الأصحاح السابع والعشرون – تفسير سفر أعمال الرسل – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: تفسير سفر أعمال الرسل – القمص تادرس يعقوب ملطي. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الأصحاح السابع والعشرون

إلى روما.

يستعرض الإنجيلي لوقا رحلة السجين بولس، لا ليكشف عن مدى المخاطر التي تعرض لها فحسب، وإنما بالحري يكشف عن شخصية الرسول بولس الأسير القائد. فقد حمل مع الأسرى تحت حراسة مشددة من الجنود وقائد المئة. لكن الرسول لم يشعر إنه سجين في مذلةٍ، بل سفير المسيح يشهد له أمام جميع الذين في السفينة.

كانت فرصة السفر بما فيها من مخاطر رهيبة مجالاً طيبًا للبشارة بإنجيل المسيح. شعر الجميع ببركة وجود الرسول في وسطهم، وتلامسوا مع عمل الله في حياتهم من خلاله. وأخيرًا فقد صبغ عليهم لمسات الفرح والشكر لله.

مع أن القائد والعسكر والمسجونين والمسافرين وأيضًا طاقم النوتية يكاد يكون الكل وثنيًا، لكن الرسول بولس في محبته للبشرية يطلب باسمهم أمام الله، وإذ يسلم الأمر في يديه يحسب أن الكل قد سلموا الأمر. هذا هو الحب الخالص الحقيقي!

1. من قيصرية إلى ميرا 1 - 5.

2. من ميرا إلى المواني الحسنة 6 - 8.

3. من المواني الحسنة إلى مليطه 9 - 44.

1. من قيصرية إلى ميرا

لا نعرف إلى أي مدى بقي الرسول بولس يحاور أغريباس، وقد أراد الأخير أن يطلقه دون أي شرط، لولا أن بولس رفع دعواه إلى قيصر، فكان لزامًا كروماني الجنسية أن يرحل إلى روما لمحاكمته هناك. وقد روى لنا القديس لوقا هذه الرحلة في شيء من التفصيل، مظهرًا أهميتها لتحقيق غايته، وهي رفض اليهود للإنجيل وفتح باب الإيمان للأمم في عاصمة الإمبراطورية.

"فلما استقر الرأي أن نسافر في البحر إلى إيطاليا،.

سلّموا بولس وأسرى آخرين إلى قائد مائة من كتيبة أوغسطس،.

اسمه يوليوس ". [1].

آخر مرة يقول الإنجيلي لوقا "نحن" في) أع 21: 18 (عندما كان في صحبة الرسول بولس عند وصوله إلى أورشليم. هذا يفترض أن لوقا البشير كان في منطقة قيصرية خلال سجن الرسول لمدة عامين. الآن لوقا يصاحبه في رحلته مع أرسترخس التسالونيكي الذي جاء من تسالونيكي إلى أورشليم مع الرسول بولس (أع 19: 29؛ 20: 4).

بدأت الرحلة هنا من قيصرية من ميناء جنوب طرسوس.

"فصعدنا إلى سفينة أدراميتينية،.

وأقلعنا مزمعين أن نسافر مارين بالمواضع التي في آسيا،.

وكان معنا أرسترخس رجل مكدوني من تسالونيكي ". [2].

أقلعت السفينة مارة بالساحل الجنوبي لآسيا الصغرى، تعبر بالمواني البحرية والمدن الساحلية.

لم يخجل صديقاه لوقا وأرسترخس من قيود بولس، بل حسبا ذلك فخرًا لهما أن يرافقاه بإرادتهما في هذه الرحلة، ويشاركاه مخاطر البحر، معرضين حياتهما للخطر من أجل محبتهما له ولخدمته للكرازة.

"وفي اليوم الآخر أقبلنا إلى صيدا،.

فعامل يوليوس بولس بالرفق،.

وأذن أن يذهب إلى أصدقائه ليحصل على عناية منهم ". [3].

أول ميناء بلغوا إليه صيدا Sidon من فينيقية، وهو على بعد حوالي 67 ميلاً شمال قيصرية، ويمكن بسهولة الوصول إليه خلال 24 ساعة بحرًا. وهو آخر مدينة على ساحل فينيقية.

قدر ما سمح الله بوجود مقاومين للرسول بولس بعث إليه من يجد نعمة في أعينهم مثل فيلكس الوالي (أع 24: 23) وقائد المائة يوليوس، الذي غالبًا ما عرف قضيته وسمع احتجاجه أمام أغريباس واقتنع ببراءته. كان للرسول أصدقاء في كثير من المدن التي عبر عليها في رحلاته، خاصة عند ذهابه إلى أورشليم أو خروجه منها. اعتني به أصدقاؤه، غالبًا ما قدموا له هو ومن معه مئونة لرحلتهم الطويلة الشاقة والمملوءة بالمخاطر.

مع أن بولس كان في عهدة قائد المائة كأسير، لكن القائد تعامل معه كصديقٍ بار وصاحب معرفة صادقة، وكإنسان مهتم بخلاص النفوس. يقدم لنا هذا القائد صورة حية لمن لا يستغل السلطة بل يسلك بروح التقوى.

"ثم أقلعنا من هناك،.

وسافرنا في البحر من تحت قبرس،.

لأن الرياح كانت مضادة ". [4].

في فصل الخريف تهب رياح غربية شمالية على البحر الأبيض، خاصة في الجانب الشرقي. هبت عليهم فاضطروا أن ينحرفوا تحت قبرص نوعًا ما ليتقوا الرياح المضادة، ثم داروا حول الجزيرة من شرق في قوس كبير مقابل شواطئ كيليكية ثم بمفيلية وبمحاذاة الشاطئ، فأصبح اتجاههم غربيًا تمامًا حيث استخدموا نفس الرياح لتسوق المركب عوض أن تعوقه.

لو أن الريح كانت مواتية لأبحروا مباشرة وتركوا قبرص على اليمين، لكن لأن الريح كانت غير مواتية، انحرفوا برحلتهم تحت ضغط الريح، فصاروا في اتجاه آخر بحيث صارت جزيرة قبرص على شمالهم. التزم البحارة ألا يعبروا في البحر مباشرة، إنما تحت ضغط الرياح الغربية سلكوا تحت كيليكية وبمفيلية حتى بلغوا إلي ميرا ليكية وهي ميناء هام لاستقبال السفن الكبيرة خاصة الحاملة الغلال من الإسكندرية إلى روما. هناك استبدلوا السفينة وأبحروا في سفينة غلال مبحرة إلى إيطاليا.

كان لا بد لهم أن يسايروا العاصفة قليلاً حتى لا تنشطر السفينة، فاتجهوا مع الريح جنوبًا نحو جزيرة كلودي، وهي تبعد عن كريت 20 ميلاً من ناحية الجنوب الغربي، وذلك لكي يختبئوا فيها.

تعبير "تحت قبرص" يحمل معنى الإبحار بقرب ساحلها حتى يتحاشوا خطر الرياح العنيفة في وسط البحر.

"ليكية" كانت مقاطعة في جنوب غرب آسيا الصغرى، يحدها شمالاً فريجية وبسيدية، وجنوبًا البحر المتوسط، وشرقًا بمفيلية، وغربًا كارالاCarala.

انظروا كيف لم يغير الله نظام الطبيعة، بل سمح لهم أن يبحروا والرياح مضادة. ومع هذا فقد تمت المعجزة وهي أنهم يبحروا بسلام، ولم يسمح لهم بالدخول إلى البحر (المفتوح)، وإنما ساروا بجوار البر. انظروا كيف تُنسج حياة القديسين (بخيوط التجارب)، فإذ يخرجون من المحاكمة يسقطون تحت التعرض لانكسار السفينة والعاصفة[961].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"بعدما عبرنا البحر الذي بجانب كيليكية وبمفيلية،.

نزلنا إلى ميرا ليكية ". [5].

ميرا لها سمعتها المباركة ومكانتها العظيمة في قلوب أهل اليونان، لأن القديس نيقولاوس شفيع اليونان وبالأخص البحارة ومن في مدينة ميرا Myra. وقد سرق الروس جسده وحملوه إلى مدينة سان بطرسبرج St. أثناء ثورة اليونان، وأرسلوا لهم أيقونة متقنة عوضًا عن جسده.

يدعى ميناء ميرا أندرياس Andriace كان من أهم مواني أسيا الصغرى، وكانت السفن الحاملة للقمح من الإسكندرية إلى روما ترسو فيه، لأن خط سيرها هو بحذاء الشواطئ من فينيقية إلى آسيا الصغرى. هذا وكانت السفن الكبيرة تنطلق من هناك إلى إيطاليا حيث التيار المائي يتجه هناك نحو الغرب، بالإضافة إلى الرياح المساعدة. فوجود سفينة إسكندرانية ضخمة أمر طبيعي حسب مسارها في الخط البحري الدائم بين الإسكندرية وروما.

2. من ميرا إلى المواني الحسنة

"فإذ وجد قائد المائة هناك سفينة إسكندرية مسافرة إلى إيطاليا،.

أدخلنا فيها ". [6].

ربما انحرفت هذه السفينة الكبرى إلى شاطئ أسيا الصغرى، وهي في طريقها إلى روما بسبب العواصف والرياح المضادة.

"ولمّا كنا نسافر رويدًا أيامًا كثيرة،.

وبالجهد صرنا بقرب كنيدس،.

ولم تمكنا الريح أكثر،.

سافرنا من تحت كريت بقرب سلموني ". [7].

المسافة بين ميرا وكنيدس 130 ميلاً، وكانت السرعة بطيئة.

كنيدس Canidus: ميناء على ساحل آسيا الصغرى في الاتجاه الغربي من ميرا، ومسيرتهم كانت بحذاء الساحل، وكان البطء بسبب الرياح الغربية الشمالية المقاومة لاتجاههم، لذلك وصلوا بصعوبة إلى الميناء، وكان يلزمهم الاتجاه جنوبًا حتى تكون لهم ذات الرياح مساندة لهم. كان اتجاه التيار المائي نحو الغرب لكن الرياح الغربية الشمالية كانت تقاوم اتجاه تيار المياه. هكذا اتجهوا جنوبًا نحو كريت، وداروا حول رأس سلمون Salmon أقصى نقطة في شرق كريت، وساروا تحت كريت بحذاء الشاطئ حتى وصلوا إلى المواني الحسنة [8]. هنا واجهوا نفس الصعوبة التي عانوا منها في رحلتهم من ميرا إلى كنديس.

أبحرت السفينة ببطء لعدة أيام بسبب الرياح الغربية حتى بلغت كنيدس ميناء كارياCaria، والتزمت أن تسلك تحت كريت كما التزمت قبلاً أن تسلك تحت قبرص. ووجدت صعوبة شديدة أن تبلغ سلموني الساحل الشرقي لكريت. وبالجهد بلغوا المواني الحسنة.

"ولمّا تجاوزناها بالجهد،.

جئنا إلى مكان يقال له المواني الحسنة،.

التي بقربها مدينة لسائية ". [8].

عبروا حول نهاية الساحل الشرقي للجزيرة إذ لم يكن ممكنًا لهم الإبحار مباشرة ما بين الجزيرة والبر الرئيسي.

"المواني الحسنة" في جنوب شرقي جزيرة كريت، كانت شاطئًا غالبًا ما يُعتبر ملجأ مفتوحًا إلى حين، دعاه ستيفن عالم الجغرافيا "الشاطئ الحسن" كما دعيت في طرق السير البحرية في الهولندية والفرنسية "الخليج الجميل" لم يكن بها مدينة، إنما بالقرب منها مدينة مشهورة تدعى لسائية.

3. من المواني الحسنة إلى مليطه

"ولمّا مضى زمان طويل وصار السفر في البحر خطرًا،.

إذ كان الصوم أيضًا قد مضى،.

جعل بولس ينذرهم ". [9].

"وقت الصوم قد مضى" هو اصطلاح يفيد بأن هذا الميعاد من السنة لا يُبحر فيه، ولا يُستحب فيه السفر مهما كان السبب. فقد كان بدء شهر أكتوبر، وكل الرحالة يؤكدون أن الإبحار في ذلك الوقت مجازفة خطيرة.

واضح أنهم إذ بدأوا الرحلة كان الكل يترجى وصولهم إلى روما قبل موسم الإبحار الخطر في البحر المتوسط، لكن لم يتحقق ذلك.

يرى البعض مثل القديس يوحنا الذهبي الفم أن الصوم هنا هو صوم يهودي أي في يوم الكفارة العظيم (لا 23: 27)، في اليوم العاشر من الشهر السابع تشري، نحو نهاية سبتمبر. وذلك بعد الاعتدال الخريفي حيث الإبحار يكون خطرًا.

"قائلاً: أيها الرجال،.

أنا أرى أن هذا السفر عتيد أن يكون بضرر وخسارة كثيرة،.

ليس للشحن والسفينة فقط،.

بل لأنفسنا أيضًا ". [10].

كان بولس الرسول ليس أسيرًا عاديًا، بل أشبه بقبطان متقاعد له خبرته في الإبحار، متمرسًا في انكسار السفن (2 كو 11: 25 - 26). لقد سد رئيس سلطان الهواء، عدو الخير، أذان الكل عن الاستماع لمشورة القديس بولس لكي يضيف إلى أتعاب بولس أتعابًا جديدة.

كان القديس بولس صاحب خبرة في الرحلات البحرية، وقد ذكر من بين آلامه أنه انكسرت به السفينة ثلاث مرات (2 كو 11: 25). هذا ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الرسول وهو تحت قيادة الروح القدس أدرك ما سيحل بالسفينة بإعلان الروح له.

بلا شك كان الشحن (القمح المُرسل إلى روما) له تقديره الخاص، لا من جهة قيمته المادية، وإنما لاحتياج العاصمة إليه.

"ولكن كان قائد المائة ينقاد إلى ربان السفينة والى صاحبها،.

أكثر مما إلى قول بولس ". [11].

حسب قائد المائة إن ربان السفينة ومالكها، وكلاهما صاحبا خبرة في البحار، ويهمهما سلامة السفينة والشحن، أكثر خبرة من بولس، فمال إلى رأيهما. كان القائد مترفقًا بالرسول بولس، وربما كان معجبًا به لكنه لم يأخذ بمشورته.

"ولأن الميناء لم يكن موقعها صالحًا للمشتى،.

استقر رأي أكثرهم أن يقلعوا من هناك أيضًا،.

عسى أن يمكنهم الإقبال إلى فينكس ليشتّوا فيها،.

وهي ميناء في كريت تنظر نحو الجنوب والشمال الغربيين ". [12].

لم تكن المواني الحسنة ملائمة لقضاء فترة الشتاء، لذلك فضلوا الإبحار إلى فينكس وهي في غربي كريت. هي مصيف وليست مشتى، ليست ميناء بمعنى الكلمة، إنما مجرد شاطئ، يتعرض من يقطن فيها للرياح الباردة.

