيخ: اذهب ونم حتى يأتي الرب ويقيمك.

مع ابني الملك الوثني

بينما كان الأب ميليسيوس يقيم مع تلميذين عند تخوم برسيذس، خرج ابنا ملك خوراسان للصيد حسب العادة، فنصبا فخاخهما في رقعة كبيرة تبلغ زهاء أربعين ميلاً حتى يقتنصا ويقتلا بالسهام كل طريدة تقع في نطاق الفخاخ المنصوبة. وحدث أن كان الشيخ مع تلميذيه. فوقع هذا القديس داخل الفخاخ، فاقتربا منهم وقالا للأب: "أمن الإنس أنت أم من الجن؟ قل لنا". فقال لهما: "أنا إنسان خاطئ أتيت إلى هنا لأبكي على خطاياي وأسجد وأكرّم يسوع المسيح ابن الله الحي" ّ. فقالا له: "ليس ثمة إله آخر سوى الشمس والنار والماء (التي كانوا يكرمونها). لكن تعال وقدّم لها الذبائح". أمّا هو فقال لهما: "إنما هذه مخلوقات، وأنتما قد ضللتما، لذا أنصحكما أن تعودا وتعرفا الإله الحقيقي الذي أبدع كل المخلوقات". فقالا له: "أتقول عن هذا الذي حكم عليه اليهود وصلبوه إنه الإله الحقيقي؟" أجاب الشيخ: "إن هذا الذي صَلب الخطيئة وأمات الموت هو الإله الحقيقي".

فحنق الاثنان عليه وأمسكا تلميذيه وعذباهما ليرغماهما على الذبح للأوثان ثم قتلاهما. وظلا يعذبان القديس مدة أسبوعين، ثم بعد ذلك أقاماه في الوسط وأخذا يرميانه بسهامهما الواحد من الإمام والآخر من الخلف. فقال لهما: "مادمتما قد اتفقتما على سفك دم برئ، فإني أقول لكما إنه في رمية واحدة غدًا في مثل هذا الوقت، ستفقدكما أمّكما وتحرم من محبتكما إذ تَسفِكان دمكما بسهامكما"، فسخرا من كلامه. وفى اليوم التالي، انطلقا إلى الصيد، فصادفا غزالاً، فركبا خيلهما وجدّا في أثره، فأطلقا عليه سهامهما إلاّ أنها ارتدت عليهما، فسقطا صريعين حسب كلام الشيخ.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983.

السنكسار، 28 برمودة.

ميليوس البابا الثالث

انتخب للبطريركية بعد وفاة البابا أنيانوس في شهر كيهك سنة 84م وفي عهد دوميتيانوس قيصر بإجماع آراء الشعب. وكان هذا البابا مشهورًا بالعفاف متصفًا بالتقوى والغيرة على رعية المسيح، فأخذ يثبت الشعب في الإيمان حتى نما عدده بمصر والخمس مدن وأفريقيا، وشرع المصريون يحتقرون الاعتقاد بعبادة الأوثان ويتهافتون على الانضمام لحضن المسيحية أفواجًا، وسادت في أيامه السكينة وكانت الكنيسة متمتعة بالسلام الكلي.

وقد روى بعض المؤرخين أن دوميتيانوس قيصر طرد البابا ميليوس من الكرسي السكندري وأقام آخر بدلاً منه، غير أن هذه الرواية لم يقم دليل على صحتها ولم تتناقلها أقلام المؤرخين. ورقد هذا البابا في أول توت سنة 96م.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 30.

ميليوس الناسك الشهيد

راجع: الأب ميليسيوس.

مينا الأسقف القديس

✥ زواجه:

هو أسقف مدينة تمي الأمديد بمركز السنبلاوين وكان هذا الأب من أهل سمنود، وكان وحيدًا لأبوين يخافان الرب ويمارسان أعمال الرهبنة بالصوم والصلاة والنسك حتى شاع صيتهما في البلاد. وزوجا ولدهما بغير إرادته ولكنه اتفق مع زوجته على أن يحتفظا ببتوليتهما، ولبثا هكذا يؤديان عبادات كثيرة كما يؤديها الرهبان، حيث كانا يلبسان مسوحًا من شعر ويقضيان أغلب ليلهما في الصلاة وقراءة الكتب المقدسة.

