الباب السابع : الوَداعة – حياة التواضع والوداعة – البابا شنودة الثالث

الباب السابع: الوَداعة

أهميَة الوداعة.

وداعَة الله.

صفات الإنسان الوديع.

كيف تقتنى أو تفقد؟

الوداعة لا تتعارض مَع الشجاعة.

أمثلة كثيرة.

الغضب المقدس.

قوة الشخصية.

الدفاع عن الحق.

الإنقاذ.

هل يمكن أن يدين؟

الوداعة

أهمية الوداعة:

فضيلة الوداعة من أهم الفضائل المسيحية. يكفى قول السيد الرب:

"تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت 11: 29).

كان يقدر أن يقول تعلموا منى سائر الكمالات المسيحية. لكنه ركّز على الوداعة والتواضع بالذات، وذكر نتيجتها أنكم "تجدون راحة لنفوسكم". فالإنسان الوديع يعيش فى هدوء وراحة، بنيما من يفقد الوداعة يعيش فى صراعات وتعب...

والسيد المسيح فى عظته على الجبل، وضع التواضع والوداعة فى مقدمة التطويبات. فقال "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات.. طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض" (مت 5: 5، 3). فهم يرثون هذه الأرض التى نعيش عليها، إذ يكونون محبوبين من جميع الناس. كما أنهم فى العالم الاخر، يرثون "أرض الأحياء" التى ذكرها داود النبى فى المزمور (مز 27: 13) حينما قال "أومن أنى أعاين خيرات الرب فى أرض الأحياء".

وقال أيضاً "الرب يرفع الودعاء"، ويذل الخطاة إلى الأرض "(مز 147: 6).

+ + +.

والقديس بولس الرسول يضع الوداعة ضمن ثمار الروح (غل 5: 23).

فالإنسان الذى يسلك بالروح، من الطبيعى أن يكون وديعاً..

والذى يكون مسكناً للروح القدس، لابد أن يكون وديعاً وهادئاً. وهكذا يقول القديس بطرس الرسول ".. زينة الروح الوديع الهادئ، الذى هو عند الله كثير الثمن" (1 بط 3: 4).

وقال "يسمع الودعاء فيفرحون" (مز 34: 2).

+ + +.

ومن اهتمام الكنيسة بالوداعة، أنها تنصحنا بها فى كل صباح:

فتضع لنا فى مقدمة صلاة باكر جزءأ من رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس يقول فيه "اسألكم أنا الأسير فى الرب أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التى دعيتم إليها بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضاً فى المحبة.." (أف 4: 2، 1).

ولا شك أن طول الأناة والاحتمال هما من صفات الوداعة أيضاً. التى تنصحنا بها الكنيسة فى كل صباح، لنسير بها طول النهار.

+ + +.

وفى شرح أهمية الوداعة فى الحياة الروحية، يقول القديس يعقوب الرسول:

"من هو حكيم وعالم بينكم، فليرِ أعماله بالتصرف الحسن فى وداعة وحكمة" (يع 3: 13). وشرح كيف أن "الحكمة النازلة من فوق، هى طاهرة ثم مسالمة مترفقة مذعنة، مملوءة رحمة وأثماراً صالحة" (يع 3: 17). وهذه من صفات الوداعة. الوداعة إذن مرتبطة بالحكمة، الحكمة مرتبطة بالوداعة. وهذه هى "وداعة الحكمة".

+ + +.

حتى فى إصلاح الآخرين، يكون ذلك فى وداعة.

فى هذا يقول القديس بولس الرسول "أيها الأخوة إن انسبق إنسان فأُخذ فى زلة، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة. ناظراً إلى نفسك لئلا تُجرب أنت أيضاً. إحملوا بعضكم أثقال بعض" (غل 6: 2، 1).

إذن فى إصلاح شخص أخطأ، لا يكون ذلك بالعنف ولا بالشتيمة والتشهير، إنما بروح الوداعة. فهذا هو اسلوب الروحانيين.

+ + +.

وقد كانت الوداعة هى صورة المسيحين منذ البدء.

حتى إنه قيل عن روحيات المسيحيين فى العصر الرسولى: إنه حينما كان أحد الوثنيين يقابل زميلاً له، ويجده بشوشاً هادئاً.. يقول له "لعلك قابلت مسيحياً فى الطريق"!.. يقصد بذلك أن لقاءه مع أحد المسيحيين فى وداعته، يكون قد طبع الوداعة على وجهه بالتأثير.

ويقول القديس بطرس الرسول فى الحديث عن الإيمان:

"مستعدين فى كل حين، لإجابة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذى فيكم بوداعة وخوف" (1 بط 3: 15). وأما وقد تكلمنا عن أهمية الوداعة، فنقول إن الله هو مثالها الأول.

وداعة الله:

إن الله وديع فى تعامله. يعطى الفرصة للعاملين معه، أن يكلموه بكل حرية، ويعبروا عن رأيهم – مهما كان يبدو مخالفاً – بكل جرة وبغير خوف!

من تواضع الرب كلّم أبانا ابراهيم من جهة سادوم قبل أن يهلكها. وإذا بابراهيم يتكلم مع الله بجرأة عجيبة، ويقول له "أفتهلك البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم. حاشا لك. أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً؟!" (تك 18: 23 - 25).

+ + +.

لولا وداعة الله الذى يقبل مثل هذا الكلام دون أن يغضب، ما كان ابراهيم يتكلم مع الله بمثل هذا الأسلوب!!

أحياناً لا يجرؤ موظف أن يكلم رئيسه هكذا، ولو كان هذا الرئيس مديراً لإدراة صغيرة..! أن يقول له: حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر، أو أن يلّح له فى كلامه أنه بذلك "لا يصنع عدلاً"..!

إن الله فى وداعته طويل البال فى الحوار.

كثيرون من رجال السلطة لا يقبلون أن يناقشهم أحد فى قراراتهم. وإن قبلوا، لا يستطيعون أن يطول النقاش، وأن يستمروا فى التنازلات. بل أنهم يضعون للحوار حدوداً. أما الله فوداعته بغير حدّ.

+ + +.

* مثال آخر لوداعة الله، حديثه مع عبده موسى، بعد عبادة الشعب للعجل الذهبى. حيث آراد الله أن يفنى ذلك الشعب الخائن.

يقول الرب – فى وداعته – لعبده موسى "أتركنى" لأفنى هذا الشعب (خر 32: 10). ولكن موسى يقول للرب فى جرأة "ارجع يارب عن حمو غضبك، واندم على الشر.. اذكر ابراهيم واسحق واسرائيل.." وذكره بأنه قد يقول المصريون "أخرجهم بخبث، ليقتلهم فى الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض" (تك 32: 13، 12).

العجيب أن الرب فى وداعته قبل كلام موسى، وندم على الشر (خر 32: 14).

+ + +.

فى وداعة الرب مع ابراهيم قبل أن يناقشه فى قراره. أما فى وداعته مع موسى، فقد فعل ما هو أكثر: أن يلغى قراره!!

قد يوجد إنسان، بشر من تراب: إن طلبت منه أن يلغى قراره، يثور ويعتبر هذا الطلب ضد كرامته، ولا يقبل الرجوع عن قرار أصدره أو ينوى إصدراه. أما الرب فواسع الصدر، ويقبل النقاش ويقبل الرجوع. وأكثر من هذا، يقبل الكلمات الشديدة فى كلام عبيده معه. مثل عبارات حاشا، ولا يصنع عدلاً، وأخرجهم بخبث ليهلكهم..

لولا أن الله وديع وطيب، ما كان يقبل كل هذا...

+ + +.