"فلما نسمت ريح جنوب ظنّوا أنهم قد ملكوا مقصدهم،.

فرفعوا المرساة،.

وطفقوا يتجاوزون كريت على أكثر قربٍ ". [13].

كانت الريح السابقة قادمة من الغرب تقاوم الإبحار، وخطيرة، أما قيام ريح جنوبية هادئة ولطيفة فبعث فيهم الأمل أن الإبحار غير خطر، خاصة بجوار ساحل كريت، حتى يبلغوا فينكس في الغرب، وهذا ما كانوا يأملون فيه.

فجأة توقفت الرياح الشمالية الغربية المقاومة لتهب ريح الجنوب اللطيفة بنسمات هادئة. هذا يحدث بسبب تغيير الضغوط الهوائية، لكن هذه النسمات مؤقتة ومزيفة سرعان ما تزول لتعود الرياح الشمالية الغربية.

"ولكن بعد قليل هاجت عليها ريح زوبعيّة،.

يقال لها أوروكليدون ". [14].

فجأة تحولت نسمات الريح الهادئة القادمة من الجنوب إلى ريح عاصفة مضادة للرحلة تدعى أوروكليدون. يرى البعض أنها تشير إلى ريح أشبه بالهراكين أو الأعاصير حيث تهب الريح من كل جانب، فتصير السفينة كما في دوامة في مهب رياح من كل اتجاه. تدعى هذه الرياح حاليًا Levanters وهي مشتقة من Levant ومعناها "مشرق".

وُضع القديس بولس في ذات ظروف يونان النبي، لكن الأخير كان هاربًا من وجه الرب، أما بولس فكان مقيدًا من أجل الشهادة للرب. كأن يونان يرفض الكرازة للأمم، أما بولس فكان يبذل كل الجهد للشهادة للسيد المسيح أمام الأمم.

"فلما خُطفت السفينة،.

ولم يُمكنها أن تقابل الريح،.

سلَّمنا فصِِرنا نُحمَل ". [15].

اختطفت الريح السفينة، ولم تعد تحت سيطرة الملاحين. صارت السفينة أشبه بكرة في يد النوء العنيف تتخبط، فقدت توازنها وأصبح لا يمكن توجيهها. توقف البحارة تمامًا عن أية محاولة للسيطرة على الموقف، وسلم كل الحاضرين حياتهم كما في يد ريح لا ترحم، أما بولس الرسول فباسم كل الذين في السفينة سلم الأمر بين يدي الله، فأدرك أن الكل محمولون على الأذرع الأبدية.

"فجرينا تحت جزيرة يقال لها كلودي،.

وبالجهد قدرنا أن نملك القارب ". [16].

لم يستطيعوا التحكم في السفينة الكبيرة، لكن بالكاد استطاعوا أن يتحكموا في القارب. هذا لا يعني أنهم بلغوا به إلى الشاطئ.

"كلودي": جزيرة صغيرة تبعد حوالي 20 ميلاً جنوب غرب كريت.

"ولمّا رفعوه، طفقوا يستعملون معونات حازمين السفينة،.

وإذ كانوا خائفين أن يقعوا في السيرتس أنزلوا القلوع،.

وهكذا كانوا يُحملون ". [17].

طفقوا يستعملون معونات، أي يستخدمون حبالاً وسلاسل لإنقاذ السفينة. خشوا أن تغرس السفينة في الرمال الناعمة اللينة (سرتس)، فأنزلوا القلوع التي بسبب الريح العاصف كان يصعب التحكم في تويجهها.

"وإذ كنا في نوء عنيف،.

جعلوا يفرغون في الغد ". [18].

في الغد صاروا يلقون بكل البضائع، خاصة القمح، في البحر، فقد أدركوا أن المال لن ينقذهم، وأنه يمثل ثقلاً في سفينة الحياة تبلغ بها إلى الغرق في مياه هذا العالم. وكما يقول الحكيم: "ثروة مصونة لصاحبها لضرره" (جا 5: 13).

يا للعجب! ما أسهل على أهل العالم أن يلقوا في البحر كل ما لديهم لكي ينجوا بحياتهم الزمنية، بينما يستصعبوا جدًا أن يقدم نصيبًا بسيطًا مما لديهم لإخوتهن الفقراء والمحتاجين لأجل حياتهم الأبدية. أما من يتطلع إلى بلوغ الأبدية بأمجادها، فلا ينشغلون بما للعالم، بل كما كتب القديس بولس: "قبلتم سلب أموالكم بفرح، عالمين في أنفسكم أن لكم مالاً أفضل في السماوات وباقيًا" (عب 10: 34).

أي إنسان عاقل يحطم السفينة بما عليها لينجو بحياته، لكن كثيرين يفضلون تحطيم سفينة إيمانهم وضميرهم الصالح من أجل أمور زمنية.

في وسط النوء الشديد قام النوتية بتخفيف أحمال السفينة بإلقاء الشحن في المياه حتى ينجو هم ومن معهم. وهكذا في وسط نوء هذا العالم يلزمنا أن نخفف أثقالنا وارتباكاتنا حتى يصير الإنسان خفيفًا كطائرٍ يسبح في الجو، ولا يُقال عنهم ما قيل عن فرعون وجنوده "غاصوا كالرصاص في مياه غامرة" (خر 15: 10).

"وفي اليوم الثالث رمينا بأيدينا أثاث السفينة". [19].

"وإذ لم تكن الشمس ولا النجوم تظهر أيامًا كثيرة،.

واشتد علينا نوء ليس بقليلٍ،.

اُنتزع أخيرًا كل رجاء في نجاتنا ". [20].

مما زاد الحال سوء أنه قد خيم عليهم الظلام، فلم يعرفوا نهارهم من ليلهم إلى أيام كثيرة، حيث لم تظهر الشمس نهارًا ولا النجوم ليلاً، بهذا فقد البحارة إدراكهم لحقيقة موقعهم، والتعرف على الاتجاهات، ليسلكوا الطريق الآمن.

هذا هو حال النفس التي تفقد رؤيتها للسيد المسيح، شمس البرّ، فلا تتمتع بنوره، ولا يحل بها نهار لتصير ابنة النهار. وأيضًا حين فقد رؤيتها لأولاد الله الحقيقيين كنجوم متلألئة، فلا تجد أمامها أمثلة حية في الإيمان تقتدي بها. هنا يصير الموقف في غاية الخطورة، حيث لا يدرك الإنسان بنور الروح القدس حقيقة نفسه، ولا موقعه، ولا يرى نور مخلصه، ولا جمال الكنيسة وبهاء قديسيها.

هذا الموقف الخطير حطم نفسية البحارة، فقد عكست الظلمة الخارجية عليهم ظلمة داخلية مهلكة، إذ حلت بهم ظلمة اليأس وانقطع عنهم نور الرجاء "انتزع أخيرًا كل رجاء في نجاتنا". تسلل إليهم أخطر عدو يحطم حياة الإنسان في هذا العالم ويفقده أبديته ألا وهو اليأس، فإنه حين يدخل تدخل معه بقية الخطايا وتجد الشياطين لها عرشًا في القلب تتربع فيه.

"فلما حصل صوم كثير،.

حينئذ وقف بولس في وسطهم، وقال:

كان ينبغي أيها الرجال أن تذعنوا لي،.

ولا تقلعوا من كريت،.

فتسلموا من هذا الضرر والخسارة ". [21].

وسط هذا الجو الرهيب انزلوا القلوع ليحدوا من تأثير قوة الرياح، إذ صارت السفينة ألعوبة قي يد الأمواج. وأُفرغت السفينة من حمولتها التي تزن ألف طن حتى لا تنفسخ السفينة مع ثقلها من ضربات الأمواج العالية، وفي اليوم الثالث القوا أثاثات السفينة وتجهيزاتها في عملية الإنقاذ المرهقة هذه. صار الكل يصطدم ببعضهم البعض، وينطرحون على وجوههم. علت الصرخات المستمرة وتوترت الأعصاب، وملأت المياه السفينة، وإذ حل بدء فصل الشتاء مع رياح باردة وأمطار غزيرة، وسحب وظلمة متكاثفة صار الموقف لا يمكن وصفه! في وسط هذا الجو وقف بولس الرسول الصائم يصلي لإلهه لينعم بوعد إلهي أن يُوهب له جميع الذين في السفينة، وأن يحقق رسالته بوقوفه أمام قيصر يشهد لمخلصه، وأراه عن بعد الجزيرة التي ستحتضنهم. يرى البعض أن هذا الصوم مارسه كل الذين في السفينة، ليس كعملٍ تعبديٍ، وإنما هو ثمرة الضيق والمرارة، فلم ينشغل أحد بأكلٍ أو شربٍ، مع العمل المستمر لإنقاذ السفينة بكل وسيلة كإلقاء الشحن.

وبخهم الرسول لأنهم لم يسمعوا له، وهو يرى الخطر قادمًا، الآن صاروا يسمعون له، فقد نال وعدًا إلهيًا بخصوص نجاتهم.

لا يزال بولس يبحر معنا الآن، لكنه ليس مقيدًا كما كان في ذلك الحين؛ إنه ينصحنا إلى الآن (أع 27: 21) لنطع بولس، وإن كنا في وسط النوء، فإننا بالتأكيد نخلص من المخاطر، حتى وإن بقينا بلا طعام لمدة 14 يومًا، فإن الرجاء في الآمان مُقدم لنا؛ وإن كنا في ظلمة وضباب، فإننا إذ نتمم أمره نخلص من المخاطر. لنتطلع إلى العالم كله، إنه سفينة ويوجد بها أشرار لهم رذائل بلا حصر وولاة وحرس، وأيضا أبرار، كما كان بولس مع مسجونين آخرين، مربوطين بخطاياهم. فإن كنا نفعل ما يأمرنا به بولس لن نهلك في القيود بل نتحرر منها، فان الله يهبنا له (لبولس) أيضًا[962].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"والآن أُنذركم أن تُسّروا،.

لأنه لا تكون خسارة نفس واحدة منكم إلا السفينة ". [22].

قدم لهم الرسول أخبار سارة أنه لن يهلك أحد منهم، هذه الأخبار ليست من عنده بل هي هبة إلهية.

وسط مرارة المحنة كان بولس كواحدٍ منهم صائمًا وعاملاً معهم، يلقي معهم الشحن، ويبذل كل الجهد لإنقاذ السفينة. أما وقد تمتع بوعدٍ إلهيٍ، فوقف في وسطهم، لا كأحد الأسرى، بل كمشيرٍ صالحٍ ومبشرٍ مفرحٍ. نزع عنهم روح اليأس، وبعث فيهم روح الرجاء، مقدمًا لهم تعزيات من السماء.

"أنذركم أن تسروا"، كما أن الله هو مصدر سرور السمائيين والأرضيين، هكذا يهب الله مؤمنيه، ليس فقط أن يفرحوا، بل ويصيروا علة فرح الكثيرين.

"لأنه وقف بي هذه الليلة ملاك الإله الذي أنا له،.

والذي أعبده ". [23].

حينما كان بولس الرسول على حافة الموت وعندما نال وعدًا بالنجاة هو ومن معه لم يكن يشغله سوى أمر واحد، أنه لله، وأن خدمته الكرازية هي غاية كل حياته. لم يربكه الموت، ولا شغله الخلاص الزمني، بل تكريس كل كيانه لله مخلصه.

لم يقل الرسول: "الذي نحن له، والذي نعبده أو نخدمه" بل "الذي أنا له، والذي أعبده"، فإنه ذاهب إلى روما ليس من أجل عمل تجاري، إنما ليظهر كشاهدٍ وسفيرٍ للسيد المسيح.

بشرهم بأن الله الذي كرس الرسول حياته له وصار منسوبًا إليه، ويتمتع بالعبادة له أرسل ملاكه له كارزًا باسمه.

"قائلاً: لا تخف يا بولس،.

ينبغي لك أن تقف أمام قيصر،.

وهوذا قد وهبك اللَّه جميع المسافرين معك ". [24].

كشف الرسول بولس عن خطة الله من نحوه، فإنه من أجل الشهادة للإنجيل أمام قيصر ينقذه الله، ويهبه كل المسافرين كعطية خاصة به. هنا يكشف الرسول بولس عن مدى شوقه في الكرازة حتى في القصر الإمبراطوري، كما يكشف عن عمل الله خلال خدامه. فإذ كرس بولس قلبه لإنجيل المسيح، صار وجوده في السفينة بركة عظيمة، من أجل تحقيق رسالته وهبه ألا يهلك أحد الحاضرين.

حتمًا لم يكن الرسول بولس خائفًا من الموت، لكن ربما ما حلّ به من خوفٍ، هو مشاركته للذين في السفينة خوفهم وآلامهم، فقد عاش يحسب نفسه مقيدًا مع المقيدين، وضعيفًا مع الضعفاء، وملتهبًا من أجل كل نفسٍ تتعثر.

من يسلك ببرّ المسيح لا يضطرب ولا يخاف، إنما الخوف هو سمة غير المؤمنين الأشرار؛ أما المؤمن فإن اضطرب إنما في شركة آلام مع الضعفاء.

من أجل بولس أنقذ الله كل من في السفينة 276 شخصًا، ومن أجل لوط لم يقلب الله مدينة صوغر (تك 19: 21)، ولو وجد عشرة رجال أبرار لما حرق الله سدوم (تك 18: 32).

لو أن بولس ألقى بنفسه وسط الأشرار بإرادته لهلك معهم، لكن إذ وُجد بينهم من أجل الخدمة، ليس عن تهاونٍ أو تراخٍ أو شهواتٍ خاطئة، قام الرب بإنقاذهم بسببه. صار بركة لهم، إذ وهبه الله إياهم أو أعطاه إنقاذهم عطية إلهية مقدمة له شخصيًا.

إن كان هنا وُجدت سفينة في خطر، تعاني من الغرق، وقد خلص المساجين من أجل بولس، تأملوا ماذا يكون الأمر بالنسبة للشخص القديس في بيته.

فإنه كثيرة هي التجارب التي تهاجمنا، تجارب أكثر خطورة من تجارب الطبيعة، لكن الله قادر أن يهبنا أن نخلص، إن كنا فقط نطيع القديسين كما فعل الذين في السفينة، إن كنا نتمم ما يأمروننا به. فإنهم ليس فقط خلصوا، وإنما ساهموا في إيمان آخرين.

بينما كان القديس في قيودٍ، صنع أعمالاً أعظم ممن هم في حرية.

انظروا فإن الحال هنا هو هكذا: قائد المائة الحر كان في حاجة إلى سجينه المقيد، وربان السفينة الماهر كان في عوزٍ إلى من لم يكن ربانًا، بل بالأحرى كان هو الربان الحقيقي.