✞ رهبنته:

اشتاق هذا القديس إلى الرهبنة ففاتح زوجته قائلاً: "لا يليق أن نمارس أعمال الرهبنة ونحن في العالم". وإذ وافقته على ذلك قصد دير الأنبا أنطونيوس لبعده عن والديه الذين كانا يجدّان في البحث عنه فلم يعرفا له مكان. ومن هناك ذهب مع أنبا خائيل - الذي صار فيما بعد البطريرك السادس والأربعين على مدينة الإسكندرية – إلى دير القديس مقاريوس وترهبا هناك، وكان ذلك في زمان الكوكبين المضيئين إبرآم وجاورجي، فتتلمذ لهما الأنبا مينا وتضلع بعلومهما واقتدى بعبادتهما وازداد في العمل الملائكي حتى فاق كثيرين من الآباء في عبادته.

حسده الشيطان على فرط جهاده فضربه في رجليه ضربة أقعدته مطروحًا على الأرض شهرين، وبعد ذلك شفاه السيد المسيح وتغلب على الشيطان بقوة الله.

✞ سيامته أسقفًا:

ثم دعي إلى رتبة الأسقفية، فحضر إليه رسل من قِبَل البطريرك، ولما عرف الغرض حزن وبكى وتأسف على فراقه البرية، فأقنعه الآباء أن هذا الأمر من الله، فأطاع ومضى مع الرسل، ورسمه البطريرك أسقفًا على تمي.

أعطاه الرب نعمة شفاء المرضى وموهبة معرفة الغيب، حتى أنه كان يعرف ما في ضمير الإنسان. وكان أساقفة البلاد القريبة يأتون إليه ويستشيرونه، كما كانت الجماهير تتقاطر إليه من كل مكان لسماع تعاليمه، وصار أبًا لأربعة من بطاركة الإسكندرية ووضع يده عليهم عند رسامتهم، وهم الأنبا ألكسندروس الثاني والأنبا قسما والأنبا ثيؤدورُس والأنبا خائيل الأول.

لما أراد السيد المسيح نقله من هذا العالم الفاني أعلمه بذلك، فدعا شعب كرسيه وأوصاهم أن يثبتوا في الإيمان المستقيم وأن يحفظوا الوصايا الإلهية، ثم أسلمهم لراعيهم الحقيقي الرب يسوع المسيح وانصرف من هذا العالم إلى السيد المسيح الذي أحبه، فناح عليه جميع الشعب وحزنوا جدًا لفقد راعيهم، ثم دفنوه في مكان كان قد عينه لهم من قبل.

السنكسار، 7 هاتور.

مينا الأول البابا السابع والأربعون

من رهبان دير الأنبا مقار ببرية شيهيت، جلس على كرسي الإسكندرية خلفًا للبابا ميخائيل الأول، وكان انتخابه بإجماع آراء الإكليروس والشعب. وعند الرسامة رغب في أن يحتفظ باسمه فأصبح الأنبا مينا الأول سنة 765م (474ش). ولما تسلم مقاليد الرئاسة الروحية العليا أخذ يعلم الشعب ويوضح له معنى الإيمان الأرثوذكسي، كما أخذ يبني الكنائس المتهدمة. وكان يعمل بفرح روحي انعكس على وجهه فكان الشعب يتعجب من النعمة البادية عليه، وقد استطاع الأنبا مينا الأول أن ينجز هذه الأعمال البناءة في سرعة وهدوء لأن التفاهم ساد العلاقات بين الأقباط ووالي البلاد إذ ذاك.

راهب يطلب إقامته بطريركًا

لكن عدو الخير لم يدع الأنبا مينا يستمتع بجهوده الروحية طويلاً، فجاءت التجربة هذه المرة من الداخل من أحد الرهبان اسمه بطرس، تودد إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ثم طلب منه العمل على إقامته بطريركًا على كرسي الإسكندرية، فكتب الخليفة إلى أبي العون والي مصر ليحقق رغبة الراهب. كان أبي العون يحترم البابا مينا إلا أنه اضطر لتنفيذ أوامر الخليفة فاعتقل البابا في دار الولاية، ثم عاد واعتقل الأساقفة لرفضهم تنفيذ طلب ذاك الراهب. واشتغل الأنبا مينا وأساقفته بطلاء المراكب سنة كاملة دون أن يبدو منهم أي ألم أو ضجر، وأخيرًا إذ ازداد بطرس في تشامخه مع الوالي نفسه أمر بحبسه، ثم أذن لساعته للأنبا مينا وأساقفته بأن يعودوا إلى كراسيهم مكرمين.

قضى الأنبا مينا سنواته الأخيرة في افتقاد شعبه واستنهاضه للجهاد وفي تجديد الكنائس، خاصة أن الوالي صالح بن علي نهج منهج أبي العون في إنصافه للمسيحيين وفي حسن معاملته للشعب المصري عامة. ثم انتقل البابا إلى كنيسة الأبكار وكانت أيام باباويته ثماني سنين وعشرة أشهر.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الثالث صفحة 385.