* أمثلة أخرى يقبل فيها الرب عبارة (لماذا) عن أحكامه وأعماله:

يقول له ارميا النبى "أبرّ أنت يارب من أن أخاصمك. لكن أكلمك من جهة أحكامك: لماذا تنجح طريق الأشرار. إطمأن كل الغادرين غدراً" (أر 12: 1). ما أكثر الرؤساء والحكام، الذين لا يجرؤ أحد أن يكلمهم من جهة أحكامهم، وأن يقول لهم لماذا؟ ولكن الله الوديع ليس كذلك...

ويقبل أيضاً أن يقول له عبده داود معاتباً "يارب لماذا تقف بعيداً؟ لماذا تختفى فى أزمنة الضيق؟!" (مز 10: 1). يقول هذا للراعى الصالح، الذى لم يعوزه شئ "(مز 23: 1).

+ + +.

* بل لولا وداعة الله، ما كان يسمح للشيطان أن يناقشه وأن يطلب منه، فى قصة أيوب الصديق.

وداعة من الله أنه بينما بنو الله يمثلون أمامه، يسمح أن يجئ الشيطان فى وسطهم (اى 1: 6). ووداعة منه أيضاً أنه بينما يقول الله عن أيوب إنه رجل كامل ومستقيم.. يتدخل الشيطان محتجاً على ذلك فيقول "هل مجاناً يتقى أيوب الله؟! أليس أنك سيجت حوله وحول بيته.. باركت أعمال يديه.. ولكن أبسط يدك الآن، ومسّ كل ما له، فإنه فى وجهك يجدف عليك" (أى 1: 9 - 11).

والعجيب أنه – فى وداعة الله – يقبل هذا الكلام من الشيطان، ويسمح له بأن يجرب أيوب قائلاً له "هوذا كل ما له فى يدك" (أى 1: 12).

وبعد أن ينجح أيوب فى التجربة، يسمح الله مرة أخرى للشيطان أن يقف أمامه مع بنى الله. ويبدى الرب إعجابه بأيوب قائلاً "وإلى الآن هو متمسك بكماله".. وإذا بالشيطان يتطاول ويقول لله "ابسط الآن يدك، ومسّ عظمه ولحمه، فإنه فى وجهك يجدف عليك!" (أى 2: 5). والعجيب أنه فى وداعة الله يقبل من الشيطان ما قاله فى غير خجل! بل ويقول له أيضاً "ها هو فى يدك، ولكن احفظ نفسه" (اى 2: 6).

+ + +.

مثل آخر فى الوداعة أن السيد المسيح يقبل أن يجربه الشيطان.

واستغل الشيطان هذه الوداعة، فقال للسيد عن كل ممالك الأرض ومجدها "أعطيك هذه جميعها، إن خررت وسجدت لى" (مت 4: 9).

إن الوديع يسمح أن يكلمه البعض بما يريد بكل جرأة. ولكن لا يجوز أن تُستغل وداعة الوديع، لكى يتطاول البعض عليه بغير حياء.

صفات الإنسَان الوديع

1 - من صفات الإنسان الوديع إنه طيب وهادئ ومسالم:

إنه هادئ فى صوته، لا يصيح ولا يحدث شغباً.. وهادئ أيضاً فى معاملاته: لا يخاصم، ولا يقطع صلته بإنسان، ولا يحتد على أحد.

قيل عن السيد المسيح فى العهدين القديم والحديث إنه "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته. قصبه مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (مت 12: 20، 19) (أش 42: 3، 2).

إنه لا يقطع رجاء إنسان: فلا يطفئ الفتيلة المدخنة، ربما تمرّ عليها ريح بعد حين، فتشعلها.

قيل فى لقائه مع إيليا النبى لما كان هارباً من الملكة إيزابل، إنه "إذا بريح عظيمة قد شقّت الجبال وكسرت الصخور.. ولم يكن الرب فى الريح. وبعد الريح زلزلة، ولم يكن الرب فى الزلزلة. وبعد الزلزلة نار، ولم يكن الرب فى النار. وبعد النار صوت منخفض خفيف.." (1 مل 19: 12، 11). وكان الرب يتكلم..

+ + +.

2 - هكذا هو صوت الله فى وداعته، الصوت المنخفض الخفيف.

والإنسان الوديع إنسان هادئ، لا يرفع صوته أزيد مما يجب، ولا يعلو صوته أكثر مما تحتمل الحالة فى الكلام. صوته هادئ غير صاخب. بعكس العنفاء الذين فى كلامهم صخب. يتكلمون بصوتِ عالِ وبحدّة، عنف.. أحياناً صوتهم يرعب..

+ + +.

3 - والوديع: كما أن صوته منخفض، كذلك نظره منخفض أيضاً

لا يحدّق فى أحد، ولا يحملق فى أحد. تنطبق عليه عبارة "لا يملأ عينيه من وجه إنسان". ومادام لا يملأ عينيه من وجه إنسان، فهو يحتفظ بمعاملات طيبة مع الكل، لأنه لا يفحص مشاعر الناس بنظراته، ولا يحاول أن يعرف ما بداخلهم. لأن محاولة معرفة الدواخل تعكر المعاملات.

أما غير الوديع فإنه يكلم غيره، وينظر إلى عينيه أثناء كلامه ليرى هل هو صادق أم لا؟ وهل نظراته عكس كلامه؟ وهل ملامحه عكس كلامه؟ وهل هو يبطن غير ما يظهر؟ وهل.. وهل..؟ مما يجعله يشك فيه...

4 - أما الوديع فيكون فى سلام مع الناس، لأنه لا يفحص ملامحهم وتصرفاتهم.

إن تعامل مع أحد لا يتناول بالفحص والتحقيق. ولا يتناول كل ما يعمله هذا الشخص بتحليل وتدقيق، ويصدر أحكاماً عليه!

وإن جلس مع أناس يأكلون، لا ينظر إليهم ماذا يأكلون وكيف؟ وأى صنف يأكلونه؟ وما الذى يحبونه أكثر من غيره؟ وهل يأكلون بسرعة أو بشهوة أو بنهم؟ ولا يرقبهم أثناء الأكل، كما لو كان يحصى كم لقمة يأكلونها.

+ + +.

5 - إنه هادئ لا يفحص أعمال الناس ولايراقبهم. ولذلك فهو لا يقع كثيراً فى ادانة الآخرين. يقول فى داخله "ما شأنى بذلك؟!.

فإدانة الآخرين تأتى غالباً من فحص الآخرين ومراقبتهم. أما الوديع فيقول فى نفسه "وأنا مالى؟ خلينى فى حالى". نعم ما شأنى بكل هؤلاء؟! وما دخلى بتصرفاتهم؟! إن كان السيد المسيح قد قال فى إحدى المرات "من أقامنى قاضياً أو مقسماً؟" (لو 12: 14)... فماذا أقول أنا عن نفسى؟! ولما أتدخل فى أمور لست مسؤلاً عنها؟! ولماذا أقحم نفسى فى أمور ليست من شأنى؟! وهكذا يحتفظ بسلامه الداخلى.

+ + +.

6 - والإنسان الوديع يكون دائماً بشوشاً مبتسماً، لا يعبس فى وجه أحد.

لا يقطب جبينه لا نظراته، ولا يتجهم، ولا يستقر عليه أبداً روح الغضب أو الضيق. له ابتسامة حلوة محببة إلى الناس، وملامح مريحة لكل من يتأملها. ولا تسمح له طبيعته الهادئة أن يزجر ويوبخ، وأن يشتد ويحتد. بل هو بطبيعته إنسان هادئ. وكلامه لين ولطيف، وبخاصة إن كان من الخدام أو من رجال الدين.