فإنه قاد كربان سفينة ليست من هذا النوع (أرضية) بل كنيسة العالم كله، متعلمًا من ذاك الذي هو رب البحر أيضًا. قادها لا بفنٍ بشريٍ بل بحكمة الروح. في هذه السفينة يوجد تحطيم خطير للسفن، أمواج كثيرة، أرواح شر "من خارج خصومات، من داخل مخاوف" (2 كو 7: 5)؛ فكان هو الربان الحقيقي[963].

قوله "قد وهبك الله جميع المسافرين معك" لم ينطق بها عن تشامخ، وإنما رغبة في كسب الذين يبحرون في السفينة. فإنه كمن يقول هكذا إنهم لا يشعروا بأنهم مرتبطون به بل يصدقون ما يقوله. "وهبك لله"، كأنه يقول إنهم مستحقون الموت، إذ لم يريدوا أن يصغوا إليك؛ على أي الأحوال هذا يتحقق كمنحةٍ لك[964].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لذلك سُروا أيها الرجال،.

لأني أومن باللَّه أنه يكون هكذا كما قيل لي ". [25].

آمن الرسول بأن ما يمارسه إنما هو عمل الله نفسه، لذلك تيقن أنه حتمًا سيقف أمام قيصر، لا ليدافع عن نفسه وينال براءة، بل لكي يشهد لمخلصه.

"ولكن لابد أن نقع على جزيرة". [26].

"فلما كانت الليلة الرابعة عشرة،.

ونحن نُحمل تائهين في بحر أدريّا،.

ظن النوتيّة نحو نصف الليل أنهم اقتربوا إلى بر ". [27].

بعد 14 يومًا وسط العاصفة يتوقعون فيها الموت، صاروا الآن بالقرب من البر، صاروا تائهين في بحر الأدرياتيك وهو جزء من البحر المتوسط. ويرى البعض إن تعبير "بحر الأدريا" لا يشير إلى بحر الإدرياتيك على وجه الخصوص، وإنما إلى الجزء الشرقي كله للبحر المتوسط، من جهة إيطاليا واليونان وإفريقيا، يضم فيه بحر الإدرياتيك.

"فقاسوا ووجدوا عشرين قامة،.

ولمّا مضوا قليلاً،.

قاسوا أيضًا، فوجدوا خمس عشرة قامة ". [28].

القامة عبارة عن 6 أقدام، يقيسها البعض من الإصبع الذي في منتصف اليد إلى الإصبع الذي في منتصف اليد الأخرى.

"وإذ كانوا يخافون أن يقعوا على مواضع صعبة،.

رموا من المؤخر أربع مراسٍ،.

وكانوا يطلبون أن يصير النهار ". [29].

إلقاء أربع مراسٍ يشير إلى مدى عنف العاصفة حتى لا تتحرك السفينة. وأما طلبهم أن يصير النهار فلكي يستطيعوا أن يميزوا النور أنهم بالفعل قد صاروا أكثر أمانًا.

"ولمّا كان النوتيّة يطلبون أن يهربوا من السفينة،.

وأنزلوا القارب إلى البحر،.

بعلّة أنهم مزمعون أن يمدّوا مراسي من المقدم ". [30].

فضّل بعض النوتية أن يستقلوا بقارب ويهربوا إلى الشاطئ، عن أن تصطدم السفينة بصخرة ما فيهلكون. فقد تظاهروا بأنهم يستقلون بالقارب ليمدوا المراسي.

"قال بولس لقائد المائة والعسكر،.

إن لم يبق هؤلاء في السفينة،.

فأنتم لا تقدرون أن تنجوا ". [31].

كشف الرسول بولس خطتهم لقائد المائة والعسكر، فقاموا بقطع الحبال ليغرق القارب، ويبقى البحارة في السفينة، حتى يبحرون بها إلى الشاطئ.

غالبًا ما كنت السفينة حكومية، وكان لقائد المائة الكلمة الأولى في إدارة السفينة.

مع أن الرسول بولس قد نال وعدًا إلهيًا بأنه قد وهبت له كل الأنفس التي في السفينة، فإن هذا لا يعني تراخيه في العمل، إنما يلتزم أن يفكر ويتحرك، مستخدمًا كل وسيلة ممكنة للنجاة. فالوعود الإلهية تتحقق حتمًا في الذين يتجاوبون عمليًا مع العمل الإلهي، ويبذلون كل الجهد للسلوك حسب مسرة الله. فالخلاص المجاني لا يعني تهاون الإنسان أو تراخيه وعدم جديته، لهذا يحدثنا الرسول بولس عن "الإيمان العامل بالمحبة".

أراد البحارة أن يهربوا، إذ لم يكن لهم إيمان فيما قاله، لكن قائد المائة صدق بولس، إذ قال إنهم إن هربوا "لا تقدرون أن تنجوا". قال هذا لكي يمنعهم من الهروب ولا تسقط النبوة أرضًا. انظروا كيف كما لو كان في كنيسة يعلمهم بسلوك بولس الهادئ، كيف خلصهم من وسط المخاطر. إنها عناية الله المدبرة أنهم لم يصدقوا بولس حتى بالأحداث الواقعية يصدقونه. هكذا كان الحال[965].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"حينئذ قطع العسكر حبال القارب،.

وتركوه يسقط ". [32].

إذ قطع العسكر الحبال التي تربط القارب بالسفينة، وترك القارب يسقط ألزم البحارة أن يبقوا في السفينة، وأن يعملوا لإبحار السفينة إلى الشاطئ.

"وحتى قارب أن يصير النهار،.

كان بولس يطلب إلى الجميع أن يتناولوا طعامًا قائلاً:

هذا هو اليوم الرابع عشر وأنتم منتظرون،.

لا تزالون صائمين، ولم تأخذوا شيئا ". [33].

لم يعد بولس بالأسير الذي يئن من القيود، لكنه صار في نظر الكل الربان الحقيقي للسفينة، والمشير الحكيم، والأب المترفق بأولاده، وراعي نفوسهم، والشفيع عنهم أمام الله، والمهتم حتى بأكلهم وشربهم!

إذ أشرق النور فاستطاعوا أن يدركوا حقيقة الموقف، نصح بولس البحارة والمسافرين أن يكفوا عن هذا الصوم الإلزامي، وأن يتناولوا الطعام حتى يتقووا به. لا يعني هذا أنهم لم يأكلوا طوال الأسبوعين، وإنما إذ كانوا في قلقٍ شديدٍ يترقبون الموت لم يشغلهم الأكل والشرب، إن آكل أحدهم فليس خلال وجبة معينة بل يأكل قليل القليل أثناء ارتباكه.

"لذلك التمس منكم أن تتناولوا طعامًا،.

لأن هذا يكون مفيدًا لنجاتكم،.

لأنه لا تسقط شعرة من رأس واحدٍ منكم ". [34].

هذا تعبير عن عدم حدوث أي ضرر بل تبقى حياتهم محفوظة في آمان.

قال هذا أخذ خبزًا وشكر اللَّه أمام الجميع،.

وكسر وابتدأ يأكل. [35].

لم يخجل بولس الرسول وهو في وسط الوثنيين والمسجونين والجند وقائد المائة من أن يشكر الله قبل أن يمد يده للطعام، معبرًا عن امتنانه بعمل الله معه ومعهم.

لاحظوا أن تقديم شكره بعد كل ما قد حدث قواهم، لأن هذا أظهر فكرًا يقينيًا أنهم سيخلصون[966].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فصار الجميع مسرورين،.

وأخذوا هم أيضًا طعامًا ". [36].

تصرفات الرسول ويقينه بعمل الله أشع فرحًا على الجميع من نوتيه وحراس ومسجونين ومسافرين.

"وكنا في السفينة جميع الأنفس،.

مائتين وستة وسبعين ". [37].

إذ أكلوا وشبعوا صارت فيهم قوة لطرح الحنطة في البحر، إذ لم يكن هناك أي أمل لإنقاذ الشحن أو البضائع. بإلقاء البضائع تصير السفينة خفيفة، ويمكنها أن تعبر في مياه ضحلة دون خطر من أن تغرس في الرمال تحت المياه. بهذا يمكن أن يبلغوا بالسفينة إلى الشاطئ.

[في رده على فيجيلانتيوس الذي أنكر إمكانية صلاة الراقدين عن المجاهدين معتمدًا على العبارة: "كلب حي أفضل من أسد ميت".].

إن كان الرسل والشهداء وهم بعد في الجسد يمكنهم أن يصلوا عن آخرين، وهم لا يزالوا في قلق من أجل أنفسهم، كم بالأكثر أن يفعلوا هذا عندما ينالوا أكاليلهم وهم غالبون ومنتصرون؟ موسى، رجل واحد، غالبًا ما نال صلحًا من الله عن 600 ألفًا رجلاً مسلحين (خر 32: 30 الخ). واسطفانوس الذي تبع الرب وأول شهيد مسيحي طلب صفحًا عن مضطهديه، فهل عندما دخلا إلى حياتهما مع المسيح يكونا أقل قوة مما كانا عليه؟ يقول الرسول بولس أن 276 نفسًا قد وُهبت إليه الذين كانوا في السفينة (أع 27: 37)، فهل بعد انحلال (جسده) وقد صار مع المسيح يغلق فمه، ويصير عاجزًا عن أن ينطق بكلمة عن الذين في كل العالم يؤمنون بإنجيله؟ هل فيجيلانتيوس الكلب الحي أفضل من بولس الأسد الميت؟... الحق أن القديسين لا يدعون أمواتًا، بل يُقال عنهم أنهم راقدون[967].

القديس جيروم.

"ولمّا شبعوا من الطعام،.

طفقوا يخففون السفينة،.

طارحين الحنطة في البحر ". [38].

إذ شبعوا ألقوا ما تبقى من الحنطة في البحر، فإنها لم تعد تصلح للأكل ولا للتجارة، فقد غرقت من المياه.

"ولمّا صار النهار،.

لم يكونوا يعرفون الأرض،.

ولكنهم أبصروا خليجًا له شاطئ،.

فأجمعوا أن يدفعوا إليه السفينة إن أمكنهم ". [39].

كانوا بلا شك بلا معرفة لجغرافية الموضع، ليس لهم إدراك للشاطئ ولا للجزيرة، لكنهم رأوا خليجًا له شاطئ يمكن أن ترسي السفينة عنده، إذ اطمأنوا أنه لا توجد صخور يمكن أن تحطم السفينة.

"فلما نزعوا المراسي،.

تاركين إيّاها في البحر،.

وحلّوا رُبط الدفّة أيضًا،.

رفعوا قلعًا للريح الهابّة،.

وأقبلوا إلى الشاطئ ". [40].

رفعوا المراسي الأربع التي ألقوها في البحر [29]، وقد جاء التعبير في اليونانية يحمل احتمال نزعها عن السفينة بقطع سلاسلها تاركين المراسي مغروسة في أعماق المياه. كما حلوا ربط الدفة حتى يمكنهم توجيه السفينة نحو الشاطئ.

جاءت كلمة "الدفة" هنا في اليونانية في صيغة الجمع مما يبدو أنه كان للسفينة أكثر من دفة.

ترجم البعض الكلمة اليونانية المترجمة هنا "قلعًا" بأنه سارية، والبعض "شراعا" أو "الصارية الأمامية" أو "شراع السارية".

"وإذ وقعوا على موضع بين بحرين،.

شططوا السفينة،.

فارتكز المقدم ولبث لا يتحرك،.

وأمّا المؤخر، فكان ينحل من عنف الأمواج ". [41].

يرى البعض أن مقدم السفينة ارتطم بلسانٍ بحريٍ رمليٍ والمياه من الجانبين كأنها بين بحرين، وكانت الأمواج بعنفها تحطم مؤخر السفينة.

قد يسأل أحد: لماذا لم ينقذ السفينة؟ لكي يدركوا مدى الخطورة الشديدة التي خلصوا منها، وأن الأمر كله لا يعتمد على عونٍ إنسانٍ، بل على يد الله التي خلصتهم دون السفينة. هكذا وإن كان الأبرار يتعرضون للتجربة، ولو في البحر، في الأعماق، لكن لن يحل بهم أمر مخيف، وإنما بالأحرى يخلصون ومعهم آخرون[968].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فكان رأي العسكر أن يقتلوا الأسرى،.

لئلاّ يسبح أحد منهم، فيهرب ". [42].

حسب النظام الروماني كان الأسرى يُقتلون ولا يُتركون لئلا يهرب أحد منهم، فيتعرض العسكر للاتهام بالإهمال أو الاختلاس مع الأسرى. كان في رأي العسكر أن يُقتل الأسري فيحسبون كمن ماتوا بالغرق خير لهم من أن يهرب أحد، فيُحاكمون بجريمة التواطؤ. هكذا بينما يفيض الله بمراحمه على الجميع، وينقذ الحراس من موتٍ محقق إذا بهم يُظهرون كل عنفٍ نحو المسجونين الذين في أعينهم لا يساوون شيئًا.

"ولكن قائد المائة إذ كان يريد أن يخلص بولس منعهم من هذا الرأي،.

وأمر أن القادرين على السباحة يرمون أنفسهم أولاً،.

فيخرجون إلى البر ". [43].

كان قائد المائة لطيفًا للغاية في تعامله مع الأسير بولس [3]. وإذ تلامس مع حكمته وسلوكه المقدس أراد أن ينقذ حياته مهما تكن التكلفة. من أجل بولس البار أبقى على حياة كل الأسرى.

"والباقين بعضهم على ألواح،.

وبعضهم على قطع من السفينة،.

فهكذا حدث أن الجميع نجوا إلى البر ". [44].

تحقق الوعد الإلهي للقديس بولس [22]، فما حدث هو خلال عناية الله الفائقة.

من وحي أع 27.

سلمنا فصرنا نحمل!

صعد الرسول بين الأسرى إلى السفينة.

وكان هو القائد الخفي،.

احتل آخر موضع، وهو الأول في عيني الله.

أعطاه اللَّه نعمة في عيني القائد.

فسمح له أن يذهب إلى أصدقائه في صيدا.

بروح الرب سبق أن كشف الرسول لهم عن المخاطر،.

لكنهم حسبوه أسيرًا لا خبرة له بالبحر،.

هاجت الرياح وأشدت العاصفة.

انسحق الرسول أمام اللَّه،.

باسم من معه، لوقا وارسترخس، كما باسم الوثنيين:

القائد والجند والمساجين والمسافرين والنوتية،.

سلم حياة الكل في يدي الضباط الكل!

لم يغضب ولا ثار لأنهم لم يسمعوا له.

لكنه تذلل أمام الله من أجلهم.

إنه بالحق أب يرى في الكل أبناء أعزاء جدًا لديه.