مينا الثاني البابا الحادي والستون

✥ زواجه وبتوليته:

بنياحة الأنبا ثيؤفانيوس خلى الكرسي المرقسي، وصلى الجميع وذهب الأساقفة والكهنة إلى الأديرة فأرشدهم الروح إلى راهبٍ ناسكٍ بسيطٍ هو مينا من دير أنبا مقار وموطنه الأصلي صندلا مركز كفر الشيخ، وكان يحمل نفس الاسم قبل الرهبنة. أراد له أبواه الزواج فصمت، فزوجاه فصمت، وبعد إتمام مراسيم الزواج كشف لشريكته مكنونات قلبه في البتولية وشجعها على ذلك، وفي فجر اليوم التالي للزواج ترك المنزل إلى مغارة قريبة من الدير، فأقام عليه أهله مناحة كبيرة ظنًا أنه مات. في الدير ذاعت فضائله ونسكه ووداعته ومواهبه وعمق معرفته وبساطته فرشحه أبوه الروحي للبطريركية، فأخذوه قسرًا إلى الإسكندرية حيث تمت مراسيم السيامة في ديسمبر سنة 956م.

✞ أعماله الرعوية:

قام البابا الجديد بزيارة رعوية إلى كل بلاد مصر وفي خلالها زار بلده، فاستخدم عدو الخير إنسانًا شريرًا سأل بمكر إن كان من القوانين ما يسمح للمتزوجين برئاسة الكهنوت، وسرت القصة وعرفها البابا بالروح فاستحضر المرأة التي زوجوها إليه فأعلنت شرف بتوليته وبتوليتها، ودُحِر عدو الخير وطابت النفوس وهدأت العاصفة.

نقصت مياه الفيضان ثلاث سنوات انتشرت خلالها المجاعات والأوبئة والأمراض، وعانى الجميع في مصر من الضائقة إلى أن رفعها الله بصلوات الكنيسة. وقد عاصر هذا البابا الجليل "كافور" الذي كان وليًا ووصيًا على القاصرين أبناء الأخشيد، وقد اشتهر كافور هذا بعدله وإنصافه فأقيمت في عهده الاحتفالات الرسمية بالأعياد القبطية.

وانصرف البابا إلى بناء الكنائس وترميمها وإقامة الكتاتيب والمدارس للأطفال، وكرَّس الميرون المقدس في الكنيسة التي أقامها على اسم مار مرقس في "محلة دانيال"، وذلك على غير العادة التي تجري بتكريسه في الأديرة. وأثناء وجوده في تلك البلدة انتقل إلى الأمجاد السمائية في 13 نوفمبر سنة 974م، ونقل حيث دفن في مقابر البطاركة بالإسكندرية.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)، صفحة 1.

مينا الراهب الشهيد

وُلد هذا القديس بإحدى بلاد أخميم من أبوين مسيحيين يعيشان على الفلاحة، ومنذ حداثته مال قلبه إلى زهد العالم، فترهب بأحد أديرة أخميم وأقام مدة يصوم يومين يومين ناسكًا في طعامه وشرابه. ثم انتقل إلى بلاد الأشمونين وأقام في دير هناك ست عشرة سنة لم يغادر خلالها الدير.

لما مَلَك العرب البلاد وسمع بأنهم ينكرون أن يكون لله ابن من طبيعته وجوهره مساوٍ له في الأزلية، عزَّ عليه هذا القول واستأذن رئيس الدير وذهب إلى الأشمونين وتقدم إلى قائد العسكر وقال له: "أحقًا تقولون أن ليس لله ابن من طبيعته وجوهره؟" فقال له: "نعم نحن ننفي عن الله هذا القول ونتبرأ منه"، فقال له القديس: "إنما يجب أن نتبرأ منه إذا كان ذلك عن طريق التناسل الأبوي، ولكن اعتقادنا أن الرب يسوع إله من إله، نور من نور". فقال له: "هذا في شريعتنا كفر"، فأجابه القديس: "اعلم أن الإنجيل يقول: الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله". فغضب القائد من هذا القول وأمر جنوده فقطعوا القديس بالسيوف إربًا إربًا وطرحوه في البحر، فجمع المؤمنون أجزاء جسده وكفنوه ودفنوه، ورتبوا له تذكارًا في السابع عشر من شهر أمشير.

السنكسار، 17 أمشير.