إن قوانين الكنيسة وتعاليم الآباء تطلب من رجال الدين أن يكونوا بشوشين، يتصفون بالحلم والسماحة غير مخاصمين (1 تى 3: 3). وكذلك سير الآباء تقدم لنا أمثلة كثيرة للوجه السمح المحب والمحبوب. أما المتجهم دائماً فإنه يخيفهم من الدين نفسه.

+ + +.

7 - الإنسان الوديع يتمتع بسلام داخلى. فهو لا ينزعج ولا يضطرب، ولا يتسجس، مهما كانت الأسباب الخارجية.

قد يكون البحر هائجاً والأمواج مرتفعة، والسفينة تضطرب فى البحر ذات اليمين وذات اليسار. أما الصخرة الثابتة فى البحر فإنها لا تضطرب. والجنادل التى فى البحر لا تهتز، مهما كان عنف الأمواج..

كذلك الوديع: هو كالصخرة أو الجندل، لا يتزعزع مهما كانت الظروف. بل فى هدوء يسلم الأمر لله ولا يضطرب. يقول مع داود النبى فى المزمور: "إن يحاربنى جيش، فلن يخاف قلبى. وإن قام علىّ قتال، ففى هذا أنا مطمئن" (خر 27: 3).

يقول ماراسحق "من السهل عليك أن تحرك أحد الجبال من موضعه. وليس سهلاً أن تحرك الإنسان الوديع عن هدوئه".

+ + +.

8 - ومهما عومل الوديع، لا يتذمر ولا يتضجر، ولا يشكو.

بل غالباً ما يلتمس العذر لغيره، ويبرر فى ذهنه مسلكه، لا يظن فيه سوءاً، وكأن شيئأ لم يحدث! ولا يتحدث عن إساءة الناس إليه، ولا يحزن بسبب ذلك فى قلبه. فإن تأثر لذلك أو غضب، سرعان ما يزول تأثره ويصفو. ولا يمكن أن يتحول حزنه إلى حقد..

+ + +.

9 - وقد يثور البعض عليه، ويوجه إليه اتهامات أو إهانات. فلا يحتد. ولا ينتقم لنفسه، ولا يقاوم الشر (مت 5: 39).

بل قد يصمت فى هدوء، ويبتسم فى وجه من يثور عليه ابتسامة بريئة، وكأنه ليس هنا! مما يجعل الثائر عليه يخجل من إهاناته له!

هذا الإنسان الوديع، له أحياناً طبع الطفل الهادئ المبتسم.

+ + +.

10 - الإنسان الوديع بعيد عن الغضب، حليم واسع الصدر.

إنه لا يغضب بسرعة، ولا ببطء. ولا ينفعل الانفعالات الشديدة. ولا تراه أبداً ثائراً ولا عصبياً. بل ملامحه هادئة. وكما أنه لا يغضب، فإنه لا يتسبب فى غضب أحد. وإن غضب منه أحد، فإن له "الجواب اللين الذى يصرف الغضب" (أم 15: 1).

لذلك فهو إنسان طويل البال، وكثير الإحتمال.

وإذ "له صورة الله" (تك 1: 27، 26)، فهو مثله يحتمل الخطاة الذين يخطئون إليه، ويطيل أناته عليهم، ويعيش فى سلام.

+ + +.

الوديع يتميز بأنه إنسان بطئ الغضب.

كما قال معلمنا القديس يعقوب الرسول "ليكن كل إنسان مسرعاً إلى الاستماع، مبطئاً فى التكلم مبطئاً فى الغضب. لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله" (يع 1: 9). وما أكثر ما قيل عن إلهنا الوديع: إنه "بطئ الغضب" (يون 4: 2)، "طويل الروح كثير الرحمة" (مز 103: 8).

+ + +.

11 - كذلك فإن الوديع لا يغضب لأى سبب.

إذا غضب الوديع، فاعرف أنه لابد من أمر خطير دعاه إلى ذلك. غالباً ما يكون غضبه لأجل الرب، وليس لأجل نفسه، وليس بسبب كرامته أو حقوقه كا يفعل غير الودعاء.

وإذا غضب لا يثور ولا يفقد أعصابه. إنما يعبر عن غضبه بعدم موافقته وعدم رضاه. فالوديع أعصابه هادئة، لاينفعل بسرعة. وإذا انفعل لا يشتعل.

+ + +.

12 - وإذا غضب، لا يحقد. إنما سرعان ما يصفو ويغفر.

وهكذا قيل عن إلهنا الوديع إنه "لا يحاكم إلى الأبد، لا يحقد إلى الدهر. لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا.. لأنه يعرف جبلتنا. يذكر أننا تراب نحن" (مز 103: 9 - 14).

+ + +.

13 - الإنسان الوديع مسالم لا ينتقم لنفسه.

لا يقاوم الشر (مت 5: 39). أى لا يقابله بمثله. وإنما هو كثير الإحتمال. لا يدافع عن نفسه، بل غالباً ما يدافع الغير عنه، موبخين من يسئ إليه بقولهم "ألم تجد سوى هذا الإنسان الطيب لتعتدى عليه؟!".

الإنسان الوديع لا يؤذى أحداً، بل يحتمل الأذى من المخطئين.

ما أجمل ما قيل عن موسى النبى "وكان الرجل موسى حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عد 12: 3).

حتى أنه حينما تقولت عليه أخته مريم، ووبخها الله على ذلك وعاقبها فضربها بالبرص.. تشفع فيها موسى، وهو فى موقف المُساء إليه. وصرخ قائلاً "اللهم إشفها" (عد 12: 13).

ومن الأمثلة الجميلة، ما قيل عن وداعة سليمان الملك وسعة صدره، إن الله منحه "حكمة وفهماً كثيراً جداً، ورحبة قلبه كالرمل الذى على شاطئ البحر" (1 مل 4: 29).

+ + +.

14 - والإنسان الوديع طيب، سهل التعامل مع الناس.

إذا تناقش مع إحد، لا يجعل المناقشة تحتد وتتعقد، بل يبدى رأيه ببساطة، ويدافع عنه بهدوء، بطريقة وديعة، كما يقول الكتاب "فى وداعة الحكمة" (يع 3: 13)، حتى إن كان ينبه محاوره إلى خطأ!

إنه بسيط فى التعامل، لاعنده دهاء ولا مكر ولا خبث.

ولا يظهر غير ما يبطن. ولا نعنى بكلمة (بسيط) انه إنسان ساذج! كلا، بل قد يكون فى منتهى الحكمة. ولكنه فى بساطته لا يعقد الأمور. وهو لا يلف ولا يدور فى حديثه، ولا يدبر خططاً ضد أحد.

+ + +.

15 - بل هو صريح ومريح يمكنك أن تثق به وتطمئن إليه.

ورقيق فى معاملته، لا يخدش شعور من يتحاور معه، إذا أخطأ. بل هو حلو الطبع، دمث الخلق، حسن المعاملة. لذلك تجده محبوباً من الكل، كإنسان طيب...

+ + +.

16 - الإنسان الوديع مملوء من الحنان والعطف، حتى على أشر الخطاة.

فإن رأيت إنساناً قاسياً فى تعامله، إعلم أنه غير وديع.

أنظروا إلى وداعة السيد المسيح مع المرأة السامرية، وكيف أنه لم يجرح شعورها ولم يخدش حياءها ولا بكلمة واحدة. بل أجتذبها إلى الاعتراف بوداعة ولطف. ووجد فيها شيئاً يمتدحه، فقال لها "حسناً قلتِ إنه ليس لك زوج.. هذا قلتِ بالصدق" (يو 4: 18، 17).. وبهذه الوداعة أمكنه أن يقتادها إلى التوبة، وإلى الإيمان بأنه المسيح وبشرت أهل المدينة بذلك (يو 4: 29).