تألم إذ فقد الكل كل رجاء لهم في النجاة،.

أما هو فوجد في المسيح، قائد السفينة الحقيقية، مصدر رجاء مفرح.

أرسل اللَّه له ملاكه،.

وبشره بأن وهبه كل الذين في السفينة،.

لن يهلك منهم أحد قط!

وهبه الجميع لأنه محب للكل!

وأعطى نجاة لهم، حتى يقف بولس أمام قيصر،.

ليشهد للإنجيل في القصر الإمبراطوري!

بعث روح الرجاء والفرح في وسط العاصفة المرة،.

أخذ خبزًا وشكر الله أمام الجميع،.

وسألهم أن يأكلوا ببهجة قلب!

إنه كسيده مصدر فرح للكل!

الأصحاح الثامن والعشرون.

رحلة القديس بولس إلى روما.

الآن قد اقترب وقت وصول الأسير بولس إلى روما، وبالرغم من كثرة المتاعب التي لحقت به في هذه الرحلة، لكن ما كان يشغله هو ووصوله إلى روما للشهادة هناك، وشهادته للسيد المسيح أمام رفقائه في السفينة أيّا كان دورهم أو مركزهم أو علاقتهم به، وأيضًا الشهادة لإنجيل المسيح أينما حلّ.

1. في مليطة 1.

2. إحسان أهل مليطة 2.

3. نشوب أفعى في يد الرسول 3 - 6.

4. شفاء أبي بوبليوس 7 - 10.

5. في سفينة إسكندريّة 11 - 15.

6. تحديد إقامة في روما 16.

7. لقاء مع وجوه اليهود 17 - 22.

8. سهرة حول إنجيل المسيح 23.

9. انشقاق بين اليهود 24 - 29.

10. كرازته لمدّة سنتين 30 - 31.

1. في مليطة.

"ولمّا نجوا وجدوا أن الجزيرة تُدعى مليطة". [1].

جاءوا إلى جزيرة مالطة؛ لم يكن في حسبان الرسول بولس أن يذهب إليها ويشهد لإنجيل المسيح، لكن الله سمح بالعاصفة لكي ما يذهب هو ومن معه في السفينة ليشهد للكل.

مالطة أو مليطة، غالبًا مشتقة من الكلمة اليونانية التي معناها "عسل"، حيث كانت قبلاً مصدرًا غنيًا لإنتاج العسل. ويرى البعض أن اصل الكلمة كنعاني معناها "ملجأ Refuge" قطنها الفينيقيون.

طول الجزيرة حوالي 17 ميلاً تمتد من الشرق إلى الغرب، وعرضها 10 أميال من الشمال إلى الجنوب. محيطها حوالي 60 ميلاً. تبعد حوالي 60 ميلاً من ساحل سيسلياSicily.

توجد جزيرة أخرى كانت تدعى مليطة Meleda، حاليًا في البحر الأدرياتيكي بجوار ساحلIlluricum.

إذ نجوا إلى البرّ ووجدوا أنفسهم في مليطة، لم ينشغل القدّيس بولس كيف يُسرع بالذهاب إلى روما، بالرغم من شوقه للخدمة هناك، لكنّه حسب أن الله قد بعث به إلى الجزيرة لرسالة إنجيليّة، كما نلمس في هذا الأصحاح.

لم يكن القدّيس بولس يخطط للعمل، لكن في تسليمٍ كاملٍ كان الله يعمل به، بكل وسيلة. كانت حياته ملتهبة بالشهادة والعمل لحساب ملكوت الله ليلاً ونهارًا.

كان بولس يقضي بعض الليالي بلا نوم باختياره، وبعضها كان يلتزم بها عن ضرورة. عندما كان في متاعب مريرة كان يلتزم أن يسهر يطلب عون اللَّه. مرّة أخرى كان يُعًّلم ليس فقط في وقت النهار بل وأيضًا بالليل. كان في بردٍ ومعرض للخطر عند انكسار السفينة عند جزيرة مالطة عندما جاء الشعب المحلي لينقذوه[969].

أمبروسياستر.

2. إحسان أهل مليطة.

"فقدّم أهلها البرابرة لنا إحسانًا غير المعتاد،.

لأنهم أوقدوا نارًا،.

وقبلوا جميعنا من أجل المطر الذي أصابنا،.

ومن أجل البرد ". [2].

كان سكان مالطة بلا شك متحضرين، لكنهم كانوا يًدعون برابرة بالنسبة لليونانيين والرومانيين، لأن لغتهم لم تكن مفهومة لهم. فكلمة "برابرة" هنا تقابل "أجانب". خضعت للفينيقيّين واليونان والقرطاجنيّين والرومان. يرى البعض أنه إذ سكنها بعد الفينيقيين جالية من قرطاجنة، فكانت لغة المالطيين من أفريقيا مع خليطٍ من لغات أخرى.

أية ضيافة لجماعة يبلغ عددها 276 فردًا عانوا كل هذا الزمن من رياحٍ باردةٍ وأمطارٍ غزيرةٍ، مع أمواجٍ عاتيةٍ هددت حياتهم، وظلمة سوى إيقاد نارٍ لتدفئتهم وتجفيف ملابسهم. أي منظر هذا لهذا الحشد وقد التفوا حول النار كمن هم حول وليمة ثمينة أثمن من الطعام والشراب في مثل هذه الظروف. لم يسأل البرابرة عن جنسيات القادمين ولا عن دياناتهم، لكنهم أظهروا حنوًا فائقًا، وقبلوا الجميع.

نقف في دهشة أمام أهل مالطة الذين لم يسألوا شيئًا عن أخبار الرحلة، ولا استخفوا بالمسجونين، لكنّهم وهم وثنيّون بذلوا كل الجهد لخدمة الجميع بلا تمييز بين قائد جيش وسجين؛ وقائد سفينة ومسافر. ولعلّ الله أعطى للقدّيس بولس دفعة جديدة للعمل بين الأمم، فرأى في قائد المائة لطفًا وحبًّا واهتمامًا، الأمر الذي افتقد إليه في اليهود بني جنسه. وها هو يرى البرابرة في الجزيرة يقدّمون إحسانًا بسخاءٍ عظيمٍ دون مقابل.

لقد نال ذات خبرة يونان النبي في البحر، حيث أظهر النوتيّة الوثنيّون تقوى، وطالبوا النبي بالصلاة إلى إلهه، وعندما اكتشفوا أنّه هو سرّ كارثتهم بذلوا كل الجهد لإنقاذه بالرغم من طلبه منهم أن يُلقوه في البحر. لكن شتّان ما بين نبيٍ هارب من خدمة الأمم لتعلّقه بشعبه، وبين رسول يتّسع قلبه بحب كل إنسان، أيّا كانت جنسيّته!

ليخزى القائلون: "لا تحسنوا إلى الذين في السجن". ليت هؤلاء البرابرة يجعلوننا في خزي، فإنهم وهم لا يعرفون من هم هؤلاء الناس، لكن في بساطة لأنهم كانوا في ضيقة، أدركوا أنهم بشر، واهتموا بهم من أجل بشريتهم[970].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. نشوب أفعى في يد الرسول.

"فجمع بولس كثيرًا من القضبان،.

ووضعها على النار،.

فخرجت من الحرارة أفعى،.

ونشبت في يده ". [3].

كانوا في حاجةٍ شديدةٍ إلى نيران كثيرة، فمن جانب إذ سبح أغلبهم أو جاءوا على ألواح خشبية، امتلأت ثيابهم ماءً، خاصة مع غزارة المطر وشدة الرياح العاصفة الباردة. لذا كان الكل محتاجين إلى النار أكثر من الطعام والشراب، خاصة وأنهم قد أكلوا وشبعوا كمشورة القديس بولس قبل مغادرتهم السفينة. لم يميز الرسول بولس نفسه عنهم بكونه كان السبب في نجاتهم، لكنه انهمك بكل سرورٍ في جمع قضبان الخشب لراحة الكل.

مع اهتمام القديس بولس بانتهاز كل فرصة للشهادة للسيد المسيح، مهما تكن الظروف، فقد اتسم بروح النشاط والعمل لخدمة الآخرين، فمع كونه مقيدًا ظلمًا لم تتحطم نفسيته، بل "جمع كثيرًا من القضبان، ووضعها على النار" [3].

كانت الأفعى وهو حية قاتلة في حالة سبات أشبه بمن قد تخدر بسبب البرد القارص، لكن ما أن استدفأت بالنار حتى انطلقت تنشب في يد القديس بولس لتنفث فيها يده.

"فلما رأى البرابرة الوحش معلقًا بيده،.

قال بعضهم لبعضٍ:

لابد أن هذا الإنسان قاتل،.

لم يدعه العدل يحيا،.

ولو نجا من البحر ". [4].

في حسبان هؤلاء البرابرة أن من نجا من مخاطر عاصفة كهذه وجاء إلى البر، فتنشب في يده حية سامة، حتمًا إنسان ارتكب جريمة خطيرة. إنه سفاح أو قاتل، لهذا لم يفلت من يد العدالة الإلهية. ولعلهم فكروا هكذا، لأنهم اعتقدوا بأن العدل الإلهي يأخذ مجراه، فإذ امتدت يده للقتل لحق به الموت خلال هذه اليد السافكة للدماء. نال العقوبة من ذات صنف الجريمة التي ارتكبها، وخلال ذات العضو الآثم. هذا ما تلقنوه خلال الناموس الطبيعي، لكنهم تعجلوا في الحكم، لأن ما حدث للرسول بولس لم يكن ممكنًا لأحد في مثل هذه الظروف أن يتوقعه.

"العدل" كان تمثله عند بعض الوثنيين ابنة الإلهةJupter جوبيتر التي عملها هو الانتقام من الظالمين، والحكم على مرتكبي الجرائم.

يخطئ الوثنيون إذ يظنون إن العدل الإلهي حتمًا يتحقق في هذا العالم، مع أن بعض القتلة يعيشون إلى زمنٍ طويلٍ ويتمتعون بصحة جيدة وقوة، ولا يؤمنون بيوم الرب العظيم، حيث يسقطون تحت الدينونة. كما يخطئون إذ يحسبون أن كل من يصيبهم أذى حتما هم تحت عقوبة عادلة، فكل مرض أو تجربة إنما تسقط على الخطاة.

ولماذا نتحدّث عن الوثنيّين، فإنّه حتى الأنبياء يقفون أحيانًا في دهشة إذ يظنّون أن العدالة الإلهيَّة تأخذ مجراها حالاً في هذا العالم، فيدهشون حين يروا الأشرار ناجحين. فيقول المرتّل: "قد رأيت الشرّير عاتيّا وراقًا مثل شجرة شارقة ناضرة" (مز 37: 35)... لكن لن يبقى الحال هكذا، إذ "عبر فإذا هو ليس بموجود، والتمسته فلم يوجد" (مز 37: 36).

تحدثوا عن القديس بولس كمن قد مات فعلاً، فإنه لا يمكن لمن تنشب به مثل هذه الحية أن يحيا.

"فنفض هو الوحش إلى النار،.

ولم يتضرر بشيءٍ رديءٍ ". [5].

"نفض الوحش": سمح الرب بذلك لكي يكرز لهم القديس بولس بالسيد المسيح الذي يهبنا سلطانًا على الحيات، فلا تقدر أن تبث سموم الموت فينا.

نفض الرسول الأفعى دون أي انزعاج أو اضطراب، ودون طلب أية معونة، لأن السيد المسيح واهب الحياة وغالب الموت هو في داخله.

"تطأ الحية والصل، وتدوس الأسد والتنين" (مز 91: 13). اختار أقوى الحيوانات والمهلكة أكثر من الكل، إذ أراد أن يقدم العمل الشيطاني بكل صور الشر، فبذكر الأسد والتنين أشار إلى القوة، فإن هذه الحيوانات جميعها معًا عنيفة، أما بالإشارة إلى الحية والصل فيلمح إلى التطرف في الشر. الأولى تبث سمًا قاتلاً، والأخيرة تسبب موتًا بالتطلع إليها. بالطبع كثيرون ممن وثقوا في الله أكدوا ذلك حتى في علاقتهم بالوحوش المفترسة. هكذا دانيال المشهور سدّ أفواه الأسود. وبولس الملهم لم تضره الحية، ولكي نضع ذلك في إيجاز، فلنرجع إلى نوح الذي عاش بين الحيوانات وكان محفوظًا من أي ضرر. هكذا توجد أعداد لا حصر لها من الناس الذين احتضنوا الحياة الزاهدة مع الوحوش، وكانوا محميين من أي ضرر يصيبهم، وذلك خلال رجائهم في الله[971].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش.

لهذا كان ولسببٍ معقول أن يصير الرب أيلاً، حتى تعد كلمة الرب مثل تلك الأيائل لنفسه؛ التي يقول عنها: "يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة (لغات) جديدةٍ، يحملون حياتٍ، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم" (مر 16: 17 - 18). وقد حملوا حياَّتٍ فعلاً وذلك حين طرح رسله قوة الشر الروحية (قابل أف 6: 12) من أماكن خفية في أجسادهم، حين نفخوا فيها، ولم ينلهم ضرر من سمومها المميتة. وحينما قفزت أفعى من حزمة عصى ولدغت بولس، وإذ رأى الأهالي تلك الأفعى، وهي تتدلى من يده، ظنوا أنه ميِّت لا محالة (أَع 28: 3 - 6). لكنه وقف دون فزعٍ، ولم يتأثرْ بالجُرح، ولم يسرِ السُم فيه. لهذا نظروا إليه معتقدين أنه ليس من بني البشر، إن جاز التعبير. لكنه مولود حقًا بنعمة الله، وأنه يفوق البشر. تأملوا الأيل وهو يطرح الأفاعي من أماكن اختبائها، كما قال:، "والتفت بولس بالروح، وإذ نظر خلفه، قال في حزن للروح العَّراف:" أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها، فخرج في تلك الساعة "(أع 16: 18). انظروا إلى الأيل حينما جاء إلى المعمودية (مز 41 [42]: 2)، التي صارت طاهرةً بالغسل الذي من النبع المقدس، فطرحت كلَ سموم الاضطهاد، انظروا إلى الأيل الرب يسوع، حينما أتى إلى يوحنا المعمدان. فقال له يوحنا:" أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليَّ (مت 3: 14)، فأجابه: "اسمح الآن!" [أو حرفيا ليكن الآن] (مت 3: 15). وحين قال ذلك، نزل بكل شوقٍ إلى المياه، لأنه عطش إلى خلاص البشرية[972].

القديس أمبروسيوس.