مينا الزاهد القديس

عاش تسعًا وخمسين سنة في دير بالقرب من الإسكندرية، وقد بلغ به الزهد حدًا جعله يتناسى نفسه تمامًا. كما كان تقديره لرئيس الدير يدفعه إلى الانحناء أمامه كلما دخل قلايته طلبًا لبركته، وهذه الممارسة التقوية كلَّفته يومًا اختبارًا، إذ استهدف رئيس الدير أن يصل عن طريقه تقويم الشباب الجدد في ديره لأنهم كانوا يستخفون بتلك العادات المكرمة من الشيوخ. دخل مينا قلاية رئيسه مرة وانحنى أمامه كعادته قائلاً: "باركني يا أبي"، وتغافل الرئيس عنه وتركه في انحناءته إلى أن حان موعد الصلاة، وعندها فقط منحه البركة فانتصب مينا. فقال له أحد الأخوة آنذاك وكان شابًا: "لقد أضعت وقتك الثمين سُدى لأنك لم تعمل خلال هذه الساعات شيئًا"، فأجابه الزاهد: "كلا لم أضيعه، لأني وجدت أمامي الفرصة الكافية لتسميع المزامير كلها".

لقد شاء الله أن يكرم هذا العابد الزاهد بعد نياحته، إذ أنه خلال صلوات تجنيزه امتلأت الكنيسة بعبير عطر، فكانت هذه الآية شهادة للفضائل التي تحلى بها هذا الزاهد.

السنكسار الأمين، 26 بابه.

مينا الشهيد

هو شقيق البابا بنيامين البطريرك 38. احتمل عذابات كثيرة على أيدي أصحاب بدعة الطبيعتين، منها تسليط مشاعل على جنبيه حتى سال شحم كليتيه، وكسروا أسنانه من كثرة الضرب. لكنه في كل ذلك رفض الخضوع لمطلبهم وهو الاعتراف بمجمع خلقيدونية. أخيرًا طرحوه في البحر فنال إكليل الشهادة.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 80.

مينا العجائبي الشهيد

أشهر الشهداء المصريين، نال شهرة لم ينلها أي شهيد مصري سواء في القطر المصري أو خارجه. ولعل السبب في ذلك العجائب الكثيرة التي يجريها الرب بصلواته إلى يومنا هذا.

وُلد حوالي سنة 285م ببلدة نقيوس مركز منوف محافظة المنوفية. كان والده أودكسيوس Eudouxious حاكمًا للمدينة، وكان جده Plondionus أيضًا حاكمًا. وقد نال أودكسيوس شهرة عظيمة بسبب فضائله وتقواه. حسده أخوه أناطوليوس لأن الجموع كانت تحبه أكثر منه، فوشى به لدى الملك كارينوس. لكن الملك أراد أن يكسب الاثنين، فأرسل قائده هيباتوس Hypatos ومعه أمر تعيين أودكسيوس حاكمًا على مدينة أفريقيا القديمة (الجزائر) عوضًا عن حاكمها الذي كان قد مات. وطلب من القائد أن يرافقه ويطمئن عليه وعلى أسرته، ويُسهل له الطريق في مقره الجديد.

حزن شعب نقيوس جدًا عليه، بل وندم أخوه أناطوليوس على ما فعله.

ابن الموعد

اشتاقت أوفيميه زوجة أدوكسيوس العاقر أن يهبها الرب نسلاً طاهرًا. وكانت تصوم حتى المساء وتقدم صدقات كثيرة للفقراء والغرباء. وفي أحد أعياد السيدة العذراء في 21 طوبة في كنيسة العذراء بأتريب رفعت قلبها المنكسر نحو الرب يسوع وطلبت شفاعة القديسة مريم. وإذا بها تسمع صوتًا من أيقونة الطفل يسوع المسيح وقد حملته والدته يقول لها "آمين". حملت وأنجبت ابن صلواتها الذي قدمه لها السيد المسيح كوعدٍ منه، فدعته مينا أي آمين. ابتهجت المدينة كلها بميلاده وأطلق أودكسيوس كثير من المسجونين، وقدم صدقات كثيرة.

نشأته

اهتم به والده، فهذبه بتعاليم الكنيسة بروح إنجيلية، وغرس فيه محبة الكتاب المقدس والعبادة والسلوك بروح التقوى. مارس حب المعرفة الحقيقية بفكرٍ كنسي تعبدي بورع وتقوى. مات والده وهو في الحادية عشر من عمره، ثم والدته وهو في الرابعة عشر. ورث عنهما خيرات كثيرة وبركات روحية مع كرامة.