وبنفس الوداعة أيضاً تصرف مع المرأة الخاطئة المضبوطة فى ذات الفعل.. لم يبكتها. بل أنقذها من الذين أرادوا رجمها. فلما أنصرفوا قال لها "أين هم أولئك المشتكون عليك؟ أما دانك أحد؟ ولا أنا أدينك. أذهبى ولا تخطئى أيضاً" (يو 8: 11، 10).

+ + +.

وفى وداعة من نوع آخر، عاتب بعد القيامة تلميذه بطرس:

ذلك الذى أنكره ثلاث مرات، وحلف ولعن وقال: لا أعرف الرجل (مت 26: 74). فقال له الرب ثلاث مرات "يا سمعان بن يونا، أتحبنى أكثر من هؤلاء؟!.. معها ثلاث مرات ثبته فى عمل الرعاية بقوله" أرع غنى.. أرع خرافى "(يو 21: 15 - 17).

هكذا أيضاً فى وداعة، قابل نيقوديموس ليلاً (يو 3: 2).

ولم يوبخه على خوفه من اليهود... إذ جاء إليه ليلاً، حتى لا ينكشف أمره لهم.. وإذا بالسيد المسيح – فى وداعته – يلصقه بمحبته، التى جاهر بها بعد صلبه، إذ اشترك فى تكفيه مع يوسف الرامى (يو 19: 39).

+ + +.

وداعة الله تعامل الخطاة بطول أناة. وطول أناته تنتظر توبتهم.

وهو يود توبتهم، دون أن يعرضهم إلى عدالته ونقمته.

وهكذا الإنسان الوديع لا ينتقم من المخطئين إليه، قائلاً فى نفسه: "لا أنتقم من أحد، لئلا الله ينتقم أيضاً منى بسبب أخطائى". ولا يفرح مطلقاً ببلية المسيئين إليه. لأن الفرحان ببلية لا يتبرأ "(أم 17: 5).

+ + +.

17 - والإنسان الوديع يضع أمامه أربع درجات فى التعامل مع المخطئين:

منها احتمال المخطئ إليه، فلا يغضب منه، ولا يثور عليه.

ثم المغفرة للمخطئ، فلا يمسك عليه خطيئته، ولا يحقد عليه.

ثم الصلح مع المخطئ. ولتكن المبادرة منه هو، كما قال الرسول: "مسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل" (أف 4: 3).

وأكثر من هذا كله: محبة هذا المخطئ، كأخ. والصلاة من اجله حسب وصية الرب "وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (مت 5: 44).

وهو لايفعل ذلك كله، إلا إذا كان قلبه واسعاً، وطبعه هادئاً. ويتشبه بإلهنا الوديع الذى قال عنه المرتل فى المزمور إنه "لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا" (مز 103: 10).

+ + +.

18 - وأكثر من هذا، فإن السيد المسيح الوديع يقيم عذراً للمخطئين.

فلما ذهب إلى بستان جثيمانى مع ثلاثة من أقرب تلاميذه إليه، وذلك فى أحرج الأوقات، فى الليلة التى سيُقبض فيها عليه. وكان يجاهد ونفسه حزينة حتى الموت (مت 26: 38). ولم يسهر تلاميذه معه فى تلك الليلة، بل ناموا "لأن أعينهم كانت ثقيلة". وعلى الرغم من أنه عاتبهم قائلاً "أما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة؟!، إلا أنهم ناموا أيضاً...

فقال لهم "ناموا الآن واستريحوا". والتمس لهم عذراً فى نومهم وتخليهم عنه، قائلاً "أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف" (مت 26: 41)... ما اعمق وداعتك يارب! حتى هؤلاء النائمين فى أحرج ساعات جهادك، تلتمس لهم عذراً، بل تذكر أيضاً لهم شيئاً حسناً قائلاً عنهم "اما الروح فنشيط"!

+ + +.

19 - الإنسان الوديع، لايتشبث برأيه، ولا يكون عنيداً.

وإن دخل فى مناقشة، يكن هدفه أن يكسب من يناقشه، لا أن يكسب المناقشة ذاتها. لا يظهر للمناقش أخطاءه، ولا يكشف له ضعف حجته. بل فى إيجابية وديعة، يشرح وجهه نظره بأسلوب رقيق مقنع.. وهو فى كسبه لمن يناقشه بكل لياقة وأدب، يمكنه أن يكسب المناقشة...

أما غير الوديع، فيتمسك بأية نقطة – مهما كانت صغيرة – ويقيم عليها مشكلة ومناقشة، ويكبّرها ويضخّمها، ويصيّر الحبة قبة كما يقول المثل! حتى ليعلّق البعض قائلاً "أوقعت فى يد فلان؟! فلينقذك الله منه إنه يمكن أن يستنتج لك أخطاء فى كلامك، لم تفكر فيها قط!!".

+ + +.

20 - الإنسان الوديع لا يحلّ إشكالا بإشكال آخر...

إنه بطبيعته الوديعة يحب أن يبعد عن المشاكل، ويتفاداها بقدر طاقته. وإن وُجد أمام مشكلة، إما أن يحتملها فى هدوء، أو أنه يعطيها مدى زمنياً تُحل فيه، أو يجد لها حلاً فى هدوء، أو أن يمررها دون أن تجعلها تمرره أو تمرر غيره.. المشكلة بالنسبة إليه كقطعة طين القيت فى بحر واسع، فلم تعكر البحر، بل ذابت فى أعماقه..!

+ + +.

21 - الإنسان الوديع هو شخص (مهاود)، يميل إلى الطاعة:

طبعاً يطيع فى ما لايخالف ضميره، وما لا يخالف وصية الله. أما باقى الأمور، فيكون فيها سهل الاستجابة، ولا يجعلها موضعاً للجدل وللنقاش.

أما غير الوديع، فقد يكون صلباً وشديداً فى كل ما يُطلب منه. ويظل يضع أسئلة وعراقيل: لماذا تريد، وكيف يمكن التنفيذ، وهناك صعاب؟ ولماذا تطلب منى أنا بالذات؟ وعلامَ الإسراع؟ ولماذا لا تنتظر؟ ومن قال لك إن وقتى يسمح وإن ظروفى تسمح؟! ويستمر فى المعارضة.. وقد ينتهى به الأمر أن يرفض، أو قد يوافق أخيراً، بشروط، وبعد تعب فى الأخذ والرد.

+ + +.

22 - أما الوديع، فإنه يريد باستمرار أن يريح غيره.

والخير الذى يستطيع أن يعمله لأجل غيره، فإنه يعمله بكل محبة وكل هدوء، وبدون جدل، وبدون إبطاء وكما قال الكتاب "لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون فى طاقة يدك أن تفعله.." (أم 3: 27).

23 - لذلك فالإنسان الوديع يكون مستعداً لأداء أية خدمة.

سواء كان ذلك فى نطاق عمله الرسمى أو تطوعاً منه: لأن هناك نوعاً من الموظفين الرسميين ليست لهم روح الخدمة ولا روح الوداعة فى الاستجابة لطلبات الجماهير. ولذلك قلتُ مرة: إن الموظف الوديع المريح يجد حلاً لكل مشكلة. أما الموظف المتعب المعقد، فإنه يجد مشكلة لكل حل!!

ولكن الوديع يعمل باستمرار على إراحة غيره، حتى لو لم يكن مسئولا عن ذلك رسمياً. إنه يستجيب بكل بشاشة لكل طلب يٌطلب منه. وحتى دون أن يٌطلب منه، يعمل تطوعاً لخير غيره وراحته...

24 - وإن نال الوديع مركزاً أو سلطة يستخدم ذلك لمنفعة الناس.