ليس للأرواح الشريرة سلطانًا أن تضر أحدًا، يظهر ذلك بوضوح في حالة الطوباوي أيوب، حيث لم يتجاسر العدو أن يجربه إلا حسبما سمح الله به... وقد اعترفت الأرواح نفسها بذلك كما جاء في الإنجيل إذ قالت: "إن كنت تُخرِجنا فَأْذَنْ لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير" (مت 31: 8). فإن كان ليس لديهم السلطان أن يدخلوا الحيوانات النجسة العُجم إلا بسماح من الله، فكم بالأحرى يعجزون عن الدخول في الإنسان المخلوق علي صورة الله؟!

لو كان لهؤلاء الأعداء (الشياطين) سلطان علينا والإضرار بنا وتجربتنا كما يشاءون لما كان يستطيع أحد أن يعيش في الصحراء بمفرده... ويظهر ذلك بأكثر وضوح من كلمات ربنا ومخلصنا الذي احتل آخر صفوف البشر، إذ قال لبيلاطس: "لم يكن لك عليَّ سلطان البتَّة لو لم تكن قد أُعطِيت من فوق" (يو 11: 19) [973].

واضح أن الأرواح النجسة لا تقدر أن تجد لها طريقًا في أجساد من اغتصبتهم بأي وسيلة ما لم تملك أولاً علي عقولهم وأفكارهم فتسلب منهم مخافة الرب وتذكره والتأمل فيه، وبهذا تتجاسر فتتقدم إليهم كمن هم بلا حصانة إلهية، وتقيدهم بسهولة وتجد لها موضعًا فيهم، كما لو كان لها حق الملكية عليهم[974].

الأب سيرينوس.

أمران متكاملان يشغلان قلب الكارز بإنجيل المسيح: التمتّع بالشركة مع الله، وتحطيم قوّات الظلمة. قدر ما ينفتح القلب لسكنى الله، ويتمتّع بالمصالحة معه، ويحمل الطبيعة الجديدة، لا يكون لعدو الخير سلطان على المؤمن. هذه هي كرازتنا: النصرة بالرب على إبليس وكل جنوده!

وأمّا هم فكانوا ينتظرون أنه عتيد أن ينتفخ أو يسقط بغتة ميتًا،.

فإذ انتظروا كثيرًا ورأوا أنه لم يعرض له شيء مضرّ،.

تغيروا، وقالوا: هو إله ". [6].

ما يراه الناس نقمة يراه الله نعمة، وما أثاره عدو الخير إبليس ليضيف إلى آلام الرسول آلامًا بل وموتًا يتحول إلى مجد لله وتكريم بولس الرسول. فبهذه الحية التي كان العدو يود أن يخلص بها من الرسول بولس في فضيحةٍ وعارٍ انفتح له باب الكرازة والشهادة، وبقي بولس في هذه الجزيرة لا يكف عن خدمة شعبها.

يُقال أن الرسول بولس لعن الحية، فاختفت كل الحيات، ولم يعد في مالطة حيات أو ثعابين.

حسب خبرتهم العملية كانوا يتوقعون انتفاخ جسم بولس وموته فورًا، وإذ لم يتحقق ذلك حسبوه إلهًا قادرًا أن يحطم الموت. كانوا يعبدون آلهة مجهولة، ولم يكونوا يتوقعون في آلهتهم أعظم مما لمسوه في بولس.

إن كان السيد المسيح قد انتهر الشيطان، قائلاً له: "ابعد عني شيطان"، فقد وهب تلاميذه روح النصرة والغلبة. لهذا في غير افتخار ولا تردد ألقى الحية في النار لتحترق. أعطانا سلطانًا أن نُلقى بالتجارب كما في نار ولا نخشاها.

4. شفاء أبي بوبليوس.

"وكان في ما حول ذلك الموضع ضياع لمقدم الجزيرة الذي اسمه بوبليوس،.

فهذا قبلنا، وأضافنا بملاطفة ثلاثة أيام ". [7].

وجد في حفائر هذه المنطقة حجر منحوت عليه اسم بوبليوس مقدم الجزيرة[975].

يذكر القديس لوقا إن بوبليوس مقدم الجزيرة، لكننا لا نعرف إن كان من أهل الجزيرة أو كان مندوبًا عن قيصر بروما، ربما كان حاكم الجزيرة.

"فحدث أن أبا بوبليوس كان مضطجعًا مُعترى بحمى وسحج،.

فدخل إليه بولس وصلّى،.

ووضع يديه عليه فشفاه ". [8].

كان والد بوبليوس مريضا بحمى ونزف دم bloody flux.

"فلما صار هذا كان الباقون الذين بهم أمراض في الجزيرة،.

يأتون ويشفون ". [9].

"فأكرمنا هؤلاء اكرامات كثيرة،.

ولمّا أقلعنا زوّدونا ما يحتاج إليه ". [10].

تطلع أهل الجزيرة وقادتهم إلى بولس الرسول ومن معه كرجالٍ قد بعثت بهم السماء إليهم، فتمتعوا ببركات كثيرة وتعزيات سماوية مع آيات وأشفية، لهذا قدموا للجميع كرامات، أي هدايا، كما زودوهم بما تحتاج إليهما الرحلة.

انظروا كيف أن هذا كله قد حدث من أجل بولس، بقصد أن يؤمن المسجونون والعسكر وقائد المائة. فلو كانوا جامدين كالحجارة تمامًا، فمن المشورة التي قدمت لهم، والنبوة التي سمعوه يتنبأ بها، والمعجزات التي علموا أنه قد صنعها، ومن أجل الزاد الذي تمتعوا به من أجله، تصير لهم نظرة سامية من نحوه[976].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

5. في سفينة إسكندريّة.

"وبعد ثلاثة أشهر أقلعنا في سفينة إسكندرية موسومة بعلامة الجوزاء،.

كانت قد شتّت في الجزيرة ". [11].

انكسرت السفينة في النصف الأول من شهر نوفمبر، وبعد ثلاثة أشهر، أي في منتصف فبراير بدأت نسمات موسم الربيع المبكر حيث يكون الإبحار فيه آمان. وجدوا سفينة قادمة من الإسكندرية إلى روما حيث قضت فترة الشتاء في الجزيرة.

كانت السفن تسمى حسب العلامة التي توسم بها. كانت علامة هذه السفينة هي الجوزاء.

"الجوزاء" ترجمة للكلمة اليونانية ديوسقورس Dioscuri، وتعنى "أبناء زيوس Zeus" وتشير إلى أخوين توأمين يعتبران شبه إلهين، شفيعا البحارة، يدافعان عنهم ضد العواصف الخطيرة. اسم التوأمين Castor. Pollux وهما ابنا الإله جوبتر وليدا زوجة تينداروس ملك سبارتا، بعد موتهما رحلا إلى السماء، وعهد بهذين الأخين كرامات إلهية، وتسلما إدارة شئون البحارة والالتزام بحمايتهم.

"فنزلنا إلى سراكوسا ومكثنا ثلاثة أيام". [12].

إذ أبحرت السفينة نحو الشمال جاءت إلى سراكوسا Syracuse، أهم مدينة في Sicily تقع جنوب شرقي الجزيرة.

"ثم من هناك درنا وأقبلنا إلى ريغيون،.

وبعد يومٍ واحد حدثت ريح جنوب،.

فجئنا في اليوم الثاني إلى بوطيولي ". [13].

إذ كانت الريح غير مواتية التزموا بأن يطوفوا على شكل دائرة أو يرجعوا إلى الوراء ليبلغوا إلى ريغون.

ريغون: مدينة في إيطاليا في مواجهة ميسينا Messina في Sicily، وهي تتبع مملكة نابلس أو Calabria، تُدعى حاليًا Reggio.

قضوا في هذه المدينة يومًا واحدًا، وقد جاء في الروايات الرومانية أن بولس الرسول كرز في هذا اليوم، وأن سمكة جاءت إلى الشاطئ تسمع له، وقد دُهش الشعب لعمل معجزات صنعها فقبلوا الإيمان واعتمدوا، فسام أحد رفقائه في الرحلة يُدعى استفانوس أسقفًا عليهم، هذا كله تحقق في يومٍ واحدٍ.

بعد يوم إذ هبت ريح مواتية، فأمكن بسهولة أن يبحروا إلى بوطيولي.

"بوطيولي" معناها "الآبار"، ميناء بحري قريب من نابس Naples، قد عرفت بالحمامات الساخنة، حاليًا تُدعى Pozzuoli أو بوزالانا Pozzolana على بعد 8 أميال شمال غرب نابلس.

"حيث وجدنا إخوة،.

فطلبوا إلينا أن نمكث عندهم سبعة أيام،.

وهكذا أتينا إلى رومية ". [14].

جاء إليهم إخوة مسيحيون، لم نعرف كيف بلغ إليهم الإيمان، لكن ما نعرفه أن الله يعمل في كل مكان، وله شهود مجهولون. هل سمعوا عن الرسول بولس، فجاءوا يلتقون به، ويتعزون أم سمع هو عنهم فاستدعاهم ليتمتع الكل بالشركة معًا؟ لقد ساد روح الحب بين المسيحيين في العالم، فكان كل مؤمنٍ يجد تعزيته في الشركة مع اخوته في المسيح يسوع.

طلبوا من الرسول بولس أن يمكث معهم سبعة أيام، ربما لكي يشتركوا معه في العبادة في يوم الرب، وقد توقعوا ألا يلتقوا به ثانية. والعجيب أن قائد المئة الذي كان في عهدته الرسول بولس والمساجين وافق على ذلك، ربما لأنه كان له أصدقاء في بوطيولي، أو له عمل معين، ولعله وجد في ذلك فرصة للاستماع للرسول بولس قبل أن يسلمه في روما.

"ومن هناك لمّا سمع الإخوة بخبرنا،.

خرجوا لاستقبالنا إلى فورن أبيوس والثلاثة الحوانيت،.

فلما رآهم بولس شكر اللَّه وتشجّع ". [15].

لعل أهل بوطيولي أرسلوا إلي روما، يخبرونهم بقدوم الرسول بولس.

خرجت كنيسة روما تستقبل السجين بولس، فذهب البعض إلى فورن أبيوس، وهي تبعد أكثر من 50 ميلاً من روما، وآخرون ذهبوا إلى الثلاثة حوانيت، وهي تبعد أكثر من 30 ميلاً من روما. لم تخجل الكنيسة من الخروج لتكريم السجين العجيب الشاهد للحق الإنجيلي، ولم يخشوا السلطات، بل حسبوا قيوده كرامة مضاعفة.

فورن أبيوسApii Forum مدينة مشهورة بفنادقها ذات الطابق الواحد، وسوق للبحارة، وهي مركز تجمع هائل للآتين من أنحاء العالم. فيها وجد المسيحيون فرصة للتقابل والتعارف بالآتين من مشارق الأرض ومغاربها، حيث كانوا يستضيفون الغرباء، ويقيمون ليتورجيا الإفخارستيا (خبز الشكر).

إذ كان خبر مجيء القديس بولس قد انتشر، تقاطر عليه كثيرون كانوا قد التقوا به في رحلاته السابقة، وتتلمذوا على يديه، حيث ولدهم في إنجيل المسيح، كما جاء إليه من سمعوا عنه ولم يروه من قبل. ولعل أول المستقبلين له بريسكلا وأكيلا اللذين كتب عنهما في رسالته إلى أهل رومية: "سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معي في المسيح يسوع اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي، اللذين لست أنا وحدي أشكرهما، بل أيضا جميع كنائس الأمم، وعلى الكنيسة التي في بيتهما" (رو 16: 3 - 5).

وقد جاء الإصحاح الأخير من رسالته إلى أهل رومية يكشف عن وجود جماعات مقدسة، أو كنائس كثيرة، ولم تكن توجد كنيسة متمركزة في روما، وكان لهذه الجماعات علاقات قوية مع الرسول بولس، دون وجود انشقاقات أو تحزبات فيما بينهما كما كان الحال في كورنثوس. وقد ذكر الرسول خمس جماعات:.

1. الكنيسة التي في بيت بريسكلا وأكيلا (رو 16: 5).

2. الكنيسة التي من أهل ارستوبولوس (رو 16: 10).

3. الكنيسة التي من أهل نركيسوس (رو 16: 11).

4. الإخوة الذين مع اسينكريتس وفليغون وهرماس وبتروباس وهرميس (رو16: 14).

5. القديسون الذين مع فيلولوغس وجوليا ونيريوس وأخته وأولمباس (رو 16: 15).

كما ذكر في هذا الإصحاح أسماء أفراد يبدو أنهم لم يكونوا بعد قد التصقوا بكنيسة معينة، ولم تكن توجد كنيسة مركزية تجمعهم، فذكرهم أفرادًا.

الثلاثة حانات: مدينة تبعد حوالي عشرة أميال من مدينة فورن أبيوس.

هكذا تجمع المسيحيون في المدينتين وانطلقوا مع الرسول بولس إلى روما، يتحدثون عن عمل الله المفرح وسط الآلام طوال سبعة عشر ميلاً حتى دخلوا روما، وقد تهللت نفوسهم بأعمال الله الفائقة، وخبرة الجميع لقوة قيامته وسط شركة الصلب معه.

استقبلته روما مقيدًا (أع 28)، صاعدًا من البحر، وقد خلص من انكسار السفينة، وخلصت روما من انكسار السفينة الذي للخطأ. دخل المدينة الإمبريالية العظمى كإمبراطور قام بمعركة حربية وغلب. الآن صار أكثر قربًا من إكليله. استقبلته روما مقيدًا، ورأته متوجًا، وأعلنت عن نصرته. هكذا قال: سأستريح معكم، لكن هذا كان بداية حلقة أشد ليضيف نصرات إلى نصرات، إنه إنسان لا يُغلب! [977].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

تعزى الرسول بولس بلقائه مع الإخوة المؤمنين، ولم يكن يشغله شيء بالرغم مما عُرف عن نيرون من طغيان، لكن لمس محبة الله الفائقة طوال الرحلة الخطيرة، كما لمسها في شعب كنيسة روما، فقدم ذبيحة شكر لله الذي يعمل على الدوام لبنيان ملكوته. ولعله تعزى لما رأى جماهير المؤمنين، فشكر الله العامل في كل موضع، خاصة في عاصمة الإمبراطورية التي كانت تسود العالم. لقد سبق أن سمع عنهم فشكر الله على إيمانهم (رو 1: 8)، وها هو الآن يراهم في دفء الإيمان.

"وتشجع": تعبير عجيب يسجله القديس لوقا عن القديس بولس الذي قدم ذبيحة شكر لله. هل كان الرسول العجيب في خدمته يحتاج إلى من يشجعه على العمل؟ لقد دخل روما متهللاً، وإذ تلاقى مع نفوس متهللة بالروح، لا تنشغل بقيوده، بل بإنجيل المسيح تشجع للعمل أكثر. وجدهم أحباء أصدقاء يتباحث معهم. كرفقاء له في رحلته إلى السماء في طريق الصليب المفرح.