بعد سنة من نياحة والدته عُيّن وهو في الخامسة عشر من عمره ضابطًا في الجيش في فرقة أفريقيا القديمة (الجزائر)، ونال مركزًا مرموقًا لمكانة والده.

رهبنته

التهب قلب مينا الضابط بالجيش بمحبة الله الفائقة، فقام بتوزيع أمواله على اخوة يسوع الأصاغر. وإذ اشتهى تكريس كل وقته وطاقاته لحساب مملكة الله ترك خدمة الجيش بعد ثلاث سنوات (سنة 303م) وتوجه إلى البرية ليتعبد فيها.

صدر منشور من قِبل الإمبراطورين الجاحدين دقلديانوس ومكسيميانوس يأمران فيه بالسجود للأوثان وتقديم قرابين لها.

بعد خمسة أعوام من رهبنته رأى وهو يصلي الشهداء يُكللون بواسطة الملائكة، ويحملونهم إلى الفردوس، وقد صاروا في بهاء أعظم من الشمس. اشتهى القديس مينا أن يصير شهيدًا، فسمع صوتًا من السماء يقول: "مبارك أنت يا آبا مينا لأنك دُعيت للتقوى منذ حداثتك. فستنال ثلاثة أكاليل لا تفنى ولا تزول... واحد من أجل بتوليتك، والآخر من أجل حياتك النسكية، والثالث من أجل استشهادك هذا. سيصير اسمك مشهورًا بين الشهداء. لأني أجعل الناس من كل قبيلة ولسان يأتون ويعبدونني في كنيستك التي ستُبنى على اسمك، وفوق ذلك كله ستحصل على مجدٍ لا يُنطق به ومجيد في ملكوتي الأبدي".

في ساحة الاحتفال

ترك القديس مينا البرية وانطلق إلى المدينة في ثياب النسك، وكان ذلك اليوم يوافق احتفال ديني عظيم. تمرّرت نفسه وهو يرى الجماهير الكثيرة في هذا الضياع. تقدم إلى ساحة الاحتفال، وصرخ نحو الجماهير معلنًا اشتياق الله أن يعرف الكل محبته وخلاصه فقال بصوتٍ عالٍ: "وُجدتُ من الذين لم يطلبونني وصرتُ ظاهرًا للذين لم يسألوا عني" (راجع إش 65: 21؛ رو 10: 20).

ذُهلت الجماهير لهذا المنظر، وحدث صمت رهيب. حينئذ تساءل الوالي عمّا حدث، وكيف تجاسر هذا الإنسان ليُعطل الاحتفال بعيد الإمبراطور مزدريًا بالأمر الإمبراطوري. أعلن الراهب إيمانه بشجاعة.

تعرف عليه بعض العسكريين وأخبروه عن مركزه القديم. اندهش الوالي لساعته وقال له: "لماذا تركت جنديتك؟ وكيف تعترف أنك مسيحي؟" أجابه القديس "" إني جندي حقًا، لكنني آثرت أن أكون جنديًا لربي يسوع المسيح لأجل مرضاة اسمه القدوس ".

وضعوه في الهنبازين Hemetarim وكشطوا جسمه حتى ظهرت عظامه. وفي سخرية كان القائد يسأله إن كان قد شعر بالعذاب أم لا. أما هو فأجابه: "عذاباتكم هي رأسمالي، فهي تُعد لي الأكاليل أمام المسيح ملكي وإلهي".

سحبوه على أوتاد حديدية حادة مدببة حتى تمزق جسمه، وأخذوا يدلّكون جراحاته بأقمشة خشنة. سلّطوا مشاعل متقدة على جنبيه لمدة ساعتين كاملتين، وقد رفع عنه الرب الألم فلم يتأوه.

ضرب على فمه حتى تكسرت أسنانه، فكان يلهج قلبه بالشكر، حاسبًا أنه غير مستحق أن يُهان من أجل اسمه القدوس.

إذ فشل القائد في إقناعه أرسله إلى الوالي مع رسالة شرح فيها ما حدث وركب الجند السفينة مع القديس مينا. سمع صوتًا من السماء يناجيه: "لا تخف يا حبيبي مينا لأني سأكون معك أينما تحل".

ألقاه الوالي في السجن مع كثيرين فكان يُعزّيهم ويشجعهم. هناك ظهر له السيد المسيح نفسه وعزّاه ثم صعد إلى السماء.