لا يرتفع قلبه بالمركز أو السلطة، بل يظل خادماً للجميع، محققاً للناس ما يستطيع أن يحققه لهم عن طريق سلطته وإمكانياته. كما قال السيد الرب "إن ابن الإنسان لم يأتِ ليخُدم بل ليخِدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 28).

+ + +.

25 - من أجل هذا كله، يكون الوديع باستمرار شخصاً محبوباً.

الناس يحبون فيه طيبة قلبه، وبشاشة ملامحه، وحسن تعامله، وطاعته وخدمته للكل، ورقة أسلوبه. وبسبب ذلك يدافعون عنه إن أصابته اية أذية. الكل يدافع عنه، وإن كان هو لا يدافع عن نفسه.

والشخص الذى يستغل طيبته ويظلمه، يتعبه ضميره ويخاف، لأنه قد أذى إنساناً طيباً لا يؤذى أحداً!

+ + +.

26 - والإنسان الوديع له سلام فى قلبه، لا يتعب من أحد.

وإن ضغطت عليه الظروف وتعب، لا يظهر تعبه فى الخارج بهيئة ضيق أو نرفزة وأو برد الإهانة بمثلها.. كلا، فهو كما أن له سلاماً داخل قلبه، كذلك له سلام مع الناس.

+ + +.

27 - ومن صفات الوديع: الهدوء والبعد عن العنف.

إن العنف هو عكس الوداعة تماماً. فحتى لو كان الوديع فى موضع المسئولية، وكان من واجبه أن يوبخ وينتهر، فإنه يفعل ذلك أيضاً فى غير عنف. وإن أضطرته مسئولياته أن يحكم على أحد، فإنه يحكم فى غير قسوة وفى غير ظلم. وإن يلجأ إلى العتاب أو النصح، فإنه يكون رقيقاً فى نصحه، وهادئاً ومحباً فى عتابه.

ينطبق عليه ما قلناه مرة فى رثاء الأرشيدياكون حبيب جرجس:

يا قوياً ليس فى طبعه عنفهُ

ووديعاً ليس فى ذاته ضعفُ

يا حكيما أدّب الناس فى

زجره حبُ وفى صوته عطفُ

لك أسلوب نزيه طاهر’’

ولسان’’ أبيض الألفاظ عفُ

لم تنل بالذم إنساناً ولم

تذكر السوء إذا ما حلّ وصفُ

إنما بالحب والتشجيع قد

تصلح الأعوجَ، والأكثرُ يصفو

+ + +.

28 - الإنسان الوديع هو إنسان بسيط.

ونقصد بالبساطة عدم التعقيد. فقد يكون بسيطاً وحكيماً فى نفس الوقت. كما قال السيد الرب "كونوا بسطاء كالحمام، وحكماء كالحيات.." (مت 10: 16)... فهو يكون فى عقله حكيماً، وفى تصرفاته بسيطاً...

بقى أن أحدثك عن كيف تقُتنى الوداعة؟ وكيف يفقدها البعض؟

كيف تقتنى الوداعة؟ ولما تفقد؟

إقتناء الوداعة:

هناك من وُلدوا من بطون أمهاتهم ودعاء، بطبع هادئ لم يتعبوا فى أقتنائه، إنما نالوه عن طريق الوراثة، أو هبة من الله وهبهم إياها، بعكس البعض الذين يُولدون بطبع نارى يميل إلى العصبية أو إلى العنف...

ولسنا عن الودعاء بالطبع أو الميلاد أو الهبة، نتكلم هنا...

إنما نتحدث بصفة عامة عن كيفية إقتناء الوداعة أو تعوّدها...

+ + +.

والإنسان الذى يصل إلى الوداعة بجهاد وضبط النفس ومحاولا للسيطرة على أعصابه وعلى إرادته، هذا يكون أجره عند الله أكبر.

إنه يجاهد – ربما بتداريب كثيرة – لكى يضبط ذاته، ويضبط أفكاره، وألفاظه، وحركاته، ويقتنى كل أنواع الهدوء.. ويتخلص من الغضب والنرفزة بكل أنواعها وكل نتائجها.

إنها وداعة ليست طبيعية وإنما مكتسبة. مثالها القديس موسى الأسود، الذى كان غضوباً وقتالاً وحاد الطبع، بل كان مخيفاً أيضاً. ولكنه بضبط النفس، وبالتدريب والصبر، وبحكمة المرشد ومعونة الله، صار وديعاً جداً. وقد اختبروا وداعته يوم سيامته قساً، ونجح فى الاختبار.

ومادام الله يطلب منا أن نكون ودعاء، فلابد أنه قد وضع فى إمكانية طبيعتنا الوصول إلى هذه الفضيلة، وتنفيذ وصيته فيها (مت 11: 29).

+ + +.

* تدرّب يا أخى إذن على الهدوء، وابدأ مثلاً بهدوء الصوت:

فى حديثك العادى، ابعد عن الصوت العالى. وحاول أن يكون صوتك منخفضاً خفيفاً. ولا شك أن هذا أمر سهل. تدرج منه إلى الصوت الهادئ غير الحاد. فلا تتكلم بعنف ولا بشدة، محتفظاً بأعصابك حينما تتكلم، متحكماً فى نبرات صوتك..

فإن تدربت على هدوء الصوت، تدرّب أيضاً على هدوء الملامح.

لأن الشخص الغضوب، يظهر غضبه فى ملامحه، وفى نظرات عينيه، وفى تجهمه وتقطيب جبينه. فإن وجدت أنك قد وصلت إلى هذا كله، أو إلى بعض منه، قل لنفسك: إن شكلى الآن أصبح لا يليق، بل ربما منفراً.. وحينئذ حاول أن تهدئ ملامحك وستجد أنك مضطر فى نفس الوقت أن تهدئ إنفعالاتك الداخلية...

* نقطة ثالثة: وهى هدوء الحركات.

الشخص الغضوب قد يظهر غضبه فى عدم هدوء حركاته، وبخاصة فى حركات يديه. فى العسكرية لا يستطيع جندى أن يحدث أحد رؤسائه وهو يحرك إحدى يديه، بل يُقال له "إثبت".. كذلك أنت، حاول أن تضبط ليس فقط حركات يديك، بل حركاتك. وكن هادئاً فى جلستك، وفى مشيتك، لاتتململ، ولا تظهر العصبية عليك، ولا تبدو أمام الناس منفعلاً..

+ + +.

* وفى كل ذلك تدرّب على هدوء ألفاظك.

غير الودعاء تصدر عنهم ألفاظ قاسية عنيفة، أو ألفاظ متهكمة تثير محدثيهم، أو ألفاظ تدخل فى نطاق الشتيمة والإهانة. أو أنهم فى غضبهم: إذا تكلموا لا يراعون دقة الألفاظ فتمسك عليهم اخطاء. وقد يكونون فى كلامهم غير مهذبين، يستخدمون ألفاظاً جارحة، أو غير لائقة، أو ألفاظاً تخرج عن حدود الأدب والوقار والحشمة. وكل هذا ضد الوداعة..

أما أنت فحاول أن تضبط ألفاظك. وإن لم تستطع ذلك فى غضبك، إذن حاول أن تضبط غضبك. أو على الأقل: إن غضبت، اصمت. وقل "ضع يارب حافظاً لفمى، وباباً حصيناً لشفتى" (مز 141: 3).

+ + +.

* على أن أهم من هذا كله، هدوء القلب ووداعته.

فالوداعة فى أصلها هى وداعة القلب. والقلب الوديع يكون وديعاً فى كل شئ: فى صوته، فى ملامحه، فى ألفاظه، فى أعصابه، فى حركاته. لأن كل هذه مظاهر خارجية تعبر عن حالة القلب من الداخل. ومع ذلك فالتدريب عليها يوصل إلى وداعة القلب، أو ينبه القلب إلى الالتزام بالوداعة.