6. تحديد إقامة في روما.

"ولمّا أتينا إلى رومية،.

سلّم قائد المائة الأسرى إلى رئيس المعسكر،.

وأمّا بولس فأذن له أن يقيم وحده مع العسكري الذي كان يحرسه ". [16].

"وهكذا أتينا إلى رومية": هكذا تحقق الوعد الإلهي لبولس رسول الأمم، أن يشهد للسيد المسيح أمام قيصر، في عاصمة العالم الأممي. لقد جاء كأسير، لكن لم يكن يشغله الدفاع عن نفسه، وإنما العمل لحساب ملكوت المسيح. شعر رسول بأنه قضي رحلة ممتعة، وإن كان في مظهرها رحلة عذاب، لكن في داخلها رحلة أمجاد سُجلت في السماوات، وحررت كثيرين من قيود الظلمة، ودخلت بكثيرين إلى النور. اختبر فيها شركة الآلام مع المسيح، كما تمتع بقوة قيامته الغالبة للموت.

جاء الرسول بولس إلى نهاية رحلته، وكم كان شوقه أن يكرز في روما، وقد حقق الرب له أمنيته، لكنه دخلها كأسير بين المسجونين. لم يدخل العاصمة كما يدخلها كثير من الأباطرة والعظماء تتقدمهم مواكب فخمة، إنما دخلها ليقيم من شعبها موكبًا سماويًا متهللاً بالروح.

أعطاه الله نعمة في عيني قائد المائة، كما سبق فأعطى السجين يوسف نعمة في عيني حافظ السجن (تك 39: 21).

سلم قائد المائة الأسرى إلى رئيس المعسكر، كان رئيس المعسكر يدعى بارهوس أفرانيوس Burrhus Afranius[978]. أما بولس فقد وهبه الله نعمة في قلوب آسريه، لكي يأسر قلوب الناس بحب المسيح. فقد انفتحت القلوب له، وسمح له المسئولون أن يقيم وحده مع العسكري الذي كان يحرسه. أقام بالقرب من المعسكر العام في قلب روما المدعو البريتوريومPraetorium بجوار قصر البالاتين Palatine الذي كان يقيم فيه قيصر، وقد بقي فيه لمدة عامين. لقد كسب كثيرين للمسيح من بيت قيصر، فقد جاء في رسالته إلي أهل فيلبي: "يسلم عليكم جميع القديسين، ولاسيما الذين من بيت قيصر" (في 4: 22)، كما كتب: "حتى أن وثقي صارت ظاهرة في المسيح في كل دار الولاية، وفي باقي الأماكن أجمع" (في 1: 13). وجاء في التقليد الكنسي أنه عمد زوجة نيرون التي قتلها نيرون فيما بعد. وعن طريقها اجتذب كثيرين من أسرة نيرون "كل دار الولاية".

يرى البعض أن القديس بولس جاء إلى روما ليشجع الكنيسة وهي تعاني من اضطهاد نيرون. يروي لنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن إحدى النساء في قصر نيرون قبلت الإيمان على يدي بولس الرسول، فتركت حياة الفساد التي عاشت فيها في القصر. اغتاظ نيرون فأمر بسجنه ثم قتله.

تحولت كل متاعب الرسول بولس لصالحه، لحساب ملكوت الله، فقد كسب قائد المائة كما كسب الكثيرين ممن في السفينة، وفي روما لم يُودع في السجن العام كسائر المسجونين، بل سُمح له أن يبقى في مسكن خاص يقيم فيه ومعه حارس. وجود الحارس يعطي شيئًا من الحصانة حتى لا يعتدي عليه أحد. هكذا اختبر الرسول بولس يد الله التي تحول كل الأمور للخير للذين يحبونه (رو 8: 28). وجود بولس الرسول في روما وتحت حراسة خاصة مع إعطائه حرية لمن يزوره يقدم له فرص للكرازة في جوٍ آمن، إذ لا يمكن قيام ثورة ضده في العاصمة حيث الإمبراطور مقيم.

الأمور التي تبدو أنها لإماتننا، بل وبما يضادها، الكل يعمل لصالحنا. ولكي تتعلموا هذا فقد أمر فرعون بطرح كل الأولاد في النهر (خر 1: 22). لو لم يكن الأمر قد صدر بطرحهم ما كان قد خلص موسى، ولما نشأ في القصر. لم يكن مكرمًا حين كان في آمان، ولكن إذ طُرح نال كرامة. لقد فعل الله ذلك لكي يٌظهر غنى مصادره ووسائله. لقد هدده اليهودي: "أمفتكر أنت بقتلي؟!" (خر 2: 11). هذا أيضًا كان لنفعه، فقد كان ذلك بعناية الله لكي يتمتع بالرؤيا في البرية، ولكي يتم الوقت المعين ليتعلم الحكمة (الفلسفة) في البرية ويعيش فيها في آمان. وفي كل مكائد اليهود ضده حدث له نفس الشيء، فصار أكثر شهرة... ها أنتم ترون أن كل المحن في كل حالة تقدم لنا صلاحًا عظيمًا في هذه الحياة، وما هو أعظم في الحياة العتيدة[979].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

7. لقاء مع وجوه اليهود.

"وبعد ثلاثة أيام استدعى بولس الذين كانوا وجوه اليهود،.

فلما اجتمعوا قال لهم:

أيها الرجال الإخوة،.

مع أني لم أفعل شيئًا ضد الشعب أو عوائد الآباء،.

أُسلمت مقيدًا من أورشليم إلى أيدي الرومانيين ". [17].

اليهود في روما: أول من وطأت أقدامهم روما هم من اليهود المكابيين عام 168 ق. م، تبعهم كثيرون كوَّنوا لأنفسهم أول مجمع هناك، وكان يمثلهم في أورشليم مجمع الليبرتينيينLibertines، أي الأحرار، أو المحررين، لأنهم أُخذوا إلى روما كأسرى بواسطة بومبي Pompey في غزوته للشرق سنة 63 ق. م، نالوا بعد ذلك الحرية، وتزايد عددهم خلال التجارة، إذ انضم إليهم تجار أغنياء كثيرون، وكانوا يهتمون بإرسال معونات إلى وطنهم بانتظام. كثيرون منهم نالوا المواطنة الرومانية مثل يوسيفوس المؤرخ. وكان لهم أثرهم على روما. وكما قال سنيكا الفليسوف: "إن المقهورين أعطوا الذين قهروهم القوانين". هذا وقد تهود كثير من الرومانيين. مع هذا فكانت إيطاليا تكره اليهود، وزادت الكراهية حتى طردوهم، لكن سرعان ما عادوا وصارت لهم حظوة وتمتعوا بالحرية والمساواة في الحقوق وصارت لهم سبعة مجامع.

حتى في روما عاصمة العالم الأممي في ذلك الحين أخلص الرسول لمبدأه وهو الكرازة "لليهودي أولاً ثم اليوناني"، لذلك بدأ الرسول شهادته أولاً أمام وجهاء اليهود، ومع ما سبق أن سمعوه قبلاً اقتنع بعضهم بما قيل [24].

كانت هكذا غيرة الإخوة، حتى أنهم لم يضطربوا لأن بولس كان مقيدًا[980].

بعد ثلاثة أيام استدعى وجهاء اليهود... لكي ما لا يصل إلى مسامعهم (أمرًا مخالفًا للحقيقة). وما شأنه بهم؟ فإنهم لم يكونوا يودون تقديم اتهامات ضده. ومع هذا فإن هذا الأمر لم يكن يشغله، إنما دعاهم لكي يعلمهم بما يشغله، وأن ما ينادي به لا يعارضهم[981].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

استدعى الرسول بولس وجوه اليهود للأسباب التالية:

1. ليوضح لهم أنه لا يزال يعتز بانتسابه لهم، وأنه لن يأخذ موقفًا مضادًا لشعبه، مهما كان الأمر.

2. أنه وإن كان قد طلب رفع قضيته أمام قيصر، لكنه كان ملزمًا إذ سلموه للرومان، وكان في خطر حيث وجدت محاولات لقتله.

3. كان كعادته يود أن يبدأ كرازته بين اليهود ثم ينتقل بعد ذلك إلى الأمم. فإن كان قد جاء مقيدًا إلى روما، فهو يعلن لليهود هناك الحق الإنجيلي. إنه يؤكد أن إنجيل المسيح هو غاية التقليد اليهودي السليم، فهو لم يأخذ موقفًا مضادًا للآباء والأنبياء والناموس كما اتهموه كذبًا.

تحدث معهم بروح الأخوة كصديق لهم وواحد منهم، "أيها الرجال الإخوة".

"الذين لمّا فحصوا كانوا يريدون أن يطلقوني،.

لأنه لم تكن فيَّ علّة واحدة للموت ". [18].

أوضح الرسول براءته، فإنه لم يرتكب جريمة تستحق الموت، وقد شهد الحكام الرومان أنفسهم بذلك. لم يهاجم الرسول الناموس ولا الأنبياء، إنما ينصب كل اتهامهم له في صداقته مع الأمم وفتح الباب لهم للخلاص، لأنهم يحملون كراهية للأمم (غل 2: 12). هنا يحدث يهودًا يعيشون في دار الأمم، في روما عاصمة العالم الأممي.

"ولكن لمّا قاوم اليهود،.

اضطررت أن أرفع دعواي إلى قيصر،.

ليس كأن لي شيئًا لأشتكي به على أُمتي ". [19].

بروح مسيحي يحمل كل محبة لمقاوميه، فهو لم يرفع شكواه إلى قيصر ليهاجم من يهاجمه، إنه يؤكد بأنه لن يشتكي بشيء على أمته.

انظروا تعبيره الودود "أمتي" (أع 28: 19)، إذ لم يتطلع إليهم كغرباء عنه. إنه لم يقل: "لا اشتكي" بل "ليس كأن لي شيئًا لاشتكي به" (أي ليس من حقه أن يشتكي) مع أنه عانى شرورًا كثيرة من أيدهم. لم يقل شيئًا من هذا، ولا جعل حديثه هجوميًا، ولا كمن يستجدي منهم إحسانًا. فإن النقطة الرئيسية أن يظهر أنهم سلموه سجينًا لروما هؤلاء الذين كان يجب أن يقوموا هم بمحاكمته[982].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فلهذا السبب طلبتكم لأراكم وأكلمكم،.

لأني من أجل رجاء إسرائيل موثق بهذه السلسلة ". [20].

كان يتحدث معهم وهو موثق بالسلاسل مع العسكري المرافق له. إنه لا يبالي بهذا، فقد وضع الآلام تحت قدميه. وها هو يعلن لهم أنه موثق بهذه السلسلة من أجل الكرازة بالمسيا الذي طالما كان الآباء والأنبياء يترجون ظهوره، وقد جاء.

"فقالوا له:

نحن لم نقبل كتابات فيك من اليهودية،.

ولا أحد من الإخوة جاء فأخبرنا،.

أو تكلم عنك بشيءٍ رديءٍ ". [21].

"ولكننا نستحسن أن نسمع منك ماذا ترى،.

لأنه معلوم عندنا من جهة هذا المذهب أنه يُقاوم في كل مكان ". [22].

يرى بعض الدارسين أن هؤلاء القادة لم يقولوا الحقيقة كاملة؛ فقد صدقوا في القول بأنه لم تصلهم رسائل ولا مندوبون من أورشليم لمهاجمة الرسول. لكنهم دون شك قد احتكوا بالمسيحيين في روما، وأدركوا فكر القديس بولس منهم، إذ كثير من قادة الكنيسة هناك التصقوا بالرسول، وتعرَّفوا عليه في مدن أخرى أو قبلوا الإيمان على يديه. لعل القادة اليهود أخفوا هذا لكي يسمعوا بآذانهم فكر الرسول بولس.

حتى ذلك الحين كان اليهود كما الرومان يتطلعون إلى المسيحية إنها أحد المذاهب اليهودية، وليست ديانة مستقلة عن اليهودية.

8. سهرة حول إنجيل المسيح.

"فعيّنوا له يومًا،.

فجاء إليه كثيرون إلى المنزل،.

فطفق يشرح لهم شاهدًا بملكوت اللَّه،.

ومقنعًا إيّاهم من ناموس موسى والأنبياء،.

بأمر يسوع من الصباح إلى المساء ". [23].

يكشف لنا القديس لوقا دور الرسل وعملهم، وهو الشهادة للسيد المسيح من خلال العهد القديم، والكشف عن حقيقة ملكوت الله.

كان كصاحب سلطان، يعمل الروح القدس به، وإذ لم يكن قادرًا على الذهاب إلى المجامع والالتقاء مع اليهود في أماكن عامة، وكانوا يأتون إليه جماعات، حددوا يومًا كاملاً لا عمل له فيه سوى الكرازة بملكوت الله، وتأكيد أن يسوع هو المسيا المنتظر.

مرة أخرى انظروا كيف أنه أبكمهم لا بالمعجزات وإنما بالناموس والأنبياء، وكيف أننا نجده دائمًا يفعل هذا. ومع هذا ربما صنع آيات أيضًا، لكنها لم تكن عندئذ موضوع إيمان. بالحقيقة هذا عينه هو آية عظيمة: حواره معهم من الناموس والأنبياء[983].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يعلّمنا أن خلاصًا واحدًا من الأنبياء إلى الإنجيل يحقّقه الرب الواحد عينه[984].

القدّيس إكليمنضس السكندري.

يقال عن الأنبياء الطوباويين أنهم عيوننا، إذ سبق فرأوا خلال الإيمان أسرار الكلمة، وصاروا خدامًا لتلك الأمور الخاصة بالأجيال المتعاقبة، فلا يتحدثون فقط عن الأمور الماضية، بل ويعلنون الحاضر والمستقبل...

لأن هؤلاء انتعشوا بالروح القدس، وتكرّموا كثيرًا بالكلمة ذاته، وهكذا كانوا كآلات موسيقى، وكانت لهم الكلمة دائمًا مثل آلة plectrum يعملون معًا في انسجام، وإذ كان الكلمة (المسيح) يحثهم يعلنون إرادة اللَّه، لأنهم لم يكونوا يتكلمون من ذواتهم، ولا حسب أهوائهم[985].

الأب هيبوليتس.

9. انشقاق بين اليهود.

"فاقتنع بعضهم بما قيل،.

وبعضهم لم يؤمنوا ". [24].

تحدث الرسول بولس معهم بكل وضوح، لكنهم لم يتفقوا معًا، فقد حدث بينهم شقاق، وكما قال السيد المسيح أنه جاء ليلقي نارًا (لو 12: 49، 51). وكما يقول الرسول بولس أن إنجيل المسيح يحمل رائحة حياة لحياة، ورائحة موت لموت (2 كو 2: 16). قبل البعض النور، بينما أغلق الغالبية أعينهم الداخلية عن معاينته.

"فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض،.

لمّا قال بولس كلمة واحدة،.

أنه حسنًا كلم الروح القدس آباءنا بإشعياء النبي ". [25].

"قائلاً اذهب إلى هذا الشعب،.

وقل ستسمعون سمعًا ولا تفهمون،.

وستنظرون نظرًا ولا تبصرون ". [26].

"لأن قلب هذا الشعب قد غلظ،.

وبآذانهم سمعوا ثقيلاً،.

وأعينهم أغمضوها،.

لئلاّ يبصروا بأعينهم،.

ويسمعوا بآذانهم،.

ويفهموا بقلوبهم،.

ويرجعوا فاشفيهم ". [27].

سرّ عدم سماعهم للحق وعدم رؤيتهم للنور الإلهي هو إرادتهم الشريرة؛ فإنهم لا يريدون أن يسمعوا ولا أن يروا (زك 7: 11 - 12). إنهم يسدون آذانهم ويغمضون أعينهم، فيسمعون بآذانهم الجسدية، ولا تستطيع آذان قلوبهم أن تصغي، ويرون بأعينهم الجسدية، وتبقى أعين قلوبهم مصابة بالعمى. لقد أحبوا المرض الروحي وعشقوه وخشوا لئلا يشفيهم الله. إنهم كبابل التي أراد الله أن يشفيها، لكنها رفضت ذلك (إر 51: 9)، فلن يلزمها بالشفاء قسرًا.

اقتبس الرسول بولس ما نطق به إشعياء النبي بالروح القدس (إش6: 9 - 10).

"فليكن معلومًا عندكم أن خلاص اللَّه قد أرسل إلى الأمم،.

وهم سيسمعون ". [28].

هنا بلغ سفر الأعمال إلى الذروة، إذ غايته تأكيد أن السيد المسيح قد جاء لخلاص العالم كله، وليس قاصرا على اليهود.

كما أن اليهود رفضوا يسوع ولم يقبلوه مسيحًا لهم، بل خرجوا به إلى الصليب للخلاص منه، إذا بالقادة حتى بعد قيامته، سواء في أورشليم أو روما يحملون ذات الاتجاه ويصرون على رفضه، فانفتح باب الإيمان على مصراعيه أمام الأمم.

هنا يعلن رسول الأمم أن تمرد اليهود على السيد المسيح وإنجيله قد كمل، فصار للإنجيل أن يعبر إلى الأمم ليجد فيهم مسكنًا له.

لا يعرف الرسول بولس اليأس، فإن رفضت فئة ما الخلاص اتجه إلى فئة أخرى. إنه يؤمن بإن يسوع لم يُصلب باطلاً، وأن عمله حتمًا سيأتي بثمرٍ كثير. ليس من مقاومة تقدر أن تثبط همته أو تفقده غيرته على الكرازة.

من هي هذه التي كانت قبلاً عاقرًا ومستوحشة؟ واضح أنها كنيسة الأمم، إذ كانت قبلاً محرومة من معرفة الله. من هي هذه التي لها زوج؟ واضح أنها مجمع اليهود. لكن أولاد العاقر صاروا أكثر منأولادها، لأن الأخيرة ضمت أمة واحدة أما أبناء الكنيسة فملأوا مدن اليونانيين والبرابرة، والأرض والبحر وكل المسكونة.

لاحظ كيف قدمت سارة بأعمالها (إنجاب اسحق) والأنبياء بنبواتهم ما قد تحقق معنا (تمتع الكثيرين بالبنوة للَّه). لاحظ كيف أن الذي دعاها إشعياء عاقرًا برهن بولس أن لها أولادًا كثيرين، الأمر الذي حدث رمزيًا مع سارة، فمع كونها عاقرًا صارت أمًا لأبناء كثيرين.

على أي الأحوال هذا لم يكفِ بولس، بل تتبع بدقة الطريقة التي بها صارت العاقر أمًا، إذ جاء الرمز مطابقًا للحق. لهذا أضاف "وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد" [28]... لقد قصد بذلك الكنيسة التي لم تعرف اللَّه، لكنها ما أن عرفته حتى فاقت المجمع الذي كان مثمرًا[986].

إن كان إله الكل فإنه يعتني بالكل وبالتالي يخلص الكل بذات الطريق، أي طريق الإيمان[987].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولمّا قال هذا مضى اليهود،.

ولهم مباحثة كثيرة فيما بينهم ". [29].

اشتد الحوار بين الفريقين، بين الذين قبلوا الإيمان والذين رفضوه.

10. كرازته لمدّة سنتين.

"وأقام بولس سنتين كاملتين في بيت استأجره لنفسه،.

وكان يقبل جميع الذين يدخلون إليه ". [30].

بقي الرسول لمدة عامين يكرز بلا عائق، لم يكن ممكنًا للسلسلتين، ولا للعسكر، أن يقيدوا بولس عن عمله. لم يكن ملتزمًا أن يعمل بيديه المقيدتين، بل كان الطعام والشراب يصل إليه بمقتضى القانون. صارت القيود علة لنجاح الكرازة إذ كتب: "ثم أريد أن تعلموا أيها الاخوة أن أموري قد آلت أكثر إلى تقدم الإنجيل، حتى أن وثقي صارت ظاهرة في المسيح في كل دار الولاية، وفي باقي الأماكن أجمع" (في 1: 12 - 13).

هنا تظهر الحرية التي صارت له دون أي عائق في روما، هذا الذي وجدت عوائق لخدمته في اليهودية، وقد بقي عامين يعلم هناك[988].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إنه يدخل إلي روما في قيود لكي يحرر الذين هم في قيود الخطأ والخرافات. سكن لمدة سنتين في بيت أستأجره لكي يعطينا بيتًا أبديًا تحدث عنه العهدان (القديم والجديد) [989].

القديس جيروم.

"كارزًا بملكوت اللَّه،.

ومعلمًا بأمر الرب يسوع المسيح،.

بكل مجاهرة بلا مانع ". [31].

تركنا القديس لوقا في نهاية السفر دون أن يسجل لنا مصير القديس بولس، لأن ما يشغله ليس تأريخ حياة بولس الرسول، بل الكشف عن خدمته وكرازته، فقد قضى العامين لا يمارس الحرية الكاملة، إذ لم يكن يستطيع أن يتحرك، لكنه يستقبل كل من يرغب في اللقاء معه، وذلك في حضرة الحارس الروماني.

غالبًا ما كتب الرسول رسائله إلى أهل فيلبي وأفسس وكولوسى وفليمون وتيموثاوس (الثانية) وربما إلى العبرانيين وهو في السجن أو أثناء الاعتقال في روما في خلال هاتين السنتين.

جاء أيضًا في التقليد أنه إذ نال براءة انطلق من إيطاليا إلى أسبانيا ومنها إلى كريت، وبعد ذلك ذهب مع تيموثاوس إلى اليهودية. افتقد بعد ذلك الكنائس في أفسس، وأخيرا جاء إلى روما للمرة الثانية حيث نال إكليل الشهادة في أيام نيرون ربما عام 64م أو بعدها بقليل. يرى القديس كيرلس الأورشليمي أن القديس بولس قام بالتبشير في أسبانيا.

ذهب من روما إلى أسبانيا وأخذ إليهم معه أيضًا الإنجيل، ثم عاد وفي وقت متأخر قطعت رأسه[990].

الآب ثيؤدورت أسقف كورش.

شهد الرسول بولس أن هاتين السنتين في روما كانتا مشحونتين بالثمار، فآمن كثيرون حتى من داخل القصر (في 1: 12 - 14).

أود أن أرى تراب هذا القلب. إن أراد شخص أن يدعوه قلب العالم كله فهو لا يخطئ. هذا القلب كان يحتضن الكل، فيضم كل المدن والشعوب، وكانت الأمم تجتمع معًا فيه. "قلبنا متسع لكم" (٢ كو ٦: ١١). ومع كونه عظيمًا هكذا، فإن الحب الذي يصدره كان يسبب حزنًا لبولس يملأ قلبه. يقول: "أكتب إليكم في حزنٍ ووجع قلبٍ" (٢ كو ٢: ٤). كان قلب المسيح هو قلب بولس. إنه حديث عن الحب[991]!

من يهبني الفرصة أن أحتضن جسد بولس، وألتصق بقبره، وأتطلع إلى رماد هذا الفم الذي من خلاله تكلم المسيح؟ [992].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ختم القديس يوحنا الذهبي الفم عظاته على سفر الأعمال بالحديث عن القديس بولس قائلاً:

[رأيتم أعماله جزئيًا، هكذا كانت كلها محتشدة بالمخاطر.

كان سماءً فيها شمس البرّ، ليس كالشمس التي نراها؛ فإن هذا الإنسان هو أفضل من السماء عينها...

لا يخطئ إنسان أن دعا قلب بولس بحرًا وسماءً. إنه بحر فيه رحلات لا تبحر من مدينة إلي مدينة، بل من الأرض إلى السماء؛ وأن أبحر إنسان في هذا البحر فستكون رحلته مزدهرة. في هذا البحر لا توجد رياح بل عوض الرياح الروح القدس الإلهي يسوق النفوس التي تبحر فيه. ليس فيه أمواج ولا صخرة ولا حيوانات مرهبة، كل شيء في هدوء... من يرغب في أن يبحر في هذا البحر لا يحتاج إلى غواصين، ولا إلى رتب، بل الحب المترفق يفيض، يجد كل الصالحات التي في ملكوت السماوات. يصير أيضًا قادرًا أن يكون ملكًا، ويملك العالم كله، ويكون في أعظم الكرامات. من يُبحر في هذا البحر لن يعاني من انكسار سفينته، بل كل الأمور تسير حسنًا...

ليتنا نحاكي بولس، ونتمثل بسموه، تلك النفس الماسية، فنتقدم في إثر خطوات حياته، حتى يمكننا أن نبحر في بحر هذه الحياة الحاضرة، ونبلغ الميناء حيث لا أمواج، وننال الصالحات الموعود بها، والحب لله بنعمة ورحمة ربنا يسوع المسيح له المجد مع الآب والروح القدس والقدرة والكرامة الآن وإلى أبد الأبد. آمين[993].].

من وحي أع 28.

كازر أينما وجد!

نجا كل من كانوا في السفينة،.

تحقّقت رؤيا قدّيسك بولس،.

وفي تواضع لم يتفاخر أنّه علّة خلاصهم من الدمار.

بل بروح الحب صار يجمع حطبًا ليتمتّع الكل بالتدفئة.

كانت أعماله، حتى البسيطة للغاية،.

تتناغم مع كلماته وتعاليمه.

شهد لك بحبّه العملي، كما بكلماته.

نشبت في يده أفعى ولدغته.

حكم عليه البرابرة في أنفسهم،.

أنّه قاتل، سافك دماء.

اليد التي امتدّت للقتل نشبت فيها أفعى.

انتظر الكل أن يتم فيه العدل الإلهي بموته.

حسبوه قاتلاً لن يفلت من يد الله,.

وإذا به ينفض الوحش بكل يقين واطمئنان.

حسبوه إلهاً قديراً لن يقدر سم الأفعى أن يقتله.

كشف عن سرّ السيد المسيح الساكن فيه.

شهد لمسيحه أمام حاكم الجزيرة بشفاء أبيه.

تحولت الجزيرة إلى مستشفى,.

وصار بولس طبيباً يقدم السيد المسيح دواءً للنفس والجسد.

دخل روما بفرحٍ وتهليلٍ.

رآه الإخوة في القيود,.

فطوَّبوه من أجل شركة الصلب مع مسيحه.

اهتم بإخوته اليهود,.

وإذ رفضوه كما رفضوا سيده,.

بدأ يكرز بكل قوة بين الأمم.

طوباك يا أيها العجيب في الكرازة.

لم تعرف للكرازة حدود!

ترى في كل إنسان مسيحك مخلص النفوس.

وتشتهي أن تحمل بالحب كل البشر,.

تحتضنهم لتحمل بروح الله القدوس إلى أحضان الآب!

ملحق للأصحاح الثامن والعشرين.

عن.

خراب أورشليم[994].

ختم سفر الأعمال بأسر القديس بولس في روما، حيث قضى عامين خلالها قام بالشهادة في القصر الإمبراطوري وكسب نفوسًا للسيد المسيح، علامة انطلاق الخدمة إلي قلب العاصمة، وانفتاح باب الإيمان للأمم علي مصراعيه، هنا نقدم موجزًا للأحداث في أورشليم حتى تم خراب المدينة في عام 70.

دمار الهيكل.

إذ رفض اليهود الإيمان بيسوع بكونه المسيا المخلص، ظهرت بعض الشخصيات المخادعة التي إدعت الرسالة من الله لإنقاذ أمة اليهود من الاستعمار الروماني، الأمر الذي في نظر اليهود لم يشغل ذهن يسوع. اجتذب هؤلاء كثير من اليهود حولهم، ولكنهم قُتلوا هم وأتباعهم.

اشتد التنافر بين اليهود والولاة الرومان، إذ شعروا بالمذلة أن يدفعوا جزية لدولة غريبة، كما أهان بعض القادة الرومان الهيكل حين أدخلوا بعض التماثيل فيه. ثار الشعب علي الولاة، وحلّ الفساد بين كل الطبقات وسادت الفوضى البلاد.

تعاقب الولاة الواحد علي الآخر بسرعة، وكان هدفهم جمع الثروات علي حساب الشعب، وأخيرًا ففي عام 66 م صار ظلم جسيوس فلوروس وسلبه الأموال علة قيام جميع الأمة بالحرب علي الرومان. بدأت الحرب في قلعة مسَّدا بالقرب من البحر الأحمر حيث دخل جماعة من الجنود اليهود علي العسكر الرومان وقتلوهم جميعًا بالسيف. عندئذ أعلن رؤساء اليهود عصيانهم علي الدولة الرومانية ورفض كهنة اليهود تقديم ذبائح لإنجاح الإمبراطور الروماني، وقام الشعب علي العسكر الرومان أينما وجدوهم وقتلوهم. انضم السريان إلي الرومان كطرفٍ، واليهود طرف آخر وانتشبت الحرب بين الفريقين.

إذ سمع سستيوس كالوس والي سوريا بالأمر انطلق بجيش عظيم إلي أورشليم، فخرج إليهم اليهود، وقتلوا كثيرين، غير أن الرومان دخلوا القسم السفلي من المدينة وحرقوه.