في اليوم التالي استدعاه الوالي إلى مجلس القضاء وأخذ يلاطفه ويتملّقه، وإذ لم يجد حيلة توعده بالموت. أمر بجلده بسيور جلد الثور، وحاول نشره بمنشار حديدي صلب، وإذا بالمنشار يذوب كالشمع. أخيرًا أمر الوالي بقطع رأسه بالسيف. وفي مكان الاستشهاد ركع القديس وصلي رافعًا يديه إلى السماء فضربه السيّاف وتمت شهادته في اليوم الخامس عشر من شهر توت حوالي سنة 309م، وكان عمره 24 عامًا.

أوقد الجند نارًا لحرق جسده، لكن بقي الجسد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ داخل اللهيب ولم يحترق.

حمله بعض المؤمنين وكفّنوه بأكفان ثمينة ودفنوه بكل وقارٍ.

جسد مارمينا

خرج القائد أثناسيوس ليُحارب البربر الذين كانوا يهاجمون مدينة مريوط، وأصر أن يأخذ معه جسد القديس. وإذ كشف الجنود القبر ظهر نور عظيم فسقطوا على الأرض وسجدوا لإله مارمينا. أخذوا الجسد وأخفوه ووضعوه في مركب قاصدين الإسكندرية ومنها إلى مريوط. وفي البحر هاجمتهم حيوانات مفترسة فخرجت نار من الجسد وانطلقت كالسهام نحوها، فهربت للحال.

إذ وصلوا إلى الإسكندرية، وحملوا الجسد على جمل إلى مريوط هزموا البربر، وعند رجوعهم رفض الجمل القيام والسير معهم بالرغم من الضرب الشديد. نقلوا الجسد على جملٍ آخر أقوى منه فلم يتحرك، وهكذا تكرر الأمر فأدرك القائد أثناسيوس أن هذه إرادة الله أن يبقى جسد القديس في مريوط.

كسيح يكشف عن مكان الجسد (320 - 325م).

يذكر لنا البابا يوحنا الرابع أن كسيحًا يسكن في قرية قريبة من مكان الجسد زحف حتى خرج من قريته ورأى مصباحًا منيرًا فأسرع وهو يزحف فبلغ إلى القبر. هناك رقد ونعس، وإذ كان والداه يبحثان عنه وجداه نائمًا. وبينما هما يصرخان في وجهه قام يقفز ويجري يخبر أهل القرية بما رآه. جاءوا إلى القبر فرأوا نورًا يخرج منه. توافدت الجماهير إلى القبر، وكان الله يصنع عجائب كثيرة بصلوات القديس مينا.

شفاء ابنة الإمبراطور

بعد زمن كان أحد الرعاة يرعى غنمه خارج المدينة، وإذا بخروف أجرب ينزل في بركة ثم خرج ليتمرغ في التراب فبرئ للحال. بُهت الراعي جدًا فكان يحضر الخراف المريضة يبلها بالماء ثم يُمرّغها في تراب هذه البقعة فتُشفى.

ذاع الخبر وسمع إمبراطور القسطنطينية بذلك. وإذ كانت له ابنة وحيدة مصابة بمرض الجُزام أرسلها مع حاشيتها إلى مصر لتنال الشفاء من هذا المكان العجيب. في الليل ظهر لها القديس وأخبرها بأن تحفر في ذلك المكان على عمق بعض الأمتار حتى تجد رفاته المقدسة. ففعلت ذلك وبنى والدها كنيسة على اسم القديس وكُرّست في 15 بؤونة.

قام القديس أثناسيوس الرسولي (363 - 373م) ببناء كنيسة في ذلك الموضع ووضع فيها رفات القديس. كتب البابا ثاوفيلس (395 - 477م) إلى أركاديوس بن ثيؤدوسيوس الكبير يشكوا له من ضيق المكان بسبب كثرة الزائرين فسمع له الملك، وبُنيت كنيسة عظيمة جميلة ملتصقة بكنيسة البابا أثناسيوس السابقة.

في أيام المُعزّ (1320 - 1330م) تزايدت غارات البربر على مدينة الإسكندرية وأعمالها فنُقل الجسد إلى كنيسة مارمينا بفم الخليج بظاهر مصر. وفي عهد البابا كيرلس السادس نُقل جزء من رفاته إلى موضعه الأصلي، دير مارمينا بمريوط.

العمل الروحي

استشهد القديس مينا وهو في الرابعة وعشرين من عمره، لكن سيرته العطرة وصلواته كانت ولا تزال لها فاعليتها على الكثيرين. ففي بداية القرن الخامس التهبت قلوب كثير من الشبان وباعوا كل شيء وانطلقوا إلى ذلك الموضع المقدس ليمارسوا الحياة الرهبانية.