* على أن وداعة القلب ترتبط بفضائل أخرى كثيرة.

لعل فى مقدمتها التواضع. فالإنسان المتواضع يتصرف فى وداعة. والسيد المسيح جمع الفضيلتين معاً فى آية واحدة، حينما قال "تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). كذلك المحبة أيضاً إن عاش الإنسان فيها، يحيا بالضرورة فى حياة الوداعة. فالمحبة كما قال الرسول: تتأنى وتترفق، ولا تقبح، ولا تحتد، ولا تظن بالسوء.. وتحتمل كل شئ، تصبر على كل شئ "(1 كو 13: 4 - 7). وكل هذه من صفات وعناصر الوداعة أيضاً.

كذلك الوداعة ترتبط بفضائل اللطف، والهدوء، وطول الروح، وسعة الصدر، والتسامح، وربح النفوس، والحكمة. فمن يقتنى هذه الفضائل وامثالها، يقتنى الوداعة أيضاً.

والوداعة تُقتنى أيضاً بعمل النعمة فى القلب.

ويحتاج الإنسان أن يطلب ذلك فى صلاته، وأن يتجاوب عملياً مع عمل النعمة فيه، ويشترك مع الروح القدس الذى يقوده إلى الوداعة.

فإن إقتنينا الوداعة، نحرص ألا نفقدها. فما أسباب فقدها.

أسباب فقد الوداعة:

هناك أسباب إذا سلك فيها الإنسان بطريق خاطئ، فإنها تفقده وداعته، أو لا تساعده على اقتنائها من بادئ الأمر. نذكر من بينها:

السلطة والمركز الغنى وسائر نواحى العظمة:

أحياناً يتولى إنسان منصباً رفيعاً، فيظن أنه من مستلزمات المنصب أن يأمر وينهى، ويزجر وينتهر، ويتعالى وينظر إلى الأخرين من فوق. وهكذا يفقد وداعته وتواضعه أيضاً، ويدخله روح التسلط...

ولكن ليست المناصب العليا أمراً مانعاً للوداعة. فهناك عظماء ودعاء، جمعوا بين الرئاسة والوداعة. مثل داود النبى وهو قائد للجيش فى عهد شاول الملك (1 صم 18: 5)، كان وديعاً ويختلط بالناس فى محبة "وكان جميع إسرائيل ويهوذا يحبون داود لأنه كان يخرج ويدخل أمامهم" (1 صم 18: 16).

والسيدة العذراء وصلت إلى أعلى مركز تصل إليه امرأة، إذ أن جميع الأجيال تطوبها "(لو 1: 48) ومع ذلك لم تفقد وداعتها. والسيد المسيح نفسه فى كل مجده، كان وديعاً.

لكن الذى يستغل المنصب العظمة استغلالاً خاطئاً فهذا الذى يفقد الوداعة، مثل الكتبة الفريسيين (مت23). هامان فى سفر أستير.

+ + +.

* ويدخل فى نطاق العظمة أيضاً: الغنى والمال:

على الرغم من ذلك نقرأ فى التاريخ عن أغنياء كانوا ودعاء، وكانوا يختلطون بالفقراء والمحتاجين يحلّون لهم مشاكلهم مثل المعلم ابراهيم الجوهرى واخيه المعلم جرجس الجوهرى.

+ + +.

* وقد يفقد البعض وداعتهم، إذا ما دخلوا فى مجال إصلاح الآخرين، بطريقة خاطئة.

ويظن هؤلاء أن وسيلة الإصلاح لا تأتى إلا بالعنف والشدة. أو أن الدفاع عن الحق لا يتم إلا بالتشهير، وإدانة المخطئين أو من يظنونهم مخطئين، بسبّهم علناً وتحريض الناس ضدهم. ويحسبون أنهم بذلك يخلعون الزوان من الأرض، بينما يخلعون الحنطة معه (مت 13: 29). لا يضعون أمامهم قول السيد الرب "أخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك" (مت 7: 5).

مشكلة أولئك وأمثالهم أنهم يفقدون وداعتهم، ويرتكبون العديد من الخطايا، دون أن يدركوا ذلك، بل على العكس يفتخرون بما يفعلون!.. وأكثر من ذلك يحسبون أنفسهم أبطالاً ومصلحين..!

+ + +.

* يذكرنى هذا بأشخاص يُعهد إليهم بتنظيم أحد الاجتماعات.

وباسم العمل على حفظ النظام، ينتهرون، ويصيحون. بل ويمنعون ويطردون. ويستخدمون كل القسوة فى عملهم. وأحياناً لا نسمع ضوضاء فى الاجتماع، إلا ما يصدر من أصوات المنظمين!!

لماذا لا يعمل أولئك على حفظ النظام فى هدوء، وفى غير عنف. مثل عصا الراعى التى ينظم بها مسيرة غنمه، بالإشارة واللمس دون أن يضرب. لذلك يقول المرتل فى مزمور الراعى "عصاك وعكازك هما يعزياننى" (مز 23: 49).

+ + +.

* البعض يفقد وداعته باسم الصراحة وقول الحق:

وباسم الصراحة يجرح شعور الآخرين بطريقة منفرة مؤذية. والعجيب أنه يقول فى افتخار "أنا إنسان صريح. أقول للأعور أنت أعور، فى عينه"! ولماذا يا أخى تجرحه وتؤلمه بصراحتك هذه، الخالية من المحبة، ومن اللياقة؟! أما كان ممكناً أن تستخدم أسلوباً آخر؟!

إن السيد المسيح كان صريحاً مع المرأة السامرية، فى رفق، بأسلوب لم يجرح فيه مشاعرها، بل امتدحها فيما تستحق فيه المديح "(يو 4: 18، 17). وبهذا الأسلوب الرقيق الرفيع، اجتذبها إلى الإيمان.

+ + +.

* وقد يدخل فى موضوع الصراحة هذه، العتاب.

فقد يوجد إنسان – بالعتاب – يربح أخاه. بينما آخر، بفقده للوداعة فى عتابه يفقد صديقه أيضاً. وقد قال الشاعر فى هذا:

ودَع العتاب فربّ شر

كان أوله العتابا

* إنسان آخر يفقد وداعته بسبب الحزم.

والحزم ليس معناه بالضرورة العنف. فما أسهل أن يكون الإنسان حازماً ووديعاً. يأخذ موقفاً حازماً، وفى نفس الوقت يشرح سبب هذا الحزم بطريقة مقنعة لا تفقده محبة من يستخدم الحزم معهم. هكذا يفعل الأب مع أبنائه، يتصرف بحزم ممزوج بالمحبة والاقناع. وبمثل هذا الحزم أيضاً يتصرف رئيس مع مرؤوسيه، ولكن بحزم بعيد عن الغضب والنرفزة، بل بحكمة رصينة هادئة.

وبهذا الحزم منع الرب داود النبى من بناء الهيكل، شارحاً السبب فى ذلك (1 أى 28: 6، 3). وفى نفس الوقت لم يجرح شعور داود، ولم يتعارض ذلك مع محبته له.

+ + +.

* البعض يفقد وداعته بسبب الحرص على كرامته الشخصية.

وهذا أمر ردئ. فالكرامة الحقيقية هى أن يحتفظ الإنسان بالصورة الإلهية التى خُلق بها (تك 1: 26). ولكى نكون على صورة الله وشبهه، ينبغى أن نكون ودعاء مثله.

* والبعض يفقد الوداعة فى مجال الشجاعة.

وهذا ما سنتحدث عنه الآن...

الوداعة فضيلة عظيمة. ولكنها لا تمنع من الغيرة المقدسة. وكذلك لا تمنع من الشهادة للحق، كما فعل السيد المسيح له المجد.