رجع سستيوس إلي معسكره، فتشجع اليهود وانطلق عدد كبير إلي المعسكر، وقتلوا كثيرين من جندِه، وحصلوا علي كميات ضخمة من الأسلحة الحربية شجعتهم علي التمادي في المعركة. في ذلك الوقت انطلق البعض إلي الجبال من بينهم المسيحيون حسب وصية السيد المسيح (مت 24: 15 - 16)، هؤلاء نجوا من الحرب التالية عندما حوصرت المدينة.

أخبر سستيوس نيرون بما حدث فأرسل سباسيانوس أعظم قواده في ذلك الزمان؛ انطلق ومعه 60 ألفًا من الجند لاسترداد الحصون من أيدي المتمردين. وقد دافع اليهود عنها مستميتين، وكان من بينها مدينة جوتباتا، فحماها يوسيفوس المؤرخ الكاهن اليهودي من العائلة الأسمونية، أقامه اليهود واليًا للجليل. وإذ فتحت المدينة سجل يوسيفوس تاريخ أمته وسقوطها المّر. أسقط الرومان بقية حصون الجليل بالرغم من البسالة التي أظهرت اليهود في الحصار.

في شتاء وربيع 68 / 69م فتحوا بيريا وأيدوميا وجنوب اليهودية، ولم يسرع فسباسيانوس في السير نحو أورشليم، فأخبر قادته أنه متمهل علي المدينة حيث حدث انشقاق بين اليهود في أورشليم، وصاروا يقاتلون بعضهم البعض، حيث انقسموا إلي أحزاب، واستولى كل حزب علي قسمٍ من المدينة. تحولت المدينة إلي شبه حرب أهلية أفسدت قوتهم وبردت طاقتهم.

رجع فسباسيانوس إلي روما بسبب قيام الفتن التي سبقت ارتقائه العرش، وفوَّض قيادة الحرب لابنه تيطس. حاصر تيطس أورشليم في عيد الفصح سنة 70م، حيث كان قد اجتمع فيها حوالي مليوني يهوديًا للاحتفال بالعيد. وإذ فرغت المئونة حدث جوع شديد فتمت النبوة الخاصة بالمجاعة الواردة في (تث 28: 48) الخ. قيل أن حوالي 600 الفًا قد هلكوا، وحاول تيطس ان يقنعهم بالتسليم لكن رؤساء الأحزاب رفضوا، وقتلوا كل من أبدى ميلاً للاستسلام.

بسبب حصانة المدينة طبيعيًا وجد الرومان صعوبة شديدة في اقتحامها فدخلوا أولاً أطرافها، ثم القسم السفلي منها، ثم الهيكل الذي كان قلعة حصينة، وأخيرًا بعد خمسة أشهر من بدء الحصار فتحوا المدينة العليا. إهتم تيطس بالاحتفاظ بالهيكل كقطعة فخمة يفتخر بها، لكن جنديًا أشعل فيه النار خلافًا للأوامر الصادرة، فاحترق الهيكل كله، ولم ينجُ منه سوى الأواني الذهبية المقدسة. قُتل الكثيرون وبِيع الكثيرون عبيدًا وأرسل البعض للعمل في المناجم بمصر وغيرها.

إذ تحققت كلمات السيد المسيح عن خراب أورشليم والهيكل، وسقطت دولة إسرائيل تمامًا استقلت الكنيسة في العالم كله عن اليهود، وأدرك كثير من المسيحيين ضرورة التحرر عن الطقس اليهودي الحرفي.

المحتويات.

الكنز المخفي! 3.

مقدمة في.

سفر أعمال الرسل.

الإنجيل العملي، سفر أعمال الروح القدس، سفر كنيسة المسيح المصلوب المتهللة، وضع السفر بين أسفار العهد الجديد، كاتب السفر: الشهادات الخارجية، الشهادات الداخلية، اسم السفر، تاريخ كتابة السفر، غاية السفر، الكرازة في العالم، الإيمان العملي، لاهوت المسيح، البرهان علي القيامة، العظات الرئيسيّة في السفر، أقسام السفر.

الباب الأول.

الإعداد لقيام الكنيسة.

ص 1 - 2.

الأصحاح الأول: الإعداد لميلاد الكنيسة 42.

جذب التلاميذ نحو الملكوت، الوعد بالقائد الإلهي، ارتفاع الرأس إلى السماء، تكملة عدد التلاميذ.

الأصحاح الثاني: ميلاد الكنيسة في يوم البنطقستي 96.

لقاء جماعي، حلول الروح القدس، موقف الحاضرين، خطاب بطرس للشعب، جاذبية الروح القدس، كنيسة روحية متهللة، كنيسة ولود.

الباب الثاني.

في أورشليم.

ص 3 - 7.

الأصحاح الثالث: شفاء كسيح 166.

كنز الكنيسة: اسم المسيح، شفاء الأعرج باسم يسوع الناصري، حديث عن الإيمان باسم يسوع، شهادة كل الأنبياء ليسوع.

الأصحاح الرابع: بطرس ويوحنا أمام المجمع 198.

القبض على بطرس ويوحنا، الرسولان أمام المجمع، ارتباك المجمع، تهديد الرسولين، صلاة من أجل الكرازة، حياة الشركة.

الأصحاح الخامس: حنانيا وسفيرة 237.

حنانيا وسفيرة، نمو الكنيسة المستمر، إلقاء الأيدي على الرسل، تهمة الاسم، موقف غمالائيل، كلمة الله لا تُقيد.

الأصحاح السادس: انتخاب سبعة شمامسة 280.

تذمر اليونانيين على العبرانيين، انتخاب سبعة شمامسة، خدمة رئيس الشمامسة، استفانوس أمام المجمع.

الأصحاح السابع: خطاب استفانوس 307.

ظهور إله المجد لإبراهيم في أرضٍ وثنية، نزول يعقوب أب الأسباط إلى مصر، تربية موسى في قصر فرعون، العليقة والأرض المقدسة، مقاومة آبائهم لموسى، خيمة الشهادة في البرية، الله لا يسكن في مصنوعات الأيادي، اضطهد آباؤهم الأنبياء ولم يحفظوا الناموس، السماء المفتوحة، استشهاد استفانوس.

الباب الثالث.

في اليهودية والسامرة.

ص 8 - 9.

الأصحاح الثامن: شاول يضطهد الكنيسة 368.

اضطهاد عظيم على الكنيسة، خدمة فيلبس في السامرة، إيمان سيمون الساحر، بدء فكرة السيمونية، إيمان الوزير الأثيوبى، عماد الوزير الأثيوبى، القديس فيلبس في أشدود.

الأصحاح التاسع: اهتداء شاول 426.

اهتداء شاول، لقاء شاول مع حنانيا، انطلاقه للكرازة، تهريبه من دمشق، شاول في أورشليم، بطرس الرسول في اللد ويافا.

الباب الرابع.

إلى أقصى الأرض.

ص 10 - ص 28.

الأصحاح العاشر: انفتاح عينيّ بطرس الرسول على خدمة الأمم 471.

رؤيا كرنيليوس، رؤيا بطرس الرسول، لقاء مع رجال كرنيليوس، لقاء مع كرنيليوس، حديث للقدّيس بطرس، عماد كرنيليوس ومن معه.

الأصحاح الحادي عشر: خصومة بسبب خدمة الأمم! 518.

خصومة مع الرسول بطرس، القدّيس بطرس يشرح الموقّف، الخصومة تتحوّل إلى تسبيح مفرح، الكنيسة في أنطاكيّة، القدّيس برنابا في إنطاكيّة، القدّيس برنابا يطلب شاول، إنطاكيّة تسند أورشليم.

الأصحاح الثاني عشر: هيرودس أم بطرس الرسول؟ 541.

هيرودس يقتل الرسول يعقوب، سجن بطرس الرسول، خلاص بطرس من السجن،.

القدّيس بطرس في العُلّية، اضطراب العسكر، ملاك الرب يضرب هيرودس.

الأصحاح الثالث عشر: رحلة بولس الرسول التبشيريّة الأولى 567.

أنطاكية مركز للعمل، فرز برنابا وشاول للكرازة، بدء الرحلة الأولى، مقاومة باربشوع للكرازة، خطاب في أنطاكية بيسيديّة، التوجّه إلى الأمم، مقاومة اليهود للرسولين.

الأصحاح الرابع عشر: تكملة الرحلة التبشيرية الأولى 605.

إيمان جمهور كثير بأيقونية، انشقاق في المدينة، دعوتهما إلهين في لسترة، تحريض ورجم بولس، تلمذة كثيرين في دربة، عودة وتثبيت الكنائس، تقرير مفرح في أنطاكية.

الأصحاح الخامس عشر: مجمع أورشليم 627.

دعوة للتهود في أنطاكية، صعود بولس وبرنابا إلى أورشليم، انعقاد أول مجمع كنسي، خطاب بولس الرسول، حديث بولس وبرنابا، حديث يعقوب الختامي، إرسالية إلى أنطاكية، تعزية في أنطاكية، خلاف بين بولس وبرنابا، بدء الرحلة الثانية.

الأصحاح السادس عشر: سجن في فيلبي أم تسبيح في السماء؟ 661.

اختيار تيموثاوس تلميذًا، نمو الكنائس يوميًا، الروح يمنعهم من الكلمة، أعبر إلى مكدونية وأعنا، بولس وسيلا في فيلبي، عماد ليدية وأهل بيتها، إخراج روح العرافة، بولس وسيلا في السجن، إيمان حافظ السجن، إطلاق الرسولين.

الأصحاح السابع عشر: من فيلبي إلى أثينا 692.

في تسالونيكي، في بيرية، في أثينا، في أريوس باغوس، السخرية بالقيامة من الأموات.

الأصحاح الثامن عشر: في كورنثوس 721.

بولس في كورنثوس، بولس يعمل لأجل معيشته، خدمته في المجمع، خدمته في بيت يوستس، مقاومة اليهود له، عودته إلى إنطاكية، بدء رحلته الثالثة.

الأصحاح التاسع عشر: اضطراب خطير في أفسس 740.

بولس في أفسس، عمادهم باسم الرب يسوع، حلول الروح القدس عليهم، خدمته في المجمع، خدمته في مدرسة تيرانس، قوات غير المعتادة، أبناء سكاوا المعزمين، حرق كتب السحر، اضطراب في أفسس.

الأصحاح العشرون: إقامة أفتيخوس في تراوس وخطاب وداعي في ميليتس 764.

مكيدة في هيلاس باليونان، ذهابه إلى تراوس، أقامة أفتيخوس الشاب، ذهابه إلى ميليتس، خطابه الوداعي، وداع حار مؤثر.

الأصحاح الحادي والعشرون: في أورشليم 795.

إلى صور، مشورة الإخوة له، نبوّة أغابوس في قيصريّة، صعوده إلى أورشليم، مشورة الإخوة له في أورشليم، شغب في الهيكل، تدخّل أمير الكتيبة.

الأصحاح الثاني والعشرين: أول دفاع أمام اليهود 824.

يهودي غيور، مضطهد للطريق، نور من السماء، دعوته للشهادة، رؤية في الهيكل، محاولة قتله، روماني لا يُجلد.

الأصحاح الثالث والعشرون: القديس بولس أمام مجلس السنهدرين 839.

ضربه على فمه، منازعة في المجمع، ظهور الرب له، مؤامرة لقتله، اكتشاف المؤامرة، إرساله إلى قيصرية، رسالة إلى فيلكس.

الأصحاح الرابع والعشرون: محاكمة القديس أمام فيلكس الوالي 859.

شكاية ترتلس على بولس، احتجاج الرسول بولس، تأجيل القضية، عظته للوالي وزوجته، عزل فيلكس.

الأصحاح الخامس والعشرون: القديس يرفع دعواه إلى القيصر 878.

فستوس في أورشليم، احتجاج بولس في قيصرية، رفع دعواه إلى قيصر، استشارة أغريباس الملك، بولس أمام محفل عظيم.

الأصحاح السادس والعشرون: دفاع بولس الخامس 892.

الإذن له بالحديث، يهودي غيور، مقاومة لاسم يسوع، ظهور يسوع له، دعوة إلهية للكرازة، التوبة موضوع كرازته، اتهامه بالهذيان، تأثيره على الملك، انصراف المحفل.

الأصحاح السابع والعشرون: إلى روما 912.

من قيصرية إلى ميرا، من ميرا إلى المواني الحسنة، من المواني الحسنة إلى مليطه.

الأصحاح الثامن والعشرون: رحلة القديس بولس إلى روما 933.

في مليطة، إحسان أهل مليطة، نشوب أفعى في يد الرسول، شفاء أبي بوبليوس، في سفينة إسكندريّة، تحديد إقامة في روما، لقاء مع وجوه اليهود، سهرة حول إنجيل المسيح، انشقاق بين اليهود، كرازته لمدّة سنتين.

"كان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون".

أع 47: 2.

"ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم،.

وتكونون لي شهودًا،.

في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض ".

أع 8: 1.


[961] Homilies on Acts, hom. 53.

[962] Homilies on Acts, hom. 53.

[963] Homilies on Acts, hom. 53.

[964] Homilies on Acts, hom. 53.

[965] Homilies on Acts, hom. 53.

[966] Homilies on Acts, hom. 53.

[967] Against Vigilantius, 6.

[968] Homilies on Acts, hom. 53.

[969] Comm. On Paul’s Epistles (2Cor. 11: 27).

[970] Homilies on Acts, hom. 54.

[971] Comment. on Ps. 91.

[972] The Prayer of Job and David, B. 4, 1: 5.

[973] مناظرات يوحنا كاسيان مع مشاهير آباء البرية، 22: 7.

[974] مناظرات يوحنا كاسيان مع مشاهير آباء البرية، 24: 7.

[975] W. Conybeare: Life and Epistles of Paul, , 1987, p. 660, n. 3.

[976] Homilies on Acts, hom. 54.

[977] Homilies on Acts, hom. 55.

[978] Tacitus: History 12: 42: 1.

[979] Homilies on Acts, hom. 54.

[980] Homilies on Acts, hom. 54.

[981] Homilies on Acts, hom. 54.

[982] Homilies on Acts, hom. 55.

[983] Homilies on Acts, hom. 55.

[984] Strom 2. 6.

[985] Hippolytus: Treatise on Christ and antichrist 2.

[986] In Galat. , Chapter 4.

[987] In Rom. hom 7.

[988] Homilies on Acts, hom. 55.

[989] Letter 71: 1.

[990] Epistle to the Philippians, 1: 25.

[991] Hom 32 in Rom. , in Morali PG 60: 697.

[992] Hom. 32 in Rom. PG 60: 678 ff.

[993] Homilies on Acts, hom. 55.

[994] راجع جمعيات الكتاب المقدس في المشرق ببيروت: تفسير العهد الجديد، 1877، ص 170 - 171.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

الأصحاح السادس والعشرون - تفسير سفر أعمال الرسل - القمص تادرس يعقوب ملطي