يشهد التاريخ أن سبعة رهبان من دير مارمينا كرزوا بالإنجيل في أيرلندا وبنوا أول كنيسة هناك باسم مار مينا. لا تزال الكنيسة الأيرلندية تحتفظ في صلواتها إلى يومنا هذا بصلاة خاصة للآباء الأقباط الذين حملوا إليهم شعلة الإيمان.

بعدما تخرّبت المدينة العظيمة في عصر الدولة العباسية في أواخر القرن التاسع وأوائل العاشر بدأ الدير يزدهر من جديد، وذلك في عصر البابا شنودة الأول.

وفي عصر البابا كيرلس السادس تم بناء دير مارمينا الحالي وظهرت حركة الرهبنة فيه من جديد.

آثار مارمينا

يوجد متحف كامل لمارمينا في مدينة فرانكفورت بألمانيا الغربية حيث حمل العلامة الألماني الأسقف كارل ماريا كوفمان الذي اكتشف آثار منطقة مريوط سنة 1906 / 1907م ونقل 100 صندوقًا من الحجم الكبير مملوءة تحفًا بديعة وتيجان الأعمدة الرخامية وغيرها.

تحركت متاحف العالم للاستيلاء على هذه الآثار، لكن كوفمان استولى على أغلبها. ولا يزال بعض الباحثين الألمان بتكليف من المعهد الألماني للآثار بالتعاون مع المتحف القبطي يقومون بعمل حفريات جديدة ودقيقة.

نقل المرحوم بانوب حبشي الكثير من آثار مارمينا إلى المتحف الروماني اليوناني بالإسكندرية ودعاه المتحف القبطي في عصر مارمينا.

حب مسكوني

قلب مارمينا المتسع لمحبة الله يعمل حتى بعد استشهاده. فقد جاء المرضى من كل المسكونة لنوال بركة صلواته ويتمتعون بالشفاء، وكانوا يحملون معهم قنِّينات من الفخّار عليها صورة مارمينا واسمه، وقد وُجدت في بلاد عديدة متباعدة مثل كولونيا وهيدلبرج بألمانيا ومرسيليا بفرنسا ودلماتا بيوغسلافيا وميلان بإيطاليا ودنجلة بالسودان وأورشليم وفي إنجلترا.

أيقونة مارمينا

يحتفظ متحف اللوفر بباريس بأيقونة قبطية من القرن الخامس فيها نرى السيد المسيح يضع يده على كتف القديس مارمينا في مودة فائقة. تكشف هذه الأيقونة عن نظرة الكنيسة للقديسين، وهي التعرف من خلالهم على حنو الله الفائق واشتياقه نحو المؤمن ليُقيم معه عهد حب وصداقة على مستوى أبدي.

عمل لا يتوقف

روى لي أحد الأحباء (ح. ي) وهو صديق شخصي لقداسة البابا كيرلس منذ كان راهبًا في مصر القديمة. لاحظ في إحدى العشيات في دير مارمينا ولم يكن بها سوى قداسة البابا وهذا الشخص وشخص أو اثنين، أن قداسة البابا وحده في الهيكل يضحك.

بعد الانتهاء من الصلاة انطلق هذا الأخ إلى قداسة البابا وقال له: "إنني منذ عرفتك لم أرك ضاحكًا قط في الهيكل فماذا رأيت؟" بعد إلحاح شديد قال له:

"أنت تعلم الضيقة التي نعيش فيها (في بداية حكم جمال عبد الناصر)".

كنت أشكو لله أنني عاجز عن حلّ مشاكل أولاده بسبب مرارة الضيق.

ظهر لي مارمينا ونخسني في بطني وهو يقول: هل أنت وحدك؟ كلنا نعمل معك! لا تحزن! فضحكت! "

بعد أكثر من 16 قرنًا من استشهاده ورحيله من هذا العالم يبقى هذا القلب المتسع بالحب عاملاً لحساب ملكوت الله! يسند الكثيرين من بطاركة وأساقفة وكهنة وشعب! حقًا المحبة لا تسقط أبدًا!

كنيسة مار مينا بفلمنج: مارمينا العجايبي.

كنيسة مار جرجس باسبورتنج: الشهيد المصري مارمينا العجايبي، 1974.

مينا القديس

في الخامس عشر من بشنس تحتفل الكنيسة بتذكار الشماس مينا المتوحد.