والشهادة للحق أمر هام يريده الله. ولعل أهميته تظهر من قول الله على لسان ارميا النبى فى العهد القديم "طوفوا فى شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا، وفتشوا فى ساحاتها هل تجدون إنساناً أو يوجد عامل بالعدل طالب الحق، فاصفح عنها؟" (أر 5: 1). وقال الرب لتلاميذه: ".. وتكونون لى شهوداً" (أع 1: 8).

فهل الوداعة تمنع الشهادة للحق. أمامنا بولس الرسول كمثال.

بولس الرسول:

نضع أمامنا موقفه من القديس بطرس الرسول، لما سلك مع الأمم مسلكاً رآه بولس الرسول مسلكاً ريائياً. فقال القديس بولس فى ذلك "قاومته مواجهة لأنه كان ملوماً. وقلت لبطرس قدام الجميع: إن كنت وأنت يهودى تعيش أممياً لا يهودياً، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا؟!" (غل 2: 14، 11).

ومعروف عن القديس بولس أنه إنسان وديع. أليس هو القائل فى رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس "أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه، أنا نفسى بولس، الذى هو فى الحضرة ذليل بينكم. وأما فى الغيبة فمتجاسر عليكم.." (2 كو 10: 1).

بولس الوديع هذا – حينما اضطرته الضرورة – وبخ القديس بطرس الرسول، الذى كان أقدم منه فى الرسولية، وأكبر منه سناً، وكان أحد أعمدة الكنيسة (غل 2: 9). ولكن وداعة القديس بولس لم تمنعه من توبيخ ذلك الشيخ الكبير، ومواجهته قدام الناس.

إن فضيلة الوداعة لا يجوز لها أن تعطل باقى الفضائل.

وأمامنا مثل فى مزج الوداعة بالشهامة هو ابراهيم أبو الآباء:

أبونا إبراهيم:

لاشك أن ابراهيم أبا الآباء كان وديعاً. هذا الذى سجد لبنى حث، حينما طلب مكاناً يدفن فيه سارة زوجته. بينما كان بنو حث يبجلونه قائلين "أنت يا سيدى رئيس من الله بيننا. فى أفضل قبورنا أدفن ميتك" (تك 23: 6 - 7). ومع ذلك سجد لهم..!

ابراهيم الوديع هذا، لما أخبروه بسبى لوط ضمن سبى سادوم فى حرب أربعة ملوك ضد خمسة، يقول الكتاب "فلما سمع ابرآم أن أخاه لوطاً قد سبى، جرّ غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاثمائة وثمانية عشر، وتبعهم إلى دان وكسرهم، وتبعهم إلى حوية.. واسترجع كل الأملاك، واسترجع لوطاً أخاه أيضاً وأملاكه والنساء أيضاً والشعب؟ (تك 14: 14 - 16).

أكانت شهامة ابراهيم ونخوته ضد وداعته وطيبته؟! حاشا.

مثال آخر فى امتزاج الوداعة بالشهامة والشجاعة والقوة، هو الصبى داود فى محاربته لجليات الجبار.

داود النبى:

ولاشك أن داود كان وديعاً. يقول عنه المزمور "اذكر يارب داود وكل دعته" (مز 132: 1). داود راعى الغنم الهادئ صاحب المزمار، الذى يحسن الضرب على العود (1 صم 16: 21). داود الحسن المنظر مع حلاوة فى العينين (1 صم 16: 12).

داود هذا، لما ذهب إلى ميدان الحرب يفتقد سلامة أخوته، وسمع جليات الجبار يعيّر الجيش كله ويتحداه، والكل ساكت وخائف.. تملكته الغيرة المقدسة. وبكل شجاعة وقوة وإيمان قال "لا يسقط قلب أحد بسببه" وعرض أن يذهب ليحاربه (1 صم 17: 32). وتقدم فى شجاعة نحو ذلك الجبار الذى أخاف الكل وقال له "اليوم يحبسك الرب فى يدى..! (1 صم 17: 46). وأعانه الله فانتصر عليه وخلّص الجيش منه.

وعلى الرغم من قوة داود وشجاعته، لم تفارقه وداعته ولا اتضاعه. بل قال لشاول الملك فيما بعد لما طارده "وراء من خرج ملك إسرائيل؟ وراء من أنت مطارد؟ وراء كلب ميت! وراء برغوث واحد!" (1 صم 24: 14).

مواقف لشجاعة الوديع

نتابع كلامنا فى هذا الموضوع، فنذكر النقاط الآتية:

الغضب المقدس:

ومثال لذلك موسى النبى الوديع، الذى قيل فى وداعته "وكان الرجل موسى حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عد 12: 3).

ماذا فعل هذا الوديع، حينما نزل من على الجبل، ووجد الشعب فى رقص وغناء حول العجل الذهبى الذى صنعوه وعبدوه؟ يقول الكتاب "فحمى غضب موسى، وطرح اللوحين (لوحى الشريعة) من يديه، وكسَرهما فى أسفل الجبل. ثم أخذ العجل الذى صنعوه وأحرقه بالنار، وطحنه حتى صار ناعماً، وذرّاه على وجه الماء" (خر 32: 20، 19). ووبخ موسى أخاه هارون رئيس الكهنة، حتى ارتبك أمامه هارون وخاف. وقال له "لا يُحم غضب سيدى. أنت تعلم الشعب أنه فى شر". وقال فى خوفه وارتباكه عن الذهب الذى جمعه من الناس "طرحته فى النار، فخرج هذا العجل"! (خر 32: 24، 22). وعاقب موسى الشعب. فمات فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف.

موسى الوديع غضب غضبة مقدسة للرب، ووبخ وعاقب. وما كان يستطيع فى وداعته أن يسكت على الذى حدث. إن الوداعة لا تمنع الغضب المقدس.

الوداعة أيضاً لا تمنع قوة الشخصية ولا قوة التأثير.

قوة الشخصية:

كان السيد المسيح وديعاً، وفى نفس الوقت كان قوى الشخصية، وكان قوياً فى تأثيره على غيره. ولكننى أريد هنا أن أقدم مثالاً فى مستوى البشر الذى شرحنا من قبل شيئاً عن وداعته، وهو بولس الرسول.

يقول سفر الأعمال عن القديس بولس وهو أسير "وبينما كان يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون، أرتعب فيلكس (الوالى) وأجاب: أما الآن فاذهب. ومتى حصلت على وقت استدعيك" (أع 24: 25، 24).

ولما وقف بولس – وهو أسير أيضاً – أمام أغريباس الملك. قال له بعد أن ترافع أمامه "أتؤمن أيها الملك أغريباس بالأنبياء؟ أنا أعلم أنك تؤمن. فقال أغريباس الملك لبولس" بقليل تقنعنى أن أصيرمسيحيا "(أع 26: 28، 27).. وحينئذ فى قوة وعزة، أجابه القديس بولس:" كنت أصلى ألى الله، أنه بقليل وكثير، ليس أنت فقط، بل أيضاً جميع الذين يسمعوننى، يصيرون هكذا كما أنا، ما خلا هذه القيود "(أع 26: 29). أترى تتعارض الوداعة مع هذه القوة؟! كلا بلا شك.

الدفاع عن الحق:

ووقت الضرورة، لا تتنافى الوداعة مع الدفاع عن الحق.

* ويتضح هذا الأمر من قصة بولس الرسول مع الأمير كلوديوس ليسياس، لما أمر أن يفحصوه بضربات، ليعلم لأى سبب كان اليهود يصرخون عليه. يقول الكتاب "فلما مدوه للسياط، قال بولس لقائد المائة الواقف" أيجوز لكم أن تجلدوا رجلاً رومانياً غير مقضىّ عليه؟! وإذ سمع القائد هذا، أخبر الأمير الذى جاء واستخبر من بولس عن الأمر. "وحينئذ تنحى عنه الذين كانو مزمعين أن يفحصوه. واختشى الأمير لما علم أنه رومانى، ولأنه قيده" (أع 22: 25 - 29).