ميناس وهيرموجينيس ويوجرافوس الشهداء

كان ميناس Mennas من أهل أثينا وكان يُلَقَّب "ذو الصوت الجميل". أرسله الإمبراطور غالريوس Galerius إلى الإسكندرية ليستخدم علمه وفصاحته في تهدئة اضطرابات الشعب هناك، وبعد أن أتمَّ مهمته أعلن على الملأ مسيحيته، ثم أخذ مع مساعده يوجرافوس Eugraphus يحول الكثيرين إلى المسيحية.

كان القاضي Hermogenes هيرموجينيس في طريقه إلى الإسكندرية حين أُعلِن له في رؤيا أن تلك الرحلة سوف تؤول إلى منفعته. أَحضَر هيرموجينيس المتهمين إلى ساحة القضاء، وهناك استخدم ميناس صوته الجميل وألقى خطبة أمام المحكمة استمرت أربع ساعات. كان لخطبته تأثيرها العظيم فحُكِم عليه بقلع عينيه وقطع لسانه وسلخ قدميه، ولكنه في اليوم التالي وقف سليمًا معافى من كل جراحاته. آمن هيرموجينيس نفسه وكثيرون معه بالمسيح. أمر غالريوس بزيادة جرعة التعذيب على الكل وكان الرب يشفيهم من كل جراحاتهم. وأخيرًا قُطِعَت رؤوس الثلاثة ونالوا إكليل الشهادة.

Butler, December 10.

مينودورا ومِترودورا ونيمفودورا العذارى الشهيدات

كنّ ثلاث أخوات أيتام يعشن حياة الوحدة مع أعمال الرحمة والمحبة في بيثينية Bithynia. وأثناء اضطهاد دقلديانوس ومكسيميانوس قُبِض عليهن واقتدن إلى فرونتو Fronto حاكم المنطقة، الذي انجذب إليهن بسبب جمالهن وبساطتهن.

عرض عليهن الحاكم أن يدافع عنهن ويطلق سراحهن إن هن عبدن آلهته، فرفضن عرضه وفضلن الموت. ولما فشل في تغيير فكرهن أمر بضرب مينودورا بقسوة وبربرية أمام أختيها قاصدًا إخافتهما، ولكن حتى منظر جثتها المتسلخة التي تركها لتتحلل في الشمس الحارقة لم يؤثر فيهما. قالت مِترودورا للحاكم: "نحن ثلاث فروع من نفس الشجرة الطيبة، ولن نهين الجذر الطيب الذي خرجنا منه بتنفيذ رغبتك". عُذِّبَت بالنار بعد ضربها بشدة، وأخيرًا قُطِعَت رأسها. أما نيمفودورا وهي الصغرى فقد استشهدت نتيجة شدة ضرب معذبيها، وكان استشهادهن سنة 304م.

Butler, September 10.

ميّوس الأب

الطاعة

قال الأب ميّوس الذي من فيليوس: الطاعة تكون من أجل الطاعة. فالإنسان إذ أطاع الله فإن الله يطيعه.

عبد في الإسقيط

قال أيضًا عن أحد الشيوخ إنه كان من العبيد في الإسقيط، شديد التمييز. وكان يأتي كل سنة إلى الإسكندرية لكي يقّدم الأجرة لسادته. وهؤلاء كانوا يأتون للقائه ويسجدون له. أما الشيخ فكان يضع الماء في المغسلة ويحمله ليغسل به أرجل سادته. لكنهم كانوا يقولون له: "لا يا أبانا، لا تُخزنا". فكان يجيبهم: "اعترف بأني عبدكم، وإني أغسل أرجلكم لكي أشكركم لأنكم تركتموني حرًا لخدمة الرب كعبدٍ، لهذا اقبلوا أجرتي هذه". أما هم فكانوا يخاصمونه رافضين طلبه، كان هو يقول لهم: "إن لم تقبلوا أجرتي، فإني سأقيم هنا لأخدمكم". وإذ خافوا أن يفعل كما يقول، تركوه وشأنه. إلا أنهم كانوا يشيّعونه باحترام كثير وإجلال لكي يصنع الرحمة من أجلهم، لأجل هذا صار معروفًا في الإسقيط ومحبوبًا.

سأل أحد الجنود الأب ميّوس قائلاً: "هل يقبل الله التوبة يا أبتِ؟" أمّا هو قال له: "قل لي يا حبيبي، إذا تمزق ثوبك، هل ترميه خارجًا، أم ترتقه؟" أجابه الجندي: "بل أرتقه". فقال له الشيخ: "إذًا إذا كنت أنت تبقي على ثوبك، ألا يبقي الله على خليقته؟"

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983

المحتويات



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ن

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ل

قاموس القديسين و الشخصيات حرف م
قاموس القديسين و الشخصيات حرف م

المحتويات