ما كان القديس بولس يهرب من الجلد، فهو الذى قال "من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة (2 كو 11: 24). لكنه هنا دافع عن حق معين، وأظهر للأمير خطأ كان مزمعاً أن يقع فيه. وما كان هذا يتنافى مع وداعة القديس بولس.

+ + +.

* وبنفس الوضع لما أراد فستوس الوالى أن يسلّمه إلى اليهود ليُحاكم أمامهم. وبهذا يقدم لهم منة (أى جميلاً). فقال له القديس بولس فى حزم – مدافعاً عن حقه – "أنا واقف لدى كرسى ولاية قيصر، حيث ينبغى أن أحاكم. إلى قيصر أنا رافع دعواى". فأجابه الوالى "إلى قيصر رفعت دعواك. إلى قيصر تذهب" (أع 25: 10 - 12).

لم يكن القديس بولس خائفاً من اليهود. لكنه – فى حكمة – طلب هذا، ليذهب إلى رومه – حيث يوجد قيصر – ويبشر هناك. لأن الرب كان قد تراءى له قبل ذلك وقال له "ثق يا بولس. لأنك كما شهدت بما لى فى أورشليم، هكذا ينبغى أن تشهد فى روميه أيضاً" (أع 23: 11). وهكذا دافع عن حقه فى وداعة وحكمة دون أن يخطئ. بل تكلم كلاماً قانونياً.

الوداعة أيضاً لا تمنع من تنبيه خاطئ، لإنقاذه من خطأ أو خطر.

تحذير لأحد الخطاة:

كما قال القديس يهوذا الرسول غير الأسخريوطى "خلصوا البعض بالخوف، مختطفين من النار" (يه23).

فهل إذا رأيت صديقاً أو قريباً على وشك ان يتزوج زواجاً غير قانونى، من قرابة ممنوعة، أو بعد طلاق غير شرعى بتغيير المذهب أو الملّة. أو مزمع أن يتزوج زواجاً مدنياً أو عرفياً. أو ما شاكل ذلك.. هل تمتنع باسم الوداعة عن تنبيه إلى أن ما ينوى عمله هو وضع خاطئ؟! كلا، بل من واجبك أن تنصحه. وليكن ذلك بأسلوب هادئ فى غير كبرياء ولا تجريح. أما إن سكّت، سيكون سكوتك هو الوضع الخاطئ.

+ + +.

ليست الوداعة أن تعيش كجثة هامدة فى المجتمع. بل تتحرك، وتكون لك شخصيتك. وبأسلوب وديع. قل ولو بكلمة واحدة – كقول المعمدان – "لا يحلّ لك" (مت 14: 4).

بشرط أن ما تقوله يكون هو الحق، وليس مجرد اندفاع متهور بغير معرفة...

يقول القديس بولس "اسهروا متذكرين أنى ثلاثة سنين ليلاً ونهاراً، لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل واحد" (أع 20: 31). وداعته لم تمنعه عن أن ينذر كل واحد. ولكن بأسلوب وديع، كان ينذر بدموع. حتى لو قال كلمة شديدة، سيقبلونها منه.

هل تظنون أن الوديع قد أعفى من قول الرب لتلاميذه "وتكونون لى شهوداً" (أع 1: 8).

كلا، بلا شك. فحيثما تلزم الشهادة للحق، لابد أن نفعل ذلك.

الإنقاذ:

هل إذا اتيحت فرصة للوديع أن ينقذ أحداً معتدى عليه مثلاً أو فى خطورة..، أتراه يمتنع عن ذلك باسم الوداعة؟

هل من المعقول أن يقول "وما شأنى بذلك؟!" أو يقول "وأنا مالى؟ خلينى فى حالى"!! أم فى شهامة ينقذه، وبأسلوب وديع. كما أنقذ السيد المسيح المرأة المضبوطة فى ذات الفعل من أيدى راجميها. فى هدوء وقال للراغبين فى رجمها "من كان منكم بلا خطية، فليرمها بأول حجر" (يو 8: 7). وفعل ذلك بوداعة دون أن يعلن خطاياهم "بل كان يكتب على الأرض".

الإدانة:

هل يمكن للوديع أن يدين أحداً. متى؟ وكيف؟

امامنا أمثلة من الكتاب المقدس، فى مقدمتها السيد المسيح له المجد:

هذا الذى قال "لم يرسل الآب ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص" (يو 3: 7)، والذى قال لليهود "أنتم حسب الجسد تدينون. أما أنا فلست أدين أحداً" (يو 18: 15).. هو فى مناسبات عديدة أدان كثيرين: مثلما أدان الكتبة والفريسيين (مت23). وأدان كهنة اليهود قائلاً لهم "إن ملكوت الله يُنزع منكم، ويُعطى لأمة تصنع أثماره" (مت 21: 43). وأدان الصدوقيين قائلاً لهم "تضلون إذ لم تعرفوا الكتب" (مت 22: 29). وأدان تلميذه بطرس لما قال له حاشاك يارب (مت 16: 23).

السيد المسيح – مع وداعته – أدان، ولكن بسلطان، وبهدف روحى.

+ + +.

كذلك فإن القديس بولس الرسول قال لتلميذه تيموثاوس "الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع، لكى يكون عند الباقين خوف" (1 تى 5: 20). هنا الإدانة بسلطان، ومن اجل سلامة الكنيسة.

هناك أشخاص من حقهم – بل من واجبهم – أن يدينوا.

ولا تتعارض إدانتهم مع الوداعة. مثل الوالدين، والأب الروحى، والمدرس بالنسبة إلى تلاميذه، والرئيس بالنسبة إلى مرؤوسيه.. بل إن عالى الكاهن قد عاقبه الله، لأنه لم يحسن تربية أولاده ويدينهم (1 صم3).

+ + +.

هوذا الكتاب يقول "لا تخالطوا الزناة" (1كو 6: 9). فهل تقول: أنا لا أدين هؤلاء! حتى إن لم تقل عليهم أية كلمة إدانة، فإن عدم مخالطتهم وعدم مخالطة مجموعات أخرى ن الخطاة (1 كو 6: 11) تحمل ضمناً إدانتهم. وكذلك بالنسبة إلى المنحرفين فى التعليم الدينى، يقول الرسول "إن كان أحد يأتيكم، ولا يجئ بهذا التعليم، فلا تقبلوه فى البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يسلم عليه يشترك فى أعماله الشريرة" (2 يو11، 10). فهل باسم الوداعة نقبل هؤلاء؟! كلا. بلاشك.

المسألة ليست حكماً وإدانة. بل يقول الرسول "خطايا بعض الناس واضحة، تتقدم إلى القضاء" (1تى 5: 24). أنت لست تدينهم، بل أعمالهم تدينهم. وأنت بكل وداعة تبتعد عنهم، كما ينصح المزمور قائلاً "فى طريق الخطاة لا تقف، وفى مجلس المستهزئين لا تجلس" (مز1).

هناك مواقف يجد فيها الوديع نفسه مضطراً أن يتكلم، ولا يستطيع أن يصمت. مثلما فعل اليهو فى قصة أيوب الصديق وأصحابه:

كان أليهو وديعاً. ظل صامتاً مدة طويلة. ولكنه أخيراً لم يستطع أن يصمت. وكان الله هو المتكلم على فمه. وهو الوحيد الذى لم يجادله أيوب (أى32 - 37).



الباب السابع : الوَداعة

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات